تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

  1. #1
    محمد بن عبدالله غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,507

    افتراضي تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده، وبعد:
    فهذا مبحث مستلٌّ من رسالة الشيخ د. عادل بن عبدالشكور الزرقي للدكتوراه: (مرويات الإمامين قتادة بن دعامة ويحيى بن أبي كثير المعلة في كتاب العلل للإمام الدارقطني)، وقد تكلم فيه عن تدليس قتادة.
    فقال -رعاه الله-:

    اشتهر عند أهل العلم بأن قَتادة كان يدلِّس في الحديث .
    قال شعبة عنه : « إذا جاء ما لم يسمع يقول : قال سعيد بن جبير ، وقال أبو قلابة … »([1]) .
    وقال أبو داود : « حدَّث قَتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم »([2]) .
    وقدَّم أبو حاتم قَتادة على أيوبَ في معاذة بقوله : « قَتادة إذا ذكر الخبر – يعني إذا بيَّن السَّماع »([3]) .
    وممن وصفه بالتَّدليس ابن حبان([4]) والحاكم([5]) والخطيب ([6]) .
    وقال الذَّهبيُّ : « مدلِّس معروف بذلك »([7]) .
    وقد ذكره ابن حجر في الطَّبقة الثالثة من طبقات المدلِّسين الذين أكثروا من التَّدليس ، فلا يحتجُّ الأئمَّة من أحاديثهم إلا ما صرَّحوا فيه بالسَّماع([8]) .

    وفي ذكره في هذه الطبقة نظر ، بل هو مرجوح للغاية ، فمثله في المرتبة الثانية - على أقل تقدير – وهم من احتمل الأئمة عنعنتهم ، وأخرجوا له في الصَّحيح وإن لم يصرِّحوا بالسَّماع لعدة أسباب منها :-

    1. أن مصطلح التَّدليس عند من وصف بعضَ الرُّواة بالتَّدليس جارٍ على كلامهم بلغة العرب قبل نشأة المصطلح ، والتَّدليس لغة التَّكتم ، وكتمان العيب([9]) ، قال البزَّار : « التَّدليس ليس بكذب ، وإنَّما هو تحسين لظاهر الإسناد »([10]) . فهو أعمُّ مما عند أهل المصطلح المتأخر . فكل تكتُّم لعيب في الإسناد يعدُّ تدليساً فصاحبه مدلِّس ، ومن حدَّث عن أناس لم يسمع منهم أو لم يلقهم أصلاً ، وكتم هذا العيب على عموم النَّاس ، فقد دلَّس عليهم ، وإن علم بذلك خواص أهل العلم ، فلا يخرجه ذلك من هذا الوصف إجمالاً ، فتنْزيل كلامهم على ما اصطلحوه مؤخراً غير صحيح . ومن شواهد ذلك :-
    *أ- قول ابن حبَّان في يحيى بن أبي كثير : « كان يدلِّس ، فكلما روى عن أنس فقد دلَّس عنه ولم يسمع من أنس ، ولا من صحابي شيئاً »([11]) . وقال أيضاً : « بشير بن المهاجر الغنوي ، من أهل الكوفة ، يروى عن عبد الله بن بريدة ، وقد روى عن أنس ، ولم يره ، دلَّس عنه »([12]) .
    *ب- قول ابن عبد البر : « يدلِّس كثيراً عمن لم يسمع منه »([13]) .

    2. أنَّ كلَّ من وصفه بالتَّدليس ، لم يذكر اشتهاره به ، سوى ما نقله ابن حجر عن النَّسائي ، ولم يحكِ لفظه ، فيضعف الاحتجاج به نوعاً ما ، ولا يلزم من الاشتهار بالشيء الإكثار منه ، فالإكثار أخص من الاشتهار ، والذي يظهر لمن سبر أحاديثه وعللها ، أنَّ تدليسه قليل في جنب ما روى ، ولعل وصفه بالكثرة نسبي لمن يشدِّد فيه ، أو لأنَّ أهل البصرة قد أكثروا من ذلك عموماً .

    3. أن من وصفه بالتَّدليس من العلماء – كشعبة – ذكر أسماء معينة كان قَتادة يفعل ذلك معهم ، لا مع كل راوٍ ، فكيف إذا كان شيخه أنس -رضي الله عنه- ، وقليلٌ أن يصرح عنه في جنب ما روى عنه .

    4. أنَّ الأسماء التي ذكرت في روايته عنهم – ولم يسمع منهم – تخرج المسألة من التَّدليس الاصطلاحي إلى الإرسال الخفي في اصطلاح ابن حجر والانقطاع عموماً عند من سلف ، فكيف يحتجُّ بذلك في باب التَّدليس هذا ، وقد ذكر أبو داود أنَّه حدَّث عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم كما سبق قبل قليل ، وليس هذا بتدليس عند من تأخر ، وهو كذلك عند السابقين بعموم التعمية .

    5. أن البخاريَّ ومسلم والتِّرمذيَّ وابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم وغيرهم - ممن ألَّف في الصَّحيح أو تميَّز بالحكم على كثير من الأحاديث – صحَّحوا كثيراً من أحاديث قَتادة التي عنعن فيها ، ولم يردُّوها بالعلَّة هذه ، بل بعلةٍ أخرى إن وجد للحديث علة ما ، فأين الأئمَّة الذين يقول ابن حجر بأنهم يردُّون عنعنتهم ؟
    ولذا قال ابن دقيق العيد بعد كلام طويل عن هذا الإشكال : « … وإلا فيجوز أن يرى أنها محمولة على السَّماع حتى يظهر الانقطاع ، وإذا جاز وجاز ، فليس لنا الحكم عليه بأحد الجائزين مع الاحتمال » ، إلى أن قال : « والأقرب في هذا أن نطلب الجواب من غير هذا الطَّريق ، أعني طريق القدح بسبب التَّدليس »([14]) .

    6. أن صفات الطَّبقة الثَّانية منطبقة عليه تماماً ، وبيانه :-
    أ*. أن الأئمَّة احتملوا عنعنة قَتادة ، وأخرجوا له في الصَّحيح معنعناً كما سبق ، وقول ابن حجر : « من احتمل الأئمة تدليسه » ، فيه تجوز ، فإن الأئمَّة لا يحتملون التَّدليس عن غير الثِّقة إذا ثبت لهم ، ولعل ابن حجر أراد أن يقول : « عنعنته »([15]) ، ويلزم على ظاهر كلام ابن حجر قبول عنعنة كل من في الطبقة الثالثة للوصف الذي ذكره ، وهو ما أراد الحافظ أن يبعد عنه !
    ب*. أن قَتادة من أئمَّة الحديث ، وهذا متفق عليه بينهم ، وقد تقدَّم أن قَتادة ممن تدور عليه الأسانيد ، ففي اشتراط تصريحه ردٌّ لكثير من الأحاديث الصحيحة .
    ت*. أن الثابت من تدليسه في جنب ما روى لا يكاد يعدُّ شيئاً ، بدليل كثرة ما رواه معنعاً في كل الطُّرق – وليس له متابع فيه – بجنب ما ردَّه الحفَّاظ بسبب عنعنته . وقد روى مئات الأحاديث عن أنس -رضي الله عنه- وغيره بالعنعنة ، ومن يستطيع أن يثبت أنه دلَّس في عشر عشر ذلك ، بل لم يرد عن السَّلف رد حديث واحد سليم متنه وإسناده بعنعنته .

    فالأصح أنَّ قتادة في الطبقة الثانية من المدلسين وأنَّ عنعنته – لا تدليسه - مقبولة بالشُّروط التَّالية :-
    1) سلامة المتن من الشذوذ أو النَّكارة ، وهذا يعرفه غالباً من له اشتغال بالسُّنة النَّبوية ، ومقاصد الشريعة ، فإذا لم نجد علة في الحديث سوى عنعنة قَتادة مع ما في المتن من نكارة ، أُلزق ذلك باحتمال تدليس قَتادة ، هذا الشرط للحدِّ من التشدد في عنعنته ، أما مع التَّوسط فيقال بقبول عنعنته ، مالم يظهر بجلاء نكارة في المتن .
    2) سلامة السَّند من الشذوذ أو المخالفة للأرجح ، ويقال هنا أيضاً ما قيل في الأول .
    3) وجود قرائن تدلُّ على ثبوت سماعه من الراوي ، كذكره في شيوخه ونحو ذلك
    قال ابن عبد البرِّ في بيان هذين الشرطين : « وقَتادة إذا لم يقل سمعت ، وخولف في نقله فلا تقوم به حجَّة لأنه يدلِّس كثيراً عمن لم يسمع منه ، وربَّما كان بينهما غير ثقة »([16]) . فبقوله : « وخولف » ، وقوله : « عمَّن لم يسمع منه » ، يتبين لنا الشَّرطان الأخيران .
    4) ألا يوجد تعليل أو تضعيف لإمام حافظ من السَّابقين - لتلك الرِّواية التي لم نجد فيها علة تذكر – سوى عنعنة قَتادة – لم نطَّلع نحن على ما اطَّلع عليه من سبب يوجب القدح في تلك الرِّواية .
    فإذا فُقِد أحد هذه الشُّروط جاز التَّوقف للعالم بالحديث في صحة الرِّواية لاحتمال تدليس قَتادة ، دون أن يجزم بلا علم بأنَّ في الحديث تدليس قَتادة كذا بدون برهان قاطع ، أما ردُّ حديثه بمجرد عنعنته ، فقد حكم عليه ابن عبد البر بأنه تعسُّف([17]) .

    أما إذا أرسل قَتادة الحديث عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ، أو عمَّن لم تثبت قرينة على سماعه منه ، فقد كان القطَّان لا يرى إرسال الزُّهري وقَتادة شيئاً ، ويقول : « هو بمنْزلة الرِّيح » ويقول : « هؤلاء قوم حفَّاظ ، كانوا إذا سمعوا الشيء عَلِقُوه »([18]) .

    ---------------------------------------------
    ([1]) الكفاية (ص401) .
    ([2]) التهذيب (3/430) .
    ([3]) الجرح (7/135) .
    ([4]) الثقات (5/322) .
    ([5]) معرفة علوم الحديث (ص103) .
    ([6]) الكفاية (ص496) .
    ([7]) السير (5/271) .
    ([8]) تعريف أهل التقديس (ص63و146) .
    ([9]) القاموس (ص703) ، (دلس) .
    ([10]) النكت للزركشي (2/81) .
    ([11]) الثقات (7/592) .
    ([12]) الثقات (6/98) .
    ([13]) التمهيد (3/307) .
    ([14]) النكت للزركشي (2/96-97) .
    ([15]) من النصوص المهمة التي يُرَدُّ بها على من أعل بعنعنة المدلس أن أبا زرعة ضعَّف حديثاً فيه عنعنة بقية ، فقال له ابن أَبي حاتم : «تعرف له علة ؟ قال : لا » – العلل (1/488) .
    ([16]) التمهيد (3/307) .
    ([17]) التمهيد (19/287) .
    ([18]) المراسيل لابن أبي حاتم (1) .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    من أراد التديُّن بالحديث فلا يأخذ عن قتادة إلا ما قال: فيه سمعنا وأخبَرَنا!
    الذي ترجَّح عندي بعد النظر: أن قتادة كان مكثرًا من تدليس الإسناد، وأنه لا يقبل حديثه إلا:
    1- عن شيوخ أكثر من السماع عنهم.
    2- أو عند تصريحه بالسماع.
    3- أو عند تصحيح أحد النقاد الكبار لحديثه الذي لم يذكر فيه سماعًا، ولا رابع لتلك الشروط عندي.
    وقد تجمَّع لديَّ عدة نصوص عن القُدَماء بها اطمئن القلب على صحة ما ركن إليه. وقبل أن أذكر شيئًا من ذلك، أودُّ لفْتَ الأنظار إلى أن الأوائل من حُذّاق النقاد قد انقسمت أقوالهم حول قبول خبر المدلس!
    1- فذهب الشافعي إلى أن من ثبت تدليسه ولو مرة في حياته لا يقبل خبره حتى يقول سمعنا وحدثنا!
    2- وهذا الذي ذكره الشافعي قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين، كما ذكره ابن رجب.
    3- وَقَالَ المحدث الفقيه أبو علي الْكَرَابِيسِي في كتابه «المدلسين»: «فَإِذا قَالَ المدلس: حَدثنَا، يكون حجَّة، وَإِذا قَالَ: فلَان قَالَ، أَو: عَن فلَان، لَا يكون حجَّة، فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ... ».
    3- ونحو هذا القول انْتَحَى أبو الفتح الأزدي الحافظ، لكنه قيَّد ذلك بمن يدلس عن غير الثقات.
    5- وهذا ما نصَّ عليه ابن حبان في جملة من كتبه. وحكاه عن جماعة من شيوخه.
    6- وحكى هذا المذهب: الطبري في مواطن كثيرة من «تهذيبه» قال في بعضها:
    « والأخرى: أن قتادة عندهم من أهل التدليس معروف عندهم بذلك، وغير جائز عندهم أن يحتج من رواية المدلس وإن كان عدلا إلا بما قال فيه حدثنا أو سمعت وما أشبه ذلك مما يدل على سماعه».
    قلت: فمن ردَّ حديث كل مدلس في الدنيا لأجل مرة صحَّ تدليسه فيها = فإنما له في ذلك المذهب سلف صالح لا ريب في ذلك. وما عليه بعد ذلك أن يُنْزِل إنكار المشنِّعين عليه حيث نزل!
    لكن التحقيق عندنا في تلك القضية: هو ما ذهب إليه ابن المديني ومسلم وكثير من الأئمة والمحققون من اعتبار كثرة التدليس في حديث الراوي، فمن اشتهر بالتدليس، وحُفِظ عليه في رواياته، فلا يقبل منه سوى حدثنا وأخبرنا وحسب.
    وقد نظرنا في حال أبي الخطاب البصري الحافظ فوجدنا خَلْقًا من كبار الحفاظ، وحُذّاق النقاد قد وصفوه بتدليس الإسناد تصريحًا تلويحًا، نصًّا وتصرُّفًا، والذين صح لنا عنهم ذلك هم أمثال:
    شعبة وابن مهدي وأحمد وابن المديني والبخاري والدارقطني وغيرهم كثير، وسيأتي الإشارة إلى كلمات جُمْلَتِهم في هذا الصدد. وهذا يدل على أن الرجل كان معروفًا بتلك الخصلة بينهم لا تخفى عليهم.
    ومع ذلك: ترى من المتأخرين – ممن عاصرناهم- مَن لا يزال يصرُّ على أن أكثر النقاد الذين وصموا قتادة بالتدليس إنما راموا به التدليس الخفي!
    ولم يفعلوا شيئًا! وكلمات النقاد المتقدمين التي أشرنا إليها تأخذ بِمُخَنَّقِ كل من يحاول خلاف ذلك بل! وتقبض عَلَى لَهَاتِهم فما يستطيعون سبيلا!
    وقد تجمَّع لدينا عدة أمور وقرائن بها سكَن القلب على ثبوت كون قتادة كان مكثرًا من التدليس بالمعنى الخاص دون غيره. ومن ذلك أنا وجدناه:
    1- يدلس عن الأثبات ممن سمع منهم ما لم يسمع! وكان يستبين حالُه من ذلك إذا أوقفه بعضهم عليه، كما كان يفعل معه شعبة بن الحجاج.
    2- أنه كان مشهورًا بتدليس الإسناد موصوفًا به معروفًا عنه بين أوساط النقَلَة، دون مطلق التدليس، وقد أشار إلى هذا أبو عبد الله ابن البيع الحافظ، وجزم به جماعة نقل عنهم الطبري ذلك، وابن رجب في مواضع من «الفتح» وغيرهم.
    فقال الحاكم في «الإكليل»: «وكذلك قتادة بن دعامة وهو إمام أهل البصرة ، إذا قال أنس ، أو قال الحسن وهو مشهور بالتدليس عنهما».
    وقال الطبري في «تهذيبه» وهو بصدد التشنيع على من يخالفه في صحة حديث يرويه قتادة: « والأخرى: أن قتادة عندهم من أهل التدليس معروف عندهم بذلك وغير جائز عندهم أن يحتج من رواية المدلس وإن كان عدلا إلا بما قال فيه حدثنا أو سمعت وما أشبه ذلك مما يدل على سماعه».
    3- وكان ربما دلَّس المجاهيل عن ثقات شيوخه! كما فعل مع ابن المسيب في جملة من الأخبار!
    قال أبو داود: «سمعت أحمد، سأله رجل عن حديث لسعيد؟ فقال: يحيى-يعني الأنصاري- عن سعيد، أصح من قتادة، عن سعيد، أي شيء يصنع قتادة»!
    وقال إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» : «سمعت علي ابن المديني يُضعِّف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا ، وقال : أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال! ».
    ثم نقل عن ابن مهدي أنه قال: « مالك عن ابن المسيب أحب إليَّ من قتادة
    عن ابن المسيب! ».
    قلت: وهذا تضعييف شديد لحديثه عن سعيد! مع كونه جالسه واستنزفه!
    ومردُّ ذلك: أن قتادة كان إذا روى عن ابن المسيب ولم يذكر منه سماعًا، جاء بمناكير لا يعرفها أصحاب سعيد عنه! وقد حفظ عليه النقاد عدة روايات روى فيها قتادة عن سعيد بواسطة جماعة من المجاهيل!
    فقال الإمام أحمد: «أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب ما أدري كيف هي قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يُعْرَفون»!
    والكل يُقِرُّ بصحة سماع قتادة من سعيد في الجملة، وحديثه عنه ثابت في «الصحيحين»، وإنما تقع المناكير في حديثه حيث لم يذكر في حديثه عن سعيد سماعًا، وما ينفرد به مما لا يعرفه أصحاب ابن المسيب، أو يخالفونه فيه.
    وكلام ابن مهدي السابق وكذا ابن المديني والإمام أحمد فيه فائدتان:
    1- الأولى: ثبوت تدليس قتادة عندهم.
    2- والثانية: كون قتادة يدلس الغائبين عن الثقات المعروفين!
    ولذلك قال البدر العيني في «العمدة» عن قتادة: « وَهُوَ مُدَلّس دلّس عَن مجهولين»!
    وأظن البدر أخذ تلك العبارة من صاحب «التوضيح» فهي به أليق، لمكانته من الحفظ والرواية، والبدر كثير النقل عنه مع إغفاله العزو إليه!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    4- وما علمنا شعبة بن الحجاج شدَّد في توقيف أحدٍ من شيوخه على السماع مثلما شدَّد على قتادة! والروايات عنه في الباب مذكورة مشهورة. ومن المأثور منها:
    قول شعبة: «كان همتي في الدنيا شفتي قتادة فإذا قال سمعت كتبت، وإذا قال: قال تركت
    ».
    وقوله: «
    كنت أتفطن إلى فم قتادة إذا حدث، فإذا حدث بما قد سمع، قال: حدثنا سعيد بن المسيب، وحدثنا أنس، وحدثنا الحسن، وحدثنا مطرف، وإذا حدث بما لم يسمع، قال: حدث سليمان بن يسار وحدث أبو قلابة
    »!
    وقوله: «
    كنت أعرف ما سمع قتادة مما لم يسمع كان يقول: حدثنا أنس، وحدثنا سعيد بن المسيب، وحدثنا الحسن، وحدثنا مطرف، وإذا جاء ما لم يسمع يقول: قال أبو قلابة، وقال سعيد بن جبير
    ».
    وقوله الثابت المشهور: «
    كفيتكم تدليس ثلاثة : الأعمش ، وأبي إسحاق ، وقتادة
    ».
    ولشعبة أخبار أخرى مع قتادة ضربنا عن ذكرها صفحا لشهرتها، وما نراه صح عنه من كلمات في مراجعة ثقات مشيخته فيما سمعوه، وتوقيفهم فيما يرووه، مثلما وقع إلينا من كلماته عن قتادة. ولولا أنه كان يرى أبا الخطاب الضرير من المكثرين تدليسًا –
    بمعناه الكُلِّي
    - عن مشايخه ما كان ليجعل هِمَّته من الدنيا تفقُّدِ سماعاته فيما حدَّث به!
    5- وقال الحافظ أبو أيوب الشاذكوني: «
    من أراد التديُّن بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش ، ولا عن قتادة ، إلا ما قالا سمعناه
    ». نقله عنه ابن رجب.
    قلت
    : وهذا يقتضي أن يكون هذان عند أبي أيوب ممن غلب التدليس على حديثهما عن الرواة والنقلة. والتدليس هنا يشمل مطلق الإخفاء والتعمية، فيندرج فيه الإرسال وتدلس الإسناد.
    6- ثم إن قتادة لم يكن من تلك المشيخة التي كان يروق لها تنقية الرجال عند التحديث عنهم، بل كان يأخذ عن كل أحد! وقد أخذه بعض الكُبَراء بذلك، ووصموه به.
    فقال ابن أبي خيثمة في «
    تاريخه»: «حَدثنَا أبي حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة عَن الشّعبِيّ قيل لَهُ: رَأَيْت قَتَادَة؟ قَالَ: نعم. رَأَيْته كحاطب ليل
    ».
    وقال الحافظ أبو العباس الأبار في «
    تاريخه»: «حَدثنَا عُثْمَان حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الساري عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد قَالَ: قلت لِلشَّعْبِيِّ: رَأَيْتَ قَتَادَة؟ قَالَ نعم. رَأَيْت دوَّارة القمَّاش
    ».
    وقال ابن أبي خيثمة أيضًا في «
    تاريخه»: «
    حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: «كَانَ قَتَادَة وَعَمْرو بن شُعَيْب لَا يغث عَلَيْهِمَا شَيْء يأخذان عَن كل أحد».
    7- ورأينا البخاري في «صحيحه
    » يعتني كثيرًا بتبيان سماعات قتادة في حديثه، حتى أنه علَّق عدة أسانيد ما كان يعلقها إلا لبيان سماع قتادة ممن حدَّث عنه في الإسناد الأول دون التصريح بالسماع المبين!
    وقد جزم ابن رجب وابن حجر وجماعة بكون البخاري ما كان يحمله على ذلك الصنيع إلا ما عُرِف به قتادة من التدليس عمن سمع منهم في الجملة.
    نعم: صنيع البخاري ليس صريحًا على كونه كان يرى قتادة كثير التدليس، بل كان يسلك مع غير قتادة ما يسلكه معه أحيانًا، لكنه أكثر من التفقُّد عن سماعات قتادة ما لم يفعله مع أحد غيره في «صحيحه». وهذا مما يُعْتَبَر به بدون ريب.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    8- وقال شعبة : «لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أشياء» . وذكرها.
    قلت
    : زاد عليها الشيخان في «الصحيح» شيئين، ووجدتُ شيئين آخرين مما صحَّ سماع قتادة له عن أبي العالية.
    فتحصَّل مما وقع لنا قدْر ثمانية أشياء مما ثبت فيها سماع قتادة، وقد وجدنا عدة أخبار أخرى-وليست قليلة كما زعم البعض- لقتادة عن رُفَيع الرياحي لم يذكر فيها سماعه، ولا رواها عنه شعبة!
    9- قد نصَّ غير واحد من الأئمة على التنكب عن حديث قتادة ما لم يصرح فيه بالسماع ممن فوقه، لكونه يدلس ممن سمع ما لم يسمع.
    صرح جماعة بهذا، ولوَّح به آخرون.
    وممن صرَّح بذلك ولم يُلوِّح
    :
    1- شعبة بن الحجاج. وقد مضى كلامه.
    2- سليمان الشاذكوني. وقد مضى كلامه.
    3- ابن حبان في عدة من كتبه.
    فقال في «
    المجروحين»: «
    الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار مثل: قتادة ويحيى بن أبي كثير والأعمش وأبي إسحاق وابن جريج وابن إسحاق والثوري وهشيم، ومَنْ أشبه هؤلاء ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم عنه عن أقوام ضعفاء.
    لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقُلِ المدلس - وإن كان ثقة - حدثني أو سمعت فلا يجوز الاحتجاجُ بخبره، وهذا أصل [أبي عبد الله محمد بن إدريس] الشافعي رحمه الله، ومن تبعه من شيوخنا، قد ذكرت هذه المسألة بكمالها بالأسئلة والأجوبة والعلل والحكايات في كتاب شرائط الأخبار، فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب
    ».
    4- جماعة من نبلاء أهل العلم من المتقدمين. نقل عنهم الطبري ذلك في مواطن من «تهذيبه» فقال:
    «
    والثانية: أن قتادة من أهل التدليس ولا يحتج عندهم من حديث المدلس في الدين إلا بما قال فيه سمعت أو حدثنا وما أشبه ذلك
    ».
    وقال أيضًا في مكان آخر:
    «
    والأخرى: أن قتادة عندهم من أهل التدليس معروف عندهم بذلك، وغير جائز عندهم أن يحتج من رواية المدلس وإن كان عدلا إلا بما قال فيه حدثنا أو سمعت وما أشبه ذلك مما يدل على سماعه
    ».
    5- خلْقٌ آخرون من مشيخة الحديث. كما نقله عنهم فقيه العراق في وقته أبو الحسن ابن المغلس في كتابه: «
    الموضح
    » فقال نقلا عنهم:
    «
    قَالُوا أَيْضًا: فَقَتَادَةُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: حَدَّثَنَا، وَلَا سَمِعْت، وَهُوَ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ
    ».
    ونسب ابن النحوي الحافظ هذه العبارة إلى ابن المغلس نفسه في «بدْره» فقال:
    «
    وأعلَّهُ ابْن الْمُغلس الظَّاهِرِيّ بِوَجْه آخر وَهُوَ أَن قَتَادَة رَاوِيه عَن عزْرَة لم يقل: «ثَنَا» وَلَا «سَمِعت» وَهُوَ إِمَام فِي التَّدْلِيس
    ».
    وقد راقتْ هذه الجملة: «
    وَهُوَ إِمَام فِي التَّدْلِيس» للحافظ ابن وهب القشيري وأعجبتْه، فاستخدمها وعالج بها بعض روايات أبي ىالخطاب البصري، فقال في «الإمام
    » يُعِلُّ حديثًا:
    «
    وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَقُلْ فِيهِ: حَدَّثَنَا، وَلَا سَمِعْت، وَهُوَ إمَامٌ فِي التَّدْلِيسِ
    »!
    وقد رأيت إمام علل الحديث في هذا الزمان: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني يقول في بعض تعاليقه على «
    الفوائد المجموعة»: «وقتادة كثير التدليس
    ».
    10- وممن ثبت لنا تدليس قتادة عنهم: أنس بن مالك، وابن المسيب ، والحسن البصري، وصفوان بن محرز، وأبو العالية الرياحي، وعبد الله بن معبد الزماني.
    وهؤلاء جميعا ممن صح سماع قتادة منهم.
    وهناك جماعة غيرهم لكني لم أتحقق ثبوت تدليسه عنهم بعد. كما لم ينفِ أحد من النقاد سماع قتادة منهم في الجملة.
    قلت
    : فهذه الأمور بجموعها إنْ لم تكن تدل على كثرة تدليس قتادة عن طريق غلبة الظن المطابقة للواقع، فهي تكفي بغلبة الظن الراجحة إن شاء الله.
    وكل من له رغبة في حَياطة دينه فيما يطلب من التثبت في الأخبار، وهمةٌ في معرفة الغامض والواضح فيما يتفقده من النظر في أحوال حَمَلَة الآثار، وخَبَرٌ بالمورد والمصدر ليصير ذلك المتوَلِّد عليه بالمعرفة الناهضة فيما هو بسبيله؛ فإنه تاركٌ خبرَ كل مُخْبِرٍ عن رسول الله تعترضه فِيهِ شُبْهَة ناهضة، وتركبه فيه ريبة ظاهرة، ويُثار عليه في صحته غبارُ الشك، حتى ينحَسَرَ لِثَام الشُّبُهَات، ويشْرقَ نُورُ الْيَقِينِ
    .
    وبتلك الحِياطة في الدين: تركنا كلَّ خبر يرويه قتادة والأعمش وأبو إسحاق السبيعي مما لم يذكروا فيه سماعًا؛ لِما استبان لنا عنهم من كثرة التدليس فيما يروون.
    والحمد لله رب العالمين.

  5. #5
    أبو زُرعة الرازي غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    الدولة
    غزة - صانها الله -
    المشاركات
    1,649

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    الشيخ الفاضل أبو المظفر السمعاني - أدامهُ الله وأمدهُ بالعافية - .
    بحثكم ماتعٌ مفيدٌ وقد تمت إضافتهُ للمفضلة فهذه الدراسةُ العلميةُ الجزلة تحتاجُ لفترةٍ يتأملها الفردُ بشكلٍ دقيق فجُزيتم كُل خير .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    الذي ترجَّح عندي بعد النظر: أن قتادة كان مكثرًا من تدليس الإسناد، وأنه لا يقبل حديثه إلا:
    1- عن شيوخ أكثر من السماع عنهم.
    2- أو عند تصريحه بالسماع.
    3- أو عند تصحيح أحد النقاد الكبار لحديثه الذي لم يذكر فيه سماعًا، ولا رابع لتلك الشروط عندي.
    يزَاد عليها شرط رابع نبهني إليه بعض الفضلاء، وإن كان مذكورا في أصل مقالي إشارة أكثر من مرة، وهو:
    4-
    رواية شعبة عنه.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو زُرعة الرازي مشاهدة المشاركة
    الشيخ الفاضل أبو المظفر السمعاني - أدامهُ الله وأمدهُ بالعافية - .
    بحثكم ماتعٌ مفيدٌ وقد تمت إضافتهُ للمفضلة فهذه الدراسةُ العلميةُ الجزلة تحتاجُ لفترةٍ يتأملها الفردُ بشكلٍ دقيق فجُزيتم كُل خير .
    أحسن الله إليكم. وأخوكم هو أبو المظفر السِّنَّاري وليس السمعاني.

  8. #8
    أبو زُرعة الرازي غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    الدولة
    غزة - صانها الله -
    المشاركات
    1,649

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    الشيخ الفاضل أبو المظفر السناري - أيدهُ الله تعالى بالخير وأمدهُ بالعافية - .
    قد قرأتُ ما تفضلتُم بهِ على كوبٍ مِن القهوة ولله درك ما أجمل ما كتبت ، فقد أجدت ببيان حال حديثهِ بمقالٍ خفيفٍ فجزاك الله تعالى كُل خيرٍ شيخنا الحبيب سعيد ا إن لم تخني ذاكرتي فهذا إسمكم - حفظكم الله - وددت لو زدتُ في كلامكم ولكنكم أجدتم وأفدتم لا حرمكم الأجر شيخنا الغالي .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    1

    افتراضي رد: تدليس قتادة، للشيخ د. عادل الزرقي

    لقد فات الأخ الدكتور الشئ الكثير، انظر هذا البحث.
    http://www.facebook.com/pages/%D9%81...41525159274387

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •