حقيقة الخلاف بين الإمام الطبري والأشعري حول جاهل الصفة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: حقيقة الخلاف بين الإمام الطبري والأشعري حول جاهل الصفة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    27

    Lightbulb حقيقة الخلاف بين الإمام الطبري والأشعري حول جاهل الصفة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الشيخ المهتدي بالله الإبراهيمي في توفيق اللطيف المنان (1/272-274) ضمن الرد على من ادعى أن العلماء اختلفوا في تكفير جاهل صفة القدرة ، وأوضح حقيقة الخلاف بين الطبري والأشعري فقال :
    ( وهذا المذهب مذهب قديم جديد ، ونخاطب القائلين به ونقول لهم ، عبارة ( جاهل الصفات ) هي عبارة مجملة لم تبين الصفات المقصودة ، أهي صفات الربوبية ، أم صفات أخرى ، فربما كان العلماء يقولون هذه العبارة عن المسلمين ولا يصح أن يكون إلا هذا ، فلو قلنا مسلم جاهل بالصفات ، لتبين أن الصفات المقصودة هنا هي ما كانت خارجة عن الصفات الواجبة على كل موحد وموحدة معرفتها ابتداءً .
    فإن قالوا : بل هي صفات الربوبية لأنه لا خلاف بين العلماء حول عذر من جهل الصفات الخبرية مثل اليد والاستواء .
    قلنا لهم بحول الله تعالى : من فهمتم عنهم من العلماء أنهم لا يكفرون جاهل صفات الربوبية ، وهل لا يكفِّرون جاهل كل صفات الربوبية أم بعضها ؟ فإن قلتم بعضها فهلاَّ حددتموها لنا بأدلتها الشرعية !
    فانظر حينها كيف سيتخبطون بالإجابة تخبطاً عجيباً ، فقبحاً لمن يجعل طريق الإيمان برب العالمين هو طريق الجهل بصفات ربوبيته ! فشبهتهم أوهى من بيت العنكبوت لمن وفقه الله عز وجل .
    لتعلم بداية أن الخلاف الحاصل بين العلماء والذي سمي خلافاً في تكفير جاهل الصفة المقصود منه الخلاف الحاصل في تكفير من قال : أنا أقر أن الله عالم ولكن ليس بصفة العلم بل بذاته ، ففرقوا بين الصفة والوصف .
    فمِمَّن كفرهم بذلك الإمام ابن جرير الطبري (224-310هـ) والإمام الأشعري في رأيه الأول ، ولم يقبلوا من هؤلاء هذا التأويل وقالوا لا يوصف بعالم إلا من كان له علم ، لكن الإمام أبي الحسن الأشعري تراجع عن تكفيرهم في آخر حياته وقال أن الاختلاف هو في العبارات فقط كما فصلنا في هذه المسألة في الباب الثاني من هذه الرسالة .
    فإن قلت : فما علاقة هذا الخلاف بحديث الرجل هذا ؟ فمسألة الحديث تدور على جهل حقيقة القدرة وليس على القدرة كصفة معللة ومبينة .
    قلت : نعم ، لا علاقة لهذا الخلاف بحديث الرجل هذا ، لكن جاءت طائفة فهمت هذا الخلاف فهماً خاطئًا وظنوه خلافاً في من جهل حقيقة الصفة . وإليك أقوال العلماء في بيان ذلك .
    قال الإمام أبو العباس القرطبي (578-656هـ) في معرض شرحه لحديث الرجل المسرف على نفسه الموصي أولاده بحرق جسده بعد موته خشية من الله وخوفاً : ( القسم الأول : طائفة حملت ذلك على ظاهره ، وقالوا : إن هذا الرجل جهل صفتين من صفات الله تعالى وهما : العلم والقدرة ، ومن جهل ذلك لم يخرج من اسم الإيمان ، بخلاف من جحدها ، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري ، مع أنه قد كان تقدم له قول آخر بأنه مكفِّر . وهو مذهب الطبري .
    قلت : وهذه الطائفة انصرفت عن معنى الحديث إلى معنى آخر ، اختلف فيه المتكلمون ، وهو تكفير من اعترف بأن الله قادر بلا قدرة ، وعالم بلا علم ، ومريد بلا إرادة ، فهل يكفَّر أم لا يكفَّر ؟ على اختلاف القولين المتقدمين . ولا يختلف المسلمون في أن من جهل أو شكَّ في كون الباري تعالى عالماً به وقادراً على إعادته كافر ، حلال الدم في الدنيا ، مخلد في النار في الآخرة ؛ لأن ذلك معلومٌ من الدين بالضرورة ، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعاً . فمقتضى الحديث بظاهره أن الرجل كافرٌ على مقتضى شريعتنا . ولذلك قالت طائفة : فلعل شرع ذلك الرجل لم يكن فيه الحكم بتكفير من جهل ذلك ، أو شكَّ فيه ، والتكفير حكم من الأحكام الشرعية فيجوز أن تختلف الشرائع فيه ، كما قال تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) (المائدة: 48)
    قلت : وهذا فيه نظر ؛ لأن هاتين القاعدتين من ضروريات الشرائع ، إذ لا تصح شريعة مع الجهل (1) ، فإن الله عالم ، قادر ، مريد ، ولا مع الشك فيها ، فلا بد أن تنص الرسل لقومهم على هذه الصفات ، مع أن العقول تدل عليها ، فيكون العلم بها ضرورياً من كل الشرائع ، كما كان ذلك ضرورياً في شرعنا ، فيكون جاحد ذلك والشاك فيه مكذباً لرسوله ، وتكذيب الرسل كفر في كل شرع بالضرورة ) (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي (7/75-76) .) .
    (1) وهذه عبارة مهمة جداً ، فلا تصح شريعة مع الجهل بأصل الدين ، فالكافر لا يقبل منه عمل ولو أتى بكل الشرائع ما دام أنه لم يحقق أصل الدين ، فلا تصح شريعة مع الجهل ولا مع الشك فيها ، فتأمل .

    وهذا الإمام أبو عبد الله محمد بن خليفة الوَشتاني الأُبِّي (ت 727 هـ ) بعد أن نقل قول عدة تأويلات لشرح الحديث السابق ومن ضمنها تأويل الطائفة التي فهمت الخلاف بين الإمام أبي الحسن الأشعري والإمام الطبري فهماً خاطئاً قال معلقاً : ( قلت : الصفة التي اختلف في كفر من نفاها أو جهلها هي كالعلم والقدرة في قول المعتزلة : هو عالم لا بعلم بل بذاته ، قادر لا بقدرة بل بذاته ، وأما كونه عالماً وهي المسماة بالحال عند المتكلمين فلا خلاف في كفر من نفاه ، والرجل إنما شك في كونه قادراً (2) ، وقد دل الحديث على أنه كان مؤمناً من قوله ( مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ ) فأولى التأويلات الأخر ) (إكمال إكمال المعلم للأُبِّي (9/166) .) .
    (2) أي على مقتضى من فهم أن ( قدر ) في الحديث من القدرة يكون الرجل على مقتضى هذا الفهم شاكاً في كون الله تعالى قادراً وهذا الأمر مختلف عن مسألة الخلاف حول تكفير المعتزلة ، فتأمل .

    قلت بحول الله تعالى : انظر بالله عليك إلى هذا القول الواضح الصريح من أن هؤلاء فهموا الخلاف فهماً خاطئاً فضلوا عن سواء السبيل ، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن من جهل أو شك في قدرة الله أو في علمه أنه كافر ، وبالله التوفيق .
    قال الشيخ عبد الله بن علي النجدي القصيمي (1353هـ) : ( وقالت طائفة : إن الجاهل قد يعذر بجهله ، وإن جاء كفراً ، ما دام غير متعمد وهذا الرجل كان جاهلاً . فهو معذور غير مأخوذ . وهذا القول كالأول لا يعتد به . ولو صح لنجا اليهود والنصارى وطوائف الكفر الذين كفروا بجهالة وما كانوا عالمين ) (مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها للقصيمي ، ص 142 .) .
    قال الإمام شهاب الدين القسطلاني (851-923هـ) : ( ولا يقال إن جحد بعض الصفات لا يكون كفراً لأن الاتفاق على جحد صفة القدرة كفر بلا ريب ) (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري للقسطلاني (5/438) .) .
    وقد نقل هذا الإجماع الإمام ابن الجوزي (508-597هـ) ، حيث نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني (773-852هـ) قوله : ( جَحْده صِفَة الْقُدْرَة كُفْر اِتِّفَاقًا ، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْله « لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ » أَيْ ضَيَّقَ ، وَهِيَ كقَوْله : ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) (الطلاق: 7) أَيْ ضُيِّقَ ) (فتح الباري لابن حجر العسقلاني (6/604) .) . ) اهـــ

    والحمد لله أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    27

    Lightbulb رد: حقيقة الخلاف بين الإمام الطبري والأشعري حول جاهل الصفة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

    الذي يدعي أن أبو الحسن الأشعري كان يعذر من جهل قدرة الله عز وجل لهو من أجهل الناس بعقيدة الأشاعرة فيمن جهل قدرة الله عز وجل .
    فانظر على سبيل المثال إلى كلام ابن فورك الأشعري الذي هو من رؤوس الأشاعرة حيث قال :
    ( فأما معنى قوله ( لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا ) فلا يصلح أن يكون محمولاً على معنى القدرة ، لأن من توهم ذلك لم يكن مؤمناً بالله عز وجل ، ولا عارفاً به ) (مشكل الحديث لابن فورك ، ص 164 .)
    قال الشيخ المهتدي بالله الإبراهيمي في رسالة منجدة الغارقين ومذكرة الموحدين بصفات الله سبحانه وتعالى التي هي من أصل الدين :
    ( فتمعن في قول أبو بكر بن فورك في معرض شرحه لحديث الرجل الذي أمر أولاده بحرق جسده خشية من الله وخوفاً : ( ولما قيل في الخبر إن الله تعالى يغفر له ، وقد علم أنه لا يغفر للكافرين ، وجب أن يُحمل لفظه على تأويل صحيح ، لا ينافي المعرفة بالله عز وجل ولا يؤدي إلى الكفر ) (كتاب مشكل الحديث أو تأويل الأخبار المتشابهة ، ص 164) . لأنه لو حمل اللفظ المشكل الذي ورد في الحديث على أنه شكٌّ في قدرة الله ، لكان القول ينافي المعرفة بالله عز وجل ويؤدي إلى الكفر ، لأن من شك في قدرة الله ولو في جزئية لم يكن عارفاً بالله كما قد بينا بحول الله عز وجل ، وقد بسطنا القول بفضل الله عز وجل وعونه في شرح هذا الحديث والرد على التأويلات الفاسدة لهذا الحديث وأمثاله في رسالتنا المسماة » توفيق اللطيف المنان في بيان أن الشاك في الله ليس من أهل الإيمان وأن الموالي له في الحكم سيان « فانظره للفائدة الأتم . ) اهـ


    قال الإمام محمد بن خليل السكوني الإشبيلي : ( المسألة الرابعة : من مات وهو لم يعلم ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى ، هل هو هالك أو ناج ؟ قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى : "الناس على قسمين عالم وجاهل ، فالعالم ناج والجاهل هالك" ، قال القاضي رضي الله عنه: "إن اعتقد بقلبه الحق في حق الله تعالى فإنه ناج لأنه أقر بلسانه ، وبلا شك أنه ما أقر بلسانه في الغالب إلا وهو من زمرة المؤمنين عارفٌ بقلبه ، وإنما نَقَصتُه العِبَارَة وسَردُ الأَدِّلَة ؛ وكيف يكون هالكاً وهو ليس بمصمم على الباطل ، والدليل على ذلك أنّا لو عبّرنا له عبارة ظاهرة وسردنا له الأدلة لوافقنا وعقِل معنا، لكنه قال القاضي ضَيَّعَ فَهُوَ مَلُومٌ على ذلك من غير أن تخرجه عن أهل القبلة ، وكذلك سائر عامة المسلمين أسلموا بألسنتهم , واعتقدوا بقلوبهم ، ونقصتهم العبارة فجمعيهم مؤمن مسلم " .
    وظهر أنه لا اختلاف بين الشيخين لأن الجهل هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو به وعقد المؤمن ليس كذلك.
    المسألة الخامسة : من مات وهو لم يعرف انفراد الله تعالى بالخلق و الاختراع فهو على جاهلية ، والفرق بينه وبين المسألة التي قبل هذه أن الأول عجز عن العبارات وهذا الثاني أبدى الخلاف وانتصر لمذهب الباطل كالقَدَري والزَّمخشري ، فهؤلاء القدرية كما قال عليه السلام: « القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ » (سنن أبي داوود ، كتاب السنة / باب في القدر ، ط. المكنز ، ص 922 ، حديث رقم 4691 .) ، لقولهم : إنهم يخلقون أفعالهم ، وقد رد الله عليه بقوله سبحانه : [ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرْ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ] (القمر: 48-49) ، وهو تعالى يقول: [ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ ] (فاطر: 3) ، وهم يقولون إنهم يخلقون أفعالهم ، تعالى الله عن مذهبهم علواً كبيراً ، وهي من أكبر المسائل بيننا وبينهم فمن أراد أن يستوفيها فعليه بكتب أهل السنة يجدها مبينة بحول الله تعالى ) (أربعون مسألة في أصول الدين ، ص 57-59 .) . اهـ


    والحمد لله أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •