تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: تخطئة علَّل والتعليل

  1. #1

    Post تخطئة علَّل والتعليل

    تخطئة : علّل والتعليل
    محمد خليل الزَّرُّوق

    تقديم :
    هذا اللفظ المخطَّأ هو : علّلَه تعليلاً ، على معنى : نَظَر في علّته ، أو ذكر علته ، والعلة بمعنى السبب . وهو مستعمل من قديم في العلوم ، كالعربية والكلام والفلسفة ، ومن استعماله في الشعر قول ابن سناء الملك :
    ورب مليحٍ لا يُحَبّ ، وضدُّه يُقَبَّلُ منه العينُ والخدّ والفمُ
    هو الْجَدّ خذْهُ إن أردت مسلّمًا ولا تطلب التعليل ؛ فالأمر مبهَمُ
    ( الْجَدّ : الحظّ ) .
    ولم أر من تكلم عليه إلا الشيخ الأستاذ محمد علي النجار في كتابه الموسوم بـ " لغويات " ، وهو كتاب جمع فيه بعض ما كان ينشره في مجلة الأزهر بهذا العنوان ، وقال في مبحث هذا اللفظ : " وقد تحدث بعض المعنيين بالعربية في عربية هذا الأسلوب " ، وقال : " ومن ثَمّ أنكر بعض الباحثين هذا الاستعمال " ( ص141و142 ) . وهذا يفيد أن له سابقًا في الكلام عليه ، ولا أدري : أسَبْقُه شفويّ أم كتابيّ ؟
    ونقل كلام الشيخ بألفاظه واقتباسه وشواهده : محمد العدناني ، في كتاب : معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة ( ص461 ) ولم ينسبه إليه .
    * * *
    الأصل :
    وأصل هذه المادة : علّ يعِلّ ويعُلّ ، من بابي ضرب ونصر ؛ أي شَرِبَ شُرْبًا ثانيًا ، والمصدر : العَلّ والعَلَل ، والشرب الأول النَّهَل . وذلك أصل واحد ، لا ثلاثة أصول كما ذهب ابن فارس في معجم المقاييس ، فجعل الأصل الأول : تكرارًا ، والثاني : عائقًا ، والثالث : ضعفًا ( 4/12 ) - لأن العلة بمعنى الحدث الذي يشغل ، وبمعنى المرض ، ترجع إلى أصل التكرار ، وما أحسن ما فسّر به الشيخ النجار ! ولم أجده في المعجمات ؛ إذ ردّ العلة بمعنى المرض إلى الحمّى تعتاد الإنسان بعَرَقها ، ثم أُطلق على كل مرض ، والعلة بمعنى الشاغل من تشبيه الشاغل بالمرض الذي يحجِز عن العمل ، والعلة بمعنى العذر من تشبيه العذر بالمرض ؛ لأن المريض يسقط عنه اللوم والمعتبة ، ولما كان العذر سببًا يتمسّك به المعتذر أطلقت العلة على السبب . وأظن أن منه : لعلّ ، وهي حرف رجاء لما يُستقبل وإشفاق ، وما يُستقبَل تالٍ للحاضر .
    وجاءت العلة بمعنى العذر أو السبب في حديث عائشة - رضي الله عنها - في صحيح مسلم ( حديث 1211 ) ، وذلك قولها تعني أخاها عبد الرحمن - رضي الله عنه - : " فيضرب رجلي بعلة الراحلة " ؛ أي : يُظهر أنه يضرب البعير ، وإنما يضرب رجلها " .
    وجاءت بهذا المعنى في قول البخاري في عنوان باب : لا صدقة إلا عن ظهر غنًى : " .. فليس له أن يضيِّع أموال الناس بعلة الصدقة " .
    وفي المثل : " لا تَعْدَمُ الخرقاء علة " .
    وفي المادة من الأفعال : علّ ، وأعَلّ ، وعلّل ، وتعلّل ، واعتلّ ، وعالَل ، وتعالَل .
    والمقصود في هذه الكلمة من هذه الأفعال : علّل ، على وِزان : فعّل ، وهو الْمُخَطّأ بالمعنى المذكور ، ومصدره : التعليل . واعتلّ ، على وِزان : افتعل ؛ لما سأبينه ، إن شاء الله ، ومصدره : الاعتلال .
    * * *
    معنى علَّل :
    وما جاء من معنى علّل في المعجمات :
    1- علّله : سقاه مرة بعد مرة . ومن ذلك قول رجل من كِنْدة يذكر أخْذ امرئ القيس بثأره :
    وأقام يُسقَى الخمرَ في عرَصاتهم ملكٌ يُعَلّ شرابَه تعليلا
    ( شرح القصائد السبع ص12 ) . والشاهد في قوله : " تعليلا " ، وهو مصدر خالف بينه وبين فعله ، كما قال الله تعالى : ) وتبتّل إليه تبتيلا ( .
    2- والتعليل : جنْيُ الثمرة مرة بعد أخرى . ذكره صاحب الصحاح . وجاني الثمرة هكذا يقال له : الْمُعَلِّل ، كما في التاج .
    3- والمعلِّل : الْمُعين بالبِرّ بعد البِرّ ، عن ابن الأعرابي .
    4- وعلّله : طيّبه مرة بعد أخري ، وعليه قول امرئ القيس في القصيدة المعروفة :
    فقلت لها : سِيري وأرخي زمامه ولا تُبعديني من جناك المعلَّل
    إذا رُوي على اسم المفعول .
    5- وعلّله : شغله وألهاه . وفُسّر به قول امرئ القيس إذا روي على اسم الفاعل ، أي : المعلِّل . ومنه يقال : علّلتِ المرأةُ صبيَّها بشيء من المرَق والخبز ؛ ليَجْزَأ به عن اللبن . وقال جرير :
    تُعَلِّل - وهي ساغبة - بنيها بأنفاسٍ من الشَّبِم القَراحِ
    ( السغَب : الجوع ، والقَراح : العَذْب ، والشبِم : البارد ، والنفَس من الماء : الذي يروي ويكفي . يذكر امرأته ، ويسْتَنْزل عطاء عبد الملك بن مروان ) . ويقال : فلان يعلّل نفسه بتَعِلّة . وعلّله بحديث أو طعام . والمعلِّل : يوم في آخر الشتاء يعلّل الناس بشيء من تخفيف البرد .
    * * *
    شواهد من الشعر :
    وأكثر ما جاء علّل والتعليل في الشعر على هذا المعنى الأخير ، معنى الإلهاء والشَّغْل والصَّرْف والتسلية عن الشيء .
    قال عبدة بن الطبيب :
    ثم اصْطَبَحْتُ كُمَيْتًا قَرْقَفًا أُنُفًا من طيّب الرّاح ، واللّذاتُ تعليلُ
    ( كُميت : بين الأسود والأحمر ، وقَرْقَف : يُرْعِد شاربَه ، وأُنُف : لم يُشرَب ، واصطبح : شرب صباحًا ) .
    وقال عَدِيّ بن الرِّقاع :
    تصطادُ بهجتُها الْمُعَلَّلَ بالصِّبا عَرَضًا ، فتُقْصِدُه ، ولن يصطادَها
    ( البهجة : الحسن ، وتُقصده : تقتله مكانَه ) .
    وقال جرير :
    كم قد قطعن إليك من مُتَماحِلٍ جدْبِ الْمُعَرَّج ، ما به تعليلُ
    ( متماحل : بعيد الأطراف ، والمعرّج : الْمُناخ ؛ أي للإبل ، ما به تعليل : ما به مرعًى تُعلَّل به الإبل ) .
    وقال جرير أيضًا :
    أجِدَّكَ لا يصحو الفؤاد الْمُعَلَّلُ وقد لاح من شيبٍ عِذارٌ ومِسْحَلُ
    ( أجِدَّك : أحقًّا ، والعِذار : شعر جانب الوجه ، والمِسْحل : ما تحت الذَّقَن ) .
    وقال الأحوص :
    أزعمتِ أن صبابتي أكذوبة يومًا ، وأن زيارتي تعليلُ
    وقال ابن الرومي :
    فهلاّ بذلتِ الوعد ثم مطلتِه فعلّلْتِ تعليلَ المجامل ذي الْمَطْلِ
    * * *
    حجج التصحيح :
    فهذا هو معنى هذا اللفظ واستعماله ، ولم يجئ بمعنى ذكر العلة أو السبب ، فيما أعلم . إلا في ما لا يُحتَجُّ به أو فيه شبهة سنكشفها ، إن شاء الله .
    1- فمن ذلك ما صحّح به الشيخ محمد علي النجار هذا الاستعمال ، وهو أنهم قالوا : الْمُعَلِّل ، لدافع جابي الخراج بالعِلل ، قال : " فعلى ذلك يُقال : علّل ؛ أي : ذكر العلة أو العِلل " ( ص142 ) . والصواب أنه إنما سُمّي بذلك لأنه يدفع الجابي ؛ أي يصرفه ويشغله عن المال ، لا لأنه يذكر العِلل ؛ أي الأعذار ، ولو كان المراد ذلك لسمَّوْا كل ذاكر للعِلل مُعَلِّلاً ، ولم نعلمهم فعلوا ذلك .
    2- ومن ذلك ما جاء في كتاب الإيضاح في علل النحو للزَّجَّاجيّ ( توفي سنة 337 ) عن الخليل بن أحمد ، قال : " وذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد - رحمه الله - سئل عن العلل التي يَعتلّ بها في النحو ، فقيل له : عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك ؟ فقال : إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها ، وعرفت مواقع كلامها ، وقام في عقولها عِللُه ، وإن لم يُنقَل ذلك عنها ، واعتللْت أنا بما عندي أنه علة لما علّلتُه منه ... فإن سنح لغيري علة لما علّلتُه من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها " ( ص65-66 ) . فترى أن فيه الاستعمال الذي أخطّئه . ولكن لا ثقة لنا بأن هذه ألفاظ الخليل ، فالخبر غير مسنَد ، وذكره مَنْ بينه وبين الخليل نحو مائتي سنة ، وفيه لفظ مشهور التخطئة عند العلماء وهو : المعلول ، فإن صحت نسبة هذا المعنى إلى الخليل فلن تصح نسبة هذه الألفاظ إليه .
    3- ومن ذلك قول العباس بن الأحنف :
    خذوا ليَ منها جُرْعةً في زجاجةٍ ألا إنها - لو تعلمون - طبيبي
    فإن قال أهلي : ما الذي جئتمُ به ؟ وقد يُحسِنُ التعليلَ كلّ أريب
    فقولوا لهم : جئناه من ماء زمزمٍ لنشفيَه من دائه بذَنوب
    ( الذنوب : الدلو ) فعلى أنه لا يُحتجّ به ؛ لأنه مُحدَث ، هو ظاهر الاستقامة على الاستعمال القديم ، ويدلّك على ذلك أن السؤال في قوله : ما الذي جئتمُ به ؟ عن الماهية لا عن العلة ، فيكون المعنى : تستطيعون صرفهم عن الإلحاح في البحث بأن تعلّلوهم بهذا القول ، وهو أن هذا من ماء زمزم جئناه به ليستشفي به ، وأنتم قد كنتم في الحجاز ، فما أسهل هذا القول عليكم ! وما أسهل أن يصدّقوه ويلهُوا به !
    * * *
    البديل الصحيح :
    والصواب أن يقال إذا أُريدَ : ذَكَرَ العلة : اعتلّ ، وفي المعجمات : اعتلّ عليه بعلة : اعتاقه عن أمر ، والمعنى : ذكر له علة عاقه بها عما يريد . وفيها : اعتلّ : تمسّك بحجة . ومن شواهد ذلك :
    1- المثل : يعتلّ بالإعسار وكان في اليَسَار مانعًا .
    2- وما أنشده أبو زيد في نوادره ( ص 248 ) :
    إن تبخلي - ياجُمْلُ - أو تَعْتَلِّي
    أو تصبحي في الظاعن الموَلِّي
    نُسَلِّ وجد الهائم الْمُغْتَلِّ
    ببازل وَجْناء أو عَيْهَلِّ
    ( الْمُغْتَلّ : الذي اغتلّ جوفُه من الشوق والحب والحزن كغُلّة العطش ، والبازل : الداخل في السنة التاسعة من الإبل ذكرًا كان أو أنثى ، والوجناء : الممتلئة باللحم أو الشديدة ، والعيهلُ : الطويلة أو السريعة ، وتشديد اللام ضرورة ) .
    3- وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل : ما حبسك عن الصلاة ؟ فذكر شيئًا اعتلّ به " ( مسند الإمام أحمد 3/85 ) .
    4- وحديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال للرجل الذي اشتدّ على جابر في تقاضي دينه : " أيْسِرْ جابرَ بن عبد الله ( أي : أَنْظِرْه إلى ميسرة ) ، فقال : ما أنا بفاعل ، واعتلّ ، وقال : إنما هو مال يتامى " ( مسند الإمام أحمد 3/398 ، وسنن الدارمي ، حديث 45 ) .
    5- وحديث النعمان بن مُقَرِّن - رضي الله عنه - قال : " قدم رجال من مُزَيْنة ، فاعتلّوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا أموال لهم يتصدقون منها " ( الإصابة 6/449 ، وقال : أخرجه ابن شاهين ) .
    6- وقال الفرزدق :
    له راحةٌ بيضاءُ يَنْدَى بَنانُها قليلٌ إذا اعتلّ البخيلُ اعتلالُها
    نسب الاعتلال إلى اليد ، والمراد صاحبها ، وهو الممدوح .
    7- وقال كُثَيِّر :
    إذا ذرفتْ عيناي أعتلّ بالقذى وعزّةُ - لو يدري الطبيب - قذاهما
    وأنتِ التي حبّبْتِ شَغْبًا إلى بَدَا إليّ ، وأوطاني بلادٌ سواهما
    حلَلْتِ بهذا حَلّةً ، ثم حَلّةً بهذا ، فطاب الواديان كلاهما
    ( شَغْب وبَدَا : موضعان ) .
    8- وقال أبو قيس بن الأسْلَت :
    وتُكرِمُها جاراتها فيزرْنَها وتعتلّ عن إتيانهن فتُعْذَرُ
    والله أعلم
    نشر في : مجلة الثقافة العربية - بنغازي 9/2003
    مجلة جذور جدة - 3/2004
    محمد خليل الزَّرُّوق

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,156

    افتراضي رد: تخطئة علَّل والتعليل

    جزاك الله خيرا وبارك فيك

    لو تكرمت يا أخي الفاضل، ما أقدم استعمال لهذا التعبير الذي حكمت عليه بالخطأ؟
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  3. #3

    افتراضي رد: تخطئة علَّل والتعليل

    وفيك بارك الله ، شكرا أخي أبا مالك لمرورك ودعائك وسؤالك .
    لا أدري أقدم استعمال له ، وغاية اجتهادي أنه لم يرد في كلام يحتج به ، والله أعلم .
    محمد خليل الزَّرُّوق

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    7,156

    افتراضي رد: تخطئة علَّل والتعليل

    أحسن الله إليك

    إنما قصدت بسؤالي التتبع التاريخي لهذه المسألة؛ لأننا لو فرضنا أن هذا الاستعمال موجود منذ مئات السنين كما تفضلت بالذكر
    فإنه من المستبعد أن لا يذكر واحد من العلماء أنه خطأ إلا بعض المعاصرين.

    وهذا ليس معارضة مني لكلامك، وإنما هو تنبيه على أحد المسالك الذي يفضل سلوكها في بحث مثل هذه المسائل.

    وهناك نقطة أخرى ينبغي رعايتها بمزيد تأمل، وهي أن الحجة التي احتج بها الشيخ النجار لها وجاهتها، والجواب الذي تفضلت بذكره ردا عليها محتمل للنقاش فليس قاطعا للنزاع، فأرجو إعادة النظر فيها ومناقشتها.

    ولا تنسنا يا أخي الفاضل بأمثال هذه البحوث التي نحتاج إليها، ولا سيما في عصرنا هذا.
    صفحتي في تويتر : أبو مالك العوضي

  5. #5

    افتراضي رد: تخطئة علَّل والتعليل

    بسم الله الرحمن الرحيم
    شكرا لعنايتك أخي أبا مالك
    وما احتج به الشيخ النجار ظاهر في عدم صلوحه حجة ؛ ذلك أن قولهم المعلِّل لدافع الجابي مفعوله الجابي ، والاستعمال المخطأ مفعول علل فيه المعاني لا الذوات .

    وهذا تعقيب على مناقشة للأستاذ مراجع الطلحي لكلمتي المثبتة هنا ، لعل فيه توضيحًا لبعض المسائل المتصلة بنحو هذا البحث . وعذرًا لعدم استطاعتي نشر الأصل المعقب عليه لأنه ليس تحت يدي الآن .

    توضيح

    فَصْلُ ما بين رأيي ورأي الأستاذ مراجع - أحسن الله إليه ! - اختلاف المنهج ، فهو يحتجّ بما لا أراه حجة ، ولا يراه العلماء حجة ، فليس فيمن أَوْرَدَ نصوصهم من زَعَم لنفسه ، أو زُعم له ، أن كلامه حجة . والذين يُحتَجّ بكلامهم قد بيّنوهم .
    ولا يفيد في هذا أنهم علماء ، فالمحتج بكلامهم هم أهل الْمَلَكة الكاملة والسليقة ، لا العلماء بلسان العرب ، ورب أعرابي من أجهل الجهلة ، ومن أسفه الناس ، تُعدّ ألفاظُه جواهرَ مصونة ، ودررًا ثمينة ! ورب عالم من أرسخ الناس قدمًا في علم العربية ، لا يُعدّ كلامه - من قِبَل الاحتجاج - شيئًا مذكورًا ، ولا قولاً مأثورًا . وكم من كتابٍ أُلِّف في أغلاط العلماء ، وأوهام الخاصة ! وهذا أشهر كتاب في الأخطاء الشائعة للحريري ، عنوانه : ( درة الغواص ، في أوهام الخواص ) .
    وقد ذكرت في كلمتي أن هذا اللفظ مستعمل من قديم في العلوم ، فأتى الأستاذ مراجع بأمثلة لهذا الاستعمال ! ولو شئت لأتيت بأضعاف ما ذكره من علم أصول الفقه ، وعلم الكلام ، وغيرهما . عجبًا ! كيف نسي أن مجال البحث هو الأخطاء الشائعة ؟!
    وجَعَل هذه الأمثلة حجةً عليّ ، ثم قال في آخرها : " إن قول الباحث حجة قاطعة عليه ، لا له " . ومن فَهِم مرادي علم أن قولي ذاك لم يكن حجة لي ، وقد بينت الآن أنه ليس حجة عليّ ، فهو لا لي ، ولا علي ، ولكنه بمعزل عن سياق احتجاجي ، بل هو موضع تخطئتي وانتقادي .
    وما مَثَل الأستاذ مراجع إلا مَثَل رجل قيل له : هذا خطأ ، فقال : قد فعله فلان وفلان وفلان ! وذكّرني هذا بكلمة لابن حزم الأندلسي في رسالة مداواة النفوس ( انظر : رسائل ابن حزم 1/351 ) ، فحواها أن لإبليس كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته يصطادون بهما ، هما : اعتذار من أساء بأن فلانًا أساء قبله ، واستسهال المرء أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس !
    وأقدم ما احتج به الأستاذ كان من قيل أبي حاتم السِّجِسْتَاني المتوفى سنة 248 في وصف شيخه يعقوب بن إسحاق الحضرمي القارئ ، ثامن العشرة ، المتوفى سنة 205 ، وهو حفيد عبد الله بن أبي إسحاق النحوي المتوفى سنة 117 ، الذي قال فيه ابن سلاّم : " وكان أولَ من بَعَجَ النحو ، ومدَّ القياس والعلل " ( طبقات فحول الشعراء 1/14 ) ، فكلاهما تلاحقه مادة العلة ، ويوصف بالاتساع في العلل .
    وعلى أن النص الذي ذكره لا يُحتجّ به - هو محرّف ؛ جاء به الزُّبيدي في طبقات النحويين ص54 هكذا : " وكان أعلم من أدركْنا ورأينا بالحروف ، والاختلاف في القرآن وتعليله ومذاهبه " ، وهو كذلك في : وفَيَات الأعيان 6/390 ، ومرآة الجِنَان 2/30 ، وشذرات الذهب 2/14 ، تناقلوه .
    وصوابه في معرفة القراء 1/158 للذهبي : " هو أعلم من رأيت بالحروف ، والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه " . وكذا في تاريخ الإسلام 14/461 له ، وفي غاية النهاية 2/386لابن الجزري . ويدلّك على صحة ذلك أنك لا تكاد تجد لمتقدّم كتابًا باسم : " التعليل " ، وتجد كتبًا كثيرة باسم : " العلل " . وانظر الفهرست مثلاً ، وأما المتأخرون فلهم نحو هذا .
    وما ذكرته عن الخليل بن أحمد - رحمه الله - أقدم مما ذكره بكثير ؛ إذ وفاة الخليل سنة 175 أو 170 أو 160 . وليس ارتيابي في صحة نسبة تلك الألفاظ إليه بلا مسوغ ، كما قال الأستاذ ، بل ذكرت ثلاثة أشياء : أن الخبر غير مسنَد ، وأن بينه وبين الناقل عنه نحو مائتي سنة ، وأن فيه لفظًا آخر هو خطأ ، وهو : " المعلول " ؛ ذلك أنه قال : " فإن سنح لغيري علة لما عَلَّلْتُه من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها " ، فاسم المفعول من عَلّلَ الرباعي هو : مُعَلَّل ، لا معلول ، فهذا اسم المفعول من الثلاثي ، ولا يقول أحد في المعنى الذي نحن فيه : عَلّه من الثلاثي . فهذا خطأ لا يقع فيه من هو أقل من الخليل ، فكيف الخليل ؟! فمن ههنا ذهبت إلى أن هذا الكلام منقول بالمعنى ، وأنه لا تصح هذه الألفاظ عن الخليل .
    ولا ذِكْر لهذا اللفظ - أعني التعليل بذلك المعنى - في كتاب العين 1/88 ، والثابت أن الخليل ابتدأه ورتبه ، وهذه المادة في أوله .
    ومن حجج الأستاذ مراجع - رعاه الله - أن العلماء استعملوا هذا اللفظ ، ولم يخطِّئ بعضهم بعضًا . فقد رجعنا إذًا إلى قول القائل : ما ترك الأول للآخر شيئًا ، مما ينكره الأستاذ مراجع نفسه . فكأنه يقول لي : لم يخطِّئه أحد قبلك ، وأنا في هذا الباب إنما أذكر من الأخطاء ما لم أجدهم تكلموا عليه ، أو ما الكلام عليه قليل ؛ لأفيد القارئ بالجديد في هذا المعنى ، وأما الأخطاء المذكورة في الكتب فيستطيع من شاء أن يراجعها ، وما بي أن أردّد ما ذكروه .
    ومن حججه أنه لا يضير اللفظَ أن تخلو منه المعجمات ، فكم قد استدركوا عليها ! ومن ذلك ما يفعله ناشرو كتب التراث ، من صنع فهرس لما أخلّت به كتب اللغة .
    ولم يقل أحد : إن المعجمات حوت كل اللغة ، ولكن لا بدّ للاستدراك عليها من إقامة حجة على أن اللفظ قد جاء في كلام العرب المحتج بكلامهم . وسَرْد صانعي كتب التراث للألفاظ التي تخلو منها المعجمات لا يفيد إثباتَ اللفظ ، ولكن إذا جاء عن حجة ثبت ، وإذا جاء في كلام المولَّدين عُرف أنه مما استحدثوه ، ونسب إليهم ، ووُضع في موضعه .
    والتحدّي في باب الأخطاء الشائعة أن يأتي المخالف باللفظ المخطَّأ بالمعنى المراد في كلام يُعَدّ حجة تثبت بها ألفاظ اللغة ، وأحكام العربية . وما دون ذلك يدخل فيما يسميه أهل المنطق : مصادرة على المطلوب ، كفعل أستاذنا الأستاذ مراجع الطلحي ، حفظه الله·
    محمد خليل الزَّرُّوق

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: تخطئة علَّل والتعليل

    بارك الله فيك شيخ محمد.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •