حدث عجيب غريب حدث لأحد أصدقائى فحكاه لى طالبا مساعدتى فى افهامه تفسير ماحدث لكن لا أنا ولا هو فهمنا شيئا مما حدث ! الا بعد أن اطلعت على اجابه لسؤاله فحكيت السؤال والاجابة على لسانه وعرضتهما عليه فقال لى بالضبط هذا ما حدث وهذه اجابته
ومعذرة أرجو أن تحتملوا غموض المقال أثناء القراءة ( والذى سيتضح فى أخرالقراءة ) شيئا ما اذ أصل الحدث غامض وعجيب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأتم تسليم أما بعد
حدث غريب نأخذ منه العبرة
حدث معى انه كان هناك أناسا أعرفهم جيدا قريبين منى وأعرفهم منذ صغرى وكانوا ( عاديين ) لايصلون ولايقيمون شرع الله وكلما كبروا فى السن أرى منهم انحطاطا أكثر مما كنت أرى فى الزمن السابق وهم صغارا .ثم بعد وقت ما حدثت لى ظروف تُعتبر أصعب ظروف مرت بى فى حياتى فوجدتهم أخذوا منى موقفا يعيبه عليه الناسُ كلهم فرأيت منهم وقتئذ انحطاط لم أكن أستطع أن أتخيل أنه يصل بهم الانحطاط الى هذه الدرجة وأنتم تعلمون أن من لايعيش على شرع الله تعالى مثله مثل الصاروخ الذى انطلق من قاعدته ثم فقد الاتصال بها فهو يظل سائحا فى السماء معتدلا تارة وينحرف تارة أو يصطدم أو ... أو .... الى أن يسقط وكذلك حال البشر اذا هم فقدوا الاتصال بالخالق فتجدهم يعيشون فى الدنيا منضبطين (نسبيا) تارة وينحطون تارة وهكذا .فلا تستغرب اذا وجدتهم فى مرة من المرات انحطوا الى القاع انحطاطا قد كنت لاتستطيع تخيله منهم قبل صدوره عنهم .
فوقتها(أى وقت حدوث الحدث العجيب ) تأثرت جدا وقررت أن أجمع كل ما يمر على أثناء اطلاعى حول طبيعة وكنه علاقة وموقف(المنضبطتَ ن شرعا وعقلا وفكرا ) المتخذين من الاسلام منهج حياة ( من حيث الحذر والتوقع لا من حيث أمر أخر فهؤلاء أهلونا وذوونا وأحبابنا ) تجاه هذا النوع الشاذ المنحرف عن المنظومة الكونية لأن هذا الصنف من الناس لم يلتزم بالمنهج الذى شرعه الله لهم وشرط وأخذ العهد عليهم بأن لايعيشوا الا على هذا المنهج فصار( هذا الصنف المنحرف ) يعيش على الارض عُرضة لكل ريح تهب فلايُؤمَن جانبه (ووالله لايُؤمَن وان علمنا انه قاصدا للخير !)وان كنا نعلم أنه لايريد الاالخير لكن كم من مريد للخير لايبلغه
كما قال الشاعر
رام نفعا فضر من غير قصد ..... ومن البر مايكون عقوقا
وليس كل من يريد شيئا يستطع فعله .
فكنت أريد فقط جمع مايمر على من كلام للعلماء بحيث يجعل من يقرأه لايستغرب ولايُصدَم اذا ماوجد ما وجدت اللهم الاالقدر من الاستغراب الناتج عن الفرق بين الخبر والمعاينة(1) فقط لا أكثر .
فهذا المطلب ملأ وجدانى ففى احدى الأوقات كان عندى امتحان فى فصول من كتاب تهذيب مدارج السالكين فبينما كنت أقرأ المنهج وجدت هذا الكلام (والضابط النافع فى أمر الخلطة ان يخالط الناس فى الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ويعتزلهم فى الشر وفضول المباحات فان دعت الحاجة الى خلطتهم فى الشر ولم يمكنه اعتزالهم فالحذر الحذر أن يوافقهم وليصبر على أذاهم ,فانهم لابد أن يؤذوه ان لم يكن له قوة ولا ناصر) (2) طبعا تجدون هذا الكلام واضحا جدا لكل من يقرأه .فهو يقول( خلطتهم فى الشر )فالكلام واضح لكل المستويات حتى المبتدئ لكنه لم يكن واضحا عندى فقد رأيته موافقا لمطلبى ولم أستطع رؤية ( خلطتهم فى الشر ) وفهمت الكلام على وجه غريب وهو أنه يقصد التحذير من خلطتهم مطلقا وان لم تكن فى شر أو اثم ! لكنه فى الحقيقة يقول ويقيد خلطتهم فى الشر ومن المعلوم لكل الطلبة ان افعال هذا الصنف ليست كلها شرا أو اثما بل منها ماهو عبادات ومباحات ومسكوت عنها .
لكننى فرحت جدا بما ظهر لى من هذا الكلام(على وجهه الخطأ) فرحا لم أفرح قبله مثله فى علم قط وظللت أحفظ وأردد فى الكلام لاعجابى بقوة عباراته ورونقها فأردت حفظه بنصه وظللت أياما كثيرة أحفظ وأردد وأنا أرى الكلام كما هو موافق لمطلبى الى أن جاء وقت ما قُبيل الامتحان وأثناء ترديدى للكلام رأيته على حقيقته ورأيت جملة ( خلطتهم فى الشر) فذُهلت وعرفت أنه قد حدث شئ. فظللت أفكر مالذى حدث !! ومن أسأل؟!! وماذا أقول له؟ وكيف أُصيغ السؤال ؟!! لا أعرف شيئا عن شئ . ان هذا الذى حدث لى لم يكن داخلا تحت ادراكى لابالاحساس أو الشهود أو المعقول فلم أملك وقتها الا أن أستمر فى المذاكرة ومرت أيام وأيام الى أن جاء وقت كنت أستمع فيه لشريط للشيخ محمد سعيد رسلان اسمه ( القول المبين فى حقيقة الدين ) فسمعت منه كلاما فعرفت وقتها منه تفسير الذى حدث لى.
وهذا نص كلامه مفرغا من الشريط دقيقة 16 وكان الكلام فى سياق التعصب للجماعة وملئ الذاكرة والوجدان الشخصى بأفكار ثابتة وكأنه لايريد رؤية غيرها فيقول ( وان مما أجراه العلماء فى هذا العصر وهو قائم على سوقه بفضل الله تعالى ما ذكره رائد علم النفس الاسلامى فى هذا العصر بلامنازع الأستاذ الدكتور مالك البدرى حفظه الله فى هذه الأمور التى ذكرها العلماء على ما أجروه من تلك التجارب العملية على النفس الانسانية فنتج لنا قانون . وهو مما يتعلق بهذا الهوى المذكور وبهذا التعصب الذى ذكره بن القيم , فان الانسان انما يتأثر ادراكه بما هنالك من تلك الوجدانيات والأفكار والمعتقدات التى تحكم سلوكه وأن الانسان عندما يتأتى منه ادراك انما يكون مصبوغا فى هذه البؤرة ومنها منبثقا ثم انهم أجروا على ذلك تجربة من التجارب البديعة بحق ولم يجرها واحد ممن ينتمى الى دين محمد ممن يريد أن يعز هذا الدين بهذه الأمور التى جعلها الله فى كونه يقع على سرها من يقع من عباده وقتما يشاء ربنا وعلى الصورة والكيفية التى يشاء . أُخذ ت صورة كبيرة لرجل زنجى حسن الهندام عليه مظاهر براءة الطفولة بادية , يقف الرجل فى حاله مستكينا فى حافلة يقف فى جواره فيها رجلا أبيضا معه خنجر مُسلط على بطن حامل مُتم والفزع فى عينى المرأة يكاد ينطق متكلما بل يكاد ينطق صارخا ثم عُرضت هذه الصورة على مجموعة من الذين عُرفوا بالتعصب المؤقت من البيض ضد الزنوج ثم كانت المسألة فى النتيجة على هذا النحو .
أكثر الذين عرضت عليهم الصورة قالوا ان الخنجر كان فى يد الزنجى ولم يتذكر منهم واحدا ان الخنجر انما كان فى يد الرجل الأبيض وأما طائفة أخرى فلم يتذكروا شيئا ولم يثبتوا خنجرا ولامشهرا ولم يتعمد واحدا ممن أتى بالأمر على غير وجهه فنسب امساك الخنجر ورفعه على بطن الحامل المتم للزنجى لم يتعمد كذبا وانما خرج هذا الادراك منه على حسب معتقده وهو ( وكذلك أصحاب الاتجاهات المتعصبة من اولئك الذين يدخلون فى السمع والطاعة لقائد جبار ... وهم حينئذ اذا مازاد ضغط المجتمع عليهم وعاشوا بنفسية المطارد وظنوا وهما منهم ان كل ظل يتحرك انما هو قانص يقنص ورام يرمى عندئذ عنداما تزداد وطئة الضغط النفسى عليهم لايتعمدون الكذب وانما ينتقون مما يدركون ما يوافق مواقفهم النفسية ومواقفهم الاعتقادية ومواقفهم التحاولية التعصبية من غير أن يكونوا متعمدين الكذب حاشا لله ومن غير أن يكونوا واقعين فى فرية كلا والله وانما هم يقعون فيما يقول عنه العلماء كما ذكر الاستاذ مالك هذا ما يُسمى ب(الانتقاء الاختيارى ) فينتقى المتحامل المتعصب مما يراه بعينه ما يواقف معتقده وما يتعصب له ثم ينطق لسانه بما أدركه على حسب اعتقاده ومذهبه من غير أن يكون متعمد للكذب فهذا مايسميه العلماء بالانتقاء الاختيارى وهى مصيبة من المصائب الكبرى) انتهى كلامه
ومن باب الشئ بالشئ يُذكر أن فى الحديث الصحيح (يُصر أحدكم القذى فى عين أخيه وينسى الجذع فى عينه ) فان الشيطان يخلق فى هذا الرجل قوة زائدة يرى بها القذى فى عين أخيه ( قاله عبد السلام آل برجس ) وأيضا مرض الحسد اذا بلغ عند المرء الى حد معين فقد يجعله ينكر بعض الأشياء المحسوسة ( قاله الشيخ محمد اسماعيل المقدم )
-----------------------------------
(1) كما يقول النبى صلى الله عليه وسلم ( ليس الخبر كالمعاينة ) ويعلق الشيخ محمد اسماعيل المقدم على الحديث قائلا بأن الفرق بين الخبر والمعاينة فرق عند كل البشر بمن فيهم من الأنبياء وهذا الفرق هو تفسير لسلوك موسى عليه السلام والذى حكاه الله تعالى لنا قائلا {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }الأعراف150 فهذا سلوكه عند المعاينة وقد أخبره الله سابقا قبل أن يعاين بقوله تعالى {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ }طه85
وأيضا حينما قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً }الكهف18 انظر هذا عند المعاينة رغم ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يول فرارا حين أخبره الله بخبرهم
(2)المنزلة الثامنة( التذكر) ثم المفسد الاول للقلب
والحمدلله رب العالمين