موجز في علم الجرح والتعديل
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: موجز في علم الجرح والتعديل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    11

    افتراضي موجز في علم الجرح والتعديل

    موجز في علم الجرح والتعديل

    أبوحسام الدين الطرفاوي




    مقـــــــــــــ ـدمــــــــــــ ـــة :


    إنَّ الحمدَ لله نحمَدُه، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومِن سَيِّئات أعمالِنا، مَن يَهدِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.

    فقد ظهرتْ في الآونةِ الأخيرة فِتنةٌ عظيمةٌ، قد عمَّت وطمَّت، وانتشر بلاؤها في الأصقاع، ويَهدِمُ - بسببها - معاولُ في الدِّين، تحتَ مُسمَّى الجرح والتَّعديل، أو إذا صحَّ التَّعبير (الجرح والتَّنكيل) بأهلِ الفضل والخَير الذين عمَّ نفعُهم القاصي والدَّاني، واهتدى بسببهم الكثيرُ والكثيرُ، وبهدفٍ نبيلٍ، ألا وهو حِمايةُ الدِّين!

    فيُهدم الدِّينُ باسم حماية الدِّين! ويُذاد عن حِياضه بالطَّعن في أصحابِه والذَّابِّين عنه، الذين يَنفُون عنه تحريفَ المُبطلين وانتحالَ الغالين!

    ظهر بعضُ الشُّيوخ في أرض الرِّسالة يَطعنون في كلِّ عالِمٍ وداعية، ويُحذِّرون الهمج الرِّعاع منهم، فما سلم منهم أحدٌ إلاَّ أنفسهم، ومَن سلم منهم ظاهرًا؛ كان خوفًا مِنَ التَّهييج عليهم.
    لم يُراعوا شيخًا في السِّنِّ، ولا كبيرًا في العِلم، لا هَمَّ لهم غير: فلان مبتدع، وفلان فاسق، وفلان يُهجر، وفلان يَطعن في الصحابة، وفلان يَسبُّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفلان يُنكر معلومًا من الدِّين بالضَّرورة، لا يستطيع أحدٌ أن يقفَ أمامَ هذه التُّهم إلاَّ أن يَرميَ صاحبَها بالكُفر والزَّندقة؛ لكن عندَ التَّثبُّت وتَقصِّي الحقائق تجد كلَّ هذا مَحضَّ افتراءٍ، وتهم باطلة لا خُطُمٍ لها ولا أَزمَّة، وبضاعة مُزْجاة، وما يَدْعُون إليه سراب بقيعةٍ يَحسبُه الظَّمآنُ ماءً، وهو سُمٌّ قاتل.

    سبحانَك ربي! يُصنِّفون النَّاس على حسب أهوائهم؛ وصَدَق اللهُ إذْ يقول: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية:23 ].

    لا ميزانَ عندَهم، ولا كيلَ لديهم، ليس إلاَّ الهوى - نعوذ بالله مِنَ الضَّلال بعد الهُدى - قالوا: إنَّ عالِمَنا مُزكَّى مِن قِبَلِ العُلماء؛ قلنا لهم: وفلان وفلان وفلان الذين تطعنون فيهم هُمْ أيضًا مُزكَّوْن مِن قِبَلِ نَفسِ العُلماء، فَلِمَ أخذتم بجنبٍ وتركتم جنبًا آخَرَ؟!
    قالوا: فَتاوى منسوخة!
    قلْنا: عجبًا على الفَتاوى المنسوخة، التي لم نسمع عالِمًا قال عن فتاواه: إنَّها منسوخة! ولكن نسمع عن عالِمٍ أخطأ في فتوى، ثم تراجع عنها.

    جهلٌ يتخبَّطون فيه، وعماية يَتيهون فيها، ومنهج هو بعينه منهجُ الخوارج؛ ((يَقرؤونَ القُرآنَ لا يُجاوز تَراقيَهم))، ويقرؤون أيضًا السُّنَّة لا تجاوز حَناجرَهم، يقولون كلام حقٍّ ويُراد به باطل، لا يَسمعون لمُخالفهم؛ بل يَردُّون عليه قبلَ أن يعرفوه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].

    وقد قال أحدُ الأئمَّة: كلامُنا صوابٌ يحتمل الخطأَ، وكلام غيرنا خطأٌ يحتمل الصَّوابَ.

    وهؤلاء يقولون بلسانِ الحالِ: كلامُنا صوابٌ لا يحتمل الخطأَ، وكلام غيرنا خطأٌ لا يحتمل الصَّواب!

    شِعارُهم مع مخالفيهم: لا نسمع، لا نقرأ، لا نقبل.

    ومِن عجيب هؤلاء: أنَّهم يفعلون نفسَ أفعال جماعة التَّكفير والهجرة، والجماعات الحِزبيَّة؛ كلُّ مَن يُريد الرُّجوع إلى دِينه، ويبدأ في أداء الفرائض - يَذهبونَ إليه، ويُلقون شُبهاتِهم عليه، فإنِ استجاب لهم، فهو المؤمن، ومَن لَم يستجب أو فَكَّر، رَموْه بالبدعة والضَّلالة، والفِسق والفُجور، ومَن ظَنُّوا ضعفَه في العِلم ورَدِّ شُبهاتهم، أحاطوا به، وألقَوْا شباكَهم عليه، حتَّى يستجيبَ لهم، وإن لم يستجب، كان مصيرُه الضَّلال.

    أمَّا مَن يعرِف ضلالَهم وعمايتهم، فلا يذهبون إليه، ويدعون إلى هجره؛ بحجة أنَّه مبتدعٌ ضالٌّ، وفاسق فاجر!

    هكذا يَسيرون، وهكذا يتخبَّطون، صاروا في عُزلةٍ عن المجتمع، بل حتَّى عن أنفسِهم، ولو أنَّهم رجعوا إلى أنفسهم، ونظروا في كتب أهل العِلم، وتَفكَّروا وتَدبَّروا - لعَرَفوا أنَّهم على غير الجادة، قدِ انحرفوا عن دِينِ محمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه - رضي الله عنهم - وساروا مع أهل الظُّلم والطُّغيان.

    لذا أردتُ أن أجمعَ مُختصَرًا في عِلم الجرح والتَّعديل؛ تنبيهًا للغافل، وتذكيرًا للنَّاسي، وتعليمًا للجاهل، فأسأل الله - تعالى - أن يُوفِّقَ الجميع إلى كلِّ خيرٍ، وأن يُجنبَنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وسلَّم.


    موجـــــز في علـــــــم الجـــــرح والتــــــعديــ ــل

    أولاً: تعريفه:

    هو عِلمٌ يُبحث فيه عن جرحِ الرُّواة وتعديلهم بألفاظٍ مخصوصة، وعن مراتبِ تلك الألفاظ .

    وأوَّلُ مَن عرَّفه هو ابنُ أبي حاتمٍ الرازي؛ كما روى الخطيب بسنده إلى محمَّد بن الفضل العبَّاسيِّ قال: "كنَّا عند عبدالرَّحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأ علينا كتاب "الجرح والتَّعديل"، فدخل عليه يوسفُ بن الحُسين الرَّازيُّ، فقال: يا أبا محمَّد، ما هذا الذي تَقرؤه على النَّاس؟ قال: كتابٌ صَنَّفتُه في الجرح والتَّعديل، قال: وما الجرح والتَّعديل؟ قال: أظهر أحوالَ أهل العِلم؛ مَن كان منهم ثِقةً أو غير ثقة" "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي .



    ثانيًا: أهميته:

    هو صِيانةُ حديثِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من تحريفِ المُبطلِين، وانتحال الغالين، وصيانةُ الشَّريعةِ مِنَ البدع والمُحْدَثات.



    ثالثًا: دليل جرح الرواة وتعديلهم:

    الكلام في أحوال الرِّجال جرحًا وتعديلاً جاء في الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السَّلف والعُلماء:

    فمِن الكِتاب:

    1 - قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فالتَّبيُّن من عدالة الرُّواة وضبطِهم أهمُّ من التَّبيُّنِ من أخبارِهم عن غيرهم، ففي التَّبيُّن لحديثِ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - حفظٌ للدِّين، وصيانةٌ له مِن تحريف المبطلين، وانتحال الغالين.

    2 - ولَمَّا جاء الهُدهد لسليمانَ – عليه السَّلام - بخبر بلقيس وقومِها، قال له: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل:27].
    فمعرفةُ الصَّادق مِنَ الكاذب مِن رُواة الحديث أهمُّ من معرفة شخصٍ أو دولةٍ تُشرك بالله - تعالى.

    3 - وقد ذكر الله - تعالى - عن كذبِ أقوامٍ؛ فقال في المنافقين: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [ المنافقون: 1].
    وقال عنهم أيضا: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لَمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة:107].
    وقال عن النَّصارَى: {أَلا إِنَّهُم مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات: 151 – 152].
    وقال عنِ الَّذين يَقذفون المحصنات: {لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13].
    وأخبرَ عن صِدقِ أقوامٍ؛ فقال – سبحانه -: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33].
    وقال عن فُقراء المهاجرين: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].
    وأخبر الله – تعالى - عن أشخاصٍ كان لهم أثرٌ سيِّئٌ في حياة أُممهم بصدِّهم عن سبيل الله، ووقوفهم في وجه دعوةِ التَّوحيد، وكذبهم في ادعاءاتِهم الباطلة؛ من ذلك: فرعون، فلقدْ كذَّب حين قال: {يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وحين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 34].
    ولذلك قال الله – تعالى - فيه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4].
    وفيه وفي هامان وجنودهما، قال تعالى:{إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8].
    وذمَّ اللهُ أبا لهب وامرأتَه، لَمَّا كذَّبَا النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وظاهَرَا على حربه؛ فقال – سبحانه -: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد: 1 - 5].
    وقد ذَكرَ اللهُ أقوامًا بالصَّلاح، وعلى رأسهم الأنبياء:
    فقال الله - تعالى - عن مريم: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12 ].

    وأمَّا أدلةُ السُّنَّة فكثيرةٌ جدًّا؛ منها:

    1 - روى البخاريُّ في "صحيحه" عَنْ ابْنِ عُمرَ عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قالَ لَها: ((إِنَّ عَبْدَاللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ))، فهذه تزكية من النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعبدِالله بنِ عُمرَ.

    2 - وروى أيضًا عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: قَالَ النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: ((مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ)).

    وفي التَّثبُّت جاء في حديث الإفكِ: ((قالتْ عائشةُ - رضي الله عنها -: ودعا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بن زيدٍ حين استلبث الوحيُ يستشيرهما في فِراق أهلِه - قالت -: فأمَّا أسامةُ بن زيد، فأشار على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالذي يَعلمُ من براءة أهلِه وبالذي يَعلم في نفسِه لهم مِنَ الوُدِّ، فقال: يا رسولَ الله، هُمْ أهلك، ولا نعلم إلاَّ خيرًا، وأمَّا عليُّ بن أبي طالب، فقال: لَمْ يُضيِّقِ الله عليكَ، والنِّساء سواها كثيرٌ، وإنْ تسألِ الجاريةَ تصدقْكَ - قالت -: فدعا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – بريرةَ، فقال: أي بريرةُ، هل رأيتِ مِن شيءٍ يريبكِ من عائشةَ؟ قالت له بريرةُ: والذي بعثكَ بالحقِّ، إنْ رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أَغمصُه عليها أكثرَ من أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تَنامُ عن عَجينِ أَهلِها، فتأتي الدَّاجن فتأكلُه... الحديث)) البخاري (2518)، ومسلم (7196).
    فسأل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَن كان خبيرًا بأمر عائشةَ - رضي الله عنها - وهي جاريتها، فذكرتْ له أنَّها لا ترى فيها إلاَّ كلَّ الخير، غير صغر سنِّها الذي يجعلها لا تهتمُّ به اهتمامَ الكبيرة.

    ومن علاماتِ كَذِبِ الرَّجل: التَّحدُّثُ بكلِّ ما يَسمعه مِن غير تَثبُّت؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كفَى بالمرء كَذبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع)) أخرجه مسلم في المقدمة، وأبوداود (4994) عن أبي هريرة (4994)..

    وأمَّا مِن ناحية ذِكر الشَّخص السيِّئِ بسوئه، فقد ورد في قلةٍ من الأحاديث؛ منها:

    1 - روى ابنُ حبَّان في "صحيحه"(4538) عن عائشةَ - رضي الله عنها -: أنَّ رجلاً استأذنَ على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلمَّا سمع صوتَه، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعائشة: ((بئسَ الرَّجلُ، أو بئسَ ابنُ العَشيرة))، فلمَّا دخل انبسطَ إليه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلمَّا خرج، كَلَّمتْه عائشةُ، فقالت: يا رسولَ الله، قلت: ((بئسَ الرَّجلُ، أو بئسَ ابنُ العشيرة))، فلمَّا دخل انبسطتَ إليه، فقال: ((يا عائشةُ، شَرُّ النَّاس مَن يَتقِّي النَّاسُ فُحشَه)).
    وقد استدلَّ بعضُ أهل العِلم بجواز جرح الرَّجل بما فيه من عَيبٍ بهذا الحديث.
    ولكنْ عندَ النَّظر فيه نجد أنَّ هذا الحديثَ ليس أصلاً في ذلك، وإنَّما الحديث له علَّة أخرى قد وضَّحها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي: ((شَرُّ النَّاس مَن يَتقِّي النَّاس فُحشَه))، فما فعله النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو أصلٌ في التَّقيَّة ومُداراة أصحابِ السُّوء اتقاءً لشَرِّهم، وهكذا كان يفعل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع المؤلَّفَةِ قُلوبُهم، ومع المنافقين.

    وقد استدل بهذا الحديثِ أَهلُ الفِتنة في زمننا هذا بالطَّعن في الدُّعاة والتَّحذير منهم، وهيهاتَ لذلك!

    فإنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَلانَ للرَّجل الكلام، ولم يُحذِّر النَّاسَ منه على رُؤوسِ الخلائق، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَنصحَ للأُمَّة مِن هؤلاء، فهلْ ألانوا هُم الكلامَ مع مخالفيهم؟! كلاَّ، بل رَمَوْهم بشتَّى أنواع التُّهم والبلايا، فعندما ذَكر النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - سوءَ الرَّجل لم يَذكُرْه لكلِّ صحابته، وإنَّما ذَكرَه أَمامَ عائشةَ - رضي الله عنها - فقط، وعندما حدثتْ عائشةُ - رضي الله عنها - بالحديث لم تَذكرِ اسمَ الرَّجل.

    2 - الحديث الثاني الذي استُدِلَّ به على ذِكر سُوءِ الرَّجل على النَّاس:
    ((عن فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ أَبا عَمْرِو بنَ حَفْصٍ طَلَّقها الْبَتَّةَ وهو غائِبٌ، فَأَرْسلَ إلَيْها وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ، فَقالَ: وَاللهِ ما لَكِ عَلَيْنا مِنْ شيءٍ، فَجاءَتْ رَسولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فقالَ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، فَأَمَرَها أَنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشاها أَصحابي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيابَكِ، فإذا حَلَلْتِ فآذنيني، قالَتْ: فلمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعاويةَ بنَ أَبِي سُفْيانَ وَأَبا جَهْمٍ خَطَبانِي، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلا يَضعُ عَصاهُ عَنْ عاتَقِهِ، وَأَمَّا مُعاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ لا مالَ لَهُ، انكحي أُسامَةَ بنَ زَيْدٍ، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: انكِحي أُسامَةَ، فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ))؛ رواه مسلم (3770).
    استدلَّ أهلُ التَّجريح في هذا العصر بهذا الحديث على هَتكِ حُرمات الدِّين، والطَّعن في حامليه، والدَّاعين إليه، والذَّابِّين عن حِياضه، وهذا الحديث أصلٌ في الشَّهادة والنُّصح، فلم يكنْ فضيحةً على رُؤوسِ الأشهاد، وإنَّما هي نصيحةٌ لِمَن طلبها، وقد وقعوا في جُرْمٍ عظيمٍ عندما ذَكروا أنَّ هذا الحديثَ أصلٌ في الطَّعن والتَّجريح.

    ونقول لهم: هل طعن النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في معاويةَ؟! وهل طَعن في أبي جهم؟!
    لم يكن كلامُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في معاويةَ طعنًا، وإنَّما هو حكايةُ حالٍ، وأنَّ هذه المرأةَ التي سألتْه الزَّواجَ منه، فأخبرها أنَّه لا يَصلحُ لها أو لا تصلح معه، وليس مع غيرها؛ وإلا فقدْ زَوَّج النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلاً فقيرًا لا يَملِكُ إلاَّ ثوبه فقط بما معه مِنَ القرآن.
    وأبو جهمٍ كان ضَرَّابًا للنِّساء، وكان حالُ بعضِ الصَّحابة كذلك، ولكن لا يَصلُح هذا الرَّجل مع هذه المرأةِ؛ ولكنَّه صَلَح مع غيرها.
    وأمرٌ آخرُ: وهو أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يُحذِّر مِن معاويةَ كلَّ النَّاس، ولم يَنههم أن يُزوجوه ابنتهم، وكذلك أبو جهم، ولكنِ القضيةُ كانت فتوى لشخصٍ، والفتوى تختلف باختلاف الحال والمكان والزَّمان.

    ولكن كان الكلامُ في رُواةِ الحديثِ جرحًا وتعديلاً من باب: "دَرء المفاسدِ مُقدَّمٌ على جلبِ المصالح"، ومِن باب: "ما لا يَتِمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب"؛ فلأجل الحِفاظ على حديث النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِنَ التَّحريف والتَّغيير، والزِّيادة والنَّقص والدَّس فيه، لا بدَّ مِن بيان حالِ رُواتِه؛ ولذلك كان الكلامُ في الرُّواةِ من باب الضَّروراتِ الشَّرعيَّة.

    قال الإمامُ النَّوويُّ - رحمه الله -: "اعلمْ أنَّ جرحَ الرُّواة جائزٌ، بل هو واجبٌ بالاتِّفاق؛ للضَّرورةِ الدَّاعية إليه؛ لصيانة الشَّريعة المُكرَّمة، وليس هو مِن الغِيبة المُحرَّمة، بل مِنَ النَّصيحةِ لله - تعالى - ورسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يَزلِ فضلاءُ الأُمَّة وأخيارُهم وأهلُ الورع منهم يَفعلون ذلك" شرح النووي على مسلم: (1/ 124)..



    رابعًا: مَن الذي يتكلَّم في الجرح والتَّعديل؟

    إنَّ عِلمَ الجرح والتعديل عِلمٌ عميق، لا يستطيع إتقانَه إلاَّ مَن سار على نهج أولئك الحُفَّاظ النُّقَّاد، الذين على يدهم استقام هذا العِلم، وليس هؤلاء الذين خرجوا في عصرنا، وأكبرُهم لم يَعلم عُشرَ مِعشار هذا العِلم، ولم يكن مؤهَّلاً في يومٍ من الأيَّام لهذه المَهمَّة الضَّخمة؛ ولذلك فلا بدَّ مِن معرفة منهج الأوائل في انتقاد الرِّجال وتمييز القويِّ والضَّعيف.

    قال العلاَّمة المحدِّث المُعلميُّ اليَمانيُّ: "ليس نقدُ الرُّواة بالأمر الهيِّن؛ فإنَّ النَّاقدَ لا بدَّ أن يكون واسعَ الإطلاع على الأخبار المرويَّة، عارفًا بأحوال السَّابقين وطُرق الرِّواية، خبيرًا بعوائد الرُّواة ومقاصدِهم وأغراضهم، وبالأسباب الدَّاعية إلى التَّساهُل والكذب، والمُوقِعة في الخطأ، ثم يحتاج إلى أنْ يعرِفَ أحوال الرَّاوي: متى وُلد؟ وبأيِّ بلد؟ وكيف هو في الدِّين والأمانة والعَقل والمُروءة؟ ومع مَن سمع؟ وكيف كتابُه؟
    ثم يعرِف أحوال الشُّيوخ الذين يُحدِّث عنهم، وبُلدانهم ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعاداتهم في الحديث، ثم يعرف مَرويَّاتِ النَّاس عنهم، ويعرِض عليها مرويَّاتِ هذا الرَّاوي ويعتبر بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحُه، ويكون مع ذلك متيقِّظًا مرهف الفَهْم، دقيقَ الفِطنة، مالكًا لنفسه، لا يَستميله الهوى، ولا يَستفزُّه الغضب، ولا يَستخفُّه بادرُ ظنٍّ، حتَّى يستوفيَ النَّظر، ويبلغ المقر، ثم يُحسن التَّطبيق في حُكمه، فلا يجاوز ولا يقصر.
    وهذه مرتبةٌ بعيدةُ المَرام، عزيزة المَنال، لم يَبلغْها إلاَّ الأفذاذ" مقدمة تحقيق كتاب "الجرح والتعديل" (1، ب، ج)..
    وقال: "كان الرَّجلُ مِن أصحاب الحديث يُرشَّح لطلب الحديث وهو طفل، ثم يَنشأ دائبًا في الطَّلب والحفظِ والجَمع ليلاً ونَهارًا، ويرتحل في طلبه إلى أَقاصي البُلدان، ويقاسي المَشاقَّ الشَّديدةَ كما هو معروفٌ في أخبارهم، يَصرف في ذلك زَهرةَ عُمُرِه إلى نحو ثلاثين أو أربعين سَنةً، وتكون أُمنيتُه مِنَ الدُّنيا أن يقصدَه أصحابُ الحديث، يسمعوا منه ويَرووا عنه، فمَن تدبَّر أحوالَ القوم، بَانَ له أنَّه ليس العجبُ مِمَّن تحرَّز عن الكذب منهم طولَ عُمُرِه، وإنَّما العجب ممن اجترأ على الكذب! كما أنَّه مَن تدبَّر كثرةَ ما عندهم مِنَ الرِّواية، وكثرةَ ما يقع من الالْتباس والاشتباه، وتدبَّر تعنتَ أئمَّة الحديث - بَانَ له أنَّه ليس العجبُ مِمَّن جرحوه، بل العجب مِمَّن وثَّقوه" ."التنكيل" (1/29، 30)، وانظر كتاب "الخبر الثابت" يوسف بن هاشم بن عابد اللحياني.
    فالذين يتكلَّمون اليومَ في الدُّعاة والعُلماء بالتَّجريح، هلْ توفَّرتْ فيهمُ الشُّروط التي ذكرها العُلماء؟! فغايةُ ما يَعلمونه هو أقوالُ مسموعةٌ من شبابٍ لا يُدرِك ما يقول، وفي أغلبها يغلب الحِقدُ والحَسدُ والكَذب، فهلْ رَحل هؤلاءِ وسمعوا مِمَّن تكلَّموا فيهم؟ وهل واجهوهم بأخطائهم؟ وهل ثَبَتَ أنَّهم أَصرُّوا عليها بعدَ البلاغ؟
    كلُّ ذلك لم يحدُثْ قطُّ، فهلْ مثل هؤلاء يُحسبون على أهلِ هذا العِلم؟!



    خامسًا: الكلام في الرِّجال وقوف على شفير جهنَّم:

    لأنَّ الغِيبةَ والبُهتانَ مهالكُ تقضي على الإنسانِ، ومسلبةٌ لحسناته يومَ القيامة، فمَن يقف هذا الموقفَ ينظر لنفسِه وإلى مَن تكلَّم فيه، وينظر إلى يومِ القِيامة وحال المُفلِس، فلا يتكلَّم في رجلٍ إلاًّ ببرهانٍ أوضحَ مِن شمس النَّهار.

    يقول الإمام النَّوويُّ: "ثم على الجارح تَقوَى الله - تعالى - في ذلك، والتَّثبُّتُ فيه، والحذرُ من التَّساهُل بجرحِ سليمٍ مِنَ الجَرح، أو نَقصِ مَن لم يظهرْ نقصُه، فإنَّ مفسدةَ الجرح عظيمةٌ؛ فإنَّها غِيبةٌ مُؤبَّدةٌ، مُبطِلةٌ لأحاديثه، مُسقِطةٌ لسُّنَّةٍ عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورادةٍ لحُكمٍ مِن أحكام الدِّين" .شرح النووي على صحيح مسلم: (1/124)..

    وقال الإمام عبدالحي اللَّكنويُّ: "ويُشترط في الجارح والمعدِّل: العِلمُ والتَّقوى، والورعُ والصِّدقُ، والتَّجنُّب عن التَّعصُّب" الرفع والتكميل في الجرح والتعديل اللكنوي ص 52.
    وقال - رحمه الله - ناصحًا: "فإنْ أَنستَ مِن نفسك - أيُّها الجارح أو المعدِّل - فَهْمًا وصِدقًا، ودينًا وورعًا، وإلاَّ فلا تفعلْ، وإنْ غلب عليكَ الهوى والعَصبيَّة للرأي أو المذهب، فبالله لا تتعبْ" المصدر السابق ص 53..

    قال ابن دقيق العِيد: "أعراضُ المسلمين حُفرةٌ مِن حُفر النَّار، وقف على شفيرها طائفتانِ مِنَ النَّاس: الحُكَّام، والمُحدِّثون" انظر "لسان الميزان": ابن حجر: (1/16)..

    وقال أيضًا: "والكلام في الرِّجال يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ من الهوى".

    وقال الإمام الذَّهبيُّ: "ولا سبيلَ إلى أنْ يصيرَ العارف - الذي يُزكِّي نَقلةَ الأخبار ويَجرحُهم - جِهْبِذًا إلاَّ بإدمانِ الطَّلب، والفحصِ عن هذا الشَّأن، وكثرةِ المذاكرة والسَّهر، والتَّيقُّظِ والفَهْم، مع التَّقوى والدِّين المتين والإنصافِ، والتَّردُّد إلى العُلماء والإتقان" "تذكرة الحفاظ"، الذهبي: (1/4)..



    سادسًا: أوَّل مَن تصدَّى للرِّجال جرحًا وتعديلاً:

    عَرَفْنا أنَّ الجرح والتَّعديل ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة؛ ولكنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يفضحْ أحدًا على رُؤوسِ الأشهاد، بل كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - رحيمًا رفيقًا حليمًا، وكان الصَّحابةُ كذلك؛ إلاَّ أنَّهم كانوا يَتجنَّبون الرِّواية عمَّن لا يعرفونه بعدَ انتشار الفِتنة.

    قال العلاَّمة المحدِّثُ المُعلميُّ اليمانيُّ: "أوَّلُ مَن تكلَّم في أحوال الرِّجال القرآنُ، ثم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم أصحابُه، لكنْ أوَّلَ مَن تصدَّى للرِّجال جرحًا وتعديلاً، وَفقًا لإحقاق الحقِّ وإبطالِ الباطل - هو الإمامُ الحافظ الثَّبتُ، أمير المؤمنين في الحديث: شُعبةُ بنُ الحجَّاج بنِ الورد العَتكي، مولاهم الأزديُّ، أبو بِسطامٍ الواسطيُّ، ثم البَصري، مِن كِبار أتباع التَّابعين، تُوفِّيَ سَنةَ 166 هـ" علم الرجال وأهميته: (ص18)..
    قال ابن الصَّلاح في مقدمته: "رُوِّينا عن صالح بن محمد الحافظ جزرة قال: أوَّلُ مَن تكلَّم في الرِّجال شعبةُ بنُ الحجَّاج، ثم تبعه يحيى بن سعيدٍ القَطَّان، ثم بعدَه أحمدُ بن حنبل، ويحيى بن معين، قلت: وهؤلاء؛ يعني: أنَّه أوَّل مَن تصدَّى لذلك وعُنِي به، وإلاَّ فالكلام فيه - جرحًا وتعديلاً - مُتقدِّم، ثابتٌ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم عن كثيرٍ من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدَهم، وجُوِّزَ ذلك صَونًا للشَّريعة، ونَفيًا للخطأ والكذب عنها" مقدمة ابن الصلاح (1/236).. اهـ.



    سابعًا: الفرق بين الرِّواية والدِّيانة في عِلم الجرح والتَّعديل:

    لقد وَهِمَ الكثيرُ في العصر الحالي بعدمِ التَّفريق بين الرِّواية والدِّيانة، فإنَّ العلماء سابقًا يَشترطون في الرَّاوي أنْ يكون عدلاً ضابطًا، وقد اختلف العُلماء اختلافًا بَيِّنًا في الرِّواية عن أهل البدع، الرَّاجح من هذا - والذي ساروا عليه سيْرًا عمليًّا -: هو أخذُ الرِّواية عن الثِّقة، سواء كان مِن أهل البدع أم من أهل السُّنَّة، فنجد أنَّ كثيرًا من العُلماء تَركَ الحديث عن عُظماءَ مِن أهل السُّنَّة؛ لِقلَّةِ ضبطِهم، أو سوءِ حِفظهم، أو نحو ذلك.
    قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النَّظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (126 -128)":

    "البدعة ورواية المبتدع:
    ثم البِدعة: وهي السَّببُ التَّاسع مِن أسبابِ الطَّعن في الرَّاوي: وهي إمَّا أن تكون بمكَفِّرٍ:
    1- كأن يَعتقد ما يَسْتلزم الكفرَ.
    2- أو بمُفَسِّقٍ.

    فالأوَّل: لا يَقْبَلُ صاحِبَهَا الجمهورُ، وقيل: يُقبل مطلقًا، وقيل: إن كان لا يَعْتقد حِلَّ الكذب لنُصرة مقالته قُبِلَ.
    والتحقيقُ: أنَّه لا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ ببدعةٍ؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تَدَّعي أنَّ مخالفيها مبتدعةٌ، وقد تُبالغ فتكفِّر مخالفَها، فلو أُخِذَ ذلك على الإطلاق، لاستلزم تكفيرَ جميعِ الطوائفِ.
    فالمعتمد: أنَّ الذي تُرَدُّ روايتُه مَن أَنكر أمرًا متواترًا مِن الشَّرع، معلومًا من الدِّين بالضَّرورة، وكذا مَن اعتقدَ عكسَهُ، فأمَّا مَن لم يكنْ بهذه الصِّفة، وانضمَّ إلى ذلك ضَبْطُهُ لِما يرويه، مع ورعه وتقواه - فلا مانعَ مِن قَبوله.

    والثاني: وهو مَنْ لا تقتضي بدعتُهُ التَّكفيرَ أصلاً، وقد اختُلِف أيضًا في قَبوله وَرَدِّهِ:
    فقيل: يُرَدُّ مطلقًا، وهو بعيدٌ، وأكثر ما عُلِّلَ به أنَّ في الرِّواية عنه ترويجًا لأمره، وتنويهًا بذِكْره، وعلى هذا فينبغي أن لا يُرْوَى عن مبتدعٍ شيءٌ يُشاركه فيه غيرُ مبتدعٍ.
    وقيل: يُقْبَل مطلقًا، إِلاَّ إنِ اعتقد حِلَّ الكذب، كما تقدَّم.
    وقيل: يُقْبَلُ مَن لم يكنْ داعيةً إلى بدعته؛ لأنَّ تزيين بدعته قد يَحْمِلُهُ على تحريفِ الرِّواياتِ وتسويتها على ما يَقْتضيه مذهبُهُ، وهذا في الأصحِّ.
    وأغربَ ابنُ حبَّان؛ فادَّعى الاتفاقَ على قَبولِ غير الدَّاعية، مِن غيرِ تفصيلٍ.

    نعمْ، الأكثر على قَبول غير الدَّاعية، إلاَّ أنْ يَرويَ ما يُقَوِّي بدعتَه فَيُرَدُّ، على المذهب المختار، وبه صرَّح الحافظ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن يعقوب الجُوزجانيُّ، شيخ أبي داودَ والنَّسائيِّ، في كتابه "معرفة الرجال"، فقال في وصْف الرُّواة: ومنهم زائغٌ عن الحقِّ - أي: عن السُّنَّة - صادقُ اللَّهجة؛ فليس فيه حيلةٌ إلاَّ أن يؤخذَ مِن حديثه ما لا يكون منكَرًا، إذا لم يُقَوِّ به بدعتَه، انتهى.
    وما قاله مُتَّجِهٌ؛ لأنَّ العلَّةَ التي لها رُدَّ حديثُ الدَّاعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهرُ المرويِّ يوافِق مذهبَ المبتدع، ولو لم يكن داعيةً، والله أعلم". اهـ.
    وقد أخذوا عن أهل البدعِ ما عندَهم مِن صحيح الرِّواية.
    ومن أمثلة ذلك:

    1- بعض أقوال الإمام أحمد في بعض الرُّواة من كتاب "بحر الدم":
    أ - خلف بن هشام بن تغلب المقري: قيل لأحمد: إنَّه يشرب - يعني: النَّبيذ - قال: قدِ انتهى إلينا عِلم هذا عنه، ولكن هو والله عندَنا الثِّقة، شرب أو لم يشربْ.
    ب - علي بن بذيمة، الحرانيُّ: قال أحمد: صالح الحديث، لكنَّه رأس في التَّشيُّع.
    ج - عمرو بن الهيثم بن قطن، أبو قطن، الزبيدي: وثَّقه أحمد.
    وقال إبراهيم الحربي: حدثنا أحمد بن حنبل يومًا عن أبي قطن، فقال له رجلٌ: إنَّ هذا بعدما رجع مِن عندكم إلى البصرة تكلَّم في القدر، وناظر عليه، فقال أحمد: نحن نحدِّث عن القدريَّة، لو فتَّشتَ أهل البصرة وجدتَ ثُلثَهم قدريَّة.

    2- من كلام بعض العُلماء:
    أ - قال مكيُّ بن عبدان: سألتُ مسلمًا عن علي بن الجعد، فقال: ثقة، ولكنَّه كان جهميًّا. "الثقات لابن حبان".
    ب - قال الذهبيُّ في "سير أعلام النبلاء (ج 6/ ص 383)": عوف بن أبي جميلةَ الإمام الحافظ أبو سهل الأعرابيُّ البصري، قال ابن المبارك: ما رضي عوفٌ ببدعةٍ حتَّى كان فيه بدعتان: قدري، شيعي، وقال الأنصاريُّ: رأيتُ داود بن أبي هند يضرب عوفًا ويقول: ويلك يا قدريُّ، قال بندار: كان قدريًّا، رافضيًّا.
    قلت (الذهبي): لكنَّه ثقةٌ مُكثرٌ، قال النَّسائيُّ: ثقة ثبتٌ". اهـ.

    3- كثيرٌ من أهل البدع الدُّعاة إلى بدعتهم قد روى لهم البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيهما؛ منهم:
    أ - عبَّاد بن يعقوب الأسديُّ الرواجنيُّ، أبو سعيد الكوفي، الشيعي.
    ب - عمران بن حِطَّان الخارجي، خطيب الخوارج وشاعرهم.
    ج - شَبابةُ بن سوَّار الفزاري المرجئ.
    د - أبان بن تغلب الرافضيُّ.
    هـ- حريز بن عثمان بن جبر بن أحمرَ بن أسعدَ الرَّحبي الناصبي.



    ثامنًا: علم الجرح والتعديل كان خاصًّا بالرُّواة، وفي هذا العصر لا يوجد:

    هذا هو الحقُّ الذي قاله العلماء، إذا فرَّقْنا بينَ الرِّواية والدِّيانة، وأنَّ كلَّ مَن أتى ببدعةٍ فلا بدَّ مِن بيان بدعته، وبيان خطورتها على حَسبِ حالها وحال صاحبها، والتَّحذير مِن صاحبها بعدَ إقامة الحُجَّةِ البَيِّنةِ عليه، دونَ إهمالِ ما فيه من جوانب الحقِّ الأخرى، وخاصَّةً إذا كان له كتبٌ بعيدةٌ عن بدعته، أو يَجتنب فيها البدعةَ، كما نجد في كتب كثيرٍ من العلماء أمثال النَّووي وابن حجرٍ العسقلانيّ، وابن حجر الهيتميّ، وابن عبدالسَّلام، فلو هجرْنَا كتب أمثال هؤلاء، لضاع كثيرٌ من العِلم، وإلا خالفْنا مَن سبقونَا ثانيًا.

    لذلك انتبهَ إلى هذا كثيرٌ من عُلماء العصر:

    1- اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

    الفتوى رقم (17831) جاء في جواب هذه اللَّجنة ما يلي:
    "والجرح والتَّعديل للرُّواة مجمعٌ عليه بينَ العلماء؛ لأَجْل التَّوثُّق من صحة الحديث، لا مِن أَجْل الطَّعن في الشَّخصيات وتَنقُّصِها، ولكن لا يجوز الدُّخول في هذا الباب إلاَّ لأهل الاختصاص من الرَّاسخين في علوم الحديث". اهـ.
    وها هم أعضاء اللجنة:
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

    عضو: بكر أبو زيد
    عضو: عبدالعزيز آل الشيخ
    عضو: صالح الفوزان
    عضو: عبدالله بن غديان
    الرئيس
    عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

    2- الشَّيخ صالح الفوزان - حفظه الله:

    السُّؤال: فضيلة الشيخ، هلِ الجرح والتعديل في الأشخاص يُمكن أن يُطبَّق الآن؛ وذلك لأَجْل مصلحة الدَّعوة؟
    الجواب: الجرح والتَّعديل هذا في عِلم الرِّواية في عِلم الإسناد، وهذا له رِجالُه وله عُلماؤه، ولا أحدَ الآنَ - فيما نعلمُ - عندَه أهليةٌ لهذا الأمر، هذا من الحُفَّاظ والعلماء الذين أعطاهم الله ملكة الرِّواية ومعرفة الأحاديث، أمَّا الآن فلا أحدَ مُتأهِّلٌ لهذا، هذا إذا كان هناكَ إنسانٌ مبتدعٌ، ما يُسمَّى جرحًا وتعديلاً، هذا إنسان مبتدع، يُذكَر لأجْل أنْ يحذر، ما هو مِن باب الجرح والتَّعديل؛ بل مِن باب النَّصيحة للنَّاس". اهـ.

    انظر موقع الشيخ الفوزان تحت هذا الرابط:
    http://www.alfawzan.ws/AlFawzan/FatawaSearch/tabid/70/Default.aspx?PageID=13415

    3- وقال الشَّيخ عبدالله بن عبدالرحمن الغديان :
    "عِلم الجرح والتَّعديل عندَ عُلماء الحديث الذين نقلوا لنا الأحاديثَ بالأسانيد، وهي موجودةٌ في كتب الجرح والتَّعديل، فما نحتاج إلى أحدٍ الحين".

    4- وقال الشَّيخ عبدالعزيز بن عبدالله الرَّاحجي:
    "لا يوجد جرحٌ وتعديلٌ في زماننا، وهو للمُحدِّثين".

    5- وقال الشيخ صالح اللحيدان:

    "الجرح والتَّعديل للحديث انتهى وقتُه، ما هو في هذا الزَّمن".

    6- وقال الشَّيخ ملفي بن ناعم الصاعدي:
    "ما في علماء الجرح والتَّعديل في وقتنا، وهو في الحديث والأسانيد"

    انظر مرجع هذه الأقوال في موقع "الإسلام الذهبي ".
    www.islamgold.com




    تاسعًا: الاجتهاد في الترجيح في توثيق الرَّاوي وتضعيفه قائم:
    بمعنى: أنَّ الكثيرَ من الرُّواة قدِ اختُلف فيهم جرحًا وتعديلاً، لا يزال العلماء على مَرِّ العُصور يختلفون في هذا، وكلٌّ على حسبِ ما يصل إليه عِلمُه مِن توثيقٍ أو تضعيفٍ، وهذا في علم الحديث خاصَّةً.

    مثالٌ على ذلك:
    عبدالله بن لهيعة المصري:
    لا يزال الخلافُ فيه قائمًا إلى اليوم، فنجد أنَّ الشَّيخ أحمد شاكر - رحمه الله - يُوثِّقه مطلقًا، ونجد أنَّ الشَّيخ الألباني – رحمه الله - يُوثِّقه إذا روى عنه العبادلة: عبدالله بن المبارك، وعبدالله بن يزيد المقرئ، عبدالله بن وهب المصري.
    وهناك مَن يوثِّقه في أكثرَ مِن ذلك، وقدْ منَّ الله عليَّ فجمعتُ رِسالةً عن هذا الإمام، وقد وصلتُ إلى توثيقه إذا روى عنه أكثرُ من أربعةَ عَشرَ رجلاً، في رسالة: "التحقيقات البديعة فيما يصحُّ وما لا يصحُّ من مرويات ابنِ لهيعة".

    هذا ما أردتُ قوله في هذا المختصر، لعلَّ الله – تعالى - ينفع به مَن أراد الهُدى، فيفتح به قلوبًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، أسأل الله – تعالى - أن يُوفِّقَنا جميعًا إلى ما يحبُّ ويرضى، إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وسلم.



    كتبه : سيف النصر علي عيسى (أبو حسام الدين الطرفاوي)


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,372

    افتراضي رد: موجز في علم الجرح والتعديل

    جزاك الله خيرا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    119

    افتراضي رد: موجز في علم الجرح والتعديل

    جزاك الله خير مايسمى بالجرح والتعديل اليوم هو غيبة بثوب جديد

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2011
    المشاركات
    743

    افتراضي رد: موجز في علم الجرح والتعديل

    جزاكم الله خيرا و بارك في علمكم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2012
    المشاركات
    242

    افتراضي رد: موجز في علم الجرح والتعديل

    بارك الله فيك وفي عمرك وعلمك اخونا الحبيبب بارك الله فيك وفي عمرك وعلمك اخونا الحبيب أبو حسام الدين الطرفاوي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •