تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 89

الموضوع: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    كنتُ قرأتُ المقالينِ اللذين صَدَّر بهما الشيخُ أحمدُ شاكر كتاب « الشعر والشعراءِ » لابن قتيبةَ . وهما مقالانِ كتبَهما السيد صقر ينتقدُ بهما تحقيقَه . فرأيتُه أنكرَ بعضَ الرِّواياتِ الصحيحةِ ، ولجَّ في نفيِها ، إما لمكانِ الإلْفِ ، والعادةِ من نفسِه ، وإما لأنَّه وجدَها في بعضِ الكتبِ على غيرِ ما هي عليهِ في كتابِ ابنِ قتيبةَ ، وخفِيَت عليهِ مواضعُها في الكتبِ الأخرَى . فكرِهتُ أن يتجرَّم دهرٌ ، فيعتقِدَ الناس كلَّ ما ذكرَه حقًّا . وقد تضيعُ النُّسَخ المخطوطةُ التي حفِظت لنا هذه الرِّواياتِ ، أو يعسُر على جمهورِ الناسِ الرجوعُ إليها . فذكرتُ منها بعضَ ما صادفتُ غيرَ مستقصٍ ، ولا مستوعبٍ :



    1-قالَ السيد صقر ( 1 / 10 ) :
    ( قال امرؤ القيس يصِف فرسًا :
    كميت يزِل اللِّبدُ عن حال متنِه *** كما زلَّتِ الصفواءُ بالمتنزَّلِ
    والصواب : ( بالمتنزِّل ) كما جاء في شرح المعلقات للتبريزي ص 41 ، والديوان 133 ) ا . هـ .



    قلتُ :
    هذه الرِّواية التي خطَّأها روايةٌ ثابتةٌ صحيحةٌ رواها ابنُ قتيبةَ ( ت 276 هـ ) نفسُه في « كتاب المعاني الكبير 1 / 146 » ، ورواها أيضًا شيخُه أبو حاتمٍ السجستانيُّ ( ت 255 هـ ) في « المذكر والمؤنث 161 » ، وأبو منصور الأزهريُّ ( ت 370 هـ ) في « تهذيب اللغة 12 / 249 » . ويبعُد أن تكونَ مصحَّفةً في جميعِ هذه الكتبِ .
    فهذا ما بلغَنا من الرِّوايةِ في ضبط هذه الكلمة . وهي صحيحةٌ في اللغةِ ؛ فقد وردَ في المعاجمِ أن ( تنزَّلَه ) مثلُ ( نزَّله ) ؛ فـ ( المتنزَّل ) إذن بمعنى ( المنزَّل ) ؛ وهو المطرُ .



    2-قال السيد صقر ( 1 / 10 ) :
    ( وقال الآخر :
    أرأيت إن بكرت بليلٍ هامتي *** وخرجت منها باليًا أثوابي
    ...
    وهو خطأ ، والصواب :
    ... *** وخرجت منها عاريًا أثوابي
    ... لأن الإنسان لا يخرج من الدنيا باليَ الأثواب ؛ بل يخرج منها عاريًا ) ا . هـ .



    قلتُ :
    هذا ليس خطأ كما ذكرَ ؛ فقد رواها كذلك أبو عليّ القالي ( ت 356 هـ ) في « أماليه 2 / 279 » . ويمكنُ أن يُّخرَّج على وجهينِ ذكرَهما أبو عبيد البكريُّ ( ت 487 هـ ) في « اللآلي 2 / 922 » :
    أحدُهما : أن الأكفانَ لا تكون إلا مما بلِيَ عادةً .
    الآخر : أن يكون هذا مجازًا مرسَلاً عَلاقتُه المستقبليَّةُ ؛ أرادَ أنَّ مصيرَها للبِلى ، كما قالَ تعالى : إني أراني أعصر خمرًا ، وكما يقال : قتلتُ القتيلَ . و يشهدُ لهذه الروايةِ قولُ النابغة الجعدي :
    أرأيت إن صرخت بليلٍ هامتي *** وخرجت منها باليًا أوصالي
    وهو شاهدٌ للسماعِ ، لأنه اهتدمَ هذا البيتَ ؛ لم يغيِّر فيه إلا الكلمة الأخيرة ، وشاهدٌ للقياسِ ، لأن المرء لا تبلَى أوصالُه حالَ خروجه من الدنيا ؛ وإنما تبلَى بعد ذلك .



    3- قالَ السيد صقر ( 1 / 13 ) :
    ( كقول العباس بن مرداس السلمي :
    وما كان بدرٌ ولا حابسٌ *** يفوقان مرداسَ في مجمعِ
    وكذلك وردَ مرةً أخرَى ... ، وهو خطأ . والصواب : ( وما كان حصنٌ ولا حابسٌ ) [ ثم أخذ يعدِّد المصادر التي فيها هذه الرواية ] ) ا . هـ .



    قلت :
    ما خطَّأه ليس خطأً ؛ فقد رواهُ كذلكَ ابنُ سعدٍ ( 230 هـ ) في « طبقاتِه 4 / 272 » ، ومسلمٌ ( ت 261 هـ ) في « صحيحه ، رقم 1060 » . وهو في « العقد الفريد 5 / 357 » لابن عبد ربه ( ت 328 هـ ) عن أبي حاتمٍ السجستانيِّ .
    وله وجهٌ من النظرِ ؛ فإن عيينةَ هو ابن حصن بن حذيفة بن بدرٍ ؛ فـ ( بدرٌ ) جدُّه ؛ وإن كنت أرى أن الأرجحَ روايةُ ( حصن ) حتى يقابِلَ ( حابسًا ) ، و ( مرداسًا ) ، لأنهما أبوان ، وليسا جدَّينِ ؛ ولكن لا يجوز أن تُقدَّم رِوايةُ نسخةٍ على أخرَى إذا كانت الأولَى أوثقَ عند المحقِّق ، وكانتِ الرِّوايةُ التي فيها محتملةً مقبولةً . وللمحقِّق أن يعلِّق في الحاشية بما يشاءُ .



    4-قال السيد صقر ( 1 / 14 ) :
    ( وقدَّمتِ الأديمَ لراهشَيهِ *** وألفى قولها كذبًا ومينًا
    هكذا جاء في الطبعتين : ( وقدَّمتِ الأديمَ ) . وهو خطأ . والصواب : ( وقدَّدتِ ) ) ا . هـ .



    قلتُ :
    هذه الرِّواية ليست خطأ ؛ فهي رواية أبي زكرياءَ الفراءِ ( ت 207 هـ ) في « معاني القرآن 1 / 37 » ، وأبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى ( ت 210 هـ ) في « الديباج 112 » ، وابنِ سلامٍ الجمَحيِّ ( ت 231 هـ ) في « طبقات فحول الشعراء 1 / 76 » ونقلَ كلامَه أبو عبيد الله المرزبانيُّ ( ت 384 هـ ) في « الموشح 15 » بهذه الرواية . وهي أيضًا روايةُ أبي بكرٍ الأنباريِّ ( ت 328 هـ ) في « الزاهر في معاني كلام الناسِ 1 / 157 » ، وقدامةَ بنِ جعفر ( ت 337 هـ ) في « نقد الشعر 182 » ، والجوهريِّ ( ت 393 هـ ) في « الصحاح 7 / 60 » ، و الشريفِ المرتضى ( ت 436 هـ ) في « أماليه 2 / 258 » ، و الزمخشريِّ ( ت 538 هـ ) في « المستقصى في أمثال العرب 1 / 243 » ، وغيرِهم .
    وهذا البيتُ لعَديِّ بن زيد العِباديِّ ، يصِف فيه خبرَ جَذيمةَ الأبرشِ مع الزبَّاء عندما دعته إليها ، وأوهمتْه أنها ستتزوجُه ، وتَدينُ له ؛ فلما جاءَ ، غدرت به ، وقدَّمت الأديمَ ( وهو الجلد المدبوغ ) ؛ فجعلته تحت ذراعيه ، حتى لا يسيلَ الدمُ ، ثم قطعت راهشَيْهِ ( وهما عرقان في باطن الذراعِ تراهما ظاهرينِ ) حتى ماتَ .
    بل إنَّ رِواية ( قدَّمت ) أبلغُ من ( قدَّدت ) ؛ فهي تصوِّر جَذيمةَ وهو قادِمٌ إلى الزبَّاءِ يطمعُ أن تقدِّم له نفسَها ، ومُلكَها كما وعدته ؛ فإذا هي تقدِّمُ له الأديمَ ، لتقتلَه . وهذه مفارقةٌ بلاغيَّةٌ بديعيَّةٌ تعملُ على إبراز مفاصلِ الحدثِ ، ومقاطعِه ، ومواضعِ العجَب منه بأجلَى صورةٍ ؛ ألا ترى أن ذلك أشعرَك مقدار الخيبة ، والخُسْر اللذينِ مُنِِي بهما ، وأيُّ شيء أحاطَ به ، وكم من الآمال التي تحطَّمت دون أن ينالَها . ونظيرُ هذا اللون من البلاغة قوله تعالى : إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً ، وقوله : هذا نزلهم يوم الدين .



    أبو قصي فيصل المنصور

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    2,409

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    هل الأستاذ سيد صقر المذكور هو د/السيد صقر أستاذ الفقه المقارن بالأزهر؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    25

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    http://www.ahlalloghah.com/showthread.php?p=7272

    الرابط أعلاه ترجمة متينة للسيد احمد صقر أبدع في جمع مادتها الأديب الأستاذ / احمد الحازمي...وفقه الله..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    "وهذا رأيي الذي رُبيت عليه واعتنقته طول حياتي: أن لي أن أنقد آراء الناس في حدود ما أستطيع من علم ، وأن لهم أن ينقدوا آرائي في حدود ما يستطيعون من علم"
    هكذا تكلّم الشيخ أحمد محمد شاكر، رحمه الله!
    وما ذكره الفاضل أبو قصي من تعقّبات لنقدات السيد صقر ينمّ عن بصر حديد نافذ، وتقليب للنظر الناقد لكلام الكبار. وهو ممّا يحمَد عليه، ما دام "في حدود ما يستطيع مِن عِلم". وإنْ كنتُ أرى من اللائق أن يُلبِسها ثوبًا من التحفُّظ في اللفظ والتوقير في العبارة...
    وهذا الشيخ أحمد شاكر يُقِرُّ للسيد بأنه أنفذ منه بصرًا بالشعر، ولا يذكره إلا بعبارات الاحترام؛ مع أنّ نقد الأستاذ صقر لو كان من غيره في غير تحقيق الشيخ، لاعتبِر نسفًا للتحقيق من أساسه!
    وفي مقاله النقدي الأول لتحقيق "الشعر والشعراء"، قال السيد أحمد صقر:
    "والقسم الثاني من أقسام الملاحظات يتعلق بالتحريف، وهو كثير جدا في ثنايا الكتاب"
    فعلَّق الشيخ أحمد شاكر على هذا الكلام قائلا: "هذه دعوى عريضة "!
    ولعلّها لم تكن بالعريضة...
    وقد قال الفاضل أبو قصي: "فذكرتُ منها (الروايات) بعضَ ما صادفتُ غير مستقصٍ، ولا مستوعبٍ". ومن حق أي قارئ لكلامه أن يقول: "هذه دعوى عريضة!" لأنّها توحي بكثرة ما يقتضي الرد على "السيد" أو يحتمله؛ وهذا يحتاج إلى استقراء يسنده، وبراهين تؤيِّده...
    أقول هذا تحفيزًا للفاضل أبي قصي على المضيّ قدمًا في استقصاء نظائر ما ذكره في تعقباته، لا اعتراضًا على صنيعه أو تثبيطًا لعزيمته...
    أمّا ما تفضّل به من تعقُّبات، فلا بد قبل الخوض فيه من توضيح مسألتين أراهما جديرتين بالتأمّل:
    1_ أهمّ ما انتقد به السيد تحقيق أحمد شاكر لكتاب "الشعر والشعراء" هو: اعتماده على طبعة دي غوية للكتاب، وتجاهله للمخطوطات، ثم تجاهله للفروق بين النسخ، وهي مثبتة في طبعة دي غوية.
    2_ بعض ما صوّبه السيد لم يكن فيه رهينة للروايات، وإن صحَّت؛ بل صوّبه بترجيح الناقد المتبصِّر. وهذا من حق المحقق المتمكّن من الفن الذي صُنِّف فيه الكتاب، لا سيما إذا وجد في بعض نسخ المخطوط ما يسند مذهبه. وهذا المنهج اعتبره الشيخ أحمد شاكر تحكُّمًا وافتئاتًا من غير دليل مرجِّح...
    وقد تأمّلت تعقيبات أخينا "المنصور"، في "حدود ما أستطيعه من عِلم"، فوجدت بعضها حريًّا بالتعقُّب. ومن ذلك:
    ** التعقيب رقم 3:
    قال السيد أحمد صقر: "كما جاء في النسخ المخطوطة كلّها" (ص 13)
    وهذه حجة له. وقد أخذ الشيخ شاكر بتصويبه هذا في الصفحة 748 من الطبعة الثانية. وهذا يعني إقراره بصواب ما ذهب إليه السيد.
    وقولك "لا يجوز أن تُقدَّم رِوايةُ نسخةٍ على أخرَى إذا كانت الأولَى أوثقَ عند المحقِّق" لا يستقيم من وجهين:
    _ أولهما: أن المحقق لم يطّلع على النسخ المخطوطة، بل اعتمد اعتمادًا كُلِّيًّا على طبعة دي غوية. وقد أشار السيد إلى هذا المعنى في مقاله النقدي، ولم يكذّبه الشيخ شاكر.
    _ الثاني: أنّ التفضيل بين النسخ ليس ضابطه هذا الإطلاق الذي ذكرتَه، بل يخضع لمنهج محدّد يرتضيه المحقق ثم يلزمه. واستخدام نسخة من المخطوط وتقديمها على غيرها لا يخضع لعامل ثقة المحقق فحسب، بل لمقاييس أخرى، منها تاريخها، وكونها كاملة غير منقوص، ووضوح الخطّ...إلى آخره

    ** التعقيب رقم 1:
    إحالتك على المصادر التي ذكرتَها لا تستقيم إلا إذا كان فيها ما يشير تلميحًا أو تصريحًا إلى ضبط "المتنزّل" بفتح الزاي. وفرقٌ بين الاستناد إلى المصدر، والاستناد إلى ضبط محقِّقه...

    ** التعقيب رقم 4:
    قال السيد أحمد صقر: "وقد ذكر دي غوية: أنها جاءت كذلك في بعض النسخ، ولكن الأستاذ قد تركها أيضا" (ص 14)
    وما دامت قد ذُكِرَت في بعض النسخ، فمن حق المحقق أن يختارها، ومن حق الناقد أن ينازعه في اختياره. ورواية "وقدَّمت الأديم" لا تستقيم إلا بشيء من التكلُّف...
    وظني أن تخطئة السيد لهذه الرواية ليس نفيًا لورودها، وليس جهلاً منه لورودها بهذا اللفظ، وإنما هي تخطئة قائمة على اختيار نقدي. ولعله في هذا ينحو نحو أبي الوليد الوقّشي...

    ** التعقيب رقم 2:
    من الغريب أن يحيل السيد على أمالي القالي، مع أنّ الذي ورد فيها: "باليًا أثوابي"!
    لكن الذي في "اللِّسان": "عاريًا أثوابي". ولعلّ السيد رجَّح هذه الرواية بناءً على استقامة المعنى بها. وفي توجيه "البكري" شيء من التكلُّف؛ لأن الأكفان ليست من أثواب الانسان في حياته الدنيا، وهي ليست ممّا بلي عادةً... وإذا تعارضت روايتان، وكان المهجور منهما لغرابة تركيبه، قوي الظن أنه هو هو الأصح، وأنّ المحفوظ المشهور طرأ عليه التحريف لينسجم مع مألوف الأساليب. والله أعلم.
    وبعد،
    "لا ينبغي أن ينسينا حديث المآخذ والأخطاء شكر الأستاذ السيد أحمد صقر على ما بذل في نقد كتاب "الشعر والشعراء من جهد عنيف، لا يُدرك كنهه ولا يعرف قدره إلا مَن زجَّ بنفسه في هذا المضمار"
    والله ولِيُّ التوفيق...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    وجدتُّ بعدَ أن أتممت هذا الحديثَ تعقيبين آخَرينِ ؛ فآثرتُ أن أوردَهما ، مذيِّلاً بذكر أصلينِ لا بدَّ من تقريرِهما حتى يكونَ الأمرُ بيِّنًا كلَّ التبيُّنِ .
    فإن وجدَ أخونا الأديبُ الألمعيُّ الذكيُّ البيان " الواحديُّ " بعد الاستدراك الذي سأذكرُه - إن شاء الله - ما يضيفُه إلى تعقيبه السابق ، أو ما يحملُه على الرجوعِ عن بعضِ ما ذكرَ ، فعلَ . وذلك لكي أعودَ إليهما بالمناقشةِ معًا .


    مع الشكرِ الصادقِ .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    5-قال السيد صقر ( 1 / 23 ) :
    ( واستنَّ فوق الحذارى القُلقُلان كما *** شكلُ الشُّنوف يُحاكى بالهيانيمِ
    ... وإذا كانت " ما " زائدة كما قال الأستاذ ، فلماذا ضبطَ " شكل " بضم اللام ؟ والصواب : " كما شكلِ " بكسر اللام ) ا . هـ .

    قلتُ :
    لم يفهم السيد صقر معنى الزيادة عند النحاة ؛ فأنكر على الشيخ شاكر أن يضبطَ ( شكل ) بالضمِّ ، معَ ادِّعائه زيادتَها ؛ كأنه يظنُّ أن الزائِدَ لا يكفُّ عن العملِ. وليس الأمر كذلك ؛ فإن " ما " قد تأتي بعد الكافِ ؛ فتكون زائدةً في المعنَى ،غيرَ كافَّةٍ عن العمل ؛ ومنه قول الشاعرِ :
    وننصر مولانا ، ونعلم أنه *** كما الناسِ مجرومٌ عليه وجارمُ
    وقد تأتي بعد الكافِ ؛ فتكون زائدةً في المعنَى ، كافَّةً عن العملِ ، ومهيئةً حرفَ الجرِّ للدخول على الجمل الاسمية ، أو الفعلية بعدَها ؛ ومنه قول الشاعرِ :
    أخٌ ماجِدٌ لم يخزني يومَ مشهدٍ *** كما سيفُ عمرو لم تخنه مضاربُهْ
    فالزيادةُ غيرُ الكفِّ ، وهي لا تقتضيه ، كما لا تدفعُه ، لأن الزيادةَ تتعلقُ بالمعنَى ، والكفّ يتعلق بالعمل .

    6-قال السيد صقر ( ا / 27 ) :
    ( ودكين هو القائل :
    ...
    وإن هو لم يُضْرِعْ عن اللؤمِ نفسَه *** فليس إلى حسن الثناء سبيل
    قال الشيخ في شرحه : ( أصلُ الضَّرَعِ – بفتح الراء – الذل والتخشع ؛ يقال : ضرع له ، وإليه : استكان ، وخشعَ ؛ فالمراد هنا : إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ، ويغلبها ) قلتُ [ القائل السيد صقر ] : والصواب : إن هو لم يَضرَح عن اللؤم نفسَه . جاء في اللسان ... " الضرح : التنحية . وقد ضرحَه : أي نحَّاه ، ودفعَه ) ا . هـ .

    قلتُ :
    بل الصواب ما ذكرَه الشيخُ شاكر . وأما ما ذكرَه السيد صقر يزعمُ أنه هو الصواب ، فمردود من ثلاثة أوجهٍ :
    الأول : أنَّ لفظَ " الضَّرْح " لا يصلح في هذا الموضعِ ، لأن معناه عندَ التحقيقِ ليس التنحية كما نقلَ ؛ إذ التنحية إبعادُ الأشياء الكبيرة الجِرم برفقٍ ؛ و إنما ( الضَّرْح ) إبعادُ الأشياء الصغيرة الجِرم بعنفٍ ؛ فاللفظان يشتركان كما ترى في جنسِ ( الإبعاد ) ؛ ولكنهما يفترقانِ في ما وراءَه . يشهدُ لهذا قولُ الشاعرِ :
    فلما أن أتين على أُضاخٍ *** ضرحْنَ حصاه أشتاتًا عِزِِينا
    وقول الفرزدق :
    كأنَّ نَجاء أرجلِهنَّ لمَّا *** ضرحْنَ المروَ يقتدحُ الشَّرارا
    وقولُ صاحب ( العينِ ) – وقد أبانَ - : ( والضَّرْح : الرمي بالشيءِ ) ؛ فهو إذن بمعنى الرمي ، أو الطرحِ ، وليس بمعنى التنحية ، والدفعِ . والذي في ( اللسان ) منقولٌ عن ( الصحاح ) ، ولم يحسن صاحب ( الصحاح ) الإبانةَ عن المعنَى كما تستعملُه العربُ . ومتى ثبتَ هذا ، أوجب لنا العلمَ بأنه لا يقال : ( ضرح الإنسان نفسَه عن اللؤم ) ، كما لا يقال : ( رمَى الإنسان نفسَه عن اللؤم ) لا من جهة الحقيقة ، ولا من جهة المجاز .
    الثاني : أنَّا لو صححنا رواية ( يضرَح ) كما رأى السيد صقر ، لكان المعنى: إذا المرء لم يجانب اللؤمَ ، لم يستطع أن ينال ثناء الناس عليه . وهذا معنًى قريبٌ باردٌ . وإنما أرادَ الشاعر : أنه إذا لم يهِنِ المرء نفسَه ، ويذلَّها ، ويصبِّرها عن مقارفة أسباب اللؤمِ ، لم يجِد له مثنيًا . وهذا معنًى معروفٌ عندَ العربِ ، منه قولُ الخنساء :
    نهينُ النفوسَ ، وهونُ النفو *** سِ يومَ الكريهة أبقى لها
    وقولُ الآخرِ :
    أهينُ لهم نفسي لأكرمَها بهم *** ولن تكرم النفس التي لا تهينها
    وقد أخذ دكينٌ بيتَه من قول السموءل ، أو عبد الملك الحارثي :
    وإن هو لم يحمل على النفس ضيمَها *** فليس إلى حسن الثناء سبيلُ
    وضيمُ النفس ، وإهانتها متقاربان . وفي هذا مرجِّح لرواية ( يُضرِع ) .
    الثالث : أنَّ أبا بكر الدينوريّ ( ت 333 هـ ) روى هذا البيتَ في « المجالسة وجواهر العلم 4 / 316 » برواية ( يُضرِع ) . ويظاهرُه أيضًا ما رواه ابن قتيبة نفسُه في « عيون الأخبار 3 / 59 » ؛ فإنها فيه ( يصرع ) ؛ فلعله وقعَ في الحرفِ تصحيفٌ من النُسَّاخِ . وإنما كان ظهيرًا للرواية التي صححناها ، لأنه دال على أن الحرف الأخير لا يخرج عن أن يكون عينًا ، أو غينًا ؛ ولا سيَّما أن التقارب الذي بينَهما أدنى من التقارب بينهما وبين الحاء ؛ على أنه لم يروِ هذا اللفظَ بالحاءِ أحدٌ من العلماء في ما أعلمُ ؛ وإنما هو اجتهاد من السيد صقر رحمه الله .
    وتفسير الشيخ شاكر لـ ( أضرع ) ليس مستقيمًا كلَّ الاستقامة ؛ فإنه ذكر أن ( الضَّرع ) الاستكانة ، والخشوع ، ثم عدل عن هذا في التفسير ؛ فقال : ( فالمراد هنا : إن لم يمنع نفسَه عن اللؤم ، ويغلبها ) . والصواب : ( إن لم يُذِلَّ نفسَه ، عن اللؤم ) أي : ( مباعدًا لها عن اللؤم ) كما تقدَّم . ويصدِّق ذلك قول العرب في المثل : ( الحمَّى أضرعتني لك ) ؛ أي : أذلّتني لك .

    فهذه بعضُ التعقيبات على بعض نقَداتِه لم أستحِبَّ أن أطويَها ؛ يدفعُني إلى ذلك ما قاله السيد صقر : ( وإني على نهجي الذي انتهجتُ منذ أول كتابٍ نشرتُ ، أدعو النُقَّادَ إلى إظهاري على أوهامي فيها ، وتبيين ما دقَّ عن فهمي من معانيها ، أو ندَّ عن نظري من مبانيها ، وفاءً بحقِّ العلم عليهم ، وأداءً لحقّ النصيحة فيه ) .
    والسيد صقر محقِّقٌ ثبت ، وقارئٌ ناقدٌ ؛ فإن يكن أخطأ ، فقد أخطأ مَن هو أعلمُ منه ، وإن أكن أصبتُ ، فقد أصابَ من هو أجهلُ منِّي . ولا أدَّعي الصوابَ في جميع ما ذكرتُ . وهذه القضايا التي نخوضُ فيها ليست مِلكًا له ، ولا لي ؛ وإنما هي مِلكٌ للأمّة كلِّها ، لكلِّ فردٍ من الحقِّ فيها مثلُ ما للآخَرِ .

    وهنا أجدني محتاجًا إلى تقريرِ أصلينِ لا بدَّ منهما ، إليهما يئولُ جميعُ ما ذكرتُ :
    الأصلُ الأوَّل :
    إذا اختلفت رواياتُ النسَخِ ، فأيَّها يختار المحقِّقُ ؟
    أيختارُ رواية النسخة التي يثِقُ بها ؟ وأقصِد الثقةَ التي أوجبَها له ما يُحتكَم إليه في مجال التحقيق من معاييرَ علمية صحيحة .
    أم يختارُ الرِّواية التي يستحسنُها ذوقُه ، والتي ألِفَها ، واعتادَ قراءَتَها في جملة من المصادر ؟
    لا ريبَ عندي أنّ عليه أن يختارَ رِواية النسخةِ التي يراها أوثقَ ، وأصحَّ ؛ وإن خالفت الشائعَ ، المألوفَ . وليسَ من حقِّه أن يحكِّم رأيَه في ذلكَ ، ولا أن يخرجَ عن الاعتداد بغيرِها إلا إذا كان غيرُها أشبهَ بأسلوب المؤلفِ ، وطريقةِ أهل عصره ، أو أعرفَ في استعمال الكتَّاب ، واصطلاحاتِ الفنونِ .
    وذلكَ أنَّ عمَلَ المحقِّق ليس إخراجَ الكِتابِ على أصحِّ ما يراهُ هو ؛ أي : ليس عمُله الترجيحَ ؛ وإنما عمَلُه أن يخرج الكتابَ بالصورة التي أرادها مؤلفُه أيًّا كانت . ولا سبيلَ إلى ذلك عند اختلافِ النسَخِ إلا التعويلُ على أصحِّها في الجملة ، وأضبطِها ، وأدناها إلى عصر المؤلفِ ، من خلال تفحُّصِها ، وقراءتها قراءةً دقيقةً ، وغيرِ ذلك مما هو معلومٌ لدى المشتغلين بهذا الفنِّ .
    ولا يلزَمُ أن تكونَ روايةُ المؤلِّف بعدَ هذا هي الرِّوايةَ التي يراها المحقِّق أصحَّ ؛ فقد تكونُ رِواية المؤلفِ رِوايةً مرجوحةً في نظرِه ، أو مخالفةً للكثيرِ المعروفِ ، ومع ذلك ، فلا يسوغُ له أن يختارَ غيرَها ، لأن هذا الكتابَ الذي يحقِّقه فوقَ كونِه أمانةً يجِب أداؤُها كما هي ، فهو وثيقةٌ ، وشاهدٌ على أشياءَ كثيرةٍ ، كمذهب المؤلف ، وأسلوبه ، وعادةِ عصره ، وما لا أحصيه ؛ فربَّ كلمةٍ يغيِّرها لا يأبه لها هي عند باحثٍ من الباحثينَ ذاتُ شأنٍ ، ويمكنُه أن يستنبطَ منها ما يستنبطُ . كما ترَى في احتجاجِ الشيخ أحمد شاكر في ( الرسالة ) للشافعيِّ بـ ( معاني ) ونحوِها مثبتةَ الياء في الرفع ، والجر ، على الجوازِ . ولو أجرَى الشيخ منهجَ الترجيحِ ، والحملِ على الشائع المعروفِ ، لغيَّر هذه الكلمةَ ، وحذفَ الياءَ ؛ فكانت تضيع علينا من جرَّاء ذلك هذه الفائدة اللغوية النادرة – وإن كنتُ أخالفُه في الاحتجاج بها لأمور أخرَى - .
    ثمَّ إنَّ عِلْم الإنسانِ – وإنْ اجتهدَ - محدود ، واطِّلاعه – وإن حاولَ – ضيِّق ، ونظرهُ – وإن امتدَّ – قاصِرٌ ؛ فلعلّ ما اعتدَّه خطأً ، ثم أبطلَه ، يكون هو الصوابَ ، ولعلَّ ما رآه ضعيفًا ، فاستبعدَه ، يكونُ هو الرِّوايةَ التي اختارَها المصنِّف . وهذا المنهجُ – أعني منهجَ الإلحاد في التحقيق - حقيقٌ إن نحن أخذنا به أن يقضي على فريقٍ كبيرٍ من نوادر التراثِ ، ودقائقِه ، وأن يجعلَ كتبَه على صورةٍ واحدةٍ قد يتبيَّن من بعدُ لبعض الباحثينَ أنها غيرُ صحيحةٍ ، وأنَّ ما غيَّره المحقِّقون هو الصوابُ .
    وأنا أذكرُ مثالينِ لهذا الإقدامِ على التغييرِ :
    1-في ( شرح القصائد السبع 23 ) لأبي بكر الأنباريِّ تصرَف الأستاذ عبد السلام هارون في المتنِ اعتمادًا على فهمِه ؛ فأفسدَ المعنَى ، وقلبَه ؛ حيث قال المصنف : ( وقال : الأعراب يروون فيها ) ؛ فغيرَّها إلى ( يروونه ) غيرَ ملتفتٍ إلى النسختين المخطوطتين. وشتان ما هما ؛ فعلى الوجه الأول يكون المرادُ بهذا هو البيت الآتي ، وعلى الوجه الثاني يكون المرادُ بهذا هو البيت السابق . ويدلك على ذلك فوقَ دلالة هاتين النسختين ما في شرحِ المعلقات لأبي جعفر النحاس ، والخطيب التبريزيِّ . وكانَ الحقَّ أن يترُك ما في النسختين كما هو ، ويشير إلى رأيِه في الحاشية ، كما قال هو في « تحقيق النصوص ونشرها 48 » : ( فليس معنى تحقيق الكتاب أن نلتمس للأسلوب النازل أسلوبًا هو أعلى منه ، أو نُحِلّ كلمة صحيحة محلّ أخرى صحيحة بدعوى أن أولاهما أولى بمكانها ، أو أجمل ، وأوفق ...وقد يقال : كيف نترك ذلك الخطأ يشيع ؟ وكيف نعالجه ؟ فالجواب أن المحقِّق إن فطِن إلى شيء من ذلك الخطأ ، نبّه عليه في الحاشية ، أو في آخر الكتاب ، وبيَّن وجه الصواب فيه . وبذلك يحقق الأمانة ، ويؤدي واجب العلم ) .
    2-في ( غريب الحديث 1 / 120 ) لإبراهيم الحربيِّ تصرفَ الناشرُ في روايةِ بيت امرئ القيس :
    بصبحٍ ، وما الإصباح فيك بأمثلِ
    فجعلَه ( منك ) ، وذكر في الحاشية أن الأصل ( فيك ) .
    معَ أن رواية ( فيك ) رواها جملةٌ من العلماء ، كالسكري ، والأنباري ، والشنتمريِّ .

    الأصلُ الثاني :
    أن الروايات قد تتعدَّد ؛ فلا يوجِب ذلك القدحَ فيها ، وإبطالَها ؛ وإنما تكونُ كلُّها صحيحةً ، مقبولةً ما دامَ قد رواها العلماءُ الثقاتُ الذين كانوا في زمنِ الروايةِ ، وكانَ لها وجهٌ سائغٌ يجوز حملُها عليهِ . فإن عرض لامرئ رأيٌ في شيءٍ منها يقضي بالتخطئة ، فلا بدَّ له من أن يأتيَ ببرهانٍ يقدِّمه بين يديهِ ؛ وإلا كانَ كلامُه مطَّرحًا غيرَ مقبولٍ كائنًا من كانَ. وإن كانَ لديه ما يرجِّح روايةً على روايةٍ لأسبابٍ من النظرِ تبدو له ، فإنما حسبُه أن يقولَ : هذه الرواية أرجحُ من تلك ، ويذكر أسبابَه . فأما تخطئتها ، فتهوُّرٌ ، وخطَلٌ . وإن كنتُ أعذِر السيِّد صقرًا بأنَّه لم يطَّلع على الروايات الأخرَى في مواضعها . أقول هذا لعلمي بأنه كانَ أجلَّ من أن يخطِّئ شيئًا صحيحًا ثابتًا ، لما ذاعَ من علمِه ، وفضلهِ ، وغيرته على التراثِ ، جزاه الله على ذلك خيرًا .ولكنَّني أعجبُ ممن يركب المستحيلَ ، كي يبرِّئه من كلِّ ما يُتعقّب به عليه ، أو على غيره ، ويجعل لكلِّ تصرّف يعملُه حكمةً ومعنًى ، ولكلِّ خطوةٍ يخطوها غرضًا ومقصدًا ؛ فيكون أدرى بالسيد صقر من نفسِه حين دعا النقَّاد إلى أن يظهروه على أوهامه ، ويُبدوا عن ملاحظاتهِم في تحقيقاتِه ؛ ولكنَّ للاسم سلطانًا على القارئ يأخذ بحُجَز عقلِه عن الحقِّ ، واتباعِه ، وعن النظر في الأمور بالقسط . ورحمَ الله الرافعيَّ إذ يقول : ( ثم رأيت بعد أن عزمَ الله لي كتابة هذا المقال أن أتركه بغير توقيع ؛ وإن كنت أعلم أن أكثر من يقرءونه كذلك ، سيخرجون من خاتمته كما لو كانوا أميين لم يقرءوا فاتحته ؛ فإن الحكمة كلّها ، والمعرفة بجميع طبقاتها ، أصبحت في أحرف الأسماء ؛ فإن قيل : كتاب لفلان ... قلنا : أين يباع ؟ وإن كان من سقَط المتاع ) .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    579

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    قلتُ :
    لم يفهم السيد صقر معنى الزيادة عند النحاة ؛ فأنكر على الشيخ شاكر أن يضبطَ ( شكل ) بالضمِّ ، معَ ادِّعائه زيادتَها !!
    وأما ما ذكرَه السيد صقر يزعمُ أنه هو الصواب !!
    تصرَف الأستاذ عبد السلام هارون في المتنِ اعتمادًا على فهمِه ؛ فأفسدَ المعنَى ، وقلبَه !!
    !!أيُّها الناقد الأديب: اكسُ ألفاظك حُلَّة من هذا الأدب!!
    فحنانيك يا رجل ، ما هكذا تورد الإبل
    وجزاكم الله خيرًا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    أخي الكريم أبا قصي:
    بصَّرني الله وإياك لطيف الحقائق، وهدانا إلى اكتناه خفيِّ الدقائق!
    جوزيت على الجهد الذي بذلتَه!
    قرأتُ ما سطرتَه بالتأنِّي الذي يقتضيه أيُّ كلام مسطور منشور، فخامرني شعور لم يَرُقْني، ولعلّه لن يسرّك. وبَوادي هذا الشعور كخفاياه، تجمعها أمنية واحدة: ليتك اكتفيت بتعقيباتك الأربع ولم تتكلَّف التسديس!
    والتربيع قد يُقرَن بالتدوير، لكنه أهون من التسديس؛ وإن كان أهل التسبيح والتقديس، لا يؤمنون بتربيعٍ ولا بتسديس.
    تُفَلُّ السُّيُوف البِيضُ وهْيَ صَوَارِمٌ --- ويَرْجِعُ صَدْرُ الرُّمْحِ والرُّمْحُ دِعِّيسُ
    ولَوْلا أُناسٌ زيّنُوا بسعادةٍ --- لَمَا ضَرَّ تَرْبِيعٌ ولا سَرَّ تَسْدِيسُ
    ولكنَّ في الأفلاك سِرَّ حُكومةٍ --- تَحَيَّرَ بَطْلَيموسُ فيها وإدريسُ!

    وأراك رَميتَ (ولا أقول: ضرحتَ) أربعةً من أعلام العربية، وأنت في الجزيرة، بقلة الفهم وسوء الإبانة عن المعاني "كما تستعملها العرب"، وهم: الجوهريّ، وابن منظور، وأحمد شاكر، والسيد صقر! فجاءت تُهَمك بعدد فِجارات العرب، غير أننا لم نتبيَّن بعدُ هل أنت غالبٌ فيها أم مغلوب...
    وأنت بهذا تكلّفتَ جسيما، وتجشَّمت عظيما.
    والجواب على ما تفضَّلتَ به جاهز، وجهيزة حاضرة؛ لكنَّ قلمي الآن مقيَّدٌ بديونٍ اختارته، مُثْقلٌ بأشغال عرته. وأنت تعلم أنَّ قضاء الدَّين براءة للذِّمَّة، وأنّ أداء الواجبات في وقتها من علامات الهِمَّة. ولأولئك الأعلام –رحمهم الله- عليّ دُيون، ولك عليَّ ديون أخرى. ومذهبي في ديونهم إيجاب العمل برِبا الفضل، وفي ديونك تجويز الأخذ بربا النسيئة.
    وربما كان بعض الأحباب في مجلسنا هذا عاتبًا عليَّ لتأخُّري عن جوابه، وديونهم عليَّ ليست مِن جنس ديونك؛ بيد أنّني أجد لنفسي عذرًا في ثقتي بأنّ الأخ الحق هو من التمس لك الأعذار...
    فصبرًا إلى أن يخفّ العبء ويصفو الذِّهن... ولا أدري كم ستدوم مدة انشغالي؟ وغالب ظنّي أنّها أطول مِن أُحاد، وأقصر مِن سداس...
    واعلمْ أنني إلى تحرير الخطاب، أشدُّ شوقًا منك إلى تلاوة الجواب.
    نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ --- أطويلٌ طريقنا؟ أم يَطُولُ؟
    وكثيرٌ مِن السّؤال اشتياقٌ --- وكثيرٌ مِن رَدِّه تعليلُ

    جمعني الله وإياك على الرشد والسداد، وجنَّبنا الخطل والفساد.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفرج المنصوري مشاهدة المشاركة
    !!أيُّها الناقد الأديب: اكسُ ألفاظك حُلَّة من هذا الأدب!!
    فحنانيك يا رجل ، ما هكذا تورد الإبل
    وجزاكم الله خيرًا
    هذه الألفاظ ، وما جرَى بسبيلِها على أربعة أنحاء :
    الأول : لفظٌ لا ذمَّ فيه ، ولا حمدَ ، كـ ( ادَّعى ) ، و ( زعمَ ) ؛ إذ يطلقان على القول الذي يروِيه ناقلُه كما بلغَه غيرَ متحمِّلٍ تبعتَه . وهو قولٌ قد يكونُ حقًّا ، وقد يكونُ باطلاً . ومما يدل على ذلك في ( زعمَ ) قولُ المسيَّب بن علس الشاعر الجاهلي يمدحُ القعقاع بنَ معبدٍ :
    ولذلكم زعمت تميمٌ أنه *** أهل السماحة ، والندى ، والباعِ
    ولو كانَ الزَّعمُ لا يكونُ إلا باطلاً ، لاستحالَ مديحُه هذا هِجاءً ، لأنه جعلَ ما يذكرُه الناسُ من خلاله الصالحات باطلاً .
    وقولُ الجميح الأسديّ يهجو بني عامرٍ :
    أنتم بنو المرأة التي زعم النـ *** ناسُ عليها في الغيِّ ما زعموا
    ولو كان الزعمُ لا يكون إلا باطلاً ، لكانَ هجاؤُه هذا مدحًا ؛ إذ جعلَ قذفَ الناس لأمهم باطلاً .
    فهذا النحوُ جائِزٌ بلا شكّ .
    الثاني : لفظٌ فيه ذمٌّ لوصفٍ من الأوصافِ ، كقولِك : ( وهذا الفعلُ قبيحٌ ) أو ( وهذا القولُ قولُ من لا عِلمَ له ) . وهذا النحوُ جائزٌ أيضًا . وهو ذائِعٌ في كلامِ كثير من أهل العلم .
    الثالث : لفظٌ فيه ذمّ لمعيَّن من الناسِ في مسألةٍ مقيَّدةٍ ، كقولك : ( لم يفهم فلان هذه المسألة ) ، و ( أفسد فلان هذا المعنى ) . وهذا النحوُ جائزٌ عندي بلا جدالٍ ، لأنَّ فيه بيانًا للعلمِ لا يكونُ إلا من هذا الوجه . فـ ( أفسد ) ، و ( لم يفهم ) من شكل ( أخطأ ) ، و ( صحَّف ) ، لأن الخطأ وصفٌ عارِضٌ متعلِّقٌ بأمرٍ مَّا ، كعدمِ الفَهم ، أو الإفسادِ . وقد أستطيعُ أن أختار لفظَ ( أخطأ ) في بعض المواضعِ ؛ ولكنه يستحيلُ عليَّ أن أطردَ هذا اللفظَ في كلِّ موضعٍ ، لأنَّ لكلٍّ من هذه الألفاظ دلالةً لا تقومُ بها للأخرَى . فإما أن أعطيَ المعنَى حقَّه . وهو ما يوجِبُه عليَّ القيامُ بالقسطِ ، وأداء حقِّ العلم ؛ وإن كانَ فيه غضبُ كثيرٍ من الناسِ ، وكان فيه مَدخلٌ لقرحى القلوبِ ، معاوِدي الأفنادِ – كما قال الحماسيُّ - . وإما أن أراوغَ ، وأخادعَ ، وأبدي خلافَ ما أُجِنُّ ؛ وإن كان في هذا ضياعٌ للعلم . وهذا ما لا أستطيعُه أيضًا . وإما أن أسكتَ عن إبداء ما لديَّ ، وأظلُّ أكتمُه في صدري . وتلك لعمري خطةٌ شنعاءُ . وقد قرأتُ قبل قليلٍ في ( طبقات فحول الشعراء 2 / 611 الحاشية ) كلامًا لمحمود شاكر هذا نصُّه : ( وقد أساء الجاحظ وثعلب غاية الإساءة ، وأفسدا شعر العرب وكلامهم في شرح هذا البيت – ثم نقل كلام ثعلب ، وقال بعقِبه – وهو كلام مظلم خسيس ينبغي أن يُنزّه عنه مثل هذا الشعر ) . فهل قلَّ أدبُ محمود شاكر في قوله هذا ؟
    الرابع : لفظٌ فيه ذمٌّ مطلَقٌ لمعيَّن من الناس ، كقولِك : ( فلان كذاب ) ، أو ( سيئ الفهم ) ، أو ( لِصّ كتب ) . وهذا النحوُ قد يقعُ فيه الخلافُ ، وتختصم فيه الأنظار . ورأيي أنَّه متَى كانَ ضررُ هذا المتصِف بهذا الوصفِ متعديًا إلى غيرِه ، وكانَ منغمسًا فيه ، غيرَ نازعٍ عنه ، وكان هذا الفعلُ قد تكرَّر منه ، لم يكن بأسٌ أن يطلقَ عليه هذا اللفظُ ، حتى يتميَّزَ الخبيث من الطيِّب ، والجيِّد من الرديء ، وحتى نحفظَ للعلمِ ذمامَه ، ونرعَى له حرمتَه ، وننقِّيَه من الشوائب .

    وفقني الله وإياك .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    579

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    جزى الله خيرًا الأستاذ الكريم أبا قصي على توضيح الواضح
    وأنا لا أعارضك أستاذي في أن الزعم (قد) يأتي للمدح (أحيانًا) وقد يأتي أيضًا مجردًا عن المدح والذم (أحيانًا) وأستطيع أن أزيدك في ذلك بيانًا وبرهانًا ، ولكنه قليل! ، إن لم يكن نادرًا!
    وكلامي لك أستاذي من باب الأولى والأفضل والأحرى
    ولكن لا شك أستاذي أن سياق كلامك على الزعم والادعاء لا يدل على مدح وإن دلت (بعض) معاني الألفاظ في اللغة على ذلك
    والزعم أستاذي الكريم _كما تعلم_ ما أتى في القرآن على سبيل الحكاية فضلًا عن المدح قط _فيما أعلم_ ، بل يأتي مذمومًا مطلقًا
    فمن ذلك قول الله تعالى : {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
    وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا}
    وقال تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}
    وقال تعالى:{فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ }
    وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}

    وثبت عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال:"بئس مطية الرجل زعموا"
    وفي الأثر:قالا ابن عمر وشريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا

    والزعم أستاذي الكريم _كما تعلم_ أكثر ما يقع على الباطل كما قاله ابن دريد ، أو ما تجرد عنه الدليل
    وقال الخليل ايضا: والتّزعُّم: التكذّب: قال:يا أيُّها الزّاعمُ ما تزعّما
    وقال ابن السكيت: ويقال للأمر الذي لا يُوثَق به مَزْعَمٌ، أي يَزْعُمُ هذا أنَّه كذا ويَزْعُمُ هذا أنّه كذا
    ونقل الجوهري عن الليث ، قال: قال الليث: سمعت أهل العربية يقولون: إذا قيل: ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقال ذلك لأمر يستيقنُ أنه حق. فإذا شُك فيه فلم يدر لعله كذب أو باطل قيل: زعم فلان
    وقال الصاحب في محيطه أن الزعم يستخدم فيما يرتاب فيه ، وقال صاحب القاموس: الزعم أكثر ما يقال فيما يشك فيه.
    وانظر قول الشاعر:
    زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت
    كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وذلت
    قول أبي هِلالٍ العسكري:
    زَعَم البَنَفْسَجُ أنَّه كعِذَارهِ ... حُسْناً فسَلُّوا مِن قَفَاه لسانَهُ
    لَم يَظْلِمُوا في الحكم إذْ مَثَلوا به ... فلشَدَّمَا رفع البَنَفْسَجُ شَانَهُ

    وقول الشاعر:
    زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع
    وقول الشاعر:
    زعم ابن واهصة الخصى أني له ... عبد وقد كذب ابن واهصة الخصى
    وقول الشاعر:
    زعم الناس إن رقك ملكي ... كذب الناس أنت مالك رقي

    والأدلة على ذلك كثيرة ولا تُحصى
    وكان الأولى والأفضل والأحرى بك أن تقول قال صقر ، أو ذكر السيد صقر ، وما إلى ذلك... فضلًا عن الألفاظ التي قد توهم التنقص.
    ورحم الله الخليل حيث قال: فإذا قلتَ ذَكَرَ فهو أحرى إلى الصواب.
    قلت:أي: ذكر فلان كذا بدلًا من ادعى كذا أو زعم كذا!!

    وهذا الجيل _أستاذي الكريم_ جيل عظيم ولا يخفى عليك فضلهم ، وخلَّفوا وراءهم ما يعجز مثلُنا عن صنع مثله ، بل يعجز لسانُنا عن الأداء بشكره.
    فالأولى احترامهم وتقديرهم وإن كان هناك نقد ، فننقد بأدب جمّ و نُحْسن اختيار الألفاظ
    وانظر قول أحدهم حيث قال: يَقبُح بكم أن تستفيدوا منا وتذكرونا ولا تترحموا علينا!!
    وأنت تقول: اعتمد هارون على فهمه فأفسد المعنى!!
    فهذا قدح في فهم الرجل
    وتقول أن صقرًا لم يفهم ما الزائدة!!
    فهذا يقدح أيضًا في فهمه!!
    وقد يكون هذا الكلام مقبولًا من الأقران ، ومن المعلوم أن كلام الأقران في بعضهم البعض أصلًا لا يعبأ به_ طبعًا ذلك ليس مطلقًا_
    فكيف بكلامنا نحن؟!
    جزاكم الله خيرًا أستاذي الكريم
    ولي عودة إن شاء الله.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    33

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    أخي الكريم أبا قصي:
    بصَّرني الله وإياك لطيف الحقائق، وهدانا إلى اكتناه خفيِّ الدقائق!
    جوزيت على الجهد الذي بذلتَه!
    قرأتُ ما سطرتَه بالتأنِّي الذي يقتضيه أيُّ كلام مسطور منشور، فخامرني شعور لم يَرُقْني، ولعلّه لن يسرّك. وبَوادي هذا الشعور كخفاياه، تجمعها أمنية واحدة: ليتك اكتفيت بتعقيباتك الأربع ولم تتكلَّف التسديس!
    والتربيع قد يُقرَن بالتدوير، لكنه أهون من التسديس؛ وإن كان أهل التسبيح والتقديس، لا يؤمنون بتربيعٍ ولا بتسديس.
    تُفَلُّ السُّيُوف البِيضُ وهْيَ صَوَارِمٌ --- ويَرْجِعُ صَدْرُ الرُّمْحِ والرُّمْحُ دِعِّيسُ
    ولَوْلا أُناسٌ زيّنُوا بسعادةٍ --- لَمَا ضَرَّ تَرْبِيعٌ ولا سَرَّ تَسْدِيسُ
    ولكنَّ في الأفلاك سِرَّ حُكومةٍ --- تَحَيَّرَ بَطْلَيموسُ فيها وإدريسُ!

    وأراك رَميتَ (ولا أقول: ضرحتَ) أربعةً من أعلام العربية، وأنت في الجزيرة، بقلة الفهم وسوء الإبانة عن المعاني "كما تستعملها العرب"، وهم: الجوهريّ، وابن منظور، وأحمد شاكر، والسيد صقر! فجاءت تُهَمك بعدد فِجارات العرب، غير أننا لم نتبيَّن بعدُ هل أنت غالبٌ فيها أم مغلوب...
    وأنت بهذا تكلّفتَ جسيما، وتجشَّمت عظيما.
    والجواب على ما تفضَّلتَ به جاهز، وجهيزة حاضرة؛ لكنَّ قلمي الآن مقيَّدٌ بديونٍ اختارته، مُثْقلٌ بأشغال عرته. وأنت تعلم أنَّ قضاء الدَّين براءة للذِّمَّة، وأنّ أداء الواجبات في وقتها من علامات الهِمَّة. ولأولئك الأعلام –رحمهم الله- عليّ دُيون، ولك عليَّ ديون أخرى. ومذهبي في ديونهم إيجاب العمل برِبا الفضل، وفي ديونك تجويز الأخذ بربا النسيئة.
    وربما كان بعض الأحباب في مجلسنا هذا عاتبًا عليَّ لتأخُّري عن جوابه، وديونهم عليَّ ليست مِن جنس ديونك؛ بيد أنّني أجد لنفسي عذرًا في ثقتي بأنّ الأخ الحق هو من التمس لك الأعذار...
    فصبرًا إلى أن يخفّ العبء ويصفو الذِّهن... ولا أدري كم ستدوم مدة انشغالي؟ وغالب ظنّي أنّها أطول مِن أُحاد، وأقصر مِن سداس...
    واعلمْ أنني إلى تحرير الخطاب، أشدُّ شوقًا منك إلى تلاوة الجواب.
    نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ --- أطويلٌ طريقنا؟ أم يَطُولُ؟
    وكثيرٌ مِن السّؤال اشتياقٌ --- وكثيرٌ مِن رَدِّه تعليلُ

    جمعني الله وإياك على الرشد والسداد، وجنَّبنا الخطل والفساد.

    أنا رابضٌ لك على الطريقِ ، وحالي كحال مجمعِ بن هلال الذي يقول :
    عبأتُ له رمحًا طويلاً ، وألَّةً *** كأنْ قبسٌ يُعلى بها حين تشرعُ
    أو كحال عَمْرِ بن معدِيكربَ حين قال :
    أعددتُّ للحدَثان سا *** بغةً ، وعدَّاءً علندَى
    ولا أدري ، لمَ هذا العَدَّاء ؟ أكان يريدُه ليعطِفَ به على الأعداء ، أم ليفرَّ به إلى الوراء ، كما قال في رائيته :
    ولقد أجمعُ رجليَّ بها *** حذرَ الموتِ ، وإني لفرور
    أو كحال البرجميِّ إذ يقول :
    وأصبحتُ أعددت للنائبا *** تِ عرضًا بريئًا ، وعضبًا صقيلا
    ووقعَ لسانٍ كحدِّ السِّنانِ *** ورمحًا طويلَ القناةِ عسولا
    أو كما قالَ حسان رضي الله عنه :
    لساني وسيفي صارمان كلاهما *** ويبلغُ ما لا يبلغُ السيفُ مِذودي

    فهاتِ ما عندَك ؛ ولكن اعلمْ أن الأمرَ على ما وصفتُ لك .
    *** إنَّ بني عمِّك فيهم رِماحْ ***

    ( ابتسامة )

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.


    ففهَّمْناها سليمان...


    مقدمة

    "لم يفهم السيد صقر معنى الزيادة عند النحاة"!
    ساءتني هذه العبارة... وظنّي أنها ستسوء مَن قالها، ولو بعد حين...
    ألا ما أمرَّها! ألا ما أمرَّها!
    وما أثقَلَها!
    إنَّها ثقيلة، ثقلَ مؤنةِ تكلُّف اصطياد عثرات الكبار ممّن لم يستكمل آلة النقد...
    "لم يفهم"!
    كيف "فهمتَ" ذلك من كلامه؟
    ولو قال "أساء الفهم"، لكان ذلك ألطف، ولألحقناه بحُسن "فهمه". وكان يسعه غير هذا وذاك، لو لم يُعجل قلمُه نظرَه...
    ولغتنا ثريّة بجميل الألفاظ المطابق لسديد المعاني، لو التفت إليها قلمٌ مُسْئِدٌ في تعقُّب عثرات الكبار...
    ذلك الكلام ساءني، لا لأنّه أساء إلى أحد أفذاذ التحقيق في تاريخنا فحسب، بل لأنه أساء إلى العلم، وأصول النقد وآدابه، عندما يتعلَّق الأمر بالعلماء لا الأدعياء...
    لذلك كتبتُ ما كتبت...
    وأرجو من الإخوة المشرفين على المجلس أن يتأمَّلوا جيِّدًا العبارات ومضامينها، إذ لم أخرج فيها عن الإطار الذي رسمه الأخ أبو قصي لنفسه في الحديث عن الكبار.
    وأرجو من الأخ أبي قصي أن يستوعب كلامي نقدًا لكلامه، لا تجريحًا لشخصه؛ فإنّ أخوَّة الإسلام تجمعنا.. وإن كنت عاتبا عليه.. وكلامي هذا لونٌ من العتاب...
    والله الهادي إلى سواء السبيل.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...

    (... تابع)



    (1)
    رابضٌ.. ورِماح!

    "أنا رابض لك على الطريق".
    بهذه الجملة أجابني المتأدّب اللطيف: "أبو فيصل المنصور"!
    لذلك، تجنّبتُ مخاطبته، وارتضيتُ استعمال ضمير الغائب في محاورته. وليعذرني، فإنني أفزع من الرابضين، لا سيّما إذا كانت أسلحتهم غير قانونية، من "بلاستيك" مثلاً؛ لأنّ مثل هذه الأسلحة من شأنها ألاَّ تريح الذبيحة، فيتضاعَف عذابها، وأنا أودّ الخلاص من هذه القصة التي "طالت وحالت واستطالت فمُلَّتِ"...
    أخشى الرابضين، وآنف من الربوض، وأتحاشى الرُّوَيْبضة...
    لكن "أبا قصي" أساء فهم بعض العلماء، فاتهمهم بسوء الفهم.. وبعض هؤلاء العلماء له عليّ حقوق، رتَّبتها علَيَّ حرمة العلم وأهله؛ وسأكون "رُبَضةً" خالصًا لو تقاعستُ عن الدفع عنهم، لا انتصارًا لأشخاصهم، بل للعلم وقداسته.
    وقد قرأت ما جادت به قريحة "أبي قصي" في المشاركة رقم: ، فعلمتُ أن الرجل لا يفهم ما يقرأ، ويقرأ ما لا يَفهم! وأدركت حينئذ أنَّ الشيء الوحيد الذي يفهمه ويتقنه هو: الربوض... الربوض على الطريق، يرصد كبار المحققين والعلماء، رجاء تعثُّر أحدهم ليتعقَّبه، فيقال عنه: "كاشف عثرات الكبار"!
    ولعلّه لم يفهم بعد أنَّ أولئك الكبار لهم طريق غير التي ربض هو على حافَّتها، وأنهم إن مرُّوا يمرّون بسرعة البرق. ولعلّ ذلك ما حدث له مع السيد صقر؛ مرّ عليه كالبرق، فأعماه وميضه، فراح يتعقّب الوميض... ثم لمّا أعياه السير بعد طول تعقُّب، راح ينتقد الوميض، والبرق، والطريق وسالكيه! ثم... عاد إلى الربوض!
    وكنتُ في مشاركتي الأولى خاطبته بإشفاق الناصح، وكان ممّا فلتُ:
    "ومن حق أي قارئ لكلامه أن يقول: "هذه دعوى عريضة!" لأنّها توحي بكثرة ما يقتضي الردعلى "السيد" أو يحتمله؛ وهذا يحتاج إلى استقراء يسنده، وبراهينتؤيِّده...
    أقولهذا تحفيزًا للفاضل أبي قصي على المضيّ قدمًا في استقصاء نظائر ما ذكره في تعقباته،لا اعتراضًا على صنيعه أو تثبيطًا لعزيمته..."
    وكان قصدي تنبيهه إلى أنّ نقد الكبار يستوجب التقصِّي والاستقراء، ثم التريُّث والتدبُّر، قبل حرض الأحكام (على لغته!) وإهدائها إلى الشبكة العنكبوتية لتقتات منها... لكنه لم يَفهمني على الوجه الذي أردتُ... ويبدو لي أنّ "الست العنكبوت" كانت جائعة هاتيك الأيام، وكان بينه وبينها عقد يقضي أنْ يقدِّم لها فربانًا يرضيها عنه. وهو يعلم ما تشتهيه العنكبوت، وما يسدّ رمقها، ويغري قرمها...
    فغاب.. وظلَّ "رابضًا على الطريق".. ومرَّ عليه "السيّد" مرّةً أخرى كالبرق.. فرأى الوميض.. فغشّى عينيه ما غشَّى.. ثم أتى.. ثم تنحنح فنادى.. فجَهَّل أولي النُّهى.. ورماهم بفساد الفهم وإفساد المعنى.. ثم الْتَوَى.. فأَظْهَر ما أخفى.. ثم تَوعَّد واستعلى.. ثم... انتهى!!
    وفُتِن به بعضُ المولعين برؤية طعن الجياد الأصيلة برماح من "بلاستيك"، فراح ينافح عنه وينفخ فيه من وَهَنِه؛ بدعوى أنْ لا أحد يكبر على النقد، و"ما كبير إلا الكبير"... وما إلى ذلك من الهذرمات التي يكرّرها الصغار فيظنونها عِلمًا، وهي تذكِّرنا بشيء ما قيل يومَ صِفِّين، فنبت عنه ما نبت...
    وليس طعن الجياد الأصيلة هو الذي يفتن هؤلاء.. فهُمْ يعرفون أنّها ليست في متناول الأيدي.. الذي يفتنهم هو: رؤية مشهد الطَّعن! ولا لوم عليهم.. فما حيلتنا مع من أصيب بداء التشّهي، فراح يسكِّنه بخيالات الأماني. لكن الغريب أن يصدِّق الطّاعنُ الوهميُّ نفسَه، فيعلن نفسه بطلاً، ويرقص رقصة النصر على خيوط الشبكة العنكبوتية، مُشهرًا رمحه البلاستيكي!
    وعِلْمُ هؤلاء كرمح بطلِنا المغوار: عِلْمٌ من بلاستيك!!
    ومِن هؤلاء: أحدُ أُحدان "أهل اللغة".. كتب مراسلاً المشرف "على المباشر"، في اليوم الرابع من شهرنا هذا، فقال:
    "العجيبُ أن يخرج بعض المتشدّقين، ليبكي ويولول على حرمة المحقِّقين التي انتُهكَتْ"!!
    (وتأتي أنت لتبكي وتولول على حرمة مَن انتقد منتقدي المحقِّقين...)
    كذا والله! وإنّي لأنقل كلامه بلفظه...
    ثم يقول، لا فُضَّ فوه: "ولو عدنا إلى أيام ابني شاكر وهارون وصقر والطناحي (يعني ما فيش لازمة للألقاب، هم رجال ونحن رجال...)، لَرأينا (مش أكيد كانوا ح يودّوك وَشّ...) كُلَّ واحد يردّ على الآخَر (انتحار جماعي يعني...) ويقوِّم تحقيقه (وأسنانه)، ويصوِّب (عليه بالكلاشينكوف). ولم يمنعهم فارق السن (والطول والوزن...) من النقد (والتخبيص، والتهويش، والكلام الفارغ اللي منّو...)"
    إي والله! وإنّي لأنقل كلامه بلفظه. وما بين قوسين أضفتُه لإيضاح المكنون...
    ثم يضيف مفيضًا، أفاض الله عليه من فضله: "فهذا أحمد شاكر (وأصلو صعيدي، ودماغو ناشفة، ودمّو حامي قوي، يا بوي!) يكبر السيد أحمد صقر بحوالي عشرين عاما (أو أقل قليلا، أو أكثر كثيرًا.. لا أدري. لكن عشمنا في الشيخ أبي قصي يحقق لنا في المسألة دي..)، ومع ذلك (وأولئك، وهنَّ، واللواتي، والبتوع...)، لم يقف السيد أحمد صقر (ولم يقعد، ولم ينم، ولم يرم نفسه في الترعة من شدة الخوف) ليقول من أنا (وأنا مين..) ومن أكون (وازّاي كنت؟ ويا ترى هل أنا كائن؟) حتَّى أردَّ (بالبوكس) على مَن هو (أقوى وأجدع) وأسنّ مني؟ (لأني خايف آخذ علقة ما تتنسيش..)"
    انتهى النَّقل...
    ولا يذكر أخونا "الفتوّة" كيف انتقد "السيدُ" أبا الأشبال، رحمهما الله؟ وبأية لغة؟ وبأي أسلوب؟ المهم أنّ "خناقة" وقعت بين كبير وصغير في السن، لا غير، وأنّ الصغير كان جريئًا، وهجم... وكفى الله المؤمنين القتال... هذا هو محلّ الشاهد. وإذا كان فعلَها وعمره ثلاثون عامًا، فلماذا لا نفعلها نحن؟
    ونسي "الفتوّة الكبير" أنَّ الذي انتقد أبا الأشبال وهو في الثلاثين من عمره، أخرج "شرح ديوان علقمة" ولمّا يكن جاوَز العشرين!
    وسكت أبو قصي عن هذا الكلام، ولم يعقّب عليه.. وكأنه يرتضيه ويوافقه. بل أردفه بتعقيبين اثنين هما أمَرُّ من الحنظل!!

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...

    (... تابع)



    (2)
    قصة اللَّجوج.. مع حامي التراث...

    ومن الخصال التي أعجبتني في أبي قصي: أنَّه يتخيَّر العبارات لقلمه، ويدقِّق في رسمها، ويتحرَّى في ضبطها بحرص شديد. وهذه مزيّة تُحسب له... لكنه أُتي مِن جهة فهم ألفاظ الآخَرين، وإدراك معاني كلامهم ومقاصده.
    ومَن لم تكن له رتبة إدراك كلام الكبار، لم تكن له رتبة الاعتراض عليهم.
    وهذا ممّا لا يدركه إلا مَن كان حَسَن الفهم، عالِما بمقامات الناس، مدرِكًا لمرتبته...
    وعدم الفهم ينشأ عادةً من أمرين اثنين: استغلاق كلام المخاطِب، أو نزول مدارك المخاطَب. فإذا كان الكلام غامضًا غير مبين، كان العيب في المتكلِّم وحده. وإذا كان كلامه واضحًا، ومع ذلك لم يفهمه السامع، كان العيب في السامع.
    وللمسألة وجه ثالث من أوْجُه الاحتمال، وهو أن يكون المخاطِب مبينًا، والمستمِع مستكمل الآلة تامّ المدارك. فيأتي ثالث، دخيل على مجلس الحوار، لا صلة له بفصل الخطاب ولا بحُسن الجواب؛ فيزعم.. ثم يتّهم.. ثم يطير إلى أن يبلغ سقف القسم الإعدادي للغة العربية.. ثم يدور الدورات السبع في فضاء مغلَق، ثم... انتهى!!
    أخونا إذن: قلم طريف ظريف، يتأنّق في العبارة، ويستجيد الإشارة؛ لكن آفته أنّه يحاول الفهم.. وآفته الأكبر من ذلك أنه لا يرى الوصول إلى هذا الفهم إلا بالتشكيك في فهم الكبار! وكأنّ الفهم في عينيه: مَقعَدٌ في "باص" الكبار، لا يمكنه الجلوس عليه إلا إذا أنزل أحدَهم.. ويشطّ به الخيال أحيانًا، فيرى نفسَه قد أنزل عِدّة ركَّاب من "باص الكبار"! فالمقعد الواحد يكفي للجلوس.. ولكن ماذا لو أراد أن يضطجع؟ لا بُدّ إذن من مَقعدين! ثم ماذا لو أراد أن ينقل "عفشه" معه؟ لا بدّ حينئذ من أربعة لا اثنين!
    ثم يستبدّ به الخيال، فيرى نفسه وحده في "باص الكبار"، يقوده، ويصول به ويجول! ثم... يسمع صوت ارتطامٍ رهيب.. فينتبه، ويفتح عينيه، ليرى نفسه مازال "رابضًا على الطريق"!
    ولمّا قرأت كلامه الأخير عن "الفهم" والزعم"، وغير ذلك من الفهم المزعوم، والزعم غير المفهوم... وإفساد المعنى، وقلبه، وقلب معنى الفساد، وفساد القلب... تيقَّنتُ أنّني كنتُ مخطئًا عندما كذَّبتُ فراستي و"ضَرَحْتُها" عن قلبي...
    ذلك أنّي لمّا قرأتُ مشاركته الأولى، أزعجتني عبارات منه؛ فأسندتُها إلى الغفلة، أو العجَلة، ونظائر ذلك من الأعذار... لكنني رأيته بعد ذلك يصرّ على كلامه إلحاحًا، ويُلِحُّ عليه إصرارًا، بلَجاجة ما بعده لَجاج!
    اللَّجاج.. نعم! هذا هو اللفظ الذي أزعجني بادئ الأمر، وأغفلتُه...
    يقول أبو قصي (عن "السيّد"): "فرأيتُه أنكرَ بعضَ الرِّواياتِ الصحيحةِ، ولَجَّ في نفيها".
    ومَن يقرأ هذا الكلام، يخيَّل إليه أنَّ السيِّد اتخذ مِن مقاله في نقد "الشعر والشعراء" وِرْدًا يوميًّا، يكرِّره جهرًا صباحَ مساء، في الجامعة، والجامع، والشارع، والمقهى.. ليعلم مَن لم يكن يعلم أنه انتقد أبا الأشبال!
    وكأنّ أبا قصي، وهو في ليل "فهمه"، النائي عن "القلب"، المتطهِّر مِن أدران "الفساد" و"الإفساد"، المتناغم مع "المعاني التي تستعملها العرب"، المستقيم "كُلَّ الاستقامة"، رأى السيّدَ يعدو في شوارع القاهرة، دون طربوش، مكرِّرًا انتقاداته للشيخ أحمد شاكر وكأنَّه أحد المبشِّرين بالبيان الشيوعي!!
    وكأنه رأى "السيِّد" وهو يتسلّق صوامع الأزهر، الواحدة تلو الأخرى، وهو يصرخ "بالفم المليان": "يا ناس! ياعالَم! اسمعوا وعُوا! هذه هي أخطاء أحمد شاكر أُعالِنكم بها..." (حلوة "أُعالِنُكم!).. ثم رآه ينزل ويعدو حافيا إلى الأهرام، ليتسَّلقها أيضًا، حاملاً مكبِّرَ صوت. وسمعه ينتقد تحقيق كتاب ابن قتيبة، وهو "يلجّ في نفي الروايات الصحيحة" التي أثْبَتَها أحمد شاكر، بالعربية، والانجليزية، والفرنسية، والألمانية، واليابانية... (مشان السوّاح الأجانب، يعني...) لإقامة الحجة على أهل الأرض كافَّة...
    وكأنه رآه أيضا يترقَّب كل "الموالد"، سواء في مقام السيدة أو سيدنا الحسين.. فيحضرها، حاملا مقاله النقدي بيده اليمنى، وصورة أبي الأشبال باليسرى.. وهو يصرخ، مشيرًا إلى الصورة: "شايفين الصورة دي؟ دي صورة الراجل اللي بوَّز تحقيق الشعر والشعراء!" ثم يصيح مشهِرًا المقال: "وشايفين المقال ده؟ دا المقال اللي بهدلت فيه صاحب الصورة أيّما بهدلة، ومسحت بيه الأرض، وخلّيتو يعتذر.."!!
    وكأنَّه كان كلّما فتح عينيه صباحًا، سمع طرقًا عنيفًا على باب بيته. وكلَّما فتح الباب، وجد "السيِّد"، يستأذنه ليدخل، فيأذن له.. ثم يقول له: "خير إن شاء الله؟" فيجيب السيِّد: "كالعادة، جيت ألجّ عليك شوي..." ثم يظل السيّد "ينفي الروايات الصحيحة"، و"يلجّ في نفيها".. إلى غياب الشمس. فيستأذن منصرفًا، ويقول لأبي قصي: "ما عليش يا أخي فيصل، عدم المؤاخزة! بس بكرة لازم نشوف بعض، عشان أنا محتاج "ألجّ" من جديد.. وأنت ناقد أد الدنيا، وأنا أموت في اللجاج أمام النقّاد"!
    واستمرّ الأمر على هذه الحال: السيِّد يلجّ في النفي، وأبو قصي صامت متذمِّرًا، يكتم إيمانه... إلى أنْ انتقل "السيِّد" إلى رحمة الله...
    عندئذ، تنفَّس أبو قصي الصعداء.. لكن ضميره ظلَّ يوبّخه، فرأى من واجبه الكشف عن "لجاج" السيد في نفي الروايات الصحيحة. وكَرِه "أن يتجرّم دهر، فيعتقد النَّاس كلَّ ما ذكره حقًّا"، فهَبَّ إلى تنبيه البشرية قبْلَ أن تقوم الساعة!
    ثم قال في نفسه (وفي أنفسنا!): "وقد تَضيعُ هذه النُّسخ المخطوطةُ التي حفِظَت لنا هذه الرِّواياتِ"...
    يا لطيف! يا لطيف! تصوَّرْ!
    تصوَّرْ لو انفجرت قنبلة نووية، فضاعت هذه النُّسَخ المخطوطة! يا لهول الواقعة! يا لَعِظَم المصيبة!
    وتصوَّرْ أنّه عسُرَ "على جمهور الناسِ الرجوع إليها"! (الجمهور! وكأنه الآن معنيّ بالرجوع إليها! "هو لا يفكِّر في الرجوع إليها"...)
    ولكن، إياك والإيغال في التصوُّرات الرهيبة المرعبة! فأبو قصي، ولله الحمد، هنا.. وسيذكر لنا كلّ تلك "اللجاجات" التي اشتغل بها "السيد" بِنِيَّة التشكيك في الروايات الصحيحة ونفيها... صحيح أنه سيذكرها "غير مستقص، ولا مستوعب"؛ لكن "معليش"... فالذنب ليس ذنبه، بل ذنب "اللجاجات"! إذ منذ وفاة "السيد"، فرَّت منه فرَقًا، وأصبحت لا تزوره.. وقد "صادفها" (في سوق الخضار!) مرَّةً، فأرداها بضربة رباعية من التعقيبات.. ثم "صادفها" مرَّة أخرى، بعد عشرة أيام، فلَكَمها بثنائية مميتة! ولم يلكمها هي وحدها، بل لَكَمَ معها الجوهريَّ، وابن منظور، وأحمد شاكر، وعبد السلام هارون، و... "والحَيُّ قَدْ يَغْلِبُ أَلْفَ مَيْتِ"...
    يا لطيف! كم هو قوي! الحمد لله أنَّه هنا، يحمي تراثنا من الضياع، ويدرأ عنه لجاجة النفاة والمعطِّلة، و"الذين لا يفهمون"، والذين "يفسدون معاني الألفاظ"..
    الحمد لله! مَن نحن لولاه؟!

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...

    (... تابع)




    (3)
    التدليس المكشوفَ!

    قبل التعريج على كلام أبي قصي، لتمحيص معانيه، وتفكيك مبانيه، يجدر بنا أن نقف (غير رابضين) على النهج الذي سلكه في نقد الكبار.. وهؤلاء "الكبار" لهم منهجهم، وهو معروف لا يحتاج إلى بيان أو برهان.. لكن، ما هو منهج ذيَّاك الذي هبَّ قبل "تجرّم" دهرٍ أو دهور، ليكشف عن سقطاتهم وهفواتهم؟
    أبرز ما يميِّز قلم أبي قصي هو: الخجل. ولا أعني بوصفي هذا: الخجلَ من القرَّاء، بل الخجل من ذكر النصوص كاملة عند نقلها لهم... ومِن شدَّة خجله هذا، ابتدع لنا منهجًا جديدًا في النَّقد؛ لم يُسبَق إليه، ولعلَّه لن يُلحَق... وهذا المنهج الجديد اسمه: التَّدليس المُخجِل"! كذا سمَّيته في مسوّدة هذا المقال.. لكنّني في مجلسنا هذا أسمِّيه: "التدليس المكشوف"!
    هو تدليس، ولكنه يتميَّز عن كافَّة أنواع التدليس المعروفة بكونه "تدليسًا مكشوفًا"؛ وهنا وجه أصالته وغرابته معًا!
    كيف ذلك؟
    يتعنّت صاحبنا في نقد اعتراضٍ من اعتراضات "السيد" على أخيه الأكبر أبي الأشبال، فيهرع إلى المصادر التي يتوسَّم فيها إسعافه وإسعاده. لكن لمّا تخيِّب هذه المصادر ظنَّه، يُخرج رمحه "البلاستيكي"، فيطعنها طعنة نجلاء، ويظل يطعنها إلى أن تخرَّ صريعةً لليدين وللفم.. وبعد أن يطمئن إلى موتها ويتيقَّن أنْ لم يره أحد (يحسب...)، يأخذها مصدرًا مصدرًا، فيقص منها ما يلائم إيراداته.. ثم يرمي بقية أشلائها في سلّة المهملات.. ثم يغسل يديه من أدرانها.. ثم يقف أمامها "دقيقة صمت"، ولا يفوته في هذه الدقيقة الخاشعة أن يعرِّض بفهم بعض مَن صنَّفوها.. ثم... يعود "ليربض على الطريق"! وكأنَّ شيئًا لم يقع...
    ونهجٌ كهذا النهج، ما كان ليخدع عقول الناس، ولو في الأزمنة القديمة.. "أيّام زمان"! "في الزمانات"... أيّام كان العلماء يتكلَّمون، فيثق الناس في كلامهم، ولا يعترض عليهم إلا علماء أمثالهم.
    أمّا في زمننا هذا، فيكفي أن تكبس على زرّ لتنثال عليك كلّ كتب الدنيا.. فتقرأ "الروايات الصحيحة"، ويتبيَّن لك مَن الذي "يلجّ في نفيها"، أو يبترها، أو يسيء فهمها...
    والآن لنذكر مثالين "تطبيقيَّين"، كما يقال، يبيِّنان بوضوح طريقة "التدليس المكشوف":

    (يتبع...)

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (... تابع)

    ** المثال الأول:
    _ يقول أبو قصي: "وقول صاحب "العين –وقد أبان-: (والضَّرْح: الرمي بالشيء)."
    ثم يبني على ذلك استنتاجًا هو أدنى إلى السفسطائية منه إلى لغة العرب، سنعود إليه لاحقًا، بإذن الله...
    لكن، هل هذا كل ما قاله صاحب "العين"؟ لا والله!
    فأنت إذا نزلت بعينيك سطرًا واحدًا قرأتَ: "واضطرحوا فلانًا": إذا رموا به. والعامّةُ تقول: "اطَّرحوه"، يظنُّون أنه من الطَّرح، وإنَّما هو مِن الضَّرح."
    ما معنى هذا الكلام؟ ولماذا أهمله أخونا؟
    والجواب: أهمله لأنه ينص على معنى الإبعاد للفظ الضَّرح، وهذا لا ينسجم مع "لجاجة" أبي قصي في تخطئة "السيّد".
    ثم أين هو "إبعاد الأشياء الصَّغيرة بعنف" في قولهم "اضطرحوا فلانًا"؟ وهو المعنى الذي وضعه واخترعه صاحبنا لكلمة "ضرح".. أين هو؟ أين هو الصغير؟ وأين هي الأشياء؟ وأين هو العنف؟
    والمقصود بـ"فلان"، في حدود علمي القاصر، رجُلٌ ما؛ فهو ليس بقّةً، أو نملة، أو غيرها من الحشرات التي تتلذَّذ بها العنكبوت.. إذن هو ليس "صغيرًا".. فلماذا اضطرحوه؟ المسكين! ولو وُلِد بعد شهرنا هذا بسنوات، ثم جاءه قومه ليضطرحوه، لقال لهم:
    _ جئتم لتضطرحوني؟
    ولأجابوه: "نعم، فقد كُتِب عليك أنْ نضطرحك منذ الأزل".
    ولقهقه حينئذ وقال بكل ثقة: "هذا لن يقع."
    فيقولون له: "ولماذا لن يقع."
    فيجيب: "لن يقع، لأنَّه غير ممكن!"
    فيعنِّفونه، ويكاد بعضهم أن يضطرحه مِن شدّة الغضب... لكنهم يعودون إلى الرشد، فيقولون له: "ولماذا غير ممكن؟"
    فيجيب: "لأنَّ الله قيَّض لهذه الأمَّة لغويًّا من الطراز الأوَّل، بل لا طراز يليق بمقاسه. وقد قرَّر هذا اللغوي النّحرير أنَّ الضرح لا يكون إلا بمعنى: "إبعاد الأشياء الصَّغيرة بعُنف". وأنا –كما ترون- لست صغيرًا، بل جثَّتي تضاهي جثة الجاموسة!"
    فيعتذرون منه، وينصرفون خائبين... وبينا هم في الطريق، إذا أحدهم يقول متحسِّرًا: "أعْنَتَنا والله "لُغاة" هذا العصر! يتجرّأ علينا الفسقة الفجرة. ثم إذا عزمنا على اضطراحهم، يحتجُّون علينا بفتاوى "آخر زمن"! أين أنت يا جوهري باشا؟ أين أنت يا ابن منظور بك؟ بل أين أنت يا خلييييييييييييل ؟"
    ويُسدَل السِّتار...

    ثم نقرأ، في "العين" وبالعين: "ويقال: الضَّرْح: الرَّمْح".
    وهذا أهمله أخونا.. ولإهماله احتمالان: إمّا أنه قرأه بضمّ الراء، كما جاء في بعض المطبوعات، فظنّ أنه لا علاقة له بالموضوع؛ أو قرأه بالفتح، وأدرك معناه، فتكتَّم عليه، لأنَّه لا يسعفه في دعواه..
    ولو رجع إلى مادة "ر م ح" من العين، لوجد مزيد بيان لأحد معاني "ضرح"؛ لكنه لم يُرِد ذلك...

    ونقرأ كذلك في "العين"، لا الأذن: "والضُّراح: بيت في السَّماء".
    وهنا لنا أيضًا أن نتساءل: لماذا غيَّب أخونا هذا الكلام؟
    والجواب: أنّ لإهماله أحد الاحتمالين: قرأه وظنّ أن لا صلة له بالموضوع، لأنه لا يتعلقَّ بالفعل. أو قرأه، ثم بحث عن تفسير لفظ "الضُّراح"، وعلّة هذه التسمية. فاكتشف أنَّها لا تسنده في اعتراضه، فوضعها تحت البساط...
    وهنا أرى من المناسب أن أنقل هذه القصة التي ذكرها الزمخشري في "الفائق"، لأنّ لها علاقة بالضراح وباللجاجة معًا.
    قال، رحمه الله: "ومَن رواه بالصَّاد غير المعجمة (أي: الصراح بدل الضُّراح) فقد صحَّف. وسألني عنه بعضُ المشيخة المتعاطين لتفسير القرآن وأنا حَدَثٌ، فطفق يلاجّني (إي والله!) ويزعم أنه بالصَّاد، حتى رويت له بيتَ المعرِّي:
    وقد بَلَغ الضُّراحَ وساكنِيه -- نَثاكَ وزارَ مَن سكن الضَّريحا
    وأرَيْتُه كيف قصدَ الجمْعَ بين "الضُّراح" و"الضَّريح" ليُجَنِّس، فسكَّن ذلك مِن جِماحِه"!
    وبيت أبي العلاء جاء ضمن قصيدة طويلة، قالها معارضةً لقصيدة أخرى مدحه بها الشريف أبو إبراهيم العلوي، نقيب حلب. ويليه قوله:
    يَغِيضُ إليك غَوْرُ الماء شوقًا --- ويُظهِرُ نفْسَه حتَّى يسيحَا
    ولو مرَّتْ بخيلك هُجْنُ خيلٍ --- وَهبْن لِعُجْمِها نَسَبًا فصيحَا
    وفيهما معنى لطيف، يناسب المقام...
    قال الخطيب التبريزي، الإمام المؤتمن في الرواية، عفا الله عنه: "غَوْرُ الماء: غائرُه".
    و"يغيض": كذا أثبتها مَن حقَّق شروح "سقط الزند". وكنتُ قرأتها: "يفيض". وفي شرح البطليوسي ما يؤكِّد هذا الوجه، وكلام الخوارزمي يؤيِّده، ومعنى البيت يعضده. والله أعلم.

    (يتبع...)

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (... تابع)

    ** المثال الثاني:
    قال أبوقصي، بعد أنْ نقل ما انتقاه من "العين": "فهو (أي: الضَّرْح) بمعنى الرمي، أو الطرح، وليس بمعنى التنحية، والدفع. والذي في (اللسان) منقول عن (الصحاح)، ولم يحسن صاحب (الصحاح) الإبانة عن المعنى كما تستعمله العرب."
    أوّلاً: ما معنى هذا الكلام؟ ترْجِمْ!
    معناه: أنَّ صاحب "الصّحاح" ومؤلِّف "اللسان" لم يذكرا إلا لفظ التنحية معنىً للضَّرح. أليس كذلك؟
    الآن، افتحْ يا بُنَي "الصحاح" واقرأْ، واضْرَحْ لسانَك عن التدليس!
    هيه! ماذا لدينا؟
    يقول صاحب "الصحاح": "الضَّرْحُ: التَّنحية. وقد ضرَحَه، أي: نَحَّاه ودفَعَه. فهو شيء مضطَرَحٌ، أي: مَرْمِيٌّ في ناحية. قال الشاعر:
    فلمَا أنْ أَتين على أضاحٍ --- ضَرَحْنَ حَصاه أشتاتًا عِزِينَا
    وضَرَحْتُ عَنِّي شهادةَ القومِ (انتبه إلى "ضرح عن" هذه!)، أي: جرّحتَها وألقيتَها عنك." (انتهى)
    وأخونا يقول بأنَّ الضَّرح هو بمعنى الرَّمي.. فلماذا تعامى عن قول المؤلِّف: "مرميٌّ في ناحية"؟ وقوله: "دفعه"؟ ثم راح يتَّهمه بأنه "لم يُحسِن الإبانة عن المعنى كما تستعمله العرب"! ومَن الذي نقل لنا استعمال العرب، "يا فهيم"؟!
    وافتح يا بُنَي "لسان العرب"، لعلَّنا نكذِّب أفهامنا، ثقةً منّا في سيِّد الفهم، المشكِّك في فهم السيِّد!
    هيه! هل مِن خبر؟
    يا سيدي، يقول ابن منظور: "الضَّرْحُ: التَّنحية. وقد ضَرَحَه، أي: نحَّاه ودفَعَه؛ فهو مضطرح، أي: رمى به في ناحية" ثم يضيف: "والضَّرْحُ: أن يؤخَذ شيءٌ فيُرمى به في ناحية."
    وفي بعض مطبوعات "اللسان" تصحيف في نص هذه المادّة، لن أذكره، حتّى لا أفتح شهيّة بعضهم... لكن لو اشتغلنا بنظائر هذه الأخطاء، لكان ذلك أكثر نفعًا من اللّهاث وراء "السيِّد"، تصيُّدًا لعثراته...
    ولا داعي إلى تكرار الكلام.. والسَّلام ختام!

    (يتبع...)

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    ففهَّمْناها سليمان...

    (... تابع)


    (4)
    عبد السلام هارون: يحرّف الكلِم!
    والسيد صقر يجهل أصول التحقيق!
    والتبريزي: لصٌّ كبير!
    كذا...


    خاض أبو قصي في مسائل تتعلَّق بالتحقيق، فجازف بذلك مجازفة وخيمة العواقب؛ لذا لن أخوض معه في الدقائق ولا الكُلِّيَّات، بل أكتفي بتوضيح بعض المسائل، أرى من الواجب توضيحها، دفعًا للشبهة ورفعا للالتباس:

    * أولا:
    سوَّلَت لأبي قصي نفسُه التَّحرُّشَ بالأستاذ عبد السلام هارون، رحمه الله. وبينا هو "رابض على طريق الكبار"، رأى الأستاذَ من بعيد.. رآه مارًّا كالبرق على طريق أخرى، موازية لطريق مربضه.. فقال في نفسه: "ها قد ساقته الأقدار إليَّ، ولعلّه أضعَفُ "الأفذاذ". فلْأفتكْ به، لأجعله عبرةً للمعتبرين.. والعابرين.. والمعبِّرين بألفاظ لا توافق "استعمالات العرب". (انتهى نَصُّ التسويل!)
    ثم طلع علينا بحكمه النهائي، النافذ، الذي لا يقبل الاستئناف،. وخلاصته: "عبد السلام هارون يتصرَّف في المتن معتمدًا على فهمه، فيفسِد المعنى، ويقْلِبُه". إي والله! يقلِبه! يرى المعنى يمشي متبخترًا، فيغار منه، و"يقلبه"؛ فيظلُّ المعنى المسكين يمشي على رأسه في الطريق.. إلى أن يصل إلى حيث يربض أبو قصي.. فيهبّ "المنصور" هبَّةَ الغيور على المعاني، ويوقفه على رجليه.. ثم يُصلِح حالَه.. ثم يعطيه قنِّينة "ليمونادا" كُتِب عليها "تبريزيا"؛ وهي "ماركة مقلّدة"، صُنِعت في البلد ولم تستورَد من إيران، لأنّ إيران "ترفض"... ثم يقول له: "اشرب، ولن تُقلَب بعدها أبدً".. فيشرب المعنى.. ثم يقول لأبي قصي: "أوقفْني على رِجْلَيّ، أرجوك".. ثم... يختفي!! ويبقى صاحبه الذي كان يحاوره مندهشًا...
    ولماذا هذ الحكم القاسي على الأستاذ هارون، يا "رابضًا ذا رِماح"؟
    لأنَّه في تحقيقه لشرح القصائد السبع (ص 23) قرأ قول المصنِّف: "يروون فيها" فغيَّرها إلى "يروونه فيها".
    ومن المحتمل أن يكون أبو قصي تلقف هذا الكلامَ مِن بعض عابري السبيل.. لكن، لنتأمّلْه على أنّه من نتائج تعقيباته النقدية...
    جاء في "شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات" للأنباري (ص 23):
    " 3_ تَرَى بَعَرَ الأرآمِ في عَرَصَاتِها --- وقِيعَنِها كأنَّه حَبُّ فُلْفُلِ"
    ثم شرح ألفاظ البيت. وبعد ذلك قال: "وروى هذا أبو عبيدة. وقال الأصمعي: هو منحول لا يُعرَف. وقال: الأعراب يروونه فيها (2):
    كأنّي غداةَ البَين يومَ تحمَّلوا --- لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حنظلِ"
    وفي الهامش رقم (2): وفي النسختين: "يروون فيها".
    طيّب! لنضع كل المصادر جانبًا، ولنتأمّل النص أوَّلاً بعينين أسيرتين للنُّسَّاخ، استنادًا إلى ترجيح أبي قصي. ومؤدَّى كلامه: "وقال الأصمعي: هو منحول لا يعرَف. وقال (أي: الأصمعي): الأعراب يروون فيها: كأنّي غداة البَيْن..."
    ماذا يعني هذا؟ يعني: أنَّ الأصمعي حكم على البيت رقم (3) بأنَّه منحول، ثم ذكَر أنَّ الأعراب تروي البيت (رقم: 4) في المعلَّقة؛ أي أنَّه يوثِّق هذه الرواية.
    وهذا المعنى صحيح. ولكن لا على المعنى الذي فهمه أبو قصي، ولا على التوجيه الذي ذهب إليه من تخطئة إضافة "الهاء" إلى "يروون". وعلة ذلك كلِّه قلَّة النظر؛ فلو تأمَّل النقطتين بعد "فيها"، لزال الإشكال...
    الآن، السؤال هو: لماذا أضاف الأستاذ عبد السلام هارون "الهاء"، مع أنها غير موجودة في النسختين؟
    والجواب الأوَّل: اعتمد المحقِّق على ثلاث نُسخ. وهو إذا قال: "النسختان" يشير إلى النسختين الكاملتين من كتاب ابن الأنباري، وهما (أ) و(ب)، والنسخة الثالثة هي النسخة (م)، وهي مختصر الكتاب. ولم يشر إليها في هذا الهامش.. فيُحتمَل أنه صوَّب منها.
    إذا قلتَ " يروونه فيها"، يكون المعنى: البيت الذي يرويه الأعراب بدل البيت رقم (3) هو البيت رقم (4). وهذا أبلَغُ في أداء المعنى المراد، وأشبه بما ذكرته المصادر. لماذا؟
    إذا قرأت: "وقال الأصمعي: هو منحول لا يُعرَف. وقال: الأعراب يروون فيها: كأنّي غداة البين..."، بدَت لك الجملة الثانية مستأنفة، لا تعلُّق لها بما سبق من كلام. إذ فيها حكم على بيت أنه منحول، ثم رواية لبيت ترويه الأعراب جزءًا من المعلّقة.
    أمَّا إذا قرأت "يروونه فيها"، فإنَّ العلاقة بين الجملتين في كلام الأصمعي تظهر بجلاء، حيث يتأكَّد نفي البيت الثالث بإثبات البيت الرابع.
    ويتقوَّى هذا الكلام بنكتة لطيفة، وهي أنَّ أبا عبيدة روى البيت الثالث؛ لكنه كان ينفي نسبة البيت الرَّابع إلى امرئ القيس.
    ولا نحتاج إلى الذهاب بعيدًا لتقرير هذه المسألة.. لدينا "الشعر والشعراء" بين أيدينا. لِنفتحْه إذن، ولْنقرأْ الصفحة 128:
    "قال (أبو عبيدة): وهو (امرؤ القيس ابن خِذام) القائل:
    كأنّي غداةَ البَين يومَ تحمَّلوا --- لدى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حنظلِ"
    فأبو عبيدة: روى البيت الثالث، ونفى صحّة نسبة الرابع إلى امرئ القيس.
    والأصمعي: روى البيت الرَّابع، ونفى صحّة الثالث واصفًا إياه بالمنحول.
    وما كان بين هذين العلَمين من تنافس معلومٌ مشهور...
    وفي هذا "روايةٌ لا تُجتَنَى مِن الصُّحُفْ"، كما قال اأبو نواس...
    وهنا السِّرُّ كلُّ السِّرِّ في الضبط الذي أثبته عبد السلام هارون. وهذا ممّا يتجاوز المخطوطات، والنسَّاخ، والروايات.. بل هو ممّا يتجاوز حدود العلم إلى بحار الفهم...
    ويبقى احتمال آخر، وهو اعتبار الكلام ينتهي في الموضع الذي نقل فيه الشارح عن الأصمعي؛ أي: اعتبار قوله "يروونه فيها" متعلِّقًا بالبيت الثالث. وهو احتمال وارد، لأنك لا تجد في شرح ابن الأنباري تصديرًا لشرح بيت قبل ذِكره. لكنّه مشكل، لأنَّ المعنى سيكون: والأعراب يروون هذا البيت، مع أنَّه منحول لا يُعرَف. أي: البيت منحول، وإن رواه مَن رواه من الأعراب. ويكون مغزى الكلام أنَّ الأصمعي لم يسمع هذا البيت من حمّاد أو أبي عمرو بن العلاء، لكن سمعه من الأعراب. والأمر يقتضي مزيد تتبُّع وتأمُّل لكلام الأصمعي في عدَّة مصادر، للتثبُّت وتجنُّب المجازفة...
    ثم يقول أبو قصي: "ويدلُّك على ذلك (أي: على رأيه الذي خطَّأ به عبدَ السلام هارون) فوق دلالة هاتين النسختين ما في شرح المعلَّقات لأبي جعفر النَّحَّاس، والخطيب التبريزي."
    وإذا عدنا إلى شرح التبريزي، نجده يقول (نقلاً عن: ناصر الدين أسد، مصادر الأدب الجاهلي): "وهذا البيت وما بعده ممّا يزاد في هذه القصيدة". ثم يضيف: "قال الأصمعي: والأعراب ترويهما".
    وكلام التبريزي، على أيِّ وجهٍ حملناه، لا يتطابق إطلاقًا مع ما ذهب إليه أبو قصي...
    وهنا يبرز الفرق بين المحققين الأفذاذ، والمحققين المدرسيّين.. بين الذين يستحضرون كل معارفهم لقراءة النصوص، والذين يكتفون باستنساخ النصوص لأنهم لا معارف لهم؛.. بين الذين لانت لهم المَلَكة، والذين مبلغ علمهم لا يتجاوز الحدود الأربع للمخطوط.. بين الذين أوتوا الفهمَ، والذين حبستهم أسطر العلم...

    (يتبع...)

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    * ثانيا:


    قدَّم لنا أبو قصي، مشكورًا، درسًا في كيفية استخدام النُّسخ المتعدِّدة للمخطوط الواحد... وكأنّ السيِّد صقر كان يجهل أصول هذا الفنّ أو يتجاهلها! ومصدر هذا الوَهم أنّ أبا قصي رأى السيّد يحكم بالخطإ على بعض ما جاء في مرويّات "الشعر والشعراء"، فظنَّ أنه يتجاهل النُّسَخ المخطوطة، أو يصحِّحها استنادًا إلى كتب أخرى، أو "لمكان الإلْف والعادة من نفسه"... وهذا الكلام لا يقوله إلا مَن لم يقرأ تحقيقات السيِّد، أو لم يتأمّلها حق التأمل.
    وأكتفي في هذا المقام بالدعوة إلى مراجعة مقدّمته للإلماع، وإدمان النظر في الصفحتين: 25 و26.
    ثم إنَّ كلام السيّد لا يعني أنه يتجاهل نُسَخ المخطوط في التحقيق، بل هو يدعو إلى الترجيح بينها، واختيار ما كان موافقًا لسياق ولغة الكتاب. وإذا تبيَّن للمحقق أن النُّسخ تتايعت على لفظ أو حرف تأكَّد لديه أنّه خطأ محض، أثبت ما رآه صوابًا، وأشار إلى الباقي.
    عندما يجد محقِّق، مثلاً: "ودَوَّار: شجر في اليمامة" في نسختين من الكتاب، فيبحث عن الكلمة، فيجد في معجم البلدان أنّها "سجن" لا "شجر"؛ هل يعطِّل عقله ويُثبت ما أخطأ فيه النُّسَّاخ؟ أم العكس؟
    تلك هي المسألة...
    وكلام السيِّد ورَد في مقال، والْتزم فيه الإيجاز؛ ولم يرِد في تحقيقه هو للكتاب حتّى يؤاخَذ به. وكلامه كان موجَّهًا إلى أهل الفنِّ، لا المبتدئين...
    أمَّا مسألة اختلاف الرِّوايات، فالشيخ أحمد شاكر نفسه صرَّح بوقوع ذلك، إذ قال(ص6 من المقدمة): "والروايات في الشعر وفي نصوص المتقدمين تختلف كثيرًا، كما يعرف كل مشتغل بالعلم أو بالأدب." لكن منهجه يختلف عن منهج السيّد صقر. والسيّد في هذا الباب أقرب إلى أبي فهر منه إلى أبي الأشبال....
    ثم إنّ نهج السيِّد ليس مبتدعًا في هذا الباب، بل ابن اقتيبة نفسه كان يسلكه في تمحيص الروايات. وإليك، على سبيل التمثيل، هذا النص في "الشعر والشعراء" (ص98):
    " وقد يُضْطَرُّ الشاعرُ فيسكِّنُ ما كان ينبغي (له) أن يحرِّكه، كقول لَبِيد:
    (...)
    وكقول امْرىء القَيْس:
    فاليوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ --- إثماً مِنَ اللهِ ولاَ واغِلِ
    ولولا أنَّ النحويِّين يذكرون هذا البيت ويحتجُّون به في تسكين المتحرِّك لاجتماع الحركات، وأنَّ كثيراً من الرواة يروونه هكذا، لظننتُه:
    فاليَوْمَ أُسْقَى غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ".
    ولْيتأمَّل أخونا أبو قصي إضافة (له) بعد "ينبغي"، ولْيُحاسب الشيخَ على ذلك!
    ولْيقرأْ الكلام الذي يلي هذا الذي نقلتُه، ثم ليعطنا رأيه...
    وفي "الشعر والشعراء" (ص 812):
    "ومما يُستحسن له (لأبي نواس) في الخمر قوله:
    لا تَشِنْها بالَّتى كَرِهَتْ --- هِىَ تَأْبَى دِعْوَةَ النَّسَبِ
    يريد لا تطبخها فتخرجَ عن اسم الخمر، فيقال: مطبوخ، أو نبيذ، أحسبه قال: "لا تَسُمْها بالَّتي كرهتْ"، فهو أحسنُ وأَشبه بالمعنى من "تَشِنْها" فإن كانت الرواية "لا تَشُبْها" فلعله أراد لا تَمْزُجْها بالماء، فإنها تأْبى أن يقال خمر وفيها ماء، فكأَنها ادَّعت غير نَسَبها، وهو معنىً حسنٌ."
    أرأيتَ؟!
    إنَّ الذي يتوقَّف عند اللّفظ واحتمالات تصحيفه، يستبعَد أن يروي:
    وإنْ هو لمْ يُضْرِعْ عن اللُّؤمِ نفسَه --- فليس إلى حُسْنِ الثَّناء شبيلُ
    ثم لا تستوقفه "يضرع"، ولا يعطيها حقَّها من الشَّرح والإبانة...

    وحتى لا أطيل الكلام: الشيخ أحمد شاكر يرى أنّ رواية ابن قتيبة ليست أقل شأنًا من روايات غيره، فلا يصح أن نقوِّمَها بروايات الآخرين. لكن ما نعته الشيخ برواية ابن قتيبة، قد لا يكون روايته كما أثبتها هو، بل من وَهْم النسّاخ. فالاحتمال وارد.. وهذا الذي أراده السيّد. هذه واحدة...
    وهذه أخرى: عندما كتب السيد مقاله النقدي، كان يُدرك أنه يخاطب أحمد شاكر، لا أحمد أمين أو طه حسين أو مَن هو في طبقتهما... فانتقده اعتمادًا على "منهج الأفذاذ"، لا منهج المدرسيِّين والمستشرقين. وأعظم ميزة لـ"منهج الأفذاذ" في التحقيق هو ما سمَّاه مصطفى صادق الرافعي، رحمه الله: "تحرير الرِّواية". هذا هو المسلك الوعر ذو النمط الصعب! أمَّا نقل اختلافات النسخ، وإخراج الكتاب بعوجه وعرجه، وبَقِّه وذبابه.. فهذا ممّا يطيقه كلُّ مَن أدمن النظر في المخطوطات...

    (يتبع...)

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    805

    افتراضي رد: تعقيبات على نقد السيد صقر لتحقيق أحمد شاكر لكتاب ( الشعر والشعراء )

    (...تابع)


    * ثالثا:

    قرأت لأبي قصي موضوعًا في موقع "أهل اللغة"، ومشاركةً في "ملتقى أهل الحديث"؛ فكان ذلك سببًا مقنعًا لصرفي عن الخوض معه في مسائل التحقيق وأصوله، وما إلى ذلك من التنظيرات والتأصيلات التي إذا أعوزها الفهم، لم تنفع صاحبها ولو قرأها مليون مرّة...
    الموضوع عنوانه: "الإمام (!) التبريزي: لِصٌّ كبير!"
    وعنوان كهذا يثير القشعريرة، ويجمِّد الدم في العروق.. وإذا قرأتَ الموضوع، تبيَّن لك أنّ صاحبه لم يقرأ ما طُبع مِن مصنّفات الخطيب التبريزي.. أو قرأها ولم يفهمها.. أو فهمها وتجاهَل ما فهمه، لأنّ التحرّش بالكبار يستهويه...
    واعجَب –إن شئت بعْدَ ذا عجبا- لمن وصف التبريزيَّ باللص الكبير، ثم استنجد به ليحكم على عبد السلام هارون بأنه "يغيِّر في المتن" و"يُفسد المعنى" و"يقلبه"!!
    أمَّا المشاركة، فهي في "ملتقى أهل الحديث"، تعقيبًا على مقال للفاضل أبي مالك العوضي عنوانه: "دفاعًا عن الإمام الكسائي". وقد أورد فيه هذا النصَّ للذهبي: "وجرت مسألة الزنبور، وهي كذب: أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها"، وأشار إلى احتمال طروّ التصحيف على "كذب".
    فجاء أخونا أبو قصي، منتقد الكبار ومسفِّه أحلامهم، وقال: "والذي يَظهر لي أن (كذب) مصحفة عن (كذا)؛ فيكونالكلام:(وجر ت مسألةالزنبور، وهيكذا: أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هوإياها).
    ويكونلفظ الجملة بعدَها بدلاً." (انتهى "ما ظهر" للأخ!)
    كذا والله!
    ولم يكن في نيّتي أن أتعرَّض لهذا.. لكنني لمّا رأيتُ أخانا يتطاول على "السيِّد"، ويتَّهمه بأنّه "لم يفهم معنى الزيادة عند النحاة"، صمَّمت على نقل كلامه (وقبلَه كلام آخر، "استنحى" فيه كثيرًا و"استلغى" من غير طائل)، ليرى القارئ مدى استيعاب صاحبنا للنحو، والتحقيق، واللغة...
    والذي "ظهر له" في تصويب نص "السِّيَر"، هو مِن جنس "ما ظهر له" عند انتقاد: الجوهري، وابن منظور، وأحمد شاكر، وعبد السلام هارون، والسيد صقر... ومَن لم يأخذ من العلم إلا ما "ظهر له"، ولمْ يرتض من القول إلا شطَطا، وتعقَّب قومًا لن يستطيع لهم طلبا؛ فلا تمارِه إلا مراءً ظاهرًا، إذ الإنسانُ أكثرُ شيء جدلا.. والباقيات الصّالحات خيرٌ عند ربِّك ثوابا وخيرٌ أملا.

    (يتبع...)

صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •