« سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ » - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 57
1اعجابات

الموضوع: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    32-(1/125، 126) ("وارتياده لبوله مكانًا رخوًا"...؛ لحديث: «إذا بال أحدكم فليرتد لبوله» رواه أحمد وغيره)؛ ضعيف.


    1- تخريج حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-:
    أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص71) -ومن طريقه الحاكم (3/465، 466)-، وأحمد (4/396) عن محمد بن جعفر غندر، و(4/399) عن بهز، و(4/414) عن وكيع، والروياني (558) من طريق عبدالرحمن بن مهدي، وابن المنذر في الأوسط (263) من طريق عبدالله بن يزيد المقرئ، والبيهقي (1/93) من طريق وهب بن جرير، سبعتهم عن شعبة، وأبو داود (3) -ومن طريقه البيهقي (1/93)- من طريق حماد بن سلمة،كلاهما -شعبة وحماد- عن أبي التياح، عن رجل، أن أبا موسى الأشعري كتب إلى ابن عباس:إنك رجلٌ من أهل زمانك، وإني لم أحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- منها[1] بشيء، إلا أني كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأراد أن يبول، فمال إلى دمث حائط، فبال، وقال: «إن بني إسرائيل كان إذا أصاب أحدهم البول قرضه بالمقراضين، فإذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله»، لفظ الطيالسي.

    إلا أنه سقط في رواية ابن المنذر ذكر الرجل شيخ أبي التياح.

    وقد تفاوت الرواة في وصف هذا الرجل وسياقته للرواية، فقال أبو داود الطيالسي عن شعبةعن أبي التياح: سمعت رجلاً أسودَ كان يقدم مع ابن عباس البصرة، قال: لما قدم ابن عباس البصرةَ حدث بأحاديث عن أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكتب إليه ابن عباس يسأله عنها، فكتب إليه الأشعري...، وقال غندر: ... حدثني رجل أسود طويل -قال: جعل أبو التياح ينعته أنه قدم مع ابن عباس البصرة-، فكتب إلى أبي موسى، فكتب إليه أبو موسى...، وقال بهز: عن شيخ لهم عن أبي موسى...، وقال وكيع: ... سمعت رجلاً -وَصَفَهُ- كان يكون مع ابن عباس، قال: كتب أبو موسى إلى ابن عباس...، وقال ابن مهدي ونحوه لوهب بن جرير: ... سمعت رجلاً أسود قدم مع ابن عباس البصرة، قال: لما قدم ابن عباس البصرة سمعهم يحدثون عن أبي موسى أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكتب إليه يسأله عن ذلك، فكتب إليه...، وقال حماد بن سلمة عن أبي التياح: حدثني شيخ قال: لما قدم عبدالله بن عباس البصرة، فكان يحدث عن أبي موسى، فكتب عبدُالله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب إليه أبو موسى...

    دراسة الإسناد:
    فيه هذا الرجل المبهم، وبسببه يضعف الإسناد. قال ابن المنذر في هذا الحديث وحديث آخر: (وفي الإسنادين جميعًا مقال)[2]، وقال ابن حجر: (وأما الأحاديث التي في إسنادها انقطاع أو إبهام ففي الكتاب -يعني: سنن أبي داود- من ذلك أحاديث كثيرة، منها:...) فذكر هذا الحديث، ثم قال: (لم يتكلم عليه في جميع الروايات، وفيه هذا الشيخ المبهم. إلى غير ذلك من الأحاديث التي يمنع من الاحتجاج بها ما فيها من العلل)[3].

    وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من فعله، وهو الآتي:
    2- تخريج مرسل عبيد بن رُحَي -أو: دحي- الجهضمي:
    أخرجه ابن سعد في الطبقات (1/383) عن مسلم بن إبراهيم، والحارث في مسنده -كما في بغية الباحث (64) والمطالب العالية (35) وإتحاف الخيرة المهرة (432)، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (4798) والخطيب في المتفق والمفترق (1714)-، وابن قانع في معجم الصحابة (2/185) والطبراني في الأوسط (3064) عن بشر بن موسى، كلاهما -الحارث وبشر- عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، وابن عدي في الكامل (3/377) من طريق أبي عاصم، وسعيد بن يعقوب الأصبهاني في كتابه في الصحابة -كما في المطالب العالية (2/154)- من طريق ابن أبي السري، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4799) من طريق هناد بن السري، كلاهما -ابن أبي السري وهناد- عن وكيع، وعلقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (عقب 4799) عن عمرو بن عاصم، خمستهم -مسلم بن إبراهيم ويحيى بن إسحاق وأبو عاصم ووكيع وعمرو بن عاصم- عن سعيد بن زيد، وعلقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (عقب 4799) عن عمرو بن عاصم، عن حماد بن زيد، كلاهما -سعيد وحماد ابني زيد- عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله.

    إلا أن الطبراني في روايته عن بشر بن موسى عن يحيى بن إسحاق، وعمرو بن عاصم في روايته عن سعيد وحماد ابني زيد= زادا: عن أبي هريرة، وسقط من إسناد ابن قانع ذكر واصل مولى أبي عيينة[4]، وجاء في رواية ابن أبي السري عن وكيع: عن واصل، عن عبيد بن صيفي، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-...

    دراسة الإسناد:
    قال الطبراني: (لم يروه عن واصل إلا سعيد، ويحيى هو يحيى بن عبيد بن دحي)، وذكر اسم جدِّ يحيى بن عبيد (دحي) جاء في رواية ابن قانع، وجاءت نسبته جهضميًّا في رواية مسلم بن إبراهيم عن سعيد بن زيد عند ابن سعد.

    وقد اختُلف في ذكر أبي هريرة في الإسناد:
    فذكره الطبراني عن بشر بن موسى عن يحيى بن إسحاق، ولم يذكره ابن قانع عن بشر بن موسى، ولا الحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن إسحاق، والصحيح عدم ذكره، وحتى لو صح عن يحيى بن إسحاق، فقد خالفه مسلم بن إبراهيم وأبو عاصم الضحاك بن مخلد ووكيع؛ كلهم لم يذكر أبا هريرة.

    وجاء ذكر أبي هريرة في رواية معلقة لا يدرى إسنادها عن عمرو بن عاصم، عن حماد وسعيد ابني زيد، وإن صحت هذا الرواية؛ فعمرو بن عاصم صدوق فيه شيء، ولا يحتمل هذا القرن بين هذين الراويين، ولا زيادة أبي هريرة مع مخالفة الجمع عن سعيد بن زيد، وفيهم الثقات الكبار المتقدم ذكرهم.

    وقد جاء عن وكيع رواية الحديث عن سعيد بن زيد، عن واصل، عن عبيد بن صيفي، عن أبيه، وهذا خطأ من ابن أبي السري، وهو كثير الغلط والوهم، وخالفه هناد بن السري الحافظ، فرواه عن وكيع على الصواب كرواية الجماعة، قال ابن حجر: (وهذا وهمٌ نشأ عن سقط، وفي إسناده إلى وكيع ضعف)[5].

    والإسناد فيه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، وفيه ضعف، ويحيى بن عبيد الجهضمي لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلاً، وأما أبوه، فقد أُدخل في الصحابة بناءً على هذه الراوية، ونفى ذلك الإمام أبو زرعة الرازي، قال: (هذا مرسل، ليس لوالد يحيى بن عبيد صحبة)[6]، قال الهيثمي: (وهو من رواية يحيى بن عبيد بن دحي عن أبيه، ولم أرَ من ذكرهما)[7].

    فاجتمع خفة ضبط وجهالة وإرسال، وهذا يضعف الحديث ويوهنه، ولهذا أشار ابن المنذر، حيث أسند حديث أبي موسى السابق، ثم قال: (وقد روينا عنه أنه كان يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله، وفي الإسنادين جميعًا مقال)[8].

    3- تخريج حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-:
    أخرجه الدارقطني في الأفراد (3442-أطرافه) من طريق محمد بن حرب النشائي، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، وفي الأفراد (3456-أطرافه) من طريق ابن أبي السري، عن حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، كلاهما -ابن أبي ذئب وموسى- عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يبول ارتاد لبوله. لفظ ابن أبي ذئب، وقال موسى بن عقبة: عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتبوأ لبوله.

    دراسة الإسنادين:
    في الإسنادين جميعًا تفرد وغرابة حكاهما الدارقطني عقب تخريجهما، وهذا علامة على الضعف والنكارة، فمثل هذا الحديث عن نافع حقه أن يشتهر ويعرف، لا أن يجيء بإسناد غريب في طبقات متأخرة.

    فأما رواية ابن أبي ذئب، فالراوي عنه: إسماعيل بن يحيى، وقد روى عن ابن أبي ذئب وغيره أحاديث موضوعة -كما ذكر الحاكم-، وسبق طرف من حاله في الحديث (23/حديث ابن عمر).

    وأما رواية موسى بن عقبة، فموسى ليس بالمقدم في نافع، بل قال ابن معين: (كانوا يقولون في روايته عن نافع: فيها شيء)، والراوي عنه: حفص بن ميسرة، ثقة في حديثه ضعف وأوهام، وابن أبي السري كثير الغلط والوهم -كما سبق قريبًا في دراسة مرسل سعيد بن رحي-. وتفرد هؤلاء بهذا الحديث عن نافع منكر، لحالهم في الوهم والغلط، ولتأخر طبقتهم، ولعدم متابعتهم.

    4- تخريج حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن حبان في المجروحين (2/91) وابن عدي في الكامل (5/31) من طريق عمر بن هارون البلخي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرتاد لبوله كما يرتاد أحدكم لصلاته.

    دراسة الإسناد:
    قال ابن عدي: (وهذا الحديث بهذا الإسناد لا أعلم رواه عن الأوزاعي غير عمر بن هارون)، وعمر بن هارون متروك، واتهمه ابن معين بالكذب، ونُصَّ على أنه يروي المناكير عن الأوزاعي، وأورد هذا الحديثَ في ترجمته ابنُ حبان في المجروحين وابنُ عدي في الكامل؛ للدلالة على نكارة حديثه.

    5- تخريج مرسل طلحة بن أبي قنان:
    أخرجه أبو داود في المراسيل (1) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (25/131)- عن موسى بن إسماعيل، والحارث في مسنده -كما في بغية الباحث (65) والمطالب العالية (36) وإتحاف الخيرة المهرة (433)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (25/132)- عن الحكم بن موسى، كلاهما -موسى والحكم- عن الوليد بن مسلم، وابن عساكر في تاريخ دمشق (25/131) من طريق محمد بن شعيب بن شابور، كلاهما -الوليد ومحمد بن شعيب- عن الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن طلحة بن أبي قنان، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أن يبول فأتى عزازًا من الأرض؛ أخذ عودًا فنكت به حتى يثرى، ثم يبول. لفظ أبي داود، وللباقين نحوه.

    دراسة الإسناد:
    صرح الوليد بالتحديث في رواية أبي داود، وتوبع عليه، فانتفى تدليسه.

    والحديث مرسل، قال البخاري: (طلحة بن أبي قنان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسل)[9]، وقال مثله أبو حاتم[10]، وأورده أبو داود في المراسيل، وقال ابن حبان: (يروي المراسيل)[11]، وقال أبو أحمد العسكري: (حديثه مرسل)[12]، وقال الدارقطني: (حديثه مرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الارتياد للبول)[13]، وقال عبدالحق الإشبيلي: (وهذا أيضًا من المراسيل)[14].

    وطلحة غير معروف، قال الخطيب: (وليس يُروَى عن طلحة بن أبي قنان سوى هذا الحديث)[15]، وقال ابن القطان: (وطلحة هذا لا يُعرَف بغير هذا)[16]، وقال: (طلحة بن أبي قنان مجهول)[17]، وقال الذهبي: (ولا يُدرَى مَنْ طلحة)[18].

    فالحديث ضعيف للإرسال والجهالة.


    33-(1/127) ("و" يستحب "نتره... ثلاثًا"، أي: نتر ذكره ثلاثًا؛ ليستخرج بقية البول منه؛ لحديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا» رواه أحمد وغيره)؛ ضعيف.



    أخرجه ابن أبي شيبة (1710)، وأحمد (4/347)، وأبو داود في المراسيل (4)، وابن ماجه (326)، من طريق وكيع، وابن أبي شيبة (1708)، وابن قانع في معجم الصحابة (3/238) من طريق الحميدي، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6679) من طريق مسدد، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس، وابن ماجه (326)، وابن أبي خيثمة في تاريخه (2533-السفر الثاني)، والعسكري في الصحابة -كما في شرح مغلطاي على ابن ماجه (1/190)-، وأبو الحسن القطان في زوائده على ابن ماجه (عقب 326)، من طريق أبي نعيم، والبغوي في معجم الصحابة -كما في تهذيب التهذيب (1/174)-، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (1050)، من طريق المعتمر بن سليمان، وابن قانع في معجم الصحابة (3/238) من طريق أبي عاصم وسفيان بن عيينة، والعقيلي في الضعفاء (3/381)، وابن عدي في الكامل (5/254) -ومن طريقه البيهقي (1/113)- من طريق روح بن عبادة، سبعتهم -وكيع وعيسى وأبو نعيم والمعتمر وأبو عاصم وابن عيينة وروح- عن زمعة بن صالح، وأحمد (4/347)، والعقيلي (3/381)، وابن عدي (5/254) -ومن طريقه البيهقي (1/113) من طريق روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، كلاهما -زمعة وزكريا- عن عيسى بن يزداد - وقيل: يزداذ، وفي روايات: أزداد-، عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا». لفظ أحمد وابن أبي شيبة عن وكيع، وللبقية مثله أو نحوه. إلا أن رواية ابن قانع من طريق عيسى بن يونس، ورواية العسكري من طريق أبي نعيم، ورواية المعتمر وأبي عاصم وروح -في رواية الأكثر عنه- عن زمعة، ورواية العقيلي وابن عدي من طريق روح عن زكريا بن إسحاق، كلها جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعله، أنه كان إذا بال نتر ذكره ثلاثًا.

    دراسة الإسناد:
    فيه عيسى بن يزداد، قال ابن معين: (لا يعرف)[19]، وقال أبو حاتم: (هو وأبوه مجهولان)[20]، وقال العقيلي: (عيسى بن يزداد اليماني عن أبيه، [لا يتابع عليه]، ولا يعرف إلا به)[21]، وقال ابن عدي: (وعيسى بن يزداد عن أبيه -وقيل: عيسى بن أزداد عن أبيه- لا يعرف إلا بهذا الحديث)[22]، وقال ابن القطان: (وعلَّته أن عيسى وأباه لا يعرفان، ولا يُعلَم لهما غير هذا)[23].

    وأبوه قيل إنه صحابي، مرَّض القول بذلك ابن حبان[24] وابن عبدالبر[25]، وأورده عدد من المصنفين في الصحابة بناء على روايته هذه، ونفاها الأئمة، قال البخاري: (عيسى بن يزداد عن أبيه مرسل)[26]، وقال أبو حاتم: (عيسى بن يزداد... ليس لأبيه صحبة)[27]، وقال: (ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز)[28]، ومراده: أن بعض العلماء أدخله في المسند تجوّزًا، لا حكمًا بصحة صحبته؛ ذلك أنه لا يعرف -كما حكم ابن معين وأبو حاتم، وقال ابن عبدالبر: (وأكثرهم لا يعرفونه)[29]-، والإسناد إليه فيه مجهول، وممن حكم بأن حديث يزداد مرسل: أبو داود؛ بإخراجه حديثه في المراسيل.

    وهذا الحديث ضعفه الأئمة، قال البخاري: (لا يصح)[30]، وقال أبو حاتم في عيسى: (لا يصح حديثه)[31]، وضعفه غيرهما، بل قال النووي: (اتفقوا على أنه ضعيف)[32].


    34-(1/133) ("و" يكره "استنجاؤه واستجماره بها" أي: بيمينه؛ لحديث أبي قتادة: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه»، متفق عليه).


    أخرجه البخاري (153، 154، 5630) ومسلم (267) من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، به، ولفظ المصنف لمسلم، وفي الحديث النهي عن التنفس في الإناء.
    وانظر: المسند الجامع (12508).


    35-(1/134) ("ويحرم استقبال القبلة واستدبارها" حال قضاء الحاجة "في غير بنيان"؛ لخبر أبي أيوب مرفوعًا: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، متفق عليه).


    أخرجه البخاري (394) ومسلم (264) من طرق عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، به، واللفظ للبخاري، وزاد مسلم بعد قوله: ولا تستدبروها: (ببول ولا غائط).
    وانظر: المسند الجامع (3500، 3501).



    ـــــــــــــــ ــــــ
    [1] يعني: أحاديث كتب ابن عباس إلى أبي موسى يسأله عنها، وتأتي سياقات الرواة للإسناد.
    [2] الأوسط (1/329).
    [3] النكت (1/443).
    [4] الظاهر أن هذا سقط من أصول الكتاب، وإلا فالروايات متفقة في أن سعيد بن زيد يرويه عن واصل لا عن يحيى بن عبيد.
    [5] الإصابة (3/472).
    [6] المراسيل، لابن أبي حاتم (ص163)، وانظره (ص135)، والعلل (1/41).
    [7] مجمع الزوائد (1/482).
    [8] الأوسط (1/329).
    [9] التاريخ الكبير (4/347).
    [10] الجرح والتعديل (4/476).
    [11] الثقات (6/488)، وقد أخره ابن حبان، فذكره في أتباع التابعين.
    [12] الإصابة (3/555).
    [13] المؤتلف والمختلف (4/1882).
    [14] الأحكام الوسطى (1/126).
    [15] تاريخ دمشق (25/132)، نقله ابن عساكر بعد أن أسند من طريق الخطيب رواية الحارث بن أبي أسامة، والظاهر أنه في بعض مصنفات الخطيب، ونقله المزي في تهذيب الكمال (13/432).
    [16] بيان الوهم والإيهام (3/41).
    [17] بيان الوهم والإيهام (5/657).
    [18] ميزان الاعتدال (2/342).
    [19] الجرح والتعديل (6/291)، ونقله المزي في ترجمة عيسى فقال: (لا يعرف أبوه)، والنص في تاريخ ابن أبي خيثمة (2534-السفر الثاني)، لكن وقع في كلام ابن أبي خيثمة اضطراب في النسخة، وأما كلام ابن معين فلم يُزَد فيه على: (لا يعرف)، ونقل ابن عبدالبر -في الاستيعاب (3/683-بهامش الإصابة)- أن ابن معين قال: (لا يعرف عيسى هذا ولا أبوه)، وكذلك نقله العراقي في ذيل الميزان (ص120، 121).
    [20] الجرح والتعديل (6/291)، العلل (1/42).
    [21] الضعفاء (3/381)، وما بين المعقوفين من البدر المنير (2/345).
    [22] الكامل (5/254).
    [23] بيان الوهم والإيهام (3/307)، وقال (5/657) منتقدًا عبدالحق الإشبيلي: (ولم يبين علته، وهي الجهل بعيسى بن أزداد وأبيه).
    [24] الثقات (3/449)، وقال: (إلا أني لست أحتج بخبر زمعة بن صالح)؛ وزمعة متابَعٌ عليه -كما ظهر-، لكن العلة ليست في تفرد زمعة.
    [25] الاستيعاب (3/682-بهامش الإصابة).
    [26] التاريخ الكبير (6/392)، ونقله ابن عدي -في الكامل (5/254)- مقرًّا له.
    [27] المراسيل (ص238)، الجرح والتعديل (6/291)، العلل (1/42).
    [28] الجرح والتعديل (6/291)، العلل (1/42).
    [29] الاستيعاب (3/682).
    [30] التاريخ الكبير (6/392).
    [31] الجرح والتعديل (6/291).
    [32] المجموع (2/91).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    كتاب الطهارة (18)

    36 - (1/138) ("ويستجمر" بحجر أو نحوه "ثم يستنجي بالماء"؛ لفعله -صلى الله عليه وسلم-، رواه أحمد وغيره من حديث عائشة، وصححه الترمذي).

    ضعيف مرفوعًا، وإنما صح عن عائشة موقوفًا عليها.

    إن قصد المؤلف أن الوارد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتبع الماء الحجارة، فقال الألباني: (لا أصل له بهذا اللفظ)[1]، والظاهر أنه وهم تتابع عليه بعض الفقهاء[2]، وقد بوَّب البيهقي بقوله: (باب الجمع بين المسح بالأحجار والغسل بالماء)، وأسند فيه حديث عائشة الذي يقصده المؤلف، فتعقبه ابن التركماني، قال: (... وليس فيه ذكر الجمع بين الأحجار والماء)[3].

    فأما الذي ذكر المؤلف أنه رواه أحمد وغيره، فهو:
    1- حديث عائشة -رضي الله عنها-:
    أخرجه ابن أبي شيبة (1618) عن عبدالرحيم بن سليمان، وأحمد (6/236)، ويعقوب بن شيبة -كما ذكر ابن عبدالبر في التمهيد (13/160)-، وابن عبدالبر في الاستذكار (2/205) من طريق الحارث بن أبي أسامة، ثلاثتهم -أحمد ويعقوب والحارث- عن يزيد، وأحمد (6/171) عن محمد بن جعفر، وإسحاق بن راهويه في مسنده (1379) عن عبدة، وأبو يعلى (4514) من طريق محمد بن بكر، والبيهقي (1/105) من طريق عبدالوهاب، ستتهم -عبدالرحيم ويزيد ومحمد بن جعفر وعبدة ومحمد بن بكر وعبدالوهاب- عن سعيد بن أبي عروبة، وأحمد (6/95، 120، 171) عن بهز، وأخرجه (6/130) والبيهقي (1/105) من طريق عفان، وأبو يعلى (4859) -وعنه ابن المقرئ في الأربعين (17-جمهرة الأجزاء الحديثية)- عن هدبة بن خالد، وابن المنذر (319) من طريق عبدالله بن يزيد المقرئ، أربعتهم -بهز وعفان وهدبة والمقرئ- عن همام، وأحمد (6/113) عن يونس، و(6/114) عن سويد بن عمرو، كلاهما عن أبان، والترمذي (19)، والنسائي في الصغرى (1/42)، والكبرى (46)، وابن حبان (1443)، من طريق قتيبة بن سعيد، والترمذي (19) عن محمد بن عبدالملك ابن أبي الشوارب، والبيهقي (1/105) من طريق عفان، ثلاثتهم -قتيبة وابن أبي الشوارب وعفان- عن أبي عوانة، أربعتهم -سعيد وهمام وأبان وأبو عوانة- عن قتادة، وابن أبي شيبة (1633) عن إسماعيل بن علية، وأحمد (6/113) من طريق أبان، وابن الأعرابي في معجمه (2069)، والطبراني في الشاميين (1283) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (61/278)- من طريق عبدالله بن شوذب، وعلق إبراهيم الحربي في العلل -كما في شرح مغلطاي لابن ماجه (1/254)- وابن أبي حاتم في العلل (1/42) والدارقطني في العلل (14/428) رواية شعبة، وعلق الحربي والدارقطني رواية حماد بن زيد، وعلق الحربي رواية عبدالوارث وجعفر بن سليمان، سبعتهم -ابن علية وأبان وابن شوذب وشعبة وحماد بن زيد وعبدالوارث وجعفر- عن يزيد الرشك، والبخاري في التاريخ الكبير (4/300) من طريق الصلت بن مسلم، عن الحسن، والطبراني في الأوسط (4853) من طريق حوثرة بن أشرس، عن إبراهيم بن مرثد، عن إسحاق بن سويد، وفي الأوسط (8948)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (45/341)، من طريق عمر بن المغيرة[4]، وعلق الدارقطني في العلل (14/428) رواية زائدة وعبدالله بن رجاء، ثلاثتهم -عمر وزائدة وابن رجاء- عن هشام بن حسان، عن عائشة بنت عرار، وعلق الحربي في العلل -كما في شرح مغلطاي لابن ماجه (1/254)- رواية أصحاب أيوب، والحربي والدارقطني في العلل (14/428) رواية إبراهيم بن طهمان، والدارقطني رواية معمر وحماد بن زيد، كلهم -إبراهيم بن طهمان ومعمر وحماد بن زيد ومن أشار إليه الحربي- عن أبي قلابة الجرمي[5]، وعلق الحربي والدارقطني رواية عاصم الأحول، سبعتهم -قتادة ويزيد الرشك والحسن وإسحاق بن سويد وعائشة بنت عرار وأبو قلابة وعاصم الأحول- عن معاذة، عن عائشة قالت: مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله، وأنا أستحييهم. لفظ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وللبقية نحوه؛ قال بعضهم عن همام: أن يغسلوا أثر الخلاء والبول، وقال أبو عوانة: أن يستطيبوا بالماء، وقال ابن علية عن يزيد الرشك: أن يغسلوا عنهم أثر الحشو.

    إلا أن يزيد الرشك -في رواية إسماعيل بن علية وشعبة وحماد بن زيد وعبدالوارث وجعفر بن سليمان عنه-، والحسن، وعائشة بنت عرار -في رواية زائدة عن هشام بن حسان عنها-، وأبو قلابة -في رواية معمر وحماد بن زيد عنه-، أربعتهم لم يرفعوه عن معاذة، وقد قال الحسن: عن أم الصهباء -امرأة من أهل البصرة ثقة-، قال البخاري: (وأم الصهباء هي معاذة).

    وجاء من رواية ابن سيرين عن عائشة، أخرجه ابن أبي شيبة (1619)، لكنه لم يرفعه.

    وجاء من رواية شداد أبي عمار عن عائشة، أخرجه أحمد (6/93) وابن راهويه (1726) والبيهقي (1/106) من طريق الأوزاعي، عن أبي عمار، به.

    وجاء من رواية أبي سلمة عن عائشة، أخرجه الطبراني في الأوسط (5435) من طريق أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة[6]، به.

    دراسة الأسانيد:
    وقع في هذا الحديث -من رواية معاذة العدوية عن عائشة- اختلاف كثير.
    • فلم يُختلَف عن قتادة في رفعه، حيث ذكر قول عائشة: (فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله)،

    • ورواه يزيد الرشك، واختُلف عنه:
    - فرواه أبان بن يزيد العطار وعبدالله بن شوذب عنه مرفوعًا.

    - ورواه إسماعيل بن علية عنه موقوفًا، وتابعه على الوقف شعبة وحماد بن زيد وعبدالوارث وجعفر بن سليمان، وهؤلاء جاءت رواياتهم معلقة، ولم أجد أسانيدها، وقد جزم إبراهيم الحربي ثم ابن أبي حاتم ثم الدارقطني برواية شعبة، فلعلها صحيحة عنه؛ لأن تواردهم على ذلك يدل على شهرتها صحيحةً عندهم، وكذا اتفق الحربي والدارقطني على رواية حماد بن زيد.

    ورواية أبان العطار جاءت مقرونة بقتادة، فربما كان الرفع حملاً منه أو ممن دونه لرواية يزيد الرشك على رواية قتادة المرفوعة، ويؤيده أن الحربي قال: (وأوقفه يزيد الرشك، واتفق على ذلك أصحابه إلا ابن شوذب...)، فكأنه لم ينظر إلى رواية أبان؛ للعلة المذكورة فيها، أو لم تكن مشهورة عندهم، وإن كان الدارقطني ذكر أبان متابعًا لابن شوذب على الرفع.

    وأما رواية عبدالله بن شوذب، فقد احتمل الحربي أن يكون الوهم فيها منه أو من ضمرة بن ربيعة الراوي عنه، قال: (والوهم في ذلك منه أو من ضمرة)، والأمر كما قال، وضمرة كان راويةً لعبدالله بن شوذب، وكانت له أوهام، فربما كان هو الواهم هنا، وإن صحت روايته؛ فالوهم معلَّق بابن شوذب؛ لمخالفته الجماعة عن يزيد الرشك.

    وقد جزم البخاري بأن يزيد الرشك رواه عن معاذة موقوفًا[7]، فأيد ذلك أنه الراجح عنه.

    • ورواه الحسن عن معاذة، وكناها بأم الصبهاء، ووصفها بالثقة، إلا أن الراوي عنه: الصلت بن مسلم، قال فيه أبو زرعة: (لا أعرفه)[8]، ولم أجد من تكلم فيه، ولا وجدت روايةً له غير هذه، ولا راويًا عنه إلا محمد بن إسحاق -وقد صرح بالتحديث عنه-، لكنه لم يأتِ بما يستنكر، وقد توبع الحسن على هذه الرواية موقوفًا، فرواية الحسن عن معاذة صالحة.

    • ورواه إسحاق بن سويد عن معاذة مرفوعًا، رواه الطبراني عن شيخه عبدالوارث بن إبراهيم العسكري، عن حوثرة بن أشرس، عن إبراهيم بن مرثد، عن إسحاق، ثم قال الطبراني: (لم يروِ هذا الحديث عن إسحاق بن سويد إلا إبراهيم بن مرثد العدوي، تفرد به حوثرة بن أشرس)[9].

    وشيخ الطبراني غير معروف[10]، وحوثرة بن أشرس ذكره ابن حبان في الثقات[11]، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم[12]، ولم أجد فيه للمتقدمين جرحًا ولا تعديلاً، وقال الذهبي: (المحدث الصدوق... ما أعلم به بأسًا)[13]، وإبراهيم بن مرثد لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلاً، إلا ذكر ابن حبان له في الثقات[14]، وذكروه في رجال الشيعة[15]. وهذا الإسناد ليس مما يُعتمد عليه -وحال رواته ما وُصف-، خاصة أن الحربي والدارقطني جزما بأن إسحاق بن سويد رواه عن معاذة فأوقفه.

    • ورواه هشام بن حسان، عن عائشة بنت عرار، عن معاذة، واختُلف عن هشام:
    - فرواه عمر بن المغيرة عنه مرفوعًا.
    - ورواه زائدة عنه موقوفًا، وهذا علقه الدارقطني، ولم أجده مسندًا.

    قال الطبراني: (لم يروِ هذا الحديث عن عائشة بنت عرار إلا هشام بن حسان، تفرد به عمر بن المغيرة)[16]، يعني: مرفوعًا، وعمر قال فيه ابن المديني: (لا أعرف عمر هذا، مجهول)[17]، وقال أبو حاتم: (شيخ)[18]، ونقل الذهبي عن البخاري قوله فيه: (منكر الحديث مجهول)[19]، وقال الذهبي: (صالح الحديث)[20]، وقال ابن حجر: (ضعيف جدًّا)[21]. فروايته هذه فيها نظر مع تفرده عن هشام بن حسان -كما حكى الطبراني-، ومع ما حكى الدارقطني من مخالفة زائدة له، ومع جزم إبراهيم الحربي بأن عائشة بنت عرار روته عن معاذة موقوفًا[22].

    • ورواه أبو قلابة الجرمي عن معاذة، ولم أجد روايته مسندة، وقد اتفق البخاري والحربي والدارقطني والبيهقي على أنها موقوفة، إلا أن إبراهيم بن طهمان رفعها عن أيوب عنه، قال الحربي: (ولم يختلف أصحاب أيوب، إلا ابن طهمان فإنه رفعه)، وقال الدارقطني: (ورواه أيوب عن أبي قلابة عن معاذة، واختلف عنه في رفعه، فوقفه معمر وحماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن معاذة عن عائشة، ورفعه إبراهيم بن طهمان عن أيوب)[23]، والوقف هو الراجح إن صحت هذه الروايات؛ لاجتماع أصحاب أيوب عليه، ولاتفاق الأئمة الأربعة على أن رواية أبي قلابة موقوفة.

    • ورواه عاصم الأحول عن معاذة موقوفًا، ذكره الحربي والدارقطني، ولم أجده مسندًا[24].
    وخلاصة ذلك:
    أن قتادة رفعه عن معاذة، ووقفه يزيد الرشك، والحسن البصري، وإسحاق بن سويد -على احتمال-، وعائشة بنت عرار، وأبو قلابة، وعاصم الأحول= عنها.

    ويؤيد رواية قتادة المرفوعة:
    أن الحديث جاء عن عائشة مرفوعًا من رواية شداد أبي عمار وأبي سلمة عنها، فأما رواية أبي عمار، فقال البيهقي: (هذا مرسل، أبو عمار شداد لا أراه أدرك عائشة)[25]، وشداد شامي، وقد نُصَّ على أنه لم يسمع من أبي هريرة، فأولى به ألاّ يسمع من عائشة وقد بقي أبو هريرة بعدها وصلى عليها.

    وأما رواية أبي سلمة، فجاءت من حديث أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال الطبراني: (لم يروِ هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا أيوب بن عتبة)[26]، وأيوب ضعيف، ونص الإمام أحمد على ضعفه في حديث يحيى بن أبي كثير خاصة، فهذه الرواية منكرة.

    ويؤيد رواية الجماعة عن معاذة موقوفًا:
    أن محمد بن سيرين رواه عن عائشة موقوفًا، وقد نصَّ أبو حاتم على أن ابن سيرين لم يسمع من عائشة، إلا أنه بصري، ومعاذة بصرية، والظاهر أنه أرسله موقوفًا اعتمادًا على المشهور عند أهل البصرة من أن الحديث من رواية معاذة موقوف غير مرفوع.

    وقد رجح رواية قتادة:
    أبو زرعة، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول في حديث رواه سعيد عن قتادة عن معاذة عن عائشة: مروا أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله، وقلت لأبي زرعة: إن شعبة يروي عن يزيد الرشك عن معاذة عن عائشة موقوفًا، وأسنده قتادة، فأيهما أصح؟ قال: (حديث قتادة مرفوعًا أصح، وقتادة أحفظ، ويزيد الرشك ليس به بأس)[27]، والدارقطني، قال: (ورفعه صحيح)[28]، وأشار إلى ذلك البيهقي، قال -بعد أن أسند رواية قتادة-: (ورواه أبو قلابة وغيره عن معاذة العدوية فلم يسنده إلى فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقتادة حافظ)، وصحح رواية قتادة الترمذي وغيره.

    ورجح الرواية الموقوفة:
    الإمام أحمد بن حنبل، قال حرب الكرماني عنه: (لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث)، قال حرب: قيل له: فحديث عائشة؟ قال: (لا يصح؛ لأن غير قتادة لا يرفعه)[29]، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، قال: (والحديث عندي -والله أعلم- موقوف؛ لكثرة من أجمع على ذلك ممن تقدم ذكره)[30].

    والظاهر أن الأقوى قول من حكم بصحة وقفه؛ لاجتماع البصريين على ذلك، وأيد روايتهم روايةُ محمد بن سيرين.

    وقد نبه العلامة مغلطاي إلى علةٍ في رواية قتادة عن معاذة، قال: (وفي حديث معاذة المذكور علة أغفلاها -أعني: الإمامين أحمد والحربي[31]-، وهي انقطاع ما بين قتادة ومعاذة، ذكر ذلك يحيى بن معين -فيما حكاه عنه ابن أبي حاتم-...)[32]، والذي حكاه ابن أبي حاتم إنما هو عن يحيى بن سعيد القطان، قال: (قتادة لم يصحِّح عن معاذة)[33]، ومراده: أن قتادة لا يثبت له سماع منها[34]، وشكك الإمام أحمد في هذه الرواية أيضًا، فقال: (يقولون: إن قتادة لم يسمع من معاذة)[35]، وسئل أبو حاتم الرازي: أبو قلابة عن معاذة أحب إليك أو قتادة عن معاذة؟ فقال: (جميعًا ثقتان، وأبو قلابة لا يعرف له تدليس)[36]، وسئل أيضًا: قتادة عن معاذة أحب إليك أو أيوب عن معاذة؟ فقال: (قتادة إذا ذكر الخبر)[37]، فكأنه يشير -في الموضعين- إلى أن قتادة يدلس عن معاذة ما لم يسمعه.

    وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما[38] حديثين صرح فيهما قتادة بالتحديث عن معاذة، فالظاهر أنه سمع منها، لكنه يدلس عنها، وهذا الظاهر من رأي أبي حاتم الرازي.

    وأما حديثنا هذا؛ فقد عزف شعبة عن روايته عن قتادة[39]، فلم أجد له رواية للحديث عنه البتة، بل ذهب إلى يزيد الرشك، فرواه عنه عن معاذة -كما سبق-، مع أن الحديث مشهور عن قتادة، فالظاهر أنه لم يثبت فيه سماعه عنده، ولم أجد لقتادة تصريحًا بالسماع فيه إلا في رواية همام -من رواية عفان عنه-، ولم يذكره غير عفان عن همام (فقد رواه بهز بن أسد وهدبة بن خالد وعبدالله بن يزيد المقرئ عن همام؛ لم يذكروا السماع)، ولم يذكره غير همام عن قتادة (فقد رواه سعيد بن أبي عروبة -أثبت أصحاب قتادة- وأبان بن يزيد العطار عن قتادة؛ لم يذكراه)، ولهمام أوهام، وتكلم بعض الأئمة في روايته عن قتادة.

    ويؤيد عدم ثبوت هذا التصريح بالسماع ما سبق من عزوف شعبة عن رواية هذا الحديث عن قتادة، مع أنه كان يوقف قتادة ويسأله أن يصرح بالسماع من شيوخه، فما صرح فيه حدث به عنه، وما أبى فيه تركه.

    والله أعلم.

    وفي الباب حديث وأثر:
    2-تخريج حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-:
    أخرجه البزار في مسنده -كما في كشف الأستار (247)- من طريق أحمد بن محمد بن عبدالعزيز، قال: وجدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}، فسألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: إنا نُتْبِع الحجارة الماء.

    دراسة الإسناد:
    قال البزار: (هذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبدالعزيز، ولا نعلم أحدًا روى عنه إلا ابنه)[40]، ومحمد بن عبدالعزيز هو ابن عمر بن عبدالرحمن بن عوف، منكر الحديث على قلَّته[41]، ولم أجد ترجمة لابنه أحمد.

    وقد نص ابن كثير على أن هذا اللفظ هو سبب الوهم الواقع في حديث عائشة السابق -وقد أشرت إليه في صدر المبحث-، قال: (وإنما ذكرته بهذا اللفظ لأنه مشهور بين الفقهاء، ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم، والله أعلم)[42]، وقال ابن الملقن: (فرواية البزار هذه موافقة لما أورده الإمام الرافعي وغيره من الفقهاء)[43].

    وجاء بنحوه من حديث رجل من الأنصار[44]
    ، أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (1/48، 49) عن معاوية بن عمرو، عن زهير بن معاوية، عن عاصم الأحول، عن رجل من الأنصار في هذه الآية {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} قال: فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل قباء عن طهورهم، وكأنهم كانوا يستحيون أن يحدثوه، فقالوا: طهورنا طهور الناس، فقال: ((إن لكم طهورًا))، فقالوا: إن لنا خبرًا: إنا نستنجي بالماء بعد الحجارة -أو: بعد الدراري-، قال: ((إن الله قد رضي طهوركم يا أهل قباء)).

    وعاصم الأحول تابعي، إلا أن روايته عن الصحابة قليلة -فيما يظهر-، ولم يصرح هنا أن الرجل صحابي، ولا صرح الرجل بسماعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالظاهر أن هذا الحديث بهذا الإسناد مرسل.

    وفي سبب ثناء الله -تعالى- على أهل قباء في هذه الآية أحاديث أخرى ليس هذا موضع البسط فيها.

    3-
    تخريج أثر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
    أخرجه عبدالرزاق -كما ذكر الزيلعي في نصب الراية (1/219)- والدارقطني في العلل (4/55) من طريق سفيان الثوري، وابن أبي شيبة (1634) عن يحيى بن يعلى، ويعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/802) -ومن طريقه البيهقي (1/106)-، والحمامي في جزء من حديثه عن شيوخه (25-مجموع فيه مصنفات الحمامي)، كلاهما من طريق مسعر، والبيهقي (1/106) من طريق زائدة، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (6/2849، 2850) من طريق حفص بن عمر قاضي حلب، خمستهم -الثوري ويحيى بن يعلى ومسعر وزائدة وحفص بن عمر- عن عبدالملك بن عمر، قال: قال علي: إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعرًا، وإنكم تثلطون ثلطًا، فأتبعوا الحجارة بالماء، لفظ يحيى بن يعلى ومسعر -في رواية الحمامي- وحفص بن عمر، وقال زائدة والثوري: إنهم كانوا...، وقال مسعر -في رواية الفسوي-: إنا كنا...

    دراسة الإسناد:
    ذكر الدارقطني في هذا الحديث خلافًا في إدخال واسطة بين عبدالملك بن عمير وعلي[45]، والأكثر على روايته بلا واسطة.

    وعبدالملك بن عمير تكلم فيه بعض الأئمة، ووثقه آخرون، وذكره ابن حبان بالتدليس، قال العلائي: (رأى عليًّا -رضي الله عنه- ولم يسمع منه)[46]، وهذا ظاهر تفريق من ترجم له بين من رآه عبدُالملك ومن روى عنه.

    وقد ورد تصريحه بالسماع من علي في هذا الأثر في رواية حفص بن عمر الحلبي، قال: ذهبت أنظر إلى علي -رضي الله عنه- فسمعته يقول:...، وحفص هذا منكر الحديث[47]، ولا يعتد بروايته.

    فالأثر منقطع ضعيف.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

    [1] إرواء الغليل (1/82).
    [2] ويأتي سببه من كلام ابن كثير وابن الملقن في تخريج حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
    [3] الجوهر النقي (1/106).
    [4] وقع في المطبوع: عبدالله بن المغيرة، والتصويب من نقل ابن عساكر -في تاريخ دمشق (45/341)-، ونقل مغلطاي -في شرح ابن ماجه (1/254)-، ويؤيده: أن الحديث الذي قبله في معجم الطبراني الأوسط كان عن مقدام عن عبدالله بن يوسف التنيسي عن عمر بن المغيرة، وهذا هو إسناد الطبراني لهذا الحديث أيضًا.
    [5] واكتفى البخاري -في تاريخه (4/301)- والبيهقي -في السنن (1/105)- بتعليقه عن أبي قلابة موقوفًا.
    [6] وقع في المطبوع: عن أبي سليمان، وقد علقه الدارقطني -في العلل (14/429)- عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة، واستظهرت أنه صواب إسناد الطبراني.
    [7] التاريخ الكبير (4/301).
    [8] الجرح والتعديل (4/439).
    [9] المعجم الأوسط (5/122).
    [10] انظر: إرشاد القاصي والداني في ترجمة شيوخ الطبراني (ص402).
    [11] (8/215).
    [12] الجرح والتعديل (3/283).
    [13] سير أعلام النبلاء (10/668).
    [14] (8/57).
    [15] انظر: لسان الميزان (1/110).
    [16] المعجم الأوسط (9/5)، تاريخ دمشق (45/341)، شرح مغلطاي على ابن ماجه (1/254).
    [17] تاريخ دمشق (45/342).
    [18] الجرح والتعديل (6/136).
    [19] ميزان الاعتدال (3/224)، كذا فيه، وقد قال الذهبي -في تاريخ الإسلام (وفيات 171-180، ص278)-: (لم يورده البخاري في تاريخه)، ولم يورد الذهبي عبارة البخاري تلك، ففي نسبتها إليه نظر.
    [20] تاريخ الإسلام (وفيات 171-180، ص278).
    [21] تهذيب التهذيب (1/193).
    [22] وقد علق الدارقطني رواية لعبدالله بن رجاء المكي عن هشام بن حسان، رفع فيها الحديث وأسقط عائشة بنت عرار، وهذه الرواية -إن صحت- غريبة، وعبدالله بن رجاء تغير حفظه، فكانت له أخطاء، والرواية الموقوفة أصح.
    [23] جاء النص في نسخة العلل: (فرفعه معمر وحماد بن زيد عن أيوب... ورفعه إبراهيم بن طهمان عن أيوب)، كذا بتكرار الرفع، واستظهر المحقق أن الصواب في الثانية: (ووقفه إبراهيم بن طهمان)، والظاهر أن الصواب بعكسه -كما أثبتُّ-؛ بإفادة كلام الحربي في علله.
    [24] وفي نقل مغلطاي لكلام الحربي اضطراب لم أفهمه، ونصُّه: (ورواه عاصم الأحول فأوقفه، إلا أن أبا زيد قد رفعه عنه، وعاصم أحفظ من أبي زيد -إن شاء الله-)، فإن كان أبو زيد (والظاهر أنه ثابت بن يزيد الأحول) قد رواه عن عاصم مرفوعًا، فكيف تعل روايته بأن شيخه أحفظ منه؟ والنصُّ بحاجة إلى تقويم أو تأمل.
    [25] السنن (1/106).
    [26] المعجم الأوسط (5/323).
    [27] العلل (1/42).
    [28] العلل (14/429).
    [29] الإمام، لابن دقيق العيد (2/537)، شرح مغلطاي على ابن ماجه (1/253)، الفروسية، لابن القيم (ص191).
    [30] شرح مغلطاي على ابن ماجه (1/254).
    [31] وأغفلها -أيضًا- من صحح رواية قتادة.
    [32] شرحه على ابن ماجه (1/254).
    [33] المراسيل (ص174)، وقد أسنده عن عبدالله بن أحمد، وهو في روايته للعلل ومعرفة الرجال عن أبيه (3/227).
    [34] انظر في مصطلح التصحيح: الاتصال والانقطاع، للشيخ إبراهيم اللاحم (ص437-442).
    [35] العلل ومعرفة الرجال (ص197، 198-رواية المروذي والميموني وغيرهما)، ونقله الذهبي -في السير (5/277)- من قول أحمد لا من نسبته إلى غيره.
    [36] الجرح والتعديل (5/58).
    [37] الجرح والتعديل (7/134).
    [38] البخاري (321)، مسلم (719)، وحديث البخاري اعتمد عليه في الأصول.
    [39] بل ربما عن أحاديث قتادة عن معاذة عامة.
    [40] البدر المنير، لابن الملقن (2/375).
    [41] انظر: لسان الميزان (5/259).
    [42] تفسيره (4/217).
    [43] البدر المنير (2/376).
    [44] أفاده الشيخ عبدالله الدويش -رحمه الله- في تنبيه القاري على تقوية ما ضعفه الألباني (101).
    [45] العلل (4/54، 55).
    [46] جامع التحصيل (ص230).
    [47] الجرح والتعديل (3/179).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Feb 2008
    المشاركات
    2

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    تخريج موسع وماتع وفقك الله .
    وننتظر البقية بإذن الله .

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    كتاب الطهارة (19)

    37- 1/145) ("ولا يصح قبله" أي: قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه "وضوء ولا تيمم"؛ لحديث المقداد
    [1] المتفق عليه: ((يغسل ذكره ثم يتوضأ))).


    لا يصح بلفظ الترتيب.

    لم يجئ في الصحيحين بهذا اللفظ، وإنما أخرجه البخاري (132، 178) ومسلم (303) من طريق ابن الحنفية، والبخاري (269) من طريق أبي عبدالرحمن السلمي، ومسلم (303) من طريق ابن عباس، ثلاثتهم عن علي، في قصة إرساله المقداد ليسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المذي، فجاء لفظ البخاري من طريق ابن الحنفية في الموضعين: (فيه الوضوء)، وأخرجه مسلم من طريقين عنه، فلفظ الأول: (يغسل ذكره ويتوضأ)، ولفظ الثاني: (منه الوضوء)، ولفظ البخاري من طريق أبي عبدالرحمن السلمي: (توضأ واغسل ذكرك)، ولفظ مسلم من طريق ابن عباس: (توضأ وانضح فرجك).

    وهذا ظاهر في أن اللفظ لم يأتِ بالترتيب بـ(ثم) بين الغسل والوضوء.

    وجاء بهذا اللفظ فيما أخرجه النسائي (1/214) من طريق الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، قال: أرسل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- المقداد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله عن الرجل يجد المذي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يغسل ذكره ثم ليتوضأ)).


    دراسة الإسناد:


    هذا من حكاية سليمان بن يسار للحادثة، ونقلِهِ قولَ النبي -صلى الله عليه وسلم- ابتداءً من عنده، وسليمان بن يسار تابعي، فهذه الرواية مرسلة، وهي أحد الوجوه عن سليمان بن يسار وعمن دونه، فقد جاء عنه عن ابن عباس عن علي[2]، وعنه عن المقداد -من مسنده-، وغير ذلك، إلا أنه لم يجئ الترتيب في اللفظ بـ(ثم) إلا في هذه الرواية المرسلة.

    تنبيه:
    وقع في معجم الطبراني (20/238) من طريق عبدالرزاق، عن معمر، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس قال: قال علي بن أبي طالب للمقداد: سل لي رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-...، إلى أن قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليغسل ذكره، ثم ليتوضأ، ثم لينضح فرجه))، وهذا اللفظ خطأ؛ ذلك أن عبدالرزاق رواه في مصنفه (601) بإسناده ومتنه، فجاء فيه: ((ليغسل ذكره، وليتوضأ، ثم لينضح في فرجه)).


    38- (1/150) ("مسنون كل وقت" خبر قوله: "التسوك"، أي: يسن كل وقت؛ لحديث: ((السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب))، رواه الشافعي وأحمد وغيرهما).



    صحيح من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

    جاء من حديث جماعة من الصحابة:
    1-تخريج حديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-:
    أخرجه أحمد (1/3) عن أبي كامل، و(1/10) عن عفان، وابن أبي خيثمة في تاريخه (3742-السفر الثاني)، وإبراهيم بن نصر الرازي في مسنده -كما ذكر الرافعي في التدوين في أخبار قزوين (2/428، 429)-، كلاهما عن موسى بن إسماعيل التبوذكي، وابن أبي خيثمة في تاريخه (3743-السفر الثاني)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (110)، وأبو يعلى في مسنده (110)، وأبو عمرو السمرقندي في الفوائد المنتقاة (53)، من طريق يونس بن محمد، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (668)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (108)، وأبو يعلى (109، 4915) -وعنه ابن عدي في الكامل (2/261)، ومن طريقه ابن حجر في تغليق التعليق (3/166)-، وأبو العباس السرَّاج في مسنده -كما ذكر ابن حجر في فتح الباري (4/159)، ورواه من طريقه في تغليق التعليق (3/166)-، والسراج أيضًا في كتاب البيتوتة (5)، وابن عدي في الكامل (2/261) عن عمران بن موسى، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (509) عن أبي القاسم البغوي، ستتهم -ابن أبي عاصم والمروزي وأبو يعلى والسراج وعمران بن موسى والبغوي- عن عبدالأعلى بن حماد النرسي، وابن عدي في الكامل (2/261) من طريق عبدالله بن معاوية، والدارقطني في الأفراد (57-أطرافه) من طريق عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة، وتمام الرازي في فوائده (130) من طريق محمد بن عبيد الغساني، وأبو نعيم الأصبهاني في كتاب السواك -كما ذكر ابن دقيق العيد في الإمام (1/337)- من طريق عيسى بن إبراهيم البركي[3]، تسعتهم -أبو كامل وعفان والتبوذكي ويونس وعبدالأعلى وعبدالله بن معاوية وابن جبلة والغساني وعيسى بن إبراهيم- عن حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)).

    إلا أن ابن أبي خيثمة قال عن التبوذكي: عن حماد، عن ابن أبي عتيق، عن جده، عن أبي بكر، وقال إبراهيم بن نصر عن التبوذكي: (عن حماد، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر، وقال مرةً: عن ابن أبي عتيق، عن جده، عن أبي بكر)،

    وقال عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة عن حماد: عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، عن أبي بكر، زاد عائشة في الإسناد، وقال محمد بن عبيد الغساني عن حماد: عن ابن عون، عن أبيه، عن أبي بكر.
    2- تخريج حديث عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنهما-:
    أ- رواية ابن أبي عتيق عنها:
    أخرجه الشافعي في الأم (1/52)-ومن طريقه البيهقي في السنن (1/34)، ومعرفة السنن (1/258)، والبغوي في شرح السنة (1/394)-، والحميدي (162) -ومن طريقه ابن عبدالبر في التمهيد (18/301)-، وابن أبي عمر العدني في مسنده -كما ذكر ابن دقيق العيد في الإمام (1/332)-، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وإسحاق ابن راهويه في مسنده (1116) عن عيسى بن يونس، وأحمد (6/47)، وأبو يعلى (4598) -ومن طريقه ابن حجر في التغليق (3/164)- عن محمد بن الصباح، كلاهما عن إسماعيل بن علية، وأحمد (6/62) عن عبدة بن سليمان، و(6/238) عن يزيد، وابن أبي خيثمة في تاريخه (3740-السفر الثاني) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، وابن المنذر في الأوسط (338) عن أبي حاتم الرازي، وأبو نعيم في الحلية (7/159) والسواك -كما في الإمام (1/335)- من طريق محمد بن يونس، وفي السواك -كما في الإمام (1/335)- من طريق إسماعيل بن عبدالله، والبيهقي في شعب الإيمان (1939) من طريق عبدالملك بن محمد الرقاشي، أربعتهم عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وأبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/334)- من طريق جبارة بن المغلس عن قيس بن الربيع، والبيهقي (1/34) من طريق ابن أبي عمر العدني عن ابن عيينة عن مسعر، والبغوي في شرح السنة (1/394، 395) من طريق أحمد بن خالد، وعلق الدارقطني في العلل (14/422) رواية ابن أبي عدي، كلهم -أحد عشر راويًا- عن محمد بن إسحاق.

    وأحمد (6/124) عن عفان، وابن أبي خيثمة في تاريخه (3741-السفر الثاني) عن عبيدالله بن عمر القواريري، وابن أبي خيثمة (3741-الثاني)، وأبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/334)- من طريق يحيى بن عبدالحميد الحماني، والحسن بن علي المعمر في اليوم والليلة -كما نقل ابن حجر في تغليق التعليق (3/164)- عن أبي كامل الجحدري ومحمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب وعبدالأعلى بن حماد، والنسائي في الصغرى (1/10)، والكبرى (4) -ومن طريقه ابن حجر في التغليق (3/165)- عن حميد بن مسعدة ومحمد بن عبدالأعلى، وابن حبان (1067) من طريق روح بن عبدالمؤمن، وأبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/334)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (17/229)- من طريق علي بن المديني، وأبو نعيم فيه -كما في الإمام (1/334)-، والبيهقي (1/34) من طريق محمد بن أبي بكر، كلهم -أحد عشر راويًا- عن يزيد بن زريع، وابن أبي خيثمة في تاريخه (3743-السفر الثاني) عن يعقوب بن حميد بن كاسب، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (109)، وأبو يعلى (4916)، كلاهما عن عبدالأعلى بن حماد، كلاهما -يعقوب وعبدالأعلى- عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي، والطبراني في الأوسط (276) من طريق روح بن بن صلاح، عن سعيد بن أبي أيوب، ثلاثتهم -يزيد بن زريع والدراوردي وسعيد بن أبي أيوب- عن ابن أبي عتيق (ابن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر)، كلاهما -محمد بن إسحاق وابن أبي عتيق- عن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق (وهو ابن أبي عتيق والد الراوي عنه)، أنه سمع عائشة تحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)).

    وقد سمَّى يزيدُ بن زريع شيخَه ابنَ أبي عتيق (ابن عبدالله بن محمد): عبدَالرحمن، وسماه سعيد بن أبي أيوب: محمدًا، ولم يسمه الدراوردي.

    ب- رواية القاسم بن محمد بن أبي بكر عنها:

    أخرجه ابن أبي شيبة (1792)، والدارمي (684) -ومن طريقه ابن حجر في التغليق (3/165)-، كلاهما عن خالد بن مخلد القطواني، وابن راهويه (936)، وابن عدي في الكامل (1/235) من طريق أبي عامر العقدي، وأحمد (6/146) عن ابن أبي فديك، وأبو يعلى (4569) من طريق حميد بن عبدالرحمن، وابن عبدالبر في التمهيد (18/301) من طريق ابن أبي أويس، خمستهم - القطواني والعقدي وابن أبي فديك وحميد وابن أبي أويس- عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (913) عن الحسن بن الصباح، وأبو نعيم في الحلية (7/94) من طريق عبدالله بن الليث، كلاهما عن مؤمل بن إسماعيل، وأبو نعيم في الحلية (7/94) من طريق يزيد بن أبي حكيم، وعلقه الدارقطني في العلل (14/421) عن مصعب بن المقدام، ثلاثتهم -مؤمل ويزيد ومصعب- عن سفيان الثوري، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (913) عن الحسن بن الصباح، وأبو نعيم في الحلية (7/94) من طريق عبدالله بن الليث، كلاهما عن مؤمل بن إسماعيل، عن شعبة، كلاهما -الثوري وشعبة- عن محمد بن إسحاق، عن رجـل -وقال ابن الليث عن مؤمل: عن أبي عتيق التيمي-، وأبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/335)- والبيهقي (1/34) من طريق سليمان بن بلال، وعلق الدارقطني في العلل (14/422) رواية داود بن الزبرقان، كلاهما عن ابن أبي عتيق -سماه سليمانُ بن بلال: عبدَالرحمن-، وقوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (1570) من طريق خالد بن عبدالرحمن، عن عيسى بن ميمون، أربعتهم -داود بن الحصين والرجل (الذي قيل: إنه أبو عتيق التيمي) وابن أبي عتيق وعيسى بن ميمون- عن القاسم، عن عائشة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب))، لفظ أبي عامر العقدي عن ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، وقال ابن أبي فديك عن ابن أبي حبيبة: ((... مطيبة للفم...))، وقد زاد ابن أبي حبيبة في الحديث ألفاظًا.

    إلا أن الحسن بن الصباح في روايته عن مؤمل بن إسماعيل عن الثوري وشعبة عن محمد بن إسحاق عن رجل= جعله عن القاسم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً، لم يذكر عائشة.
    ج- رواية عبيد بن عمير عنها:
    أخرجه ابن خزيمة (135) -ومن طريقه البيهقي (1/34)-، وعلقه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/105) عن عبيدالله بن أحمد بن محمد بن ماهان، عن سهل بن موسى، كلاهما -ابن خزيمة وسهل بن موسى- عن الحسن بن قزعة، عن سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)).

    وقد أخرجه عبدالرزاق (19603) عن معمر، عن رجل، عن عبيد بن عمير قال في السواك: (مطيبة للفم مرضاة للرب)، من قول عبيد، وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (8/100) عن نعيم بن عمر، عن عبيد بن عمير، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((عليكم بالسواك، فإنه مرضاة للرب))، لم يذكر عائشة.
    د- رواية عروة عنها:
    أخرجه ابن عدي في الكامل (1/299) عن عمر بن سنان، وابن عساكر في تاريخ دمشق (37/323) من طريق الحسن بن سفيان، كلاهما عن عبدالوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (1570) من طريق خالد بن عبدالرحمن، عن عيسى بن ميمون، كلاهما -إسماعيل بن عياش وعيسى- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)).
    هـ- رواية أم عبدالله عن عائشة:
    أخرجه أبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/335، 336)- من طريق خالد بن يحيى السعيدي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أم عبدالله، عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب)).
    و- رواية عمرة عنها:
    أخرجه البيهقي في الشعب (2522) من طريق عبدالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)).


    دراسة الأسانيد:


    أ- حديث أبي بكر، وحديث عائشة من رواية ابن أبي عتيق عنها:
    وهما حديث واحد اختُلف فيه على ابن أبي عتيق، وهو ابن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق:

    - فرواه حماد بن سلمة، واختُلف عن حماد:
    • فرواه ستة رواة -فيهم ثقات كبار، كأبي كامل الجحدري وعفان ويونس بن محمد المؤدب- عنه، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق.
    • ورواه أبو سلمة التبوذكي عن حماد كرواية الجماعة، إلا أنه قال: وقال -يعني: حمادًا- مرةً: عن ابن أبي عتيق، عن جده، عن أبي بكر.
    • ورواه عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة عن حماد، فزاد عائشة بين ابن أبي عتيق الأب (عبدالله بن محمد) وأبي بكر، وعبدالرحمن بن جبلة هذا متروك مكذَّب[4]، ولا يشتغل بروايته.
    • ورواه محمد بن عبيد الغساني عن حماد، فجعله عن ابن عون، عن أبيه، عن أبي بكر، ولم يتحرر عندي تعيين محمد بن عبيد هذا، وروايته خطأ بمخالفة الجمع الأثبات.

    - ورواه يزيد بن زريع والدراوردي وسعيد بن أبي أيوب عنه، عن أبيه، عن عائشة، والترجيح عن ابن أبي عتيق في روايته هذه منبنٍ على تعيينه، إذ لعبدالله بن أبي عتيق ابنان: محمد وعبدالرحمن، فإن كان راوي هذا الحديث واحدًا منهما؛ نُظر أي الروايات عنه أصح، وإن كان يرويه الاثنان؛ نُظر أيهما أصح روايةً عن أبيه، ولعله لذلك لم يجزم أبو حاتم بالراوي موضع العلة في الحديث[5].

    وقد نصَّ يزيد بن زريع على أن اسمَ شيخِهِ ابنِ أبي عتيق الابن: عبدُالرحمن، وجاء في رواية سعيد بن أبي أيوب أنه محمد، إلا أن رواية سعيد بن أبي أيوب منكرة، قال الطبراني - بعد أن أخرجها وأحاديث أخرى-: (لم يروِ هذه الأحاديث عن سعيد بن أبي أيوب إلا روح بن صلاح)[6]، وروح هذا ضعفه الدارقطني وابن عدي، وذكر ابن يونس أنه رويت عنه مناكير، ووثقه الحاكم وذكره ابن حبان في ثقاته[7]، والظاهر أنه ضعيف، وتفرده عن سعيد بن أبي أيوب -وقد روى عنه أئمة- منكر، ثم في الإسناد شيخ الطبراني: أحمد بن رشدين، ضعيف، وقد شدد بعض الأئمة في أمره[8].

    ولم يأتِ عن الدراوردي -فيما وقفت عليه- تسمية ابن أبي عتيق، إلا أن المزي[9] وابن حجر[10] ذكرا أنه روى هذا الحديث عن ابن أبي عتيق، وسماه: عبدالرحمن، أما حماد بن سلمة؛ فجاء في روايةٍ عن عيسى بن إبراهيم البركي عنه تسميةُ ابنِ أبي عتيق محمدًا، وعيسى البركي ذو أوهام، وزيادته تسميةَ الراوي عن حماد بن سلمة لا تقبل مع اجتماع الأثبات الثقات على ترك ذلك، ولعله بناءً على هذه الرواية سمَّى بعضُ الأئمة -كالمزي[11] والحسيني[12]- شيخَ حماد: محمدًا.

    إلا أن الذي يظهر أن ابن أبي عتيق الذي يروي عنه حماد بن سلمة: هو عبدالرحمن، وهو الذي يروي عنه يزيد بن زريع والدراوردي نفسُهُ، لقرائن:
    الأولى: أنه ما دام يزيد بن زريع قد سماه وروى حديثه، فالظاهر أنه هو نفسه صاحب الحديث وراويه الذي شَهَرَهُ وحدَّث به يزيدَ وغيرَه[13]، وكون أخيه يشرَكُه في رواية الحديث يحتاج تصريحًا صحيحًا باسمه في الروايات، وليس ثَمَّ شيء من ذلك.
    الثانية: أن سليمان بن بلال قد رواه عن ابن أبي عتيق أيضًا، وسماه عبدالرحمن، إلا أنه جعله عنه عن القاسم عن عائشة، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على رواية سليمان بن بلال، لكن هذا يفيد أن عبدالرحمن هو الذي يروي الحديث ويُختَلَف عنه فيه.
    الثالثة: أن الإمام الحافظ محمد بن يحيى الذهلي قال: (وأما ابن أبي عتيق؛ فهو مدني من ولد أبي بكر الصديق، يقال له: محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، ولم يروِ عنه فيما علمتُ غير سليمان بن بلال، وسمعت أيوب بن سليمان بن بلال سئل عن نسبه فذكره، وقال: ما علمت أحدًا روى عنه بالمدينة غير أبي)، قال الذهلي: (لولا أن سليمان بن بلال قام بحديثه لذهب حديثه)[14]، فهذان نصَّان من ابن سليمان بن بلال -وهو مدني ثقة-، ومن الإمام الذهلي على أن محمد بن أبي عتيق ما له راوٍ إلا سليمان بن بلال، وعليه؛ فلا يصح أن حماد بن سلمة يروي عنه، لكن ربما ورد على ذلك أن للدراوردي روايةً عنه في بعض كتب الحديث، إلا أن المنقول عن الذهلي وأيوب بن سليمان بن بلال يفيد أن حديث محمد بن أبي عتيق محصورٌ قليل، وأنه روى عنه المدنيون ولم تنتشر روايته، وهذا يُبعد أن حماد بن سلمة يروي عنه.
    الرابعة: أن يزيد بن زريع بصري مثل حماد، واتفاقهما في البلد يلمح إلى أنهما يشتركان في الشيخ المدني نفسه، فربما كان سماعهما واحدًا، أو كان انتشر في البصرة عن أحدهما أنه يروي الحديث عن ابن أبي عتيق، أو أفاد أحدُهما الآخر به، فطلبه الآخرُ من الشيخ نفسِهِ، وتحمله منه.

    وفي ترجيح هذا نصٌّ عزيز عن الإمام أبي زرعة الرازي، قال: (ابن أبي عتيق الذي يروي عنه حماد بن سلمة اسمه: عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد[15] بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق)[16]، ووافقه ابن حجر، حيث قال: (... وخالفهم حماد بن سلمة، فرواه عن عبد الرحمن بن أبي عتيق...)[17].

    وعلى ذلك: فالخلاف في الحديث على شيخ واحد، وينظر في الراجح عنه:
    فإنه اجتمع يزيد بن زريع والدراوردي وسعيد بن أبي أيوب -ولم يصح عنه- على روايته عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، وتابع ابنَ أبي عتيق على هذا الوجه: محمد بن إسحاق، حيث رواه عن ابن أبي عتيق الأب، عن عائشة، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية أحمد عن إسماعيل بن علية عنه، وفي رواية إبراهيم بن سعد عنه، وإبراهيم بن سعد مقدَّم في ابن إسحاق، وكان له كتاب عنه يبيِّن سماعه من عدمه[18]، وهذا يزيح علة تدليس ابن إسحاق[19]، وخالف في ذلك: حمادُ بن سلمة، فرواه عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر، وروى أبو سلمة التبوذكي -وهو حافظ ثقة ثبت- عن حماد أنه رواه مرةً عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر، ومرةً عنه، عن جده، عن أبي بكر.

    والوجه الأول عن ابن أبي عتيق أصح؛ لقرائن:
    الأولى: كون الأكثر من الرواة عليه.
    الثانية: كون أحدهم مدنيًّا كابن أبي عتيق، وهو الدراوردي، واتفاق البلدان قرينة في الترجيح؛ إذ بلديُّ الراوي أحفظ لحديثه من الغرباء.
    الثالثة: أن يزيد بن زريع وحده أثبت من حماد بن سلمة، فإن لحماد -على ثقته- أوهامًا، وأما يزيد بن زريع، فقال فيه الإمام أحمد: (إليه المنتهى فى التثبت بالبصرة).
    الرابعة: متابعة محمد بن إسحاق لابن أبي عتيق على هذا الوجه.
    الخامسة: التردد المنقول عن حماد بن سلمة في شيخ ابن أبي عتيق؛ بين أبيه وجده، وهذه قرينة على أن حمادًا لم يضبط هذا الحديث ولم يتقنه.

    وهذا الوجه هو الذي رجحه غير واحد من الأئمة:
    - فقد سأل أبو يعلى الموصلي شيخَهُ عبدالأعلى بن حماد النرسي -أحد الرواة للوجهين عن حماد بن سلمة، وعن يزيد بن زريع والدراوردي- عن حديث أبي بكر، فقال: (هذا خطأ)[20].
    - وعلَّق البخاري في صحيحه (3/31) حديث عائشة، قال: (وقالت عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)))، وتعليقه بصيغة الجزم يدل على أنه هو الصحيح عنده،

    - وقال أبو زرعة في رواية حماد بن سلمة: (هذا خطأ، إنما هو: ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، أخطأ فيه حماد)،

    - وقال أبو حاتم نحو قول أبي زرعة، إلا أنه قال: (الخطأ من حماد أو من ابن أبي عتيق)[21].

    - وقال ابن عدي: (ويقال: إن هذا الحديث أخطأ فيه حماد بن سلمة حيث قال: عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، وإنما رواه غيره عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة)[22].
    - وقال الدارقطني: (يرويه حماد بن سلمة عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر، وخالفه[23] جماعةٌ من أهل الحجاز وغيرهم، فرووه عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو الصواب)[24].

    - وقال ابن حجر: (... وشذَّ حماد بن سلمة، فرواه عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق، وهو خطأ)[25].
    والمخطئ في الحديث حماد بن سلمة؛ إذ ترجح -فيما سبق- أن الجميع يروونه عن شيخ واحد، فالخطأ ممن شذ عنهم، وهو حماد، وأما تردد أبي حاتم؛ فقد سبق بيان وجهه، وأنه -لعله- للاحتمال في شيخ حماد، والله أعلم.

    وإسناد الرواية الراجحة جيد، عبدالرحمن بن أبي عتيق قال فيه أحمد: (لا أعلم إلا خيرًا)، وقال ابن حبان: (كان ثبتًا، إلا أنه ربما وهم في الأحايين)[26]، وقد تابعه محمد بن إسحاق، وأبوه عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر صدوق، ووثقه العجلي، وقد ذكر سماعه لهذا الحديث من عائشة في غير رواية، فصَحَّ، والله أعلم.

    يتبعه -بعون الله-:
    دراسة بقية أسانيد حديث عائشة -رضي الله عنها-، وتخريج أحاديث الباب عن غيرها من الصحابة، ودراستها.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

    [1] كذا قال، والحديث المتفق عليه من مسند علي -كما في تحفة الأشراف (7/403، 412، 442)-، وإنما المقداد هو الرجل الذي أرسله علي ليسأل الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
    [2] وهي رواية مسلم المتقدمة.
    [3] نص كلام ابن دقيق العيد: (روى أبو نعيم من حديث عيسى بن إبراهيم البركي، ثنا حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، رواه عن فاروق الخطابي، عن أحمد بن محمد العطار الأيلي، عنه. ثم رواه من حديث محمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن عيسى، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر -رضي الله عنه-، عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:... نحوه، رواه عن أبي بكر بن خلاد، عن أبي معشر الحسن بن سليمان الدارمي، عنه)، هكذا بقلب الاسم في الموضع الثاني، والظاهر أن صوابه: عيسى بن إبراهيم، وأنه وجه ثانٍ عن عيسى؛ نصَّ عليه ابن دقيق العيد لأن فيه تسمية ابن أبي عتيق بمحمد، ويؤيده أن عيسى بن إبراهيم البركي معروف بالرواية عن حماد بن سلمة، ويروي عنه محمد بن يحيى -وهو الذهلي الإمام [انظر: اللآلئ المصنوعة، للسيوطي (1/107)]-، ولم أجد فيمن يروي عن حماد من اسمه إبراهيم بن عيسى.
    [4] انظر: لسان الميزان (3/424).
    [5] العلل (1/12)، ويأتي.
    [6] المعجم الأوسط (1/91).
    [7] انظر: لسان الميزان (2/465).
    [8] انظر: لسان الميزان (1/257)، وإرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص155، 156).
    [9] تحفة الأشراف (11/465).
    [10] تغليق التعليق (3/165)، فتح الباري (4/159).
    [11] تهذيب الكمال (25/549).
    [12] الإكمال في ذكر من له رواية في مسند أحمد من الرجال... (ص573).
    [13] قال ابن حجر-في التلخيص الحبير (1/60)-: (... فإن صاحب الحديث هو عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن...).
    [14] تهذيب الكمال (25/550).
    [15] وقع في المراسيل: عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله، وهو خطأ؛ فنَسَبُهُ في كتب التراجم كما أثبت، ومن ذلك ترجمته في الجرح والتعديل (5/255).
    [16] المراسيل (ص128).
    [17] فتح الباري (4/159).
    [18] كما سبق في الحديث (10).
    [19] وقع خلاف في رواية ابن أبي عمر العدني عن ابن عيينة عن ابن إسحاق، فنقله ابن دقيق العيد -في الإمام- من مسند ابن أبي عمر، قال: (ورأيته في مسند ابن أبي عمر كما رواه الشافعي عن ابن عيينة)، يعني: عنه، عن ابن إسحاق مباشرة، وأخرجه البيهقي من طريقين عن علي بن عبدالحميد الغضائري، عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن مسعر، عن ابن إسحاق، فأدخل مسعرًا بين ابن عيينة وابن إسحاق، وقد ذكر هذه الرواية الدارقطني -في العلل (14/421)-، ثم قال: (وخالفه الحميدي وغيره، رووه عن ابن عيينة عن ابن إسحاق، ولم يذكروا فيه مسعرًا...)، وكلام الدارقطني هذا يشعر بإعلال ذكر مسعر، وهو الصحيح.
    [20] مسند أبي يعلى (109، 4915).
    [21] العلل (1/12).
    [22] الكامل (2/261).
    [23] في العلل: وخالفهم.
    [24] العلل (1/277).
    [25] تغليق التعليق (3/166).
    [26] مشاهير علماء الأمصار (ص144).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    توطئة:
    مضى في الحلقة السابقة دراسة حديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، وتبيَّن أنه خطأ من حماد بن سلمة، وأن صوابه من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

    وفي هذه الحلقة أواصل دراسة أسانيد حديث عائشة، ثم أحاديث الباب عن غيرها من الصحابة.

    ب- رواية القاسم بن محمد عن عائشة:
    وقد جاءت من طرق عنه:
    1- طريق داود بن الحصين عن القاسم:
    وقد تفرد بها -فيما وجدت- إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود، وهو منكر الحديث، حكم عليه الداقطني بالترك، وقرن بعض الأئمة جرحهم بذكر روايته عن داود بن الحصين نفسه، فلعل المناكير في روايته عن داود كثيرة، وهذه الطريق لهذا الحديث منها.

    2- طريق رجل عن القاسم:
    وقد رواه أبو نعيم، عن الطبراني، عن عباد بن عبدالله العدني، عن يزيد بن أبي حكيم، عن الثوري، عن محمد بن إسحاق، عن رجل، به، وعباد بن عبدالله ترجمه الذهبي باسم: عباد بن محمد بن عبدالله[1]، ولم يذكر أكثر من روايته عن حفص بن عمر العدني، ورواية الطبراني عنه[2]، وقد روى الطبراني عنه غيرَ حديث عن يزيد عن سفيان[3]، فحال هذا الرجل مجهولة.

    وتابع يزيدَ بن أبي حكيم عن الثوري: مصعبُ بن المقدام -فيما علقه الدارقطني ولم أجده موصولاً-، ومصعب فيه ضعف.

    ورواه مؤمل بن إسماعيل عن الثوري وشعبة، واختُلف عنه:
    فرواه الحسن بن الصباح عنه، عنهما، عن ابن إسحاق، عن رجل من آل أبي بكر، عن القاسم، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، به مرسلاً.
    ورواه عبدالله بن الليث المروزي عنه، عن الثوري وشعبة، عن ابن إسحاق، عن أبي عتيق التيمي، عن القاسم، عن عائشة، به.
    وقد علق الدارقطني رواية مؤمل، عن الثوري وشعبة، عن ابن إسحاق، عن رجل، عن القاسم، عن عائشة، به[4]، والظاهر أن الدارقطني وقعت له هذه الرواية عن مؤمل.

    وهذا من اضطراب مؤمل بن إسماعيل وتخليطه؛ فإنه سيئ الحفظ كثير الغلط.

    وأما رواية يزيد بن أبي حكيم ومصعب بن المقدام عن الثوري، ففي القلب منهما؛ لأمرين:
    أولهما: أن الثوري روى عنه من الكبار الأثبات الأئمة، وجاء حديثه بالأسانيد الصحاح المشهورة، ولا يقبل أن يجيء حديثه بهذين الإسنادين الغريبين، في أحدهما جهالة، وفي الآخر ضعف.
    الثاني: أن هذه الرواية تؤدي بالثوري لمخالفة عشرة رواة، أكثرهم أثبات حفاظ، كشعبة بن الحجاج وإسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة وعبدة بن سليمان ويزيد بن هارون وعيسى بن يونس ونحوهم، كلهم رووه عن ابن إسحاق عن ابن أبي عتيق عن عائشة، ولم يذكروا رجلاً، ولا جعلوه عن القاسم، ومثل هذا يبعد أن يرويه الثوري شاذًّا عن الجماعة، ولا يصح أن يُثبت ذلك بهذين الإسنادين.

    3- طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عتيق عن القاسم:
    وقد جاءت من طريق سليمان بن بلال عنه، وعلقها الدارقطني عن داود بن الزبرقان كذلك، وداود هذا متروك منكر الحديث، لكن الشأن في رواية سليمان بن بلال، إذ إنه ثقة مدني.

    وروايته أخرجها البيهقي عن الحاكم، عن أبي العباس الأصم، عن الربيع بن سليمان، عن عبدالله بن وهب، عن سليمان بن بلال، به[5]، وقد احتمل البيهقي -بناء على رواية سليمان بن بلال- أن عبدالرحمن بن أبي عتيق سمعه من أبيه -وهي رواية يزيد بن زريع والدراوردي المارّة آنفًا- وسمعه من القاسم -كما في هذه الرواية-، قال: (وقيل: عبدالرحمن، عن القاسم بن محمد، فكأنه سمعه منهما جميعًا)[6]، وجزم بذلك في موضع آخر، فقال: (وقد رواه عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عتيق مرةً عن أبيه عن عائشة، ومرةً عن القاسم بن محمد عن عائشة)[7]، ولهذا وجهٌ من حيث إن سليمان بن بلال ثقة، واتفق في البلاد مع شيخه ابن أبي عتيق، وقد قيل: إنه مولى لعبدالله بن أبي عتيق -والد شيخه-، وفي هذا مزيد اختصاص بهذه العائلة.

    لكن الظاهر أن رواية ابن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة أصح، فقد رواه عنه كذلك الدراوردي، وهو من أهل المدينة، وإن كان أدنى ضبطًا من سليمان بن بلال، إلا أنه تابعه من هو أوثق منهما جميعًا: يزيد بن زريع، وهو حافظ ثقة ثبت متقن، وله رواية عن المدنيين، ثم قد توبع عبدالرحمن بن أبي عتيق على هذا الوجه -كما سبق-؛ تابعه محمد بن إسحاق، فرواه عن ابن أبي عتيق الأب عن عائشة، وهذا يؤيد هذا الوجه ويقويه.

    وقد ذكر الدارقطني رواية داود بن الزبرقان، ولم يتعرض لرواية سليمان بن بلال، وقال: (وليس هو بمحفوظ)، وقال: (وذكر القاسم فيه غير محفوظ)[8]، وهذا هو الراجح، وربما كان الخطأ ممن دون سليمان بن بلال لا منه، خاصة أن هذا الإسناد فردٌ في طبقات متأخرة، فورود الخطأ عليه قوي.

    4- طريق عيسى بن ميمون عن القاسم:
    وفي إسنادها من لم أعرفه، وعيسى بن ميمون منكر الحديث، وأنكروا عليه أحاديث عن القاسم خاصة، وهذا الحديث من مناكيره عنه، وقد قرن بالقاسم: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهذان إسنادان من أصح الأسانيد عن عائشة، لا يحتمل أن يقرنهما هذا الراوي.

    ج- رواية عبيد بن عمير عن عائشة:
    جاءت من طريق ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن عبيد بن عمير، به.
    ورواه معمر، عن رجل، عن عبيد بن عمير قوله.
    ورواه نعيم بن عمر، عن عبيد بن عمير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً.
    وفي كل هذه الروايات -على اختلافها- ضعف.

    فأما رواية ابن جريج؛ فلم أجده صرح فيها بالتحديث، وهو مشهور بالتدليس، كما أن طبقة عثمان بن أبي سليمان متأخرة عن إدراك عبيد بن عمير، وغالب شيوخ عثمان ممن توفي بعد سنة تسعين، أما عبيد بن عمير فمن كبار التابعين، وقد توفي سنة ثمان وستين، وعثمان بن أبي سليمان يدخل واسطة بينه وبين عبيد بن عمير[9]، ففي الإسناد انقطاع.

    ورواية معمر فيها الرجل المبهم.

    ولم أعرف نعيم بن عمر راوي الوجه الثالث، وقد ترجمه البخاري في تاريخه، فذكر روايته هذه فحسب.

    د- رواية عروة عنها:
    جاءت من طريق إسماعيل بن عياش وعيسى بن ميمون عن هشام بن عروة، عن أبيه، به، وسبق بيان حال عيسى بن ميمون وروايته، وأما رواية إسماعيل بن عياش؛ فرواها عنه عبدالوهاب بن الضحاك، وهو متروك مكذَّب متهم بالوضع.

    هـ- رواية أم عبدالله عن عائشة:
    جاءت من طريق خالد بن يحيى السعيدي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أم عبدالله، به، ولم أتبين بالدقة خالد بن يحيى هذا، وروايته منكرة؛ لمخالفته الأثبات -ممن سبق ذكرهم- الذين رووه عن ابن إسحاق، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة.

    و- رواية عمرة عنها:
    جاءت من طريق عبدالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عمرة، به، قال الدارقطني: (ولم يتابع عليه)[10]، يعني: ابن إدريس، وقال البيهقي: (كذا قال، والصواب: عن محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن محمد بن أبي عتيق[11]، عن عائشة)[12].

    3- تخريج حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-:
    أخرجهأحمد (2/108)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (7/57، 58، 37/409) من طريق السراج، كلاهما عن قتيبة بن سعيد، والطبراني في الأوسط (3113) -وعنه أبو نعيم في السواك، كما في الإمام (1/336)- من طريق عبدالله بن يوسف، والطبراني في الأوسط (3113) من طريق شعيب بن يحيى، وابن عساكر في تاريخ دمشق (7/57) من طريق كامل بن طلحة، أربعتهم -قتيبة وعبدالله بن يوسف وشعيب وكامل- عن عبدالله بن لهيعة، عن عبيدالله بن أبي جعفر، وأبو طاهر السلفي في معجم السفر (613) من طريق عمرو بن أحمد بن بديل، عن عبدالملك بن قريب الأصمعي، عن مالك،كلاهما -عبيدالله بن أبي جعفر ومالك- عن نافع، وابن عدي في الكامل (6/277) من طريق محمد بن معاوية النيسابوري، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، وابن عساكر في تاريخ دمشق (43/6) من طريق ميسرة بن علي، عن علي بن أبي طاهر، عن إسماعيل بن توبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبدالله بن دينار، ثلاتثتهم -نافع ونعيم وعبدالله بن دينار- عن عبدالله بن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عليكم بالسواك، فإنه مطيبة للفم ومرضاة للرب»، لفظ أحمد عن قتيبة.

    دراسة الأسانيد:
    أ- طريق نافع عن ابن عمر:
    وقد جاء عنه من روايتين:
    الأولى: رواية ابن لهيعة، عن عبيدالله بن أبي جعفر، عن نافع، به، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مطلقًا -على الراجح-، ورواية العبادلة أقل ضعفًا من غيرها، والجميع ضعيف، وقد تفرد به عبيدالله بن أبي جعفر عن نافع[13]، وهذا التفرد بهذا الإسناد الضعيف منكر، فنافع ممن يجمع حديثه، وأصحابه المقدَّمون فيه كثر، لم يأتِ عن أحدٍ منهم روايةٌ للحديث عنه.

    الثانية: رواية الأصمعي، عن مالك، عن نافع، وهذه رواها السِّلَفي بإسناد مليء بالمجاهيل، وهي منكرة جدًّا عن مالك، وصحيحُ حديثِ مالكٍ أشهرُ من أن ينفرد به هذا الإسناد.

    ب- طريق نعيم المجمر عن ابن عمر:
    قال ابن عدي: (وهذا لا أعرفه إلا من رواية محمد بن معاوية عن الليث)، ومحمد بن معاوية متروك منكر الحديث، وبعض الأئمة كذَّبه.

    ج- طريق عبدالله بن دينار عن ابن عمر:
    وهذه رجالها عن آخرهم ثقات، لكن في الإسناد نكارة؛ لشدة الفردية فيه من أوله إلى آخره، وإسناد جليل عن ابن عمر كهذا الإسناد، ينفرد به ابن عساكر (في القرن السادس)، ولا تأتي متابعة له في أي طبقة من طبقات الإسناد= هو إسناد منكر، لا بد أن يكون دخل فيه الخطأ والوهم في إحدى طبقاته، وربما دخل حديث في حديث على بعض الرواة، فركَّب إسناد ذاك على ذا، وربما كان الخلل فيه من إسماعيل بن توبة، فإنه لم يذكر بمزيد حفظ. والله أعلم.

    4- تخريج حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-:
    أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (8/396)، والطبراني في الكبير (11/428) من طريق خليفة بن خياط، عن حباب بن عبدالله الدارمي[14]، عن يعقوب بن إبراهيم بن حنين، عن أبيه، عن جده -وهو عبدالله بن حنين-، والبزار -كما ذكر ابن دقيق العيد في الإمام (1/333) من طريق الربيع بن بدر، عن ابن جريج، وابن عدي في الكامل (3/60) -ومن طريقه البيهقي في الشعب (2521)- من طريق بقية، عن الخليل بن مرة، كلاهما عن عطاء، والطبراني في الأوسط (7496) من طريق بحر السقاء، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، ثلاثتهم -عبدالله بن حنين وعطاء والضحاك- عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب»، لفظ عطاء، وزيدت فيه ألفاظ عند ابن عدي، وقال الضحاك: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ومجلاة للبصر»، وقال حنين: «السواك يطيب الفم ويرضي الرب».

    دراسة الأسانيد:
    أ- رواية عبدالله بن حنين عن ابن عباس:
    وقد رواه حباب بن عبدالله الدارمي، عن يعقوب بن إبراهيم بن عبدالله بن حنين، عن أبيه، عن جده، وحباب بيض له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل[15]، وذكره أصحاب المؤتلف والمختلف[16]، ولم أجد فيه جرحًا ولا تعديلاً، ويعقوب بن إبراهيم ترجمه البخاري وابن أبي حاتم، وذكرا له حديثين أحدهما هذا[17]، وذكره ابن حبان في ثقاته[18]، فهذان المجهولان هما علة الحديث وسبب ضعفه.

    ب- رواية عطاء عن ابن عباس:
    وجاء عن عطاء من طريقين:
    الأولى: طريق الربيع بن بدر، عن ابن جريج، عن عطاء، والربيع -وهو الملقب بعليلة- واهٍ متروك الحديث،
    الثانية: طريق بقية، عن الخليل بن مرة، عن عطاء، وفيها علل:
    إحداها: أنه قد رواه عن بقية: محمد بن أبي السري، وهو كثير الغلط والوهم[19].
    العلة الثانية: أن بقية مدلس، وما صرح بالتحديث.
    الثالثة: قال البيهقي: (وهو مما تفرد به الخليل بن مرة، وليس بالقوي في الحديث)، وحق الخليل أشد من هذا، فقد قال فيه البخاري: (منكر الحديث).

    وهذ يبين أن رواية عطاء عن ابن عباس جاءت من طريقين منكرين.

    ج- رواية الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس:
    وجاء عن الضحاك من طريق بحر بن كنيز السقاء، عن جويبر بن سعيد، عنه، وبحر بن كنيز ضعيف جدًّا، ومثله جويبر، وخص الأئمة بالنكارة ما رواه جويبر عن الضحاك مرفوعًا، وهذا الحديث من ذلك، فالحديث واهٍ جدًّا.

    5- تخريج حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن ماجه (289) من طريق محمد بن شعيب، والطبراني في الكبير (8/262) من طريق الوليد بن مسلم، وابن عساكر في تاريخ دمشق (15/280) من طريق صدقة بن خالد، ثلاثتهم عن عثمان بن أبي العاتكة، والروياني (1220) من طريق ابن وهب، والطبراني في الكبير (8/248) من طريق سعيد بن أبي مريم، كلاهما عن يحيى بن أيوب، عن عبيدالله بن زحر، وأبو عروبة الحراني في جزئه -برواية الأنطاكي- (73) من طريق أبي عبدالرحيم، ثلاثتهم -عثمان وابن زحر وأبو عبدالرحيم- عن علي بن يزيد، والطبراني في الكبير (8/210) ومسند الشاميين (888) من طريق بقية، عن إسحاق بن مالك الحضرمي، عن يحيى بن الحارث، كلاهما -علي بن يزيد ويحيى بن الحارث- عن القاسم، عن أبي أمامة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «تسوكوا، فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى لقد خشيت أن يفرض عليَّ وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي»، لفظ ابن ماجه، وللبقية نحوه، واختصره بعضهم، ولفظ الوليد بن مسلم عن ابن أبي العاتكة، وعبيدالله بن زحر، وأبي عبدالرحيم، عن علي بن يزيد: «السواك مطيبة للفم...».

    دراسة الأسانيد:
    جاء الحديث عن القاسم عن أبي أمامة من طريقين:
    الأولى: رواية علي بن يزيد، وعنه عثمان بن أبي العاتكة، وعبيدالله بن زحر، وأبو عبدالرحيم، وهو خالد بن أبي يزيد الحراني، وقد دلَّس أبو عبدالرحيم أو من دونه عليَّ بن يزيد، فقال: عن أبي عبدالملك، عن القاسم، وأبو عبدالملك هو علي بن يزيد.
    وعلي بن يزيد هذا هو الألهاني، وهو ضعيف، قال الجوزجاني: (رأيت غير واحد من الأئمة ينكر أحاديثه التى يرويها عنه عبيدالله بن زحر وابن أبي العاتكة، ثم رأيت جعفر بن الزبير وبشر بن نمير يرويان عن القاسم أحاديثَ تشبه تلك الأحاديث...، وأظننا أُتِينا من قبل علي بن يزيد...)[20]، وهذا الحديث من هذا الضرب، فقد رواه ابن زحر وابن أبي العاتكة عن علي بن يزيد، وتابعهما خالد بن بن أبي يزيد الحراني، وهو ثقة، إلا أن النكارة من علي بن يزيد، قال ابن معين: (علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة هي ضعاف كلها)، وكذلك قال أبو حاتم الرازي ، وقد شدد بعض الأئمة في تضعيف علي بن يزيد، والظاهر أنه منكر الحديث.

    الثانية: رواية يحيى بن الحارث، رواه بقية عن إسحاق بن مالك الحضرمي عنه، قال الأزدي في إسحاق بن مالك: (ضعيف)، وذكر له هذا الحديث، وقال: (لا يصح هذا)[21]، وقال ابن القطان في حديثٍ: (إسحاق بن مالك هذا لا يعرف حاله، وبقية غير مقبول الرواية، لا سيما عمن لا يعرف)[22]، وقد نص الأئمة على أن بقية إذا روى عن المجاهيل وغير المعروفين أتى بالمناكير، ثم إن بقية مدلس، ولم يصرح هنا بالتحديث. فهذه الرواية منكرة.

    6- تخريج حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن حبان (1070) من طريق عبدالقدوس بن محمد بن عبدالكبير، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عبيدالله بن عمر، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب -عز وجل-».

    دراسة الإسناد:
    في هذا الإسناد مخالفة لما رواه جمعٌ من الأثبات عن حماد بن سلمة على الوجه الذي سبق في حديث عائشة، وذلك الوجه أرجح وأقوى، وعبدالقدوس بن محمد بن عبدالكبير راوي هذا الوجه صدوق، فربما كان هو الواهم فيه.

    وإن صحت هذه الراوية عن حماد، فهي دليل يُضاف إلى ما سبق ذكره من أن الرواية عن حماد على غير وجه تدل على عدم ضبطه لحديثه، وعلى أن رواية من خالفه أصح وأقوى.

    وقد أعلَّ حديثَ أبي هريرة هذا ابنُ حجر من وجهين، قال: (والمحفوظ عن حماد بغير هذا الإسناد: من حديث أبي بكر كما تقدم، والمحفوظ عن عبيدالله بن عمر بهذا الإسناد: بلفظ «لولا أن أشق...»، رواه النسائي وابن حبان)[23].

    7- تخريج حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-:
    أخرجه أبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/336) من طريق هشام بن سليمان، عن يزيد الرقاشي، وفي السواك -كما في الإمام (1/336، 337)- من طريق داود بن الزبرقان، عن داود بن جحادة[24]، عن محمد بن المنكدر، والديلمي في الفردوس -كما نقله الشيخ الألباني في الضعيفة (9/21)- من طريق كنانة بن جبلة، عن بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن أبيه، وكذلك من طريق عمرو بن جميع، عن أبان، أربعتهم -الرقاشي وابن المنكدر وعمرو والد ضرار وأبان- عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب».

    دراسة الأسانيد:
    أ- رواية الرقاشي عن أنس:
    الرقاشي منكر الحديث خاصة عن أنس.
    ب- رواية محمد بن المنكدر عن أنس:
    فيها داود بن الزبرقان، متروك منكر الحديث -كما سبق في رواية عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي عتيق عن القاسم عن عائشة-.
    ج- رواية ضرار بن عمرو عن أبيه عن أنس:
    فيها كنانة بن جبلة، اتهمه ابن معين بالكذب[25]، وضرار بن عمرو منكر الحديث[26].
    د- رواية أبان عن أنس:
    فيها عمرو بن جميع، متروك الحديث منكرُهُ، كذبه بعض الأئمة[27].


    والله أعلم.



    ـــــــــــــــ ـــــــــــ
    [1] وكذلك سماه المزي -في تهذيب الكمال (7/43)-، وربما كان هو عباد بن محمد بن عباد؛ إذ له روايات عن يزيد بن أبي حكيم عن الثوري أيضًا، انظر: تاريخ أصبهان (2/325)، التمهيد (9/135، 168).
    [2] تاريخ الإسلام (وفيات 281-290، ص196)، أفاده الشيخ نايف بن صلاح المنصوري في مراسلة خاصة، وقد سقطت ترجمة هذا الراوي من كتابه (إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني)، فتستدرك.
    [3] انظر: المعجم الأوسط (4881)، المعجم الكبير (23/264)، سنن البيهقي الكبرى (5/284)، سنن البيهقي الصغرى (3633).
    [4] العلل (14/421).
    [5] وقد أخرجها أبو نعيم في السواك -كما في الإمام (1/335)- من طريق سليمان بن بلال، ولم ينقل ابن دقيق العيد إسناد أبي نعيم إلى سليمان.
    [6] السنن (1/34).
    [7] معرفة السنن والآثار (1/259).
    [8] العلل (14/422).
    [9] انظر: المسند الجامع (5774).
    [10] العلل (14/421).
    [11] ابن أبي عتيق هنا منصرفة إلى عبدالله، وأما محمد فهو أبو عتيق -كما نبه عليه غير واحد-.
    [12] شعب الإيمان (4/282).
    [13] ومتابعته الآتية لا اعتبار لها.
    [14] وقع في التاريخ الكبير: (حمران بن عبدالله الدارمي، قال: نا يعقوب...)، ونقل ابن أبي حاتم -في بيان خطأ البخاري (ص141)- أن في التاريخ: (محمد بن عمران عن يعقوب...)، وصوَّب أبو زرعة وأبو حاتم أنه: حباب بن عبدالله الدارمي، وعلى الصواب جاءت رواية الطبراني.
    [15] (3/302).
    [16] المؤتلف والمختلف، للدارقطني (1/478، 479)، الإكمال، لابن ماكولا (2/141).
    [17] الموضع المخرَّج منه من التاريخ الكبير، الجرح والتعديل (9/201).
    [18] (7/643).
    [19] كما سبق في الحديث (32) -مرسل عبيد بن رحي-.
    [20] تهذيب الكمال (21/180).
    [21] لسان الميزان (1/370).
    [22] بيان الوهم والإيهام (3/557).
    [23] التلخيص الحبير (1/60).
    [24] كذا، ورجح المحقق أن صوابه: محمد بن جحادة.
    [25] لسان الميزان (4/490).
    [26] انظر: المجروحين (1/380)، لسان الميزان (3/202).
    [27] انظر: لسان الميزان (4/358).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    (1/150، 151) ("لغير صائم بعد الزوال" فيكره، فرضًا كان الصوم أو نفلاً...؛ لحديث: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي»، أخرجه البيهقي عن علي -رضي الله عنه-).



    جاء من حديث علي وخباب ومن قول أبي هريرة:
    1- تخريج حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن معين في تاريخه برواية الدوري (2037) -ومن طريقه الدولابي في الكنى (2/41) والبيهقي (4/274)- عن علي بن ثابت، والبزار (2137) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، والطبراني في الكبير (4/78) من طريق محمد بن الخليل المخرمي، والدارقطني (2/204) -ومن طريقه البيهقي في السنن (4/274) ومعرفة السنن (6/333)- من طريق محمد بن أحمد بن السكن، ثلاثتهم عن عبدالصمد بن النعمان، كلاهما -علي بن ثابت وعبدالصمد بن النعمان- عن كيسان أبي عمر، عن يزيد بن بلال، عن علي، قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كان نورًا بين عينيه يوم القيامة)، لفظ عبدالصمد بن النعمان، وقال علي بن ثابت: (لا يستاك الصائم بالعشي، ولكن بالليل، فإن يبوس شفتي الصائم نور بين عينيه يوم القيامة). وهو في الروايات موقوف على علي، إلا في رواية البزار، فإنه مرفوع.

    دراسة الإسناد:
    الصحيح في الحديث وقفه؛ لأنه رواية الأكثر، وأما الرفع فخطأ.

    وقد قال الدارقطني عقب الحديث: (كيسان أبو عمر ليس بالقوي، ومَنْ بينه وبين عليٍّ غير معروف)، وهو يقصد يزيد بن بلال، ويزيد هذا قد وثقه العجلي[1]، وقال فيه البخاري: (فيه نظر)، وقال ابن حبان: (منكر الحديث، يروي عن علي ما لا يشبه حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد)[2]، وقال الأزدي: (منكر الحديث، لا يشتغل بحديثه)[3].

    وكيسان ضعفه أحمد وابن معين والساجي والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات.
    فأثر عليٍّ -رضي الله عنه- منكر.

    2- تخريج حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-:
    أخرجه البزار (2138)، والخطيب في تاريخ بغداد (5/88) -ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (2/89)-، من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، والطبراني في الكبير (4/78) من طريق محمد بن الخليل المخرمي، والدارقطني (2/204) -ومن طريقه البيهقي في السنن (4/274) ومعرفة السنن (6/333)- من طريق محمد بن أحمد بن السكن، ثلاثتهم عن عبدالصمد بن النعمان، عن كيسان أبي عمر، عن عمرو بن عبدالرحمن، عن خباب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كان نورًا بين عينيه يوم القيامة). إلا أن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال عن عبدالصمد بن النعمان: عن كيسان، عن يزيد بن بلال، عن خباب.

    دراسة الإسناد:
    قال البزار: (ولا نعلم يروى هذا الكلام عن خباب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد)، وكيسان راويه هو راوي أثر علي السابق، وقد تفرد به وبهذا الحديث، ولا يحتمل من مثله روايتهما.

    فحديث خباب منكر أيضًا، بل قال الذهبي: (ما أراه إلا باطلاً)[4].

    3- تخريج أثر أبي هريرة -رضي الله عنه-:
    أخرجه الدارقطني (2/203) -ومن طريقه البيهقي (4/274)- من طريق عمر بن قيس، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت العصر فألقه، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

    دراسة الإسناد:
    فيه عمر بن قيس سندل، متروك الحديث منكَرُهُ، وكان يروي عن عطاء خاصةً البواطيل، والحديث روي من طرق عن أبي هريرة، ليس في أحدها قوله هذا.

    قال ابن عبدالهادي: (هذا إسنادٌ غير قوي)[5]، وقال ابن الملقن: (وقد روي عن أبي هريرة خلاف هذا؛ قال ابن أبي شيبة في المصنف: ثنا وكيع، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي هريرة؛ سئل عن السواك للصائم، فقال: «أدميت فمي اليوم مرتين»، وهذا سندٌ حسن، إلا أنه مرسل. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة)[6].


    40-(1/155، 156) ("ويَدَّهِنُ" استحبابًا "غِبًّا": يومًا يدَّهن، ويومًا لا يدَّهن؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الترجل إلا غبًّا، رواه النسائي والترمذي وصححه).



    1- تخريج حديث عبدالله بن المغفل -رضي الله عنه-:
    أخرجه محمد بن عبدالله الأنصاري في حديثه (54) -ومن طريقه الطبراني في الأوسط (2436) وأبو نعيم في الحلية (6/276) ومعرفة الصحابة (4517) والبيهقي في شعب الإيمان (6048) والآداب (697) وابن عبدالبر في التمهيد (22/138) والديلمي في الفردوس (2/ق50-زهر الفردوس) والذهبي في سير أعلام النبلاء (6/362، 363)-، وأحمد (4/86)، وأبو داود (4161) -ومن طريقه ابن عبدالبر في التمهيد (5/53)-، والحربي في غريب الحديث (2/415، 609)، كلاهما عن مسدد، والترمذي في السنن (1756) والشمائل (35) -ومن طريقه فيها البغوي في شرح السنة (12/83)-، والروياني (870)، كلاهما عن محمد بن بشار بندار، وابن حبان (5484) من طريق سهل بن صالح، وابن عبدالبر في التمهيد (24/11) والاستذكار (27/78) من طريق علي بن المديني، خمستهم -أحمد ومسدد وبندار وسهل بن صالح وابن المديني- عن يحيى بن سعيد القطان، والترمذي (1756)، والنسائي في الصغرى (8/132)[7] والكبرى (9264)، كلاهما عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، والروياني (870) عن بندار، عن ابن أبي عدي، وعلقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (4/1781) عن زائدة، خمستهم -الأنصاري والقطان وعيسى بن يونس وابن أبي عدي وزائدة- عن هشام بن حسان، والطبراني في الأوسط (7557) من طريق حبان بن هلال، وابن عدي في الكامل (1/257) من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي، كلاهما عن مجاعة بن الزبير، كلاهما -هشام بن حسان ومجاعة- عن الحسن، عن عبدالله بن مغفل، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الترجل إلا غبًّا، لفظ أحمد، وقال الديلمي من طريق الأنصاري: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الترجل غبًّا فصاعدًا»، وقال مجاعة -في رواية الطبراني- عن الحسن: «لا يترجل الرجل إلا غبًّا: أربعًا أو خمسًا».

    وأخرجه ابن أبي شيبة (25559) من طريق سعيد بن أبي عروبة، والنسائي في الصغرى (8/132) والكبرى (9265) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن قتادة، وابن أبي شيبة (25557) من طريق أبي خزيمة، كلاهما -قتادة وأبو خزيمة- عن الحسنقال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الترجل إلا غبًّا؛ لفظ ابن أبي شيبة في الموضعين، مرسلاً.

    وأخرجه ابن سعد في الطبقات (4/157) عن عفان، عن جويرية بن أسماء، عن عبدالرحمن السراج، والنسائي في الصغرى (8/132) والكبرى (9266) من طريق يونس بن عبيد، كلاهما عن الحسن -زاد يونس: ومحمد- قالا: الترجل غبٌّ، لفظ يونس، وقال السراج: كان الحسن يكره الترجل كل يوم، جعلاه من قول الحسن ورأيه.

    دراسة الأسانيد:
    اختُلف في هذا الحديث عن الحسن:
    فرواه هشام بن حسان عنه، عن عبدالله بن مغفل، مرفوعًا. وقد تُكُلِّم في رواية هشام بن حسان عن الحسن البصري، ونفى غير واحد من أصحاب الحسن أنهم رأوه عنده، وروي عن جرير بن حازم قال: (قاعدت الحسن سبع سنين، ما رأيت هشامًا عنده قط)، قيل له: يا أبا النضر، قد حدَّثَنا عن الحسن بأشياء ورويناها عنه، فعمّن تراه أخذها؟ قال: (أراه أخذها عن حوشب[8])، وقال ابن المديني: (كان الناس يرون أنه أخذ حديث الحسن عن حوشب)، وقال: (وحديثه عن الحسن عامتها تدور على حوشب)، وقال أبو داود: (إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب)، إلا أن هشامًا قد صرح بسماعه من الحسن في رواية أحمد، وبالتحديث في رواية الروياني عن بندار، وابن عبدالبر من طريق علي بن المديني، ثلاثتهم عن يحيى القطان، عن هشام، ويشكل على هذا التصريح ما صحَّ عن سفيان بن حبيب، قال: (ربما سمعت هشام بن حسان يقول: "سمعت عطاء..."، وأجيء بعد ذلك، فيقول: "حدثني الثوري وقيس عن عطاء..."؛ هو ذاك نفسه، فقلت له: اثبُتْ على أحدهما! فصاح بي).

    وللأئمة كلمات في تضعيف رواية هشام عن الحسن مطلقًا؛ دون نسبة ذلك إلى أخذه عن حوشب عنه، قال ابن علية: (كنا لا نعد هشام بن حسان في الحسن شيئًا)، وقال معاذ بن معاذ: (كان شعبة يتقي حديث هشام بن حسان عن عطاء ومحمد والحسن)، وقال يحيى القطان: (هو عندي في الحسن دون محمد بن عمرو)[9]، وقد جعله علي بن المديني في الطبقة الخامسة أو السادسة من أصحاب الحسن، قال: (... وأبو حرة وهشام بن حسان في الحسن طبقة)[10]، وأبو حرة هذا هو واصل بن عبدالرحمن، وثق وضعف، وقال البخاري: (يتكلمون في روايته عن الحسن)، وذكر غير واحد أن ذلك لأنه لم يسمع من الحسن إلا حديثًا أو أحاديث معدودة.

    وكل هذا يفيد ضعفًا في رواية هشام بن حسان عن الحسن، وقد خالف في ذلك ابنُ عيينة، فقال -فيما رواه عنه نعيم بن حماد-: (كان هشام أعلم الناس بحديث الحسن)، وقول أئمة النقد مقدَّم على هذا، خاصة مع الضعف الذي في نعيم بن حماد.

    وقد توبع هشامٌ عليه، حيث جاءت رواية عن مجاعة بن الزبير عن الحسن، ورواها عن مجاعة اثنان:
    أحدهما: إبراهيم بن زكريا، وهو ضعيف صاحب مناكير وأغاليط[11]،
    والآخر: حبان بن هلال، ثقة ثبت، قال الطبراني: (لم يروِ هذا الحديث عن مجاعة إلا حبان بن هلال)، ولعله فاتته رواية إبراهيم بن زكريا السابقة، أو لم يعتبر بها؛ لضعف إبراهيم، والإسناد إلى حبان ظاهره الحسن، وإن كان انفراد الطبراني به في هذا الكتاب، وتفرُّد شيخه محمد بن عاصم الأصبهاني به -وقد ذُكر بالفقه، ولم يذكر بمزيد تثبت وحفظ[12]-= قد يحدث شكًّا في صحة هذه الرواية.

    ومجاعة كان شعبة يُسأل عنه، وكان لا يجترئ عليه؛ لأنه كان من العرب، وكان يقول: (هو خير الصوم والصلاة)، قال ابن أبي حاتم -تعليقًا على هذا-: (كان يحيد عن الجواب فيه، ودلَّ حيدانه عن الجواب على توهينه)[13]، وقال فيه عبدالصمد: (كان نحو الحسن بن دينار)[14]، والحسن بن دينار متروك، وقال أحمد: (لم يكن به بأس في نفسه)[15]، وضعفه الدارقطني، وقال ابن خداش: (ليس مما يعتبر به)[16].

    وخالف الاثنين (هشامًا ومجاعةَ) عن الحسن: قتادة، رواه عن الحسن، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً، وقد قال أبو زرعة: (قتادة من أعلم أصحاب الحسن)، وقال أبو حاتم: (أكبر أصحاب الحسن قتادة)، وحفظ قتادة وثقته أشهر من أن ينوَّه بهما، وتابعه أبو خزيمة صالح -أو: نصر- بن مرداس العبدي، وهذا قال فيه أبو حاتم: (ليس به بأس)[17]، وذكره ابن حبان في الثقات.
    ورواه يونس بن عبيد عن الحسن قوله، ويونس قدَّمه أبو زرعة على قتادة وهشام بن حسان معًا في الحسن، قال: (يونس بن عبيد أحب إليَّ في الحسن من قتادة؛ لأن يونس من أصحاب الحسن، وقتادة ليس من أقران يونس، ويونس أحب إليَّ من هشام بن حسان)، وقدَّمه أبو حاتم على هشام بن حسان في الحسن.

    وتابع يونسَ: عبدالرحمن السراج، رواه عن الحسن من رأيه، وعبدالرحمن ثقة.

    وظاهرٌ أن قتادة ويونس بن عبيد يتنازعان التقديم في الحسن، وتوبعا متابعتين جيدتين، بينما هشام بن حسان متأخر عنهما في الدرجة، وتوبع متابعة ضعيفة.

    ولذا فروايتهما مُعِلَّة لرواية هشام، وما رواه هشام خطأٌ منه، وهذا ما يشير إليه النسائي؛ حيث أخرج رواية هشام، ثم أعقبها برواية قتادة ويونس، وصرَّح به الذهبي، قال: (وله علة؛ فقد رواه حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن مرسلاً، ورواه بشر بن المفضل عن يونس عن الحسن وابن سيرين قولهما، وهذا أقوى)[18].

    والظاهر أن لا اختلاف يوجب الترجيح بين وجهَيْ قتادة ويونس، فأما ما رواه قتادة؛ فهو ما عند الحسن من روايةٍ في الباب، وأما رواه يونس؛ فرأيه، والله أعلم.

    تنبيه: لفظ الديلمي من طريق الأنصاري منكر، فقد تتابع الأئمة على روايته من طريق الأنصاري بلفظ: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الترجل إلا غبًّا، ومثل ذلك زيادة مجاعة: أربعًا أو خمسًا، فإنها لم تأتِ إلا من طريقه، وسبق ضعفه.

    2- تخريج حديث رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، ورضي عنه-:
    أخرجه النسائي في الصغرى (8/132) والكبرى (9267) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، وابن عبدالبر في التمهيد (24/11) والاستذكار (27/78، 79) من طريق سعيد بن سليمان، عن عبدالله بن المبارك، كلاهما عن كهمس بن الحسن، عن عبدالله -قال خالد بن الحارث: بن شقيق، وقال ابن المبارك: بن بريدة-، قال: كان رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم عاملاً بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، فإذا هو شعث الرأس مشعان، قال: ما لي أراك مشعانًا وأنت أمير؟ قال: كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن الإرفاه، قلنا: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم. لفظ خالد بن الحارث، وقال ابن المبارك: عن ابن بريدة، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن الإرفاه. قلنا لابن بريدة: وما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم.

    وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (4/60) -ومن طريقه الحارث في مسنده (569-بغية الباحث)، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (3/292)-، والنسائي في الصغرى (8/185) والكبرى (9268) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وعلقه البيهقي في الشعب (8/431) عن زهير بن حرب، ثلاثتهم -أبو عبيد والدورقي وزهير- عن إسماعيل بن علية، وأحمد (6/22)، وأبو داود (4162) -ومن طريقه البيهقي في الشعب (6049)- عن الحسن بن علي، كلاهما -أحمد والحسن- عن يزيد بن هارون، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2929)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (7238) من طريق الحسن بن سفيان، كلاهما عن إبراهيم بن الحجاج، والبيهقي في الشعب (6050) والآداب (698) من طريق سليمان بن حرب، كلاهما عن حماد بن سلمة، ثلاثتهم -ابن علية ويزيد وحماد- عن الجريري، عن عبدالله بن بريدة، أن رجلاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عن كثير من الإرفاه، سئل ابن بريدة عن الإرفاه قال: منه الترجل. لفظ يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية، ونحوه لحماد بن سلمة، وزاد يعقوب عن ابن علية: يقال له: عبيد، يعني: الصحابي، وزاد حماد بن سلمة أن الرجل كان يمشي حافيًا ولا يدَّهن، فقيل له في ذلك: أنت أمير الناس تمشي حافيًا ولا تدَّهن؟! فذكره، وزاد تفسير الإرفاه بالترجل كل يوم -أدرجه في الرواية-، وقال: وكان يأمرنا أن نحتفي أحيانًا، إلا أن أبا عبيد أرسله عن ابن علية، فجعله عن عبدالله بن بريدة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً، وزاد تفسير الإرفاه عن الجريري بأنه كثرة التدهُّن، ولم يذكر زهير بن حرب عن ابن علية إلا الاحتفاء، قال: ... عن عبدالله بن بريدة أن رجلاً سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا، وقد سمعه معه رجل يقال له: عبيد، فأتاه فقال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأمرنا بالاحتفاء.

    وقال يزيد بن هارون: ... عن عبدالله بن بريدة أن رجلاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد ناقة له، فقال: إني لم آتك زائرًا، إنما أتيتك لحديثٍ بلغني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجوت أن يكون عندك منه علم، فرآه شعثًا، فقال: ما لي أراك شعثًا وأنت أمير البلد؟ قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، ورآه حافيًا، فقال: ما لي أراك حافيًا؟ قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرنا أن نحتفي أحيانًا. لفظ أحمد عن يزيد، جعله من مسند فضالة بن عبيد.

    دراسة الأسانيد:
    جاء هذا الحديث عن كهمس والجريري، واختُلف عنهما:
    أ- الخلاف على كهمس:
    اختُلف عنه على وجهين:
    فرواه خالد بن الحارث عنه، عن عبدالله بن شقيق، عن رجل من الصحابة.
    ورواه عبدالله بن المبارك عنه، عن عبدالله بن بريدة، عن رجل من الصحابة.

    وخالد وابن المبارك ثقتان ثبتان حافظان، وكهمس الذي اختلفا عليه ثقة له أوهام، والظاهر أنه وهم لما حدَّث به خالدَ بن الحارث، فذكر عبدالله بن شقيق، وأصاب لما حدث به ابنَ المبارك، بدليل متابعة الجريري له:
    ب- الخلاف على الجريري:
    اختُلف عنه:
    فرواه عنه ابن علية، واختُلف عنه:
    فرواه يعقوب الدورقي وزهير بن حرب عنه، عن الجريري، عن ابن بريدة، عن رجل من الصحابة.
    ورواه أبو عبيد عن ابن علية، عن الجريري، عن ابن بريدة، مرسلاً.

    ويعقوب الدورقي ثقة حافظ، وتابعه أبو خيثمة زهير بن حرب -إن صح عنه؛ إذ لم أجد روايته موصولة-، وأبو خيثمة ثقة ثبت حافظ، والظاهر أن أبا عبيد قصَّر به؛ لحال كتابه في غريب الحديث، فإنه ليس من مقاصده المهمة ذكر الأسانيد، وإنما يهتم بذكر المتون ذات الألفاظ الغريبة، ثم يفسرها. ولذا فرواية الوصل صحيحة.

    وقد سمَّى ابنُ علية عن الجريري الصحابيَّ: عبيدًا.

    وتابع ابنَ علية على رواية الوصل: حمادُ بن سلمة، ولم يسمِّ الصحابي.
    ورواه يزيد بن هارون، عن الجريري، عن ابن بريدة، فجعله عن فضالة بن عبيد.

    والجريري هو سعيد بن إياس، ثقة، وقد اختلط قبل موته، قال العجلي: (روى عنه في الاختلاط: يزيدُ بن هارون وابن المبارك وابن أبي عدي، وكلُّ ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، إنما الصحيح عنه: حماد بن سلمة والثوري وشعبة وابن علية...)، وقال أبو داود: (أرواهم عن الجريري: إسماعيل بن علية)، وقد جاء عن يزيد بن هارون ما يفيد أنه سمع من الجريري وقد قيل له: إنه اختلط.

    وهذا يبيِّن أن الصواب ما اجتمع عليه إسماعيل بن علية وحماد بن سلمة، وأن في رواية يزيد بن هارون وهمًا من حيث جعله الحديثَ من مسند فضالة بن عبيد، ويؤيد هذا أن كهمسًا تابع الجريريَّ على هذا الوجه -كما سبق-.

    وتسمية الصحابي: عبيدًا زاده إسماعيل بن علية، وهو ثقة حافظ أرواهم عن الجريري، فتقبل زيادته لذلك. وقد خطَّأ المزي هذه التسمية، قال: (وهو وهم، والصواب: فضالة بن عبيد)[19]، واعتمد المزي في ذلك على رواية يزيد بن هارون؛ وقد سبق أن يزيد روى عن الجريري بعد الاختلاط، وأن تسمية فضالة بن عبيد إنما هي من اختلاط الجريري، والصواب في اسمه ما رواه ابن علية: عبيد.

    وإسناد الحديث حسن إن كان ابن بريدة سمع الحديث من الصحابي الذي ذكره عنه، إذ لم أجده صرح بسماعه منه.

    يتلوه -بعون الله- تخريج بقية أحاديث الباب.

    ـــــــــــــــ ــــــــــــ
    [1] معرفة الثقات (2/360).
    [2] المجروحين (3/105).
    [3] تنقيح التحقيق (3/242).
    [4] تنقيح التحقيق (1/379).
    [5] تنقيح التحقيق (3/242).
    [6] البدر المنير (2/37).
    [7] وقع فيها اسم شيخ النسائي: علي بن حجر، وكذلك وقع في نسخة أبي القاسم ابن عساكر، والتصويب من تحفة الأشراف (7/174)، ويدل عليه رواية السنن الكبرى.
    [8] هو حوشب بن مسلم الثقفي، قال أبو داود: (من كبار أصحاب الحسن)، ولعل المراد: من قدمائهم، لا أنه مُقدَّم فيه تثبتًا وحفظًا، وقال الأزدي: (ليس بذاك)، وذكره ابن حبان في الثقات.
    [9] بعقب كلمة القطان هذه -في الجرح والتعديل (9/55)-: (يعني: الواقفي الأنصاري)، وهذا التفسير من ابن المديني أو ابن أبي حاتم، ومحمد بن عمرو الواقفي هذا كان يحيى بن سعيد يضعفه جدًّا.
    [10] المعرفة والتاريخ، ليعقوب الفسوي (2/53).
    [11] انظر: الجرح والتعديل (2/101)، ضعفاء العقيلي (1/54)، الكامل (1/256)، لسان الميزان (1/58).
    [12] انظر: إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص563، 564).
    [13] مقدمة الجرح والتعديل (ص154).
    [14] الكامل، لابن عدي (6/425).
    [15] الجرح والتعديل (8/420)، والظاهر من عبارة أحمد أن قصده: الصلاح والتقوى، لا الضبط والحفظ.
    [16] انظر: لسان الميزان (5/16).
    [17] الجرح والتعديل (4/414)، وكرره ابن أبي حاتم (8/471) باسم: نصر بن مرداس، ونقل فيه قول أبيه: (لا بأس به).
    [18] سير أعلام النبلاء (6/363).
    [19] تحفة الأشراف (7/226)، تهذيب الكمال (19/254، 255)، قال مغلطاي -في إكمال تهذيب الكمال (9/108)-: (وأما قول المزي:...؛ فهو كله كلام ابن عساكر، لا مدخل للمزي في شيء منه، أغار عليه، وترك من كلامه شيئًا بيَّن وجه الصواب فيه).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    توطئة:
    مرَّ تخريج حديثين من أحاديث النهي عن الترجل إلا غبًّا، وتبدأ هذه الحلقة بإتمام تخريج أحاديث الباب.
    3- تخريج حديث رجل آخر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، ورضي عنه-:
    سبق تخريجه ودراسته في الحديث (15)، حيث جاء في أكثر طرقه: نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يمتشط أحدنا كل يوم...، وقد اقتصر بعض الرواة على الامتشاط، ورواه بعضهم بالمعنى، وهذا تخريج رواياتهم:
    أخرجه الترمذي في الشمائل (36) -ومن طريقه البغوي في الأنوار في شمائل النبي المختار (1082)- عن الحسن بن عرفة، عن عبدالسلام بن حرب، عن يزيد أبي خالد[1]، والنسائي في الصغرى (8/131) والكبرى (9263) عن قتيبة، عن أبي عوانة، والحاكم (1/168) من طريق أبي الموجه، عن أحمد بن يونس، عن زهير، ثلاثتهم -يزيد وأبو عوانة وزهير- عن داود بن عبدالله الأودي أبي العلاء، عن حميد بن عبدالرحمن، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، به. وقال يزيد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يترجل غبًّا. إلا أن أبا الموجه في روايته عن أحمد بن يونس قال: ... عن حميد بن عبدالرحمن الحميري، أظنه عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

    دراسة الأسانيد:
    سبق بيان صحة هذا الحديث واتصاله، وأما الشكُّ في رواية أبي الموجه عن أحمد بن يونس عن زهير؛ فمطروح بما سبق تخريجه من رواية أبي داود عن أحمد بن يونس، ورواية حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي وأبي غسان؛ ثلاثتهم عن زهير بن معاوية، ليس في رواياتهم ذلك الشك، وإنما فيها قول حميد: لقيت رجلاً صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- كما صحبه أبو هريرة.

    وأما رواية يزيد أبي خالد الدالاني، فقد رواه بالمعنى فأخطأ، وقد كان صدوقًا كثير الخطأ.

    4- تخريج حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-:
    أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/137) من طريق محمد بن موسى الحريري، عن جويرية بن أسماء، وابن عدي في الكامل (2/94) من طريق داود بن معاذ، عن ثابت بن زهير، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الترجل إلا غبًّا. لفظ جويرية، وقال ثابت بن زهير: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يترجل غبًّا: يومًا، ويومٌ لا.

    دراسة الإسنادين:
    أما رواية جويرية، ففيها محمد بن موسى، قال فيه أبو حاتم: (شيخ)[2]، وذكره العقيلي في الضعفاء، وذكر له هذا الحديث، وقال: (لا يتابع عليه).

    وروايته هذه معلولةٌ بما سبق تخريجه عن ابن سعد في طبقاته (4/157) قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا جويرية بن أسماء، قال: حدَّث عبدُالرحمن السراج عند نافع؛ قال: كان الحسن يكره الترجل كل يوم، قال: فغضب نافع، وقال: كان ابن عمر يدَّهن في اليوم مرتين. وأخرجه ابن أبي شيبة (25558) قال: حدثنا وكيع، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، أن ابن عمر كان ربما ادَّهن في اليوم مرتين، وعفان ووكيع ثقتان حافظان، وقد روياه عن جويرية فجعلاه عن ابن عمر موقوفًا بالترجل في اليوم مرتين، وهذه الرواية هي الصواب، ومحمد بن موسى أخطأ برفعه الإسناد، وبقلبه معنى المتن.

    وأما رواية ثابت بن زهير؛ فثابت ضعيف منكر الحديث، وتركه ابن المديني في المتروكين من أصحاب نافع، وجعله دون جابر الجعفي[3].

    فالحديث عن ابن عمر منكر.

    وقد عقب العقيلي رواية جويرية بقوله: (وقد رُوي هذا من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا)، والظاهر أنه يقصد ما سبق من حديث الرجلين من الصحابة.

    5- تخريج أثر أبي هريرة -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن أبي شيبة (25560) عن يونس بن محمد، عن أبي هلال الراسبي، عن شيبة بن هشام، عن مغيرة بن الحارث، عن أبي هريرة قال: الترجل غبًّا.

    دراسة الإسناد:
    فيه أبو هلال الراسبي، فيه لين، وشيبة بن هشام ترجمه البخاري[4] وابن أبي حاتم[5]، وذكره ابن حبان في الثقات [6]. فالإسناد على ذلك صالح.

    41-(1/156) ("ويكتحل" في كل عين "وترًا": ثلاثًا، بالإثمد المطيب، كل ليلة قبل أن ينام؛ لفعله -عليه السلام-، رواه أحمد وغيره عن ابن عباس).
    في الاكتحال أحاديث كثيرة، والمخرَّج هنا: ما دلَّ على ما ذكره المصنف؛ من الكحل ثلاثًا قبل أن ينام.




    1- تخريج حديث ابن عباس -رضي الله عنه-:
    أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص349) -ومن طريقه الترمذي في السنن (1757) والعلل الكبير (528) والشمائل (50) والبيهقي في السنن (4/261) والشعب (6008) والآداب (766) والبغوي في شرح السنة (12/116) والأنوار في شمائل النبي المختار (1091)-، وابن سعد في الطبقات (1/484)، وابن أبي شيبة (25636، 23490) -وعنه ابن ماجه (3499)-، وأحمد (1/354)، وعبد بن حميد (573)، والترمذي في السنن (1757) والشمائل (51) عن علي بن حجر، وفي السنن (1757، 2048) عن محمد بن يحيى، وأبو يعلى (2694) -وعنه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه (522)- عن موسى بن محمد بن حيان، والطبري في تهذيب الآثار (18-مسند ابن عباس) عن سفيان بن وكيع، والعقيلي في الضعفاء (3/136) من طريق الحسن بن علي[7]، وابن الأعرابي في معجمه (1580) عن خلف بن محمد، وابن حبان في المجروحين (2/166) من طريق محمد بن يزيد، كلهم -أحد عشر راويًا- عن يزيد بن هارون، وأحمد (1/354) عن أسود بن عامر، والترمذي في الشمائل (51) -ومن طريقه البغوي في في شرح السنة (12/117) والأنوار (1092)-، والطبري في تهذيب الآثار (19-مسند ابن عباس)، كلاهما عن عبدالله بن الصباح، والطبري في تهذيب الآثار (19-مسند ابن عباس) عن أبي كريب، كلاهما -عبدالله بن الصباح وأبو كريب- عن عبيدالله بن موسى، والطبري في تهذيب الآثار (19-مسند ابن عباس) عن سليمان بن عبدالجبار، وابن سمعون في أماليه (312) من طريق عباس بن محمد، كلاهما -سليمان وعباس- عن الحسن بن عطية، والطبراني في الكبير (11/325)، والحاكم (4/408)، كلاهما من طريق أحمد بن يونس، أربعتهم -أسود وعبيدالله والحسن بن عطية وأحمد بن يونس- عن إسرائيل بن يونس، والبزار في مسنده (3032-كشف الأستار) من طريق عمرو بن محمد بن أبي رزين، وابن عدي في الكامل (2/31) من طريق بكر بن بكار، وأبو الشيخ في أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وآدابه (523) من طريق أبي عبيدة الحداد، ستتهم -الطيالسي ويزيد بن هارون وإسرائيل وابن أبي رزين وبكر بن بكار وأبو عبيدة- عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عليكم بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر وينبت الشعر»، وزعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثًا في هذه، وثلاثًا في هذه. لفظ أبي داود، وقال إسرائيل: ... أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، ثلاثًا في كل عين. وقال يزيد بن هارون -ونحوه لابن أبي رزين وبكر بن بكار وأبي عبيدة الحداد-: كانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا في كل عين. وزاد محمد بن يحيى عن يزيد بن هارون ألفاظًا في التداوي.

    دراسة الأسانيد:
    قال الطبري: (وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيمًا غير صحيح؛ لعلل:
    إحداها: أنه خبر لا يُعرف له مخرج يصح من حديث عكرمة عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا من هذا الوجه، والخبر إذا انفرد به عندهم منفرد وجب التثبت فيه.
    والثانية: أنه من رواية عكرمة عن ابن عباس، وقد بينا قولهم في عكرمة فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا.
    والثالثة: أنه من رواية عباد بن منصور عن عكرمة، وفي نقل عباد عندهم معانٍ يجب التثبت فيه من أجلها)[8].

    والمؤثر مما ذكر الطبري: الأولى والثالثة، فحديث عكرمة محفوظٌ معروف، رواه الثقات الكبار من أصحابه، ولا يصح أن ينفرد بهذا الحديث عنه عباد بن منصور، وفيه من الكلام ما فيه -كما سيأتي-، قال الترمذي: (حديث ابن عباس حديثٌ حسن غريب، لا نعرفه على هذا اللفظ إلا من حديث عباد بن منصور)، وعباد بن منصور توافرت كلمات الأئمة في تضعيفه، وذكروا أنه يدلس، وخصُّوا بذلك روايته عن عكرمة:
    فأما تضعيف روايته عن عكرمة؛ فقال أبو حاتم: (في روايته عن عكرمة وأيوب ضعف)[9]، وأما تدليسه عنه؛ فقال البخاري: (عباد عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود عن عكرمة، وربما دلسها فجعلها عن عكرمة)[10]، وقال أبو حاتم: (ونرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس)، وقال البزار: (روى عن عكرمة أحاديث ولم يسمع منه)، وقال ابن حبان: (وكل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين، فدلسها عن عكرمة).

    وقد بيَّن ذلك هو بنفسه في حديثنا هذا خاصةً وحديثٍ آخر، قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: قلت لعباد بن منصور الناجي: عمَّن سمعت «ما مررت بملأ من الملائكة...»، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكتحل بالليل ثلاثًا؟ فقال: (حدثني ابن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس)[11].

    وابن أبي يحيى الذي أخذ عبادٌ الحديثَ عنه هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك مشهور الترك، متهم بالكذب وبألوان من البدع، وداود بن الحصين في روايته عن عكرمة خاصة نكارة، قال ابن المديني: (ما روى عن عكرمة؛ فمنكر الحديث)، وقال أبو داود: (أحاديثه عن عكرمة مناكير...).

    إلا أنه جاء التصريح من عباد بالتحديث عن عكرمة في هذا الحديث، وذلك في رواية العقيلي من طريق الحسن بن علي عن يزيد بن هارون، ورواية ابن عدي من طريق بكر بن بكار، كلاهما عن عباد، فأما رواية الحسن بن علي -وهو الحلواني-؛ فإن صحت عنه، فقد رواه أئمة كبار -كما سبق- عن يزيد بن هارون لم يذكروا هذا التصريح، وأما بكر بن بكار؛ فإنه ضعيف[12]، وهذا التصريح تنقضه حكاية عباد بن منصور السابقة، ولا يثبت.

    وبهذا تتبين شدة نكارة هذا الحديث وضعفه.

    هذا، وقد نقل الترمذي عن البخاري قوله: (هو حديث محفوظ، وعباد بن منصور صدوق)[13]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعباد لم يتكلم فيه بحجة).

    والراجح نكارة الحديث؛ للدلائل المذكورة آنفًا.

    2- تخريج حديث عائشة -رضي الله عنها-:
    أخرجه ابن عدي في الكامل (3/433، 434) -ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (1723)- وابن مردويه في أماليه (13) -ومن طريقه الرافعي في التدوين في أخبار قزوين (1/277)- من طريق سيف بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وأبو الشيخ في أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وآدابه (521) من طريق أبي أسامة، عن محمد بن عبيدالله، عن أم كلثوم، كلاهما -عروة وأم كلثوم- عن عائشة قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكتحل كل ليلة. لفظ عروة، وزاد فيه ألفاظًا في الاحتجام والتداوي، وقالت أم كلثوم: كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إثمد يكتحل به عند منامه في كل عين ثلاثًا.

    دراسة الأسانيد:
    جاء من طريقين عن عائشة:
    أ- طريق هشام بن عروة عن أبيه:
    ورواه عن هشام: سيف بن محمد، وهو كذاب وضاع.

    ب- طريق أم كلثوم عن عائشة:
    ورواه عن أم كلثوم: محمد بن عبيدالله، وهو العرزمي، متروك الحديث، وقد روي عنه من حديث أنس، ويأتي -إن شاء الله-.

    فهذان الطريقان شديدَي الوهاء، ولا يثبت الحديث عن عائشة.

    3- تخريج حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-:
    أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وآدابه (525) -ومن طريقه البغوي في الأنوار في شمائل النبي المختار (1094)- من طريق محمد بن القاسم الأسدي، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (7) وأبو نعيم في حلية الأولياء (8/252) من طريق يوسف بن أسباط، كلاهما -محمد بن القاسم ويوسف بن أسباط- عن محمد بن عبيدالله العرزمي، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (7) من طريق يوسف بن أسباط، عن الثوري، كلاهام -العرزمي والثوري- عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثًا ثلاثًا. لفظ يوسف بن أسباط، وزاد فيه في كراهية الكي والطعام الحار، وقال محمد بن القاسم: كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كحل أسود، إذا أوى إلى فراشه كحل في هذا العين ثلاثًا، وفي هذا العين ثلاثًا.

    دراسة الأسانيد:
    أما العرزمي، فقد سبق بيان حاله في حديث عائشة، وأما متابعة الثوري له؛ فمنكرة، إذ لم أعرف بعض رواتها عند أبي سعيد النقاش، ويوسف بن أسباط له غلط في الحديث كثير، ويشتبه عليه فيه، ولا يقبل أن يتفرد عن الثوري بهذا، خاصة أنه قرن الثوري بالعرزمي، فلعله دخل عليه حديث هذا في حديث هذا.
    ومتن الحديث في كراهية الطعام الحار، وقوله: (عليكم بالبارد؛ فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة فيه)= دليل على نكارته وضعفه، وأنه من روايات المتروكين والضعفاء، لا من رواية مثل الثوري.

    وفي الحديث علة أخرى، وهي ما حكاه الكتاني أنه سأل أبا حاتم الرازي: هل رأى صفوانُ بن سليم أنسَ بن مالك؟ فقال : (لا، و لا تصح روايته عن أنس).


    ـــــــــــــــ ـــــــــ
    [1] وقع في الشمائل: يزيد بن أبي خالد، وكذا في تحفة الأشراف (11/142)، ولعل صوابه كما أثبت، ونبه عليه الجليمي محقق الشمائل، وصححوه في المسند الجامع (18/582).
    [2] الجرح والتعديل (8/84).
    [3] انظر: لسان الميزان (2/76).
    [4] التاريخ الكبير (4/242).
    [5] الجرح والتعديل (4/336).
    [6] (6/445).
    [7] سقط رجلان من إسناده في مطبوعتي قلعجي وحمدي السلفي، والإتمام من مطبوعة السرساوي (4/100).
    [8] تهذيب الآثار (1/472، 473-مسند ابن عباس).
    [9] الجرح والتعديل (6/86).
    [10] التاريخ الكبير (6/40)، وقد جُعل نصُّ البخاري في المطبوع في فقرة مستقلة، والظاهر أنه تابع لترجمة عباد بن منصور السابقة له.
    [11] ضعفاء العقيلي (3/136، 137)، المجروحين، لابن حبان (2/166).
    [12] انظر: لسان الميزان (2/48).
    [13] ترتيب علل الترمذي الكبير (ص288)، ويحتاج مصطلح (حديث محفوظ) عند البخاري إلى تقصٍّ ودراسة، وقد قال الترمذي في موضع من علله الكبير (ص135) عن حديثٍ: قلت -يعني: للبخاري-: هو صحيح؟ قال: (أرجو أن يكون محفوظًا)، وقد قالها البخاري في حديثٍ مرسل -كما في ترتيب علل الترمذي (ص134)-، وقال في حديثٍ -فيه (ص263)-: (هو حديث حسن إن كان محفوظًا)، قال الترمذي: ولم يعرفه. فالله أعلم.
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    42-(1/157، 158) ("وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر"...؛ لخبر أبي هريرة مرفوعًا: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، رواه أحمد وغيره).



    البحث في أحاديث التسمية على الوضوء طويل جدًّا، وقد أطال الشيخ أبو إسحاق الحويني في تخريجها في كتاب مستقل، سماه "كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء"[1]، وقد خلص فيه إلى ثبوت أحاديث التسمية عند الوضوء بطرقه، وخالف في ذلك جمعًا من أئمة الحديث المتقدمين الذين ضعّفوا أحاديث الباب، وسيأتي ذكرهم وذكر أقوالهم.



    ولذا؛ فسأكتفي في التخريج بتخريجاته وإحالاته، وسأثبت هنا نقدًا لكتابه وتعرُّضًا لما أراه وقع فيه من خلل[2].



    وإلى الشيخ أشير بقولي: "المؤلف"، وقد ألخّص كلامه اختصارًا، وقد أزيد أشياء مهمةً فاتته، أو عزوًا أو تخريجًا، أشرتُ إلى ذلك أم لم أشر.

    1- أعلَّ (ص13) حديث أبي بكر بليث بن أبي سليم، ولم يذكر أن شيخه حسين بن عمارة مجهول، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: (ما أدري)[3].
    ثم إن غالب رواية ليث بن أبي سليم عن صغار التابعين، وأولاء لم يلحقوا أبا بكر -رضي الله عنه-، ولم يرووا عنه، فالانقطاع وارد في رواية حسين بن عمارة عن أبي بكر.
    ويدل لذلك: أن حسين بن عمارة هذا يروي عن بكر بن عبد الله المزني -كما ذكر ابن أبي حاتم-، وبكر من الوسطى من التابعين -حسب تقسيم ابن حجر-.
    فاجتمع في هذا الوقفُ والضعفُ والجهالةُ والإرسال.
    2- ذكر (ص 13، 14) في حديث أبي سعيد الخدري: كثيرَ بن زيد الأسلمي، وخلص إلى أنه إلى القوة أقرب منه إلى الضعف، وذكر في أقوال الأئمة: أن الطبري ضعفه.

    والطبري إنما نقل ذلك عن جماعة من المحدثين -كعادته في نقل إعلال الأحاديث في تهذيب الآثار-، قال: (وكثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بنقله).

    وكلمات الأئمة تُليِّن كثيرًا؛ لعدم بلوغه مرتبة الثقة، وهو أقلُّ أيضًا من درجة الصدوق حسن الحديث، فإن من قوَّى حاله قرن ذلك بتليين -سوى أحمد-، فابن معين كان يقول: (ليس بشيء)، ثم قال فيه: (ليس بذاك القوي)، وقال: (صالح)، وقال: (ليس به بأس)، وقال أبو زرعة: (صدوق، فيه لين)، وقال أبو حاتم: (صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه)، وقال يعقوب بن شيبة: (ليس بذاك الساقط، وإلى الضعف ما هو)، وكأن كلمةَ يعقوب هذه تفسيرٌ لكلام الأئمة السابق، حيث إن مفاد تقويتهم أمره: أنه ليس بالساقط المتروك، لكنه ضعيف.

    وابن حبان -وإن ذكره في الثقات-، فقد ذكره في المجروحين أيضًا، وقال: (كان كثير الخطأ على قلة روايته، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد)[4].

    فكثير -فيما يظهر- ضعيفٌ صالح للاعتبار، وليس صدوقًا حسنَ الحديث ولا ثقة[5].

    3- ذكر المؤلف (ص14) ربيح بن عبد الرحمن، وذكر قول ابن عدي فيه: (أرجو أنه لا بأس به)، وكلمة ابن عدي هذه يستعملها كثير من الباحثين في إثبات أن من قيلت فيه صدوق، وليست هذه الكلمة مفيدة ذلك دائمًا، ونبّه إلى ذلك الشيخ المعلمي[6]، والشيخ الألباني، قال: (ثم إن قول ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به" ليس نصًّا في التوثيق، ولئن سُلِّم؛ فهو أدنى درجة في مراتب التعديل، أو أول مرتبة من مراتب التجريح، مثل قوله: "ما أعلم به بأسًا"، كما في «التدريب» ص234)[7].

    وأما قول أبي زرعة في ربيح: (شيخ)، فلا تدل على التضعيف المطلق، إلا أنها ليست دالة على الضبط، وهي إلى وصفِهِ بالتحمل والرواية مع عدم معرفة الحال أقرب، قال ابن القطان: (فأما قول أبي حاتم: "شيخ"، فليس بتعريف بشيء من حاله، إلا أنه مُقلّ، ليس من أهل العلم، وإنما وقعت له رواية أُخذت عنه)[8]، وقد توصل بعض أفاضل الباحثين (وهو الشيخ أبو تيمية إبراهيم الميلي) إلى هذه النتيجة، بتتبع من قيلت فيه هذه الكلمة من الرواة[9].

    فأبو زرعة لم يحكم على ربيح؛ لأنه علم أن له رواية، إلا أنه لا يدري حالَهُ في الضبط، وتفسير ابن أبي حاتم موافق لهذا، فغير معروف الحال يُكتب حديثه، ويُنظر فيه: فإن وافق الثقات قُبل، وإلا أو تفرد؛ رُدّ.

    ولم يعرف الإمام أحمد ربيحًا، قال: (ربيح رجل ليس بمعروف)، وأعلّ به هذا الحديث، وقال -في رواية خطاب بن بشر: (ليس الخبر بصحيح، روي عن رجل ليس بالمشهور)[10].

    وأسند أبو عبيد القاسم بن سلام حديثًا، ثم أسند هذا الحديث، ثم عقب عليهما بقوله: (فأما الحديثان الأولان، فقد كان بعض أهل الحديث يطعن في إسنادهما...، ولِمَا في الآخر من ذكرٍ لرجلٍ ليس يُروى عنه كثيرُ علم)[11]، ويظهر أنه يشير بكلامه هذا إلى ربيح، وقوله فيه كالحكم بجهالته وقلة روايته، ونَقَلَ عن بعض أئمة الحديث أنهم كانوا يطعنون في إسناد الحديث بسببه.

    وقد قال المؤلف (ص15) تعليقًا على كلام الإمام أحمد: (فمن عرف حجة على من لم يعرف، وقد عرفه غيره)، وفي قوله هذا نظرٌ بالنظر إلى كلمتي ابن عدي وأبي زرعة؛ لما سبق من عدم إفادتهما شيئًا في حال الرجل في ضبطه.

    إلا أن تعليقه السابق صحيحٌ بالنظر إلى كلام الإمام البخاري في ربيح، فقد قال فيه: (منكر الحديث)[12]، ولم يُجِبِ المؤلف عن قول البخاري هذا إلا بأن قال: (ويغلب على ظني -والله أعلم- أن حكم البخاري -رحمه الله- له اعتبار آخر، بخلاف حال ربيح في نفسه، فقد يكون روى شيئًا رآه البخاري منكرًا، فألصق التبعة بربيح، أو نحو ذلك)!

    وهذا غريب من المؤلف -وفقه الله-، فكلمة هذا الإمام هي أصرح ما قيل في الرجل، والجواب عن جوابه جوابان:
    أحدهما: بعدم التسليم بما ذكر، فإن عموم إطلاق البخاريِّ النكارةَ على حديث ربيح لا ينبغي أن يُخصَّ إلا بدليل ظاهر، وليس ثَمَّ شيءٌ من ذلك،
    والآخر: على التسليم به، فدلالة الكلمة على الضعف باقية -خاصة في هذا الحديث-، من وجهين:
    الأول: أن ألصَقَ روايةٍ من روايات ربيحٍ بحكم البخاري على ربيح: هي هذا الحديث، فقد عقّب الترمذيُّ هذا الحديثَ بنقل كلام البخاري، فأولى الأحاديث بتحميل ربيحٍ نكارتها: هذا الحديث.
    الثاني: أن ربيحًا قليل الحديث -كما سبق في تفسير كلمة أبي زرعة، وفي نصِّ كلام أبي عبيد، وكما قال ابن عدي بعد أن أسند لربيح نحو ثمانية أحاديث في ترجمته في الكامل: (ولربيح غيرُ ما ذكرت شيءٌ يسير من الحديث، وعامةُ حديثه ما ذكرتُه)[13]-، ولو كان روى شيئًا ألصَقَ البخاري به التبعةَ في نكارته فَوَصَفَهُ بأنه (منكر الحديث)، فإن ربيحًا إذن ضعيفٌ أو ضعيفٌ جدًّا، إذ هو -على قلة حديثه- يروي ما يستحق أن يصفه البخاري بسببه بأنه (منكر الحديث)، والبخاري وصفه بنكارة الحديث، ولم يقتصر على الضعف أو اللين، ومن روى المنكرات وحديثُهُ قليل؛ فأولى به أن يكون عامة حديثه منكرًا، خاصة إذا تفرّد أو خالف.

    وقد دلَّ صنيعُ ابن عدي لما أدخل عامة أحاديث ربيح في ترجمته في الكامل على أنها من مناكيره، إذ من عادة ابن عدي أن يذكر في ترجمة الراوي ما أُنكر عليه، ولحقه بروايته وصف الضعف، واستحق به أن يُدخل في الضعفاء، وقد نصَّ على ذلك ابن عدي نفسُه، وغير واحد من أئمة الاستقراء. وهذا الصنيع من ابن عدي موافقٌ لحكم البخاري في نكارة حديث ربيح.

    وقد كرر ابن عدي هذا الحديث مرتين في كتابه الكامل: في ترجمة كثير بن زيد، وترجمة ربيح، وسبق منهجه في إيراد الأحاديث في كتابه، بل وأعلّه بتفرد كثير به، قال: (ولا أعلم يروي هذا الحديث عن ربيح غير كثير بن زيد)[14].

    وقد تفرد بالحديث كثير وربيح -على ضعفهما-، قال البزار: (لا نعلمه يُروى عن أبي سعيد إلا بالإسناد المذكور)[15].

    فهذا الحديث منكر، تفرد به ضعيفان، أحدهما منكر الحديث. وإنما اعتبره الإمام أحمد بن حنبل أحسن أحاديث الباب؛ لخفاء حال ربيح عليه، إذ لم يعرفه، وقد عرفه البخاري فأنكر حديثه، ووافقه ابن عدي.

    تنبيه: ظهر ما في قول الذهبي: (وربيح صويلح ما ضُعِّف)[16] من نظر.

    وقد ذكر الذهبي هناك أنه تابع كثيرًا عن ربيح أربعة، ولم أجد ذلك، والظاهر أنه أراد أنه توبع زيد بن الحباب عن كثير، ردًّا على حكم ابن عدي بتفرد زيد عنه. والله أعلم.

    4- ذكر المؤلف (ص16) حديث يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، ونقل عن الشوكاني أنه ليس في إسناده ما يسقطه عن درجة الاعتبار. وفي هذا نظر؛ ففي الحديث علل، وقد شرحها ابن الملقن بكلام جيد، قال: وحاصل ما يُعلل به هذا الحديث الضعف والانقطاع:
    أمّا الضعف:
    Ÿ فيعقوب بن سلمة لا أعرف حاله، وقال الذهبي في الميزان: "شيخ ليس بعمدة".
    Ÿ وأمّا أبوه سلمة؛ فلم يعرف حاله المزي ولا الذهبي، وإنما قال في الميزان: "لم يروِ عنه غير ولده"، وقد ذكره أبو حاتم ابن حبان في ثقاته، وقال: "ربما أخطأ".

    وأمّا الانقطاع:
    فقال الترمذي -في علله-: سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: "محمد بن موسى المخزومي لا بأس به، مقارب الحديث، ويعقوب بن سلمة مدنيٌّ، لا يُعرف له سماع من أبيه، ولا يعرف لأبيه سماع من أبي هريرة") ا.هـ كلام ابن الملقن[17].

    وأعلّه بهذه العلل أيضًا: العلامة مغلطاي[18].

    وقد علّق ابن حجر على كلمة ابن حبان في سلمة، فقال: (وهذه عبارةٌ عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدًّا، ولم يروِ عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى، فكيف يوصف بكونه ثقة؟!)[19].

    فالحديث فيه جهالة، وضعف، وانقطاع في موضعين، فسقوطه عن درجة الاعتبار فيه ظهور.

    ثم ذكر المؤلف الروايات الأخرى عن أبي هريرة:
    أ- رواية محمد بن سيرين:
    وقد بيَّن أن راويها إبراهيم بن محمد بن ثابت الأنصاري ضعيف، ويروي المناكير، وشيخه علي بن ثابت مجهول.
    وقد تفرد علي بن ثابت هذا -فيما وجدتُ- بهذا الحديث عن محمد بن سيرين، وتفرُّد هذا المجهول ومثلِهِ عن هذا الإمام ومثلِهِ منكر.
    واجتماع الضعف وتفرد المجهول نكارةٌ شديدة، ونقل المؤلف أنه أنكر هذه الروايةَ ابنُ الجوزي في الموضوعات -بل قال: (حديث ليس له أصل)-، وابنُ حجر في اللسان.

    ب- رواية أبي سلمة:
    وقد بيَّن المؤلف عللها:
    Ÿ ففيها محمود بن محمد الظفري، قال فيه الدارقطني: (لم يكن بالقوي)[20]، ونقل كلمةَ الدارقطني الذهبيُّ، فقال: (قال الدارقطني: "ليس بالقوي، فيه نظر")[21]،
    Ÿ وشيخه أيوب بن النجار لم يسمع -كما ذكر هو نفسه- من شيخه في هذه الرواية (يحيى بن أبي كثير) إلا حديثًا واحدًا، ليس هو هذا الحديث.
    واجتماع هاتين العلتين يؤكد النكارة، حيث إن ضعف الظفري أدى به إلى التحديث بهذا الحديث الذي لا أصل له عن يحيى بن أبي كثير.
    وقد أعلّه الدارقطني في الأفراد بتفرد محمود عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير[22].
    ولذا؛ فقد قال الذهبي: (قلت: هذا منكر، وقال الدارقطني: "محمود بن محمد ليس بالقوي، فيه نظر"، قلت: أيوب من رجال الصحيحين، صدوق، لا يحتمل مثل هذا أصلاً، فالآفة من محمود) ا.هـ[23].

    ج- رواية مجاهد عن أبي هريرة:
    وذكر المؤلف -نقلاً عن ابن حجر- أن فيها مرداس بن محمد، وهو من ولد أبي موسى الأشعري، ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: (يغرب وينفرد)، وبقية رجاله ثقات.
    ومرداس هذا هو أبو بلال الأشعري، عينه به الحافظ ابن حجر[24]، وهو مشهور بكنيته، ضعفه الدارقطني، وليّنه الحاكم، وذكر ابن حبان -كما سبق- أنه يغرب وينفرد.

    وتوثيق ابن حجر لبقية رجال الحديث فيه نظر، فشيخ أبي بلال: محمد بن أبان غير معروف، قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي: (محمد بن أبان لا أعرفه الآن)[25]، وقد غلّب ابن القطان أنه محمد بن أبان الجعفي جدُّ مشكدانه[26]، وهو محتمل، فإن يكنه؛ فإنه ضعيف؛ ضعفه أحمد وابن معين والبخاري وأبو داود والنسائي وأبو حاتم وابن حبان[27]،

    وشيخُهُ أيوب بن عائذ وثّقه الأكثر، وذكر ابن المديني أن له نحو عشرة أحاديث، ومع ذلك قال ابن حبان فيه: (يخطئ)، ويُنظر في إمكان سماع ابن عائذ من مجاهد.

    وقد انتقد ابنُ القطان إعلالَ عبد الحق الحديثَ بمحمد بن أبان، فقال: (وقد ترك في الإسناد من يعتلّ الخبر به، لم يعرض له، وهو الراوي له عن محمد بن أبان، وهو مرداس بن محمد)[28]، وكانُ ابن القطان لم يعرف مرداس هذا، قال: (... في إسناده من لا يُعرف البتة، وهو راويه عن محمد بن أبان، وهو مرداس بن محمد بن عبدالله بن أبي بردة، فاعلم ذلك)[29]، فتعقبه ابن حجر، قال: (هو مشهور بكنيته، أبو بلال... وقول ابن القطان: "لا يُعرف البتة" وهم في ذلك؛ فإنه معروف)[30].

    وقد قال الذهبي: (مرداس بن محمد بن عبدالله، عن أبان الواسطي. لا أعرفه، وخبره منكر في التسمية على الوضوء)[31]، وتعيين محمد بن أبان بالواسطي لم أجده إلا هنا، ومحمد بن أبان الواسطي متأخر عن طبقة أيوب بن عائذ، فهو يروي عن طبقة تلاميذ أيوب.

    وبالعموم، فهذا حديث من تفردات وإغراب أبي بلال الأشعري، وهو ضعيف، وتفردات الضعفاء منكرة، ومجاهد إمام حافظ كبير، فلا يُقبل الحديث عنه وقد جاء من هذه الطريق الضعيفة المنظور فيها، التي تفرد بها ضعيف، وفيها مَنْ يحتمل أنه ضعيف. ولذا أنكر هذا الحديث الحافظ الذهبي -كما سبق-.

    فقول المؤلف (ص20) -بعد هذا الحديث-: (فمثله يصلح للاعتبار) فيه نظر، فهذه حال أبي بلال، وهذه حال السند الذي تفرد به -على ضعفه-، وهو مما يحرص عليه الثقات لو صح؛ فانقطاع الروايات عن مجاهد إلا من هذه الطريق مع ما له من أصحاب ثقات= دليل على نكارتها وضعفها.

    هذه الروايات التي ذكرها المؤلف عن أبي هريرة، وتبيَّن أنها تدور بين المنكرة والمنكرة جدًّا، وتعضيدها ببعضها تساهلٌ لا يجري على طريقة أئمة الحديث النقاد.

    يتلوه -إن شاء الله- مناقشة المؤلف في حديث سعيد بن زيد -رضي الله عنه-، وفي الأحاديث الأخرى.


    ـــــــــــــــ ـــــ
    [1] طُبع في مكتبة التوعية الإسلامية بالقاهرة، عام 1408.
    [2] بعد كتابته وقفت على ما كتبه شيخنا د. أحمد بن محمد الخليل في نقد هذا الكتاب في كتابه "مستدرك التعليل على إرواء الغليل" (ص57-70)، وهو نقد قيِّم، وفيه شيء يسير بحاجة إلى تحرير، وأرجو أنه محرر في نقدي هذا.
    [3] الجرح والتعديل (3/61).
    [4] (2/222).
    [5] كان هذا تلخيصًا لحال كثير بن زيد في أصل التعقبات على (كشف المخبوء)، ثم جرى حوله نقاش في بعض المنتديات العلمية على الشبكة الإلكترونية (ملتقى أهل الحديث)، فكتبتُ تفصيلاً لحاله وأقوال الأئمة فيه:
    أقوال من قوّاه أو وثقه:
    قال عنه محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي: (ثقة)، وقال أحمد بن حنبل: (ما أرى به بأسًا)، وقال ابن عدي: (ولكثير بن زيد عن غير الوليد بن رباح أحاديث لم أذكرها، ولم أرَ به بأسًا، وأرجو أنه لا بأس به)، وقال أبو زرعة -كما في الجرح (7/151)-: (صدوق، فيه لين)، وهذه الكلمة وإن كان ظاهرها اعتبار كثير صدوقًا، إلا أن أبا زرعة لم يغفل جانب الضعف فيه، فغمزه باللين. وقال الحاكم -في المستدرك (1/47)-: (فأما الشيخان؛ فإنهما لم يخرجا عن كثير بن زيد، وهو شيخٌ من أهل المدينة، من أسلم، كنيته أبو محمد، لا أعرفه بجرحٍ في الرواية، وإنما تركاه لقلة حديثه)، وقد تعقبه الشيخ الألباني بأنه وُثق وضُعف ومُشِّي -كما تراه في السلسلة الصحيحة (6/283)-، وقال الحاكم أيضًا -في المستدرك (1/217)-: (كثير بن زيد وأبو عبد الله القراظ مدنيان لا نعرفهما إلا بالصدق). وقال ابن القطان -في بيان الوهم والإيهام (5/211)- في حديثٍ: (وينبغي أن يُقال فيه: حسن، لِمَا بكثير بن زيد من الضعف، وإن كان صدوقًا)، وإن كان قال في موضع آخر -في البيان (4/644)-: (ضعيف).
    وقال ابن عبد الهادي -في تنقيح التحقيق (4/595)-: (صدوق، وقد تكلم فيه بعض الأئمة)، وقال ابن حجر -في تغليق التعليق (3/282)-: (وكثير بن زيد أسلمي، لينه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وقال أحمد: ما أرى به بأسًا، فحديثه حسن في الجملة...)، وهذان الإمامان وإن خلصا إلى أنه صدوق، فقد بيّنا أنه مغموز مُضعَّف.
    حال كثير بن زيد عند ابن معين:
    روى ابن أبي مريم عن ابن معين أنه قال في كثير: (ثقة)، وروى الدورقي عنه قوله: (ليس به بأس)، والروايتان في الكامل لابن عدي (6/67)، ولعل فيهما نظرًا، أو قَصَدَ ابن معين بهما غير ظاهرهما، كأن يكون وقوعهما في مقارنة بين اثنين -وربما كان الآخرُ: كثيرَ بن عبد الله بن عمرو بن عوف، فكثيرًا ما يُقارن بينهما، وابن زيد أقوى من ابن عبد الله-، أو نحو ذلك؛ حيث إن أكثر الروايات عن ابن معين على خلافهما، وفي الرواة عنه من هو أعرف به وأجلّ من غيره، فرواية ابن أبي خيثمة عن ابن معين -في تاريخه (2/336-السفر الثالث)-، قال: وسئل يحيى بن معين عن كثير بن زيد، روى عنه عبد المجيد الحنفي -كذا-؟ قال: (ليس بذاك القوي)، وكان قال أول: (ليس بشيء)، ونحوه في رواية الحنبلي عن ابن أبي خيثمة -عند ابن حبان في المجروحين (2/222)-، قال: وكان قال: (لا شيء)، ثم ضرب عليه. فهذا كالصريح في أن ابن معين عدل عن قوله الأول إلى قوله: (ليس بذاك القوي)، وهذه الرواية مشعرة بأن الرأي المتأخر لابن معين في كثير بن زيد هو تضعيفه، ويؤيدها رواية ابن محرز، قال -كما في معرفة الرجال (1/70)-: سمعت يحيى -وقيل له: كثير بن زيد مدني؟- قال: (نعم، ضعيف)، وقد روى عبدالله بن شعيب الصابوني عن ابن معين قوله في كثير: (ليس بذاك القوي)، وقال المفضل بن غسان الغلابي ومعاوية بن صالح عن ابن معين: (صالح)، والأصل في إطلاق (صالح) عند الأئمة: إطلاقه على من يستشهد بهم -كما قرره الشيخ السليماني في شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل (ص146)-، ويبين ذلك إطلاقات كلمة (صالح) عند ابن معين، ومن أظهر ذلك: قول ابن محرز -في معرفة الرجال (1/70)-: سألت يحيى عن مندل بن علي، فقال: (ليس بذاك)، وضعّف في أمره، ثم قال: (هو صالح)، وهذا التفسير لإطلاق كلمة (صالح) ينفي ما قد يظهر من تعارض بين تضعيفِ ابن معين كثيرَ بن زيد، وقولِهِ فيه: (صالح).
    أقوال من ضعَّف كثير بن زيد:
    نقل ابن جرير الطبري تضعيفه عن جماعة من أئمة الحديث، قال -كما في تهذيب التهذيب (8/371)-: (وكثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بنقله)، وضعفه يحيى بن معين -كما سبق-، وقال ابن المديني -كما في سؤالات ابن أبي شيبة (ص95)-: (هو صالح، وليس بالقوي)، وهذا يؤيد تفسير إطلاق (صالح) بالضعف غير الشديد، الذي يعتبر برواية من وقع عليه، وقال أبو حاتم -كما في الجرح (7/151)-: (صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه)، ويُلاحظ الاتفاق أو شبهه بين كلمتي الحافظين الإمامين ابن المديني وأبي حاتم، وقال يعقوب بن شيبة -كما في تاريخ دمشق (50/25)-: (كثير بن زيد ليس بالساقط، وإلى الضعف ما هو)، وقال النسائي -في الضعفاء (505)-: (ضعيف)، وقال ابن حبان -في المجروحين (2/222)-: (كان كثير الخطأ على قلة روايته، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد)، وذكر ابن عبد البر -في التمهيد (21/14)- حديثًا فيه كثير، ثم قال: (إسناده ليس بالقوي)، وأغلب الظن أن سبب ذلك عنده: كثير، وقال الحافظ عبدالحق الإشبيلي -في الأحكام الوسطى (3/275)-: (وهو ضعيف عندهم، وإن كان قد روى عنه جلة)، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء (3/22)، وضعفه المنذري -كما في عون المعبود (14/54)-، وذكره الذهبي في المغني في الضعفاء، وفي ديوان الضعفاء، وقد كان الحافظ البزار قال -كما في البدر المنير (2/78)-: (روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه)، وهذه الكلمة يقرنها البزار كثيرًا بقوله في بعض الرواة: (لين الحديث)، و(ليس بالقوي)، و(لم يكن بالحافظ)، ونحوها، وقالها في الثقة ومن لم يكن به بأس عنده، ويشبه أحيانًا أن يكون مقصوده أن الرواة كتبوا حديث الرجل، ولم يتركوه لشدة ضعف ونحوه، بل احتملوه فرووا عنه، وانظر: شفاء العليل للسليماني (ص147)، والحاصل أن هذه ليست كلمة تعديل من البزار، بل هي إلى الجرح أقرب، والله أعلم.
    وهذا الاجتماع من أكثر أئمة الحديث وأكبرهم وصيارفته ونقاده على تضعيف كثير بن زيد يبيّن بجلاء أن كثيرًا ضعيف، وأنه إنما وثقه بعض الأئمة أو قوى أمره لأنه لم يكن شديد الضعف، بل هو محتمل، يعتبر به ويستشهد، إلا أنه لا يحتج به ولا يقبل عند تفرده. وقد بيَّنت كلمةُ الحافظ يعقوب بن شيبة كلماتِ الأئمة ولخّصَّتْها، حيث قال: (كثير بن زيد ليس بالساقط، وإلى الضعف ما هو). والله أعلم.
    [6] انظر: حاشية الفوائد المجموعة (ص35، 459).
    [7] الضعيفة (3/112).
    [8] بيان الوهم والإيهام (4/627).
    [9] ذكر ذلك في كلام له في (ملتقى أهل الحديث) على الشبكة الإلكترونية.
    [10] شرح مغلطاي على ابن ماجه (1/338).
    [11] الطهور (ص66).
    [12] ترتيب علل الترمذي الكبير (ص33).
    [13] الكامل (3/173، 174).
    [14] الكامل (3/173).
    [15] البدر المنير (2/78).
    [16] تنقيح التحقيق، للذهبي (1/44).
    [17] البدر المنير (2/70).
    [18] شرح ابن ماجه (1/342-344).
    [19] التلخيص الحبير (1/72).
    [20] العلل (14/295).
    [21] تنقيح التحقيق (1/45).
    [22] أطراف الغرائب والأفراد (2/364).
    [23] تنقيح التحقيق (1/45).
    [24] لسان الميزان (6/14).
    [25] الأحكام الوسطى (1/163).
    [26] بيان الوهم والإيهام (3/227).
    [27] انظر: الجرح والتعديل (7/199)، المجروحين (2/260)، تعجيل المنفعة (ص357).
    [28] بيان الوهم والإيهام (5/661).
    [29] السابق (3/227).
    [30] لسان الميزان (6/14).
    [31] ميزان الاعتدال (4/88)، ولعل صواب قوله: (أبان الواسطي): محمد بن أبان -كما في التعليق المغني بحاشية الدارقطني (1/74)-.
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    توطئة:
    مضى في الحلقة السابقة شطرٌ من مناقشة كتاب "كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء" للشيخ أبي إسحاق الحويني.

    وأواصل في هذه الحلقة مناقشة الكتاب؛ بادئًا بمناقشة حديث سعيد بن زيد -رضي الله عنه-.

    5- ذكر (ص20) رواة الوجه الأول عن عبدالرحمن بن حرملة في حديث سعيد بن زيد، وأشار إلى الاختلاف على بعضهم. وقد اختُلف على وهيب بن خالد -بما لم يذكره المؤلف-، فقد رواه عنه عفان والعباس بن الوليد النرسي، واختُلف عن النرسي:
    فرواه عبدالله بن أحمد بن حنبل - وعنه الطبراني في الدعاء (375)-، وأبو يعلى -في معجم شيوخه (255)-، كلاهما عن العباس عن وهيب عن ابن حرملة عن أبي ثفال عن رباح بن عبدالرحمن عن جدته عن أبيها، - وخالفهما أبو القاسم البغوي - وعنه ابن شاهين في الترغيب (97)-، فرواه عن العباس به، ولم يذكر: (عن أبيها)، فجعله من مسند جدة رباح.
    والرواية بذكر أبيها أصح.

    6- ذكر (ص21) يزيد بن عياض، وسليمان بن بلال، والحسن بن أبي جعفر= في الرواة عن عبدالرحمن بن حرملة، وهذه عجيبة من المؤلف، ولعله لم يدقق النظر!

    أما يزيد والحسن، فروايتهما عن أبي ثفال شيخ ابن حرملة، لا عن ابن حرملة نفسه، وأما سليمان بن بلال، فروايته في الموضعين اللذَيْن عزا إليهما المؤلف إنما هي عن أبي ثفال أيضًا!

    وكذلك لم يُذكر فيهما والدُ جدة رباح، وهو سعيد بن زيد، فحق هذه الرواية أن يذكرها المؤلف في اللون الثاني متابعةً لابن حرملة عليه، لا الأول!

    لكن قد اختُلف على سليمان بن بلال[1]:
    فرواه سعيد بن كثير بن عفير عنه عن أبي ثفال عن رباح عن جدته عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لم يذكر أباها، أخرجه من طريق سعيد: الطحاوي (1/27)، والحاكم (4/60)، وابن شاهين في الترغيب (95)،
    ورواه سعيد بن أبي مريم عن سليمان بن بلال عن عبدالرحمن بن حرملة عن أبي ثفال عن رباح عن جدته عن أبيها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال سليمان: وقد سمعته من أبي ثفال، أخرجه عن سعيد: أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (54) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (18/26)-.
    وسعيد بن أبي مريم أوثق من سعيد بن عفير، فهو حافظ ثبت، وروايته أرجح. وهي متابعة صحيحة لعبدالرحمن بن حرملة عن أبي ثفال.

    تنبيه: ضعّف الشيخ الألباني -رحمه الله- رواية سعيد بن عفير التي أخرجها الحاكم من طريق ابنه عبيدالله، فقال: (قلت: وهذا إسناد واهٍ جدًّا، آفته عبيدالله بن سعيد، قال ابن حبان: "لا يشبه حديثه حديث الثقات"، وغمزه ابن عدي)[2]، ولكن عبيدالله هذا متابَعٌ عن أبيه، تابعه عبدالرحمن بن الجارود[3] عند الطحاوي، وعثمان بن خرزاذ -وهو ثقة حافظ- عند ابن شاهين.

    وإنما علة الرواية: ما سبق بيانه من مخالفة سعيد بن أبي مريم.
    ووقع خلاف على الحسن بن أبي جعفر أيضًا[4].

    7- ذكر (ص22) رواية أبي معشر، ثم نقل إسنادها من كتاب الدعاء للطبراني، وفيه: (محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا أبو معشر البراء...)، ثم قال: (ولكن اختُلف في سنده، فأخرجه أحمد (6/382) قال: حدثنا يونس، ثنا أبو معشر، عن عبدالرحمن بن حرملة... فذكره بمثله مع تقديم وتأخير.
    فسقط ذكر سعيد بن زيد.

    قلت -المؤلف-: ويظهر أن هذا الاختلاف من أبي معشر، واسمه يوسف بن يزيد...) ا.هـ.

    وقد رواه جبارة بن المغلس عن أبي معشر أيضًا كما رواه يونس شيخ الإمام أحمد؛ أخرجه أبو بكر الدقاق في حديثه (41/2) -كما أفاده محقق علل الدارقطني (4/434)-.

    والرواية التي أسندها أحمد في مسنده أشار إليها الدارقطني في العلل، فقال: (وخالفهم حفصُ بن ميسرة، وأبو معشر نجيح، وإسحاق بن حازم؛ فرووه عن ابن حرملة عن أبي ثفال عن رباح عن جدته أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يذكروا أباها في الإسناد)[5].

    وقد نقل المؤلف كلام الدارقطني هذا بواسطة ابن حجر في التلخيص، وقد اختصره ابن حجر، فلم ينقل قوله: (نجيح)، والمؤلف قد اطلع على هذا الموضع من العلل ونقل منه -كما في (ص22) قبل رواية أبي معشر مباشرة-.

    وأبو معشر نجيح هو نجيح بن عبدالرحمن السندي، وأبو معشر البراء هو يوسف بن يزيد البصري، وهما اثنان من طبقة واحدة، ولم يُذكر في تهذيب الكمال يونسُ وجبارةُ بن المغلس في الرواة عن أبي معشر البراء، وذُكرا في الرواة عن أبي معشر نجيح، ولم يُذكر محمد بن أبي بكر المقدمي في الرواة عن أبي معشر نجيح، وذُكر في الرواة عن أبي معشر البراء.

    فالأظهر أن رواية يونس وجبارة إنما هي عن نجيح لا عن البراء، وهذا ما عيّن به الدارقطنيُّ أبا معشر.

    وبه؛ تكون الروايتان مختلفتين، وكلٌّ روى وجهًا عن عبدالرحمن بن حرملة، فوافق أبو معشر البراء الجماعة، وخالفهم أبو معشر نجيح. والله أعلم.

    8- قال (ص23): "وأما رواية إسحاق بن حازم فلم أقف عليها".
    وهي في علل ابن أبي حاتم (2/357)، قال: (وسألت أبي عن حديث رواه أسد بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن إسحاق بن حازم -أو: خازم، شك أسد-، قال: أخبرني عبدالرحمن بن حرملة الأسلمي، عن ثفال بن أبي ثفال، عن رباح بن عبدالرحمن بن شيبان، عن أمه بنت زيد بن نفيل، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لم يحبب الله من لم يحببني، ولم يحبني من لم يحبب الأنصار، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»...)[6].

    وفي هذا الإسناد أخطاء، لذا قال أبو حاتم: (هذا خطأٌ في مواضع).
    فقوله: (ثفال بن أبي ثفال) صوابه: أبو ثفال، وقوله: (رباح بن عبدالرحمن بن شيبان) صوابه: رباح بن عبدالرحمن بن أبي سفيان، وقوله: (عن أمه) صوابه: عن جدته، وقوله: (بنت زيد بن نفيل) صوابه: بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ويحتمل في الأخير هذا النسبة إلى الجد الأعلى.

    9- رجح المؤلف (ص23) الوجه الأول عن عبدالرحمن بن حرملة، ونقل ترجيحه عن الدارقطني، وقد سبق أبو حاتم إلى ذلك، فقال: (والصحيح: عبدالرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبدالرحمن بن حويطب، عن جدته، عن أبيها سعيد بن زيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-)[7].

    وهذا الترجيح إنما هو لكثرة الثقات الذين رووا هذا الوجه عن عبدالرحمن بن حرملة، ولأنه توبع عليه من جمع، إلا أنه ليس فيهم ثقة إلا سليمان بن بلال.

    10- ثم نظر المؤلف (ص25) في حال أبي ثفال، وذكر تجهيل أبي حاتم والبيهقي له.
    وقد جهَّله الإمام أحمد بن حنبل أيضًا، فنقل ابن قدامة عن الحسن بن محمد، قال: ضعَّف أبو عبدالله الحديثَ في التسمية، وقال: (أقوى شيءٍ فيه: حديثُ كثير بن زيد عن ربيح -يعني: حديث أبي سعيد-)، ثم ذكر ربيحًا، أي: (مَنْ هو؟! ومَنْ أبو ثفال -يعني: الذي يروي حديث سعيد بن زيد-؟!)، يعني: أنهم مجهولون، وضعَّف إسناده ا.هـ[8].

    وذكر المؤلف قول البخاري فيه: (في حديثه نظر)، وفسَّره بأنه يطعن في صحة حديثه لا في صدقه، ثم ذكر قول ابن حبان: (ليس بالمعتمد على ما تفرد به)، ومن المفيد سياق كلام ابن حبان كله، قال -في ترجمة جدة رباح-: (ابنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، جدة رباح بن عبدالرحمن، لا أدري ما اسمها، تروي عن أبيها، روى عنها رباح بن عبدالرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، إلا أني لست بالمعتمد على ما انفرد به أبو ثفال المري)[9]، وهذه إشارة من ابن حبان إلى حديثنا هذا، وهي تقتضي أنه لا يصحح الحديث؛ لتفرد أبي ثفال به، وقد زاد في ترجمة أبي ثفال في الثقات أن في قلبه من هذا الحديث، لأنه قد اختُلف على أبي ثفال فيه[10]، وعلة الاختلاف مُجابٌ عنها، إلا أن علة التفرد باقية، وبها أعلّه البزار قبلُ، قال: (ورباح بن عبدالرحمن وجدَّتُهُ لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث، ولا حدَّث عن رباح إلا أبو ثفال، فالخبر من جهة النقل لا يثبت؛ للعلة التي وصفنا)[11].

    وذكر العقيليُّ أبا ثفال في الضعفاء، وذكر كلمة البخاري فيه، وأسند حديثه هذا.

    فأبو ثفال مجهولٌ إذن، وقد تفرد بهذا الحديث، فأعلّه الأئمة لذلك.

    قال الذهبي في أبي ثفال: (ما هو بقوي، ولا إسناده يمضي)[12].

    ورباح مجهول أيضًا -كما قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، ونقله المؤلف-.

    وقد أعلّه بجهالة أبي ثفال ورباح: ابنُ القطان، وزاد إعلاله بجهالة جدة رباح، قال: (وفي إسناد هذا الكلام ثلاثة مجاهيل الأحوال:
    أوَّلهم: جدة رباح، فإنها لا تعرف بغير هذا، ولا يُعرف لها اسم ولا حال، وغاية ما تعرفنا بهذا أنها ابنةٌ لسعيد بن زيد -رضي الله عنه-.
    والثاني: رباح المذكور، فإنه مجهول الحال كذلك، ولم يعرف ابن أبي حاتم من حاله بأكثر مما أخذ من هذا الإسناد: من روايته عن جدته، ورواية أبي ثفال عنه.
    والثالث: أبو ثفال المذكور، فإنه أيضًا مجهول الحال كذلك، وهو أشهرهم؛ لرواية جماعةٍ عنه، منهم: عبدالرحمن بن حرملة وسليمان بن بلال وصدقة مولى الزبير والدراوردي والحسن بن أبي جعفر وعبدالله بن عبد العزيز، قاله أبو حاتم، فاعلم ذلك) ا.هـ[13].

    وقد سُبِقَ ابنُ القطان إلى تجهيل جدة رباح، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام -وسبق نقل طرف من كلامه-: (فأما الحديثان الأولان، فقد كان بعض أهل الحديث يطعن في إسنادهما؛ لوجود المرأة المجهولة في الأول...)[14]، ولم يُشر المؤلف إلى كلام أبي عبيد هذا.

    وقد ردَّ الحافظ ابن حجر -فيما نقله المؤلف- تجهيل جدة رباح، بأن اسمها معروف، وأنها مذكورة في الصحابة، إلا أن ذِكْرها في الصحابة هو اعتمادٌ على الوجه الثاني من هذا الحديث، وسبق أنه مرجوح عن عبدالرحمن بن حرملة، وأما قول ابن حجر -بعد ذلك-: (وإن لم يثبت لها صحبة، فمثلها لا يُسأل عن حالها)، فلا أدري ما وجهه![15] وتجهيل أبي عبيد لها -بيانًا لسبب تضعيف بعض أهل الحديث لهذا الحديث- دليلٌ على أن تجهيلها قديم عند الأئمة، فالراجح أنها تابعية مجهولة أيضًا -كما قال أبو عبيد وابن القطان-.

    وقد حاول الحافظ مغلطاي نفي جهالة الحال عن رباح وجدّته، إلا أنه لم يأتِ بما يرتفع به ذلك[16].

    فالحديث اجتمع فيه ثلاثة مجاهيل، وأنكره العلماء على أبي ثفال -على جهالته- بتفرده به عن رباح، فإلى الضعف الشديد ما هو، ونصَّ ابن القطان على أنه "ضعيف جدًّا"، ويؤيده ما ذكره الحافظ مغلطاي في تفسير قول البخاري: (في حديثه نظر)، قال -بعد أن نقل ذلك-: (والبخاري إذا قال ذلك يكون غير محتمل عنده)[17].

    لذا، فقد قال الإمام أحمد لما سئل عن الحديث: (لا يثبت)[18]، وسبق نقل كلمة البخاري في أن في هذا الحديث -حديث أبي ثفال- نظرًا عنده، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: (ليس عندنا بذاك الصحيح)، وقال البزار -وسبق-: (هذا الخبر من جهة النقل لا يثبت)، وضعفه ابن حبان -كما سبق أيضًا-، وما هذه حاله من الأحاديث لا يعتبر به، خاصة أن أحمد والبزار والعقيلي وغيرهم ضعفوا أحاديث الباب جميعها مع وقوفهم عليه -ويأتي ذلك قريبًا-.

    وأما اعتبار البخاري هذا الحديث أحسن أحاديث الباب، فله اعتباره، وهو أحسن عنده من حديث أبي سعيد الخدري، لأنه أنكر أحاديث ربيح بن عبدالرحمن راويه، وأما هنا؛ فلم يعرف اسم أبي ثفال -كما نقل عنه الترمذي[19]-، وذكر أن في حديثه عن رباح نظرًا.

    11- ذكر المؤلف (ص28) حديث سهل بن سعد، فذكر رواية عبدالمهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده، وبيَّن ضعفها الشديد، ثم ذكر أن أخاه أبيًّا تابعه عن أبيهما عباس، وذكر أن أبيًّا أخف ضعفًا من أخيه عبدالمهيمن، ونقل في ذلك عن الأئمة.

    إلا أن رواية أبيّ معلولة لا تصح، وعلّتها رواية عبدالمهيمن ذاتها!

    فالحديث رواه الحافظ دحيم عبدالرحمن بن إبراهيم عن ابن أبي فديك عن عبدالمهيمن به، أخرجه من طريقه ابن ماجه (400) والطبراني في الكبير (5698)،
    ورواية أُبيّ أخرجها الطبراني في الكبير (5699) وفي الدعاء (382) قال: حدثنا عبدالرحمن بن معاوية العتبي المصري، ثنا عبيدالله بن محمد المنكدري، ثنا ابن أبي فديك، عن أبيّ... به.

    وعبدالرحمن بن معاوية شيخ الطبراني مجهول الحال[20]، وشيخه عبيدالله بن محمد المنكدري لم أعرفه، ووقع في مطبوعة الكبير: عبيدالله بن محمد بن المنكدري، ونقل الإسنادَ ابنُ عبد الهادي، فجاء فيه: عبيدالله بن محمد الكندي[21]، ونقله ابن القيم، فجاء فيه: عبيدالله بن محمد بن المنكدر[22]، وأسنده ابن حجر، فجاء فيه: عبيدالله بن المنكدري[23]، وروايته هذه عن ابن أبي فديك منكرة، إذ خالف الحافظ دحيمًا، فأبدل عبدالمهيمن بأبيّ، وإنما هو حديث عبدالمهيمن، وبهذا أعلّه ابن عبد الهادي وابن القيم وابن كثير والسخاوي:
    قال ابن عبد الهادي -بعد أن نقل إسناد رواية أبيّ-: (وقد روي عن ابن أبي فديك عن عبدالمهيمن بن عباس، وهو أشبه بالصواب)[24].
    وقال ابن القيم: (فإن كان عبدالمهيمن قد سرقه من أخيه؛ فلا يضر الحديث شيء، ولا ينزل عن درجة الحديث الحسن، وإن كان ابن أبي فديك أو من دونه غلط من عبدالمهيمن إلى أخيه أبيّ، وهو الأشبه -والله أعلم-؛ لأن الحديث معروف بعبدالمهيمن= فتلك علّة قوية فيه)[25].
    وقال ابن كثير -بعد أن ذكر رواية عبدالمهيمن وضعفها-: (وقد رواه الطبراني من رواية أخيه أبيّ بن عباس، ولكن في ذلك نظر، وإنما يُعرف من رواية عبدالمهيمن)[26].
    وقال السخاوي -بعد أن ذكر رواية عبدالمهيمن-: (وقد أخرجه الطبراني وأبو موسى المديني من رواية أخيه أبيّ بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده، وصححه المجد الشيرازي، وفي ذلك نظر، لأنه إنما يُعرف من رواية عبدالمهيمن)[27].

    فالرواية المُتابِعةُ هنا معلولةٌ بالرواية المُتابَعَة، ولا يصح تقويتها بها، أو اعتبارها إسنادًا معتبرًا به لهذا الحديث.

    ثم وجدتُ المؤلف نقل كلام السخاوي المذكور -في "النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة" (126)، ولم ينقله في كشف المخبوء-، ثم قال: (فيرى السخاوي -رحمه الله تعالى- أن رواية أبيّ لا تشهد لرواية عبدالمهيمن، وهذا رأيٌ سديد، فإن أبيّ بن العباس إنما وافق أخاه في الفقرتين الأوليين فقط، ولم يروِ الفقرتين الثالثة والرابعة، وفيهما النكارة، أما الفقرتان الأوليان، فلهما شواهد صحيحة...) ا.هـ.

    والسخاوي إنما يُعلّ إحدى الروايتين بالثانية، فهو يرد على تصحيح رواية أبيّ، ويقول: (إنما يُعرف من رواية عبدالمهيمن)، ومعناه: أن رواية أبيّ ضعيفةٌ غير معروفة، وأن المعروف في هذا الحديث: رواية عبدالمهيمن، وليس مقصوده: أن رواية أبيّ "لا تشهد لرواية عبدالمهيمن"؛ لأنه لا يُنظر في كون الرواية المتابِعة تشهد للرواية المتابَعة أو لا تشهد= إلا بعد ثبوتهما جميعًا، فإذا ثبتت الرواية المتابِعة؛ نُظر في متنها ومدى صلاحيته لتقوية الرواية المتابَعة والشهادة لها.

    ولم تثبت الرواية المتابِعة هنا، حيث لم يصح أن أُبيًّا روى الحديث عن أبيه متابعًا لأخيه، فذِكْرُ أبيٍّ في الإسناد خطأٌ من رجلٍ مجهول، خالفه حافظٌ إمام -كما سبق بيانه-، وهذا الذي يشير إليه السخاوي، ومن ثَمّ فلا يُفهم من كلامه أنه يرى قصور متن رواية أبيّ عن الشهادة لمتن رواية عبدالمهيمن؛ لعدم تحقق المقدمة المذكورة.

    هذا فضلاً عن أن رواية أبيّ التي في معجم الطبراني والدعاء له= فيها الفقرات الأربع جميعًا، ولا أدري ما وجه قول المؤلف: إن أُبيًّا لم يروِ الفقرتين الثالثة والرابعة!

    إلا إن كان اعتمد على اختصار ابن حجر في نتائج الأفكار، فإنه أسند رواية أبيّ من طريق الطبراني، واختصر متنه، فلم يذكر إلا الفقرتين الأوليين!

    فإن صح؛ فغريبٌ من المؤلف ذلك، والرواية الأصلية بين يديه في المعجم والدعاء، وقد خرجها منهما!

    12- نبّه المؤلف (ص37) إلى أن الحديث حسن على أقل أحواله بمثل هذه الشواهد، وهي حديث أبي سعيد، وبعض طرق حديث أبي هريرة، وسعيد بن زيد، وسهل بن سعد، وما عدا ذلك فضعفه لا يحتمل.

    وقد بان في هذه التعليقات أن هذه الشواهد لا ترقى إلى أن تتقوى فيحسن الحديث بها:
    أ- فحديث أبي سعيد الخدري فيه رجلان، أحدهما ضعيف، والآخر منكر الحديث على قلّتِهِ.
    ب- وحديث أبي هريرة جاء من طرق:
    إحداها (رواية يعقوب بن سلمة عن أبيه) فيها جهالة، وضعف، وانقطاع في موضعين.
    والأخرى (رواية محمد بن سيرين) تفرد بها مجهولٌ عن محمد بن سيرين، وأنكرها من الأئمة ابن الجوزي وابن حجر.
    والثالثة (رواية أبي سلمة) فيها ضعيف أتى بما لا يحتمله شيخه، وأنكرها الحافظ الذهبي.
    والرابعة (رواية مجاهد) تفرد بها ضعيف، وفيها جهالة، ولو صحت عن مجاهد لرواها عنه كبار أصحابه، ولَمَا انفردت بها هذه الطريق الضعيفة، وأنكرها الحافظ الذهبي.
    ج- وأما حديث سعيد بن زيد، ففيه ثلاثة مجاهيل، وأنكر الأئمة تفرد أحدهم (وهو أبو ثفال) بالحديث، وذكروا أن في حديثه نظرًا، فضعفوه لذلك.
    د- وأما حديث سهل بن سعد، فالإسناد الذي أحسب المؤلفَ يجعله صالحًا للاستشهاد: هو إسناد أبيّ بن عباس بن سهل، وقد بان أنه منكر من أحد المجاهيل، خالفه أحد الحفاظ؛ فعاد به إلى رواية عبدالمهيمن بن عباس، وهي ضعيفة جدًّا.

    فهذه طرق الحديث التي قوّاه بها المؤلف.

    وقد وقف على أقوى ما فيها الأئمة فلم يقوّوها ببعضها:
    فوقف أحمد بن حنبل على حديث أبي سعيد وحديث سعيد بن زيد.
    ووقف البزار عليهما أيضًا.
    ووقف العقيلي عليهما أيضًا.
    ووقف ابن المنذر على حديث سعيد بن زيد.
    ووقف البيهقي على الحديثين وغيرهما.

    وهذا الذي نعرفه عن هؤلاء بيقين، حيث ذكروا هذه الأحاديث في كلامهم، ولا يبعد على مثلهم البتة الوقوف على أحاديث الباب كلها.

    ومع ذلك، نجد أحمدَ يقول -في رواية أبي داود-: (ليس فيه إسناد)[28]، ويقول -في رواية ابن هانئ-: (لا يثبت حديث للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيه)[29]، ويقول -في رواية أبي زرعة الدمشقي-: (فيه أحاديث ليست بذاك... ولم تثبت سنة)[30]، ويقول -في رواية الأثرم-: (ليس في هذا حديث يثبت... ليس في هذا حديث أحكم به)[31]، ويقول -في رواية إسحاق الكوسج-: (لا أعلم فيه حديثًا له إسناد جيد)[32]، ويقول -في رواية الكوسج أيضًا، وفي رواية أحمد بن حفص-: (لا أعلم فيه حديثًا يثبت)[33].

    والبزارَ يقول: (وكل ما روي في ذلك فليس بقوي الإسناد، وإن تأيّدت هذه الأسانيد)[34].
    والعقيليَّ يقول: (الأسانيد في هذا الباب فيها لين)[35].
    وابنَ المنذر يقول: (ليس في هذا الباب خبرٌ ثابت يوجب إبطال وضوء من لم يذكر اسم الله عليه)[36].
    والبيهقيَّ يقول: (وأما ما روي عن أبي هريرة وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا وضوء إن لم يذكر اسم الله عليه»؛ فأسانيده غير قوية)[37].

    وقد قال البخاريُّ في حديث أبي ثفال عن رباح عن جدته عن أبيها سعيد بن زيد: (ليس في هذا الباب حديثٌ أحسن عندي من هذا)[38]، وهو الذي قال في أبي ثفال: (في حديثه نظر)، فالظاهر أنه يضعف جميع أحاديث الباب، وأحسنها عنده هذا الحديث، وهو ضعيف عنده أيضًا.

    فلم يقوِّ أحد هؤلاء الأئمة الكبار -وهم أهل الأقدام الراسخة والقامات السامقة في نقد الحديث وتصحيحه وتضعيفه-= هذه الأحاديث ببعضها، ولا حكموا بحسنها لشواهدها، لا لعدم صحة أساس التحسين بالشواهد عندهم، بل لعدم صلاح هذه الأحاديث للاستشهاد، ومن ثم تحسينها أو تصحيحها بذلك.

    وكلمة البزار كالصريحة في أن أسانيد هذا الحديث وإن كثرت وتعددت واختلفت مخارجها، فإنها لا تقبل التعاضد والتقوِّي.

    وهذا ظاهر عند النظر والتدقيق في أسانيد الحديث، وهو ما تبيَّن في هذه التعليقات.

    ومما يضعَّف به الحديث:
    1- ما أشار إليه الإمام أحمد، قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؟ قال: (فيه أحاديث ليست بذاك، وقال الله -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فلا أوجب عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة)[39]، فهذه صفة الوضوء في الآية، لم تذكر فيها التسمية.
    2- والأحاديث الصحيحة الواصفة وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تذكر التسمية أيضًا.

    والله أعلم.

    ـــــــــــــــ ــــــ
    [1] لم يكن الشيخ الحويني أشار إلى هذا الاختلاف في كشف المخبوء، إلا أنه وقف - في بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبدالرحمن (2/350) - على رواية أبي عبيد في الطهور من طريق سليمان بن بلال، لكنه لم يشر إلى الخلاف عليه، وألحق رواية أبي عبيد برواية الطحاوي والحاكم، وجعلهم جميعًا يروون الحديث من طريق سليمان بن بلال عن عبدالرحمن بن حرملة! مع أن في الأمر تفصيلاً على النحو الذي سأشرحه الآن.
    [2] الضعيفة (10/348).
    [3] له ترجمة في تاريخ بغداد (10/272).
    [4] لم يكن الشيخ أثبته في كشف المخبوء، ثم أثبته في بذل الإحسان (2/350).
    [5] العلل (4/434).
    [6] ثم وقف عليها الشيخ وأثبتها -في بذل الإحسان (2/353)-.
    [7] علل ابن أبي حاتم (2/357)، ومع وقوف الشيخ على ترجيح أبي حاتم الرازي هذا، ونقله إياه في الكلام على رواية إسحاق بن حازم، إلا أنه لم يثبته في ترجيحه النهائي، وأبقى على ذكر ترجيح الدارقطني فقط.
    [8] المغني (1/146)، ووقع في مطبوعة هجر: (من هو؟ ومن أبوه؟ فقال: يعني الذي يروي...)، وهو خطأ، ونقل النصَّ ابنُ تيمية -في شرح العمدة (1/169-الطهارة)- فجاء على الصواب، ونقل الجزءَ المتعلقَ بأبي ثفال ابنُ الجوزي -في التحقيق (1/143)-، ثم ابنُ عبد الهادي -في تعليقته على علل ابن أبي حاتم (ص142)-، فنقلا: (مَنْ أبو ثفال؟!).
    [9] الثقات (5/594).
    [10] الثقات (8/157، 158).
    [11] نقله المؤلف (ص26) مختصرًا، وهو بتمامه عند ابن دقيق العيد -في الإمام (1/449)-، ومنه نقلت.
    [12] ميزان الاعتدال (4/508).
    [13] بيان الوهم والإيهام (3/314).
    [14] الطهور (ص66).
    [15] أشار بعض الباحثين الفضلاء إلى أن "وجهه أنها من كبار التابعين الذين هم أقرب لزمن الصحبة، حيث لم يفشُ الكذب ولم يعرف إلا نادرًا، وهؤلاء قد جرى الأئمة كثيرًا على تمشية حالهم، والاعتبار بهم"، وهذا صحيح من حيث أصله، إلا أنه قد يكون في هذه القاعدة (التخفّف في جهالة كبار التابعين) نظرٌ مع إيراد بعض الأئمة هذا الحديث في الأحاديث المناكير، وتضعيف الأئمة له، بل وتعليل بعضِهم إياه بجهالة هذه التابعية نفسها.
    [16] شرح ابن ماجه (1/341).
    [17] السابق.
    [18] ضعفاء العقيلي (1/177).
    [19] العلل الكبير (ص32-ترتيبه).
    [20] انظر: إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص357، 358).
    [21] تنقيح التحقيق (2/276).
    [22] جلاء الأفهام (ص47).
    [23] نتائج الأفكار (1/232).
    [24] تنقيح التحقيق (2/276).
    [25] جلاء الأفهام (ص47).
    [26] تفسيره (6/461).
    [27] القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع (ص256، 257).
    [28] مسائل أبي داود (ص11).
    [29] مسائل ابن هانئ (1/3).
    [30] تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1828).
    [31] التحقيق، لابن الجوزي (1/143).
    [32] مسائل الكوسج (2/263).
    [33] مسائل الكوسج (2/381)، الكامل، لابن عدي (6/67).
    [34] الإمام، لابن دقيق العيد (1/449).
    [35] الضعفاء (1/177).
    [36] الأوسط (1/368).
    [37] معرفة السنن (1/266).
    [38] ترتيب علل الترمذي الكبير (ص31، 32).
    [39] تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1828).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    43-(1/162، 163) (ويسن إبقاء شعر الرأس... ويكون إلى أذنيه، وينتهي إلى منكبيه؛ كشعره -عليه السلام-).

    أخرج البخاري (5901) من طريق إسرائيل، و(3551) ومسلم (2337) من طريق شعبة، و(2337) من طريق سفيان، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: ... إن جمته -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- لتضرب قريبًا من منكبيه، لفظ إسرائيل[1]، وقال شعبة -في رواية البخاري-: له شعر يبلغ شحمة أذنه، وقال -في رواية مسلم-: عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، وقال سفيان: شعره يضرب منكبيه.

    وأخرج البخاري (5903، 5904) ومسلم (2338) من طريق همام، عنقتادة، عن أنس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يضرب شعرُه منكبيه.

    وأخرج البخاري (5905) ومسلم (2338) من طريق جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، قال: كان شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً، ليس بالسبط ولا الجعد، بين أذنيه وعاتقه.

    وأخرج مسلم (2338) من طريق حميد، عن أنس قال: كان شعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أنصاف أذنيه.
    وانظر: المسند الجامع (1333-1335، 1805).

    44-(1/179، 180) (والوضوء... وكان فرضه مع فرض الصلاة -كما رواه ابن ماجه، ذكره في المبدع-)، قال ابن قاسم (1/180): (ولفظه: أن جبريل علم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وهو من طريق رشدين بن سعد، وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة، والطبراني من طريق الليث، موصولاً).
    1- تخريج حديث أسامة بن زيد، وأبيه زيد بن ثابت -رضي الله عنهما-:


    أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (661) -وعنه أبو زرعة الرازي في "المختصر" كما ذكر ابن أبي حاتم في العلل (1/46)، وعنه أيضًا ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (259)-، وأحمد (4/161)، وعبد بن حميد في مسنده (283-المنتخب) -ومن طريقه لؤلؤ في جزئه (ص24)-، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (72-بغية الباحث، 579/3-إتحاف الخيرة المهرة) -ومن طريقه ابن عبدالبر في التمهيد (8/56) والاستذكار (1/184) وأبو موسى المديني في اللطائف (168)-، أربعتهم -ابن أبي شيبة وأحمد وعبد والحارث- عن الحسن بن موسى الأشيب، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/300) -ومن طريقه البيهقي (1/161)، وأبو الحسن القطان في زوائده على سنن ابن ماجه (عقب 462) عن أبي حاتم الرازي، والطبراني في الكبير (5/85) عن بكر بن سهل، ثلاثتهم -يعقوب وأبو حاتم وبكر- عن عبدالله بن يوسف التنيسي، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (258) والأوائل (38)، والطبراني في الكبير (5/85) عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، وابن عدي في الكامل (4/150) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (2858) والخطيب في تاريخ بغداد (10/363) والمزي في تهذيب الكمال (10/40) من طريق أحمد بن محمد بن خالد البراثي، والدارقطني (1/111) عن أبي القاسم البغوي، أربعتهم -ابن أبي عاصم وعبدالله بن أحمد والبراثي والبغوي- عن كامل بن طلحة، والبزار (1332) عن إبراهيم بن زياد، وابن المنذر في الأوسط (151) من طريق الرمادي، كلاهما عن الحجاج بن محمد، وابن ماجه (462) من طريق حسان بن عبدالله، وابن المنذر في الأوسط (152) من طريق أسد بن موسى، والطبراني في الأوائل (18)، والحاكم (3/217) عن محمد بن عبدالله التاجر، كلاهما -الطبراني والتاجر- عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أبيه، سبعتهم -الأشيب والتنيسي وكامل بن طلحة والحجاج وحسان وأسد وعثمان بن صالح- عن عبدالله بن لهيعة، وأحمد (5/203)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (2/895)، وعبدالله بن أحمد في زوائده على مسند أبيه (5/203)، والدارقطني (1/111) من طريق حمدان بن علي، أربعتهم -أحمد وابنه والحربي وحمدان- عن الهيثم بن خارجة، عن رشدين بن سعد، والطبراني في الأوسط (3901) عن علي بن سعيد الرازي، عن محمد بن عاصم الرازي، عن سعيد بن شرحبيل، عن الليث بن سعد، ثلاثتهم -ابن لهيعة ورشدين والليث- عن عقيل، والدارقطني (1/111) من طريق حمدان بن علي، عن الهيثم بن خارجة، عن رشدين بن سعد، عن قرة، وأبو موسى المديني في اللطائف (167) من طريق أحمد بن محمد بن عمر بن يونس، عن جده، عن أيوب بن محمد، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة، ثلاثتهم -عقيل وقرة والمهاجر- عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد، عن أبيه زيد بن حارثة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، أن جبريل -عليه السلام- أتاه في أول ما أوحي إليه، فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء، فنضح بها فرجه. لفظ أحمد عن الحسن بن موسى، وللباقين نحوه، لكنهم يختلفون في ذكر الصلاة، ويُختَلَف على بعضهم في ذلك، وقال بعض الرواة: وضوءَ الصلاة.

    ولم يذكر رشدين بن سعد في روايته عن عقيل وقرة زيدَ بن حارثة، بل جعله عن أسامة بن زيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

    وقد اختلف الرواة في صيغة رواية الحديث:
    فأما ابن لهيعة:
    فقال أحمد وعبد بن حميد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة: عن زيد بن حارثة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جبريل -عليه السلام- أتاه...، وقال ابن أبي شيبة والحارث عن الحسن: عن زيد، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل.
    وقال عبدالله بن يوسف عن ابن لهيعة: عن زيد، أن جبريل نزل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحي إليه.
    وقال ابن أبي عاصم عن كامل بن طلحة عن ابن لهيعة: عن زيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أتاه جبريل...، وقال عبدالله بن أحمد عن كامل: عن زيد، أن جبريل -عليه السلام- نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحي إليه...، وقال البراثي عن كامل: عن زيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لما أراني جبريل...»، وقال البغوي عن كامل: عن زيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جبريل أتاه في أول ما أوحي إليه.

    وقال إبراهيم بن زياد عن الحجاج بن محمد عن ابن لهيعة: عن زيد، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل...، وقال الرمادي عن الحجاج: عن زيد، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتاني جبريل...»[2]، وقال حسان بن عبدالله عن ابن لهيعة: عن زيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «علمني جبريل...»، وقال أسد بن موسى عن ابن لهيعة: عن زيد، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتاني جبريل...»، وقال الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه عن ابن لهيعة: عن زيد، قال: أول ما علم جبريل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-...، وقال محمد بن عبدالله التاجر عن يحيى بن عثمان: عن زيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أتاه جبريل في أول ما أوحي إليه.

    وأما رشدين بن سعد في روايتيه:
    فقال أحمد وابنه عن الهيثم بن خارجة عن رشدين: عن أسامة بن زيد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن جبريل -عليه السلام- لما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-...، وقال حمدان بن علي عن الهيثم: عن أسامة، أن جبريل -عليه السلام- لما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-...، وقال الحربي عن الهيثم: عن أسامة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما علمه جبريل.

    وأما الليث بن سعد، فجاءت روايته: عن زيد بن حارثة، أن جبريل نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحي إليه.
    وأما المهاجر بن عكرمة، فجاءت روايته: أن زيد بن حارثة حدَّث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحي إليه علمه جبريل.

    دراسة الأسانيد:
    اختُلف في الحديث في صيغ الأداء كما شُرح، وكل ذلك راجع إلى صيغتين:
    الأولى: عن الصحابي، أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-...، فحكى الصحابي القصةَ بين جبريل والنبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى هذا أكثر الرواة، وبعضهم يُدخل فيه: (عن النبي -صلى الله عليه وسلم-)، وليس المراد بهذه الصيغة إسنادَ الرواية، بل المراد: أن الصحابي يحكي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه وقع له ذلك.
    الثانية: عن الصحابي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتاني جبريل...»، أو: «علمني جبريل...» أو: «لما أراني جبريل وضوء الصلاة...»، فجعل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يحكي الواقعة، وهذا قاله البراثي عن كامل بن طلحة، وحسان بن عبدالله، وأسد بن موسى، ثلاثتهم عن ابن لهيعة.

    وقد اختُلف في الحديث على عقيل -وهو ابن خالد الأيلي-:
    فرواه ابن لهيعة عنه، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه زيد بن حارثة.
    ورواه رشدين بن سعد عنه به، ولم يذكر: عن أبيه، فجعله من مسند أسامة.

    وتوبع ابن لهيعة على روايته، تابعه الليث بن سعد، حيث أخرج الطبراني روايته، وقال: (لم يروِ هذا الحديث عن الليث إلا سعيد بن شرحبيل، والمشهور من حديث ابن لهيعة)، وفي إسناد الطبراني: شيخه علي بن سعيد الرازي، قال فيه الدارقطني: (ليس في حديثه بذاك... حدث بأحاديث لم يتابع عليها)، وقد تكلم الدارقطني فيه من جهة دخوله في أعمال السلطان، ومن جهة حديث أيضًا، فنَقَدَهُ من الجهتين، ولم يكن كلامه فيه لمجرد دخوله في أعمال السلطان، وقد أثنى عليه بالثقة والحفظ والفهم والعلم بالحديث[3]، وهذا لا ينفي النكارة التي تقع في الأحاديث التي يتفرد بها، وهذا الإسناد منها، وقد أشار إلى نكارته الطبراني حيث قال: (والمشهور: من حديث ابن لهيعة)، فاستغربه من حديث الليث، وردَّه إلى حديث ابن لهيعة، وقد أعلَّه كذلك الحافظ ابن حجر، قال: (وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولاً، ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة)[4].

    وهذا الإسناد المتفرَّد به في غير طبقة من الطبقات المتأخرة؛ الذي ينتهي إلى الليث في حفظه وثقته وتقدمه، مع كون الحديث مشهورًا من حديث ابن لهيعة= إسنادٌ منكر، لا يصح أن يعتبر به، وإنما الحديث حديث ابن لهيعة، فأخطأ بعض الرواة وأبدله بالليث.

    وهذا الحديث رواه ابن لهيعة -على ضعفه- فذكر فيه زيد بن حارثة، قال ابن عدي: (وهذا الحديث بهذا الإسناد لا أعلم يرويه غير ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري)[5]، وخالفه رشدين بن سعد -وهو أضعف من ابن لهيعة في رأي ابن معين وأحمد وأبي حاتم- فلم يذكر فيه زيدًا، واختُلف على ابن لهيعة في جعله من كلام زيد بن حارثة، أو من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، واختُلف على ابن لهيعة أيضًا في ذكر الصلاة في المتن وعدم ذكرها، وهذا الاختلاف على ابن لهيعة، ومخالفة رشدين له= إنما هو اضطراب من هذين الضعيفين، وهي رواياتٌ متفاوتةٌ منهما عن الحافظ الثقة الحجة عقيل بن خالد، عن الحافظ الإمام الزهري، ورواية عقيل عن الزهري من أصح الروايات؛ إذ هو من أوائل المقدَّمين فيه، وحديثه محفوظ عند الليث بن سعد وغيره من الثقات، ولا يقبل أن ينفرد عنه -والحال كذلك- ضعيفان يضطربان في روايتيهما، بل هذا في درجة من النكارة شديدة.

    ولهذا؛ فقد أبطله وكذَّبه أبو حاتم الرازي، قال: (هذا حديثٌ كذبٌ باطل)[6]، والكذب يستعمل في شدة الخطأ، وقد لا يُراد به الوضع، ووافق أبا حاتم ابنُه، حيث ذكر أن أبا زرعة أخرج هذا الحديث في كتاب "المختصر"، فلما رأى ابن أبي حاتم شدة النكارة في الحديث قال: (فظننتُ أنه أخرجه قديمًا للمعرفة)[7]، يعني: أن أبا زرعة إنما أخرج الحديث في الكتاب قديمًا حال جمعه الروايات والطرق، وذلك ليعرف أن الحديث مروي من هذه الطريق، ويعرف علّته، لا ليحتج به ويصححه.

    وكتابة الحديث للمعرفة شطرٌ من منهج الأئمة المتقدمين في الأحاديث الواهية من أحاديث المتروكين والضعفاء، قال الحاكم: (وكذلك من بعدهم -يعني: مالكًا والشافعي وأبا حنيفة- من أئمة المسلمين قرنًا بعد قرن، وعصرًا بعد عصر، إلى عصرنا هذا= لم يخلُ حديثُ إمامٍ من أئمة الفريقين[8] عن مطعونٍ فيه من المحدثين، وللأئمة فى ذلك غرضٌ ظاهر: وهو أن يعرفوا الحديث: من أين مخرجه؟ والمنفرد به عدلٌ أو مجروح؟)[9]، وقال ابن رجب: (فرقٌ بين كتابةِ حديثٍ وبين روايته، فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء[10] لمعرفتها، ولم يرووها، كما قال يحيى: "سجرنا بها التنور"[11]، وكذلك أحمد؛ خرق حديثَ خلقٍ ممن كتب حديثهم، ولم يحدث به، وأسقط من المسند حديث خلقٍ من المتروكين لم يخرجه فيه، مثل: فائد أبيالورقاء وكثير بن عبدالله المزني وأبان بن أبي عياش وغيرهم، وكان يحدث عمن دونهم في الضعف.

    والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين غلب عليهم الخطأ للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف، مثل من في حفظه شيء أو يختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه، وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل، وأما الذين كتبوا حديث الكذابين من أهل المعرفة والحفظ؛ فإنما كتبوه لمعرفته، وهذا كما ذكروا أحاديثهم في كتب الجرح والتعديل...)[12]، فكتابة الحديث للمعرفة تدل على وهنه ونكارته.

    والظاهر أن منشأ الخطأ عند هذين الضعيفين: ما ذكره ابن حجر، قال: (... أخرجه ابن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي الأسود -يتيم عروة-، عنه[13]، أن جبريل علَّم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- الوضوءَ عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل)[14]، وهذا أصح، والظاهر أن ابن لهيعة ضبطه حين أخرجه في كتابه في مغازي أبي الأسود عن عروة، فرواه عن أبي الأسود محمد بن عبدالرحمن بن نوفل -يتيم عروة-، عن عروة، به مرسلاً، إلا أنه لما حدَّث به الرواةَ خلَّط -لضعفه-؛ فرواه عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه. والله أعلم.

    وقد جاءت متابعتان لعقيل عن الزهري:
    إحداهما: رواية قرة -فيما رواية حمدان بن علي عن الهيثم بن خارجة عن رشدين عنه-، وفي إسنادها شيخ الدارقطني: محمد بن أحمد بن إبراهيم الكاتب، ثقة يروي مناكير[15]، ولم يَذكر قرةَ أحمدُ وابنُه عبدالله وإبراهيمُ الحربي عن الهيثم بن خارجة عن رشدين، فالأصح عدم ذكره. وقد سبق بيان حال رشدين في الضعف، ولا يحتمل من مثله التفرد برواية الوجهين: عن عقيل وعن قرة، مع المخالفة فيهما.

    الثانية: رواية المهاجر بن عكرمة عن الزهري، وفي إسنادها: أحمد بن محمد بن عمر بن يونس، كذَّبه سلمة بن شبيب وأبو حاتم الرازي وابن صاعد، وضعَّفه وتركه غيرهم، وحدَّث بنسخ مناكير[16]، وفي إسنادها أيضًا: أيوب بن محمد الراوي عن يحيى بن أبي كثير، وهو ضعيف منكر الحديث[17].

    فهذه المتابعة ساقطة لا اعتداد بها.

    2- تخريج حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن ماجه (463)، والترمذي (50) -ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (586)، والبزار (8844)، وأبو يعلى (6356) -وعنه ومن طريق أخرى ابن عدي في الكامل (2/321)-، والعقيلي في الضعفاء (1/234)، وابن حبان في المجروحين (1/235)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (2/47، 48)، كلهم من طريق سلم بن قتيبة، عن الحسن بن علي الهاشمي، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «جاءني جبريل فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح»، لفظ الترمذي، وللباقين نحوه، وفي لفظ العقيلي: أن جبريل -عليه السلام- علَّم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- الوضوء، فقال: يا محمد، إذا توضأت فانتضح.

    دراسة الإسناد:
    قال الترمذي: (هذا حديث غريب)، وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد)، وقال العقيلي-بعد أن أسنده وأسند حديثًا آخر للحسن بن علي الهاشمي راويه-: (لا يتابع عليهما من هذا الوجه).

    والحسن بن علي الهاشمي هذا هو الحسن بن علي بن محمد بن ربيعة بن نوفل، وهو ضعيف الحديث منكَرُه، ونصَّ الدارقطني على نكارة ما يرويه عن الأعرج خاصة، وهذا منها.

    ولهذا فقد استنكر هذا الحديث الأئمة، بل قال ابن حبان -فيه وفي حديث آخر-: (جميعًا باطلان)[18].

    ـــــــــــــــ ــــــــ
    [1] ولم يذكره البخاري بإسناده، وإنما علقه عن بعض أصحابه، عن مالك بن إسماعيل (شيخه في هذا الحديث).
    [2] رواية الرمادي قرنها ابن المنذر برواية أسد بن موسى، والظاهر أن هذا السياق لأسد بن موسى.
    [3] انظر: إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص430، 431).
    [4] فتح الباري (1/233).
    [5] الكامل (4/150).
    [6] العلل، لابنه (1/46).
    [7] العلل (1/46).
    [8] لعله يعني: أهل الحديث وأهل الرأي.
    [9] المدخل إلى كتاب الإكليل (ص31).
    [10] يعني ابنُ رجب: من اشتدَّ ضعفهم، وهو هنا يفصل فيما أجمله الحاكم من تجويز الرواية عن الضعفاء من أهل التهمة بالكذب والغفلة وكثرة الغلط.
    [11] يعني: ما نقله قبله من طريق ابن معين، قال: (كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا).
    [12] شرح علل الترمذي (1/384-387).
    [13] يعني: عن عروة.
    [14] فتح الباري (1/233).
    [15] انظر: الدليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني، لنايف المنصوري (ص331، 332).
    [16] انظر: لسان الميزان (1/282).
    [17] انظر: لسان الميزان (1/487).
    [18] المجروحين (1/235).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    45-(1/183) ("و" الثالث "مسح الرأس" كله، "ومنه الأذنان"؛ لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الأذنان من الرأس»، رواه ابن ماجه).

    1- تخريج حديث أبي أمامة - رضي الله عنه -:
    أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (88، 359)، وأحمد (5/258) -وعنه الأثرم في سننه (8)-، والطبراني في الكبير (8/143) عن أحمد بن محمد السوطي[1]، ثلاثتهم عن عفان بن مسلم، وأحمد (5/264) عن يونس بن محمد المؤدب، و(5/268) عن يحيى بن إسحاق، وابن ماجه (444) والروياني (1247) والدارقطني في السنن (1/103) والمؤتلف (3/1206) وابن دقيق العيد في الإمام (1/500) والمزي في تهذيب الكمال (12/148) من طريق محمد بن زياد الزيادي، وأبو داود (134) -ومن طريقه البيهقي (1/67)-، والدارقطني (1/104) -ومن طريقه البيهقي في السنن (1/66) والخلافيات (229)- من طريق يوسف بن موسى القطان، كلاهما -أبو داود والقطان- عن سليمان بن حرب، وأبو داود (134) -ومن طريقه البيهقي (1/67)- والترمذي (37) عن قتيبة بن سعيد، وأبو داود (134) -ومن طريقه البيهقي (1/67)-، والبيهقي (1/66) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي، كلاهما -أبو داود ويوسف القاضي- عن مسدد، وأبو مسلم الكجي في سننه -كما ذكر ابن دقيق العيد في الإمام (1/504)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (8/143) وأبو بكر الجصاص الرازي في أحكام القرآن (3/360) والدارقطني في السنن (1/103)[2]- عن حفص بن عمر أبي عمر الضرير، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، والطبري في تفسيره (10/32) عن أبي كريب، والدارقطني (1/103) من طريق محمد بن شاذان، كلاهما عن معلى بن منصور، والطبري في تفسيره (10/32) عن محمد بن عبدالله بن بزيع، والطبري في تفسيره (10/32) عن أبي كريب، والطوسي في مستخرجه على الترمذي (33) عن محمد بن عثمان بن كرامة، والبيهقي في الخلافيات (219) من طريق أحمد بن عبدالحميد الحارثي، ثلاثتهم -أبو كريب وابن كرامة والحارثي- عن أبي أسامة حماد بن أسامة، وابن المنذر في الأوسط (362) من طريق عبدالله بن الجراح، والطحاوي في شرح المعاني (1/33) من طريق يحيى بن حسان، والطبراني في الكبير (8/142، 143) من طريق محمد بن الفضل عارم، وخالد بن خداش، وابن عدي في الكامل (3/440) من طريق أحمد بن عبدة، والدارقطني (1/103) من طريق الهيثم بن جميل، والخطابي في غريب الحديث (1/145، 146) من طريق عبدالوارث بن عبيدالله، عن عبدالله بن المبارك[3]، والبيهقي في السنن (1/66) من طريق سليمان بن داود أبي الربيع الزهراني، كلهم -عشرون راويًا- عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة أبي ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه، وقال: «الأذنان من الرأس»، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح على الموقين. لفظ يونس بن محمد، ويأتي بيان اختلاف الألفاظ في دراسة الأسانيد؛ لارتباطه بها.

    إلا أن سليمان بن حرب وقف الحديث على أبي أمامة، ونقل يونس بن محمد وقتيبة بن سعيد ومعلى بن منصور[4] أن حماد بن زيد كان يشك بين رفع الحديث ووقفه، وشك محمد بن عبدالله بن بزيع بين كون الصحابي أبا أمامة أو أبا هريرة.

    وابن عدي في الكامل (1/191) والدارقطني (1/104) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (235)- من طريق عيسى بن يونس، و(1/104) من طريق شريح بن يزيد أبي حيوة، كلاهما -عيسى وشريح- عن أبي بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة به.

    إلا أن شريحًا أرسله، فجعله عن راشد بن سعد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لم يذكر أبا أمامة.

    وابن عدي في الكامل (7/240) من طريق يحيى بن كثير، والدارقطني (1/104) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (231)- من طريق علي بن عاصم، وأبي جابر، ثلاثتهم عن جعفر بن الزبير، وتمام في الفوائد (1571) وابن عساكر في تاريخ دمشق (54/150) من طريق سليمان بن عبدالرحمن، عن عثمان بن فائد، عن أبي معاذ الألهاني، كلاهما -جعفر بن الزبير والألهاني- عن القاسم بن عبدالرحمن أبي عبدالرحمن الشامي، عن أبي أمامة به.

    دراسة الأسانيد:
    أ- رواية شهر بن حوشب عنه:
    مدار هذه الرواية على حماد بن زيد، ولم يُختلف عليه في كون الحديث عن أبي أمامة، وأما شك محمد بن عبدالله بن بزيع في صحابي الحديث بين أبي أمامة وأبي هريرة؛ فمُطَّرح؛ لاتفاق جمع الرواة عن حماد بجعله أبا أمامة.

    وقد نُقل عن حماد أنه كان يشك في رفع قوله: «الأذنان من الرأس» ووقفه، قال: (لا أدري هذا من قول أبي أمامة أو من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-)، نقله عنه بنحوه يونس بن محمد وقتيبة بن سعيد ومعلى بن منصور، وهم ثقات حفاظ.

    واختلف الباقون في النقل عن حماد:
    فقال محمد بن زياد الزيادي -ونحوه لمحمد بن عبدالله بن بزيع وأحمد بن عبدة والهيثم بن جميل-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الأذنان من الرأس»،- وقال مسدد وأبو الربيع الزهراني -قُرنت روايتاهما، ونحوها ليحيى بن إسحاق وأبي عمر الضرير وعبدالله بن الجراح ويحيى بن حسان-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ فغسل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا ومسح برأسه، وقال: «الأذنان من الرأس»، ولفظ يحيى بن إسحاق: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا وغسل وجهه، وكان يمسح المأقين من العين، قال: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسح رأسه مرة واحدة، وكان يقول: «الأذنان من الرأس».

    واختُلف على أبي أسامة:
    فقال عنه أبو كريب ومحمد بن عثمان بن كرامة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الأذنان من الرأس».
    وقال عنه أحمد بن عبدالحميد: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه، وقال: «الأذنان من الرأس»، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح المأقين.
    ولم أتبين لفظ محمد بن أبي بكر المقدمي[5]، ولم يذكر الطبراني لفظ محمد بن الفضل عارم وخالد بن خداش، واختصر الخطابي حديث ابن المبارك، فلم يذكر منه إلا لفظ مسح المأقين.
    ووقف سليمان بن حرب الحديث على أبي أمامة، قال أبو داود عقب روايته: (قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة)، وقال يوسف بن موسى القطان بعد أن رواه عنه: (قال سليمان بن حرب: «الأذنان من الرأس» إنما هو قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدَّل -أو كلمة قالها سليمان- أي: أخطأ).

    وظاهرٌ من هذا العرض أن أقل الرواة رووه صريحًا بالرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن أكثر الرواة -وفيهم حفاظ ثقات، كمسدد وأبي الربيع الزهراني ويحيى بن حسان- رووه بصيغة غير صريحة في الرفع، وهي أقرب إلى المحتملةِ الرفعَ والوقفَ منها إلى المفيدةِ أحدَهما، وهي قوله بعد أن ذكر وصف الوضوء: وقال: «الأذنان من الرأس».

    وقد اتفق ثلاثة من الثقات الحفاظ على إثبات أن حماد بن زيد كان يشك في رفع هذه اللفظة ووقفها، وبيَّن سليمان بن حرب أن الصواب عن حماد وقف اللفظة على أبي أمامة، وسليمان بن حرب من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، وكان له اختصاص بحماد بن زيد، وملازمة ومجالسة.

    قال أبو حاتم الرازي: (سليمان بن حرب إمام من الأئمة، كان لا يدلس، ويتكلم في الرجال وفي الفقه، وليس بدون عفان، ولعله أكبر منه... وهو أحب إليَّ من أبي سلمة التبوذكي في حماد بن سلمة وفي كل شيء...)، وقال يعقوب بن شيبة: (كان ثقةً ثبتًا صاحب حفظ)، وقال النسائي وابن قانع: (ثقة مأمون).

    وأما اختصاصه بحماد بن زيد، فقال يعقوب بن سفيان الفسوي: سمعت سليمان بن حرب يقول: (طلبت الحديث سنة ثمان وخمسين ومئة، فاختلفت إلى شعبة، فلما مات شعبة جالست حماد بن زيد ولزمته حتى مات)، قال: (جالسته تسع عشرة سنة، جالسته سنة ستين، ومات سنة تسع وسبعين ومئة)، وكان من شدة ملازمته لحماد يعرف الرواة الذين يحضرون مجلسه، ويؤخَذ قوله في ذلك، نقل الفسوي عنه قوله: (لم أرَ أبا الربيع عند حماد بن زيد)[6].

    وهذه الإمامة والثقة العالية تقضي بألا يُهمل كلام سليمان ويُترك، بل لكلامه قيمة وأهمية، خاصة أنه من ألزم الرواة لحماد بن زيد -شيخه في هذه الراوية-، وأعرفهم بحديثه، وهو قد أنكر -كما سبق النقل عنه- رواية الرفع عن حماد بن زيد، وهي حقيقةٌ بهذا الحكم، إذ إن مَنْ رواها أقل الرواة عددًا وحفظًا وثقةً، واحتمال الاختصار والرواية بمعنى الصيغة قائم.

    وكون سليمان بن حرب لازم حماد بن زيد حتى مات -كما ذكر هو- مفيدٌ أنه يعرف ما كان عليه حديث حماد بن زيد في أوله وآخره، وأن نقلَهُ عنه أقوى من نقل غيره.

    والذي يظهر أن حمادًا كان يشك في الرواية -كما نقل عنه بعض الحفاظ- بين الرفع والوقف، ويرويه بصيغة تحتمل الرفع والوقف؛ لشكِّه فيه، ثم انتهى بروايته موقوفًا على أبي أمامة، ونقل هذا عنه سليمان بن حرب، وخطَّأ من روى غير ذلك عنه.

    وقد رجح الوقف -سوى الحافظ سليمان بن حرب-:
    موسى بن هارون الحمال، قال في سياق تضعيف الحديث: (والحديث في رفعه شك)[7].
    والدارقطني، قال: ( ... أسنده هؤلاء عن حماد، وخالفهم سليمان بن حرب، وهو ثقة حافظ...)[8]، وقال: (وقال سليمان بن حرب في هذا الحديث عن حماد بن زيد: إن قوله: «والأذنان من الرأس» هو من قول أبي أمامة غير مرفوع. وهو الصواب)[9].
    والبيهقي، قال: (والحديث في رفعه شك)[10].
    وابن العربي، قال: (والصحيح أن ذلك من قول أبي أمامة صدي بن عجلان، لا من نفس الحديث، والحديث نصه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مسح برأسه، وقال: "الأذنان من الرأس"، يعني أن هذا قول أبي أمامة لا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)[11].
    وابن عبدالهادي، قال: (والصواب أنه موقوف على أبي أمامة، كما قال الدارقطني)[12].

    وجوَّز ابن الجوزي صحة الوجهين، قال: (الراوي قد يرفع الشيء وقد يفتي به)[13]، وجوَّز ذلك ابن التركماني، قال: (وإذا رفع أحد حديثًا، ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين= يرجح الرافع، لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الإنسان حديثًا فيوقفه في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الرافع)[14]، ونحوه للزيلعي[15]، وكلامهم هذا جارٍ على مناهج الأصوليين والفقهاء في التجويزات العقلية، وذلك ما لم يلتفت إليها أئمة الحديث النقاد الحفاظ ومن سلك مسلكهم، ومنهم -في هذا المثال خاصة-: سليمان بن حرب، وموسى بن هارون الحمال، والدارقطني، والبيهقي، وابن العربي، وابن عبدالهادي.

    فتبيَّن أن لفظة «الأذنان من الرأس» موقوفة على أبي أمامة، وأن باقي الحديث مرفوع -وهذا ظاهر، إذ هو وصفٌ لوضوء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان هذا نوعًا من الإدراج في الحديث، ولذا قال ابن حجر: (وقد ذكرت طرق حديث شهر هذا في كتاب المدرج بدلائله وكيفية الإدراج فيه -بحمد الله تعالى-)[16].

    إذا تقرر ذلك، فليعلم أن سنان بن ربيعة أبا ربيعة راوي الحديث ضعيف[17]، وتظافرت كلمات الجرح المفسر من الأئمة فيه، وقد قال ابن عدي: (له أحاديث قليلة)، وقلة حديثه مع تضعيف الأئمة له مفسَّرًا دالٌّ على ضعف الرجل، وأنه أتى بالمناكير على قلة حديثه، وقد أخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة سنان محتجًّا به على أحقيته بالذكر في الضعفاء، فدل على أنه مما ينكره ابن عدي عليه، وأما قوله: (أرجو أنه لا بأس به)، فسبق أنها ليست على ظاهرها مطلقًا[18].

    ومن المحتمل أن شك حماد في رفع الحديث ووقفه يرجع إلى سنان هذا، إذ لم يضبط الحديث، فلم يؤدِّه إلى حماد مستقيمًا، فأورث حمادًا الشك فيه، وذلك لأن سنانًا "مضطرب الحديث" -كما قال أبو حاتم الرازي-.

    وشيخه: شهر بن حوشب فيه كلام طويل، وخلاف، وقد قواه بعض من قوى هذا الحديث، واعتمد على ضعفه بعض من ضعفه، وعلى القول بتقوية حال شهر؛ فإن له تخليطات متفقًا عليها، وقد وقع في هذا الحديث نوع اضطراب، يحتمل أن يكون من تخليطاته هو، أو من تخليطات الراوي عنه: سنان بن ربيعة، وقد سبق ضعفه.

    واجتماع هذين الرجلين اللذين تُكُلِّم فيهما في الحديث، خاصة سنان، الذي أنكر عليه هذا الحديث بخصوصه، وضُعِّف مع قلة حديثه، مع الاختلاف في رفعه ووقفه= قرائن يثبت معها أن هذا الحديث منكر من طريق أبي أمامة، وأن ضعفه مما لا يُقبل معه الاستشهاد به وتقويته.

    قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: (هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم)[19]، وقال الحافظ دعلج بن أحمد: سألت موسى بن هارون عن هذا الحديث، قال: (ليس بشيء، فيه شهر بن حوشب، وشهر ضعيف، والحديث في رفعه شك)[20].

    هذا، وقد روى الحديث حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا توضأ غسل مآقيه بأصبعيه، ولم يذكر قوله: (الأذنان من الرأس)، ورواية حماد هذه علقها ابن أبي حاتم والدارقطني[21]، ولم أجدها مسندة، وإن صحت فهي دليلٌ على اضطراب سنان بن ربيعة في هذا الحديث، ومؤيدة لشدة ضعف روايته، وأشار إلى هذا أبو حاتم الرازي في تعليقه على رواية حماد بن سلمة، قال: (روى حماد بن زيد، عن سنان، عن شهر، عن أبي أمامة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحماد بن زيد أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة، وسنان بن ربيعة أبو ربيعة مضطرب الحديث)[22]، فبيّن أبو حاتم أن حماد بن زيد أحفظ من ابن سلمة، ثم عقب بأن أبا ربيعة مضطرب الحديث، فكأنه يشير إلى تحميله الاضطرابَ في هذا الحديث، وروايتَه بهذين الإسنادين المختلفين، والاضطراب إذا وقع من أحد الضعفاء كانت روايته شديدةَ الضعف، منكرة.

    ب- رواية راشد بن سعد عن أبي أمامة:
    ومدارها على أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، وقد وصفه بعض الأئمة بنكارة الحديث، وتركه بعضهم، وقد اختُلف عنه في هذا الحديث:
    فرواه عيسى بن يونس عنه عن راشد موصولاً.
    ورواه شريح بن يزيد أبو حيوة عنه عن راشد مرسلاً.

    ورواية عيسى بن يونس لا تصح، قال ابن عدي: (وهذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه إلا أحمد بن عيسى)[23]، وأحمد بن عيسى هو الخشاب، متهم بالكذب والوضع[24].

    ورواية شريح المرسلة أصح، ونكارتها باقية بحال أبي بكر بن أبي مريم.

    ج- رواية القاسم عن أبي أمامة:
    وقد جاءت عنه من طريق جعفر بن الزبير، وهو متروك، نُقل الإجماع على تركه، وتابعه أبو معاذ الألهاني، ولم أعرفه، وعنه عثمان بن فائد، قال فيه دحيم: (ليس بشيء)، وقال ابن عدي: (قليل الحديث، وعامة ما يرويه ليس بمحفوظ)، وتكلم فيه غير واحد من العلماء بجرح شديد، وهو أولى بكونه منكر الحديث، فإن كل ذلك الكلام كان مع قلة ما يرويه، ومن كثرت مناكيره وقلت روايته عُلم أن ضعفه شديد.

    فالخلاصة:
    أن هذين الطريقين منكران، ولا يصح الحديث عن القاسم عن أبي أمامة، والاستشهاد به خطأ، فالمنكر لا يفيد شهادة ولا تقوية.

    2- تخريج حديث عبدالله بن زيد -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن ماجه (443)، والبيهقي في الخلافيات (238) من طريق عمران بن موسى بن مجاشع،كلاهما عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الأذنان من الرأس»، لفظ ابن ماجه.

    دراسة الإسناد:
    اختصر ابن ماجه متنه، ورواه عن سويد بن سعيد مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو بتمامه -كما في رواية عمران بن موسى عن سويد-: عن عبدالله بن زيد، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ بثلثي مد، وجعل يدلك، والأذنان من الرأس. وظاهرُ هذا اللفظ أن قوله: «والأذنان من الرأس» من كلام عبدالله بن زيد.

    وقد جاء عن سويد بدون ذكر لفظة: «الأذنان من الرأس»، أخرجه أبو يعلى في مسنده -كما في إتحاف الخيرة المهرة (584/4)-، والضياء في المختارة (9/365، 366) من طريق أبي لبيد محمد بن إدريس السرخسي، كلاهما -أبو يعلى وأبو لبيد- عن سويد به، ولفظ أبي يعلى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتي بثلثي مد، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه. ولفظ السرخسي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ومسح بأذنيه.

    كما رواه غيرُ سويد عن ابن أبي زائدة، وغير ابن أبي زائدة عن شعبة؛ بدون لفظة «الأذنان من الرأس»:
    فقد أخرجه النسائي في ما أغرب به شعبة على سفيان (49) -ومن طريقه ابن دقيق العيد في الإمام (1/564، 565)- عن محمد بن عبيد بن محمد، وأبو يعلى في مسنده -كما في إتحاف الخيرة المهرة (584/2)، ومن طريقه الضياء في المختارة (9/365)- عن عبدالله بن عامر بن زرارة، والروياني (1009) وابن خزيمة (118) -ومن طريقه الضياء في المختارة (9/368)- وابن حبان (1083) والحاكم (1/161) من طريق محمد بن العلاء أبي كريب، والشاشي (1088) عن أبي قلابة الرقاشي عن سليمان بن داود، والحاكم (1/144) -وعنه البيهقي (1/196)- من طريق إبراهيم بن موسى الرازي، خمستهم -محمد بن عبيد وابن زرارة وأبو كريب وسليمان والرازي- عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، والطيالسي في مسنده (ص148) -ومن طريقه أحمد (4/39) والنسائي في ما أغرب به شعبة على سفيان (50)-، ومسدد في مسنده -كما في إتحاف الخيرة المهرة (584/1)، ومن طريقه ابن حبان (1082)- عن يحيى بن سعيد القطان، وأبو يعلى -كما في إتحاف الخيرة المهرة (584/3)، ومن طريقه وطريق أخرى الضياء في المختارة (9/368، 369)- عن معاذ بن معاذ، والبيهقي (1/196) من طريق أحمد بن سلمان النجاد عن أبي قلابة الرقاشي عن سليمان بن داود عن أبي خالد الأحمر، خمستهم -ابن أبي زائدة والطيالسي والقطان ومعاذ والأحمر- عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد به؛ بلفظ: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أتي بثلثي مد ماء، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه. لفظ القطان وابن أبي زائدة -في رواية أبي كريب والرازي عنه-، ولفظ محمد بن عبيد وابن زرارة عن ابن أبي زائدة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ ومسح بأذنيه. وجمع بين اللفظين معاذ بن معاذ، واختصره الطيالسي بذكر الدلك فقط.

    وفي الحديث خلاف آخر عن شعبة ليس هذا موضع بسطه.

    واختُلف عن أبي قلابة الرقاشي -كما ظهر-، فقال النجاد: عنه عن سليمان بن داود عن أبي خالد الأحمر، وقال الشاشي: عنه عن سليمان بن داود عن ابن أبي زائدة. وسليمان بن داود هذا إن كان الطيالسي؛ فالرواية التي في مسنده عن شعبة مباشرة، وإن كان غيره؛ فقد تُكُلِّم في أبي قلابة من حيث اختلاطه بعد أن قدم بغداد، ومن حيث أنه يحدث بحفظه. والمقصود حاصلٌ برواية غيره.

    وقد اجتمع ثقتان حافظان (أبو كريب وإبراهيم بن موسى الرازي) مع عبدالله بن عامر بن زرارة على روايته عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ثم اجتمع ثلاثة حفاظ (الطيالسي والقطان ومعاذ بن معاذ) على متابعة ابن أبي زائدة، فرووه عن شعبة؛ لم يذكروا قوله: «الأذنان من الرأس»، وشذَّ عنهم: سويد بن سعيد، فرواه عن ابن أبي زائدة، وذكر ذلك -في بعض الروايات عنه-.

    وسويد متكلم فيه، وتغير وعمي فصار يتلقن، وكثرت المناكير في روايته بعد عماه[25]، وحتى لو اعتُبر ثقةً، فإن غيرَه عن ابن أبي زائدة أوثق، واجتماعهم أقوى من انفراده، كما أن المتابعات التي جاءت لابن أبي زائدة على ما رووه مفيدةٌ صحة روايتهم عنه دون رواية سويد.

    قال ابن حجر: (إلا أن له علة، فإنه من رواية سويد بن سعيد كما ترى، وقد وهم فيه. وذكر الترمذي في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن هذا الحديث، فضعف سويدًا)[26].

    وقد نقل البيهقي كلام الترمذي هذا، قال -بعد أن أسند رواية سويد-: قال أبو عيسى الترمذي: قلت للبخاري: فإنهم يذكرون عن سويد بن سعيد عن ابن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد، فقال: (هو حبيب بن زيد. ودع سويد)، وضعفه جدًّا، وقال: (كلما لقن شيئًا تلقنه)، وضعف أمره[27]. فهذا تضعيف شديد من البخاري لسويد خاصةً في حديثه هذا، فإنه منكرٌ من روايته.

    ثم ذكر ابن حجر -في تمام كلامه المنقول آنفًا- أن رواية عمران بن موسى بن مجاشع عن سويد -عند البيهقي في الخلافيات- هي الأصوب عنه، بوقف لفظة «الأذنان من الرأس» على عبدالله بن زيد، قال: (وقد حدَّث -أي: سويد- بهذا الحديث في حال صحَّته[28] فأتى به على الصواب؛ فرواه البيهقي من رواية عمران بن موسى السختياني عن سويد بسنده إلى عبدالله بن زيد، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ بثلثي مد، وجعل يدلك، قال: والأذنان من الرأس. انتهى. وقوله: قال: «والأذنان من الرأس» هو من قول عبدالله بن زيد، والمرفوع منه ذكر الوضوء بثلثي مد، والدلك. وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم من حديث أبي كريب عن ابن أبي زائدة دون الموقوف. وقد أوضحت ذلك بدلائله وطرقه في الكتاب الذي جمعته في المدرج) ا.هـ كلام ابن حجر[29].

    وأيَّد هذه الرواية: ما سبق من رواية أبي يعلى وأبي لبيد السرخسي عن سويد بدون إدراج لفظ: «الأذنان من الرأس»، فكأنهما اختصرا حديث سويد، فلم يذكرا إلا المرفوع منه، وتركا الموقوف.

    فظهر أن الصحيح في قوله: «الأذنان من الرأس» في هذا الحديث عن سويد: وقفُهُ على عبدالله بن زيد، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ثم شعبة: روايته بدون تلك اللفظة.

    فالخلاصة:
    أن الحديث من هذه الطريق -طريق عبدالله بن زيد- منكرٌ مرفوعًا، وهو من أوهام سويد ومناكيره التي حدث بها -فيما يظهر- حال تغيره، فضعفه الأئمة بسببها، وإن كان الوهم من سويد نفسه -لا تلقينًا-؛ فلعل منشأه أنه روى هذه اللفظة من طريق أخرى ضعيفة جدًّا، وهي رواية القاسم بن غصن عن إسماعيل بن مسلم المكي عن عطاء عن ابن عباس[30]، فأدرجها بهذا الحديث.

    يتلوه -بعون الله- تخريج أحاديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم- ومرسل سليمان بن موسى في الباب، ودراسة أسانيدها وبيان الراجح فيها.

    ـــــــــــــــ ــــــــــــ
    [1] كذا في المطبوع، وصوّب الشيخ مشهور في تحقيق الخلافيات (1/410) كونه: السمري؛ لا السوطي، ولعل ما وقع في المطبوع صواب، فانظر: إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني، للمنصوري (ص180)، والمراجع التي عزا إليها.
    وقد وقع شيخ السوطي في المطبوع من المعجم: عثمان بن مسلم، وصوابه: عفان، كما نبه الشيخ مشهور (1/410)، ومحققو المسند (36/555).
    [2] رواية الطبراني والجصاص من طريق أبي مسلم عن أبي عمر فقط، دون المقدمي.
    [3] ورد اسماهما (عبدالوارث وابن المبارك) في الغريب مهملين، وأغرب الشيخ مشهور في تعليقه على الخلافيات (1/411)، حيث سقط في نقله: "عبدالوارث"، ونقل اسم ابن المبارك: "عبيدالله"، وقال: (ولعله القواريري)، والنص في المطبوع: (عبدالله)، وهو آتٍ في سندٍ متكرر عند الخطابي: عبدالعزيز بن محمد، عن ابن الجنيد، عن عبدالوارث، عن عبدالله، وقد صرّح في موضع أنه ابن المبارك، انظر: (2/283)، وصرح في موضع آخر بذلك، لكنه من رواية محمد بن سعدويه عن ابن الجنيد، انظر: (2/351). وعبدالوارث هذا هو ابن عبيدالله العتكي المروزي، قال ابن أبي حاتم -في الجرح (6/76)-: (روى عن عبدالله بن المبارك الكثير، حتى روى عنه مسائل سأله وسئل وهو حاضر).
    [4] في رواية أبي كريب عنه، ونقل محمد بن شاذان عنه الشكَّ، ولم ينسبه إلى حماد، ولعله راجعٌ إليه.
    [5] ولعل في سياق ابن دقيق العيد في الإمام (1/104) للفظ أبي عمر الضرير، وعطفه رواية المقدمي على ذلك= إشارة إلى كونه مثله أو نحوه، والذي في سنن الدارقطني من طريق أبي مسلم عن الضرير والمقدمي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الأذنان من الرأس»، والظاهر أنه اختصار من الدارقطني، فإن لفظ أبي مسلم عن أبي عمر مثبت عند الطبراني وابن دقيق بتمامه، وليس فيه التصريح بالرفع.
    [6] المعرفة والتاريخ (1/170)، وانظر: (2/131).
    [7] سنن الدارقطني (1/104).
    [8] السنن (1/103).
    [9] العلل (12/263).
    [10] السنن (1/66).
    [11] عارضة الأحوذي (1/50).
    [12] تنقيح التحقيق (1/117)، المحرر (ص49).
    [13] التحقيق (1/152).
    [14] الجوهر النقي (1/66).
    [15] نصب الراية (1/19).
    [16] النكت على ابن الصلاح (1/415).
    [17] انظر -سوى التهذيبين-: إكمال مغلطاي (6/121).
    [18] انظر: الحديث (42).
    [19] الجامع (1/87 ط. بشار)، وفيه التنبيه على عدم ثبوت قول الترمذي عن الحديث: "حسن" في المصادر، ويضاف: أنها ليست في نسخة الكروخي أصح نسخ الترمذي (ق6أ)، ولا نقلها عنه الطوسي في مستخرجه (1/210)، ولا ابن دقيق لما نقل كلامه في الإمام (1/501)، ولا ابن سيد الناس لما نقله في النفح الشذي (1/357)، ولا الزيلعي لما نقله في نصب الراية (1/18).
    [20] سنن الدارقطني (1/104).
    [21] يأتي تخريجها في حديث أنس -إن شاء الله-.
    [22] علل ابن أبي حاتم (1/28).
    [23] الكامل (1/191).
    [24] انظر: لسان الميزان (1/240).
    [25] انظر -سوى التهذيبين-: النكت، لابن حجر (1/411).
    [26] النكت (1/411).
    [27] الخلافيات (1/431، 432)، وقد سقط هذا من ترتيب أبي طالب القاضي لعلل الترمذي الكبير.
    [28] يعني: قبل أن يعمى ويتغير ويسوء حفظه.
    [29] النكت (1/411).
    [30] يأتي تخريج روايته -إن شاء الله- في حديث ابن عباس.
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    توطئة:
    بدأتُ في الحلقة السابقة بدراسة حديث: «الأذنان من الرأس»، ومرَّ فيها تخريج حديثي أبي أمامة وعبدالله بن زيد -رضي الله عنهما-، ودراسة أسانيدهما.

    وستكون هذه الحلقة في تخريج أحاديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة -رضي الله عنه-، ومرسل سليمان بن موسى.


    وسأبدأ بتخريج ثلاثة الأحاديث والمرسل، ثم أدمج دراسة أسانيدها جميعًا؛ نظرًا للتداخل الحاصل في طرقها ورواياتها.

    3- تخريج حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن ماجه (445) عن محمد بن يحيى، والطبراني في الأوسط (8318) عن موسى بن زكريا، والدارقطني (1/102) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (208)- من طريق محمد بن أيوب الرازي، والبيهقي في الخلافيات (207) من طريق محمد بن إبراهيم العبدي، أربعتهم -محمد بن يحيى وموسى ومحمد بن أيوب ومحمد بن إبراهيم- عن عمرو بن الحصين، عن محمد بن عبدالله بن علاثة، عن عبدالكريم الجزري، والبيهقي في الخلافيات (211) من طريق عبدالوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما -عبدالكريم الجزري ويحيى بن سعيد- عن سعيد بن المسيب، وأخرجه أبو يعلى (6370) والطبري في تفسيره (8/172) وابن حبان في المجروحين (2/110) والطبراني في الأوسط (538) والدارقطني (1/101) والبيهقي في الخلافيات (181، 182) من طريق علي بن هاشم، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء،وأخرجه الدارقطني (1/100) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (172)- من طريق محمد بن حرب، عن علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، وأخرجه الدارقطني (1/102) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (212)- من طريق سعيد بن شرحبيل، وابن عدي في الكامل (2/57) وابن الحطاب في مشيخته (89) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (51/88)- من طريق هشام بن عمار، كلاهما -سعيد وهشام- عن البختري بن عبيد بن سلمان، عن أبيه، أربعتهم -سعيد بن المسيب وعطاء وسليمان بن موسى وعبيد بن سلمان- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الأذنان من الرأس».



    4- تخريج حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-:
    أخرجه عبدالرزاق (24) -ومن طريقه الدارقطني في السنن (1/98) والبيهقي في الخلافيات (154)- عن عبدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به؛ موقوفًا، وقد أخرجه الدارقطني (1/97) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (153)- وتمام في الفوائد (620) عن محمد بن عمر بن أيوب الرملي، وتمام (620) عن محمد بن هارون، كلاهما عن عبدالله بن وهيب الغزي، والبيهقي في الخلافيات (152) وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (5/59) من طريق إسحاق بن إبراهيم الغزي، كلاهما عن محمد بن أبي السري، عن عبدالرزاق، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به؛ مرفوعًا،إلا أن تمامًا في روايته من طريق عبدالله بن وهيب، وإسحاق بن إبراهيم الغزي في روايته عن محمد بن أبي السري= زادا الثوري، فجعلاه شيخًا لعبدالرزاق.

    وأخرجه ابن عدي (1/300) والبيهقي في الخلافيات (145) وابن المقرئ في معجمه (34) من طريق عيسى بن يونس الفاخوري، وابن المقرئ في معجمه (35) من طريق أبي عمير بن النحاس، كلاهما -الفاخوري وابن النحاس- عن ضمرة بن ربيعة، والدارقطني (1/97) من طريق القاسم بن يحيى بن يونس البزاز، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، وابن البختري في الجزء الحادي عشر من فوائده (165-مجموع مصنفاته) من طريق فرج بن فضالة، كلاهما -إسماعيل بن عياش وفرج بن فضالة- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر به، إلا أن أبا عمير بن النحاس -في روايته عن ضمرة عن إسماعيل بن عياش-، وفرجَ بن فضالة= وقفاه على ابن عمر.

    وأخرجه ابن عدي (3/200) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (156)- من طريق عيسى الغنجار، عن محمد بن الفضل، عن زيد العمي، عن نافع، عن ابن عمر به.

    وأخرجه الدارقطني في السنن (1/97) والعلل (12/346) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (140) والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (1/196)- والمخلص في الفوائد المنتقاة في الثاني من السادس منها (ق190/1) -كما ذكر الألباني في السلسلة الصحيحة (1/84)- عن يحيى بن محمد بن صاعد، والبيهقي في الخلافيات (141) من طريق محمد بن عفان الهروي، والخطيب في تاريخ بغداد (14/161) من طريق محمد بن عثمان بن سعيد، وجعفر بن أحمد، أربعتهم -ابن صاعد ومحمد بن عفان ومحمد بن عثمان وجعفر بن أحمد- عن الجراح بن مخلد، عن يحيى بن العريان، والبيهقي في الخلافيات (1/350) -معلقًا- عن أبي زيد الهروي، كلاهما -يحيى بن العريان والهروي- عن حاتم بن إسماعيل، وأخرجه ابن أبي شيبة (163) -ومن طريقه الدارقطني (1/98) والبيهقي في الخلافيات (143)- عن أبي أسامة، والدارقطني (1/98) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (142) والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (1/195، 196)- من طريق وكيع، ثلاثتهم -حاتم وأبو أسامة ووكيع- عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر به.

    إلا أن أبا زيد الهروي في روايته عن حاتم، وأبا أسامة ووكيعًا، ثلاثتهم عن أسامة= أبدلوا نافعًا بهلال بن أسامة، ووقفوا الحديث على ابن عمر.

    وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (7/406) من طريق السراج، عن الحسن بن كليب، عن مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر به؛ مرفوعًا.

    وأخرجه ابن أبي شيبة (164) والدارقطني (1/98) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (165)- من طريق عبدالرحيم بن سليمان، والطبري في تفسيره (8/170) عن محمد بن يزيد، والطحاوي (1/34) والدولابي في الكنى والأسماء (2037) عن علي بن معبد، وابن المقرئ في معجمه (534) من طريق عبيدالله بن سعيد، كلاهما -علي بن معبد وعبيدالله بن سعد- عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد، ثلاثتهم -عبدالرحيم ومحمد بن يزيد وإبراهيم بن سعد- عن محمد بن إسحاق، والدارقطني (1/98) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (166)- من طريق عبدالله بن نافع، كلاهما -محمد بن إسحاق وعبدالله بن نافع- عن نافع، عن ابن عمر به؛ موقوفًا.

    وأخرجه الدارقطني (1/98) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (155)- من طريق إدريس بن الحكم العنزي، عن محمد بن الفضل، عن زيد العمي، والبيهقي في الخلافيات (197) من طريق عبدالوهاب بن مجاهد، كلاهما -زيد وعبدالوهاب- عن مجاهد، عن ابن عمر به.


    5- تخريج حديث عائشة -رضي الله عنها-:
    أخرجه العقيلي (4/32) والدارقطني (1/100) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (243)- من طريق محمد بن الأزهر، عن الفضل بن موسى السيناني، والبيهقي في الخلافيات (241) من طريق عصام بن يوسف، عن ابن المبارك، كلاهما -الفضل بن موسى وابن المبارك- عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من توضأ فليمضمض وليستنشق، والأذنان من الرأس».



    6- تخريج مرسل سليمان بن موسى:
    أخرجه سفيان الثوري في الجامع -كما ذكر البيهقي في الخلافيات (1/368)، ومن طريقه ابن البختري في الجزء الحادي عشر من حديثه (164-مجموع مصنفاته) والدارقطني (1/99) والبيهقي في الخلافيات (244) والخطيب في تاريخ بغداد (7/406)-، وعبدالرزاق (23) -ومن طريقه العقيلي (4/32) والدارقطني (1/99)-، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور (360) عن حجاج بن محمد، وابن أبي شيبة (156) والدارقطني (1/99) من طريق وكيع، والطبري في تفسيره (8/172) من طريق الوليد بن مسلم، والدارقطني (1/99) من طريق صلة بن سليمان، والدارقطني (1/99) من طريق عبدالوهاب بن عطاء الخفاف، والدارقطني في العلل (13/321) -معلقًا- عن سفيان بن عيينة، وعبيدالله بن موسى، تسعتهم عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من توضأ فليمضمض وليستنشق، والأذنان من الرأس»، اختصره بعضهم.

    أ- رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة:
    وقد جاءت عنه من طريقين:
    إحداهما: طريق عمرو بن الحصين، عن محمد بن عبدالله بن علاثة، عن عبدالكريم الجزري، عن سعيد، وابن علاثة متكلم فيه، ونُسب الكلام فيه إلى ما رواه عمرو بن الحصين عنه من مناكير، وعمرو متروك الحديث، وقد وصف أبو حاتم الرازي أحاديثه عن ابن علاثة بأنها أحاديث موضوعة.
    فهذه الطريق شديدة النكارة.

    ثاني الطريقين عن ابن المسيب: رواية عبدالوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد، وهذا وجهٌ عن إسماعيل بن عياش، قال عنه الحاكم بعد أن رواه: (تفرد به إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد، وإسماعيل بن عياش على جلالة محلِّه إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه)[1].
    والوجه الآخر عن إسماعيل بن عياش: ما رواه القاسم بن يحيى بن يونس البزاز عنه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر؛ مرفوعًا.
    ورواه ضمرة بن ربيعة عن إسماعيل، واختُلف عنه:
    فرواه عيسى بن يونس الفاخوري عنه عن إسماعيل به؛ كرواية القاسم بن يحيى.
    ورواه أبو عمير بن النحاس عنه عن ضمرة به؛ موقوفًا على ابن عمر.
    وأبو عمير مقدَّم في ضمرة، قال ابن معين: (من أحفظ الناس لحديث ضمرة)، وللفاخوري أخطاء، قال ابن حبان: (كان راويًا لضمرة، ربما أخطأ)، فرواية أبي عمير أولى بالصواب عن ضمرة، وهو وجه ثالثٌ عن إسماعيل بن عياش.

    والوجهُ الأول أنكَرُها، فإن راويه عن إسماعيل: عبدالوهاب بن الضحاك متروك، كذبه بعض الأئمة، واتهم بوضع الحديث.
    والقاسم بن يحيى راوي الوجه الثاني ضعفه الدارقطني والبيهقي عقب روايته هذه[2]، وضمرة بن ربيعة من ثقات الشاميين، وله أخطاء، وروايته الموقوفة عن إسماعيل بن عياش أقوى من رواية غيره، وذلك ما رجحه الدارقطني، قال بعقب الرواية المرفوعة عن إسماعيل بن عياش: (رفْعُهُ وهم، والصواب عن ابن عمر من قوله)[3]، وقال البيهقي: (والصواب موقوف)[4].

    فتبين أن الرواية المرفوعة هنا خطأ عن إسماعيل بن عياش، وأن الصواب عنه الرواية الموقوفة.

    وقد تابعه على هذا الموقوف عن يحيى بن سعيد: فرج بن فضالة، وهو ضعيف الحديث، خاصة عن يحيى بن سعيد الأنصاري، فإن له مناكير عنه.

    وهذا الموقوف ضعيفٌ عن ابن عمر كذلك؛ فإن يحيى بن سعيد الأنصاري إمام مدني حجازي، وإسماعيل بن عياش مخلط في غير الشاميين، خاصة المدنيين والحجازيين[5]، وله مناكير عن يحيى بن سعيد خاصة، قال الحاكم: (ولإسماعيل بن عياش أخواتٌ في روايته المناكير عن يحيى بن سعيد الأنصاري)، ثم ذكر أحدها مكتفيًا به للدلالة على ذلك[6].
    ومتابعة فرج بن فضالة لا تفيد إسماعيلَ شيئًا، فإنها منكرةٌ عن يحيى بن سعيد؛ لما يجيء به فرج من مناكير عنه، والمنكر لا يتقوى بالمنكر.
    وإمامة يحيى بن سعيد وتقدُّمه في أهل المدينة تُبعد أن يصحَّ تفرُّد ضعيفين من أهل الشام[7] عنه بذلك.

    فالخلاصة: أن رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة منكرة واهية.

    ب- رواية عطاء عن أبي هريرة:
    وهذه رواها عنه إسماعيل بن مسلم، وهو المكي، وهي وجهٌ عنه رواه علي بن هاشم، قال الطبراني عقبها: (لم يروِ هذا الحديث عن عطاء إلا إسماعيل، تفرد به علي بن هاشم)[8].
    والوجه الآخر عن إسماعيل: رواه القاسم بن غصن عنه عن عطاء عن ابن عباس[9].
    وعنه وجهٌ ثالث: رواه عثمان بن حفص عن سلام عنه عن عطاء عن جابر بن عبدالله[10].
    وإسماعيل بن مسلم منكر الحديث واهيه، وتركه بعض الأئمة.
    والقاسم بن غصن راوي الوجه الثاني عنه ضعيف[11]، ولم أعرف سلامًا راوي الوجه الثالث، إلا أن يكون الطويل المتروك، وهو محتمل -ويأتي-.

    وأوثق منهما راوي الوجه الأول: علي بن هاشم بن البريد، فإنه صدوق، ووثقه بعض العلماء، وروايته أصح.

    وهذه الرواية واهيةٌ بوهاء إسماعيل بن مسلم.

    ج- رواية سليمان بن موسى عن أبي هريرة، وتفصيل الخلاف فيها:
    وقع خلافٌ واسع في هذه الرواية على ابن جريج، هذا بيانه:
    حيث رواه ابن جريج، واختُلف عنه:
    فرواه علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن أبي هريرة.
    ورواه سفيان الثوري عن ابن جريج، واختُلف عنه:
    فرواه الحسن بن كليب، عن مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر.
    ورواه أبو نعيم وقبيصة وعبدالله بن الوليد ومحمد بن يوسف الفريابي عن سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى مرسلاً، وهو كذلك في الجامع للثوري.
    ورواه محمد بن جعفر غندر، والربيع بن بدر؛ كلاهما عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس[12].
    ورواه محمد بن الأزهر عن الفضل بن موسى السيناني، وعصام بن يوسف عن ابن المبارك، كلاهما عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
    ورواه عبدالرزاق، وحجاج بن محمد المصيصي، والوليد بن مسلم، وصلة بن سليمان، وعبدالوهاب بن عطاء، وابن عيينة، وعبيدالله بن موسى، عن ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلاً.

    فأما حديث علي بن عاصم عن ابن جريج، عن سليمان، عن أبي هريرة؛ فإن عليًّا صدوق له أخطاء، وقد ضُعِّف، وهذا الحديث من أخطائه، خاصة أنه جاء الحديث عنه من وجهين: أحدهما ذا، والآخر: عنه، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة -وسبق-، ومن كانت حاله كحال عاصم وخالف الثقات وتعددت عنه الأسانيد، فحديثه كذلك منكر.

    قال الدارقطني بعد أن أسند الرواية المرسلة، ثم رواية علي: (وَهِمَ علي بن عاصم في قوله: عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذي قبله أصح عن ابن جريج)[13] -يعني: المرسل-، وقال: (ورواه علي بن عاصم عن ابن جريج، فقال: عن سليمان بن موسى، عن أبي هريرة؛ مرسلاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووهم فيه، وإنما أراد أن يقول: سليمان بن موسى، عن الزهري؛ مرسلاً)[14].

    والوجه الأول في الخلاف عن الثوري (وهو روايته عن ابن جريج عن سليمان عن عن نافع عن ابن عمر) منكر؛ فهو مخالف لما في مصنف سفيان نفسه، ولما رواه عنه أصحابه الثقات. قال الدارقطني: (هذا حديث منكرٌ بهذا الإسناد متصلاً، تفرد به الحسن بن كليب، وهو ضعيف الحديث)[15].
    وأما رواية غندر والربيع بن بدر؛ فيأتي الكلام عليهما بالتفصيل في دراسة حديث ابن عباس -إن شاء الله-، وخلاصته أن الرواية محتملة الثبوت عن غندر، وأن الربيع بن بدر واهٍ متروك الحديث، وهما مخالَفان في روايتهما هذه عن ابن جريج -كما مضى ويأتي-.

    وأما رواية الفضل بن موسى السيناني؛ فاحتمال ضعفها وارد، إذ قد تُكُلِّم في محمد بن الأزهر الجوزجاني الراوي عنه، وقد ذكر العقيلي هذا الحديث في ترجمته، لكنه وُثق[16]، والفضل بن موسى -مع كونه ثقة حافظًا- روى مناكير -كما قال علي بن المديني-، ولعل هذا الحديث خطأ منه أو عليه، قال العقيلي بعد أن أسند رواية الفضل، ثم الرواية المرسلة: (هذا أولى)[17]، ويأتي كلام الدارقطني في هذه الرواية.

    ولا تصح رواية ابن المبارك عن ابن جريج؛ فعصام بن يوسف متكلَّم فيه، وله أخطاء[18]، والظاهر أن هذه الرواية من أخطائه؛ لأنه جعل ابن المبارك يخالف الجمع من الثقات، وابن المبارك ثقة حافظ، أولى به ألا يخالفهم. قال الدارقطني: (وأحسب أن عصام بن يوسف حدَّث بهذا الحديث من حفظه، فاشتبه عليه حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل»، فأتى بإسناد هذا الحديث، وذكر عليه القصة في المضمضة والاستنشاق)[19]، وقال البيهقي عقب روايته: (وَهِمَ فيه عصام بن يوسف أو من دونه)[20].

    قال الدارقطني: (يرويه عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وكذلك روي عن الفضل بن موسى عن ابن جريج، وكلا الروايتين وهمٌ في الإسناد والمتن، والصحيح: عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري مرسلاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مضمضوا واستنشقوا، والأذنان من الرأس»، وكذلك رواه الثوري وهمام ووكيع وعبدالرزاق وابن عيينة وأصحاب ابن جريج، وهو الصواب، وبعضهم قال: عن سليمان بن موسى، أن النبي -صلى الله عليه وسلم-)[21].

    ومن الظاهر أن الرواية الأقوى عن ابن جريج: ما اتفق عليه جمع من الثقات الحفاظ الكبار عنه -وفيهم المقدَّمون في ابن جريج-، وهو روايته الحديث عن سليمان بن موسى مرسلاً، وسبق ترجيح العقيلي والدارقطني لهذا الوجه، كما قال الدارقطني -بعد أن ساق بعض أوجه الخلاف عن ابن جريج-: (والمرسل أصح)[22]، وقال: (والصواب: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً)[23]، ورجح المرسل كذلك البيهقي[24]، وقال: (هؤلاء الذين وصلوا هذا الإسناد تارة عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كما قدمنا ذكره، وتارة عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وغير ذلك مما سبق ذكرنا له= ليسوا من أهل الصدق والعدالة، بحيث إذا انفردوا بشيء يقبل ذلك منهم، أو جاز الاحتجاج بخبرهم، فكيف إذا خالفوا الثقات، وباينوا الأثبات، وعمدوا إلى المعضلات فجوَّدوها، وقصدوا إلى المراسيل والموقوفات فأسندوها؟! والزيادة إنما هي مقبولة عن المعروف بالعدالة، والمشهور بالصدق والأمانة، دون من كان مشهورًا بالكذب والخيانة، أو منسوبًا إلى نوع من الجهالة)[25]، وقال ابن عبدالهادي: (والصواب ما قاله الدارقطني: أنه مرسل)[26].

    وإسناد هذا المرسل إلى سليمان بن موسى صحيح، وصرح ابن جريج بالتحديث عنه عند عبدالرزاق.

    د- رواية عبيد بن سلمان عن أبي هريرة:
    وهي رواية البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة، قال الدارقطني بعد أن أخرجها: (البختري بن عبيد ضعيف، وأبوه مجهول)[27]، وقد ضعف البختري غير واحد، وتركه بعض الأئمة، ورواية البختري عن أبيه عن أبي هريرة نسخة منكرة، قال ابن عدي: (روى عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدر عشرين حديثًا، عامتها مناكير)[28]، وقال الحاكم: (روى عن أبيه عن أبي هريرة نسخة موضوعة)[29].

    فهذه الرواية شديدة النكارة.

    هـ- رواية نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما-:
    وقد جاءت عنه من طرق، وسبق -في رواية ابن المسيب عن أبي هريرة، وفي الخلاف على سليمان بن موسى- دراسة بعض طرقها، وفيما يلي دراسة ما لم يُنظر فيه منها:
    1- دراسة أسانيد رواية عبيدالله بن عمر عن نافع:
    وقد رواها محمد بن أبي السري عن عبدالرزاق، واختُلف عنه:
    فرواه عبدالله بن وهيب عن ابن أبي السري، واختُلف عنه:
    فرواه محمد بن عمر بن أيوب الرملي عن ابن وهيب، واختُلف عنه:
    فرواه الدارقطني عنه عن ابن وهيب عن ابن أبي السري عن عبدالرزاق عن عبيدالله عن نافع.
    ورواه تمام الرازي عنه عن ابن وهيب عن ابن أبي السري عن عبدالرزاق عن الثوري عن عبيدالله عن نافع.
    ورواه محمد بن هارون عن ابن وهيب عن ابن أبي السري عن عبدالرزاق عن الثوري عن عبيدالله عن نافع؛ كرواية تمام عن محمد بن عمر الرملي.
    ورواه إسحاق بن إبراهيم الغزي عن ابن أبي السري عن عبدالرزاق عن الثوري عن عبيدالله عن نافع.
    وقد وهَّم الدارقطني إسحاقَ الغزي في روايته، قال: (ورواه إسحاق بن إبراهيم قاضي غزة عن ابن أبي السري عن عبدالرزاق عن الثوري عن عبيدالله... ووَهِمَ في ذكر الثوري)[30].

    ولا يبعد أن ذكر الثوري وإسقاطه من أوهام ابن أبي السري، فإنه كثير الوهم والغلط[31]، وقد خالف في هذه الرواية: الروايةَ الثابتة عن عبدالرزاق في مصنفه، فقد رواه عبدالرزاق في مصنفه عن عبدالله بن عمر العمري -أخي عبيدالله- عن نافع عن ابن عمر؛ موقوفًا.

    قال الدارقطني -بعد رواية ابن أبي السري-: (كذا قال عن عبدالرزاق عن عبيدالله، ورفعه وهم... وإنما رواه عبدالرزاق عن عبدالله بن عمر -أخي عبيدالله- عن نافع عن ابن عمر عنه؛ موقوفًا)[32]، وقال: (والصحيح عن عبدالرزاق موقوفًا)[33].

    فرواية ابن أبي السري المخالِفة وهمٌ وخطأ، خاصة مع هذا الاختلاف في إثبات الثوري شيخًا لعبدالرزاق وإسقاطه، وتحميل مثل هذا الاضطراب ابن أبي السري أولى من تخطئة بعض ثقات الأئمة رواة الحديث.

    وبعدُ؛ فإن إسناد هذا الموقوف صالح، وعبدالله بن عمر العمري مشهور بالضعف، لكنه توبع عليه عن نافع، وتوبع نافع عليه عن ابن عمر، وقد سئل ابن معين: عبدالله العمري ما حاله في نافع؟ فقال: (صالح)[34]، وهذا يقتضي أنه يكتب حديثه عنه، ويقبل حيث توبع عليه، ويرد ما تفرَّد به أو خالف عنه.

    2 - إسناد رواية زيد العمي عن نافع:
    وهي وجهٌ عن محمد بن الفضل عن زيد، يأتي في مجاهد عن ابن عمر -إن شاء الله-.

    3 ً- دراسة أسانيد رواية أسامة بن زيد عن نافع:
    وقد اختُلف على أسامة:
    فرواه حاتم بن إسماعيل، واختُلف عنه:
    فرواه يحيى بن العريان عن حاتم به؛ مرفوعًا.
    ورواه أبو زيد الهروي عن حاتم عن أسامة عن هلال بن أسامة عن ابن عمر؛ موقوفًا، ورواية أبي زيد هذه علقها البيهقي بصيغة التمريض، ووهَّى إسنادها، قال: (وقد روي عن أبي زيد الهروي بإسناد واهٍ عن حاتم بن إسماعيل...)[35].

    ويحيى بن العريان راوي الوجه الأول ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد، ونقل عن أحمد بن محمد بن ياسين الهروي أن ابن العريان كان محدثًا ببغداد، ثم أسند له حديثنا هذا[36]، ولم أقف على من جرحه أو عدله.

    ورواه وكيع بن الجراح وأبو أسامة حماد بن أسامة عن أسامة بن زيد عن هلال بن أسامة عن ابن عمر؛ موقوفًا -كرواية أبي زيد الهروي عن حاتم بن إسماعيل-.

    وحاتم بن إسماعيل ثقة، وله أوهام، وقد خالف وكيعًا وأبا أسامة الإمامين الحافظين، وروايتهما أرجح.

    قال الدارقطني عقب رواية حاتم: (كذا قال، وهو وهم، والصواب: عن أسامة بن زيد عن هلال بن أسامة الفهري عن ابن عمر؛ موقوفًا)[37]، وقال البيهقي: (ومن رواه مسندًا ليس ممن يقبل منه ما تفرد به إذا لم تثبت عدالته، فكيف إذا خالف الثقات، مثل وكيع بن الجراح الحافظ المتقن، وأبي أسامة حماد بن أسامة؛ المتفق على عدالتهما، وقد أتيا به موقوفًا)[38]، وقال الخطيب البغدادي: (والخطأ فيه من وجهين:
    أحدهما: قوله: عن نافع.
    والثاني: روايته مرفوعًا.

    وحديثُ وكيع الصوابُ، والله أعلم)[39].
    وهلال بن أسامة هذا مجهول، لم يرو عنه غير أسامة بن زيد[40]، وقد تُكُلِّم في أسامة.
    فإسناد هذا الموقوف ضعيف أيضًا.

    4 ً- الموقوفات عن نافع عن ابن عمر:
    جاء الحديث موقوفًا عن نافع عن ابن عمر -سوى طريق هلال بن أسامة السابقة- من طريقين:
    إحداهما: طريق محمد بن إسحاق، وفيه الخلاف المعروف، وتدليسه مأمون برواية إبراهيم بن سعد عنه [41]،
    الثانية: طريق عبدالله بن نافع، وهو ضعيف، وتركه بعض الأئمة، وهو أضعف ولد نافع عند أبي حاتم الرازي.

    وللحديث طرق أخرى موقوفة عن ابن عمر.

    و- رواية مجاهد عن ابن عمر:
    وقد جاءت من طريقين:
    1- دراسة أسانيد رواية زيد العمي عن مجاهد:
    رواه محمد بن الفضل بن عطية عن زيد، واختُلف عنه:
    فرواه إدريس بن الحكم العنزي عن محمد بن الفضل عن زيد عن مجاهد به،
    ورواه عيسى الغنجار عن محمد بن الفضل عن زيد عن نافع به.
    ومحمد بن الفضل هذا كذاب متروك، لا يُشتغل بروايته.

    2- دراسة إسناد رواية عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه:
    وقد رواه عن أبيه عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم-، قرنهما.
    وعبدالوهاب متروك؛ نُقل الإجماع على تركه، وكذبه بعض الأئمة.
    يتلوه -بإذن الله- تخريج حديثي ابن عباس وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهم- في الباب، ودراسة أسانيدهما.

    ـــــــــــــــ ــــــــــ
    [1] الخلافيات (1/400).
    [2] سنن الدارقطني (1/97)، الخلافيات (1/353).
    [3] السنن (1/97).
    [4] الخلافيات (1/353).
    [5] كما سبق في الحديث (10) -حديث أبي هريرة-.
    [6] الخلافيات (1/353-355).
    [7] ضعف إسماعيل بن عياش هنا نسبي لا مطلق -كما سبق-.
    [8] الأوسط (1/172).
    [9] يأتي تخريجه -إن شاء الله-.
    [10] يأتي تخريجه -إن شاء الله-.
    [11] انظر: لسان الميزان (4/464).
    [12] يأتي تخريجه في حديث ابن عباس -إن شاء الله-.
    [13] السنن (1/100).
    [14] العلل (14/106).
    [15] تاريخ بغداد (7/406).
    [16] انظر: لسان الميزان (5/64).
    [17] الضعفاء (4/32).
    [18] انظر: لسان الميزان (4/168).
    [19] العلل (14/106).
    [20] الخلافيات (1/435).
    [21] العلل (14/105، 106).
    [22] العلل (13/322).
    [23] السنن (1/99)، ونحوه في تاريخ بغداد (7/406).
    [24] الخلافيات (1/435، 437).
    [25] الخلافيات (1/436).
    [26] تنقيح التحقيق (1/208).
    [27] السنن (1/102).
    [28] الكامل (2/57).
    [29] المدخل إلى الصحيح (1/173).
    [30] السنن (1/97).
    [31] كما سبق في الحديث (32) -مرسل عبيد بن رحي-.
    [32] السنن (1/97).
    [33] العلل (12/347).
    [34] تاريخ ابن معين برواية الدارمي (523)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد (10/20).
    [35] الخلافيات (1/350).
    [36] تاريخ بغداد (14/161)، والظاهر أن كلمة ابن ياسين في كتابه "تاريخ هراة"، وقد ظنها بعض المشايخ من قول الخطيب، وهو خطأ.
    [37] السنن (1/97)، العلل (12/346، 361).
    [38] الخلافيات (1/350).
    [39] موضح أوهام الجمع والتفرق (1/196).
    [40] انظر: موضح أوهام الجمع والتفريق (1/195)، تهذيب الكمال (30/345).
    [41] سبق بيان ذلك في الحديث (10).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    أولا : جزى الله الأخ سليمان على هذا الجهد الطيب بلا ريب.
    وثانيًا: عندي له عدة ملاحظات لعله يلتفت إليها مشكورًا.
    الملاحظة الأولى: ألتمس من الأخ الفاضل أن يلتفت ولو بكلمة شكر إلى إخوانه الذين شاركوا هنا في هذا الموضوع بالثناء والدعاء لراقمه. وهذا من حقوقهم عليه إن شاء الله.
    والملاحظة الثانية: تخريج الأخ سليمان لحديث ( لا صلاة لمن لا وضوء له .....) هو - في ظني - كالنسْخ - مع زيادات - لمقال أخينا: ( محمد بن عبد الله ) المشرف بهذا المنتدى - !
    فما أدري ما هذا ؟ ولم أجد كاتب الموضوع هنا قد أشار إلى ذلك ! ولعلني لم أتأمل تلك الإشارة جيدًا !
    الملاحظة الثالثة: قول الكاتب في مواطن متفرقة من تخاريجه:
    ومن طريقه القزويني في التدوين في أخبار قزوين (1/476) .............

    والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (4/107) من طريق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد ............

    ومن طريقه الرافعي في التدوين في أخبار قزوين (1/277)- من طريق سيف بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه .......

    فهذا وأشباهه من الأخطاء التي درج عليها جماعة من كبار المتأخرين ! وتبعهم عليها من تبعهم دون تمحيص أو مزيد نظر!
    حيث يعزون إلى الرافعي أحاديث علَّقها في ( كتابه ) أو عزاها إلى من خرَّجها من الحفاظ والفقهاء والمحدثين، ويجعلونه بمنزلة من رواها بسنده أول مرة !
    فيقولون: أخرجه الرافعي ! أو رواه الرافعي ! وذلك قصور منهم ولا بد !

    وكل تلك المواطن التي جزم الكاتب فيها بكون الرافعي قد أخرجها في ( تاريخه) ! عند النظر ترى الرافعي قد علَّقها إلى من رواها وأخرجها من الشيوخ المحدثين والحفَّاظ ! ولم يذكر سنده إليهم أصلا ! فكيف يُنْسَب إلى الرجل أنَه خرَّج ! وما خرَّج !؟ أو أنه روى ! وما روى
    فانتبه يا رعاك الله . فإن ذاك الموضع من مزلات الأقدام.
    وأنا عازم على إفراده في موضوع مستقل أكشف فيه النقاب عن أوهام طوائف من كبار المتأخرين في هذا الصدد.والله المستعان لا رب سواه.

    وبالمناسبة: قول الأخ الكاتب في آخر كلامه في تلك الصفحة :
    يتلوه -بإذن الله- تخريج حديثي ابن عباس وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهم- في الباب...

    فأني بعد ما مضى من الملاحظة الأخيرة : بانتظار ماذا سيقول الأخ الفاضل عندما يأتي لتخريج حديث ابن عباس من ( تاريخ الرافعي ) وهو فيه ؟!

  14. #34
    محمد بن عبدالله غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,507

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظَفَّر السِّنَّاري مشاهدة المشاركة
    والملاحظة الثانية: تخريج الأخ سليمان لحديث ( لا صلاة لمن لا وضوء له .....) هو - في ظني - كالنسْخ - مع زيادات - لمقال أخينا: ( محمد بن عبد الله ) المشرف بهذا المنتدى - !
    فما أدري ما هذا ؟ ولم أجد كاتب الموضوع هنا قد أشار إلى ذلك ! ولعلني لم أتأمل تلك الإشارة جيدًا !
    الأخ (سلمان) -لا: (سليمان)!- ناقلٌ لا كاتب، وقد صرَّح باسم كاتب هذه السلسلة في صدر هذا الموضوع.
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظَفَّر السِّنَّاري مشاهدة المشاركة
    الملاحظة الثالثة: قول الكاتب في مواطن متفرقة من تخاريجه:



    فهذا وأشباهه من الأخطاء التي درج عليها جماعة من كبار المتأخرين ! وتبعهم عليها من تبعهم دون تمحيص أو مزيد نظر!
    حيث يعزون إلى الرافعي أحاديث علَّقها في ( كتابه ) أو عزاها إلى من خرَّجها من الحفاظ والفقهاء والمحدثين، ويجعلونه بمنزلة من رواها بسنده أول مرة !
    فيقولون: أخرجه الرافعي ! أو رواه الرافعي ! وذلك قصور منهم ولا بد !

    وكل تلك المواطن التي جزم الكاتب فيها بكون الرافعي قد أخرجها في ( تاريخه) ! عند النظر ترى الرافعي قد علَّقها إلى من رواها وأخرجها من الشيوخ المحدثين والحفَّاظ ! ولم يذكر سنده إليهم أصلا ! فكيف يُنْسَب إلى الرجل أنَه خرَّج ! وما خرَّج !؟ أو أنه روى ! وما روى
    فانتبه يا رعاك الله . فإن ذاك الموضع من مزلات الأقدام.
    رأيتُ تنبيهك هذا في موضع آخر، وهو مما توافَق على مادته العلمية، دون مبالغتك في تهويل أمره -وهو ديدنك في مثل هذا، سددك الله-.
    وهلاّ إذ خطَّأتَ غير واحد مشنِّعًا عليهم؛ ذكرتَ وجه الصواب في العزو إلى ما صفتُهُ ما وصفتَ من أسانيد ذلك الكتاب، خاصةً إن كان الإسناد يعزّ إلا عنده؟
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظَفَّر السِّنَّاري مشاهدة المشاركة
    وبالمناسبة: قول الأخ الكاتب في آخر كلامه في تلك الصفحة :

    فأني بعد ما مضى من الملاحظة الأخيرة : بانتظار ماذا سيقول الأخ الفاضل عندما يأتي لتخريج حديث ابن عباس من ( تاريخ الرافعي ) وهو فيه ؟!
    سيقول مثل ما قال في المقالات الأُوَل، إلا أن يسعفه الوقت في استدراك ذلك.

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    الأخ (سلمان) -لا: (سليمان)!- ناقلٌ لا كاتب

    جزاك الله خيرًا على هذا التنبيه.
    وقد صرَّح باسم كاتب هذه السلسلة في صدر هذا الموضوع.
    إذًا أنت : (الشيخ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّـهِ السّريِّع ).
    مرحبًا بك يا أخي. وماذا كان يضيرك لو أنك أفصحتَ عن نفسك في هذا المقام ؟!

    رأيتُ تنبيهك هذا في موضع آخر، وهو مما توافَق على مادته العلمية، دون مبالغتك في تهويل أمره -
    ليس ثمة تهويل إن شاء الله.
    ولو أن باحثًا أكثر من عزو الأحاديث إلى أحد أصحاب الكتب الستة مثلا وهي عنده معلقة ! ألا يكون هذا الباحث ملومًا عندك يا رعاك الله؟!
    وهل هذا الصنيع لا يعد من مزلة أقدام المشتغلين بهذا الفن اللطيف؟!
    وهل لا يكون ذلك قرينة على تقصيرهم في العزو والتخريج فيما هم بسبيله؟!

    وهو ديدنك في مثل هذا، سددك الله.
    أمَّا هذه فلسُت أردّها عليك ! لأن أخاك ممن لا يُؤذَنُ له في الدفاع عن نفسه فضلا عن الانتصار لها !

    وهلاّ إذ خطَّأتَ غير واحد مشنِّعًا عليهم؛ ذكرتَ وجه الصواب في العزو إلى ما صفتُهُ ما وصفتَ من أسانيد ذلك الكتاب، خاصةً إن كان الإسناد يعزّ إلا عنده؟
    أما التشنيع والتقريع ! فليس من ذلك شيء ! وأنا لم أصف هذا الصنيع إلا بكونه من الأخطاء ومزلات الأقدام وحسب !
    أما توبيخ الصانع ! فلستُ أُحسِنه مع كل أحد ! وإنما مداره عندي على الأمارت والقرائن ! تمامًا كما نفعل ذلك في معالجة الشذوذ وزيادة الثقة !
    أما وجْه الصواب في العزو : فيكفيك أن ترجع لمعرفته إلى تنبيهي الذي وجدتَه لي في ذلك الموضع الآخر ؟!
    وأنا أعيده لك هنا مرة أخرى فأقول: يكفيك أن تقول مثلا : ( علقه الرافعي في تاريخه من طريق فلان ) أو ( ومن طريقه : أخرجه الرافعي في تاريخه - مُعلَّقًا ...).
    وثمة طريق أخرى في العزو هي أفضل من ذلك كله ! وهي التي ينتهجها أخوك في تخاريجه؟!
    فإن شئتَ أوقفتُك عليها في هذا المقام.
    وإلا : فلعلك تنتظر موضوعي القادم في هذا الصدد إن شاء الله.

    سيقول مثل ما قال في المقالات الأُوَل، إلا أن يسعفه الوقت في استدراك ذلك.
    لا ريب بعد ما سبق : فإن الوقت سيُسْعفه إن شاء الله. مع رجاء عدم الغفلة عن الدعاء لصاحبه راقم تلك الكلمات.

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو المظَفَّر السِّنَّاري مشاهدة المشاركة
    لا ريب بعد ما سبق : فإن الوقت سيُسْعفه إن شاء الله..
    ولعلي أزيدك هنا بيانًا باختصار الوقت عليك في حديث ابن عباس القادم إن شاء الله.
    وهذا الحديث قد روِّيناه من طريق الرافعي في ( تاريخه ) .
    فأخبرنا به: صلاح الدين بن محمد المنصوري - إجازة بالمشافهة والمكاتبة - عن شيخه زكي الدين محمد بن إبراهيم الحسيني عن أحمد بن عبد الرحمن البنا المعروف بـ ( الساعاتي ) عن بدر الدين الحسني عن المحدث المسند أبي النصر الخطيب عن عبد الرحمن بن محمد الكزبري عن محمد مرتضى الزبيدي عن حسن بن عليّ العجيمي عن البرهان إبراهيم الميموني عن الشمس الرملي عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري عن الحافظ ابن حجر عن أبي هريرة ابن الذهبي عن أبي المجامع إبراهيم بن محمد الجويني عن عزيز الدين محمد ابن الإمام أبي القاسم عبد الكريم الرافعي عن أبيه أنه قال في ترجمة ( محمد بن علي بن الحسن بن مخلد بن زنجويه ) من ( تاريخه ) المعروف بـ ( التدوين في أخبار قزوين ) [1/459/الطبعة العلمية ]:
    ( ...روى عنه أبو حفص ابن جابارة، وعن أبي الخطيب عبد الكافي بن عبد الغفار بن مكي كتابه أنبأ جدي أبو بكر مكي بن محمد الحربي سنة خمس وخمسمائة أنبأ أبو حفص عمر بن محمد بن جابارة المالكي أنبأ أبو عبد الله محمد بن علي بن الجارود أنبأ أبو الحسن محمد بن زنجويه المقرىء بقزوين ثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي ثنا أبو كامل الجحدري ثنا غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس ).

    قلتُ: فالجادة أن يُقال عند عزو هذا الحديث إلى الرافعي : ( أخرجه الخطيب عبد الكافي بن عبد الغفار بن مكي في ( كتابه ) كما في تاريخ الرافعي ....).

    ثم نظرت: فإذا الخطيب هذا من مشيخة أبي القاسم القزويني ! فقوله الماضي : ( وعن أبي الخطيب ..... ) أراه موصولا من روايته عنه إن شاء الله.
    فللباحث أن يقول بدون غضاضة : أخرجه الرافعي في ( تاريخه ) من طريق فلان به ....

    والله المستعان لا رب سواه.

  17. #37
    محمد بن عبدالله غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,507

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    جزاك الله خيرًا.
    فانتبه إذن لمثل هذا فيما ستستدركه على الأئمة وتكتبه فيما تزمع كتابته في هذه المسألة.
    ويبدو أن سقطًا ما قد وقع في تلك الترجمة، فليدقق في الأمر.
    وفقك الله.

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    809

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد بن عبدالله مشاهدة المشاركة
    ويبدو أن سقطًا ما قد وقع في تلك الترجمة.
    .
    هذا يدور في دائرة الاحتمال !
    ومطبوعة ( تاريخ قزوين / الطبعة العلمية ) مكتظة بالتحريف والتصحيف وكل شيء !
    ولو أنني وجدتُ من يكفيني وأهلي بضعة أشهر، لما ترددتُ طرفة عينٍ في خدمة هذا ( التاريخ العجيب!) وإخراجه في حُلّةٍ قشيبةٍ تحتارُ في تأمُّل جمالها أعينُ الناظرين ؟!

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    توطئة:
    مرَّ في الحلقتين الماضيتين دراسة شطرٍ من روايات حديث: «الأذنان من الرأس» عن خمسة من الصحابة، ومرسل واحد.
    وستكون هذه الحلقة -بعون الله- في تخريج حديثي ابن عباس وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهم-، ودراسة أسانيدهما.
    7- تخريج حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-:
    أ- رواية عطاء عن ابن عباس:

    أخرجه البزار في مسنده -كما في النكت لابن حجر (1/412) ولسان الميزان (5/361)، ومن طريقه الدارقطني (1/98) والبيهقي في الخلافيات (170)-، والحسن بن علي المعمري في اليوم والليلة -كما في النكت (1/412)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (167)-، وابن عدي (3/131، 4/196) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (169)- والدارقطني (1/99) وابن شاهين في حديثه (10) والبيهقي في الخلافيات (168) والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (1/459) من طريق محمد بن محمد الباغندي، ثلاثتهم -البزار والمعمري والباغندي- عن أبي كامل الجحدي، عن محمد بن جعفر غندر.

    وأخرجه ابن عدي (3/131) والدارقطني (1/99) من طريق كثير بن شيبان، والدارقطني (1/99) من طريق يحيى بن قزعة، وأبو نعيم في الحلية (8/281) من طريق سالم بن ميمون، والبيهقي في الخلافيات (173) من طريق داود بن معاذ، وفي الخلافيات (174) من طريق عبدالله بن الجراح، خمستهم -كثير ويحيى وسالم وداود وعبدالله- عن الربيع بن بدر عليلة، كلاهما -غندر وعليلة- عن ابن جريج، وابن عدي (1/188) والدارقطني (1/100) من طريق أحمد بن بكر البالسي، عن محمد بن مصعب القرقساني، عن إسرائيل بن يونس، والدارقطني (1/100) من طريق حسن بن صالح، والدارقطني (1/100) من طريق علي بن يونس، والحكم بن عبدالله أبي مطيع الخراساني، كلاهما -علي والحكم- عن إبراهيم بن طهمان، ثلاثتهم -إسرائيل وحسن بن صالح وابن طهمان- عن جابر الجعفي، والدارقطني (1/101) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (195)- من طريق عمر بن قيس، والدارقطني (1/101) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (180)- والخطيب في تاريخ بغداد (3/234، 6/384) من طريق سويد بن سعيد، عن القاسم بن غصن، عن إسماعيل بن مسلم، أربعتهم -ابن جريج وجابر الجعفي وعمر بن قيس وإسماعيل بن مسلم- عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، به.

    إلا أن الحكم بن عبدالله بن أبي مطيع عن إبراهيم بن طهمان عن جابر الجعفي؛ جعله عن عطاء، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً، وأوقفه عمر بن قيس في روايته عن عطاء على ابن عباس.

    ب- رواية أبي غطفان عن ابن عباس:

    أخرجه الطبراني في الكبير (10/391) من طريق أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن قارظ بن شيبة، عن أبي غطفان، عن ابن عباس به.

    ج- رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس:

    أخرجه الدارقطني (1/101) - ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (189) - من طريق محمد بن صالح، وخلاد بن يحيى، وعلي بن عياش، ثلاثتهم عن محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس به.

    د- رواية مجاهد عن ابن عباس:

    أخرجه البيهقي في الخلافيات (197) من طريق عبدالوهاب بن مجاهد، عن أبيه مجاهد، عن ابن عباس به.

    دراسة الأسانيد:

    أ- رواية عطاء عن ابن عباس:
    وقد رواها عنه أربعة:
    أحدهم: ابن جريج، وعنه محمد بن جعفر غندر، والربيع بن بدر، وهي وجهٌ عن ابن جريج في الخلاف على سليمان بن موسى -كما سبق-.

    فأما الربيع بن بدر؛ فواهٍ متروك الحديث[1]، ليست روايته معتبرة ولا مفيدة شيئًا.

    ورواية غندر رواها عنه أبو كامل الجحدري، وعنه ثلاثة: البزار والحسن بن علي المعمري ومحمد بن محمد الباغندي.

    وقد اتهم بعض العلماء الباغندي به،
    بناءً على حكمهم بأنه تفرد به، قال الخليلي: سمعت الحاكم يقول: سألت أبا علي الحافظ عن حديث أبي كامل الجحدري عن غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الأذنان من الرأس»، فقال: هذا حديث حدثنا به ابن الباغندي، ونحن نتهمه به، فإنه لم يحدث به في الإسلام أحد غيره عن أبي كامل عن غندر.

    قال الحاكم: فذاكرني أبو الحسين بن المظفر البغدادي، فقال لي: الباغندي ثقة إمام لا ينكر منه إلا التدليس، والأئمة قد دلسوا. فقلت: لا تقل بهذا، أليس قد روى عن أبي كامل هذا ولم يتابع عليه؟! فقال: قد ذُكر لي عن عبدالخالق البزار -كذا- عن أبي كامل كما عند الباغندي[2].

    والذي ذكره ابن المظفر صواب، فإن البزار -واسمه: أحمد بن عمرو بن عبدالخالق- قد رواه عن أبي كامل كرواية الباغندي، بل تابعهما الحسن بن علي المعمري.

    وقد نقل البيهقي عن الحاكم قوله: (هذا حديث يعرف بالمعمري، وهو آخر ما ذكره موسى بن هارون في الإنكار عليه، وقد سرقه منه الباغندي وغيره)[3].

    واتهام الباغندي بسرقته غير قائم -فيما يظهر-، فإنه قد نَقل عن أبي كامل ما لم ينقله غيره، وهو قوله: (لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث الواحد، أفادنيه عنه عبدالله بن سلمة الأفطس)[4]، وقد اعتمد هذه الكلمة ابن عدي، وقال: (وحدث عن أبي كامل بهذا الحديث: المعمري والباغندي)[5]، وأخرج الحديث في ترجمة الأفطس للدلالة على جرحه، واعتمدها كذلك البيهقي[6] وغير واحد. ولعل اتهام الباغندي بسرقته من باب تعصيب جناية الخطأ به، إذ غيرُهُ في الإسناد ثقةٌ بلا خلاف، لكن يأتي بيان الذي وقع منه الخطأ[7].

    وقد تفرد بهذا الحديث أبو كامل عن غندر، قال ابن عدي: (وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن غندر بهذا الإسناد غير أبي كامل)[8]، وقال الدارقطني: (تفرد به أبو كامل عن غندر)، وقد وهَّم الدارقطنيُّ أبا كامل فيه، قال: (ووَهِمَ عليه -أي: على غندر- فيه)[9]، وقال ابن عدي: (ومن حديث غندر ليس بالمحفوظ)[10]، وربما كان منشأ الخلل في هذا الإسناد ما ذكره أبو كامل -وسبق-، قال: (لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث الواحد، أفادنيه عنه عبدالله بن سلمة الأفطس)، والأفطس هذا متروك منكر الحديث، فلعل في إفادة الأفطس ما يشكك في كون الحديث صحيحًا عند غندر، قال ابن حجر معلقًا على كلمة أبي كامل المذكورة: (والأفطس ضعيف جدًّا، فلعله أدخله على أبي كامل)[11].

    وكون الحديث فائدةً يفيدها بعضُ الرواة بعضًا= محلُّ نكارة وغلط، وإن كان رواه الثقات الحفاظ، قال الإمام أحمد: (إذا سمعتَ أصحاب الحديث يقولون: "هذا حديث غريب"، أو: "فائدة"؛ فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديثٌ في حديث، أو خطأ من المحدِّث، أو حديثٌ ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان)[12].

    وحتى لو صحت رواية أبي كامل عن غندر، فقد سبق -في الخلاف على ابن جريج- أن الراجح عنه: عن سليمان بن موسى مرسلاً، وهو ما اتفق عليه جمع من الثقات الأثبات عن ابن جريج، واجتماعهم أقوى من انفراد غندر -مع ثقته-، وهذه العلة الأقوى في الحديث، وتأتي علة أخرى مؤيدة ذكرها الحافظ ابن حجر.

    إلا أن ابن الجوزي صحح رواية غندر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: (أبو كامل لا نعلم أحدًا طعن فيه، والرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، كيف وقد وافقه غيره؟! فإن لم يعتدّ برواية الموافق اعتبر بها، ومن عادة المحدثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه وقفوا مع الواقف احتياطًا، وليس هذا مذهب الفقهاء، ومن الممكن أن يكون ابن جريج سمعه من عطاء مرفوعًا، وقد رواه له سليمان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير مسند)[13]، ولابن القطان نحو ذلك، حيث ذكر أن الدارقطني احتج على وهم أبي كامل عن غندر بأن الثقات رووه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلاً، ثم قال: (وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده -يعني: ابن جريج- في ذلك حديثان: مسند ومرسل؟!)[14].

    والذي قالاه نموذج لمنهج التجويز الذي دخل على علم الحديث من الفقهاء والأصوليين، الذي لا ينظر إليه أئمة النقد وأطباء العلل.

    وقد رد العلماء كلام ابن الجوزي ثم ابن القطان:

    قال الذهبي بعد كلام ابن الجوزي: (هذا كلام من لا شَمَّ العلل)[15]، وقال ابن عبدالهادي بعد أن نقل كلام ابن الجوزي ثم كلام ابن القطان: (وفيه نظر كثير... وهذه الطريقة التي سلكها المؤلف ومن تابعه في أن الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع= طريقةٌ ضعيفة، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة ا
    لعلل في الحديث)[16].

    وقال ابن حجر بعد أن نقل كلام ابن القطان: (لكن في سماع أهل البصرة من ابن جريج نظر، ومنهم غندر، فرواية من رواه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى سالمة من هذه العلة، فلهذا رجحها الدارقطني، والله أعلم)[17]، وقال: (والعلة فيه من جهتين:
    إحداهما: أن سماع غندر عن ابن جريج كان بالبصرة، وابن جريج لما حدث بالبصرة حدث بأحاديث وَهِمَ فيها[18]، وسماع من سمع منه بمكة أصح،
    ثانيهما: أن أبا كامل قال -فيما رواه أبو أحمد بن عدي عنه-: "لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث، أفادنيه عنه عبدالله بن سلمة الأفطس" انتهى، والأفطس ضعيف جدًّا، فلعله أدخله على أبي كامل) ا.هـ كلام ابن حجر[19].

    الراوي الثاني عن عطاء عن ابن عباس: جابر الجعفي، ورواه عنه ثلاثة:
    1- إسرائيل بن يونس، وعنه محمد بن مصعب القرقساني، وفي القرقساني كلام، وذكر بعض العلماء أنه منكر الحديث، ووُثِّق، وعنه أحمد بن بكر البالسي، قال ابن عدي: "وهذا الحديث لا يعرف الا بأحمد بن بكر"[20]، وقد تُكُلِّم في أحمد أيضًا [21].
    2- الحسن بن صالح بن حي.
    3- إبراهيم بن طهمان، واختلف عن إبراهيم:
    - فرواه علي بن يونس عنه عن جابر عن عطاء عن ابن عباس.
    - ورواه الحكم بن عبدالله أبو مطيع الخراساني عنه عن جابر عن عطاء مرسلاً، ولعل علي بن يونس هو البلخي العابد، وفيه كلام[22]، وأبو مطيع أيضًا ضعيف[23].

    وقد قال الدارقطني عقب رواية علي بن يونس: (أرسله الحكم بن عبدالله أبو مطيع عن إبراهيم بن طهمان عن جابر عن عطاء، وهو أشبه بالصواب)[24].

    ولا يبعد أن يكون هذا الاضطراب من جابر الجعفي نفسه، فإنه رافضي ضعيف، ترك بعض الأئمة حديثه، وقد اتهم بالكذب.

    فهذا الوجه عن عطاء شديد الضعف.
    الثالث عن عطاء
    :
    عمر بن قيس المكي، وهو الملقب بسندل، وقد أوقفه على ابن عباس.
    وسندل متروك، وكان يروي عن عطاء خاصةً البواطيل[25]، وهذا منها.

    الرابع عن عطاء
    :
    إسماعيل بن مسلم المكي، وهو وجه عنه، وسبق في عطاء عن أبي هريرة بيان أن إسماعيل بن مسلم منكر الحديث واهيه، وقد روي الحديث عنه على أوجه، وهي مناكير كلها.

    فالخلاصة:
    أنه لا يصح الحديث عن عطاء عن ابن عباس بحال، وطرق الحديث عنه راجعة إلى بعض المتروكين وشديدي الضعف.

    ب- رواية أبي غطفان عن ابن عباس:

    وقد أخرجها الطبراني عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن قارظ بن شيبة، عن أبي غطفان، ولفظه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «استنشقوا مرتين، والأذنان من الرأس».

    وهذا الحديث بهذا التمام غريب عن أحمد بن حنبل، فإنه جاء عن وكيع من رواية الثقات عنه، وعن ابن أبي ذئب كذلك، وليس فيه: «الأذنان من الرأس»، وقد رواه أحمد نفسه عن غير واحد متابعين لوكيع عن ابن أبي ذئب، فلم يذكروا هذه اللفظة:

    فأخرجه أبو داود الطيالسي (ص356) -ومن طريقه البيهقي (1/49) وابن حجر في تغليق التعليق (2/105)-، وابن أبي شيبة (277)، وأبو داود (141) عن إبراهيم بن موسى، وابن ماجه (408) عن علي بن محمد، ثلاثتهم عن وكيع، وابن أبي شيبة (277) -وعنه ابن ماجه (408)- عن إسحاق بن سليمان الرازي، وأحمد (1/228) عن يحيى القطان، و(1/315) عن هاشم بن القاسم، و(1/352) عن يزيد بن هارون، والبخاري في التاريخ الكبير (7/201)، وأبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (206) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (43/246، 247)-، كلاهما -البخاري وأبو زرعة- عن آدم بن أبي إياس، والنسائي في الكبرى (97) وابن عبدالبر في التمهيد (18/223، 224) من طريق عبدالله بن المبارك، وابن الجارود (77) من طريق أسد بن موسى، وابن المنذر في الأوسط (359) من طريق إسحاق بن عيسى، والحاكم (526) من طريق خالد بن مخلد، والمزي في تهذيب الكمال (23/334) من طريق ابن أبي فديك، الاثنا عشر راويًا عن ابن أبي ذئب، عن قارظ، عن أبي غطفان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا»، لفظ يحيى القطان والرواة عن وكيع، وبعضهم رواه بالصيغة الفعلية، إلا أنهم اتفقوا جميعًا على عدم ذكر لفظة: «الأذنان من الرأس».

    وهذا يدل دلالة واضحة على أن في اللفظة التي عند الطبراني في الكبير نظر[26].

    بل حتى لو صحت عن وكيع، فإنه قد انفرد عن أحد عشر راويًا فيهم يحيى القطان وغيره من كبار الثقات، فذكرها ولم يذكروها، وروايتهم أولى بالصواب.

    وهذا يبين أن الحديث من هذه الطريق شاذ معلول.

    ج- رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس:

    وقد رواها عن ميمون: محمد بن زياد الطحان، وهو كذاب خبيث -كما قال أحمد-.

    د- رواية مجاهد عن ابن عباس:

    وهي وجه عنه، سبق بيانه في عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عمر.

    8- تخريج حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-:

    أخرجه ابن أبي شيبة (158) -ومن طريقه الأثرم في سننه (10) وابن المنذر في الأوسط (396) وابن عدي (1/373) والدارقطني (1/103) والبيهقي في الخلافيات (205)-، وابن أبي حاتم في العلل (1/53) من طريق إبراهيم بن موسى الفراء، والعقيلي في الضعفاء (1/31) عن محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس، والطبراني في الأوسط (4084) وابن عدي (1/373) عن علي بن سعيد، وابن عدي (1/373) والدارقطني (1/102) -ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (204)- من طريق أبي حاتم الرازي، ثلاثتهم -ابن الضريس وعلي بن سعيد وأبو حاتم- عن علي بن جعفر بن زياد الأحمر، ثلاثتهم -ابن أبي شيبة والفراء والأحمر- عن عبدالرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن الحسن البصري، عن أبي موسى به.

    إلا أن الطبراني في روايته عن علي بن سعيد أبدل عبدالرحيم بن سليمان بعلي بن مسهر، وأوقفه ابن أبي شيبة وإبراهيم بن موسى على أبي موسى الأشعري.

    دراسة الإسناد:
    جاء الحديث من طريق علي بن جعفر بن زياد الأحمر عن عبدالرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار عن الحسن عن أبي موسى.

    وخالف عليًّا: ابنُ أبي شيبة وإبراهيم بن موسى الفراء، أوقفاه على أبي موسى، وروايتهما أصوب، ورواية علي خطأ، وإلى هذا أشار أبو حاتم لما سأله ابنه عن الحديث المرفوع، قال: (ذاكرت أبا زرعة بهذا الحديث، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى، عن عبدالرحيم، فقال: عن أبي موسى؛ موقوف)[27]، وقال ابن عدي: (ولا أعلم رفع هذا الحديث عن عبدالرحيم غيرُ علي بن جعفر، ورواه غيره موقوفًا عن عبدالرحيم)[28]، ثم أسنده من طريق ابن أبي شيبة عن عبدالرحيم، وقال الدارقطني: (رفعه علي بن جعفر عن عبدالرحيم، والصواب موقوف، والحسن لم يسمع من أبي موسى)[29].

    وهذا الموقوف ضعيف، ففيه أشعث بن سوار ضعيف، وهو منقطع، إذ لم يسمع الحسن من أبي موسى -كما ذكر الدارقطني، وهو قول ابن المديني وأبي حاتم وأبي زرعة والبزار أيضًا-.

    يتلوه -بعون الله- تخريج أحاديث أنس بن مالك وسمرة بن جندب وعبدالله بن أبي أوفى وسلمة بن قيس وأسماء بنت يزيد وجابر بن عبدالله -رضي الله عنهم-، ثم ختم البحث المطوَّل في هذا الحديث ببيان خلاصته، وبنقل بعض أحكام الأئمة عليه برواياته المختلفة.

    ـــــــــــــــ ـــــــــ
    [1] كما سبق في الحديث (38) -حديث ابن عباس-.
    [2] الإرشاد (3/844، 845-منتخبه).
    [3] الخلافيات (1/366).
    [4] الكامل لابن عدي (4/196)، ونحوه في (3/131)، ولو كان سرقه من غيره ما كان انفرد بنقل هذا.
    [5] الكامل لابن عدي (4/196).
    [6] الخلافيات (1/367).
    [7] وقد برّأ الباغنديَّ: ابن حجر -كما في اللسان (5/361)-.
    [8] الكامل (4/196).
    [9] السنن (1/99)، سؤالات البرقاني (676).
    [10] الكامل (3/131).
    [11] النكت (1/413). وقد عقَّب ابن عدي قولَه: (ومن حديث غندر ليس بالمحفوظ) بهذه الحكاية، فكأنه يشير إلى أنها منشأ الخطأ على غندر، وذكرها في موضع آخر (4/196)، ثم قال: (وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن غندر بهذا الإسناد غير أبي كامل، وحدَّث عن أبي كامل بهذا الحديث المعمري والباغندي، وقد رُوي هذا الحديث عن الربيع بن بدر عن ابن جريج)، ولعله يشير بهذا إلى أن الحديث إنما يحفظ من حديث الربيع بن بدر -وهو متروك الحديث-، وأنه لا يؤمن أن يكون عبدالله بن سلمة الأفطس قد أدخله على أبي كامل، أو على غندر.
    [12] الكفاية في علم الرواية، للخطيب (ص142).
    [13] التحقيق (1/154).
    [14] بيان الوهم والإيهام (5/263، 264).
    [15] تنقيح التحقيق (1/51).
    [16] تنقيح التحقيق (1/119).
    [17] إتحاف المهرة (7/404).
    [18] انظر: تاريخ ابن أبي خيثمة (1/255-257/السفر الثالث).
    [19] النكت (1/412، 413).
    [20] الكامل (1/188).
    [21] انظر: لسان الميزان (1/140).
    [22] انظر: ضعفاء العقيلي (3/256).
    [23] انظر: لسان الميزان (2/334).
    [24] السنن (1/100).
    [25] كما سبق في الحديث (39) -حديث أبي هريرة-.
    [26] وانظر: تحقيق الخلافيات (1/391-393)، وتحقيق المسند (36/558).
    [27] العلل (1/53).
    [28] الكامل (1/373).
    [29] السنن (1/103).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    3,779

    افتراضي رد: « سِلْسِلَـةُ تَخْرِيْـجِ أَحَادِيْث الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ »

    توطئة:
    مرَّ في الحلقات الثلاث الماضية تخريج ودراسة أسانيد حديث: «الأذنان من الرأس» من طريق جماعة من الصحابة.

    وستكون هذه الحلقة في تخريج بقية الطرق المرفوعة للحديث، مع خلاصة البحث، وأحكام الأئمة.

    9- تخريج حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-:
    أ- رواية عبدالحكم عن أنس:
    أخرجه ابن عدي (2/18) من طريق بشر بن محمد، وأبو بكر الجصاص الرازي في أحكام القرآن (3/360) من طريق زياد بن علاقة، والدارقطني (1/104) من طريق عفان بن سيار، ثلاثتهم عن عبدالحكم، عن أنس به.

    ب- رواية يزيد الرقاشي عن أنس:
    أخرجه ابن عدي (3/55) - ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (218) - من طريق خارجة بن مصعب، عن الهيثم بن جماز، عن يزيد الرقاشي، عن أنس به.

    وقد أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (1/28) -معلقًا- والدارقطني في السنن (1/104) والعلل (12/263) -معلقًا- عن حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس به، ولم يذكر فيه لفظة: «الأذنان من الرأس».

    دراسة الأسانيد:
    جاء الحديث عن أنس من طريقين:
    إحداهما: رواية عبدالحكم بن عبدالله القسملي عنه، والحكم منكر الحديث، قال أبو نعيم الأصبهاني: (روى عن أنس نسخة منكرة، لا شيء)[1]، وقال الحاكم: (روى عن أنس أحاديث موضوعة)[2].
    ثانيهما: رواية يزيد الرقاشي، وعنه الهيثم بن جماز، متروك الحديث، وعنه خارجة بن مصعب، متروك كذلك، ولا يبعد عن حالهما حال يزيد الرقاشي نفسه.
    فالحديث عن أنس كالموضوع.

    وأما رواية حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس؛ فسبق في حديث أبي أمامة أنها -إن صحت- من اضطراب سنان بن ربيعة في الحديث.

    10- تخريج حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه-:
    أخرجه تمام في المقلين من الأمراء والسلاطين (3، 4) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (51/234)- والبيهقي في الخلافيات (240) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن الحجاج بن يوسف الثقفي، عن سمرة به.

    دراسة الإسناد:
    فيه الحجاج بن يوسف الثقفي، الأمير الظالم المشهور.

    قال البيهقي عقب هذه الرواية: (والحجاج بن يوسف لا يحتج بحديثه -إن كان محفوظًا عنه، والطريق إليه سليم-، ولا يخفى حاله على أحد)[3].

    ويُنظر في كونه سمع سمرة، فإنه يقول في هذا الحديث: (سمعت سمرة)، بينما كانت وفاة سمرة بالعراق وللحجاج أقل من أربع عشرة سنة، وقد كانت نشأة الحجاج في الطائف!

    11- تخريج حديث عبدالله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-:
    أخرجه ابن عدي (6/282) من طريق محمد بن يزيد المستملي عن يزيد بن هارون، عن فائد بن عبدالرحمن، عن ابن أبي أوفى به.

    دراسة الإسناد:
    فيه محمد بن يزيد المستملي، متروك الحديث، ويسرقه، ويضعه[4]، قال ابن عدي عقب روايته: (وهذا حديث باطل بهذا الإسناد)[5].

    12- تخريج حديث سلمة بن قيس الأشجعي -رضي الله عنه-:
    أخرجه الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (2/782) وابن عساكر في تاريخ دمشق (41/349، 350) من طريق خيثمة بن سليمان، عن وزير بن القاسم، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة به. «إذا توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر، والأذنان من الرأس».

    دراسة الإسناد:
    قال الخطيب البغدادي بعد أن أخرجه: (قوله في هذا الحديث: «الأذنان من الرأس» خطأ فظيع، ووهم شنيع، وذلك أن المتن المرفوع إلى: «فأوتر» حسب، لا زيادة عليه.

    والوهم في هذا الحديث من وزير بن القاسم؛ وهمه على آدم، أو من خيثمة؛ وهمه على وزير، والحديث في كتاب آدم عن شعبة، وآخره: «فأوتر»، وبعده إثره بإسناد آخر عن عبدالله بن عمر، قال: «الأذنان من الرأس». فأسقط الناقل لحديث سلمة بن قيس ما بعده من إسناد حديث ابن عمر، ووصل لفظه بمتن حديث سلمة.

    وقد روى معمر بن راشد[6] وسفيان الثوري[7] وموسى بن مطير[8] وقيس بن الربيع[9] وأبو عوانة[10] وحماد بن زيد[11] وسفيان بن عيينة[12] وجرير بن عبدالحميد[13] = عن منصور حديث سلمة بن قيس، فلم يزيدوا على قوله: «وإذا استجمرت فأوتر».
    وكذلك رواه أبو الوليد الطيالسي عن شعبة عن منصور[14].

    وروى إبراهيم بن الهيثم البلدي عن آدم بن أبي إياس عن شعبة حديث سلمة بن قيس، وأتبعه بحديث ابن عمر، وميز كل واحد منهما عن صاحبه[15]) ا.هـ كلام الخطيب[16].

    وقال ابن عساكر بعد أن أخرجه: (هكذا رواه خيثمة، وقوله: «والأذنان من الرأس» ليس من الحديث المرفوع، وإنما روى آدم هذا الحديث عن شعبة مثل ما رواه أبو الوليد الطيالسي، وآخره: «وإذا استجمرت فأوتر»، ثم روى بعده عن شعبة: حدثني رجل كان بواسط مولى لبني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر يقول: «الأذنان من الرأس»... وقد رواه عن منصور: معمر بن راشد وسفيان الثوري وقيس بن الربيع وأبو عوانة وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وجرير بن عبدالحميد وموسى بن مطير= فلم يذكروا فيه: «والأذنان من الرأس»)[17].

    فتبين أن اللفظة في هذا الحديث مدرجة خطأً، بسبب انتقال النظر أو نحوه، وهذا ضربٌ مما يطلق عليه: دخول حديثٍ في حديث.

    13- تخريج حديث أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها-:
    أخرجه الدارقطني في العلل (15/305) -معلقًا- عن محمد بن عبدالرحيم الشماخي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أبان بن تغلب، عن شهر بن حوشب، عن أسماء به.

    دراسة الإسناد:
    قال الدارقطني في الشماخي هذا: (كان بالشام، ولم يكن مرضيًّا)، ثم قال: (والمحفوظ: عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر عن أبي أمامة)[18].

    وهذه هي الرواية الأولى لهذا الحديث، وقد خولف الشماخي هذا، خالفه أبو داود السجستاني ويوسف بن موسى القطان، روياه عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد من طريق أبي أمامة[19]، وهو الصواب -كما هو ظاهر-.

    14- تخريج حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنه-:
    أخرجه البيهقي في الخلافيات (202، 203) من طريق عثمان بن حفص، عن سلام، عن إسماعيل بن أمية وإسماعيل المكي، عن عطاء، عن جابر به.

    دراسة الإسناد:
    قال البيهقي -عقب تخريجه-: (أخبرناه أبو عبدالله الحافظ في كتاب التاريخ: أنبأ أبو عمرو بن مطر... فذكر مثله، إلا أنه لم يذكر سلامًا في إسناده، وهم فيه الراوي عن إسماعيل، أو من دونه. وذكر جابر فيه خطأ.

    وقد اختُلف فيه على إسماعيل المكي كما سبق ذكري له، والله أعلم.

    والأشبه بالصواب حديث عطاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم ذكري له، والله أعلم) ا.هـ كلام البيهقي[20].

    وسلام إن كان هو الطويل، فإنه متروك منكر الحديث، وإن كان غيره فلم أعرفه، ولم تصح روايته عن إسماعيل بن مسلم المكي؛ إذ الصحيح عن إسماعيل: روايته عن عطاء عن أبي هريرة -كما سبق بيانه في موضعه-. وإسماعيل واهٍ منكر الحديث أصلاً، وهذه الرواية لغرابتها اضطُرب فيها اضطرابًا متأخرًا، فالنظر فيها شديد، والأظهر أنها واهية منكرة.

    الخـلاصة:
    يظهر من العرض السابق:
    أنه لم ترد طريق للحديث مرفوعة صحيحة البتة، وهذا ما حكم به غير واحد من أئمة الحديث النقاد:
    1- قال حرب بن إسماعيل: قلت لأبي عبدالله -يعني: أحمد بن حنبل-: الأذنان من الرأس؟ قال: (نعم)، قلت: صح فيه شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: (لا أعلم)[21]، والظاهر أن قوله: (لا أعلم) يعني: أن أحمد -رحمه الله- لا يعلم شيئًا يصح من طرق الحديث، وأبعد منه: أن المقصود: أن أحمد لا يعلم أصح فيه شيء أم لا.

    2- وسبق قول الإمام الحافظ أبي عيسى الترمذي: (هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم)، وكلامه عقب إخراجه حديث أبي أمامة، ثم قوله: (وفي الباب عن أنس).

    3- وقال الإمام الحافظ أبو جعفر العقيلي: (الأسانيد في هذا الباب لينة)[22].

    4- وعرض الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني طرق الحديث بتوسع، وبين عللها وضعفها جميعًا[23].

    5- ونسب العراقي[24] والسيوطي[25] تضعيف الحديث إلى الحاكم، وكان الحاكم قد قال في نوع المشهور من الحديث: (فرُبَّ حديث مشهور لم يخرج في الصحيح...)، ثم ضرب لذلك أمثلة فيها حديثنا هذا، ثم قال: (فكل هذه الأحاديث مشهورة بأسانيدها وطرقها وأبواب يجمعها أصحاب الحديث، وكل حديث منها يُجمع طرقه في جزء أو جزئين، ولم يخرج في الصحيح منها حرف)[26].
    ولا يظهر من كلام الحاكم هذا التضعيف الذي نسبه إليه الإمامان، والله أعلم.

    6- وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم: (الآثار في ذلك واهية كلها، قد ذكرنا فسادها في غير هذا المكان)[27].

    7- وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: (رُوي ذلك بأسانيد ضعاف)[28]، وقال: (وربما استدل أصحاب أبي حنيفة بما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الأذنان من الرأس» بأسانيد كثيرة، ما منها إسناد إلا وله علة)[29].

    8- وقال الحافظ عبدالحق الإشبيلي: (وقد روي عن أبي أمامة وابن عباس وأبي موسى وأبي هريرة وابن عمر كلهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الأذنان من الرأس»، ولا يصح منها كلها شيء)[30].

    9- وذكر هذا الحديث الإمام ابن الصلاح مثالاً على ما لا يتقوى بأسانيده، قال: (لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: «الأذنان من الرأس» ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؟ لأن بعض ذلك عضد بعضًا كما قلتم في نوع الحسن، على ما سبق آنفًا.

    وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه بل ذلك يتفاوت:
    فمنه ضعف يزيله ذلك؛ بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر،
    ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا)[31].

    10- وقال المنذري: (قد وقع لنا هذا الحديث من رواية ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأنس وعائشة، وليس شيء منها يثبت مرفوعًا)[32].

    والدراسة المرقومة هنا تثبت صحة ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة ودقته، فالطرق مناكير وشذوذات، ولا يصح تقوية بعضها ببعض البتة.

    والله أعلم، وله الحمد على ما وفق.


    ـــــــــــــــ ـــــــــــــ
    [1] انظر: لسان الميزان (6/204).
    [2] المدخل إلى الصحيح (ص173).
    [3] الخلافيات (1/433، 434).
    [4] انظر: لسان الميزان (5/429).
    [5] الكامل (6/282).
    [6] روايته عند أحمد (4/340) والطبراني في الكبير (6306) -ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (2/784)-.
    [7] روايته عند أحمد (4/313، 339، 340) -ومن طريقه الخطيب في الفصل (2/784)- وابن حبان (1436) والطبراني في الكبير (6306، 6314) -ومن طريقه الخطيب في الفصل (2/784)-.
    [8] روايته عند الخطيب في تاريخ بغداد (1/286) والفصل (2/784).
    [9] روايته عند الطبراني في الكبير (6310) والخطيب في تاريخ بغداد (1/286) والفصل (2/784).
    [10] روايته عند الطبراني في الكبير (6311) والخطيب في تاريخ بغداد (1/286) والفصل (2/784، 785).
    [11] روايته عند الترمذي (27) والنسائي (1/67) وابن ماجه (406) والطبراني في الكبير (6312) والخطيب في الفصل (2/785).
    [12] روايته عند أحمد (4/339) والحميدي (856) -ومن طريقه الطبراني في الكبير (6313)- والخطيب في الفصل (2/785).
    [13] روايته عند أحمد (4/313) -ومن طريقه الخطيب في الفصل (2/786)- والترمذي (27) والطبراني في الكبير (6315).
    [14] روايته عند الخطيب في الفصل (2/786).
    [15] روايتاه عند الخطيب في الفصل (2/786، 787).
    [16] الفصل للوصل (2/783).
    [17] تاريخ دمشق (41/350).
    [18] العلل (15/305).
    [19] كما سبق في تخريج حديثه.
    [20] الخلافيات (1/393، 394).
    [21] تنقيح التحقيق (1/117).
    [22] الضعفاء (1/31).
    [23] السنن (1/97-104).
    [24] التبصرة والتذكرة (2/75).
    [25] تدريب الراوي (2/165).
    [26] معرفة علوم الحديث (ص304، 305).
    [27] المحلى (2/55).
    [28] السنن (1/66).
    [29] الخلافيات (1/347).
    [30] الأحكام الوسطى (1/171).
    [31] علوم الحديث (ص103).
    [32] النكت على ابن الصلاح، للزركشي (1/236).
    2636 ـ وَالعِلْمُ يَدْخُلُ قَلْبَ كُلِ مُـوَفَّـقٍ * * * مِنْ غَـيْـرِ بَـوَّابٍ وَلَا اسْـتئْذَانِ
    2637 ـ وَيَرُدُّهُ الـمَـحْرُوْمُ مِنْ خِذْلَانِـهِ * * * لَا تُـشْـقِـنَا الـلَّهُـمَّ بِالـحِـرْمَـان ِ
    قاله الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزيّة .« الكافية الشافية » [ ج 3، ص 614 ]. ط بإشراف شيخِنا العلّامة بكر أبو زيد.

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •