ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,053

    Lightbulb ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الغيب ما لا سبيل للإنسان إلى إدراكه، ولذلك نرجع إلى الدين ونصوص الوحي للتعرف على أحداث ووقائع وعوالم لا نعلم عنها شيئاً، وهي مع ذلك حقيقية وموجودة.

    من ذلك ما اصطلح العلماء على تسميته ب: "ميثاق الذر"، أو "عهد الذر"، فما هو هذا الميثاق وما قصته؟



    الميثاق في القرآن:

    يقول الله جل جلاله - في إشارة إلى هذا الميثاق -:( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172) {الأعراف: 172}.

    وقد فسر بعض العلماء الآية على معنى أن الله - تعالى - أخرج الذرية، وهم الأولاد، من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة، ثم صيرهم - تعالى -في أطوار من الخلق حتى استووا بشراً سوياً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم - وفي سائر خلقه - من دلائل الوحدانية وعجائب الصنع، فبهذا الإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، وإن لم ينطقوا، فهذا كله على سبيل المجاز التمثيلي(1).



    بيانه من السنة:


    وهذا الرأي - الذي قال به جماعة من المفسرين - صحيح بحسب مقتضيات اللغة وسياق الآية، لكن السنة لا تساعد عليه، حيث جاءت بعض الروايات في قصة "ميثاق الذر" تفيد وقوعها حقيقة لا مجازاً. والحديث - كما هو مقرر عند العلماء - مبين للقرآن الكريم ومفسر لمجمله، ولذلك كان أعلى أنواع التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالحديث والآثار.

    وقد سئل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن الآية المتقدمة فحدث أنه سمع النبي {يقول فيها: "إن الله - تعالى -خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون..."(2) قال أبو عبدالله القرطبي: معنى هذا الحديث قد صح عن النبي {من وجوه ثابتة كثيرة(3)، ومنها ما رواه ابن عباس عن النبي الكريم: إن الله أخذ الميثاق من ظهر بني آدم - عليه السلام - بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قُبُلا، قال: ألست بربكم قالوا بلى" شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 173 {الأعراف: 172، 173}(4).

    فهذا الحديث يثبت أصل الإخراج في عالم الذر، لذلك قال الطحاوي في عقيدته: ونؤمن بأن "الميثاق الذي أخذه الله - تعالى -من آدم وذريته حق"(5). ثم جاءت روايات أخرى عن الرسول الكريم وبعض صحابته تفصل في القصة، ومن مجموعها يتحصل مايلي: (6)



    عالم الذر:

    لما خلق الله - تعالى -آدم، أخرج جميع أبنائه إلى الوجود، أي كل البشر من عهد آدم إلى آخر الناس الذين تقوم عليهم القيامة. وهذا الإخراج يحتمل أن يكون من ظهر آدم فقط، فيظهر كل أبنائه منه، ويحتمل أن الباري - سبحانه - أخرج من ظهر آدم بنيه لصلبه فقط، ثم أخرج بني بنيه من ظهور بنيه، وهكذا على حسب الظهور الجسماني في الدنيا إلى يوم القيامة، فاستغنى عن ذكر إخراج بني آدم من آدم بقوله: "من بني آدم"(7).

    لكن الناس لم يكونوا - حين الإخراج - كحالهم اليوم، بل كانوا - كما ورد في الحديث - كالذر، والذر يقال لصغار النمل، أو للهباء والغبار الدقيق الذي يطير في الهواء، أي أن الذر يضرب به المثل في الصغر، ومنه الذرة(8)، وذر الله الخلق في الأرض نشرهم. وقد خلق الله - تعالى -في ذلك الذر العقل والفهم والنطق، حتى يستوعبوا العهد(9).

    ثم إن البشرية حين خرجت إلى عالم الذر انحصرت جميعاً قُدّام آدم ونظر إليهم بعينه - كما في رواية الترمذي -، وخاطبهم الله - سبحانه -: ألست بربكم، فقالوا: بلى". قال القرطبي: "أخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره. فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم أنه سيبعث إليهم الرسل، فشهد بعضهم على بعض"(10). ثم أعادهم الباري إلى صلب آدم، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق(11).

    فهذا هو القدر الذي اتفقت عليه الأحاديث والأخبار، وليس في بعض التفاصيل التي ذكرها بعض المفسرين كزمان أخذ العهد وكيفيته... نصوص ثابتة، ولا يضرنا جهل جزئيات القصة. "وكل ما عسر على العقل تصوره يكفينا فيه الإيمان به، ورد معناه إلى الله تعالى"(12).



    عودة إلى الآية:

    قرأ الكوفيون وابن كثير: ذريتهم، والمعنى أن البشرية كلها ذرية واحدة لآدم. وقرأ الباقون: "ذرياتهم"، والمعنى أن الله - تعالى -استخرج ذريات كثيرة، أي أجيالاً من الناس(13).

    واختلف المفسرون في القائل شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 {الأعراف: 172} فقيل: لما قال الذر: بلى، قالت الملائكة: شهدنا بإقراركم، لئلا تقولوا كنا غافلين. وقيل: هو من قول بني آدم، المعنى: بلى شهد بعضنا على بعض(14).



    العوالم الثلاثة:

    تثبت قصة الذر أن وجود الإنسان يمر بمراحل ثلاث:



    الأولى: عالم الذر.

    فهذا عالم حقيقي، وكل واحد منا شهده ووعاه، والظاهر أن الله - تعالى -لما رد الذر إلى ظهر آدم قبض أرواحهم(15)، لقد "أشهد الله جميع خلقه على نفسه منذ البداية، ولم يتخلف عن تلك المشاهدة مخلوق سابق أو لاحق"(16).

    ولذلك قال الشيخ الطرطوشي: "إن هذا العهد يلزم البشر، وإن كانوا لايذكرونه في هذه الحياة. كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه"(17).

    الثانية: عالم الدنيا.

    الثالثة: عالم الآخرة.



    الفطرة من آثار "عهد الذر":

    وقد رأى بعض العلماء أن فطرة الإيمان أصلها ذلك العهد البعيد الذي أخذه الله - سبحانه - على الإنسانية، ولذلك قالوا: إن الآية عامة تخاطب جميع الناس؛ لأن في قرارة كل واحد منهم شعوراً بأن له خالقاً ومدبراً. وجاء إرسال الرسل تذكيراً بالعهد، وإقامة للحجة لما ذهل البشر عن التوحيد(18)؛ ولذلك كان للإنسان شعور - على الجملة - بعالم الغيب، كما قال الشعراوي في ميثاق الذر: "لولا هذه المشاهدة لما استطاع إنسان أن يستوعب قضية الإيمان بالغيب، وفي قمتها الإيمان بوجود إله"(19).

    ومصداق هذا حديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"(20)، وكذلك الحديث القدسي: "إني جعلت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً"(21). قال أبو العباس القرطبي: حنفاء، جمع حنيف، وهو المائل عن الأديان كلها إلى فطرة الإسلام... و(الشياطين) يعني شياطين الإنس من الآباء والمعلمين... وشياطين الجن بوساوسهم، ومعنى اجتالتهم، أي صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية(22).



    خاتمة:

    إن عالم الذر جزء من عالم الغيب الواسع، وهو مثال للقدرة الإلهية التي تقلب الوجود الإنساني في أطوار مختلفة، تدل كلها على أن لهذا الوجود غاية يسير إليها: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون 115 {المؤمنون: 115}.



    -----------------------------------------

    *المصادر:

    1- تفسير القرآن العظيم، لعماد الدين بن كثير. دار ابن كثير، دمشق، طبعة أولى 1994.

    2- الجامع الصغير بشرح السراج المنير، لجلال الدين السيوطي. دار الفكر.

    3- الجامع لأحكام القرآن، لأبن عبدالله القرطبي. دار الكتب العلمية، 1988.

    4- حاشية أحمد الصاوي على تفسير الجلالين. راجعها عبدالعزيز الأهل، مطبعة عبدالحميد حنفي. القاهرة 1381.

    5- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتحليل، لأبي عبدالله ابن القيم. دار الكتاب العربي بمصر.

    6- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز تحقيق عبدالله التركي وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت. ط1، 1987.

    7- لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت، 1955.

    8- مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد، لمحمد نووي الجاوي دار الفكر 1981.

    9- الموت والحياة، لمحمد متولي الشعراوي، سلسلة مكتبة الشعراوي الإسلامية، مصر.

    @@ الهوامش:

    1- مراح لبيد، (306/1)، الجامع لأحكام القرآن (200/7).

    2- رواه الإمام مالك في الموطأ، باب النهي عن القول في القدر، وكذا أبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان وابن أبي حاتم والطبري، لكن قال ابن كثير: كلهم من طريق مالك. والحديث حسنه الترمذي، انظر: تفسير ابن كثير (264/2).

    3- الجامع لأحكام القرآن (200/7)، وانظر: شفاء العليل، ص: (24).

    4- رواه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في كتاب التفسير من سننه، والطبري في جامع البيان، وأخرجه الحاكم في المستدرك وصحح إسناده؛ كما في تفسير ابن كثير (262/2-263).

    5- الطحاوية وشرحها (302/2).

    6- راجع هذه الروايات في التفاسير بالمأثور خاصة، ومنها تفسير ابن كثير (263/2-264)، وقد أورد ابن القيم كثيراً من هذه الأخبار في: شفاء العليل، ص(23) إلى (28)، وكذا صاحب شرح العقائد الطحاوية (303/1) فما بعدها، وقصة الذر ثابتة عن ابن عباس من كلامه أيضاً، ومثلها لا يقال إلا عن توقيف.

    7- حاشية الصاوي على تفسير الجلالين (106/3-107) شفاء العليل ص: (28).

    8- لسان العرب مادة ذرر (304/4).

    9- مراح لبيد (306/1).

    10- الجامع لأحكام القرآن (200/7).

    11- حاشية الصاوي (106/2).

    12- حاشية الصاوي (108/2).

    13- راجع: تفسير ابن كثير (265/2)، الجامع لأحكام القرآن (202/7).

    14- الجامع لأحكام القرآن (202/7)، مراح لبيد (306/1)، حاشية الصاوي (106/2).

    15- حاشية الصاوي (107/2).

    16- الموت والحياة، لمحمد الشعراوي ص: (9).

    17- عن الجامع لأحكام القرآن (201/7).

    18- الجامع لأحكام القرآن (201/7)، شفاء العليل ص: (28)، تفسير ابن كثير (265/2).

    19- الموت والحياة ص: (9).

    20- رواه الطبراني في المعجم الكبير، وأبو يعلى، والبيهقي في السنن الكبرى عن الأسود ابن سريع، وصححه السيوطي، عن الجامع الصغير (96/3).

    21- رواه مسلم في باب تعليم الجاهل، من كتاب العلم، من صحيحه.

    22- المفهم (712/6).
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة
    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    682

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    شكرا وبارك الله فيك على الموضوع.
    اللَّهُـمّ إِنِّي أَعُوذ بِك مَن زَوَال نِعْمَتُك وَتَحَوَّل عَافِيَتِك وَفُجَاءَة نَقْمَتِك وَجَمِيع سخطك


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    16

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    ما شاء الله موضوع جميل أختي الكريمة .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,053

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟


    جزاكما الله خيرا على الرد الطيب
    و للكلمة الطيبة أثر
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة
    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    جزاكـ الله خيراً

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    781

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    جزاكِ الله خيرًا أُخية ،،

    وفقكِ الله وحمـاكِ ..
    [والإجماع منعقد على وجوب التوبة ؛ لأن الذنوب مهلكات مبعدات عن الله ، وهي واجبة على الدوام ، فالعبد لا يخلو من معصية ، لو خلا عن معصية بالجوارح ، لم يخلُ عن الهم بالذنب بقلبه]
    (ابن قدامة المقدسي)

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,053

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربوع الاسـلام مشاهدة المشاركة
    جزاكِ الله خيرًا أُخية ،،

    وفقكِ الله وحمـاكِ ..
    جزاك الله مثله أختاه
    ولك أسمى عبارات التقدير والاحترام
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة
    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    165

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    ما شاء الله ..اقترح التثبيت ..

    ويا ليت اختنا تشد حيلها وتزيدنا توسعا في الموضوع ايضا ..

    وفق الله الجميع

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    المشاركات
    17

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    شكرا على الإفادة
    من الغريب الذي لاحظته حول آية الميثاق (إن جازت التسمية) أن السلف أثبتوها حقيقة، ولم يذكر ابن جرير رحمه الله تعالى فيها إلا رأي السلف، ونقل اسحاق بن راهوية وغيره إجماع السلف على معناها الظاهر، ومع هذا مال ابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز رحمهم الله تعالى إلى رأي المؤولين، وهذا على خلاف عادتهم في آيات الاعتقاد، وقد ذكر ابن أبي العز وجوها قوية في منع حمل هذه الآية على ظاهرها كما في شرحه على الطحاوية.
    وفيما يلي: تخريج أحاديث الميثاق كما في السلسة الصحيحة للألباني رحمه الله تعالى مع تعليقاته عليها:
    الحديث: “ أخذ الله تبارك و تعالى الميثاق من ظهر آدم بـ ( نعمان ) - يعني عرفة - فأخرجمن صلبه كل ذرية ذرأها , فنثرهم بين يديه كالذر , ثم كلمهم قبلا قال : *( ألست بربكم قالوا : بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون )* “ .
    قال الألباني في “ السلسلة الصحيحة “ 4 / 158 : أخرجه أحمد ( 1 / 272 ) و ابن جرير في “ التفسير “ ( 15338 ) و ابن أبي عاصم في “ السنة “ ( 17 / 1 ) و الحاكم ( 2 / 544 ) و البيهقي في “ الأسماء و الصفات “ ( ص 326 - 327 ) كلهم من طريق الحسين بن محمد المروذي حدثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن # ابن عباس # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكره . قال الحاكم : “ صحيح الإسناد “ . و وافقه الذهبي . قلت : و حقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم , فإن كلثوم بن جبر من رجاله و سائرهم من رجال الشيخين . و تابعه وهب بن جرير حدثنا أبي به دون ذكر “ نعمان “ و قال أيضا : “ صحيح الإسناد , و قد احتج مسلم بكلثوم بن جبر “ . و وافقه الذهبي أيضا . و أما ابن كثير فتعقبه بقوله في “ التفسير “ ( 2 / 262 ) : “ هكذا قال , و قد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه . و كذا رواه إسماعيل بن علية و وكيع عن ربيعة بن كلثوم بن جبر عن أبيه به , و كذا رواه عطاء بن السائب و حبيب بن أبي ثابت و علي بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس , و كذا رواه العوفي و علي بن أبي طلحة عن ابن عباس , فهذا أكثر و أثبت . و الله أعلم “ . قلت : هو كما قال رحمه الله تعالى , و لكن ذلك لا يعني أن الحديث لا يصح مرفوعا و ذلك لأن الموقوف في حكم المرفوع , لسببين : الأول : أنه في تفسير القرآن , و ما كان كذلك فهو في حكم المرفوع , و لذلك اشترط الحاكم في كتابه “ المستدرك “ أن يخرج فيه التفاسير عن الصحابة كما ذكر ذلك فيه ( 1 / 55 ) . الآخر : أن له شواهد مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جمع من الصحابة , و هم عمر بن الخطاب و عبد الله بن عمرو و أبو هريرة و أبو أمامة و هشام بن حكيم أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي على خلاف عنهما - و معاوية بن أبي سفيان و أبو الدرداء و أبو موسى , و هي إن كان غالبها لا تخلوا أسانيدها من مقال , فإن بعضها يقوي بعضا , بل قال الشيخ صالح المقبلي في “ الأبحاث المسددة “ : “ و لا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث و الروايات في ذلك “ <1> , و لاسيما و قد تلقاها أو تلقى ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم و إشهادهم على أنفسهم , السلف الصالح من الصحابة و التابعين دون اختلاف بينهم , منهم عبد الله ابن عمرو و عبد الله بن مسعود , و ناس من الصحابة , و أبي بن كعب و سلمان الفارسي و محمد بن كعب و الضحاك بن مزاحم و الحسن البصري و قتادة و فاطمة بنت الحسين و أبو جعفر الباقر و غيرهم , و قد أخرج هذه الآثار الموقوفة و تلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في “ الدر المنثور “ ( 3 / 141 - 145 ) , و أخرج بعضها الشوكاني في “ فتح القدير “ ( 2 / 215 - 252 ) و من قبله الحافظ ابن كثير في “ تفسيره ( 2 / 261 - 164 ) و خرجت أنا حديث عمر في “ الضعيفة “ ( 3070 ) و صححته لغيره في “ تخريج شرح الطحاوية “ ( 266 ) و حديث أبي هريرة في تخريج السنة لابن أبي عاصم ( 204 و 205 - بتحقيقي ) و صححته أيضا هناك ( ص 267 ) و في الباب عن أبي الدرداء مرفوعا , و قد سبق برقم ( 49 ) و عن أنس , و سبق برقم ( 172 ) و هو متفق عليه , فهو أصحها و فيه : “ إن الله تعالى يقول للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا ? فيقول : نعم . فيقول الله : قد أردت منك أهون من ذلك , قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي “ . إذا عرف هذا فمن العجيب قول الحافظ ابن كثير عقب الأحاديث و الآثار التي سبقت الإشارة إلى أنه أخرجها : “ فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه , و ميز بين أهل الجنة و أهل النار , و أما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس , و في حديث عبد الله بن عمرو , و قد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم “ . قلت : و ليس الأمر كما نفى , بل الإشهاد وارد في كثير من تلك الأحاديث :الأول : حديث أنس هذا , ففيه كما رأيت قول الله تعالى : “ قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا “ . قال الحافظ ابن حجر في “ فتح الباري “ ( 6 / 284 ) : “ فيه إشارة إلى قوله تعالى : *( و إذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم )* الآية . قلت : و لفظ حديث ابن عمرو الذي أعله ابن كثير بالوقف إنما هو : أخذ من ظهره . ..“ , فأي فرق بينه و بين لفظ حديث أنس الصحيح ? ! الثاني : حديث عمر بلفظ : ( ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ... “ الثالث : حديث أبي هريرة الصحيح : “ ... مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ... “ . الرابع : حديث هشام بن حكيم : “ إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم , ثم أشهدهم على أنفسهم ... “ الخامس : حديث أبي أمامة : “ لما خلق الله الخلق و قضى القضية , أخذ أهل اليمين بيمينه , و أهل الشمال بشماله , فقال : ... ألست بربكم , قالوا : بلى ... “ . ففي ذلك رد على قول ابن القيم أيضا في كتاب “ الروح “ ( ص 161 ) بعد أن سرد طائفة من الأحاديث المتقدمة : “ و أما مخاطبتهم و استنطاقهم و إقرارهم له بالربوبية و شهادتهم على أنفسهم بالعبودية - فمن قال من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية , و الآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه “ . و قد أفاض جدا في تفسير الآية و تأويلها تأويلا ينافي ظاهرها بل و يعطل دلالتها أشبه ما يكون بصنيع المعطلة لآيات و أحاديث الصفات حين يتأولونها , و هذا خلاف مذهب ابن القيم رحمه الله الذي تعلمناه منه و من شيخه ابن تيمية , فلا أدري لماذا خرج عنه هنا لاسيما و قد نقل ( ص 163 ) عن ابن الأنباري أنه قال : “ مذهب أهل الحديث و كبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه و صلب أولاده و هم في صور الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم و أنهم مصنوعون , فاعترفوا بذلك و قبلوا , و ذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب , و كما فعل ذلك للبعير لما سجد , و النخلة حتى سمعت و انقادت حين دعيت “ . كما نقل أيضا عن إسحاق بن راهويه : “ و أجمع أهل العلم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد , و أنه استنطقهم و أشهدهم “ . قلت : و في كلام ابن الأنباري إشارة لطيفة إلى طريقة الجمع بين الآية و الحديث و هو قوله : “ إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه و أصلاب أولاده “ . و إليه ذهب الفخر الرازي في “ تفسيره “ ( 4 / 323 ) و أيده العلامة ملا على القاري في “ مرقاة المفاتيح “ ( 1 / 140 - 141 ) و قال عقب كلام الفخر : “ قال بعض المحققين : إن بني آدم من ظهره , فكل ما أخرج من ظهورهم فيما لا يزال إلى يوم القيامة هم الذين أخرجهم الله تعالى في الأزل من صلب آدم , و أخذ منهم الميثاق الأزلي ليعرف منه أن النسل المخرج فيما لا يزال من أصلاب بنيه هو المخرج في الأزل من صلبه , و أخذ منهم الميثاق الأول , و هو المقالي الأزلي , كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني , و هو الحالي الإنزالي . و الحاصل أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الحاملة على الاعتراف الحالي , و ثانيهما المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل , بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد , كالأنبياء عليهم الصلاة و السلام , أراد عليه الصلاة و السلام أن يعلم الأمة و يخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقا آخر أزليا فقال ( ما ) قال من مسح ظهر آدم في الأزل و إخراج ذريته و أخذه الميثاق عليهم و بهذا يزول كثير من الإشكالات , فتأمل فيها حق التأمل “ . و جملة القول أن الحديث صحيح , بل هو متواتر المعنى كما سبق , و أنه لا تعارض بينه و بين آية أخذ الميثاق , فالواجب ضمه إليها , و أخذ الحقيقة من مجموعها و قد تجلت لك إن شاء الله مما نقلته لك من كلام العلماء , و بذلك ننجو من مشكلتين بل مفسدتين كبيرتين : الأولى : رد الحديث بزعم معارضته للآية . و الأخرى : تأويلها تأويلا يبطل معناها , أشبه ما يكون بتأويل المبتدعة و المعتزلة . كيف لا و هم أنفسهم الذين أنكروا حقيقة الأخذ و الإشهاد و القول المذكور فيها بدعوى أنها خرجت مخرج التمثيل ! و قد عز علي كثيرا أن يتبعهم في ذلك مثل ابن القيم و ابن كثير , خلافا للمعهود منهم من الرد على المبتدعة ما هو هو دون ذلك من التأويل . و العصمة لله وحده . ثم إنه ليلوح لي أننا و إن كنا لا نتذكر جميعا ذلك الميثاق الرباني و قد بين العلماء سبب ذلك - فإن الفطرة التي فطر الله الناس عليها , و التي تشهد فعلا بأن الله هو الرب وحده لا شريك له , إنما هي أثر ذلك الميثاق , و كأن الحسن البصري رحمه الله أشار إلى ذلك حين روى عن الأسود بن سريع مرفوعا : “ ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ... “ الحديث , قال الحسن عقبه : “ و لقد قال الله ذلك في كتابه : *( و إذ أخذ ربك ... )* الآية “ . أخرجه ابن جرير ( 15353 ) , و يؤيده أن الحسن من القائلين بأخذ الميثاق الوارد في الأحاديث , كما سبقت الإشارة إلى ذلك , و عليه فلا يصح أن يقال : إن الحسن البصري مع الخلف القائلين بأن المراد بالإشهاد المذكور في الآية إنما هو فطرهم على التوحيد , كما صنع ابن كثير . و الله أعلم . -----------------------------------------------------------
    [1] نقلته من “ فتح البيان “ لصديق حسن خان “ ( 3 / 406 ) . اهـ .



  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    الدولة
    ~✿على ضفة البحر الأبيض المتوسط✿~
    المشاركات
    5,053

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    جزاكما الله خيرا على مروركما ، وبإضافة الأخ أيمن .
    ملاحظة : البحث منقول وموثق وليس لي لكن نسيت أين وجدته ، ولا أدري كيف لم اثبته ، فليست من عادتي فعذرا يا اكارم الألوكة .
    اللهم ارزق أمتك شميسة ووالديها حُسن الخاتمة
    اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,909

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    بارك الله فيك يا أمة الوهاب .. ما شاء الله .. رائع يا أختي
    لا إله إلا الله
    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    الدولة
    مسافر في بحار اليقين ... حتى يأتيني اليقين ؟!
    المشاركات
    1,257

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2011
    الدولة
    الجزائر.... أم القرى
    المشاركات
    428

    افتراضي رد: ماذا تعرف عن ميثاق الذر ؟؟؟

    بارك الله فيك ونفع بك
    وليس بالأمر الغريب حسن اختيارك أيتها الفاضلة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •