هل يصح حديث: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا - الصفحة 3
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 51 من 51
2اعجابات

الموضوع: هل يصح حديث: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه تعالى نستعين

    قبل أن أبدأ أحب أن أشكر كافة الإخوة الأحبة الكرام جميعاً بلا استثناء؛ وخصوصاً الشيخ الكريم (أمجد) والذي أسعدني جداً بمداخلاته ومدارساته، والتي بفضل الله تعالى دعتني لأن أركز البحث في لم شمل هذا الحديث وتجلية أمره وبيان حقه.

    وسيكون الكلام عليه من ثلاث محاور، فأستعين الله تعالى على ذلك فأقول:
    أولا: من روى الحديث:
    الحديث مروي عن العلاء من خمسة عشر طريقا _ بحسب ما وقفت عليه _:
    1) طريق عباد بن كثير؛ أخرجها:
    · أبو داود في (السنن رقم 2330 عوامة) ومن طريقه أبو عوانة في (المستخرج رقم 2711)، البيهقي في (الكبرى ج4/ص209 مصورة الفاروق).
    بلفظ: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا".

    2) طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي؛ أخرجها:
    · الدارمي في (السنن رقم 1782 الداراني)، الترمذي في (السنن رقم 748 شعيب)، ابن ماجة مقرونة في (السنن رقم 1651 شعيب)، البيهقي في (الكبرى ج4/ص209 مصورة الفاروق)، الجورقاني في (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير رقم 489 فريوائي).
    لفظ الترمذي والجورقاني: "إذا بقي نصف من شعبان، فلا تصوموا"، ولفظ البيهقي: "إذا مضى النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يدخل رمضان".

    3) طريق مسلم بن خالد الزنجي؛ أخرجها:
    · ابن ماجة مقرونة في (السنن رقم 1651 شعيب)، الدينوري في (المجالسة رقم 2654)، الشافعي في (الغيلانيات رقم 601 مشهور).
    بلفظ: "إذا كان النصف من شعبان، فلا صوم حتى يجيء رمضان".

    4) طريق سفيان بن عيينة _ وعند ابن عدي والدارقطني: الثوري _؛ أخرجها:
    · عبد الرزاق في (المصنف رقم 7325).
    بلفظ: "إذا كان النصف من شعبان فأفطروا".

    5) طريق أبي عميس عتبة بن عبد الله المسعودي؛ أخرجها:
    · أحمد في (المسند رقم 9705)، ابن أبي شيبة في (المصنف رقم 9119 عوامة)، النسائي في (الكبرى رقم 2923 الرسالة) ومن طريقه ابن العديم في (بغية الطلب ج2/ص784)، أبو عوانة في (المستخرج رقم 2709).
    ولفظ أحمد وابن أبي شيبة: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا حتى يكون رمضان"، ولفظ النسائي: "إذا انتصف شعبان، فكفوا عن الصوم"، ولفظ أبي عوانة: "إذا انتصف شعبان فلا صوم حتى يأتي رمضان".

    6) طريق روح بن القاسم؛ أخرجها:
    · أبو عوانة في (المستخرج رقم 2710)، ابن حبان في (الصحيح رقم 3589)، الخطيب في (تاريخ بغداد ج8/ص582 الغرب).
    ولفظ ابن حبان والخطيب: "إذا كان النصف من شعبان فأفطروا حتى يجيء رمضان"، ولفظ أبو عوانة: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يدخل رمضان، إلا أن يكون عليه صوم فليسرد ولا يقطع".

    7) طريق محمد بن الوليد الزبيدي؛ أخرجها:
    · أبو عوانة في (المستخرج رقم 2712)، الطبراني في (الأوسط رقم 6863، والشاميين رقم 1827).
    بلفظ: "إذا كان النصف من شعبان فلا صيام إلا رمضان".

    8) طريق عبد الرحمن بن إبراهيم الحنفي القاص؛ أخرجها:
    · الدارمي في (السنن رقم 1781 الداراني)، أبو عوانة في (المستخرج رقم 2713)، الدارقطني في (السنن رقم 2312 الرسالة)، ابن عدي في (الكامل ج4/ص309)، الطحاوي في (شرح الآثار رقم 3319)، أبو تمام في (فوائده رقم 594 الروض).
    ولفظ الدارمي: "إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا عن الصوم"، ولفظ ابن عدي: "إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا" وزاد أبو عوانة: "ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرد الصوم فلا يقطع"، ولفظ الطحاوي: "لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان" وزاد الدار قطني وأبو تمام: "ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه".

    9) طريق زهير بن محمد التيمي _ وعند أبو نعيم = زهير بن معاوية _؛ أخرجها:
    · ابن حبان في (الصحيح رقم 3591)، أبو نعيم في (أخبار أصبهان ج1/ص283).
    ولفظ ابن حبان: "لا صوم بعد النصف من شعبان حتى يجيء شهر رمضان"، ولفظ أبو نعيم: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم لرمضان".

    10) طريق موسى بن عبيدة الربذي؛ أخرجها:
    · ابن عدي في (الكامل ج2/ص44).
    ولفظه: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" قال موسى: قلت لبعض أصحابنا: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان أبو هريرة ليحدث إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    11) طريق الأوزاعي؛ أخرجها:
    · العقيلي في (الضعفاء ترجمة 1391 صميعي)، ابن عدي في (الكامل ج5/ص280) ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ج55/ص32).
    ولفظه: "لا صيام بعد النصف من شعبان حتى يدخل رمضان".

    12) طريق شعبة؛ أخرجها:
    · ابن مردوية في (جزء فيه أحاديث ابن حيان رقم 111).
    ولفظه: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم، ومن كان عليه قضاء فليصمه، ومن شاء فليسرد الصوم".

    13) طريق أبو الفضل شبل بن العلاء؛ أخرجها:
    · الخلعي في (الخلعيات رقم ).
    ولفظه: "لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان".

    14) طريق إبراهيم بن محمد _ ابن أبي يحيى _؛ أخرجها:
    · ابن عدي مقرونة في (الكامل ج1/ص224).
    ولفظه: "إذا انتصف شعبان فأفطروا".

    15) طريق عبد الله بن عمر؛ أخرجها:
    · الدارقطني في (الغرائب ولأفراد كما في الأطراف رقم 5292 تدمرية).
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    ثانياً: متابعة الحديث:
    تابع العلاء بن عبد الرحمن في الرواية عن أبيه: محمد بن المنكدر؛ أخرج متابعته:
    · ابن الأعرابي في (معجمه رقم 1198 الجوزي) وابن عدي في (الكامل ج1/ص224) عن إبراهيم بن محمد _ ابن أبي يحيى _، والطبراني في (الأوسط رقم 1936) والدارقطني في (الغرائب والأفراد كما الأطراف رقم 5269 تدمرية) والبيهقي في (الخلافيات) عن المنكدر بن محمد بن المنكدر.
    ولفظه: "إذا انتصف شعبان فأفطروا". ولفظ الدارقطني والبيهقي: "إذا كان النصف من شعبان فأفطروا".

    قلت: وقد وقع عند السخاوي وهم في هذا حيث قال: (فقد رواه ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن المنكدر، فقال: عن العلاء، عن أبيه، فرجع الحديث إلى العلاء). ولم يقع هكذا عند ابن عدي البتة ولم يقله بهذه الصورة أبداً، بل قد رواه مقروناً كما مر بك سابقاً، وأنا كفيل بمن يثبت لي قول السخاوي هذا.

    وسندا هذه المتابعة على ما قيل في رواتها إلا أنه لا بأس بهما في الشواهد، فسلم الحديث من انفراد العلاء به.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    ثالثاً: أقوال الأئمة فيه وعليه، والتعليق عليها:

    قبلاً؛ ليعلم الأحبة الكرام أن هذا الحديث اتفقت كلمة الأئمة المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وغيرهما ممن هم في طبقتهم ونحوها، بل وممن أتى من بعدهم ممن هو متأخر عنهم لكنه رضي وعرف قولهم = على أنه حديث صحيح السند متصلٌ؛ ولم يقل منهم أحدٌ أن السند فيه ما يعله من جهة رواته أو يخدشه، أو أنه مما تُفُرِّدَ به، إنما الخلل فيه عندهم أنه أتى متنه منكراً غريباً مخالفاً لغيره من الأحاديث.
    فلذلك أتى في (مسند أحمد) بعد رواية حديث (7211) أن عبد الله بن أحمد سأل أباه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وسهيل عن أبيه؟ قال: لم أسمع أحداً ذكر العلاء إلا بخير.
    وسمعه أبو داود كما في (السؤالات رقم 187) يقول عن العلاء لما سئل: أليس ثقة؟ قال: بلى هو ثقة. وسيأتي لك بيان ذلك.
    إنما حصل الطعن في السند من جهة رواته ممن أتى بعدهم ممن هو دونهم في الطبقة مما لا يوافق عليه ولا يقبل منه. وسيأتي لك بيان ذلك.

    إذا عرفت هذا واستقر في نفسك رعاك الله؛ فعليه نقول:
    أما تفرد العلاء به فليس بعلة، ولا بضاره شيئا، لأن العلاء ثقة إن شاء الله تعالى على الصحيح الصواب فيه، ومن خالف في ذلك فقد أبعد الحكم وجانب. كيف وهو من رجال الصحيحين.
    ثم قد مر بك رحمك الله انتفاء التفرد، وأنه توبع متابعة لا بأس بها تدفع تفرده وتجبره. وقد تقدم الكلام عليها.
    أما مسألة غرائبه فليست بهذه الكثرة التي تجعلنا نغير حكم الأئمة العظام فيه.
    ومن من الثقات الذي لا يخطئ أو يتفرد؟!
    بل المعروف المقرر لدى علماء هذا العلم الشريف أن ترك الحديث لمجرد التفرد _ مع صحته _ وأنه مما لم يتابع عليه؛ هو مما يقوله أصحاب الرأي والهوى في رد السنن والأحاديث الصحيحة بالتعاليل القاصرة الهزيلة البين هزلها.

    وإليك ما وقفت عليه من أقوال الأئمة والعلماء حول الحديث قدر الوسع والطاقة مرتبةً بحسب البعد الزمني:
    · قال أبو داود ت275هـ في (السنن ج3/ص139 عوامة):
    (وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به. قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه).
    قلت: فهنا ترك الحديث صريحٌ واضح أنه من أجل (المخالفة) وليس للتفرد هنا أو التوهين للسند أي ذكر. فتأمل
    فلذلك لما أن كان النقاش كله حول (المخالفة) قال أبو داود بعد ذلك معقباً:
    (وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه).
    فقوله: ولم يجئ به غير العلاء؛ ليس تضعيفاً للحديث من جهة السند، بل إخبارٌ بأن هذا الحديث لم يرو إلا من طريقه، بينما غيره رووا ما لم يوافقوه عليه. وقد تقدم لك متابعته وأنه لم يتفرد به.
    · وقد قال المروزي في (علل الحديث ومعرفة الرجال ص117):
    (وذكرت له حديث زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان نصف شعبان فلا صوم" فأنكره؛ وقال: سألت ابن مهدي عنه فلم يحدثني به، وكان يتوقاه. ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم).
    · وقال البرذعي في (سؤالات البرذعي لأبي زرعة ص388):
    (وشهدت أبا زرعة ينكر حديث العلاء بن عبد الرحمن "إذا انتصف شعبان.." وزعم أنه منكر).

    · وقال الترمذي ت279هـ في (السنن ج2/ص268 طبعة الرسالة العالمية):
    (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
    ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرا، فإذا بقي شيء من شعبان، أخذ في الصوم لحال شهر رمضان.
    وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يشبه قوله هذا حيث قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم". وقد دل في هذا الحديث أنما الكراهية على من يتعمد الصيام لحال رمضان).
    قلت: وهذا من الترمذي رحمه الله محاولة لرفع النكارة على الحديث وأنه أتى لمعنى يستخرج من الحديث نفسه ومن الأحاديث الأخرى في الباب.
    فبان أن علة الجمع هي (المخالفة) ولم يتعرض رحمه الله لا لتعليل بتفردٍ أو ضعف. فتأمل

    · وقال النسائي ت303هـ في (الكبرى ج3/ص254 الرسالة):
    (لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن).
    قلت: وأين التصريح أو التلميح في هذا الكلام والذي فهم منه من فهم أن النسائي يضعف الحديث؟!
    وما عرف هذا أنه أراد الإخبار عن حال الرواية فقط رحمه الله، وأنه بهذا التفرد لها يعتبر مخالفاً للروايات الأخرى المروية. لا أن الحديث ضعيف بتفرد العلاء، فهذا إلزام للإمام النسائي لا يقبل ولا يصح. فتنبه

    · وقال ابن خزيمة ت 311هـ في (الصحيح ج2/ص890 طبعة مؤسسة الريان والدار العثمانية):
    (باب إباحة وصل صوم شعبان بصوم رمضان، والدليل على معنى خبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان"، أي ألا تواصلوا شعبان برمضان فتصوموا جميع شعبان، أو أن يوافق ذلك صوما كان يصومه المرء قبل ذاك فيصوم ذلك الصيام بعد النصف من شعبان، لا أنه نهى عن الصوم إذا انتصف شعبان نهيا مطلقا).
    قلت: وهذا أيضاً من قبيل صنيع الإمام الترمذي رحمه الله، فالحديث عنده صحيح ثابت لا يعارض غيره من الأحاديث _ طبعاً إن استطعنا التوفيق؛ وقد حصل _.

    · وقال أبو عوانة ت316هـ في (المستخرج ج2/ص172):
    (قال جعفر _ أي: الطيالسي _: كان عبد الرحمن _ أي: ابن إبراهيم _ قاصّ هنا، وحدث عنه زيد الحباب وبهز بن أسد أيضا. سمع عبد الرحمن هذه الأحاديث من العلاء مع روح بن القاسم، وحدث عنه حديث منكر، ثم ذكر جعفر هذا _ أي: الحديث _ عن يحيى بن معين عن عفان).
    قلت: وهذا أيضاً تعليل بنكارة المتن ومخالفته، وانظر أنه لم يستنكر من حديثه عنه إلا هذا. فتأمل

    · وقال الطحاوي ت321هـ في (شرح معاني الآثار ج2/ص82):
    (فذهب قوم إلى كراهة الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
    وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بصوم شعبان كله، وهو حسن غير منهي عنه.
    واحتجوا في ذلك بما... _ فذكر الأحاديث في ذلك _ قالوا: ففي هذه الآثار دليل على أن لا بأس بصوم شعبان كله.
    فكان من حجة الأولين عليهم؛ أن الذي روي في هذه الأخبار إنما هو إخبار عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قبل ذلك مما فيه النهي؛ إخبار عن قوله، فكان ينبغي أن يصحح الحديثان جميعا.
    فجعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مباحا له، وما نهى عنه كان محظورا على غيره، فيكون حكم غيره في ذلك خلاف حكمه، حتى يصح الحديثان جميعا ولا يتضادان.
    فكان من الحجة عليهم في ذلك أن في حديث أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في شعبان: "هو شهر يغفل الناس عن صومه".
    فدل ذلك أن صومهم إياه أفضل من الإفطار.
    وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا ما يدل على ما ذكرنا _ ثم سرد الأحاديث _. ثم قال:
    فلما ثبت هذا المعنى الذي ذكرنا، دل ذلك أن النهي الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبى هريرة رضي الله عنه الذي ذكرناه في أول هذا الباب؛ لم يكن إلا على الإشفاق منه على صوام رمضان، لا لمعنى غير ذلك.
    وكذلك نأمر من كان الصوم بقرب رمضان يدخله به ضعف يمنعه من صوم رمضان؛ أن لا يصوم حتى يصوم رمضان، لأن صوم رمضان أولى به من صوم ما ليس عليه صومه.
    فهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه معنى ذلك الحديث، حتى لا يضاد غيره من هذه الأحاديث.
    وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به عبد الله بن عمرو ما يدل على ذلك أيضا _ ثم سرد الأحاديث _).
    قلت: وهذا أيضاً محاولة من الإمام الطحاوي لرفع النكارة عن الحديث الثابت عنده بما لا يؤدي إلى إطراحه ما أمكن ذلك.

    · وقال ابن حبان ت354هـ في (الصحيح ج8/ص353):
    (ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة العلم أنه مضادٌّ للأخبار التي تقدم ذكرها).
    قلت: وهذا كسابقيه.

    · وقال ابن عدي ت365هـ في (الكامل ج3/ص218):
    (قال أحمد: كان الذي روى عنه أهل الشام زهيرا آخر، فقلب اسمه. سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري فذكر نحوه هذا الكلام.
    سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه _ يعني وهو حاضر _: حديث أبي هريرة: "إذا كان النصف من شعبان فلا يصوم أحد حتى يصوم رمضان" قال: ذاك؛ _ أي ضعيف (أي: زهير) _، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس عن العلاء، وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل: عن من كان يرويه؟ قال: عن زهير _ أي: بن محمد _، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان).
    قلت: وهنا بان لك التصريح الصريح بعلة ترك الأخذ بالحديث وأنها كما قال الإمام أحمد بلسانه (المخالفة).

    · وقال الخطابي ت388هـ في (معالم السنن ج3/ص224 المعرفة):
    (.. ويشبه أن يكون حديث العلاء أثبت، على معنى كراهة صوم يوم الشك، ليكون في ذلك اليوم مفطراً، أو يكون استحب إجمام الصائم في بقية شعبان، ليتقوى بذلك على صيام الفرض في شهر رمضان، كما كره للحاج الصوم بعرفة، ليتقوى بالإفطار على الدعاء).

    · وقال الحاكم ت405هـ في (معرفة علوم الحديث ص304 ابن حزم):
    (ذكر النوع الثالث والعشرين من علم الحديث. هذا النوع من هذا العلم معرفة المشهور من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشهور من الحديث غير الصحيح، فرب حديث مشهور لم يخرج في الصحيح من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يجيء رمضان".
    فكل هذه الأحاديث مشهورة بأسانيدها وطرقها وأبواب يجمعها أصحاب الحديث، وكل حديث منها يجمع طرقه في جزء أو جزأين، ولم يخرج في الصحيح منها حرف).

    · وقال الخليلي ت446هـ في (الإرشاد ج1/ص218):
    (العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقه: مدني مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها كحديثٍ عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان".
    وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه دون هذا والشواذ).
    قلت: هنا الخليلي رحمه الله يعطي حكماً عاماً على العلاء وسبب أن بعض أهل العلم تكلم فيه، أما أن كونه دائماً يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها كما يوهمه الكلام؛ فلا.
    ثم هو لم يقل تركوه؛ حتى يفهم من يفهم من كلامه أنه يُعَلِّلُ ترك الحديث للتفرد مباشرة دون سواه. فتأمل
    فغاية ما هنالك؛ أن الخليلي رحمه الله ضرب هذا الحديث مثلاً على ما ذكره هو من أنه قد تكلم في العلاء كلاماً سببه أنه يتفرد أحياناً بأحاديث لا يتابع عليها غالباً لا أن روايته ردت وأُبطلت لمجرد التفرد.

    · وقال ابن حزم ت456هـ في (المحلى ج7/ص26):
    (فإن قيل: فقد رويتم من طريق وكيع، عن أبي العميس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان".
    قلنا: نعم، وهذا يحتمل النهي عن كل ما بعد النصف من شعبان، ويحتمل أن يكون النهي عن بعض ما بعد النصف، وليس أحد الاحتمالين أولى بظاهر اللفظ من الآخر، وقد روينا ما ذكرنا قبل من قول أم سلمة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان، وقول عائشة أم المؤمنين أنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم شعبان كله إلا قليلا، وقولهما هذا يقتضي أنه عليه السلام كان يداوم ذلك، فوجب استعمال هذه الأخبار كلها وألا يرد منها شيء لشيء أصلا، فصح صيام أكثر شعبان مرغوبا فيه وصح جواز صوم آخره فلم يبق يقين النهي إلا على ما لا شك فيه وهو اليوم السادس عشر كلما قلنا وبالله تعالى التوفيق).
    قلت: وهذا أيضاً كاسبقيه من أن العلة هي (المخالفة) وأنه يمكن التوفيق بينها وقد حصل، أما بالنسبة للحديث فهو حديث صحيح.

    · وقال البيهقي ت458هـ في (الكبرى ج4/ص209 مصورة الفاروق):
    (باب الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء).
    قلت: نعم هو عنده ضعيف رحمه الله، لكن أين مكمن الضعف عنده؟!
    هو ما صرح به في غير ما موضع = (نكارة الحديث ومخالفته)، ولذلك كثيرا ما كان يستشهد بكلام الإمام أحمد في هذا.

    · وقال ابن عبد البر ت463هـ في (الاستذكار ج3/ص371):
    (وقد روى الدراوردي وغيره عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا"، وهو حديث صحيح، إلا أن الذي عليه جماعة الفتوى من فقهاء الأمصار أنه لا بأس بصيام يوم الشك تطوعا كما قال مالك - رحمه الله -.
    قال أبو عمر: من هنا قال يحيى بن معين: كانوا يتقون حديث العلاء بن عبد الرحمن.
    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام شعبان كله؛ وهذه حجة لهم.
    ومن حديث عائشة - رضي الله عنها - ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان كان يصومه إلا قليلا بل كان يصومه كله. رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن عائشة.
    وروى الثوري عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان.
    وقال عبد الله بن المبارك: جائز في كلام العرب أن يقال: صام الشهر كله إذا صام أكثره إن شاء الله تعالى).
    قلت: وصراحة هذا الكلام ووضوحه يغني عن التعليق عليه.

    · وقال أبو يعلى الصغير ت521هـ في (طبقات الحنابلة ج1/ص328):
    (وقال أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال: هذا الحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا" ليس هو محفوظ، والمحفوظ الذي يروى عن أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان ورمضان).
    قلت: وهذا أيضاً من الصريح بمكان في تحديد علة التركة؛ وأنه غير محفوظ بهذا المتن، لأنه به قد خالف غيره من الأحاديث.

    · وقال الجورقاني ت543هـ في (الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير رقم 489 فريوائي):
    (هذا حديث صحيح، رجاله ثقات أثبات).
    قلت: لا تعليق. وما قال ذلك رحمه الله إلا لمعرفته أنه لا مطعن في رده من أجل سنده أو تفرده.

    · وقال ابن الجوزي ت597هـ في (الموضوعات ج1/ص11 السلف):
    (...وكذلك فعلا _ أي: الشيخين _ في أحاديث غرائب، يرويها الثقات العدول لمّا انفرد بها واحد من الثقات تركاها؛ مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يجيء رمضان".
    وقد خرّج مسلم كثيراً من حديث العلاء في الصحيح وترك هذا وأشباهه مما انفرد به العلاء عن أبيه، وتركا أحاديث جماعة عن آبائهم عن أجدادهم لكون ذلك لم يتواتر إلا من حديثهم كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وإياس بن معاوية بن قرة عن أبيه عن جده، وأجدادهم من الصحابة.
    وقد يروي الحديث ثقة فيسنده، ثم يرويه جماعة فلا يرفعونه فيتركان إخراجه).
    قلت: لا تعليق على هذا.

    · وقال ابن قدامة ت620هـ في (المغني ج3/ص4):
    (ويحمل هذا الحديث على نفي استحباب الصيام في حق من لم يصم قبل نصف الشهر، وحديث عائشة في صلة شعبان برمضان في حق من صام الشهر كله، فإنه قد جاء ذلك في سياق الخبر، فلا تعارض بين الخبرين إذا، وهذا أولى من حملهما على التعارض ورد أحدهما بصاحبه والله أعلم).
    قلت: وقد نقل تصحيحه له عنه ابن مفلح في (الفروع)، والبهوتي في (الكشاف).

    · وقال المنذري ت656هـ في (مختصر أبي داود ج3/ص224 المعرفة):
    (ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن، فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن، وقد تفرد بهذا الحديث. ومن قال: إن النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان لأجل التقوي على صيام رمضان والاستجمام له؛ فقد أبعد، فإن نصف شعبان إذا أضعف عن رمضان كان شعبان كله أحرى أن يضعف. وقد جوز العلماء صيام جميع شعبان.
    والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان فيه مقال؛ فقد حدث عنه الإمام مالك، مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك. وقد احتج به مسلم في صحيحه، وذكر له أحاديث كثيرة، فهو على شرطه.
    ويجوز أن يكون تركه لأجل تفرده، وإن كان قد خرج في الصحيح أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضا. وللحفاظ في الرجال مذاهب، فعلى كل واحد منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد).

    · وقال النووي ت676هـ في (المجموع ج6/ص427):
    (وأجاب المتولي عن الحديث السابق "إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان" بجوابين: أحدهما: أن هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث، والثاني: أنه محمول على من يخاف الضعف بالصوم، فيؤمر بالفطر حتى يقوى لصوم رمضان.
    والصحيح ما قاله المصنف وموافقوه، والجوابان اللذان ذكرهما المتولي ينازع فيهما).

    · وقال المنبجي ت686هـ في (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ص407)
    (...عائشة رضي الله عنها تقول: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان. فإن قيل: هذا محمول على أنه كان مباحا للنبي صلى الله عليه وسلم فعله، وقوله عليه السلام: "لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان" محمول على أنه كان محظورا على غيره.
    قيل له: إنما كان النهي على سبيل الإشفاق منه على صوام رمضان أن يضعفوا، وقوله عليه السلام: "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود كان يفطر يوما ويصوم يوما" فأباح النبي صلى الله عليه وسلم صوم يوم وفطر يوم من سائر الدهر، فدخل ما بعد نصف شعبان في الإباحة).

    · وقال ابن تيمية ت728هـ في (شرح العمدة /الصيام/ 2/648):
    (وقد أجاب أحمد عن هذا الحديث: قال حرب: سمعت أحمد يقول في الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان؛ فلا صوم إلا رمضان"؛ قال: هذا حديث منكر. قال: وسمعت أحمد يقول: لم يحدث _ يعني العلاء _ حديثا أنكر من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان النصف من شعبان؛ فلا صوم إلا رمضان"، وأنكر أحمد هذا الحديث، وقال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث عن سهيل.
    ورواية محمد بن يحيى الكحال هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ الذي يروى عن أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان ورمضان).
    قلت: وهذا الكلام صريح واضحٌ وضوح الشمس على علة ترك الحديث عند من تركه.

    · وقال الذهبي ت748هـ في (سير أعلام النبلاء ج6/ص187):
    (قلت: لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، لكن يتجنب ما أنكر عليه.
    ومن أغرب ما أتى به عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" الحديث).
    قلت: وهذا تصريح بالإعلال بالنكارة لا التفرد. فتأمل

    · وقال ابن القيم ت751هـ في (الفروسية ص188 الفوائد):
    (والإمام أحمد لم يشترط في مسنده الصحيح، ولا التزمه، وفي مسنده عدة أحاديث سئل هو عنها فضعفها بعينها، وأنكرها: كما روى حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: "إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان".
    وقال حرب: سمعت أحمد يقول: هذا حديث منكر، ولم يحدث العلاء بحديث أنكر من هذا، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به البتة).
    · وقال في (تهذيب السنن ج2/ص1043 المعارف):
    (الذين ردوا هذا الحديث لهم مأخذان:
    أحدهما: أنه لم يتابع العلاء عليه أحد، بل انفرد به عن الناس، وكيف لا يكون هذا معروفا عند أصحاب أبي هريرة؛ مع أنه أمر تعم به البلوى، ويتصل به العمل.
    والمأخذ الثاني: أنهم ظنوه معارضا لحديث عائشة وأم سلمة في صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله أو إلا قليلا منه، وقوله: "إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه" وسؤاله للرجل عن صوم سرر شعبان.
    قالوا: وهذه الأحاديث أصح منه.
    وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه.
    وأما المصححون له فأجابوا عن هذا: بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته، وهو حديث على شرط مسلم، فإن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وتفرده به تفرد ثقة بحديث مستقل، وله عدة نظائر في الصحيح.
    قالوا: والتفرد الذي يعلل به هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه، أو رفع ما وقفوه، أو زيادة لفظة لم يذكروها، وأما الثقة العدل إذا روى حديثا وتفرد به، لم يكن تفرده علة؛ فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم عملت بها الأمة؟!
    قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا معارضة بينهما؛ وإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني، وحديث العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف، لا لعادة ولا مضافا إلى ما قبله، ويشهد له حديث التقدم.
    وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه، فهذا لم نعلم أن أحدا علل به الحديث؛ فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي صحيح مسلم عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث، وقد قال _ عباد بن كثير _: لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: برب هذا البيت حدثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" فقال: ورب هذا البيت سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.. فذكره).
    · وقال أيضا في موضع آخر منه:
    (ونظيره أيضا ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان؛ أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول فلا يكره).


    · وقال ابن رجب ت795هـ في (لطائف المعارف ص320 خزيمة):
    (فأما تصحيحه؛ فصححه غير واحد، منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم.
    وقال أحمد: لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه. ورده بحديث "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين"؛ فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.
    وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة).
    قلت: وهذا كلام كسابقيه في الصراحة والتحديد.
    لكن قول الإمام ابن رجب: (شاذ) فيه نظر رحمه الله. فتنبه

    · وقال ابن حجر ت852هـ في (فتح الباري ج4/ص129) بعد ذكر أقوال أهل العلم حوله:
    (ثم جمع بين الحديثين _ أي: الطحاوي _ بان حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط _ بزعمه _ لرمضان، وهو جمع حسن).
    قلت: وكأنه رحمه ارتضى القول بصحة الحديث وأنه لا يترك إن أمكن التوفيق وقد حصل.

    · وقال العيني ت855هـ في (عمدة القاري ج10/ص273):
    (وروي عن أحمد أنه قال: هو ليس بمحفوظ، قال: وسألنا عبد الرحمن ابن مهدي عنه فلم يصححه ولم يخدش به، وكان يتوقاه.
    وعلى تقدير صحة قول الترمذي؛ يعارضه حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هل صمت من سرر شعبان"؟ قال: لا، قال: "فإذا أفطرت فصم يومين"، وسرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستتار القمر فيه.
    وروى أبو داود بإسناد جيد من حديث معاوية: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صوموا الشهر وسره وأنا متقدم بالصيام فمن أحب فليفعله".
    وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهرا كاملاً إلاَّ شعبان يصله برمضان. قال الترمذي: حديث حسن.
    وعند الحاكم على شرطهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم شعبان ثم يصله برمضان).

    · وقال السخاوي ت902هـ في (الأجوبة الحديثية ج1/ص37):
    (والمشهور في هذا الحديث الثاني التقييد بيوم أو يومين؛ فلا يصلح شاهداً لحديث العلاء لأن الغرابة في حديثه إنما جاءت من جهة التقييد بنصف الشهر، وقد أغرب ابن حزم فخصّ النهي بصوم اليوم السادس عشر، فجرى على ظاهر الرواية التي وقغت له؛ وهي من طريق عبد الرزاق عن ابن عيينة عن العلاء بلفظ: "إذا كان النصف من شعبان فأفطروا"، وكأنه لم يقع الرواية الأخرى التي تقتضي استمرار هذا الحكم إلى أن يدخل رمضان. انتهى ما قاله شيخنا).

    · وقال المغربي ت954هـ في (مواهب الجليل ج2/ص411):
    (وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئا من الطاعات واظب عليه، وأما حديث عائشة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل شهرا قط إلا رمضان؛ وما رأيت أكثر منه صياما في شعبان، فظاهره فضيلة الصوم في شعبان على غيره، لكن ذكر بعض أهل العلم أن السبب في ذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم ربما حصل له الشغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فيقضيها في شعبان، فلذلك كان يصوم في شعبان أكثر مما يصوم في غيره، لأن لصيام شعبان فضيلة على صيام غيره.
    ومما يقوي هذا التأويل ما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل النصف من شعبان فلا تصوموا" وفي رواية "فلا يصومن أحد" وفي رواية "إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام"، وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى هذا: النهي للمبالغة في الاحتياط، لئلا يحتاط لرمضان ما ليس لغيره، ويكون هذا بمعنى نهيه عن أن يتقدم أحد رمضان بيوم أو يومين).
    قلت: وبنحوه قال صديق خان ت1307هـ في (الروضة الندية).

    · وقال الهيتمي ت973هـ في (الفتاوى الفقهية الكبرى ج2/ص82):
    (ثُمَّ هذه الْأَحَادِيثِ لَا تُنَافِي الحديث الْمُحَرِّمَ لِصَوْمِ ما بَعْدَ النِّصْفِ من شَعْبَانَ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الْحُرْمَةِ فِيمَنْ صَامَ بَعْد النِّصْفِ ولم يَصِلْهُ، وَمَحِلُّ الْجَوَازِ بَلْ النَّدْبِ فِيمَنْ صَامَ قبل النِّصْفِ وَتَرَك بَعْدَ النِّصْفِ، أو اسْتَمَرَّ لَكِنْ وَصَلَ صَوْمَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ النِّصْفِ أو لم يَصِلْهُ، وَصَامَ لِنَحْوِ قَضَاءٍ أو نَذْرٍ أو وِرْدٍ.
    وَالْخَبَرُ الذي رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ ُ وَالنَّسَائِيُّ وابن مَاجَهْ "إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حتى يَكُونَ رَمَضَانُ" صَرِيحٌ في ذلك، وَاسْتَشْكَلَ السُّبْكِيّ تَعْلِيلَ حُرْمَةِ صَوْمِ ما بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَان بِالضَّعْفِ؛ بِأَنَّهُ يَلْزَمهُ تَحْرِيمَ صَوْمِ شَعْبَانَ كُلَّهُ، لِأَنَّ الضَّعْفَ يَكُونُ بِهِ أَكْثَرُ. وَأَجَبْتُ عنه في الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ: بِأَنَّ صِيَامَ الشَّهْرِ جَمِيعِهِ أو أَكْثَرِهِ يُوَرِّثُ قُوَّةً على رَمَضَانَ، لِأَنَّ الصَّوْمَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مَأْلُوفًا لِلنَّفْسِ وَخَلْقًا لها، فَلَا يَشُقُّ عليها تَعَاطِيهِ، وَهَذَا من بَعْضِ حِكَمِ صَوْمِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم شَعْبَانَ كُلَّهُ أو أَكْثَرَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ).
    قلت: وقد صرح بصحة الحديث في كتابه (المنهج القويم).

    · وقال المناوي ت1031هـ في (فيض القدير ج1/ص304):
    (قال الترمذي: حسن صحيح، وتبعه المؤلف فرمز لحسنه، وتعقبه _ أي: الترمذي _ مغلطاي لقول أحمد هو غير محفوظ).

    · قال الزرقاني ت1122هـ في (شرح الموطأ ج2/ص206) قال:
    (وصح مرفوعا "إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا"..).

    · وقال الإمام الدهلوي ت1176هـ في (حجة الله البالغة ج1/ص526):
    (ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموه"، وحديث أم سلمة رضي الله عنها: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل في نفسه ما لا يأمر به القوم، وأكثر ذلك ما هو من باب سد الذرائع. وضرب مظنات كلية، فإنه صلى الله عليه وسلم مأمون من أن يستعمل الشيء في غير محله أو يجاوز الحد الذي أمر به إلى إضعاف المزاج وملال الخاطر، وغيره ليس بمأمون فيحتاجون إلى ضرب تشريع وسد تعمق، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم ينهاهم أن يجاوزا أربع نسوة، وكان أحل له تسع فما فوقها لأن علة المنع ألا يفضي إلى جور).

    · وقال الصنعاني ت1182هـ في (سبل السلام ج4/138 حلاق):
    (والحديث دليل على أن النهي عن الصوم في شعبان بعد انتصافه ولكنه مقيد بحديث: "إلا أن يوافق صوما معتادا" كما تقدم.
    وقيل: إن الحديث مؤول بمن يضعفه الصوم، وكأنهم استدلوا بحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، ولا يخفى أنه إذا تعارض القول والفعل كان القول مقدما).

    · قال المباركفوري ت1353هـ في (تحفة الأحوذي ج3/ص364):
    (الحق عندي أن الحديث صحيح).

    هذا آخر ما أراد الله جمعه وتوثيقه حول الحديث وبيانه، ويعلم الله تعالى أن إمراره بلا تبيين المراد منه _ مع كونه صحيحاً _ هو المشكل، وهو الذي جعل الأئمة ينكرونه، لكن إن أمكن الجمع والتوفيق وتحديد المراد منه كما فعل أئمة الدين وصنعوه، فهل يحسن أن نترك الحديث ونطرحه لمجرد النكارة فقط؟!
    أقول نعم؛ إذا لم يمكن الجمع والتوفيق، أما وقد حصل فوالله تأبى النفس ويأبى الحق ويأبى العلم الذي تعلمناه أن نقول بغير ذلك.
    ولا يعني هذا أننا نضرب بأقوال الأئمة الحفاظ الأعلام ممن ترك الحديث عرض الحائط؛ لا وربي بل إن أمكن التوفيق ورفع التعارض فالمصير إليه أكمل واتم وأحسن من ترك حديثٍ صحيحٍ قابل للتأويل.

    والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    340

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أمجد الفلسطيني مشاهدة المشاركة
    وقول أخي القضاعي أني أرى أن الأصل في التفرد علة فلم أقل ذلك على إطلاقه
    ولكني قلتُ في موضوع عن التفرد سابق:
    وهذا الذي نقوله أن الأصل في التفرد _في الطبقات المتأخرة من غير الحفاظ المكثرين المتثبتين كالزهري والثوري ونحوهم _ أنه دليل على الوهم والعلة لكن قد تحف الحديث بعض القرائن التي تجبر هذا التفرد فلا يحكم على المتفرد بالوهم .
    يثلج صدري أن خلافنا بات قريباً .
    ولتحرير محل النزاع أقول : الخلاف هو في حديث من قيل فيه ((ثقة)) فقط , وأما الأئمة الحفاظ والثقات المكثرين فهم خارج النزاع .
    وأظنك تجعل قيداً أخراً وهو قولك [ في الطبقات المتأخرة ] , ولا داعي له بحسب ظني لأن الخلاف هو [ متى يُعل حديث هذا الضرب بالتفرد سواء كان من الطبقة المتقدمة أو المتأخرة ] ولا خلاف أن الطقبات المتأخرة مظنة الخطأ أكثر من الطبقات المتقدمة ولكن العبرة بالقرائن الدالة على ذلك , فانتبه لمحل النزاع .
    ومن تأمل كلامك (( وهذا الذي نقوله أن الأصل في التفرد : أنه دليل على الوهم والعلة لكن قد تحف الحديث بعض القرائن التي تجبر هذا التفرد فلا يحكم على المتفرد بالوهم )) .
    فانت يا أخي تجعل تفرد هذا الضرب من الثقات ((علة)) حتى تحف تفردهم قرينة جابرة فتزول علة التفرد عندك !!
    والصواب أن تفرد هذا الضرب من الثقات ((مقبول)) إلا إذا حفته قرينة دالة على الإعلال , فيمكن أن يُعل بالتفرد حينذاك .
    ولتجلية الفرق انظر هذا المثال :
    لو أنك وجدت يا أخي حديثاً فرداً يروى من طريق ثقة من هذا الضرب , ولم تجد للأئمة المتقدمين أو المتأخرين حكماً على هذا الإسناد , فبماذا تحكم عليه قبل النظر في القرائن ؟
    ستقول : الإسناد معل بالتفرد , فإن أنا نظرت ثم وجدت قرينة (( كشاهد )) تجبره فترتفع علة التفرد وإلا يبقى معلاً عندي !
    وأما أنا سوف أقول : الإسناد صحيح , فإن أنا نظرت ثم وجدت قرينة (( كمخالفة )) تدل على الإعلال , فيكون عندي معلاً بجامع القرينة مع التفرد , وإلا يبقى على الأصل وهو القبول .
    فعلى المنصف تأمل الفرق بيني وبين أخي أمجد والله الموفق للصواب .

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    178

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    فوائد قيمة .. جزاكم الله خيرا

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    190

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    بقي أن يقال أن الذين ضعفوا الحديث وأعلوه أمتن وأصلب وأقوى من الذين صححوه . وهذه كلية عامة لمعرفة من يصحح ومن يضعف وكأن الأمر خلاف بين طريقتين في الحكم .ولا يقال هناك من ضعف وهناك من صحح . فالكفة غير متساوية .

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    المشاركات
    190

    افتراضي رد: هل يصحّ حديث: (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) ؟

    وكلامي من جنس كلام ابن رجب في اللطائف

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    8,025

    افتراضي

    الكلام على حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)

    http://www.altarefe.com/cnt/ftawa/582

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    8,025

    افتراضي

    تنبيه الإخوان بتصحيح حديث إذا انتصف شعبان

    http://vb.tafsir.net/tafsir9431/#.VW3pi9JViko

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    8,025

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    8,025

    افتراضي

    السؤال: هل ورد ما يدل على النهي عن صيام نصف شهر شعبان الأخير؟ أرجو بيان ذلك أثابكم الله.

    أجاب عن السؤال الشيخ / عمر بن عبدالله المقبل (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -فرع القصيم-).

    الجواب:

    النهي عن صيام يوم النصف من شعبان وما بعده ورد في حديث مشهور عند العلماء، ونظراً لكثرة الكلام فيه، ولاختلاف المحدثين فيه ما بين مصحح ومضعف، فيفصل الكلام منه قليلاً بما يناسب المقام.

    وقبل تفصيل الكلام، أذكر خلاصة القول في هذا الحديث، ثم أتبعه بالتفصيل:

    1. أن هذا الحديث مداره على العلاء بن عبدالرحمن، وهو صدوق ربما وهم، وقد تفرد بهذا الحديث عن أبيه.

    2. أن العلماء اختلفوا في صحة هذا الحديث وضعفه، فالذين صححوه أخذوا بظاهر السند، والذين ضعفوه أعملوا أموراً أخرى غير ظاهر السند، تتعلق بالمتن؛ حيث رأوا أنه معارض لأحاديث قولية وفعليه أصح منه وأثبت -كما سيأتي تفصيله-.

    3. أن اختلاف العلماء في صحته وضعفه، انبنى عليه اختلافهم في حكم صيام ما بعد النصف من شعبان، هل هو حرام أو مكروه أو مباح؟ كما ستأتي الإشارة إليه.

    أما تفصيل الكلام عليه فهو كما يلي:

    الحديث رواه أبو داود في (2/751)، باب في كراهية ذلك (أي وصل شعبان برمضان) ح (2337) من طريق عبدالعزيز بن محمد -وهو الدراوردي- قال: (قدم عباد بن كثير المدينة، فمال إلى مجلس العلاء، فأخذ بيده فأقامه، ثم قال : اللهم إن هذا يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" فقال العلاء: اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك).

    والحديث مداره على العلاء بن عبدالرحمن، مختلف فيه، وبالنظر في كلام الأئمة فيه نجد أن عبارة الحافظ ابن حجر فيه قد لخصت هذه الأقوال، وهي قوله : "صدوق ربما وهم"، (التقريب 5247). وأما أبوه فثقة كما قال الذهبي، وابن حجر: "ثقة "، كما في (الكاشف 1/649)، و(التقريب 4046)، وتنظر بعض أقوال الأئمة فيه في (تهذيب الكمال) للمزّي (8/18). تخريجه:

    أخرجه الترمذي (3/115)، باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان ح(738)، وأخرجه النسائي في (الكبرى 2/172)، باب صيام شعبان ح(2911)، وابن ماجة (1/528) باب ما جاء في النهي أن يتقدم رمضان بصوم ح(1650)، وعبد الرزاق (4/161) في (7325)، وابن أبي شيبة (2/285) ح (9026)، وأحمد (2/442)، وأبو عوانة (98)، وابن حبان (8/356) ح (3589)، وفي (8/358) ح(3591)، والبيهقي (4/209)، من طرق عن العلاء نننن عبدالرحمن به بنحوه.

    وأخرجه الطبراني في (الأوسط 2/312) ح (1957) من طريق عبيدالله بن عبدالله المنكدري، قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده [عبيدالله بن عبدالله بن المنكدر بن محمد بن المنكدر] عن عبد الرحمن بن يعقوب به بنحوه.

    وأخرجه ابن عدي في (الكامل 1/224) من طريق إبراهيم بن أبي يحيى،عن محمد بن المنكدر، والعلاء بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن يعقوب به بنحوه. الحكم عليه:

    إسناد أبي داود رجاله ثقات سوى الدراوردي والعلاء بن عبدالرحمن، أما الدراوردي فلا يضره -هنا- ما عنده من الأوهام؛ لأنه توبع من أئمة.

    وقد اختلفت أنظار الأئمة في الحكم على هذا الحديث، فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه واستنكره، فأما من صححه فمنهم:

    الترمذي حيث قال (3/115): "حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ"، والطحاوي في (شرح المعاني 2/83)، وأبو عوانة حيث أخرجه في مستخرجه على صحيح مسلم، وابن حبان (8/358)، وابن عبد البر في (الاستذكار 10/238)، وابن حزم (7/25) ، وغيرهم.

    لكن قال الحافظ ابن رجب -في (اللطائف 260)- عقب حكاية التصحيح عن هؤلاء الأئمة : " وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة، والأثرم، وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء أنكر منه، ورده بحديث " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ..." ا.هـ.

    وقد نقل أبو داود عقب إخراجه الحديث عن ابن مهدي أنه كان لا يحدث بهذا الحديث، وهذا ظاهر في إنكاره إذ لم يحدث به الإمام أحمد.

    وأما إنكار أبي زرعة، فقد نقله البرذعي في سؤالاته (2/388)، ونقل أبو عوانة في (مستخرجه98) أن عفان بن مسلم كان يستنكره أيضاً.

    ونقل أبو عوانة أيضاً -وذكره الحافظ ابن حجر في (الفتح 4/153)- أن ابن معين قال عنه : منكر، وإنكار أحمد للحديث نقله عنه المروذي في سؤالاته (117 رقم 273)، وقال النسائي عقب إخراج الحديث في (الكبرى : 2/172): "لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير العلاء بن عبدالرحمن" ا.هـ.

    وقال الخليلي في (الإرشاد : 1/218) عن العلاء: "مديني ، مختلف فيه؛ لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها -ثم ذكر حديث الباب، ثم قال: "وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه دون هذا والشواذ" ا.هـ، وأشار البيهقي (4/209) إلى ضعفه.

    وما ذكره الخليلي، فيه إشارة واضحة، أن مسلماً أعرض عن حديثه لما فيه من النكارة، مع أنه أخرج من هذه السلسلة: العلاء عن أبيه كثيراً، وقد أشار إلى هذا السخاوي، كما في (الأجوبة المرضية 1/37).

    وما ذكره بعض الأئمة من تفرد العلاء به، لا يعكر عليه ما رواه الطبراني -كما سبق تخريجه- من طريق محمد بن المنكدر عن عبدالرحمن بن يعقوب؛ لأن هذه الطريق معلولة بثلاثة أمور:

    الأول: أن فيها المنكدر بن محمد المنكدر، وقال عنه أبو حاتم: " كان رجلاً صالحاً لا يفهم الحديث، وكان كثير الخطأ، ولم يكن بالحافظ لحديث أبيه"، وقال عنه أبو زرعة: " ليس بقوي "، وقال ابن معين : "ليس بشيء" وقد وثقه أحمد في رواية أبي طالب " نقل ذلك كله ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل 8/406).

    الثاني: أن الطبراني قال عقب إخراج الحديث: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد به ابنه عبدالله" ا.هـ، فهو مع ضعفه تفرد أيضاً.

    الثالث: قال ابن عدي في (الكامل 6/455) عن هذه السلسلة (عبيدالله بن عبدالله المنكدري قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده). "وهذه نسخة حدثناه ابن قديد، عن عبيدالله بن عبدالله بن المنكدر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن الصحابة وعن غيرهم، وعامتها غير محفوظة ".ا.هـ.

    وأما الطريق التي أخرجها ابن عدي من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، فلا أثر لها؛ لأن إبراهيم هذا متروك الحديث، كما في الميزان 1/57، والتقريب (93)، والله أعلم.

    وبعد: فإن اختلاف أهل العلم بالحديث في الحكم على هذا الحديث انسحب على المسألة فقهياً، فقد اختلف العلماء في حكم الصوم بعد منتصف شعبان.

    فمن صح عنده هذا الحديث حكم بكراهة صوم السادس عشر من شعبان وما بعده، وبعضهم صرّح بالتحريم كابن حزم في (المحلى 7/25) إلا أنه خص النهي بصيام اليوم السادس عشر فقط من ضعّف هذا الحديث لم يقل بالكراهة كما هو قول جمهور العلماء، محتجين بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه ". أخرجه البخاري (2/34) باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين ح (1914)، ومسلم (2/762) ح (1082) -واللفظ له-، وأبو داود (2/750)، باب فيمن يصل شعبان برمضان ح (2335)، والترمذي (3/69)، باب ما جاء " لا تقدموا الشهر بصوم" ح (685)، والنسائي (4/149)، باب التقدم قبل شهر رمضان ح (2172، 2173)، وابن ماجة (1/528)، باب ما جاء في النهي أن يتقدم رمضان بصوم ح(1650) من طرق عن يحي بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.

    وقد احتج بهذا الحديث الإمام أحمد بهذا الحديث على ضعف حديث النهي عن الصوم بعد النصف، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- : "إذا أنتصف شعبان فلا تصوموا"، والله أعلم.

    ويمكن أن يعلل الحديث أيضاً بحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان.

    أخرجه البخاري (2/50)، باب صوم شعبان ح(1969)، ومسلم (2/810) ح(1156)، وأبو داود (2/813) باب كيف كان يصوم النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ ح(2434) من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة -رضي الله عنها-.

    ومقتضى هذا -بلا شك- أنه كان يصوم شيئاً من الأيام بعد منتصفه.

    ومما ضعف به حديث العلاء أيضاً:

    الأحاديث الدالة على جواز صوم يوم وإفطار، بعضها في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه-، وهي مشهورة كثيرة.

    وقد أجاب بعض المصححين لحديث العلاء بأن النهي محمول على من لم يبتدئ صيامه إلا بعد النصف، أما من كان يصوم قبل النصف واستمر فلا يشمله النهي، ومنهم من حمل النهي على من يضعفه الصوم عن القيام بحق رمضان.

    والظاهر -والله أعلم- هو رجحان قول الأئمة الذين حكموا عليه بالنكارة والضعف؛ لسببين:

    الأول: لكونهم أعلم ممن صحّحه.

    الثاني: لقوة الأدلة التي تخالفه، كحديث أبي هريرة، وعائشة، وعبدالله بن عمرو -رضي الله عنهم-، ومما يقوي هذا -أعني ضعفه- أن الإمام مسلماً -رحمه الله- كان يخرج من سلسلة العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه ، عن أبي هريرة كثيراً، فما باله أعرض عن هذا الحديث؟! الأمر كما قال الخليلي -كما سبق نقل كلامه- إنما هو لشذوذ هذا الحديث.

    وبناء عليه يقال: إن الصيام بعد النصف من شعبان لا يحرم ولا يكره، إلا إذا بقي يومان أو يوم، وليس للإنسان عادة في الصيام، فإنه ينهى عن ذلك لدلالة حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، والله -تعالى- أعلم.

    وللمزيد ينظر: (شرح معاني الآثار للطحاوي 2/82 – 87) ، و (تهذيب سنن أبي داود لابن القيم – مطبوع مع مختصر السنن للمنذري 3/223 –225)، و(فتح الباري 4/153) شرح الحديث (1914)، و(تحفة الأحوذي 3/296).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة عابر سبيل الخير

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •