تلخيص الوجوه الخمسين التي فند بها شيخ الإسلام قانون الملاحدة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: تلخيص الوجوه الخمسين التي فند بها شيخ الإسلام قانون الملاحدة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    Lightbulb تلخيص الوجوه الخمسين التي فند بها شيخ الإسلام قانون الملاحدة

    ===== الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله =====

    تابع لما في هذه المواضيع:

    http://majles.alukah.net/showthread.php?t=15732

    http://majles.alukah.net/showthread.php?t=33412

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي رد: تلخيص الوجوه الخمسين التي فند بها شيخ الإسلام قانون الملاحدة

    ========== منقول ============

    (7) وقد وضع الرازي وأمثاله قانونا فيما يزعمون من التعارض بين العقل والنقل ، فقالوا : ” إذا تعارض العقل والنقل تعارض النقيضين : فإما أن يجمع بينهما أو يردا جميعا ، وكلاهما محال ؛ وإما أن يقدم النقل ، وهو محال لأن العقل أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه ؛ وإما أن يقدم العقل وهو حق ، ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض “ . وقد يضم بعضهم إلى هذا القانون الزعم بأن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين وأن لا تفيد بغير طريق الاستدلال بصدق المخبر . فقد غلطوا في العقل والنقل جميعا ، والعياذ بالله .

    (8) ولما كان بيان مراد الرسول في هذه الأبواب لا يتم إلا بتقرير أن الأدلة السمعية قد تفيد اليقين والقطع ، وبدفع المعارض العقلي لمدلولها : بينا في هذا الكتاب فساد ذلك القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر . إذ كان أي دليل أقيم علي بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه . وقد بسطنا الكلام على تقرير الأدلة السمعية وإفادتها بعضها القطع في موضعه قديما ، فنتكلم في هذا الكتاب عن بيان انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقا . ونبين أن صريح العقل موافق لصحيح النقل ، وأن الشرع قد أتى في نصوصه بالأقسية العقلية الصحيحة السليمة ما لا يقدر كثير من الفلاسفة والمتكلمين قدره ، وأن نهاية ما يذكرونه من الأدلة العقلية قد جاء الشرع بخلاصته علي أحسن وجه . فإن الرسول قد بلغ البلاغ المبين ، وبيانه للحق أكمل من بيان كل أحد .

    (9) وفساد ذلك المعارض يعلم جملة وتفصيلا . أما الجملة ، فإن من آمن بالله ورسوله إيمانا تاما وعلم مراد الرسول قطعا ، تيقن ثبوت ما أخبر به وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج : فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية في معارضتهم الحقائق . وأما التفصيل ، فعلم فساد تلك الحجج المعارضة من نفس صريح المعقول ، وتمييز ما فيها من الحق والباطل في الألفاظ والمعاني ، مع اعتبارها بما جاء به الشرع في ذلك الباب من المسائل والدلائل .

    ========== منقول ============

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي الشروع في ذكر وجوه الجواب التفصيلي (1)

    والجواب التفصيلي من وجوه :

    ·الوجه الأول


    أن قوله (إذا تعارض العقل والنقل): إما أن يريد به القطعيين، فلا نسلم إمكان التعارض حينئذ؛ وإما أن يريد به الظنيين، فالمقدم هو الراجح مطلقا؛ وإما أن يريد به ما أحدهما قطعي، فالمقدم هو القطعي مطلقا، وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيا لا لكونه عقليا. فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ، كما ان جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي الشروع في ذكر وجوه الجواب التفصيلي (2)

    ·الوجه الثاني


    أن يقال: لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة (وهي: تقديم العقلي مطلقا، أو السمعي مطلقا، أو الجمع بين النقيضين، أو رفع النقيضين)، إذ من الممكن أن يقال: يقدم العقلي تارة والسمعي أخرى. فأيهما كان قطعيا قدِّم. وإن كانا جميعا قطعيين فيمتنع التعارض، وإن كان ظنيين فالراجح هو المقدم. فدعوى انحصار القسمة في الأقسام الأربعة باطلة، بل هنا قسم ليس من هذه الأقسام، بل هو الحق الذي لا ريب فيه.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي الشروع في ذكر وجوه الجواب التفصيلي (3)

    ·الوجه الثالث


    قوله (إن العقل أصل للنقل فالقدح فيه قدح فيهما) إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، أو أصل في علمنا بصحته. والأول لا يقوله عاقل، وإن ما هو ثابت في نفس الأمر هو ثابت سواء علمنا ثبوته أو لم نعلم، إذ عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفى ثبوتها في أنفسها. فثبوت الرب تعالى وثبوت الرسالة وثبوت صدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس موقوفا على وجودنا فضلا عن عقولنا أو الأدلة التي نعلمها بعقولنا. فتبين أن العقل ليس أصلا لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطيا له صفة لم تكن له، ولا مفيدا له صفة كمال، إذ العلم الخبري مطابق للمعلوم المستغني عن العلم.


    وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته – وهذا هو الذي أراده – فيقال له: أتعني بـ(العقل) هنا (الغريزة التي فينا) أم (العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة)؟ أم الأول فلم ترده ويمتنع أن تريده، لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض المنقول، وهي شرط في كل العلوم والاعتقادات سمعيّها وعقليّها، وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له. وإن أردت بـ(العقل) هنا (المعرفة الحاصلة بالعقل)، فمن المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا لمعرفتنا بالسمع ودليلا على صحته، فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم.


    وإذن: لم تكن جميع المعقولات أصلا للنقل، لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها، ولا بمعنى الدلالة على صحته، ولا بغير ذلك. فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع، وهذا بين واضح. وليس القدح في بعض المعقولات قدح في جميعها – كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدح في جميعها. والناس متفقون على أن ما يسمى (عقليات) منه حق ومنه باطل وليس نوعا واحدا متماثلا في الصحة أو الفساد. وما كان منه شرطا في العلم بالسمع وموجبا له، فهو لازم له لا يناقضه؛ وما كان منافيا مناقضا له، فإنه يمتنع أن يكون شرطا في صحته ملازما لثبوته. فثبت أنه لا يلزم من تقديم السمع على ما يقال إنه معقول في الجملة القدح في أصله.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي اعتراضات والإجابة عليها

    فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة فساد المقدمات الثلاث التي بنو عليها تقديم آرائهم على كلام الله ورسوله.



    فإن قيل: نحن إنما نقدم على السمع المعقولات التي علمنا بها صحة السمع؛ قيل: سنبين إن شاء الله أنه ليس فيما يعارض السمع شيء من المعقولات التي يتوقف السمع عليها، فإذن كل ما عارض السمع – مما يسمى معقولا – ليس أصلا للسمع. ثم إن كثيرا من متكلمة الإثبات أو أكثرهم كالأشعري في أحد قوليه وكثير من أصحابه أو أكثرهم كالجويني ومن بعده يقولون إن العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات علم ضروري. والواضعون لهذا القانون – كأبي حامد والرازي وغيرهما – معترفون بأن العلم بصدق الرسول لا يتوقف على العقليات المعارضة له. فأبو حامد والشهرستاني وأبو القاسم الراغب وغيرهم يقولون: العلم بالصانع فطري ضروري، والرازي والآمدي وغيرهما من النظار يسلمون أن العلم بالصانع قد يحصل بالاضطرارح ومن جعل العلم بالصانع نظريا يعترف أكثرهم بأن من الطرق النظرية التي بها يعلم صدق الرسول ما لا يناقض شيئا من السمعيات. والرازي ممن يعترف بهذا كما في (نهاية العقول) في (مسألة التكفير) عند الكلام في (المسالة الثالثة).


    والرازي ذكر أربعة طرق لمعرفة الصانع: طريق حدوث الأجسام، وطريق إمكانها، وطريق إمكان صفاتها، وطريق حدوث صفاتها؛ وقال إن الأخير لا تنفي كونه جسما بخلاف الثلاثة الأولى. فقد اعترف أنه يمكن العلم بالصانع وصدق رسوله قبل النظر في كونه جسما أو ليس بجسم. ثم يقال مع ذلك: إنه قد علم بالضطرار من دين الرسول والنقل المتواتر أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله ولم يدع الناس بهذه الطرق، وقد آمن به المهاجرون والأنصار والمؤمنون بعدهم من غير أن يدعو أو يذكر هذه الطريق. وليس في القرآن والسنة ذكرها ولا ذكر كا يدل عليها؛ وإنما ابتدعت هذه الطريق بعد المائة الأولى وانقراض عصر أوساط التابعين. فكيف يقال إن تصديق الرسول موقوف عليها؟ وكيف يكون الإيمان بالرسول مستلزما لذلك؟!


    ثم إن طريق (حدوث الأجسام) وطريق (إمكانها) وطريق (إمكان صفاتها)، هذه الطرق الثلاث طرق فاسدة عند جمهور العقلاء، بل هي فاسدة في نفس الأمر. وذلك أن الأولي مبنية على امتناع دوام كون الرب فاعلا ومتكلما بمشيئته، بل على كونه لم يزل قادرا على ذلك؛ والثانية – وهي التي ابتدعتها ابن سينا – مبنية على أن الموصوف [أو الجسم] ممكن [غير واجب] لكونه مركَّب [من الذات والصفات أو المادة والصورة أو من الجواهر المفردة]؛ وأما الثالثة فمبنية على تماثل الأجسام. وكل هذه الأشياء فاسدة عند جمهور العقلاء. ولو قدر صحتها علم أن أكثر العقلاء عرفوا الله وصدقوا رسوله بغير هذه الطريق. فلم يبق العلم بالسمع موقوفا على صحتها، فلا يكون القدح فيها قدح في أصل السمع. بل يسأتي إن شاء الله تفاصيل أن كل من أثبت ما أثبته الرسول ونفى ما نفاه كان أولى بالمعقول الصريح، كما كان أولى بالمنقول الصحيح؛ وأن من خالف صحيح المنقول فقد خالف أيضا صريح المعقول، وكان أولى بمن قال الله فيه: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}.



    وللمنازع فيه مقامان: أحدهما: القول بأن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل في قوله {إني لا أحب الآفلين}. قالوا: الأفول هو الحركة، والحركة هي التغير، [والتغير حوادث، وهي لا تقوم إلا بالمحدَث]، فكل متغير محدَث. وهذا مما ذكره بشر المريسي وغيره كابن عقيل وأبي حامد والرازي. وقالوا أيضا: إن القرآن قد دل على أن الرب (أحد) وأنه (واحد) فمعناه: ما لا ينقسم، والجسم ينقسم. وقالوا أيضا: إن الله سبحانه قد قال: {ليس كمثله شيء}، فلو كان جسما لكان له مثل لأن الأجسام متماثلة.


    والمقام الثاني – وهو مقام محققي النفاة وأئمتهم – أن يقولون: نحن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ولا بينوا أنه ليس بجسم، لكن إذا كان العقل دل على النفي لم يمكن إبطال مدلول العقل، وإن كان كلام الأنبياء إنما يدل على الإثبات نصا أو ظاهرا. قالوا: لزم من ذلك أن الرسول أحال الناس في معرفة الله على العقل، فيُسلك في نصوص الأنبياء إما مسلك (التأويل) ويكون القصد بإنزال تلك النصوص التكليف باستخراج التأويلات، وإما مسلك (لتفويض) ويكون المقصود التعبد بالألفاظ وإن لم تُفهم معانيها. وهذا ذكره أئمتهم والمتأخرون منهم كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني والقاضي أبو يعلى. ويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم مثل ذلك في المعاد الجسماني، وقالوا: المقصود خطاب الجمهور بما يتخيلون به وإن كان لا حقيقة له. ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك، وإما أن يقال: علموه ولم يبينوه، بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي رد: تلخيص الوجوه الخمسين التي فند بها شيخ الإسلام قانون الملاحدة

    ### يتبع بإذن الله -- بارك الله لنا في أوقاتنا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    1,159

    افتراضي رد: اعتراضات والإجابة عليها

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نضال مشهود مشاهدة المشاركة
    وللمنازع فيه مقامان: أحدهما: القول بأن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل في قوله {إني لا أحب الآفلين}. قالوا: الأفول هو الحركة، والحركة هي التغير، [والتغير حوادث، وهي لا تقوم إلا بالمحدَث]، فكل متغير محدَث. وهذا مما ذكره بشر المريسي وغيره كابن عقيل وأبي حامد والرازي. وقالوا أيضا: إن القرآن قد دل على أن الرب (أحد) وأنه (واحد) فمعناه: ما لا ينقسم، والجسم ينقسم ، وأنه (صمد)، والصمد ما لا جوف له فلا يتخلله غيره والجسم يتخلله غيره.وقالوا أيضا: إن الله سبحانه قد قال: {ليس كمثله شيء}، فلو كان جسما لكان له مثل لأن الأجسام متماثلة.

    فجواب المقام الأول من وجوه؛


    أحدها: إن صح ما ذكرتم من دلالة السمع على صحة هذه الطريق ومدلولها، فحينئذ يكون السمع قد عارضه سمع آخر، فلا تحتاجون أن تبنوا دفع السمعيات المخالفة لكم على هذا القانون المبتدع الذي فتح لكل شخص أن يقدِّم رأيه على ما أنزل الله وبعث به رسله.


    والوجه الثاني: أنه يعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بطريق الأعراض والأجسام ولا نفي الصفات أصلا – لا نصا ولا ظاهرا – ولا ذكر ما يفهم منه ذلك. بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك أظهر من علمهم بأنه لم يحج إلا حجة واحدة ولم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس وأنه لم يؤذن بمكة [وغير ذلك من مسائل الأحكام وأحداث السيرة]. فمن [ادعى عليه] الاستدلال بهذه الطريق أو إخبار الأمة بمثل قول نقاة الصفات، كان كذبه معلوما بالاضطرار لمن له أدنى خبرة بأحوال الرسل.


    والوجه الثالث أن يقال: جميع ما ذكرتموه من دلالة أقوال الأنبياء على مثل قولكم لا دلالة في شيء منها من وجوه متعددة. وذلك معلوم يقينا. بل فيها ما يدل على نقيض قولكم. أما قصة إبراهيم الخليل عليه السلام، فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن (الأفول) ليس هو الحركة ولا التغير ولا الإمكان، بل هو الغياب والاحتجاب على ما هو المتواتر من لغة العرب. وإلا لكان قد قال ذلك من حين رآه بازغا، فإن القمر والشمس متحركين في بزوغهما. وأما تسمية الرب (أحدا) و(واحدا)، فليس في كلام العرب ولا عامة أهل اللغات أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمى (واحدا) أو (أحدا) في النفي والإثبات. بل المنقول بالمتواتر عكس ذلك. قال تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف}، وقال: {وإن أحد من المشركين استجارك}، وقال: {ولا يظلم ربك أحدا}، وقال: {ذرني ومن خلقت وحيدا}، وكل هذا جسم حامل للأعراض. بل إن كان لفظ (الأحد) لا يقال على ما قامت به الصفات أو الأعراض، لم يكن قوله تعالى {ولم يكن كفوا أحد} نفيا لمكافأة الرب إلا عمن لا وجود له. وهل يكون في تبديل اللغة والقرآن أبلغ من هذا؟! وأما اسمه (الصمد)، فليس قول الصحابة (إنه الذي لا جوف له) ما يدل على أنه ليس بموصوف بالصفات، بل هو على إثبات الصفات أدل. وأما احتجاجهم بقولهم (الأجسام متماثلة)، فهذا إن كان حقا في العقل فليس في اللغة التي نزل بها القرآن إطلاق لفظ (المثل) أو (الكفء) على كل جسم. بل إنها تبين أن الإنسانين قد لا يكون أحدهما مثل الآخر كما في قوله تعالى {وإن تولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}. فكيف وهو باطل في العقل؟! فإنه يلزم أن يكون كل ما له قدر مماثل لكل ما له قدر، وكل ما له حقيقة مماثل لكل ما له حقيقة، وكل موصوف مماثل لكل موصوف، فيلزم أن يكون كل موجود مماثل لكل موجود، وهذا لا يقوله عاقل.


    والوجه الرابع أن يقال: فهب أن بعض هذه النصوص قد يفهم منها مقدمة واحدة من مقدمات دليلكم، فتلك ليست كافية بالضرورة عند العقلاء. فلم يكن القرآن قد ذكر دليلكم، إلا أن تكون البواقي واضحات، ومعلوم أن كون الأجسام متماثلة وأنها تستلزم الأعراض الحادثة وأن الحوادث لا أول لها، هي من أخفى الأمور لو كان حقا، وهذا ليس في القرآن.


    والوجه الخامس أن يقال: غاية ما يدل عليه السمع – إن دلَّ – أن الله ليس بجسم. وعلى التسليم بهذا النفي، فليس فيه دليل على صحة نفي الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل على تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفى شيئا من الصفات لكون إثباته تجسيما، [يلزمه ذلك فيما أثبته من الصفات، وإن نفى الصفات كلها يلزمه عين المحظور فيما أثبته من الأسماء.] وإن نفى الأسماء والصفات، فإما أن يكون مقرا بأن هذا العالم مفعول مصنوع له فعله صنعه، أو يقول بقدم العالم وعناه عن الصانع. فالأول يلزمه ما يلزم مثبتي الأسماء والصفات، والثاني أشد من ذلك إذ إنه إثبات واجب قديم هو جسم حامل للأعراض له أبعاض وأجزاء. فعلم أن هذا الاستدال على النفي بما يستلزم التجسيم لا يسمن ولا يغني من جوع.


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نضال مشهود مشاهدة المشاركة
    والمقام الثاني – وهو مقام محققي النفاة وأئمتهم – أن يقولون: نحن نسلم أن الأنبياء لم يدعوا الناس بهذه الطريق ولا بينوا أنه ليس بجسم، لكن إذا كان العقل دل على النفي لم يمكن إبطال مدلول العقل، وإن كان كلام الأنبياء إنما يدل على الإثبات نصا أو ظاهرا. قالوا: لزم من ذلك أن الرسول أحال الناس في معرفة الله على العقل، فيُسلك في نصوص الأنبياء إما مسلك (التأويل) ويكون القصد بإنزال تلك النصوص التكليف باستخراج التأويلات، وإما مسلك (لتفويض) ويكون المقصود التعبد بالألفاظ وإن لم تُفهم معانيها. وهذا ذكره أئمتهم والمتأخرون منهم كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني والقاضي أبو يعلى. ويقول ملاحدة الفلاسفة والباطنية ونحوهم مثل ذلك في المعاد الجسماني، وقالوا: المقصود خطاب الجمهور بما يتخيلون به وإن كان لا حقيقة له. ثم إما أن يقال إن الأنبياء لم يعلموا ذلك، وإما أن يقال: علموه ولم يبينوه، بل أظهروا خلاف الحق للمصلحة.

    وأما الجواب لأهل المقام الثاني، فمن وجوه؛


    أحدها: أننا في هذا المقام مقصودنا أن العقل الذي به يعلم صحة السمع لا يستلزم النفي المناقض للسمع. فإذا قدر أن معقولكم خالف السمع لم يكن هذا المعقول أصلا في السمع عُرفت به صحته. فإن قلتم: نحن لا نعرف صحة السمع إلا بهذه الطريق، قيل لكم: أما شهادتكم على أنفسكم بهذا الضلال والجهل بطرق الأنبياء وأتباعهم، فلا تدل على أن الله وصدق الأنبياء لا يُعرف إلا بمعقولكم هذا المناقض للمنقول، إذ إنه نفيٌ لا يمكنكم معرفته، بل هو قول من كان من أجهل الناس وأضلهم وأبعدهم عن معرفة طرق العلم وأدلته وأسبابه.


    والوجه الثاني أن يقال: بل صدق الرسول يعلم بطرق متعددة لا تحتاج إلى هذا النفي – كما أقر بذلك جمهور النظار. حتى إن حدوث العالم اعترف أكابر النظار من المسلمين – كالرازي وغيره – ومن غير المسلمين – كموسى بن ميمون صاحب (دلالة الحائربن) – أن العلم به لا يتوقف على الأدلة العقلية، بل اعترفوا بإمكان كونها سمعية بأن عرف صدق الرسول قبل العلم بهذه المسألة، ثم يعلم حدوث العلم بالسمع.


    والوجه الثالث أن يقال: إذا كانت الرسل والأنبياء قد اتبعهم أمم لا يحصى عددهم إلا الله يخبرون أنهم علموا صدق الرسول يقينا لا ريب فيه، ولم يكونوا يعتمدون على هذه الطريق، فعلم أنهم لم يجتمعوا ويتواطئوا على هذا الإخبار الذي يخبرون به عن أنفسهم من أنهم حصل لهم علم يقيني بصدق الرسول من غير هذه الطريقة المستلزمة لنفي شيء من الصفات.


    والوجه الرابع: أن نبين فساد هذه الأقوال المخالفة لنصوص الأنبياء وفساد طرقها التي جعلها براهين عقلية – كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.


    والوجه الخامس: أن نبين أن الأدلة العقلية الصحيحة البية التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية، توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وأن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع لا تخالف شيئا منه. وهذا – ولله الحمد – معلوم بالاعتبار فيما ذكره عامة الطوائف من نظار أهل النفي والإثبات، لا يذكرون دليلا عقليا في مسألة إلا والصحيح منه موافق لما أخبرت به الرسل لا مخالف. وبهذا يعلم أن المعقول الصريح ليس مخالفا للمنقول الصحيح على وجه التفصيل، وأن من خالف الأنبياء فليس لهم عقل ولا سمع كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •