العروة الوثقى
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 21

الموضوع: العروة الوثقى

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    12

    افتراضي العروة الوثقى

    --------------------------------------------------------------------------------

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الخلافة
    العروة العظمى التي تستوثق بها باقي العرى

    روى الإمام احمد عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ( لتنقضن عرى الإسلام عروةٌ عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي يليها ، وأولهن الحكم وآخرهن الصلاة). في هذا الحديث إخبار من النبي صلي الله عليه وسلم بانتقاض عرى الإسلام ، ثم بيان السبب في انتقاض هذه العرى وهو غياب نظام الحكم الإسلامي ، فقد قال، صلي الله عليه وسلم ( وأولهن الحكم وآخرهن الصلاة) ، فإذا انتقضت عروة الحكم انتقضت بقية العرى شيئا بعد شيء حتى يكون آخرهن الصلاة .
    فالإحكام الشرعية من ناحية التطبيق والتنفيذ في المجتمع مرهونةٌ بوجود السلطة ، فهي العروة التي تحافظ على باقي العرى . جاء في أسس البلاغة للزمخشري : ( أن العُروة’ والعِرَوة’تستع ر لما يوثق به ويُعّول عليه ).
    فالسلطة في المفهوم الإسلامي : هي الكيان السياسي التنفيذي لتطبيق أحكام الإسلام وحمل رسالته إلي العالم ،فبدون وجود السلطة التي تقوم علي أساس العقيدة الإسلامية وإقامة ما انبثق عن هذه العقيدة من أحكام ، يغيض الإسلام كمبدأ ونظام للحياة من الوجود ، ويبقى مجرد طقوس روحية وصفات خلقية .
    لذلك اعتبرت الشريعة الإسلامية ـ وجود السلطة ـ واجب عظيم لإقامة الدين ، بل اعتبرته الأساس الذي يقوم عليه الوجود العملي للإسلام في معترك الحياة .يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين الابها....) فالإمام ابن تيمية رحمه الله يعتبر وجود السلطة في المفهوم الإسلامي واجب عظيم ، بل اعتبره الواجب الأعظم ، لأنه يترتب علي عدم وجوده تضييعٍ وتعطيل للإسلام .
    ويعبر الإمام ابو حامد الغزالي عن ضرورة وجود السلطة وأهميتها فيقول : ( إن السلطان ضروري في نظام الدين ونظام الدنيا ،ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين ، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعا، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لاسبيل إلي تركه ، فاعلم ذلك) . فالإمام ابوحامد الغزالي رحمه الله يعتبر وجود السلطة واجبا ضروريا لإقامة الإسلام ، وان الإسلام كنظام للحياة مرهون بوجود السلطة ،فالسلطة من ضروريات الشرع الذي السبيل إلي ترك إقامتها وذلك للفوز بسعادة الآخرة .
    لذلك اتفقت كلمة العلماء والفقهاء علي وجوب إقامة السلطة ، يقول ابن حزم اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة ، وجميع الخوارج علي وجوب الإمامة وان الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل ...) ، ثم يبين السبب في اتفاق العلماء علي وجوب إقامتها ، فيقول : لِ (يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بإحكام الشريعة التي أتي بها الرسول صلي الله عليه وسلم...). فان المقصود من وجوب إقامة الإمامة ـ أي السلطة ـ عند جميع العلماء ، هو لإقامة الدين وتمكين دين الله في الأرض.
    ومتى تغيرت هذه الغاية وهذا القصد الذي فرض الله إقامة السلطة من أجلها ، كأن تبنت السلطة عقيدة كفر، كعقيدة (فصل الدين عن الحياة) أو عقيدة ( لااله والحياة مادة) ـ كما هي حال الأنظمة القائمة في عالمنا الإسلامي ـ يوجب الإسلام نزع الإمام سلطته وخلعه لان هذه السلطة ابتعدت عن القصد والغاية التي قامة من أجلها وهي إقامة الدين ، وأصبحت هذه السلطة خطرا وضررا يتهدد إلي طمس عقيدة الإسلام وتبديل أحكامه ، وهذا ماعبر عنه الإمام الماوردي بقوله : ( فليس دين زال سلطانه، الابدلت أحكامه ، وطمست أعلامه ) ، وقال ابوحامد الغزالي ولهذا قيل الدين أس والسطان وحارس ، ومالا أس له فمهدوم ، ومالا حارس فضائع)
    جاء في صحيح مسلم ، عن أم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم ،أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال : ( سيكون أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن عرف بريء ، ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع . قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ماصلوا ) . يقول الإمام النووي في شرحه للحديث مايلي : ( ففيه انه لايجوز الخروج علي الخلفاء بمجرد الظلم والفسق مالم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام ). فالإمام النووي يعتبر الحكم بغير ما أنزل الله هو تغيير لقواعد الإسلام ، فقوله صلى الله عليه وسلم : (ما صلوا ) هو كنايه عن إقامة الحكم الإسلامي ، وهذا ماعبرت عنه أحاديث أخرى ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ايها الناس ، اتقوا الله ، واسمعوا وأطيعوا ، وإن أمر عليكم عبد حبشي ما أقام فيكم كتاب الله ) ، وفي رواية ( ما قادكم بكتاب الله ) ، وفي رواية الترمذي ( ما أقام لكم كتاب الله ) . فالنبي صلى الله عليه وسلم اشترط السمع والطاعة للإمام وعدم الخروج عليه ومنازعته السلطة ، ما أقام الإسلام .
    وروى الشيخان ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال :بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسرِ واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى أثرةٍ علينا وعلى إلا ننازع الأمر أهله ، ( إلا إن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ) .قال الإمام النووي في شرحه للحديث : ( إن المراد بالكفر هنا المعاصي ومعنى عندكم من الله فيه برهان أي تعلمونه من دين الله تعالى ، ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم ولا تعترضوا عليهم الا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام ) .
    وينقل القاضي عياض ، إجماع العلماء على منازعة الإمام سلطته ، وإقامة إمام عدل لإقامة الدين ، في حال تغيُر حالت الإمام ، أو في حال تغير نظام الحكم الإسلامي ، إلي نظام كفر . فيقول : ( أجمع العلماء على أن الامامه لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه كفر ـ وهي حالت تغير حال الامام ـ أو تغيير للشرع ـ أي في حالة تغيير نظام الحكم الاسلامي ـ أوبدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ، ونصب إمام عادل إن أمكن )

    ويعتبر ابن كثير أن حالت تغيير الأنظمة والقوانين ، هي حاله من حالات تغيير قواعد الحكم الإسلامي ، وهي تستدعي منازعة الإمام سلطته حتى يتقيد بها أو يخلع ، فيقول : عن( جنكيز خان )حين وضع دستورًا للدولة أسماه ـ الياسق ـ كانت قوانينه وأنظمته مستمده من شرائع اليهودية ، والنصرانية ، وبعض الأحكام الإسلامية ، وضعت لهوى السلطة ومصلحتها ، فقال : ( فصارت في بنيه شرعا متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلي حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ) .
    ويرى الإمام مالك أيضاً ، أن خروج السلطة عن أحكام الله والحكم بغيرها هو أمرٌ يستدعي منازعة الإمام سلطته ، وذلك في جوابٍ له على سؤال العمري العابد عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهم) ، حين سأل مالك ابن أنس قائلا : (يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله عزوجل وحكم بغيرها ؟ فقال مالك : الأمرُ في ذلك إلي الكثرة والقلة ) . فالإمام مالك والعابد العمري ، يرون أن السلطة حين تخرج عن أحكام الله وتحكم بغيرها يجب منازعتها ، فالسائل يسأل هل من رخصة في التخلف عن قتال هذه السلطة التي خرجت عن أحكام الله ؟ فكان جواب الإمام مالك : أن الرخصة في حالة عدم الاستطاعة ، وهذا واضح بقول الإمام مالك حين قال : ( الأمر في ذلك إلي الكثرة والقلة ) .
    وجاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية ، في تعليقٍ له على حديث جابر رضي الله عنه ، قال : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرنا أن نضرب بهذا ـ يعني السيف ـ من خرج عن هذا ـ يعني المصحف ـ). علق ابن تيمية رحمه الله على حديث جابر رضي الله عنه قائلاً ،( قال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز }، فبين سبحانه وتعالى انه أنزل الكتاب وأنزل العدل ، ومابه يعرف العدل، ليقوم الناس بالقسط ،وأنزل الحديد فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد ، فالكتاب والعدل متلازمان والكتاب هو المبين للشرع ، فالشرع هو العدل والعدل هو الشرع ، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع ).فان ابن تيمية يرى أن السلطة حين تخرج في حكمها عن كتاب الله فان هذا الفعل يستوجب قتالها وهذا واضح بقوله ( فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد )، ومن استدلاله بحديث جابر رضي الله عنه .
    وبناءً على ماتقدم من أقوال العلماء والفقهاء يتضح ، أن تغيير قواعد نظام الحكم الإسلامي وإبدالها بقوانين تشريعية وضعية ، يعتبر من الكفر البواح ، الذي يستوجب معه عزل الإمام عن سلطته، ولو أدى ذلك إلي قتاله ، لان ذلك العمل يبعد السلطة عن المقصود الذي من أجله فرض الإسلام إقامتها ، وهو أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمته هي العليا ، وذلك لايكون إلا بتطبيق أحكام الإسلام في واقع الحياة وتسيير شؤون السلطة في سياستها الداخلية والخارجية وفق الشرع الحنيف ، فهو المقصود الأهم والعمدة العظمى من إقامة الخلافة ، قال تعالى : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } .
    فإذا كان معنى إقامة الخلافة ، هو إقامة الدين ، كان على الذين يعملون لإيجاد الإسلام في معترك الحياة ، أن ينصب جهدهم لإقامتها ويجعلون إقامة الخلافة هي الأولوية في دعوتهم لأن الخلافة ، هي العروة ’ العظمي التي تستوثق بها وتعول عليها باقي العرى من أحكام الإسلام في المحافظة على بقائها، فكما كان نقضها من قبل الكافر المستعمر أدى إلي غياب الإسلام كذلك في إقامتها سيكون إقامةالإسلام .

    1ـ رواه أحمد في مسنده (ج5 / ص251) الكويت
    2ـ أسس البلاغة للزمخشري (ص418)
    3ـ السياسة الشرعية لابن تيمية (ص161)
    4ـ الاقتصاد في الإعتقاد للغزالي (ص199)
    5ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل (ج4ـ ص87)
    6ـالفصل في الملل والأهواء والنحل ( ج4ـ ص87)
    7ـ أدب الدنيا والدين لابو الحسن الماوردي ( ص137 ـ ص138)
    8ـ الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي ( ج1 ـ ص200)
    9ـ شرح صحيح مسلم للنووي ( ج12ـ ص425)
    10 ـ شرح صحيح مسلم للنووي ( ج12 ـص446)
    11ـ رواه الامام أحمد في مسنده ( ج4 ـ ص70)باسناد صحيح
    12ـ رواه احمد في مسنده (ج6ـ ص403)بإسناد صحيح ، وهو في مسلم برقم (1706)
    13ـ رواه الترمذي ، حديث برقم ( 1706) وقال عنه حسن صحيح
    14ـ البخاري باب الفتن ، حديث برقم ( 7055)، ومسلم ( ج12 ـ ص432)
    15ـ شرح صحيح مسلم للنووي ( ج12 ـص432)
    16ـ شرح صحيح مسلم للنووي ( ج12ـ ص433)
    17ـ تفسير القرآن لإبن كثير ، سورة المائدة (آية :50)
    18ـ الكافي لابن عبد البر (ج1 ـص463)
    19ـ رواه ابن عساكر في موسوعة أطراف الحديث، واستشهد به ابن تيمية
    انظر الفتاوى الكبرى (ج35ـ ص365)
    20ـ سورة الحديد (آية : 26)
    21ـ الفتاوى الكبرى لابن تيمية (ج35ـ ص356)
    22ـ سورة الحج( آية :14

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    اعلم أن الحكام ثلاثة أقسام:

    1. حاكم مسلم عادل يحب طاعته ومعونته ونصحه والدعاء له

    2. حاكم ظالم ( جائر فاسق)، فيجب الصبر عليه وطاعته في المعروف.

    3. حاكم كافر

    واعلم أن الحاكم الظالم يحرم الخروج عليه بلإجماع

    وأما الحاكم الكافر فيجب الخروج عليه إذا توفر شطران أساسيان

    • أن يكون كفره بواحا توافر البرهان عليه لدى العلماء الثقات

    • أن تتوفر القوة الكافية التي يمكن بها عزله وتنصيب غيره من أهل الصلاح، دون أن يترتب على ذلك مفسدة أكبر أو شر أعظم



    ـ سئل الشيخ صالح الفوزان السؤال التالي:

    هناك من يسوّغُ للشّباب الخروج على الحكومات دون الضّوابط الشّرعيّة؛ ما هو منهجنا في التّعامل مع الحاكم المسلم وغير المسلم؟

    فأجاب (رقم الفتوى: 15872): الحمد لله

    منهجنا في التّعامل مع الحاكم المسلم السَّمعُ والطّاعة؛ يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59.]. والنبي صلى الله عليه وسلم كما مرَّ في الحديث يقول: "أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطّاعة، وإن تأمّر عبدٌ؛ فإنّه مَن يَعِش منكم؛ فسوف يرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي" [تقدم تخريجه صفحة: (356).]؛ هذا الحديث يوافق الآية تمامًا. ويقول صلى الله عليه وسلم: "مَن أطاع الأميرَ؛ فقد أطاعني، ومَن عصى الأمير؛ فقد عصاني" [رواه البخاري في "صحيحه" (4/7ء8).]... إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الحثِّ على السّمع والطّاعة، ويقول صلى الله عليه وسلم: "اسمع وأطِع، وإن أُخِذ مالُك، وضُرِبَ ظهرُك" [رواه الإمام مسلم في "صحيحه" (3/1476) من حديث حذيفة رضي الله عنه بلفظ قريب من هذا.].

    فوليُّ أمر المسلمين يجب طاعته في طاعة الله، فإن أمر بمعصيةٍ؛ فلا يطاع في هذا الأمر (يعني: في أمر المعصية)، لكنّه يُطاع في غير ذلك من أمور الطّاعة.

    وأمّا التعامل مع الحاكم الكافر؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال: فإن كان في المسلمين قوَّةٌ، وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم وإيجاد حاكم مسلم؛ فإنه يجب عليهم ذلك، وهذا من الجهاد في سبيل الله. أمّا إذا كانوا لا يستطيعون إزالته؛ فلا يجوز لهم أن يَتَحَرَّشوا بالظَّلمة الكفرة؛ لأنَّ هذا يعود على المسلمين بالضَّرر والإبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم عاش في مكة ثلاثة عشرة سنة بعد البعثة، والولاية للكفَّار، ومع من أسلم من أصحابه، ولم يُنازلوا الكفَّار، بل كانوا منهيِّين عن قتال الكفَّار في هذه الحقبة، ولم يُؤمَر بالقتال إلا بعدما هاجر صلى الله عليه وسلم وصار له دولةٌ وجماعةٌ يستطيع بهم أن يُقاتل الكفَّار.

    هذا هو منهج الإسلام: إذا كان المسلمون تحت ولايةٍ كافرةٍ ولا يستطيعون إزالتها؛ فإنّهم يتمسَّكون بإسلامهم وبعقيدتهم، ويدعون إلى الله، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم ويغامرون في مجابهة الكفّار؛ لأنّ ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدّعوة، أمّا إذا كان لهم قوّةٌ يستطيعون بها الجهاد؛ فإنّهم يجاهدون في سبيل الله على الضّوابط المعروفة.

    هل المقصود بالقوّة هنا القوّة اليقينيّة أم الظّنّيّةُ؟

    الحمد لله: القوّة معروفة؛ فإذا تحقّقت فعلاً، وصار المسلمون يستطيعون القيام بالجهاد في سبيل الله، عند ذلك يُشرعُ جهاد الكفّار، أما إذا كانت القوّة مظنونةً أو غير متيقّنةٍ؛ فإنه لا تجوز المخاطرة بالمسلمين والزَّجُّ بهم في مخاطرات قد تؤدّي بهم إلى النّهاية، وسيرةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في مكّة والمدينة خير شاهد على هذا.

    القاعدة الشرعية المجمع عليها: ( أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه ) . أما درء الشر بشرٍ أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً عندها قدرة تزيله بها، وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين، وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الاغتيال ... إلى غير هذا من الفساد العظيم، فهذا لا يجوز، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير . هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك؛ لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر.



    ـ يقول النووي ء رحمه الله ء ( شرحه لصحيح مسلم كتاب: الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء . . . ): « . . . وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق » انتهى .

    ـ قال الحافظ ابن حجر ء رحمه الله ء ( الفتح 13/9 تحت الحديث رقم: 7054 ):

    « قال ابن بطال: وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء . وحجّتهم هذا الخبرُ وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح ».

    ـ من فتوى الشيخ ابن باز: قال ء رحمه الله ء ( فتاواه 8/202 ):

    « . . . فإذا أمروا بمعصيةٍ فلا يُطاعون في المعصية؛ لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها . . . » وقال ء رحمه الله ء ( فتاواه 8/203 ): «. . لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان » .

    وقال ء رحمه الله ء عمّن لا يرى وجوب البيعة لولاة الأمر في السعودية ( الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية ط الأولى ص 54 ):

    « . . . بل هذا من المنكرات العظيمة، بل هذا دين الخوارج .



    ـ وقال الشيخ ابن عثيمين ء رحمه الله ء لما سئل عن بعض أنواع الرسوم التي تؤخذ من الحكومات هل هي من الضرائب ؟ ( الباب المفتوح 3/416 لقاء 65 سؤال 1465 ):

    « تعمّ كلّ شيء يؤخذ بلا حقّ؛ فهو من الضرائب، وهو محرم . . .

    ولكن على المسلم السمع والطاعة، وأن يسمع لولاة الأمور ويطيعهم، وإذا طلبوا مالاً على هذه المعاملات أعطاهم إياه . . .ولا يجوز أن تُتّخذ مثل هذه الأمور وسيلةً إلى:(القدح في ولاة الأمور، وسبّهم في المجالس وما أشبه ذلك)

    وقال ء رحمه الله ء ( شرح الواسطية 2/337 ط ابن الجوزي ):

    « . . . خلافاً للخوارج الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصياً؛ لأن من قاعدتهم أن الكبيرة تُخرج من الملة »

    وقال ء رحمه الله ء ( شرح رياض الصالحين 4/514 ط دار الوطن ):

    « مهما فسق ولاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم؛ لو شربوا الخمر، لو زنوا، لو ظلموا الناس؛ لا يجوز الخروج عليهم »

    « وأما قول بعض السفهاء: إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة ! فهذا خطأ، وهذا غلط، وهذا ليس من الشرع في شيء؛

    بل هذا مذهب الخوارج الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء . وهذا لم يحصل من زمن، فقد تغيرت الأمور »

    وقال ء رحمه الله ء ( شرح رياض الصالحين 5/269 ط دار الوطن ):

    « يجب علينا أن نسمع ونطيع وإن كانوا هم أنفسهم مقصرين؛ فتقصيرهم هذا عليهم، عليهم ما حُمّلوا وعلينا ما حُمّلنا ».

    وقال ء رحمه الله ء ( شرح رياض الصالحين 3/333 ط دار الوطن ):

    « ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً !

    لا . إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المُعيّن الذي هو معصية لله، أما ما سوى ذلك فإنه تجب طاعته » قال ابن تيمية ء رحمه الله ء مُشيراً إلى شيءٍ من التلازم بين الخروج والمفسدة ( المنهاج 3/391 ): « ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته » انتهى.

    حكم خروج الحسين رضي الله عنه:

    لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه مصلحة. ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه ولكنه لم يرجع، وبهذا الخروج نال أولئك الظلمة من سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قتلوه مظلوماً شهيداً. وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده، ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس.



    ـ وقال الشيخ ابن باز ء رحمه الله ء ( فتاواه 8/203 ):

    « . . (لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفرا بواحا(أي ظاهرا مكشوفا) عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادا كبيرا وشرا عظيما فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق ولا يتيسر ردع الظالم ولا نصر المظلوم، وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير، إلا إذا رأى المسلمون كفرا بواحا عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شرا أكثر.

    فليس لهم الخروج رعاية للمصالح العامة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها( أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو شر منه بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه) وأما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرا بواحا وعندها قدرة تزيله بها وتضع إماما صالحا طيبا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الإغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم، فهذا لا يجوز بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف ومناصحة ولاة الأمور والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر و تقليله وتكثير الخير، هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك، لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين ومن شر أكثر، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية. انتهى من رسالة. . »

    (المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم) فلتراجع.



    ـ وقال الشيخ ابن عثيمين ء رحمه الله ء عن الخروج على الحاكم الكافر ( الباب المفتوح 3/126 لقاء 51 سؤال 1222 ):

    « إن كنّا قادرين على إزالته؛ فحينئذٍ نخرج،وإذا كنّا غير قادرين؛ فلا نخرج؛ لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطةٌ بالقدرة والاستطاعة . ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه . لأننا خرجنا ثم ظهرت العِزّةُ له؛ صِرْنا أذِلّة أكثر، وتمادى في طغيانه وكفره أكثر.

    فهذه المسائل تحتاج إلى: تعقُّلٍ، وأن يقترن الشرعُ بالعقل، وأن تُبعد العاطفة في هذه الأمور، فنحن محتاجون للعاطفة لأجل تُحمِّسنا، ومحتاجون للعقل والشرع حتى لا ننساق وراء العاطفة التي تؤدي إلى الهلاك».

    * الخوارج الذين يرون أنه لا طاعة للإمام والأمير إذا كان عاصياً؛ لأن من قاعدتهم أن الكبيرة تُخرج من الملة( فهذا مذهب الخوارج الخروج بالمعصية والتكفير بالكبيرة. فإذا خرج من خرج على إمامه للكفر فلا يجامع الخوارج في صفتهم ووصفهم وحكمهم )

    قول بعض السفهاء: إنه لا تجب علينا طاعة ولاة الأمور إلا إذا استقاموا استقامة تامة !

    فهذا خطأ، وهذا غلط، وهذا ليس من الشرع في شيء؛

    بل هذا مذهب الخوارج الذين يريدون من ولاة الأمور أن يستقيموا على أمر الله في كل شيء . وهذا لم يحصل من زمن، فقد تغيرت الأمور( وهذا حق )

    ليس معنى ذلك أنه إذا أمر بمعصية تسقط طاعته مطلقاً ! لا . إنما تسقط طاعته في هذا الأمر المُعيّن الذي هو معصية لله، أما ما سوى ذلك فإنه تجب طاعته وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقةً ظالمين.



    وسئل الشيخ ابن بازـ رحمه الله تعالىـ

    سماحة الوالد: نعلم أن هذا الكلام أصل من أصول أهل السنة والجماعة ولكن هناك " للأسف " من أبناء أهل السنة والجماعة من يرى هذا فكرا انهزاميا وفيه شيء من التخاذل وقد قيل هذا الكلام...لذلك يدعون الشباب إلى تبني العنف في التغيير؟

    ج: هذا غلط من قائله وقلة فهم؛ لأنهم ما فهموا السنة ولا عرفوها كما ينبغي، وإنما

    تحملهم الحماسة والغيرة لإزالة المنكر على أن يقعوا في ما يخالف الشرع، كما وقعت الخوارج والمعتزلة، حملهم حب نصر الحقيقة أو الغيرة للحق، حملهم ذلك على أن وقعوا في الباطل حتى كفروا المسلمين بالمعاصي، أو خلدوهم في النار كما تفعل المعتزلة.

    فالخوارج كفروا بالمعاصي وخلدوا العصاة في النار، والمعتزلة وافقوهم في العاقبة وأنهم في النار مخلدون فيها. ولكن قالوا: إنهم في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وكله ضلال، والذي عليه أهل السنة هو الحق: أن العاصي لا يكفر بمعصيته ما لم يستحلها[1].

    وأيضا: فالواجب على الغيورين لله وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع وأن يناصحوا من ولاهم الله الأمور بالكلام الطيب والحكمة والأسلوب الحسن حتى يكثر الخير ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى الله وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم الله بشتى الطرق الطيبة السليمة مع الدعاء لهم في ظهر الغيب أن يهديهم الله ويوفقهم ويعينهم على الخير وأن يعينهم على ترك المعاصي التي يفعلونها وعلى إقامة الحق، وأن يعينهم على ترك الباطل وعلى إقامة الحق بالأسلوب الحسن بالتي هي أحسن، وهكذا مع إخوانه الغيورين ينصحهم ويعضهم ويذكرهم حتى ينشطوا في الدعوة بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة وبهذا يكثر الخير ويقل الشر ويهدي الله ولاة الأمور للخير والاستقامة عليه وتكون العاقبة حميدة للجميع.



    س: لو افترضنا أن هناك خروجا شرعيا لدى جماعة من الجماعات. هل هذا يبرر قتل أعوان هذا الحاكم وكل من يعمل في حكومته مثل الشرطة والأمن وغيرهم؟

    ج: سبق أن أخبرتك أنه لا يجوز الخروج على السلطان إلا بشرطين:

    أحدهما: وجود كفر بواح عندهم فيه من الله برهان.

    والشرط الثاني: القدرة على إزالة الحاكم إزالة لا يترتب عليها شر أكبر، وبدون ذلك لا يجوز. انتهى.(المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم)



    ـ سُئل فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدِّث الديار الإسلامية وعلاَّمة عصره

    س: ما يسمى في الوقت الحاضر بالانقلاب العسكري على الحاكم، هل هو وارد في الدين، أم هو بدعة ؟

    الجواب: هذه الأفعال لا أصل لها في الإسلام، وهي خلاف المنهج الإسلامي في تأسيس الدعوة وإيجاد الأرض الصالحة لها، وإنما هي بدعة كافرة تأثر بها بعض المسلمين.

    كما سُئل يوم 29 ـ جمادى الأولى ـ 1416 هـ الموافق لـ 23ـ 10 ـ 1995 ( المصدر: شريط من منهج الخوارج ):

    في هذه الفترة الأخيرة يا شيخ! خاصة ممَّا يحدث من كوارث وفتن، وحيث صار الأمر إلى استخدام المتفجرات التي تودي بحياة العشرات من الناس، أكثرهم من الأبرياء، وفيهم النساء والأطفال ومَن تعلمون، وحيث سمعنا بعض الناس الكبار أنَّهم يندِّدون عن سكوت أهل العلم والمفتين من المشايخ الكبار عن سكوتهم وعدم التكلُّم بالإنكار لمثل هذه التصرفات الغير إسلامية قطعاً، ونحن أخبرناهم برأي أهل العلم ورأيكم في المسألة، لكنَّهم ردُّوا بالجهل مما يقولونه أو مما تقولونه، وعدم وجود الأشرطة المنتشرة لبيان الحق في المسألة، ولهذا نحن طرحنا السؤال بهذا الأسلوب الصريح حتى يكون الناس على بيِّنة برأيكم ورأي من تنقلون عنهم، فبيِّنوا الحق في القضية، وكيف يعرف الحق فيها عند كلِّ مسلم؟ لعل الشيخ يسمع ما يحدث الآن أو نشرح له شيئاً ممَّا يحدث؟

    الجواب: لا بدَّ لي قبل الدخول في شيء من التفصيل بأن أُذكِّر ـ والذكرى تنفع المؤمنين ـ بقول أهل العلم: "ما بُني على فاسد فهو فاسد"، فالصلاة التي تُبنى على غير طهارة مثلاً فهي ليست بصلاة، لماذا؟ لأنَّها لم تقم على أساس الشرط الذي نصَّ عليه الشارع الحكيم في مثل قوله صلى الله عليه وسلَّم: "لا صلاة لمن لا وضوء له"، فمهما صلى المصلي بدون وضوء فما بُني على فاسد فهو فاسد، والأمثلة في الشريعة من هذا القبيل شيء كثير وكثير جداًّ. "

    ثانياً: " فنحن ذكرنا دائماً وأبداً بأنّ الخروج على الحكام لو كانوا من المقطوع بكفرهم، أنَّ الخروج عليهم ليس مشروعاً إطلاقاً؛ ذلك لأنَّ هذا الخروج إذا كان ولا بدَّ ينبغي أن يكون خروجاً قائماً على الشرع، كالصلاة التي قلنا آنفاً إنَّها ينبغي أن تكون قائمة على الطهارة، وهي الوضوء، ونحن نحتجُّ في مثل هذه المسألة بِمثل قوله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21]. "

    ثالثاً: " إنَّ الدورَ الذي يَمرُّ به المسلمون اليوم من تحكّم بعض الحكام ـ وعلى افتراض أنَّهم أو أنَّ كفرهم كفر جلي واضح ككفر المشركين تماماً ـ إذا افترضنا هذه الفرضية فنقول: إنَّ الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام ـ ولْنَقُل الكفار مجاراةً لجماعة التكفير لفظاً لا معنى؛ لأنَّ لنا في ذلك التفصيل المعروف ـ فنقول: إنَّ الحياة التي يحياها المسلمون اليوم تحت حكم هؤلاء الحكام لا يخرج عن الحياة التي عاشها رسول الله عليه الصلاة وعلى آله وسلَّم، وأصحابُه الكرام فيما يُسمى في عرف أهل العلم: بالعصر المكي. لقد عاش عليه السلام تحت حكم الطواغيت الكافرة المشركة، والتي كانت تأبى صراحةً أن تستجيب لدعوة الرسول عليه السلام، وأن يقولوا كلمة الحق( لا إله إلاَّ الله) حتى إنّ عمَّه أبا طالب ـ وفي آخر رمق من حياته ـ قال له: لولا أن يُعيِّرني بها قومي لأقررتُ بها عينَك.

    أولئك الكفار المصرِّحون بكفرهم المعاندون لدعوة نبيِّهم، كان الرسول عليه السلام يعيش تحت حكمهم ونظامهم، ولا يتكلَّم معهم إلاَّ: أن اعبدوا الله وحده لا شريك له.

    ثم جاء العهد المدني، ثم تتابعت الأحكام الشرعية، وبدأ القتال بين المسلمين وبين المشركين، كما هو معروف في السيرة النبوية.

    أما في العهد الأول ـ العهد المكي ـ لم يكن هنالك خروج كما يفعل اليوم كثيرٌ من المسلمين في غير ما بلد إسلامي.

    فهذا الخروج ليس على هدي الرسول عليه السلام الذي أُمرنا بالاقتداء به:

    {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21]. "

    رابعاً: " الآن كما نسمع في الجزائر، هناك طائفتان، وأنا أهتبلها فرصة إذا كنت أنت أو أحد الحاضرين على بيِّنة من الإجابة عن السؤال التالي: أقول أنا أسمع وأقرأ بأنَّ هناك طائفتين أو أكثر من المسلمين الذين يُعادون الحكام هنالك، جماعة مثلاً جبهة الإنقاذ، وأظن فيه جماعة التكفير.

    فقيل له: جيش الإنقاذ هذا هو المسلَّح غير الجبهة.

    قال الشيخ: لكن أليس له علاقة بالجبهة؟

    قيل له: انفصلَ عنها، يعني: قسم متشدِّد.

    قال الشيخ: إذاً هذه مصيبة أكبر! أنا أردتُ أن أستوثق من وجود أكثر من جماعة مسلمة، ولكلٍّ منها سبيلها ومنهجها في الخروج على الحاكم، تُرى! لو قضي على هذا الحاكم وانتصرت طائفة من هذه الطوائف التي تُعلن إسلامها ومحاربتها للحاكم الكافر بزَعمهم، تُرى! هل ستَتَّفقُ هاتان الطائفتان ـ فضلاً عمَّا إذا كان هناك طائفة أخرى ـ ويقيمون حكم الإسلام الذي يقاتلون من أجله؟

    سيقع الخلاف بينهم! الشاهد الآن موجود مع الأسف الشديد في أفغانستان، يوم قامت الحرب في أفغانستان كانت تُعلن في سبيل الإسلام والقضاء على الشيوعية!! فما كادوا يقضون على الشيوعية ـ وهذه الأحزاب كانت قائمة وموجودة في أثناء القتال ـ وإذا بهم ينقلب بعضُهم عدوًّا لبعض.

    فإذاً كلُّ مَن خالف هدي الرسول عليه السلام فسوف لا يكون عاقبة أمره إلاَّ خُسراً، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلَّم إذاً في إقامة الحكم الإسلامي وتأسيس الأرض الإسلامية الصالحة لإقامة حكم الإسلام عليها، إنَّما يكون بالدعوة.

    أولاً: دعوة التوحيد، ثم تربية المسلمين على أساس الكتاب والسنة.

    وحينما نقول نحن إشارة إلى هذا الأصل الهام بكلمتين مختصرَتين، إنَّه لا بدَّ من التصفية والتربية، بطبيعة الحال لا نعني بهما أنَّ هذه الملايين المملينة من هؤلاء المسلمين أن يصيروا أمة واحدة، وإنَّما نريد أن نقول: إنَّ مَن يريد أن يعمل بالإسلام حقًّا وأن يتَّخذ الوسائل التي تمهد له إقامة حكم الله في الأرض، لا بدَّ أن يقتدي بالرسول ءصلى الله عليه وسلمء حكماً وأسلوباً.

    بهذا نحن نقول إنَّ ما يقع سواءً في الجزائر أو في مصر، هذا خلاف الإسلام؛ لأنَّ الإسلام يأمر بالتصفية والتربية، أقول التصفية والتربية؛ لسبب يعرفه أهل العلم.

    نحن اليوم في القرن الخامس عشر، ورثنا هذا الإسلام كما جاءنا طيلة هذه القرون الطويلة، لم نرث الإسلام كما أنزله الله على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، لذلك الإسلام الذي أتى أُكلَه وثمارَه في أول أمره هو الذي سيؤتي أيضاً أُكُلَه وثمارَه في آخر أمره، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أمَّتي كالمطر لا يُدرى الخير في أوله أم في آخره).

    فإذا أرادت الأمة المسلمة أن تكون حياتها على هذا الخير الذي أشار إليه الرسول ءصلى الله عليه وسلمء في هذا الحديث، والحديث الآخر الذي هو منه أشهر: (لا تزال طائفةٌ مِن أمَّتِي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم مَن خالَفَهم حتى يأتي أمرُ الله).

    أقول: لا نريد بهاتين الكلمتين أن يصبح الملايين المملينة من المسلمين قد تبنَّوا الإسلامَ مصفًّى وربَّوْا أنفسهم على هذا الإسلام المصفَّى، لكنَّنا نريد لهؤلاء الذين يهتمُّون حقًّا أولاً بتربية نفوسهم ثم بتربية من يلوذ بهم، ثم، حتى يصل الأمر إلى هذا الحاكم الذي لا يمكن تعديله أو إصلاحه أو القضاء عليه إلاَّ بهذا التسلسل الشرعي المنطقي. "

    " بهذا نحن كنَّا نجيب بأنَّ هذه الثورات وهذه الانقلابات التي تُقام، حتى الجهاد الأفغاني، كنَّا نحن غير مؤيِّدين له أو غير مستبشرين بعواقب أمره حينما وجدناهم خمسة أحزاب، والآن الذي يحكم والذي قاموا ضدَّه معروف بأنَّه من رجال الصوفية مثلاً.

    القصد أنَّ مِن أدلَّة القرآن أن الاختلاف ضعف حيث أنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكر من أسباب القتل هو التنازع والاختلاف {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدِيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم 31 ـ 32]، إِذَن إذا كان المسلمون أنفسهم شيعاً لا يمكن أن ينتصروا؛ لأنَّ هذا التشيع وهذا التفرُّق إنَّما هو دليل الضعف.

    إذاً على الطائفة المنصورة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام بحق أن تمثَّل بكلمة أعتبرها من حِكم العصر الحاضر، قالها أحد الدعاة، لكن أتباعه لا يُتابعونه ألا وهي قوله: (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقم لكم على أرضكم).

    فنحن نشاهد أنَّ ... لا أقول الجماعات التي تقوم بهذه الثورات، بل أستطيع أن أقول بأنَّ كثيراً من رؤوس هذه الجماعات لم يُطبِّقوا هذه الحكمة التي هي تعني ما نقوله نحن بتلك اللفظتين (التصفية والتربية)، لم يقوموا بعد بتصفية الإسلام ممَّا دخل فيه ممَّا لا يجوز أن يُنسب إلى الإسلام في العقيدة أو في العبادة أو في السلوك، لم يُحققوا هذه ـ أي تصفية في نفوسهم ـ فضلاً عن أن يُحقِّقوا التربية في ذويهم، فمِن أين لهم أن يُحقِّقوا التصفية والتربية في الجماعة التي هم يقودونها ويثورون معها على هؤلاء الحكام؟!.

    أقول: إذا عرفنا ـ بشيء من التفصيل ـ تلك الكلمة (ما بُني على فاسد فهو فاسد)، فجوابنا واضح جدًّا أنَّ ما يقع في الجزائر وغيرها هو سابقٌ لأوانه أوَّلاً، ومخالفٌ لأحكام الشريعة غايةً وأسلوباً ثانياً، لكن لا بدَّ من شيء من التفصيل فيما جاء في السؤال. "

    " نحن نعلم أنَّ الشارعَ الحكيم ـ بٍما فيه من عدالة وحكمة ـ نهى الغزاة المسلمين الأولين أن يتعرَّضوا في غزوهم للنساء، فنهى عن قتل النساء وعن قتل الصبيان والأطفال، بل ونهى عن قتل الرهبان المنطوين على أنفسهم لعبادة ربِّهم ـ زعموا ـ فهم على شرك وعلى ضلال، نهى الشارع الحكيم قُوَّاد المسلمين أن يتعرَّضوا لهؤلاء؛ لتطبيق أصل من أصول الإسلام، ألا وهو قوله تبارك وتعالى في القرآن: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَن لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَيْسَ لِلإِنسَانِ إَلاَّ مَا سَعَى} [النجم 36 ـ 39]، فهؤلاء الأطفال وهذه النسوة والرجال الذين ليسوا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقتلهم لا يجوز إسلاميًّا، قد جاء في بعض الأحاديث: (أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله سلَّم رأى ناساً مجتمعين على شيء فسأل؟ فقالوا: هذه امرأة قتيلة، قال عليه السلام: ما كانت هذه لتقاتِل).

    وهنا نأخذ حكمين متقابلين، أحدها: سبق الإشارة إليه، ألا وهو أنَّه لا يجوز قتل النساء؛ لأنَّها لا تُقاتل، ولكن الحكم الآخر أنَّنا إذا وجدنا بعض النسوة يُقاتلن في جيش المحاربين أو الخارجين، فحينئذ يجوز للمسلمين أن يُقاتلوا أو أن يقتلوا هذه المرأة التي شاركت الرجال في تعاطي القتال.

    فإذا كان السؤال إذاً بأنَّ هؤلاء حينما يفخِّخون ـ كما يقولون ـ بعض السيارات ويفجِّرونها تصيب بشظاياها مَن ليس عليه مسؤولية إطلاقاً في أحكام الشرع، فما يكون هذا من الإسلام إطلاقاً، لكن أقول: إنَّ هذه جزئية من الكُليَّة، أخطرها هو هذا الخروج الذي مضى عليه بضع سنين، ولا يزداد الأمر إلاَّ سوأً، لهذا نحن نقول إنَّما الأعمال بالخواتيم، والخاتمة لا تكون حسنةً إلاَّ إذا قامت على الإسلام، وما بُني على خلاف الإسلام فسوف لا يُثمر إلاَّ الخراب والدمَّار).

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    فتوى الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله



    حول مسألة ( الحكم بغير ما انزل الله )



    والتي صدرت في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام 1420هـ



    22 - 3 - 1420هـ





    والتي يشترط فيها الاستحلال :



    لتكفر الحاكم بالتشريع العام المخالف للشريعة( القوانين الوضعية ) وليس فقط في ( قضية معينة ) .





    وهي عبارة عن جواب لسؤال عبر الهاتف مسجل في شريط من فضيلة الشيخ أبو الحسن مصطفى ابن



    إسماعيل السليماني إلى فضيلة العلامة ابن عثيمين حفظه الله :



    سؤال الشيخ أبو الحسن :



    " الحمد لله والصلاة السلام على رسول الله واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمد عبد الله



    ورسوله أما بعد فهذا السؤال أقدمه عبر الهاتف وعبر تسجيله في الهاتف أيضا لفضيلة الوالد الشيخ العلامة



    محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ومتع به وجعل فيه وفي أمثاله العوض عن سماحة الوالد رحمة الله عليه



    وهذا السؤال حول مسألة كثر فيها النزاع بين طلبة العلم وكثر بها أيضا الاستدلال لبعض الكلمات لفضيلة الوالد



    العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى .



    أولا أقول للشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وزادكم الله علما ورفع قدركم في الدنيا و في الآخرة ،



    فضيلة الشيخ سلمكم الله هنا يعنى كثيرا من طلبة العلم يدندنون حول الحاكم الذي يأتي بشريعة مخالفة لشريعة



    الله عز وجل ولا شك انه يأمر الناس بها ويلزمهم بها وقد يعاقب المخالف عليها و يكافأ أو يجازي بالخير

    وبالعطاء الملتزم بها ، وهذه الشريعة في كتاب الله وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام تعتبر مخالفة ومصادمة



    لنصوص الكتاب والسنة ، هذه الشريعة إذا الزم هذا الحاكم بها الناس ومع انه يعترف أن حكم الله هو الحق



    وما دونه هو الباطل وان الحق ما جاء في الكتاب والسنة ولكنه لشبهة أو لشهوة جرى إلزام الناس بهذه



    الشريعة كما وقع مثل ذلك كثيرا في بني أمية وفي بني العباس وفي أمراء الجور الذين ألزموا الناس بأمور لا



    تخفى على مثلكم بل لا تخفى على كثيرا من الناس عندما ألزموا الناس بما لا يرضي الله عز وجل كالأمور



    الوراثية وجعلوا الملك عاضا بينهم كما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم وقربوا شرار الناس وابعدوا خيارهم



    وكان من يوافقهم على ما هم فيه من الباطل قربوه ومن يأمرهم وينهاهم ربما حاربوه إلى أخر ـ


    فلوا أن الحاكم في هذا الزمان فعل مثل هذه الشريعة هل يكون كافرا بهذه الشريعة اذا الزم الناس بها مع


    اعترافه أن هذا مخالف للكتاب والسنة وأن الحق في الكتاب والسنة هل يكون بمجرد فعله هذا كافرا


    أم لا بد أن ينظر إلى اعتقاده بهذه المسالة كمن مثلا يلزم الناس بالربا كمن يفتح البنوك



    الربوية في بلاده و يأخذ من البنك الدولي كما يقولون قروضا ربوية ويحاول أن يأقلم اقتصادها على مثل هذا



    الشيء ولو سألته قال الربا حرام ولا يجوز لكن أزمة اقتصادية أو غير ذلك يعتذر مثل هذه الاعتذارات



    وقد تكون الاعتذارات مقبولة وقد لا تكون ، فهل يكفر بمثل ذلك أم لا .



    ومع العلم أن كثيرا من الشباب ينقلون عن فضيلتكم أنكم تقولون أن من فعل ذلك يكون كافرا



    ونحن نلاحظ في بلاد الدنيا كلها أن هذا شيء موجود بين مقل ومستكثر وبين مصرح وغير مصرح



    نسأل الله العفو والعافية .



    نريد من فضيلتكم الجواب على ذلك عسى أن ينفع الله سبحانه وتعالى به طلاب العلم وينفع الله عز وجل به الدعاة إلى الله عز وجل لأنه لا يخفى عليكم أن الخلاف كم يؤثر في صفوف الدعوة إلى الله عز وجل .



    هذا وأني لأنقل لفضيلتكم محبة أبنائكم وطلابكم طلبة العلم في هذه البلاد ورغبتهم أيضا في سماع

    صوتكم وتوجيهاتكم ونصائحكم سواء عبر الهاتف أو غير ذلك .

    والله سبحانه وتعالى المسؤال أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال .

    اقدم هذا السؤال لفضيلتكم ابنكم وطالبكم : أبو الحسن مصطفى ابن إسماعيل السليماني من

    مأرب باليمن في يوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . "



    انتهى سؤال الشيخ أبى الحسن .



    جواب الشيخ العلامة ابن عثيمين :



    " الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على نبينا محمد وعلى اله و أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين



    أما بعد ففي هذا اليوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرين وأربعمائة وألف استمعت إلى



    شريط مسجل باسم أخينا أبى الحسن في مآرب ابتدئه بالسلام علي فأقول عليك السلام ورحمة الله وبركاته



    وما ذكره من جهة التكفير فهي مسألة كبيرة عظيمة ولا ينبغي إطلاق القول فيها إلا مع طالب علم يفهم



    ويعرف الكلمات بمعانيها ويعرف العواقب التي تترتب على القول بالتكفير أو عدمه ، اما عامة الناس فإن إطلاق



    القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد والذي أرى أولا أن لا يشتغل الشباب في هذه



    المسألة وهل الحاكم كافر أو غير كافر وهل يجوز أن نخرج عليه أو لا يجوز ، على الشباب أن يهتموا



    بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم أو ندبهم أليها وأن يتركوا ما نهاهم الله عنه كراهتا أو تحريما وان يحرصوا



    على التالف بينهم والاتفاق وان يعلموا أن الخلاف في مسائل الدين والعلم قد جرا في عهد الصحابة رضي الله



    عنهم ولكنه لم يودي إلى والفرقة و إنما القلوب واحدة والمنهج واحد .



    أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما انزل الله فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام



    كفر وظلم وفسق على حسب الأسباب التي بني عليها هذا الحكم :



    1- فإذا كان الرجل يحكم بغير ما انزل الله تبعا لهواه مع علمه بأن الحق فيما قضى الله به فهذا لا يكفر لكنه بين فاسق وظالم



    2- و أما إذا كان يشرع حكما عاما تمشي عليه الأمة يرى أن ذلك من المصلحة وقد لبس عليه فيه فلا يكفر أيضا لأن كثيرا من الحكام عندهم جهل في علم الشريعة ويتصل بهم من لا يعرف الحكم الشرعي

    وهم يرونه عالما كبيرا فيحصل بذلك المخالف ،



    3- وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا أو شرع هذا وجعله دستورا يمشي الناس

    عليه يعتقد انه ظالما في ذلك وان الحق فيما جاء به الكتاب والسنة فأننا لا نستطيع

    أن نكفر هذا .


    4- وإنما نكفر :

    * من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناس عليه

    * أو مثل حكم الله عز وجل

    فإن هذا كافر لأنه مكذب لقول الله تبارك وتعالى : ( أليس الله بأحكام الحاكمين ) .



    وقوله : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون) .





    ثم هذه المسائل لا يعني أننا إذا كفرنا أحدا فإنه يجب الخروج عليه لأن الخروج يترتب عليه مفاسد

    عظيمة اكبر من السكوت ولا نستطيع الآن أن نضرب أمثالا فيما وقع في الأمة العربية وغير العربية

    و إنما إذا تحققنا جواز الخروج عليه شرعا فإنه لابد من استعداد وقوة تكون مثل قوة الحاكم أو اعظم
    و أما أن يخرج الناس عليه بالسكاكين والرماح ومعه القنابل والدبابات وما أشبه هذا فأن هذا من السفه بلا شك وهو مخالف للشريعة . "

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    شبهات دعاة التطرف والتكفير


    الشبهة الأولى:تكفيرهم بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله بدون تفصيل !



    جمال البليدي





    الرد على الشبهة من أربعة أوجه

    الوجه الأول :

    ليس كلّ من حكم بغير ما أنزل الله يكون كافراً ؛ إذ هناك تفصيلٌ في المسألة - من جهة النوع - , فليست هذه المسألة مكفِّرةً بإطلاق .

    الوجه الثاني :
    لا يُنكَر أنه قد يوجد من الحكام - في هذا الزمان - من وقع في الحكم بغير ما أنزل الله على صورته المُكفِّرة . ولكن الحاكم - وإن وقع في أمرٍ مُكفِّرٍ - فإنه لا يجوز تكفيره بعينه إلا بعد إقامة الحجة عليه .
    لأن اعتقاد أهل السنة والجماعة يقضي بعدم تنزيل الأحكام على الأعيان إلا بعد إقامة الحجة على تلك الأعيان .لأنه قد يكون جاهلاً . . أو قد يكون متأوِّلاً . . أو قد يكون عنده مِن علماء السوءٍ مَن لبَّس عليه . . .إلى غير تلك الاحتمالات التي توجب التريُّث وعدم العجلة ؛
    ولئن كانت الحدود تُدرأُ بالشبهات ؛ تالله إن الكفر لمن باب أولى .
    وهنا السؤال :
    هل أقيمت الحجة على كل حاكم بعينه بحيث يستطيع المُكفِّر الجزم بكفر ذلك المعين ؟

    فإن دُعِيَ للخروج - مطلقاً- ؛ فـ

    الوجه الثالث :
    لا يُنكَر أنه قد يوجد من الحكام من وقع في الصورة المكفِّرة وقامت عليه الحجة المشروطة في المعين ؛
    ولكن الخروج على الحاكم الكافر له شروط ؛ هي :
    1. القدرة على إزاحة ذلك الكافر .
    2. عدم ترتّب مفسدةٍ عُظمى .
    3. إحلال مسلم مكانه .
    فلا يجوز الخروج على الكافر ما لم تُستجمع هذه الشروط ؛
    وإلا وجب الكفّ عن الخروج والصبر وسؤال الله تعالى الفرج .

    نُقولٌ على ما نَقول

    بيان أنه لا يجوز التكفير بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله على الإطلاق ؛ بل لا بدّ من تفصيل

    إن القول بالتكفير مطلقاً بكلّ صورةٍ من صور الحكم بغير ما أنزل الله يلزم منه لوازم فاسدة ؛ وبيان هذا على النحو التالي :

    المقدمة الأولى :
    مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختصّ بالحاكم أو القاضي ؛ بل يدخل فيها كل من تولَّى الحكم بين اثنين ؛

    لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( الفتاوى 18/170 ) :
    « وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ , سواءً كان : صاحب حربٍ , أو متولِّي دِيوان , أو منتصِباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط ؛ فإن الصحابة كانوا يعدُّونه من الحكام » انتهى .

    المقدمة الثانية :
    المرء الواقع في أيّ معصيةٍ يصدُقُ عليه أنه حاكمٌ بغير ما أنزل الله ؛ فمثلاً : حالق اللحيةِ يكون كذلك ؛ لأن حُكْمَ اللهِ تعالى في اللحية ألاّ تُحلق , فمن ثَمّ كان الحالق قد حكَّم هواه في شأن نفسه ولم يأخذ بحكم الله تعالى .

    اللازم الفاسد ( النتيجة ) :
    فيلزم من هذا تكفير كلّ مَن وقع في المعصية ! كحالق اللحية في المثال السابق !

    ولأجل فساد هذا الإطلاق فقد قال العلماء عن آية المائدة : « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون » أن ظاهرها ليس بمرادٍ ؛ وأنه لا يجوز أخذها على إطلاقها :

    قال ابن عبد البر - رحمه الله - ( التمهيد 17/16 ) :
    « وقد ضلّتْ جماعة من أهل البدع من :الخوارج , والمعتزلة ,في هذا الباب فاحتجوا بآياتٍ من كتاب الله ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) » انتهى .

    وقال العلامة أبوحيان الأندلسي - رحمه الله - ( البحر المحيط 3/493 ) :
    « واحتجّت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافر , وقالوا : هي نصٌّ في كل من حكم بغير ما أنزل الله ؛ فهو كافر » انتهى .

    وقال الخطيب البغدادي - رحمه الله - ( تأريخه 10/183 , ترجمة الخليفة المأمون , ترجمة رقم : 5330 ) :« أخبرنا أبو محمد يحيى بن الحسن بن الحسن بن المنذر المحتسب ,
    أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدّل ,أخبرنا أبو بكر بن دريد ,أخبرنا الحسن بن خضر قال :سمعت ابن أبي دؤاد يقول :أُدخل رجلٌ من الخوارج على المأمون ,فقال : ما حملك على خلافنا ؟قال : آيةٌ في كتاب الله تعالى .
    قال : وما هي ؟
    قال : قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) .
    فقال له المأمون : ألكَ عِلْمٌ بأنها مُنزَلة ؟
    قال : نعم ,
    قال : وما دليلك ؟
    قال : إجماع الأمة ,
    قال : فكما رضيتَ بإجماعهم في التنزيل فارضَ بإجماعهم في التأويل ,
    قال : صدقتَ , السلام عليك يا أمير المؤمنين » انتهى .

    بيان أنه ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( فتاواه 16/434 ) :
    « فليس كل مخطيء كافراً ؛ لا سيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/466 ) :
    « وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط ؛ حتى : تقام عليه الحجة ,
    وتبين له المحجة ,ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزُل ذلك عنه بالشكّ ؛ بل لا يزول إلا :
    بعد إقامة الحجة , وإزالة الشبهة » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/487 ) :
    « . . . كلّما رأوهم قالوا : ( من قال كذا فهو كافر ) , اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكلّ من قاله , ولم يتدبروا أن التكفير لـه شروط وموانع قد تنتفي في حق المُعَيّن , وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المُعَيّن إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع .
    يُبيِّن هذا :
    أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه » انتهى .

    وقال - رحمه الله - عن مسائل التكفير ( فتاواه 23/348 ) :
    « . . . ولكن المقصود هنا :
    أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين . . . » انتهى .

    وقال - رحمه الله - ( فتاواه 12/500 ) :
    « . . . فتكفير المُعيّن من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يُحكم عليه بأنه من الكفار ؛ لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبيّن بها أنهم مخالفون للرسل ؛ وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر .
    وهكذا الكلام في تكفير جميع المُعيّنين . . . » انتهى .

    وقال الإمام الألباني - رحمه الله - ( الصحيحة ، تحت الحديث رقم : 3048 ) :
    « ليس كل من وقع في الكفر - من المؤمنين - وقع الكفرُ عليه وأحاط به » انتهى .
    فائدة :
    شروط التكفير أربعةٌ , تقابلها أربعٌ من الموانع ؛ وهي :
    1. توفر العلم وانتفاء الجهل .
    2. وتوفر القصد وانتفاء الخطإ .
    3. وتوفر الاختيار وانتفاء الإكراه .
    4. وانعدام التأويل السائغ , والمانع المقابل له هو : وجود التأويل السائغ .

    بيان أن الخروج على الحاكم الكافر ليس على إطلاقه ؛ بل هو مشروطٌ

    تقدم نقل كلام : الحافظ ابن حجر , والإمام ابن باز , والإمام ابن عثيمين , - رحمهم الله - ,
    في الأصل الرابع من الأصول الأربعة التي في أول الكتاب , فراجعه إن شئت .

    وأختم الكلام على هذه الشبهة بنقل جانب من فتاوى اللجنة الدائمة في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله

    السؤال الثاني من الفتوى رقم ( 5226 ) , ( فتاوى اللجنة 2/141 ) :
    س : متى يجوز التكفير ومتى لا يجوز ؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى :
    ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ؟
    الجواب :
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه . . وبعد :
    أما قولك متى يجوز التكفير ومتى لا يجوز فنرى أن تبين لنا الأمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك الحكم فيها .
    أما نوع التكفير في قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) أكبر , قال القرطبي في تفسيره : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهد - رحمه الله - : ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن وجحداً لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر . انتهى .
    وأما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه عاصٍ لله لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يُدفع إليه من الرشوة أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم لـه ونحو ذلك , فهذا لا يكون كفره أكبر ؛ بل يكون عاصياً وقد وقع في كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
    عضو عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
    عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز

    السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم ( 5741 ) , ( فتاوى اللجنة 1/780 ) :
    س : من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفراً أكبر وتقبل منه أعماله ؟

    الجواب :
    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه . . وبعد :
    قال الله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كفر أكبر وظلم أكبر وفسق أكبر يخرج من الملة ، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر وظالماً ظلماً أصغر وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملة كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة . وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .

    عضو نائب رئيس اللجنة الرئيس
    عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    قياسهم القوانين الوضعية بقانون الياسق



    جمال البليدي





    يتشبث هؤلاء المكفرين بما قاله الإمام ابن كثير في التحاكم إلى الياسق وإليك الأقوال التي يتشبثون بها

    قال الإمام ابن كثير في تفسيره(2-90) : ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم...وعدل إلى ما سواه من الأراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مشتند من شريعة الله...كما يحكم بها التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جينكيزخان الذي وضع لهم"الياسق" وهو كتاب مجموع من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها الكثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل وكثير ,قال الله تعالى"أفحكم الجاهلية يبغون..."

    وقال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية (13/119): (من ترك الشرع المحكّم المنـّزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه، ومن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين).

    أقول :
    والرد على هذا الإستشهاد من أوجه :




    الوجه الأول :



    ما فعله جنكيزخان كفر بواح عندنا عليه من الله برهان؛ لأنه استحلال للحكم بغير ما أنزل الله للأمور الآتية:
    الأول : أن جنكيزخان كان مشركاً بالله -أصلاً- يعبد معه غيره ولم يكن مسلماً ؛ فهو كافر أصلي.
    الثاني: أن «الياسا» خليط ملفّق من اليهودية والنصرانية وشيء من الملة الإسلامية وأكثرها أهواء جنكيزخان؛ كما سيأتي من قول الحافظ ابن كثير نفسه.
    الثالث: أن المتحاكمين إليها أو الحاكمين بها يقدّمونها على شرع الله المنزل على محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، أو يساوونه به؛ أو ينسوبنها لله تعالى كما فصل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (28/523): « يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى ، وأنها كلها طرق إلى الله ، بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يرجِّح دين اليهود أو دين النصارى ، ومنهم من يرجِّح دين المسلمين».
    وقال - أيضاً- :«حتى إن وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف مصنفاً مضمونه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رضي بدين اليهود والنصارى، وأنه لا ينكر عليهم، ولا يذمون، ولا ينهون عن دينهم، ولا يؤمرون بالانتقال إلى الإسلام»
    وقال -أيضاً-(28/521): « كما قال أكبر مقدميهم الذين قدموا إلى الشام، وهو يخاطب المسلمين ويتقرب إليهم بأنا مسلمون، فقال: هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله: محمد وجنكستان، فهذا غاية ما يتقرب به أكبر مقدميهم إلى المسلمين؛ أن يسوي بين رسول الله وأكرم الخلق عليه، وسيد ولد آدم، وخاتم المرسلين، و بين ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفراً وفساداً وعدواناً من جنس بختنصر وأمثاله».
    وقال -أيضاً-: «وذلك أن اعتقاد هؤلاء التتار كان في جنكستان عظيماً؛ فإنهم يعتقدون أنه ابن الله من جنس ما يعتقده النصارى في المسيح ، ويقولون: إن الشمس حَبَّلَت أمه، وأنها كانت في خيمة؛ فنزلت الشمس من كوة الخيمة؛ فدخلت فيها حتى حَبِلت، ومعلوم عند كل ذي دين أن هذا كذب، وهذا دليل على أنه ولد زنا، وأن أمه زنت فكتمت زناها، وادعت هذا حتى تدفع عنها معرة الزنا».
    وقال -أيضاً- (28/521-522): «وهم مع هذا يجعلونه أعظم رسول عند الله في تعظيم ما سنّه لهم، وشرعه بظنه وهواه ، حتى يقولوا لما عندهم من المال: هذا رزق جنكسخان، ويشكرونه على أكلهم وشربهم، وهم يستحلون قتل من عادى ما سنه لهم هذا الكافر الملعون المعادي لله ولأنبيائه ورسوله وعباده المؤمنين».

    وقال الذهبي في سير الأعلام(22/228) : (ودانت له قبائل المغول ووضع له ياسة يتمسكون بها لا يخالفونها ألبتة وتعبدوا بطاعته وتعظيمه)
    وقال السيوطي :( واستقل جنكيزخان ودانت له التتار وانقادت له واعتقدوا فيه الألوهية) تاريخ الخالفاء(1/427)
    وقال السبكي –طبقات الشافعية (1/332-333)-حاكيا عن جنكيزخان أنه :( أمر أولاده بجمع العساكر واختلى بنفسه في شاهق جبل مكشوف الرأس وافقا على رجليه لمدة ثلاثة أيام على ما يقال فزعم –عثره الله-أن الخطاب آتاه بأنك مظلوم واخرج تنتصر على عدوك وتملك الأرض برا وبحرا وكان يقول : الأرض ملكي والله ملكني إياها). وقال-الطبقات(1/329)-(ولا زال أمره يعظم ويكبر وكان من أعقل الناس وأخبرهم بالحروب ووضع لهم شرعا اخترعه ودينا ابتدعه –لعنه الله-"الياسا" لا يحكمون إلا به وكان كافرا يعبد الشمس)

    وقال الإمام ابن كثير –البداية والنهاية(13/118) :(ذكر بعضهم أنه كان يصعد الجبل ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مرارا حتى يعي ويقع مغشيا عليه ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ....فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال..للعبادة فسمع قائلا يقول : إنا قد ملكنا جنكيزخان وذريته وجه الأرض’قال الجويني :فمشايخ المغول كانوا يصدقون بهذا ويأخذونه مسلما))
    هذه أحوال التتار عند مَن عاصرهم وعرفهم ، ولذلك نقل الحافظ ابن كثير -رحمه الله- إجماع المسلمين على كفرهم وهو الحق المبين؛ فهو خاص بملوك التتر، ومن كان مثلهم.




    الوجه الثاني :



    وصف ابن كثير أحكام الياسق ب(الشرع) يتضح معناه بوصف السبكي- الطبقات(1/329)- :( ووضع لهم شرعا اخترعه ودينا ابتدعه)) دليل على إستحلالهم لهذه الأحكام الجاهلية يجعلها دينا من عند الله وهذا كفر,قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (2/624): "إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل يوجب الكفر".
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية(والشرع المبدل: هو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين، فمن قال: إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع). وقال الجصاص(من حكم بغير ما أنزل الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك)اه
    جاء في شريط الدمعة البازية لابن باز :
    (قال الشيخ سلمان : ابن كثير ـ فضيلة الشيخ ـ نقل في البداية والنهاية الإجماع على كفره كفرا أكبر .
    فقال الإمام ابن باز : لعله إذا نسبه إلى الشرع )

    وجاء أيضا :
    (قال الشيخ ابن جبرين ـ حفظه الله ـ : هم يجعلونه بدل الشرع ، ويقولون هو أحسن وأولى بالناس ، وأنسب لهم من الأحكام الشرعية .
    فقال الإمام ابن باز : هذا كفر مستقل ، إذا قال إن هذا الشيء أحسن من الشرع أو مثل الشرع أو جائز الحكم بغير ما أنزل الله يكون كفرا أكبر .)



    الوجه الثالث :


    تكفير ابن كثير لهؤلاء المتحاكمين مشروط بالتقديم الذي هو التفضيل ويظهر هذا في قوله( فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ذلك منهم فهو كافر) وكذا قوله( فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه).
    والتقديم هنا : يعني التفضيل وهو عمل في القلب يكفر صاحبه ولا تعني كلمة التقديم هنا التقديم الظاهري بالحكم بغير حكم الله,وإلا للزم منه أن يكون الذي يحكم بغير حكم الله –ولو في قضية واحدة !-مقدما لحكمه على حكم الله,فليزم دخوله في هذا الإجماع وتكفيره بذلك ! وهذا باطل قطعا ,ويؤيد ما قررت : أن ابن كثير ذكر التقديم في البداية والنهاية مقرونا بالتحاكم إلى الياسق فدل هذا على أن التحكام يختلف عن التقديم إذ لو كان التقديم هو مجرد التحاكم لكان تكرار ليس له معنى قال ابن اكثير ( فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ) ومنه الكفر يقع على المتحاكم الذي يقدم (يفضل) شرع الله على غيره وليس مجرد التحاكم فقط بل يشترط التفضيل الذي هو من الإستحلال الذي لا يكون إلا في كفر الأصغر كما تقدم هذا في الرد على الشبهة السادسة ولله الحمد والمنة .
    وقد يقول قائلا : فكيف عرف العلماء أنهم كانوا يقدمون الياسق على الشريعة تقديما قلبيا؟؟؟
    الجواب : لتصريحهم بذلك ولوجود القرائن الدالة على ذلك فقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم صرحوا وقالو" هذان آيتان عظيمتان جاءا من عند الله: محمد وجنكستان" وصرحوا بأن" دين الإسلام كدين اليهود والنصارى ، وأنها كلها طرق إلى الله ، بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يرجِّح دين اليهود أو دين النصارى ، ومنهم من يرجِّح دين المسلمين وهذا القول فاش غالب فيهم ختى في فقهائهم وعبادهم ". وعليه فهؤلاء حكموا بهذه القوانين على أنها من عند الله بل على أنها أفضل من الإسلام وهذا كفر بالإجماع كما تقدم .

    الوجه الرابع :



    أما قول الإمام ابن كثير" من ترك الشرع المحكّم المنـّزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر" ليس على إطلاقه فلأهل العلم تفصيل في المتحاكم للشرائع المبدلة (والتي هي بداهة أشد من المنسوخة)
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحلّ الله يكونون على وجهين:

    أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله فيتّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤساهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.

    والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب،) ومنه يحمل كلام ابن كثير على التغليط وقيد الإعتقاد الذي جاء في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فمن حكم بغير حكم ما أنزل الله معتقدا أنه أفضل من حكم الله أم أنه مساويه أم أنه من عند الله فهو كافر بخلاف من حكم بغير حكم الله مع إعترافه بالخطأ.



    الوجه الخامس :



    لقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن ترك الحكم بغير ما أنزل الله مع الإيمان بأصله ليس بكفر ولا شرك مخرج من الملة وإنما كبيرة :
    قال الإمام السمعاني (المتوفى سنة :510) (واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله؛ فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم).
    وقال الإمام القرطبي رحمه الله(هذه الآيات-آيات المائدة-المراد بها أهل الكفر والعناد وإنها وإن كانت ألفاظها عامة فقد خرج منها المسلمون لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك وقد قال تعالى"إن الله لا يغر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وترك الحكم بذلك ليس شرك بالإتفاق فيجوز أن يغفر والكفر لا يغفر فلا يكون ترك العمل بالحكم كافرا)) فبناءا على هذه الإجماعات المتقدمة عن إجماع ابن كثير ينبغي أن يفهم ويوجه الإجماع المنقول عن كفر من تحاكم إلى الياسق على الإجماع السابق الذي ذكره السمعاني والقرطبي حتى لا تتعارض الإجماعات ومنه فإن إجماع ابن كثير في تكفير التحاكم إلى الياسق يحمل على من فضل هذا الحكم على حكم الله أي قدمه عليه أو استحله كما هو معلوم وهذا ما عليه أكثر أهل العلم
    قال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (المتوفى سنة : 1293)
    في "منهاج التأسيس" ( ص 71): وإنما يحرُم إذا كان المستند إلى الشريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر، وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهوائهم، وكذلك البادية وعادتهم الجارية... فمن استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها؛ فهو كافر)
    وقال العلامة سليمان بن سمحان شارحا ذلك كما في مجموعة الرسائل(3/309) : يعني أن استحل الحكم بغير ما أنزل الله ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله,وأن الحضر لا يعرفون لا يعرفون إلا حكم المواريث,وأن ما هو عليه من السوالف والعادات هو الحق,فمن اعتقد هذا فهو كافر.وأما من لم يستحل هذا,ويرى أن حكم الطاغوت باطل,وأن حكم الله ورسوله هو الحق,فهذا لا يكفر ولا يخرج من الإسلام)
    قلت : وقد بينت معنى الإستحلال في الرد على الشبهة السادسة فليراجع .



    والخلاصة مما سبق :


    جنكيزخان إخترع دينا ونسبه إلى الله تعالى وزعم أنه من وحيه وقد إختار لنفسه الشمس يعبدها ليتقرب إلى الله وطلب من رعيته أن يتقربوا إلى الله بما شاؤوا ثم إنهم كانوا يعتقدون فيه النبوة وأن شرعه موحى من الله ففضلوه على الكتاب والسنة وأعتبروه خير من الإسلام كما صرحوا بذلك ومنه لا علاقة لهذه الأمور الكفرية بالقوانين الوضعية الموجودة الآن فالقياس فاسد إذ أن المتاحكمين إلى القوانين لم يصرحوا على أنها من عند الله ولا على أنها أفضل من شرع الله

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    زعمهم بأن تحكيم القوانين كفر أكبر مخرج من الملة بالإجماع ولو بدون استحلال


    جمال البليدي





    هذا محض افتراء على أهل السنة منشؤه الجهل أو سوء القصد، نسأل الله العافية: وهذا أمر خطير للغاية، يجرئ الناس على تكفير الحكام، ثم تكون الفتن والدماء،ومما يتشبث به هؤلاء المهيجين ما تناقلته المنتديات من كلام مبتور لشيخ الإسلام ابن تيمية حيث نقلوا قولا له رحمه الله دون أن يأتوا به كاملا إنما إختطفوا الكلام من سباقه ولحاقه لأغرضهم الدنيئة نسأل الله العافية وإليكم القول المبتور :
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية"(والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا باتفاق الفقهاء)."

    أقول :
    الرد على هذا الإستشهاد المبتور من عدة أوجه :
    الوجه الأول : الكلام المنقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية كلام مبتور لم يأتوا به كاملا والله أعلم ما الهدف من ذلك؟؟
    وإليك أخي القارئ كلامه كاملا دون بتر(والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة:44] ؛ أي: المستحل للحكم بغير ما أنزل الله".)مجموع الفتاوى" (3/267)

    وهؤلاء المفتونين حذفوا الكلام الأهم في المسألة ألا هو : ( أي: المستحل للحكم بغير ما أنزل الله)
    فهاهو شيخ الإسلام ابن تيمية يشترط الإستحلال ومعلوم أن الإستحلال لا يشترط في الكفر الأكبر إلا عند المرجئة كما هو معلوم فالساب الله تعالى لا نشترط له الإستحلال حتى نقول بكفره وكذلك الساجد للصنم بخلاف تحكيم القوانين فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اشترط الإستحلال حتى تحول الكفر من أصغر(وهو الأصل) إلى أكبر .
    ومنه كلام شيخ الإسلام حجة عليهم ولله الحمد والمنة .
    الوجه الثاني : مصطلح "التبديل" في لغة الفقهاء وعرف العلماء معناه الحكم بغير ما أنزل الله على أنه من شرع الله، وفي ذلك يقول ابن العربي في "أحكام القرآن" (2/624): "إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل يوجب الكفر". ولو أتم هؤلاء كلام ابن تيمية إلى آخره لوجد ذلك واضحًا بعد سطور؛ إذ يقول في بيان أوضح من فلق الصبح: "والشرع المبدل: هو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين، فمن قال: إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع". والحكام بالقوانين الوضعية لَمْ يبدلوا الشرع المجمع عليه، ذلك بأنَّهُم لَمْ ينسبوا هذه القوانين إلى الشريعة الإسلامية، فهاهم أولاء يصرحون بأنَّهَا نتاج العقول البشرية: بريطانية كانت، أو فرنسية.
    ومن هذين الوجهين يتبين أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حجة عليك لا لك ويؤيد ذلك :
    الوجه الثالث : وهناك قول صريح لشيخ الإسلام ابن حيث يقول' "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر.فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر.فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل.وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم.بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعادتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية(أي عادات من سلفهم) وكانوا الأمراء المطاعون ويرون أن هذا الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر.فإن كثير من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون.فهؤلاء إذا عرفوا أنه يجوز لهم الحكم بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك. بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار)) اه من منهاج السنة.

    قلت: هاهو شيخ الإسلام ابن تيمية يشترط الإستحلال بكل وضوح الذي هو الإعتقاد بإستباحة ذلك الفعل المحرم بدليل أنه قال"ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر.فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر."
    فهل بعد هذا شك
    الوجه الرابع : سلمنا لكم جدلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ادعى الإجماع على أن تحكيم القوانين كفر أكبر(رغم ان هذا باطل من الأوجه الثلاثة المذكورة آنفا فإن كلامه مردود عليه بأقوال أهل العلم الذين إشترطوا الإستحلال (العقدي) ومنه كلامه حتى لو كان كما فهمه هؤلاء المفتونين فإنه لا يغير من حقيقة الخلاف الظاهر الجلي في المسألة لا من قريب ولا من بعيد (فإن مسألة الحكم بالقوانين الوضعية تعد من المسائل الكبيرة الشائكة التي اشتد نزاع أهل العلم فيها في هذا العصر-وإن كنت لا أرى أنها من مسائل الخلاف المعتبر-؛ حيث ذهب فريق من أهل العلم -كالأخوين شاكر، وابن إبراهيم (على قول)، وابن عثيمين (في القديم)، والفوزان، والشيخ بكر أبي زيد- إلى أن تحكيم القوانين الوضعية كفر أكبر يخرج من ملة الإسلام، وذهب آخرون -كابن باز، والألباني، وابن عثيمين (في الأخير)، والعبَّاد، والسدلان- إلى أن تحكيم القوانين الوضعية كفر أصغر لا يخرج من ملة الإسلام.)
    وسأنقل لكم في ردي على الشبهة الخامسة كلام أهل العلم الذين إشترطوا الإستحلال في المسألة إن شاء الله.
    تنبيه: العلماء الذين اعتبروا تحكيم القوانين كفر أكبر لم يكفروا الحكام إذ أن هناك فرق بين النوع(الفعل) والمعين(الفاعل) فليس كل من وقع في الكفر يعتبر كافرا حتى تتوفر فيه الشروط وتنتفي منه الموانع ومن هذه الشروط إقامة الحجة وإزالة الشبهة فقد يكون الواقع في الكفر جاهلا أو متأولا فلا يقع عليه الكفروما يدل على هذا:
    (الحديث -الصحيح- الذي فيه قصة الرجل الذي اعتقد عدم قدرة الله أن يجمعه بعد إحراق نفسه!؛ بل اعتقد ألا يعيده أيضًا (=إنكار البعث)؛ فهذا اعتقد ما هو كفر بإجماع المسلمينعامتهم قبل خاصتهم؛ فكل الناس -حتى اليهود والنصارى- يعرفون تمامًا قدرة الله على كل شي، كما يعلمون -يقينًا- بأنهم مبعوثون؛ فإن ذلك من (أظهرالأمور) عند كل المؤمنين الذين بعث فيهم الأنبياء، ومع ذلك فقد عذره الله هذا الرجل بجهله المعلوم بالضرورة.
    قال شيخ الإسلام –في "مجموع الفتاوى" (11/ 409)-:
    «فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق؛ فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك. وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت؛ كُفْرٌ!. لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه (جاهلا) بذلك (ضالا في هذا الظن مخطئا)؛ فغفر الله له ذلك. والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد؛ وذلك كفر!. ((إذا قامت حجة النبوة)) على منكره؛ حُكِمَ بكفره»اهـ. وانظر -للأهمية- تعليق شيخ الإسلام (11/ 411- 413) على قول عائشة للنبي ضلى الله عليه وسلم -كما في قصة استغفاره لأهل البقيع-: «هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟!!!».

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    لا بد من الاخوة الحذر قبل نقل اي كلام يجدونه و خاصة خطاب الخوارج المقعدة و الذين يحومون حول مسألة تكفير الحاكم بكل الوسائل للدعوة للخروج عليه ، فيحدثون بذلك من الفتن و سفك الدماء ما لا يقبله الشرع. و انهم لشر الخلق فاحذروهم

    للمزيد : http://almenhaj.net/aqsam.php?catid=69

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: العروة الثقى

    عذرا فانا لم اقل بوجوب الخروج على الحاكم وسفك الدماء .
    ولم اقل عن اعيان الحكام كفار .
    بل ان مدار بحثي هو وجوب اقامة شرع الله ( الخلافة - العروة الوثقى ).
    انها فرض تقوم به كثير من الفروض , انها تاج الفروض . ويجب ان نقوم بالفرض فهذا امر ربنا عزوجل

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    المشكلة ليست في مدار البحث اخي لكن في ما نقلته فقد قلت بتكفير الحاكم فانتبه لذلك

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: العروة الثقى

    لا استطيع ان اكفر عموم الحكام الذين لا يحكمون بما انزل الله, وتكفير اعيان الحكام لا اقدر عليه ,
    لكن الفرض منصب على وجوب تحكيم شرع الله ( اقامة الخلافة )

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جمال الغانم مشاهدة المشاركة
    لا استطيع ان اكفر عموم الحكام الذين لا يحكمون بما انزل الله, وتكفير اعيان الحكام لا اقدر عليه ,
    لكن الفرض منصب على وجوب تحكيم شرع الله ( اقامة الخلافة )
    قد نقلت لك ما ينقض ما جئت به فراجعه و ما تستدل به هو نفس ما استدل به الخوارج فلاحظ ذلك فكلامك لا يتكلم عن وجوب اقامة الشرع انما الخروج على الحكام و ذلك ظاهر

    وبناءً على ماتقدم من أقوال العلماء والفقهاء يتضح ، أن تغيير قواعد نظام الحكم الإسلامي وإبدالها بقوانين تشريعية وضعية ، يعتبر من الكفر البواح ، الذي يستوجب معه عزل الإمام عن سلطته، ولو أدى ذلك إلي قتاله
    هذا باطل قطعا هذا قول الخوارج و المعلوم عند اهل العلم التفريق حسب الاستحلال

    اذن ما كبته كلام خوارج بلا منازع في ذلك و ان كنت لا تنوي ذلك

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: العروة الثقى

    بارك الله فيك وشكرا على التصحيح ,
    وبالمناسبة فالحاكم الذي يعترف انه مستحل للقوانين الوضعية ( مثل مصطفى كمال التركي - الذي اعلن ذلك في اكثر من مناسبة ) ومثله هم المقصودون .
    لان الحاكم قد يكون فاسقا او ظالما حين يحكم بغير ما انزل الله .
    وهناك من طولب بتحكيم الشرع فقال : انتم تريدون اعادتنا الى عصور الظلام .
    وهناك من قال : لن احكم بقانون كان ينفع قبل 1400 سنة ( تريدون اعادتنا 1400 سنة للخلف )

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الثقى

    انظر بداية جواب الشيخ العثيمين رحمه الله :

    وما ذكره من جهة التكفير فهي مسألة كبيرة عظيمة ولا ينبغي إطلاق القول فيها إلا مع طالب علم يفهم
    ويعرف الكلمات بمعانيها ويعرف العواقب التي تترتب على القول بالتكفير أو عدمه ، اما عامة الناس فإن إطلاق
    القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيه مفاسد والذي أرى أولا أن لا يشتغل الشباب في هذه
    المسألة وهل الحاكم كافر أو غير كافر وهل يجوز أن نخرج عليه أو لا يجوز ، على الشباب أن يهتموا
    بعباداتهم التي أوجبها الله عليهم أو ندبهم أليها وأن يتركوا ما نهاهم الله عنه كراهتا أو تحريما وان يحرصوا
    على التالف بينهم والاتفاق وان يعلموا أن الخلاف في مسائل الدين والعلم قد جرا في عهد الصحابة رضي الله
    عنهم ولكنه لم يودي إلى والفرقة و إنما القلوب واحدة والمنهج واحد


    هذه المسائل صعبة جدا و المفروض تركها للعلماء الكبار لكي لا يأتي الانسان بما عواقبه وخيمة او يعتمد على النقول من اهل العلم و لا يفتي فيها برأيه .

    حتى الذي قلته اخيرا ليس مسلما لك به بل المسألة متفرعة جدا و لو اردت ضبطها يجب عليك الرجوع الى واحد من كبار العلماء.


    انصح الاخ ان يدع مثل هدة المسائل و ان يهتم بما هو نافع له كما نصح الشيخ العثيمين رحمه الله اما مسألة الحاكم فهذه نتركها لكبار العلماء فهم اعلم بما يصلح لهذه الامة

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    المشاركات
    447

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    بارك الله فيكم يا جمال الأفغان ، فقد جاوزتم الأستاذ الإمام (ابتسامة)
    أحبابنا كلّ عضوٍ في محبَّتكِم *** كليمُ وجدٍ فهل للوصلِ ميقات
    يا حبَّذا في الصَّبا عن حيّكم خبرٌ ***وفي بروقِ الغضَا منكم إشارات

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    من باب الفائدة قال الشيخ سليمان العلوان "فك الله أسره وثبته" في شرح تجريد التوحيد المفيد:
    [روى عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن عباس في قوله الله جل وعلا :  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  قال : هي كفر . أي أن الآية على إطلاقها .
    فإن الحاكم بغير شرع الله كافر بترك الحكم بما أنزل الله ، وكافر بالتشريع ، وكافر بالحكم بهذا التشريع ، وكفره بتوحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات حيث يعتاض عن شرع الله بالقوانين الوضعية وآراء اليهود والنصارى .
    ويمكن أن نقسم الحكم بغير ما أنزل الله إلى مراتب :
    المرتبة الأولى: أن يعتقد أن حكم القانون أفضل من حكم الله ، أو أن يجحد حكم الله ، هذا كافر بالإجماع حتى المرجئة يوافقون على هذا الكفر ولكنَّ حصر الكفر بهذا هو مذهب غلاة الجهمية والمرجئة.
    المرتبة الثانية : أن يستحل ذلك وهذا كسابقه كفر حتى عند المرجئة وكفر بالإجماع .
    المرتبة الثالثة : أن يقاتل على هذا الأمر ، أن يحكم بغير شرع الله ويقاتل على هذا الأمر فهذا كفر أكبر ، ويوافق على هذا الكفر بعض طوائف أهل الإرجاء ، لأن القتال يقولون علامة على الاستحلال .
    المرتبة الرابعة : أن يحكم بغير شرع الله مع اعتقاده أن شرع الله أفضل وأن حكم الله أفضل ولكن لشهوة غلبته فحينئذٍ نحَّى شرع الله إما موافقةً لداعي الهوى والشيطان أو موافقة لأنظمة ومواثيق هيئة الأمم الجاهلية أو لغير ذلك وحينئذٍ يلغي شرع الله يعطل الجهاد ويلغي العقوبات المترتبة على السارق والزاني ويلغي التحاكم إلى الشرع في الشؤون الإدارية والاقتصادية ، فيجعلون التحاكم إلى الغرف التجارية وشبهها ويلغون التحاكم في شؤون العمل والعمال إلى شرع الله ويجعلون التحاكم إلى نظام العمل والعمال وهو نظام جاهلي في أكثر مواده .
    هذا كفر أكبر بإجماع أهل العلم كما نقل الإجماع على ذلك إسحاق والإمام ابن حزم والحافظ ابن كثير رحمه الله في المجلد الثالث من البداية والنهاية في ترجمة جنكيز خان لعموم قول الله جل وعلا:  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون  .
    والمروي عن ابن عباس (( كفر دون كفر )) هذا لا يصح عنه رواه الحاكم في المستدرك من طريق هشام بن حُجير عن طاووس عن ابن عباس . وهشام ابن حجير ضعيف ضَّعفه ابن أحمد ويحيى وطوائف ، وقد خُولف في الإسناد فرواه عبد الله بن طاووس عن أبيه في غير ما رواه هشام . وعبد الله بن طاووس أوثق من هشام فرواية هشام منكرة لا يحتج بها . على أنه لو صح هذا الأثر قد نزله جماعة من أهل العلم على قضايا خاصة ليست من قضايا التشريع وليست في قضايا الاستبدال ، إنما هي في بعض قضايا الترك بدافع الهوى لا في قضايا التشريع لأن التشريع بحد ذاته كفر .
    وهذا النوع ينازع فيه كثير من المتأخرين ويقولون: كفر دون كفر ويجعلون هذا القول أي أنه كفر من أقوال الخوارج ويحامون عن الحكام المشرعين ويعذِّرون عنهم بما لا يعذِّرون عن أهل العلم وحماة التوحيد ، ولهذا أسباب منها : الأمر الأول: قد يكون الدافع هو الهوى والشياطين .
    الأمر الثاني : قد يكون الدافع هو الجهل بحقيقة المسألة وعدم تصورها على الوجه الأكمل .
    الأمر الثالث : قد يكون الدافع هو الإرجاء فإن بعض الطوائف المنحرفة عن شرع الله لا تكفر في ترك جنس العمل مطلقاً . وهذا هو مذهب غلاة الجهمية والمرجئة .
    الأمر الرابع : قد يكون الدافع هو التأويل . أي أنهم متأولون في هذه القضية هذا الذي بلغ ووصل إليه علمهم واجتهادهم ، فحينئذٍ يعذرون بذلك إذا كان عن محض اجتهاد وعن محض تأويل ، ولكن ليس لهم حق رمي الآخرين بمذهب الخوارج وهم معتصمون بكتاب الله وبالإجماع المنقول عن أكابر أهل العلم.

    والحديث عن هذه القضية يطول ذكره . وقد قال الله جل وعلا عن المؤمنين وعن المنافقين ، قال تعالى عن المنافقين:  ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين  الله جل وعلا نفى الإيمان عمن دُعِي إلى التحاكم إلى شرع الله فأبى يوضح ذلك قـوله:  وإذا دعو إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون  ، وبينما قال الله جل وعلا عن المؤمنين:  إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون  حين نفى الله جل وعلا الفلاح عـن المنافقين الذين يتحاكمون لغير شرعه ويأبـون التحـاكم إلى شرع الله أثبت الفلاح لمن سمعوا داعي الله يدعو إلى الإيمان والتوحيد والتحاكم
    فقالوا (( سمعنا وأطعنا )) فلا يضربون لشرع الله جل وعلا الأمثال .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    وهذا النوع ينازع فيه كثير من المتأخرين ويقولون: كفر دون كفر ويجعلون هذا القول أي أنه كفر من أقوال الخوارج ويحامون عن الحكام المشرعين ويعذِّرون عنهم بما لا يعذِّرون عن أهل العلم وحماة التوحيد ، ولهذا أسباب منها : الأمر الأول: قد يكون الدافع هو الهوى والشياطين .
    الأمر الثاني : قد يكون الدافع هو الجهل بحقيقة المسألة وعدم تصورها على الوجه الأكمل .
    الأمر الثالث : قد يكون الدافع هو الإرجاء فإن بعض الطوائف المنحرفة عن شرع الله لا تكفر في ترك جنس العمل مطلقاً . وهذا هو مذهب غلاة الجهمية والمرجئة .
    الأمر الرابع : قد يكون الدافع هو التأويل . أي أنهم متأولون في هذه القضية هذا الذي بلغ ووصل إليه علمهم واجتهادهم ، فحينئذٍ يعذرون بذلك إذا كان عن محض اجتهاد وعن محض تأويل ، ولكن ليس لهم حق رمي الآخرين بمذهب الخوارج وهم معتصمون بكتاب الله وبالإجماع المنقول عن أكابر أهل العلم.

    اعوذ بالله من كلام مثل هذا ايقال هذا في العثيمين و بن الباز و الالباني رحمهم الله ؟ يتبعون الهوى ام هم جهال ؟ هل هم مرجئة ؟


    استغفر الله ارجوا من الاخ ان يتدارك مشاركته فمثل كلام كهذا لا يصدر الا من جاهل او من غلاة الخوارج

    و ها انا انقل الرد على هؤلاء الخوارج:


    النشرة الأولى :
    الجواب على هذه الشبهة بجوابين مجمل ومفصل.
    أما الجواب المجمل : أن التكفير بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل المختلف فيها ، فقد ذهب الإمامان ابن باز والألباني – رحمهما الله- إلى أنه كفر أصغر لا أكبر.
    فنشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها (6156 ) بتاريخ (12/5/1416هـ ) لسماحة المفتي عبد العزيز بن باز مقالاً قال فيه :" اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –وفقه الله- المنشور في جريدة الشرق الأوسط وصحيفة المسلمون الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيها الحق،وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح – وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس –رضي الله عنهما – وغيره من سلف الأمة. ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(، )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(، )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(ه الصواب، وقد أوضح –وفقه الله – أن الكفر كفران أكبر وأصغر،كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا أو الربا أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر وظلمه ظلماً أصغر، وهكذا فسقه ا.هـ

    وهذا ما عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ، فقد أجابت في فتوى رقم (5741) على سؤال،أورد إليك نصه وجوابه :
    س: من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفراً أكبر وتقبل منه أعماله ؟

    ج: قال تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(و ال تعالى)وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (وقال تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك ؛ فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملّة ؛كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة.[1]

    وقال سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز – رحمه الله -: من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:
    1- من قال: أنا أحكم بهذا – يعني القانون الوضعي – لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهو كافر كفراً أكبر.
    2- ومن قال: أنا أحكم بهذا؛ لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
    3- ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر .
    4- ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر. ا.هـ[2]
    فإذا تقرر أنها مسألة اجتهادية فإن التكفير للأعيان لا يكون في المسائل المتنازع فيها بين أهل السنة أنفسهم ، وإن الخلاف مانع من تكفير المعينين.
    قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: أركان الإسلام خمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان ا.هـ [3]
    وقال النووي في كتابه " رياض الصالحين "في تفسير ( بواحاً ) أي ظاهراً لا يحتمل تأويلاً.
    وتنازعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير ؛ لأن للمكفر أن يأخذ قول العلماء الآخرين بما أن الخلاف سائغ بين أهل السنة وهم من أهل السنة.
    وقد نص –أيضاً- على أن التكفير لا يكون في المتنازع فيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مواضع من اللقاء المفتوح. بل و قال - رحمه الله- في " شرح القواعد المثلى": وكثير من الناس- اليوم- ممن ينتسبون إلى الدين وإلى الغيرة في دين الله- عز وجل- تجدهم يكفّرون من لم يكفّره الله- عز وجل- ورسوله ، بل- مع الأسف - إن بعض الناس صاروا يناقشون في ولاة أمورهم، ويحاولون أن يطلقوا عليهم الكفر، لمجرد أنهم فعلوا شيئا يعتقد هؤلاء أنه حرام، وقد يكون من المسائل الخلافية، وقد يكون هذا الحاكم معذوراً بجهله، لأن الحاكم يجالسه صاحب الخير وصاحب الشر، ولكل حاكم بطانتان، إما بطانة خير، وإما بطانة شر، فبعض الحكام- مثلا- يأتيه بعض أهل الخير ويقولون: هذا حرام، ولا يجوز أن تفعله، ويأتيه آخرون، ويقولون: هذا حلال ولك أن تفعله! ولنضرب مثلا في البنوك، الآن نحن لا نشك بأن البنوك واقعة في الربا الذي لعن النبي- صلى الله عليه وسلم- آكله، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وأنه يجب إغلاقها واستبدال هذه المعاملات بالمعاملات الحلال، حتى يقوم- أولاً- ديننا ثم اقتصادنا- ثانياً-... فالتعجيل في تكفير الحكام المسلمين في مثل هذه الأمور خطأ عظيم، ولا بد أن نصبر فقد يمكن أن يكون الحاكم معذورا!
    فإذا قامت عليه الحجة وقال: نعم هذا هو الشرع، وأن هذا الربا حرام، لكن أرى أنه لا يصلح هذه الأمة في الوقت الحاضر إلا هذا الربا ! حينئذ يكون كافراً لأنه اعتقد أن دين الله في هذا الوقت غير صالح للعصر، أما أن يشبّه عليه ويقال:- هذا حلال - يعنى: الفقهاء قالوا كذا! ولأن الله قال- كذا-!! فهذا قد
    يكون معذوراً، لأن كثيراً من الحكام المسلمين الآن يجهلون الأحكام الشرعية- أو كثيراً من الأحكام الشرعية - فأنا ضربت هذا المثل حتى يتبين أن الأمر خطير،وأن التكفير يجب أن يعرف الإنسان شروطه قبل كل شيء ا.هـ
    ومثله التفسيق لا يكون فيما تنازع فيه علماء السنة، فمن رأى أن علة جريان الربا في الأصناف الأربعة هي الطعم مع الكيل أو الوزن، فليس له أن يفسق العامي المقلد لعالم معتبر يرى أن علة الربا في الأصناف الأربعة هي الادخار زيادة على الطعم مع الكيل أو الوزن إذا تبادل على وجه الزيادة فيما ليس مما يدخر .
    ومما يؤكد هذا أن الحدود تدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يدرأ عن المعين بشبهة الخلاف، والله أعلم.

    أما الجواب المفصل:
    إن ترك الحكم بما أنزل الله على شناعته وسوئه ليس كفراً أكبر، وإنما هو أصغر كما صرح بذلك سادات الأمة من علماء السنة – كما سيأتي -، وكونه أصغر لا أكبر ليس معناه التساهل به؛ لأنه لو لم يكن من قبحه إلا وصف الشريعة له بأنه كفر لكفى، فإليك الأدلة وأقوال علماء الأمة ومنهم الإمامان عبدالعزيز ابن باز ومحمد ناصر الدين الألباني – رحمهما الله - في تقرير كونه كفراً أصغر لا أكبر.
    اتفق العلماء على أن مِنْ الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً من الملة كأن يكون جحوداً أو استحلالاً - على ما سيأتي تفصيله – ومنه ما ليس كفراً كأن يظلم الأبُ أحدَ ابنيه ولا يعدل بينهما فإنه بهذا يكون قد حكم بينهما بغير ما أنزل الله إذ الحكم بين الأبناء من جملة الحكم فإن كان عدلاً فهو بما أنزل الله وإن كان ظلماً فهو بغير ما أنزل الله.
    قال ابن تيمية :"وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ سواءً كان صاحب حربٍ أو متولي ديوان أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدُّونه من الحكام … ا. هـ[4]
    والحكم بغير ما أنزل الله حالاتٌ، لكن هناك حالةٌ كثُر الكلام فيها وهي إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنى قوانين وُضعت قَبله وهو مع هذه الحالة معترفٌ بالعصيان والخطيئة فهل مثلُ هذا يُعد كفراً مخرجاً من الملَّة أم لا ؟
    وقبل ذكر أدلة كل طائفة أحرِّر محل النزاع وهو يتلخص فيما يلي:
    1-أن يجحد الحاكمُ حكمَ الله سبحانه وتعالى ومعنى الجحود أنه يكذِّب وينكر أن هذا حكم الله عز وجل وهذا كفرٌ بالاتفاق قال تعالى )وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْ هَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً… ( وقال سبحانه )فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ… ( وكفرُ الجحود نوعان : كفرٌ مطلقٌ عامٌّ وكفرٌ مقيَّدٌ خاص. والخاص المقيَّد :أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته … ا. هـ [5]

    والفرق بين التكذيب والجحود من وجهين :
    أ/ أن كفر الجحود تكذيب اللسان مع علم القلب.
    ب / أن كفر الجحود مصحوب بالعناد.[6]

    2- أن يجوِّز الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى :- وهذا هو الاستحلال وهو كفرٌ بالاتفاق، قال ابن تيمية : والإنسان متى حلَّل الحرام - المجمع عليه أو حرَّم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله تعالى على أحد القولين )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(أ هو المستحلُّ للحكم بغير ما أنزل الله. ا.هـ [7]
    وقال: وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافرٌ بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن مَنْ استحلَّ محارمه ـ ا.هـ[8].
    وقال : ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافرٌ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافرٌ … ا. هـ[9]
    ومما يدل على أن الاستحلال كفرٌ أيضاً ما يلي:
    أ- قوله تعالى )إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَه ُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ… ( قال ابن حزم : وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون البتة إلا منه لا من غيره فصحَّ أن النسيء كفرٌ وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله تعالى فمن أحلّ ما حرم الله تعالى وهو عالمٌ بأن الله تعالى حرمه فهو كافرٌ بذلك الفعل نفسِهِ … ا. هـ[10].
    ب- قوله تعالى )وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُم ْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(ق ل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن : كيف حكم على أن من أطاع أولياء الشيطان في تحليل ما حرم الله أنه مشرك وأكـد ذلك بإنّ المؤكدة … ا.هـ[11].
    ج- قوله تعالى )أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ… (قال ابن كثير : إنهم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وتحليل الميتة والدم والقمار…إلى قوله: من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأقوال الفاسدة ا. هـ[12]
    وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله يقول ابتدعوا لهم من الدين ما لم يُبحِ الله لهم ابتداعه. ا. هـ[13] لذا درج جماعةٌ من العلماء [14]على ذكر الآية من الأدلة على تحريم البدع – التي هي تشريع أمور جديدة يزعم صاحبها أنها من الدين ليُتعبد الله بها - ومن هذا يتبين خطأ المستدلين بالآية على تكفير من شرع أحكاماً غير حكم الله ووجه خطأ استدلالهم أن الآية كفرت من جمع بين وصف التشريع والزعم أنه من الدين وهذا هو المسمى بالتبديل - كما سيأتي- أما التشريع وحده دون زعم أنه من الدين فلم تحكِ الآية كفره فتنبه.
    3-أن يسوِّي الحاكم حكم غير الله بحكم الله جل جلاله : وهذا كفرٌ مخرجٌ من الملّة كما قال تعالى )فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ(وق ل )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ٌ(وقال )هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (وقال )فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً(.
    4-أن يفضِّل حكم غير الله على حكم الله سبحانه وتعالى : وهذا كفرٌ مخرجٌ من الملَّة إذ هو أولى من الذي قبله فهو تكذيبٌ لكتاب الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى )وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (.
    5- أن يحكم بغير ما أنزل الله على أنه حكم لله، وهذا كفر أكبر بالإجماع قال تعالى )أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ( فجمعوا بين التشريع وزعمه من الدين فهذا يسمى تبديلاً.
    وبعد تحرير ما أظنُّه مورد النـزاع انتقل إلى ما كثُر فيه الخلاف وهو إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنَّى قوانين وضعت قبله مع اعترافه بالعصيان ومخالفة أمر الرحمن سبحانه فهل مثل هذا الحاكم يصير كافراً مرتداً عن الدين ؟ سأورد المسألة على وجه المناظرة ليسهل تصورها من حيث الدليل ومن لا يكفر في هذه المسألة أصفه ( بالمفسِّق ) ومن يكفِّر أصفه ( بالمكفِّر ).

    قال المفسِّق : إن الأصل في المعاصي والذنوب عدم الكفر إلا بدليل شرعي خاص، فإن ذكرت دليلاً يدل على التكفير ولم أستطع الإجابة عليه، فليس لي إلا المصير إلى قولك ويكفيك في إثبات الكفر دليلٌ واحدٌ صحيحٌ من جهة الثبوت والدلالة ، وإن لم تصح أدلتك إما من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة ، فإنه يلزمك الرجوع إلى الأصل وهو عدم التكفير مع اتفاقنا أنه واقعٌ في ذنبٍ خطير؛ حسب هذا الذنب خطورة تسمية الشريعة صاحبه كافراً تنازع الناس في إخراجه من الملة .
    قال المكفِّر : عندي أدلةٌ كثيرة متنوعةٌ من الكتاب والسنة والإجماع والعقل دالةٌ على أن الكفر أكبر ولكن لتكن طريقتنا في المباحثة دراسة كلِّ دليلٍ وحده ، فإن سلَّمتَ بصحة دلالة دليلٍ واحدٍ من حيث الثبوت والدلالة فليتوقف البحث لأن المقصود قد حصل . وقد ذكرتَ أن دليلاً واحداً يكفي لإثبات ما أريد .
    قال المفسِّق : هات الأدلة مستعيناً بالله .
    قال المكفِّر:الدليل الأول قوله تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (
    وجه الدلالة: أن الله حكم على الذي لم يحكم بما أنزل الله بأنه الكافر فرتَّب وصفه بالكافر على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله دون نظرٍ لاعتقاد فدلَّ على أن علَّة هذا الحكم كونه لم يحكم بما أنزل فحسب ولا يصحُّ لك أن تحمل وصف الكافر هنا على الكفر الأصغر لأن الحافظ الإمام ابن تيمية حكى بعد الاستقراء لنصوص الشريعة أن الكفر المعرَّف لا ينصرف إلا إلى الأكبر[15]، ثم ذكر هو وغيره أن الأصل في الكفر إذا أطلق انصرف إلى الأكبر إلا بدليل إذ الأصل في اللفظ إذا أُطلق في الكتاب والسنة انصرف إلى مسماه المطلق وحقيقته المطلقة وكماله [16].
    قال المفسِّق : لقد ذكرت في ثنايا كلامك حججاً ثلاثاً :
    1- أن الشارع علَّق الحكم بمجرد التحكيم دون النظر للاعتقاد .
    2- أن اللفظ إذا أُطلق في الشريعة انصرف إلى كماله إلا بدليل .
    3- أن ابن تيمية استقرأ لفظ الكفر في الشريعة وتبين له أنها لا تنصرف إلا إلى الأكبر دون الأصغر .
    والجواب على الحجة الأولى يكون بما يلي :
    أ*- لا أخالفك أن الشارع علّق الحكم بوصف( الكافر ) على مجرد التحكيم بغير ما أنزل الله لكنني أقول بأن الكفر هنا أصغر لا أكبر للأدلة التالية:
    1- أن الأخذ بعموم الآية يلزم منه تكفير المسلمين في أي حادثةٍ لم يعدلوا فيها بين اثنين حتى الأب مع أبنائه بل والرجل في نفسه إذا عصى ربه ؛ لأن واقعه أنه لما عصى ربه لم يحكم بما أنزل الله في نفسه[17] ووجه هذا اللازم أن لفظة ( مَنْ ) عامةٌ تشمل كل عالم[18] ( وما ) عامة تشمل كل ما ليس بعالم ومن لم يعدل بين بنيه داخلٌ في عموم (من) ومسألته التي لم يعدل فيها داخلةٌ في عموم ( ما) .
    فالنصوص الدالة على عدم كفر مثل هذا وكل عاصٍ تكون صارفةً للآية من الأكبر إلى الأصغر لأجل هذا أجمع العلماء على عدم الأخذ بعموم هذه الآية، إذ الخوارج هم المتمسكون بعمومها في تكفير أهل المعاصي والذنوب ولم يلتفتوا إلى الصوارف من الأدلة الأخرى .
    قال ابن عبد البر : وقد ضلَّت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بآيات من كتاب الله ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (. ا . هـ [19].
    وقال: أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمَّد ذلك عالماً به…ا.هـ[20]
    وقال محمد رشيد رضا :" أما ظاهر الآية لم يقل به أحدٌ من أئمة الفقه المشهورين . بل لم يقل به أحدٌ قط " ا . هـ[21] فلعلَّه لا يرى الخوارج أيضاً متمسكين بظاهر الآية لكونهم لا يكفِّرون بالصغائر وظاهر الآية تشمل حتى الصغائر .
    وقال الآجري: ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل )وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( ويقرءون معها )ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ( فإذا رأوا الإمام الحاكم يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر ، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون ، فيخرجون فيفعلون ما رأيت ؛ لأنهم يتأولون هذه الآية ا.هـ[22] .
    وقال الجصاص :" وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود . ا هـ[23]
    وقال أبو حيان :" واحتجت الخوارج بهذه الآية على أن كل من عصى الله تعالى فهو كافرٌ وقالوا هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ا.هـ[24]
    انظر – يا رعاك الله – توارد كلمات علماء الأمة في ذم الأخذ بعموم الآية وأنه مذهب الخوارج ، فكن حذراً.
    2- أنه ثبت عن ترجمان القرآن تفسير الآية بالكفر الأصغر دون الأكبر وليس لنا أن نخالفه (و الاثر ثابت صححه جهابذة علكم الحديث على عكس ما ذكره سليمان العلوان و الالباني اعلم منه في هذا الميدان ارجع لمناقشاتنا السابقة في المجلس فقد درسنا هذا الاثر)
    قال المكفِّر : لا أسلِّم لك صحة الاستدلال بأثر ابن عباس لا من حيث السند ولا المتن .
    أما من حيث السَّند فإن ما جاء عن ابن عباس صريحاً في إرادة الكفر الأصغر لا يثبت كقوله " كفرٌ لا ينقل عن الملة " فإن هذا الأثر رواه ابن نصر[25] من طريق عبد الرزاق عن سفيان عن رجلٍ عن طاووس عن ابن عباس به ، وفي إسناده رجل مُبهمٌ فهو من أنواع المجهول ورواية المجهول ضعيفةٌ لا يُحتجُ بها وكقوله – رضي الله عنهما –" ليس بالكفر الذي تذهبون إليه " فقد رواه ابن نصر[26] من طريق ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباسٍ به وهشام بن حجير قد ضعفه يحيى القطان وابن معين وغيرهما . فعلى هذا يكون الأثر ضعيفاً وكقوله – رضي الله عنهما – " كفرٌ دون كفرٍ " فقد أخرجه الحاكم من طريق ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس به وهذا الأثر ضعيفٌ لضعف هشام بن حجير .
    يتبع...



    [1]اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو : عبد الله بن غديان نائب رئيس اللجنة :عبد الرزاق عفيفي الرئيس : عبد العزيز بن عبد الله بن باز وانظر للاستزادة مجموع فتاوى ومقالات ابن باز(3/990-992 ) وما نقلته مجلة الفرقان عن الشيخ ابن باز العدد (82، 94).


    [2]قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال ص72 – 73

    [3] الدرر السنية (1/102).

    [4]مجموع الفتاوى ( 18/170 ).

    [5]أفاده ابن القيم في المدارج (1/367 ).

    [6]راجع المدارج ( 1/366 ) ونوا قض الإيمان الإعتقادية (2/60 ).

    [7]مجموع الفتاوى (3/267).

    [8]الصارم المسلول (2/971 ).

    [9]منهاج السنة ( 5/130 ).

    [10]الفِصَل (3/204 ).

    [11]الرسائل والمسائل النجدية (3/46 ). وبنحو هذا فسَّره ابن كثير في تفسيره ( 3/329 ).

    [12] التفسير ( 7/198 ).

    [13] التفسير ( 25/14 ).

    [14]كما فعله ابن تيمية في مواضع منها في أوائل كتاب الاستقامة (1/5) والاقتضاء (2/582).

    [15]انظر الاقتضاء ( 1/211 ) وشرح العمدة قسم الصلاة (82) .

    [16]انظر مجموع الفتاوى (7/668 ) والرسائل والمسائل النجدية ( 3/7) وشرح العمدة قسم الصلاة لابن تيمية ص 82 .

    [17] قال ابن حزم في الفصل ( 3/ 234): فإن الله عز وجل قال : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومن لم يحكم بما أنز الله فأولئك هم الفاسقون ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . فليلزم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله ا.هـ

    [18]درج كثير من العلماء أن يعبر بكلمة (عاقل ) بدل (عالم) لكن عالم أدق لأن (مَنْ ) أطلقت على الله ، فالله يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل .قال الخطابي في كتاب شأن الدعاء ص113 :وفي أسمائه العليم ومن صفته العلم ، فلا يجوز قياساً عليه أن يسمى عارفاً لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء وكذلك لا يوصف بالعاقل ..ا.هـ .

    [19]التمهيد (17/16) .

    [20]التمهيد (5/74-75 ) .

    [21]تفسير المنار (6/406) .

    [22] الشريعة ص27.

    [23]أحكام القرآن ( 2/534 ) .

    [24]البحر المحيط ( 3/493 ) .

    [25]تعظيم قدر الصلاة رقم ( 573 ) .

    [26]رقم ( 569 ) .

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    قال المفسِّق : ما ذكرته من البحث الإسنادي أنا مسلِّمٌ به ولم يكن اعتمادي على هذه الآثار الضعيفة في تثبيت هذا القول عن ابن عباس وإنما مُعتَمدي ما يلي : أن هذين الأثرين الصحيحين عن ابن عباس محتملان للكفر الأصغر أو الأكبر ، فرجحت احتمال إرادة الأصغر لثلاثة أمور:

    أ - أن أصحاب ابن عباس كطاووس صرَّحوا بأن المراد بالآية كفر لا ينقل عن الملة بإسناد صحيح رواه ابن نصر28 وابن جرير في تفسيره . فهذا يغلِّب جانب احتمال إرادة الكفر الأصغر فيصير من باب الظن الغالب وهو كافٍ للاستدلال فإن أقوال أصحاب الرجل توضِّح قوله بل قد يُعلُّ ويُضعَّف قول الرجل إذا كان أصحابه على خلاف قوله كما فعل يحيى بن سعيد في تضعيف قولٍ لابن مسعود لأن أصحابه على خلافه29.

    ب - أنني لا أعرف أحداً من العلماء الماضين جعل قولا آخر لابن عباس بناءً على هذه الرواية وإنما من جعل منهم لابن عباس قولا آخر اعتمد على ما روي عنه من أنه فسر الآية بالجحود وإسناده ضعيفٌ ثم أيضاً مما يقوِّي عدم إرادة ابن عباس الكفر الأكبر أن فتنة الخوارج في زمانه وكانوا متمسكين بهذه الآية في التكفير وكانت له معهم مناظراتٌ فتفسير الآية بالكفر الأكبر لا فائدة منه في الرد عليهم فتنبه هُديت الرُّشد .

    ج- أن الرواية الضعيفة التي فيها التصريح بأنه كفر دون كفر ليس ضعفها شديداً ، فإنه قد وثق بعض أهل العلم هشام بن حجير فيعتضد بها في بيان معنى الآثار الصحيحة وأن المراد بها كفر أصغر .30

    قال المكفِّر : لقد أجبت على الحجة الأولى فما جوابك على الحجة الثانية ؟

    قال المفسِّق : إنك تجعل الأصل في الكفر أنه للأكبر إلا بدليل يصرفه عن ذلك ، وقد ذكرتُ لك الدليل الصارف من الأكبر إلى الأصغر وهو فهم الصحابي أولاً .

    وثانياً كل دليل يدل على عدم كفر من ظلم بين اثنين ولم يعدل بل ومن ظلم مطلقاً غيره وأيضاً ما ذكر ابن عبد البر من الإجماع على أن الجور في الحكم ليس كفراً بل كبيرةً من كبائر الذنوب .

    قال المكفِّر : ما جوابك على الحجة الثالثة ؟

    قال المفسِّق : الجواب من وجهين :

    أ – أن استقراء ابن تيمية كان على لفظة ( الكفر ) وهي مصدرٌ والذي ورد في الآية ليس مصدراً وإنما اسم فاعل وفرق بينهما إذ المصدر يدل على الحدث وحده أما اسم الفاعل فهو يدل على الحدث والفاعل31 أفاده بمعناه العلَّامة محمد بن صالح العثيمين 32 .

    ومما يدل على أن استقراءه راجع إلى المصدر دون اسم الفاعل أنه هو نفسه جعل الآية من الكفر الأصغر قال – رحمه الله -:" وإذا كان من قول السلف :إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق ، فكذلك في قولهم : إنه يكون فيه إيمان وكفر ، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملّة ، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  قالوا : كفروا كفراً لا ينقل عن الملة ، وقد أتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة ا.هـ33 .

    ب - على فرض أن استقراء ابن تيمية يشمل اسم الفاعل فسُيقال إن استقراء ابن تيمية قاصر ناقص ليس تاماً لكون هذه الآية جاءت معرَّفةً وأريدَ بها الكفر الأصغر دون الأكبر لما سبق من الأدلة .

    وبعد الإجابة على حججك الثلاث وإثبات أن الآية محمولةٌ على الكفر الأصغر ألفت نظرك – يا صاحبي – إلى أن الآية قد يُراد بها الكفر الأكبر وذلك في حق من بدل حكم الله بحكم غيره وبعض الناس لا يعرف معنى كلمة بدل فيظنها تشمل كل من حكم بغير حكم الله و كلمة بدَّل في كلام أهل العلم هو أن يضع حكماً غير حكم الله زاعماً انه حكم الله أما من وضع حكماً غير حكم الله ولم يزعم أنه حكم الله فليس مبدلاً .

    قال ابن العربي :" وهذا يختلف: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر … ا .هـ34

    وبمثله قال القرطبي 35 وإليه أشار الإمام ابن تيمية فقال: ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معان: " الشرع المنزل " وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا يجب اتباعه ، ومن خالفه وجبت عقوبته . والثاني " الشرع المؤول" وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه . فهذا يسوغ اتباعه ولا يجب ولا يحرم ، وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به ، ولا يمنع عموم الناس منه . والثالث " الشرع المبدل " وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها ، والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع . كمن قال : إن الدم والميتة حلال – ولو قال هذا مذهبي – ونحو ذلك ا.هـ36

    فلاحظ أنه جعل الشرع المبدل الكذب على الله بزعم أنه من شرع الله لا تغيير الحكم مطلقاً .

    وما رواه مسلم سبباً لنزول هذه الآية من حديث البراء بن عازب هو تبديلٌ إذ زعم اليهود أنهم يجدون حد الزنى في كتابهم التحميم والواقع أن حد الزنى في كتابهم الرجم لكنهم غيروه إلى التحميم مدعين أن التحميم حكم الله المنزل فالآية إما أن تحمل على الأصغر كما سبق أو على الأكبر في حق المبدل .

    قال ابن تيمية :" والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء ، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ا.هـ37 .

    فائدة / كثيراً ما يذكر أهل العلم في كلامهم لا سيما الإمام أحمد بن تيمية – رحمه الله – أن من لم يلتزم هذا فهو كافر . فظن بعضهم أنه يريد المداومة على ترك الواجب أو المداومة على فعل الحرام ، ويسمون هذا غير ملتزم، وهذا الظن خاطئ ، وخطوة من خطوات الشيطان ليجعلهم على فكر الخوارج في مرتكب الكبيرة ، ورد هذا الظن من أوجه:

    1/ بيان معنى ( عدم الالتزام ) من كلام أهل العلم لا سيما الإمام أحمد بن تيمية – رحمه الله - ، وأنه لا يرادف الترك المستمر كما يتصوره بعضهم قال – رحمه الله -: وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين . ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها ا.هـ38

    لاحظ قوله " التزم فعلها ولم يفعلها " يفيد أن معنى الالتزام غير معنى المداومة على الفعل فقد يكون الرجل ملتزماً لها لكنه لا يفعلها ، فالالتزام الذي ينبني على تركه الكفر أمر عقدي قلبي لا فعلي ؛ لذا لما أراد ابن تيميه التعبير بالالتزام الفعلي قيده بوصف (الفعلي ) ثم لم يجعله مكفراً لذاته بل لأمر آخر عقدي فقال – بعد النقل المتقدم -: أن لا يجحد وجوبها ، لكنه ممتنع من التزام فعلها كبراً أو حسداً أو بغضاً لله ورسوله ، فيقول: اعلم أن الله أوجبها على المسلمين ، والرسول صادق في تبليغ القرآن ، ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكباراً أو حسداً للرسول ، أو عصبية لدينه ، أو بغضاً لما جاء به الرسول ، فهذا أيضاً كفر بالاتفاق ، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحداً للإيجاب ، فإن الله تعالى باشره بالخطاب ، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين ا.هـ

    فلاحظ أنه لم يجعل ترك الالتزام الفعلي مكفراً لذاته ، بل لما احتف به اعتقاد كفري، وهو الكبر والحسد أو بغض الله ورسوله .

    فبهذا يتبين بجلاء أن ترك الالتزام ليس تركاً للفعل ولو على وجه الإصرار بل ترك للاعتقاد ، فإن قيل: ما معنى ( عدم الالتزام ) ؟

    فيقال : معناه ترك المأمور لدافع عقدي كفري كالإباء والاستكبار وهكذا...مع اعتقاد وجوبه على نفسه وعلى المسلمين كما في كلام ابن تيمية المتقدم - قريباً – : لكنه ممتنع من التزام فعلها كبراً أو حسداً أو بغضاً لله ورسوله. ثم ذكر إبليس مثالاً لغير الملتزم وهو موجب طاعة الله على نفسه لكنه ترك إباء واستكباراً 39

    2/ يلزم على قولهم أن من المكفرات عند أهل السنة الإصرار على المعصية تركاً لواجب أو فعلاً لمحرم فأين هو من كلامهم ؟ بل إن كلامهم المسطور في كتب المعتقد أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله 40، وذلك رد على الخوارج المكفرين بارتكاب الكبائر .

    3/ يلزم على قولهم أن المصر على المعصية بفعل المحرم أو ترك الواجب كافر. وهذا مخالف لما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار . أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير في تفسيرهما لسورة النساء. ويدخل في كلامه ترك المأمور وفعل المحضور

    4/ أنه لا دليل من الكتاب والسنة على التكفير بمجرد الإصرار على الذنب، والتكفير حق لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا مدخل للعواطف ولا للحماسات فيه ، بل النصوص دلت على عدم تكفير المصر كحديث صاحب البطاقة وغيره .

    لذا المرجو التنبه لخطوة الشيطان هذه وألا ينساق وراءها .

    قال المكفر: إن هناك أثراً ثابتاً عن علقمة ومسروق أنهما سألا عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – عن الرشوة ، فقال: من السحت . قال: فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر . ثم تلا هذه الآية  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  أخرجه الطبري في تفسيره . فهذا يفيد التكفير بمجرد الحكم بغير ما أنزل الله .

    قال المفسق: إنك لو تأملت أثر ابن مسعود ولو قليلاً لعلمت أنه لا يدل على ما تريد ولا ممسك لك به ، وذلك لوجهين:

    1-أن الأخذ بظاهره على ما تظن يقتضي الكفر الأكبر لمن أخذ الرشوة ليحكم بغير ما أنزل الله في مسألة واحدة . وهذا الظاهر لا تقول به ، وقطعاً غير مراد للإجماعات التي سبق نقلها عن ابن عبدالبر وغيره من أن هذا قول الخوارج دون غيرهم .

    2- أن ابن مسعود لم يبين أي الكفر المراد : الأكبر أو الأصغر . أما أثر ابن عباس فصريح في إرادة الأصغر دون الأكبر فلا يصح جعل الخلاف بين الصحابة بما هو مظنون ، فإن الأصل عدم خلافهم لقلته بينهم .

    قال المكفِّر : إنّك – يا أخي – أوردت كلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم على أنّ هذا كفر أصغر وهؤلاء العلماء يتكلمون في واقع غير واقعنا إذ تنحية شرع الله كلية لم يوجد إلا مؤخراً فلا يصح تنزيل كلامهم على واقعنا فتنبه .

    قال المفسق : إذا كنت - يا أخي – لا ترى الاستدلال بالآية وكلام السلف على مسألتنا المطروحة لكونها حادثة ، فكذلك لا يصح تمسكك بالآية  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون َ دليلاً على تكفير من وقع في هذه الأزمان المتأخرة من الحكم بغير ما أنزل الله بجعل قانون وضعي وهو الذي نبحثه فكن يقظاً ، لأن هذه الآية بفهم الصحابة والتابعين حتى على قولك محمولة على من خالف في بعض الوقائع فهي لا تخرج عن الكفر الأصغر.

    قال المكفِّر : عندي دليل ثانٍ وهو قوله تعالى  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ… 

    وجه الدلالة / أن الأصل في النفي هنا أن ينصرف إلى أصل الإيمان فمن ثم يكون الحاكم بغير ما أنزل الله بمجرد تحكيمه كافراً كفراً أكبر لأن الإيمان قد نفي عنه . إلا أن يكون هناك دليل يدل على أن المنفي كمال الإيمان الواجب كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " متفق عليه من حديث أنس واللفظ لمسلم وأنا لا أعلم دليلاً يصرفه إلى كماله الواجب .

    قال المفسِّق : جزاك الله خيراً على هذا التأصيل القويم وعندي أكثر من دليل يدل على أن الإيمان المنفي هنا كماله الواجب لا أصله من ذلك :-

    1/ سبب نزول الآية وهو ما رواه الشيخان عن عبد الله بن الزبير أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة … إلخ ، وفيه أن الأنصاري لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب ثم قال إن كان ابن عمتك … إلخ ، فقال ابن الزبير : والله إني لأحسب هذه الآية ما نزلت إلا في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... 

    وجه الدلالة / أنه وجد في نفس الأنصاري البدري حرج ولم يسلم تسليماً لحكم رسول الله  ومع ذلك لم يكفر ويؤكد عدم كفره أن الرجل بدري والبدريون مغفورة لهم ذنوبهم كما في حديث علي في قصة حاطب لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال :اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " 41 والكفر الأكبر لا يغفر ، فدل هذا على أن البدريين معصومون من أن يكونوا كفاراً ، نص عليه ابن تيمية 42. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطالبه بالإسلام .

    2/ ما رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري قال بعث على بن أبي طالب وهو باليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة فقال رجل يا رسول الله: اتق الله فقال " ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا لعلَّه أن يكون يصلي "، قال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم "الحديث.

    وجه الدلالة: أن هذا الرجل اعترض على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرض به ويسلِّم ، ووجد في نفسه حَرَجاً ولم يكفِّره الرسول صلى الله عليه وسلم ، وامتنع عن قتله خشية أن يكون مصلياً ولو كان واقعاً في أمرٍ كفريٍّ لم تنفعه صلاته لأن الشرك والكفر الأكبرين يحبطان الأعمال ، فلا تنفع الصلاة معهما .

    وأيضاً مما يدل على أن الرجل لم يقع في أمر كفري عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خالداً أراد أن يحيله على أمر كفري خفي في القلب فلم يرتض هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان قوله كفراً لتمسك به خالد بن الوليد ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس .. " لأن هذا القول –المدعى أنه مكفر – قد ظهر منه ، ومما يوضح أن هذه الكلمة ليست كفراً أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جئنه يناشدنه العدل في بنت أبي قحافة ، ولم يكن هذا منهن كفراً.

    3/ ما روى الشيخان عن أنس بن مالك أن ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله يعطي قريشاً وسيوفنا تقطر من دمائهم " وفي رواية لما فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم … "

    وجه الدلالة / أن هؤلاء استنكروا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدوا في أنفسهم حرجاً ولم يكفِّرهم صلى الله عليه وسلم .

    لذا قال ابن تيمية: والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك فإنما يكون لترك واجبٍ من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً  فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد … ا. هـ 43.

    وقال ابن تيمية : فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن ، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً ، لكن عصى واتبع هواه ، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة . وهذه الآية  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ...  مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله ، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله. وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا ، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية .ا.هـ44

    قال المكفِّر : دع عنك الاستدلال بهذا الدليل فإن عندي دليلاً ثالثاً ألا وهو قوله تعالى  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً 

    وجه الدلالة: أنهم صاروا منافقين لكونهم يريدون التَّحاكم إلى الطاغوت وجعل إيمانهم مزعوماً.

    قال ابن الجوزي :" والزَّعم والزُّعم لغتان وأكثر ما يُستعمل في قول ما لا تتحقق صحته. ا.هـ 45.

    قال المفسِّق : إن هذه الآية عاريةُ الدلالة عن تكفير الواقعِ في الحكم بغير ما أنزل الله، وذلك يتضح من أوجه :

    الوجه الأول : أن الآية محتملةٌ لأمرين :

    1- أن إيمانهم صار مزعوماً لكونهم أرادوا الحكم بالطاغوت وهذا ما تمسكت به .

    2-أن من صفات أهل الإيمان المزعوم – المنافقين – كونهم يريدون التحاكم للطاغوت ومشابهة المنافقين في صفةٍ من صفاتهم لا توجب الكفر46 ، فعلى هذا من حكم بغير ما أنزل الله فقد شابه المنافقين في صفةٍ من صفاتهم وهذا لا يوجب الكفر إلا بدليل آخر كمن شابه المنافقين في الكذب لم يكن كافراً فمن ثمَّ إذا توارد الاحتمال في أمرٍ بين كونه مكفِّراً أو غير مكفِّر لم يكفر بهذا الأمر لكون الأصل هو الإسلام فالنـتيجة أنه لا يصح تمسكك بالآية في التكفير لكونها من المحتمل .

    الوجه الثاني : أن هؤلاء يريدون الحكم بالطاغوت وليست إرادتهم هذه إرادةً مطلقةً بل هي إرادةٌ تنافي الكفر به الكفر الاعتقادي ، ومن لم يعتقد وجوب الكفر بالطاغوت فلا شك في كفره الكفر الأكبر قال تعالى  فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى 

    قال ابن جرير :" يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت يعني إلى من يعظمونه ويصدرون عن قوله ويرضون بحكمه من دون حكم الله وقد أمروا أن يكفروا به يقول وقد أمرهم أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه فتركوا أمر الله واتبعوا أمر الشيطان" ا. هـ47

    فإن أبيت إلا أن تحملها على مطلق الإرادة فيُقال إن الإرادة هنا محتملةٌ لما قلتَ وقلتُ والكفر لا يكون في الأمور المحتملة - كما سبق -

    قال المكفِّر : إليك الدليل الرابع قال تعالى  وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 

    وجه الدلالة: أن طاعة غير الله في الأحكام الوضعية شرك .

    قال المفسِّق : لماذا أراك – يا أخي – نسيت ؟ قد سبق بيان أن هذه الآية راجعةٌ إلى التحليل والتحريم ثم إياك أن تنسى مرةً ثانيةً فتستدلَّ بقوله تعالى  أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)  فقد سبق الكلام عنها وأن المراد بها من جمع بين التشريع وزعم أن هذا من الدين الذي مؤداه إلى التحليل والتحريم وهو المسمى بالتبديل .

    قال المكفِّر : الدليل الخامس قوله تعالى  وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً 

    قال المفسِّق : انتظر - يا أخي – هل هؤلاء الذين يحكمون بغير ما أنزل الله يقولون هذا حكم الله حتى يكونوا مشاركين له في وضع حكمه سبحانه وتعالى ؟ إن كانوا كذلك فقد سبق أن هذا كفرٌ لا شك فيه وإن لم يكونوا كذلك فلا يصح الاستدلال عليهم بالآية . فتأمل!

    قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:" هذا يشمل الحكم الكوني القدري والحكم الشرعي الديني فإنه الحاكم في خلقه قضاءً وقدراً وخلقاً وتدبيراً والحاكم فيهم بأمره ونهيه وثوابه وعقابه …ا. هـ 48.

    فحكم الله الكوني واقع سواءً كان الله سبحانه محباً له أو غير محبٍ كالإرادة الكونية وهذا بلا شك لا أحد يشاركه فيه ومن اعتقد أن أحداً يشارك الله في هذا فقد وقع في الشرك الأكبر إذ إنه سوى غير الله بالله في أمرٍ خاصٍ بالله وهو شرك في الربوبيَّة أما الحكم الشرعي ، فإن أريد به التحليل والتحريم فهذا لاشك كفرٌ كما سبق ، وإن أريد مخالفة أمر الله مع الاعتراف بالخطأ فهذا لاشك أنه ليس كفراً كما هو الحال في باقي الذنوب ، وإلا كنا كالخوراج مكفرين بالذنوب فلأجل هذا – يا صاحبي – لا يصح لك الاستدلال بهذه الآية .

    قال المكفِّر : الدليل السادس قوله تعالى  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ  وجه الدلالة: أن هؤلاء الذين وضعوا أحكاماً وضعية نازعوا الله في أمر خاصٍ به سبحانه فيكون شركاً أكبر .

    قال المفسِّق : القول في هذا الدليل هو القول نفسه في الدليل الذي قبله إذ الحكم هنا يشمل الكوني القدري والشرعي الديني قال ابن تيمية :" وقد يجمع الحكمين – أي الكوني والشرعي – مثل ما في قوله تعالى  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ  ا. هـ49

    وقال الشاطبي :" ويمكن أن يكون من خفيِّ هذا الباب مذهب الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم استدلالاً بقوله تعالى  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فإنه مبنيٌّ على أن اللفظ ورد بصيغة العموم فلا يلحقه تخصيصٌ فلذلك أعرضوا عن قوله تعالى  فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا  وقوله يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ…  وإلا فلو علموا تحقيقاً قاعدة العرب في أن العموم يُراد به الخصوص لم يسرعوا إلى الإنكار ولقالوا في أنفسهم : لعلَّ هذا العام مخصوصٌ فيتأولون … ا. هـ 50.

    قال المكفِّر: الدليل السابع قوله تعالى  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ 

    وجه الدلالة : أن أهل الكتاب لما أطاعوا علماءهم وعبَّادهم وصفهم الله بأنهم اتخذوهم أرباباً من دون الله .

    قال المفسِّق : أن طاعة هؤلاء لا تخرج عن حالتين:

    الأولى : طاعتهم في معصية الله بدون تحليل ولا تحريم وهذا ليس كفراً قطعاً وإلا للزم منه تكفير أهل الذنوب والمعاصي لأنهم أطاعوا هواهم في معصية الله سبحانه وتعالى .

    الثانية : طاعتهم في التحليل والتحريم وهذا لاشك أنه كفر مخرجٌ من الملة كما سبق ذكره في تحرير محل النزاع51.

    قال المكفِّر : الدليل الثامن قوله تعالى  وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ 

    وجه الدلالة: أن هؤلاء تحاكموا لغير الله سبحانه وتعالى فخالفوا ما أمر الله جل وعلا به .

    قال المفسِّق : لست أختلف معك ولو بقيد أنملة أن هؤلاء الحاكمين بغير ما أنزل الله آثمون وواقعون في ذنبٍ عظيمٍ وأنهم من أسباب هزيمة أمتنا وضعفها لكن ليس لي أن أحكم عليهم بكفرٍ إلا بدليلٍ ؛ لأن التكفير حقٌ لله سبحانه – كما هو متقرِّرٌ - وغاية ما في هذا الدليل أنه يجب عليهم الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيه الحكم بكفرهم مطلقاً عند ترك ذلك .

    قال المكفِّر: لا تظن – يا أخي – أن البحث انتهى فلا زالت عندي أدلةٌ من السنة والإجماع والعقل.

    الدليل التاسع: سبب نزول قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ  قال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود لعلَّمه أنهم يأخذون الرشوة ، فاتفقا أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت الآية  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ… 52.

    قال المفسِّق : إن هذا الأثر لا يصح الاستدلال به لا من جهة الإسناد ولا المتن ولعلَّي أكتفي ببيان ضعف السند وهو واضحٌ فإن الشعبي تابعي فمن ثم يكون الأثر منقطعاً وهو من أنواع الضعيف .

    قال المكفِّر : هناك سبب نزول آخر وهو أن رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلَّم أكذلك قال نعم فضربه بالسيف فقتله "

    قال المفسِّق : إن هذا الأثر لا يصح أيضاً بل هو أشد ضعفاً من الذي قبله إذ هو من طريق الكلبي عن أبي صالح باذام عن ابن عباس به53 فقد جمع هذا السند بين كذاب ومتروك وانقطاع .

    قال المكفِّر : هناك سبب نزول54 عن ابن عباس قال كان أبو بردة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فتنافر إليه أناسٌ من المسلمين فأنزل الله تعالى  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ الآية .

    قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح55.

    وقال الحافظ : إسناده جيد56.

    وقال الشيخ مقبل الوادعي57: شيخ الطبراني ما وجدت ترجمته لكنه قد تابعه إبراهيم بن سعيد الجوهري عند الواحدي ا . هـ

    فبهذا يتبين صحة إسناده فما قولك فيه ؟

    قال المفسِّق : قد سلمت بصحة هذا الأثر لكن لم أسلِّم بدلالته على ما نحن فيه وذلك لما يلي:

    1/ أن هؤلاء الذين أتوا أبا بردة منافقون كما يدل عليه سياق الآيات فمن ثم تكون الآية ذاكرة صفة من صفاتهم وليس تحاكمهم هو السَّبب في كونهم يزعمون بل هم يزعمون الإيمان من قبل التحاكم فعليه من شابه المنافقين في صفةٍ لم يكن منافقاً إلا بإثبات أن هذه الصفة مكفرةٌ بنص خارجيٍّ آخر فأين هو ؟

    2/ أن هؤلاء النفر يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل الله وإرادتهم هذه ليست مطلقةً بل إرادةٌ تنافي الكفر بالطاغوت الذي يعد الكفر به ركناً من أركان الإيمان ، ولا شك أن من لم يَرَ وجوب الكفر بالطاغوت فهو كافر – كما سبق- .

    3/ أن استدلالك بهذا الأثر يلزم منه لازمٌ لا تقول به أنت وهو أن تكفِّر من لم يحكم بما أنزل الله ولو في مسالةٍ واحدةٍ .

    قال المكفر : الدليل العاشر: ما رواه الخمسة وغيرهم عن البراء بن عازب ولفظه عند أبي داود والنسائي قال:" لقيت – وعند النسائي أصبت – عمي ومعه راية ، فقلت له أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله " وعند الترمذي وابن ماجه ورواية للنسائي أنه " خاله " ، وأخرجه النسائي والطحاوي من حديث معاوية بن قرة عن أبيه وفيه " وأصفى ماله " ففي هذا الحديث ما يفيد صراحة بأن الرجل قتل كافراً لأنه أخذ ماله وهذا بمجرد عمل عمله، فكيف بمن يحكم بغير ما أنزل الله ، ويضع له محاكم ، ويلزم الناس بالرجوع إليها ؟ أو بمن يضع الربا ويحميه ؟ وهكذا...

    قال المفسق : إن هذا الحديث من رواية معاوية بن قرة عن أبيه عن جده صحيح ، صححه الإمام يحيى بن معين58- وكفى به من إمام – لكن ثبوت الحديث لا يكفي لثبوت الدعوى بل لابد من ثبوت الدلالة –أيضاً- والدعوى التي ادعيتها – يا أخي – لا يدل عليها الحديث ألبته ، وذلك أن الحديث في حق من استحل محرماً ، فإن هذا الرجل المتزوج بامرأة أبيه قد استحل فرجها بعقد الزواج ، وفرق بين الزنى بامرأة الأب وتزوجها، فإن الزنى بها حرام وليس كفراً أما التزوج بها فهو كفر من جهة استحلال فرج محرم ؛ لأن الزواج معناه جعل فرجها حلالاً وهذا بخلاف الزنى.

    قال أبو جعفر الطحاوي: وهو أن ذلك المتزوج ، فعل ما فعل ذلك ، على الاستحلال، كما كانوا يفعلون في الجاهلية ، فصار بذلك مرتداً ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل به ما يفعل بالمرتد ا.هـ59

    قال المكفِّر : الدليل الحادي عشر: هو إجماع العلماء على كفر من حكم بغير ما أنزل الله وجعله قانوناً

    وقد حكى الإجماع الحافظ ابن كثير فقال: وفي ذلك كله مخالفةٌ لشرائع الله المنـزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ا. هـ60

    قال المفسِّق : إن معرفتنا بحال التتر وواقع الياسق معين على فهم هذا الإجماع المحكي وذلك أنهم وقعوا في التبديل الذي هو التحليل والتحريم

    قال ابن تيمية : إنهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى ومنهم من يرجح دين المسلمين ا.هـ61

    وقد بين ابن تيمية كيف أنهم يعظمون جنكز خان ويقرنونه بالرسول صلى الله عليه وسلم - ثم قال - :" ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام باتفاق جميع المسلمين أن من سوغ (أي جوز ) اتباع غير دين الإسلام فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب ا.هـ

    ومما يدل على أن الإجماع الذي حكاه ابن كثير راجعٌ إلى التحليل والتحريم ما قاله ابن كثير نفسه : ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكِهِمْ جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارةٌ عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيه كثير من الأحكام أخذه من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير . ا .هـ62

    وقال أحمد بن علي الفزاري القلقشندي : ثم الذي كان عليه جنكيز خان في التدين وجرى عليه أعقابه بعد ه الجري على منهاج ياسة التي قررها ، وهي قوانين ضمنها من عقله وقررها من ذهنه ، رتب فيها أحكاماً وحدد فيها حدوداً ربما وافق القليل منها الشريعة المحمدية وأكثره مخالف لذلك سماها الياسة الكبرى ….ا.هـ63 .

    فمن كلام ابن كثير وشيخه أبي العباس ابن تيمية وغيرهما يتضح أن الإجماع المحكيَّ فيمن وقع في التحليل والتحريم أي تجويز حكم غير حكم الله إذ جعلوا الياسق كدين الإسلام موصلاً إلى الله ومسألتنا المطروحة فيمن حكم بغير ما أنزل الله مع الاعتراف بالعصيان لا مع القول بأنه جائز لا محظور فيه أو بأنه طريق للرضوان .

    ثم تنبه – أيها القارئ – إلى قول ابن كثير : فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ا.هـ هؤلاء جمعوا بين التحاكم إلى الياسق وتقديمه على شرع الله، فليس ذنبهم مجرد التحكيم الذي هو عمل بل قارنه الاعتقاد وهو التقديم .

    قال المكفِّر : قد تذكرت دليلاً من كتاب الله وهو قوله تعالى  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .

    قال المفسِّق : إضافةُ الشيء إلى الجاهلية أو وصفه به لا يدل على الكفر فمن ثم لا يكون كفراً إلا بدليلٍ خارجي دالٍ على الكفر ويوضح ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لأبي ذر " إنك امرؤٌ فيك جاهلية " متفق عليه وقال في حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن … "

    قال أبو عبيد القاسم بن سلام " ألا تسمع قوله  أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ  تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية ، وإنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ا . هـ64 .

    قال المكفِّر : سلَّمت لك بما ذكرتَ ولكن بحكم العقل هذا الرجل الذي ينحِّي الشرع ويحكم بأحكام الإفرنج ألا يكون كافراً لكونه وقع في كفر الإعراض وفعله هذا يدل على استحلاله؟ وإلا لماذا يترك أحكام رب الأرباب ؟

    قال المفسِّق : إنك تريد تكفير هذا المسلم لكونك تصف فعله بأنه كفرُ إعراض . وأرجو قبل وصفك فعله بأنه كفر إعراض أن تكون مستحضراً لضابط كفر الإعراض الذي هو الإعراض بالكلية عن أصل الدين أو ترك جنس العمل65.

    وعلى هذا من ترك الحكم بما أنزل الله لم يقع في كفر الإعراض لأنه لم يترك جنس العمل أما إلزامك لمن ترك الحكم بما أنزل الله بأنه مستحلٌ لذلك فهذا إلزامٌ غير صحيح وإن كان محتملاً ولا يدفع الدين اليقيني بالكفر المحتمل لأن من دخل الدين بيقين لم يخرج إلا بيقينٍ مثله فأين هو ؟ ثم هذا يفتح باباً في تكفير أهل المعاصي . فكل من يستعظم معصية يحكم على صاحبها بأنه كافر لأنه مستحل لهذه المعصية إذ فعل هذه المعصية عظيم لا تكون عند ه إلا من مستحل لها .

    قال المكفر : ألا ترى أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا العرب الذين امتنعوا عن الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوهم مرتدين وذلك لكونهم جماعة امتنعوا عن شريعة من شرائع الدين ومثل هذا يقال في الجماعة التاركين للحكم بشريعة الله سبحانه .

    قال المفسق : قد اختلف العلماء في حكم هؤلاء هل هم كفار أم غير كفار على قولين هما روايتان عن أحمد –رحمه الله – ، وإن كنت أوافقك أنهم كفار ، وهذا ترجيح ابن تيمية لكن ليس كفرهم لأجل كونهم جماعة إذ القتال جماعة وقع من الخوارج ولم يكفروا باتفاق الصحابة، ووقع من خيار الأمة في الفتن ولم يكفروا والله يقول  وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا  فأثبت الإيمان مع وجود القتال جماعة . وليس الكفر أيضاً من أجل الترك المجرد لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفر أبا جميل الذي لم يدفعها بخلاً وإنما الكفر لأجل عدم التزام هذا الحكم الذي سببه عدم الإقرار بوجوبه، إذ من الممتنع أن يقر أحد بوجوب حكم ثم يتركه ويصر على تركه حتى تحت التهديد بالقتل فمثل هذا لا يكون إلا من غير مقر بوجوبها – كما سيأتي من كلام ابن تيمية – فبهذا يكون القتل دليلاً على عدم إقراره بهذا الحكم لا أنه السبب في تكفيره فتأمل .

    وتنبه أن هذا مطرد في كل حكم شرعي . قال ابن تيمية : ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه ، مقراً بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع ، حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن قط لا يكون إلا كافراً، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه ا.هـ 66

    وقال – رحمه الله - : فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن، معتقداً لوجوبها يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام ، ولا يعرف أن أحداً يعتقد وجوبها ويقال له : إن لم تصل وإلا قتلناك وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب ، فهذا لم يقع قط في الإسلام . ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل: إن لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها ، ولا ملتزماً بفعلها، فهذا كافر باتفاق المسلمين ا.هـ 67.

    فإذا تبين أن تهديد المصر على ترك الطاعة بالقتل وإصراره بعد ذلك على عدم فعل الطاعة دليل على عدم إقراره ، فيقال: لو أن أحداً قوتل على فعل طاعة ولم يفعلها لا لأجل ذات الطاعة وإنما من أجل خوفه ممن هو أقوى منه فهذا لا يكفر لأن القتال هنا ليس دليلاً على عدم إقراره بوجوبها إذ هو مقر لكنه خائف من غيره الذي هو أقوى منه وهذا مغاير لمن ترك لذات الطاعة نفسها وليس هناك سبب آخر إذ هذا الصنف كافر لأنه دليل على عدم إقراره بوجوبها . ومثل هذا يقال فيمن ترك الحكم بما أنزل الله وقوتل على ذلك فهم صنفان:

    الأول/ تارك لذات الحكم وهو مصر على الترك مع مقاتلته على الحكم بما أنزل الله فهذا كافر –ولا كرامة – لأنه دليل على عدم إقراره بوجوبها .

    الثاني / تارك الحكم بما أنزل الله خوفاً من غيره إذ هو وإن كان حاكماً إلا أنه محكوم من جهة من هو أقوى منه فمثل هذا لا يدل قتاله على أنه غير مقر بالوجوب . والله أعلم.

    قال المكفر : لكن –يا أخي – قد سمعت غير واحد ، بل وقرأت لبعضهم كسفر الحوالي في كتابه ظاهرة الإرجاء68، يقول بأن من قال بأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أصغر لا أكبر إلا إذا استحل فهو مرجئ .

    قال المفسق : إن التنابز بالألقاب ووصف الآخرين بأوصاف أهل البدع سهل يستطيعه كل أحد وإنما الأمر العسر وهو الذي عليه المعول إبانة البرهان على هذه الدعاوى إذ كيف يقال ذلك وقد فسر الآية بالكفر الأصغر ابن عباس وأصحابه والأئمة كأحمد وغيره ؟

    ثم مما يزيدك يقيناً على وهاء هذا الوصف الخاطئ أن أكبر إمامين من أئمة أهل السنة في هذا العصر على هذا القول كما تقدم نقله عنهما69

    قال المكفِّر: – سابقاً والمفسِّق حاضراً – جزاك الله خيراً فقد اتضح لي الحق وأنا راجع عن قولي السابق ، فقد قال الله تعالى  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ 

    وبعد هذه المناظرة التي أردت منها بيان حكم المسألة بالدليل الصحيح ثبوتاً ودلالةً أسأل الله أن يقرَّ أعيننا برجوع حكام المسلمين إلى الشرع المطهَّر المحكم فإن به عزهم دنيا وأخرى قال تعالى  وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُ مْ مَاءً غَدَقاً  .



    الشبهة الثانية

    التكفير بالتحاكم إلى هيئة الأمم

    الرد على هذه الشبهة من أوجه:

    أ/ تصور حال هيئة الأمم المتحدة، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره: فهي هيئة ذات أنظمة وقرارات وعهود ومواثيق انضمت إليها أكثر دول العالم، ومنها الدولة السعودية – حرسها الله ورعاها -، وقد نشأت إبان الحرب العالمية الثانية، والهدف الرئيس من إنشائها تقريب وجهات النظر بين الأمم، وتضييق الثغرات التي قد تنشأ بين الدول، والتي من شأنها إن استمرت أن تشكل خطراً على السلم والأمن الدوليين إلى جانب تحقيق السلام، ومنع اللجوء إلى استخدام القوة كحل للمشكلات العالمية.

    وقد جاء نص مقاصد هيئة الأمم المتحدة في الميثاق، وذلك على النحو الآتي:

    حفظ السلم والأمن الدولي: ورد هذا الهدف في أجزاء متفرقة من الميثاق. فقد بدأت الفقرة الأولى من الديباجة " نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا : أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف " وذكرت الديباجة " وأن نضم قوانا كي نحافظ على السلم والأمن الدوليين "

    وفي الميثاق نصت الفقرة الأولى من المادة الأولى على هذا الهدف، إذ نصت على الآتي " حفظ السلم والأمن الدوليين، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم والعمل على إزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم وتسويتها ا.هـ70

    وقد نص الملك فيصل – رحمه الله – في كلمته التي ألقاها في هيئة الأمم المتحدة على هذا الهدف فكان مما قال: اليوم يتجه مؤتمرنا التاريخي هذا الذي اشتركت فيه دول عديدة نحو تأسيس ودعم السلام العالمي. لقد شهد هذا اليوم إكمال ما يمكن أن يسمى بميثاق العدل والسلام بعد عمل شاق ومناقشات طويلة ومداولات. الهدف هو خلق منظمة ذات فعالية قصوى للمحافظة على السلام والعدل في عالم المستقبل. هذا الميثاق لا يمثل الكمال الذي تتوق إليه الدول الصغرى، لكنه بلا شك أفضل ما يمكن أن تتفق عليه خمسون دولة ا.هـ 71

    وقد نص على هذا – أيضاً – صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز – وفقه الله لهداه - في كلمة ألقاها في الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة فقال: فإن المملكة العربية السعودية وهي تدين بالدين الإسلامي تضطلع بدور دولي متميز لأن سياستها الخارجية تسير على أساس أن المبادئ الأساسية التي ارتكزت عليها هذه المنظمة والأهداف النبيلة التي من أجلها وضع ميثاقها فيها تأكيد لما تقرره الشريعة الإسلامية من تنظيم للعلاقات بين الدول. – ثم قال – إذا كان الهدف الرئيسي للأمم المتحدة والذي قامت فلسفة الميثاق على أساس تحقيقه هو إقرار السلام والأمن الدوليين ا.هـ72.

    وبما أن الغلبة في هذه الهيئة للكفار فإن بها أنظمة لا توافق الشرع ؛ فلذا عارضت السعودية بعض الأنظمة، ولم توافق على كل ما فيها.

    وإليك جملة من العهود والمواثيق التي لم تقبلها الدولة السعودية – حرسها الله – :

    1- لم توافق المملكة العربية السعودية على الاتفاقية التي تنص على القضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة. قال طلال محمد نور عطا: تحفظت المملكة العربية السعودية على هذه الاتفاقية، ولا تلزم نفسها بما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ا.هـ73

    2- لم توافق المملكة العربية السعودية على المادة السادسة عشرة في حقوق الإنسان القائلة " للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج الحق بالتزوج بدون قيد بسبب الدين " فقالت دولة التوحيد في مذكرة أرسلتها إلى الأمم المتحدة : إن زواج المسلم من امرأة وثنية وغير مؤمنة بوجود الله أمر حرمه الإسلام، وأيضاً زواج المسلم من كتابية يهودية أم مسيحية أباحه الإسلام، أما زواج غير المسلم بمسلمة فغير مباح.74

    3- لم توافق دولة التوحيد على المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أعطت كل شخص حرية تغيير دينه.75

    4- أن المملكة العربية السعودية لم تنظم إلى المعاهدتين الدوليتين: الأولى الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والثانية المتعلقة بالحقوق السياسية والمدنية، بسبب احتواء كل من هاتين المعاهدتين على مواد لا تساير تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة. 76

    فإذا كانت هذه حال الدولة السعودية مع هيئة الأمم المتحدة، من أنها لا تقبل الأنظمة التي تخالف الشريعة الإسلامية باعتراف قادات هذه الدولة – وفقهم الله لما فيه هداه -، وبتطبيقهم لها عملياً، وذلك بأن يتحفظوا على الأنظمة والقرارات المخالفة للشريعة الإسلامية، إذا كان هكذا حال الدولة مع هيئة الأمم المتحدة فلماذا – يا منصفون - يُشنع عليها وتُكفر ؟! أليس من حقها أن تشكر بدل أن تكفر، من أجل امتناعها عن القرارات المخالفة للشريعة ؟ أليس من حقها أن تؤازر وتساند على اعتزازها وحدها من بين جميع الدول الإسلامية بشريعة الإسلام وتحفظها على كل ما يخالفه؟

    ب/ أن المصلحة تقتضي انضمام الدولة السعودية لهذه الهيئة حماية لنفسها من أعدائها الكفار،

    بل وبعض الدول الإسلامية المخالفة للمعتقد السلفي، فإنهم يتربصون بدولة التوحيد الدوائر لدوافع متعددة معلومة، ومن أوضح البراهين حرب الخليج الأولى، فدولة تهجم وأخرى عن أنيابها تكشر .

    ومن المتقرر شرعاً أن للضعف أحكاماً مغايرة لحالة القوة، وبنود صلح الحديبية خير شاهد ودليل على هذا.

    وقد ذكر الشيخ المؤرخ إبراهيم بن عبيد آل عبدالمحسن في كتابه التاريخي" تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان " كتب معاهدات مع بريطانيا ظاهرها الرضا بالضيم فقال: سادساً : يتعهد ابن سعود كما تعهد آباؤه من قبل أن يتحاشى الاعتداء على أقطار الكويت والبحرين ومشائخ قطر وسواحل عمان التي هي تحت حماية الحكومة البريطانية، ولها صلات عهدية مع الحكومة المذكورة، وأن لا يتدخل في شؤونها وتخوم الأقطار الخاصة بهؤلاء ستعين فيما بعد. وجرى توقيعها في 18 صفر من هذه السنة الموافق 26 ديسمبر 1915، ولا ريب أن هذه الاتفاقية جائرة... وقد انتقدها الكتاب فقال عنها الضليع فؤاد حمزة لما أشرف عليها إنّها معاهدة جائرة. وقال عنها الماهر الذكي حافظ وهبة المشهور بحرية الفكر ورجاحة العقل واستقلال الرأي ما نصه: تجلى قصر نظر مستشاري ابن سعود بما يجري في العالم والاستفادة من الفرص ولكن يقال عنها إنّ الظروف والأحوال ذلك الوقت دعت إلى توقيعها. ولما خلى ابن سعود وصحبه الذين فيهم الشرف والدين والقوة غير أنهم لا يعرفون لغة السياسة وأساليب الاستعمار ولا يصدقون بالظفر لغير الصارم البتار واستشارهم كعادته أجابوه بأننا في حال ضعف وخصمنا قوي جبار، فنراها تنفعنا بإذن الله في الحال ولا تضرنا إذا كنا في حالة منعة وقوة، ويمكن تعديلها فيما بعد، فالعبرة بالقوة في كل وقت وحال، فقم وتوكل على الله ووقعها، كما أنه أدرك بأنه لا يبيع ولا يتخلى ولا يرهن من نيته حسن الجوار، وتسهيل طرق الحجاج. فما أحسن نتائج هذه الآراء والأفكار، ولنا أسوة في صلح الحديبية، أضف إلى ذلك أنها ألغيت بعد سبع سنوات وعدلت فيما بعد ذلك لما فتح الله له الحجاز واعترفت له بريطانيا بالاستقلال التام يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ا.هـ77

    ج/ أنه لو قدر جدلاً أن الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة من الحكم بغير ما أنزل الله لما كفرت الدولة السعودية بفعلها ؛ لأنه تقدم بيان أن الحكم بغير ما أنزل الله على شناعته وكونه سبباً للضعف وتسلط الأعداء، إلا أنه لا يخرج من الملة، وبهذا كان يفتي شيخنا عبدالعزيز بن باز والشيخ الألباني – رحمهما الله – كما تقدم.

    تنبيه/ لو كان الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة من الحكم بغير ما أنزل الله لرأيت علماءنا كالشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ سعد ابن عتيق والشيخ عبدالعزيز ابن باز والشيخ محمد العثيمين – رحمهم الله – أنكروه وبينوا حرمته، بل نص على جوازه بعضهم فقد سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: بعض الناس يقول إن الانضمام إلى الأمم المتحدة تحاكم أيضاً إلى غير الله سبحانه وتعالى، فهل هذا صحيح ؟

    فأجاب: هذا ليس بصحيح، فكل يحكم في بلده بما يقتضيه النظام عنده، فأهل الإسلام يحتكمون إلى الكتاب والسنة، وغيرهم إلى قوانينهم، ولا تجبر الأمم المتحدة أحداً أن يحكم بغير ما يحكم به في بلاده، وليس الانضمام إليها إلا من باب المعاهدات التي تقع بين المسلمين والكفار ا.هـ78، بل واستمر هؤلاء العلماء الأجلاء يرددون أن الدولة السعودية – حرسها الله – تحكم بما أنزل الله، وزكوها بهذا .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    الشبهة الثالثة

    إن هؤلاء الحكام قد كفروا لإعانتهم الكفار على المسلمين في عدة وقائع

    والجواب على هذا من أوجه:

    1/ أن التكفير ليس أمراً هيناً، ولا تقبل فيه الإشاعات التي لا زمام لها ولا خطام لاسيما وولاة الأمر خاصة في هذا البلد ينفون عن أنفسهم إعانة الكفار على المسلمين، بل وصرحت بذلك بعض الصحف الغربية الكافرة، والحق ما شهدت به الأعداء.

    2/ أنه لو قدر حصوله فلا يتعجل في التكفير به ؛ لأن للإكراه مساغاً لا سيما والغلبة للدول الكافرة، فالإكراه يكون مانعاً من التكفير كما قال تعالى  إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ  فإن قلت: إن الإكراه لا يقبل بالإجماع في إزهاق أنفس الآخرين لاستبقاء نفسه ؟ فيقال: هذا صحيح، لكن غاية ما في هذا الإجماع إثبات أن الإكراه لإبقاء النفس مقابل إزهاق أنفس الآخرين غير معتبر، وأن صاحبه آثم، لكن ليس معنى هذا أنه لا يكون عذراً في منع الحاق الكفر به، ففرق بين التأثيم والتكفير، فالإكراه – في هذا – ليس مانعاً من التأثيم لكنه مانع من التكفير.

    3/ إن التكفير بمطلق الإعانة لا يسلم به لأنه مسألة نزاعية – كما سبق بيانه -.

    4/ إن أصح أقوال أهل العلم – فيما يظهر – أن التكفير بالإعانة ليس كفراً لذات الإعانة، وإليك تأصيل المسألة وبحثها :





    إن التعامل مع الكفار ليس كفراً مطلقاً بل على درجات ثلاث :

    الدرجة الأولى : معاملة كفرية وهي توليهم : قال تعالى  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  قال ابن حزم: صح أن قوله تعالى  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ا.هـ79

    وضابط الولاء الكفري ( التولي ) : محبة الكفار لأجل دينهم أو نصرتهم لأجله والرضا به، فإن وجدت نصرة بدون هذا الدافع وإنما لحظ دنيوي فهو محرم وليس كفراً.

    والدليل على هذا الضابط ما رواه الستة إلا ابن ماجه من حديث على بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة إذ أرسل الرسالة إلى قريش يخبرهم بقدوم رسول الله  فقال له رسول الله " يا حاطب ما هذا " قال لا تعجل عليِّ إني كنت امرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن دينٍ ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله  " إنه صدقكم " فكلام حاطب مع إقرار رسول الله  صريح في أن مجرَّد فعل حاطب ليس كفراً لذا قال لم أفعله كفراً ولا ردةً عن الدين ولو كان مجرد فعل حاطب كفراً لما احتاج إلى قوله لم أفعله كفراً لأن مجرد الفعل كفرٌ كما أنه لا يصح لمستهزئ بالله أن يقول لم أقله كفراً لأن مجرد الاستهزاء كفرٌ.

    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن : فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه أبلغ إليهم بالمودة، فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل لكن قوله " صدقكم خلوا سبيله " ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمناً بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي ولو كفر لما قيل " خلوا سبيله " لا يقال قوله صلى الله عليه وسلم لعمر " وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " هو المانع من تكفيره لأنا نقول لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه، فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله تعالى  وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ  وقوله تعالى  وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع فلا يظن هذا، وأما قوله  ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  وقوله  لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … وقوله تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  فقد فسَّرته السنَّة وقيَّدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة، وأصل الموالاة هو الحبُّ والنُّصرة والصداقة ودون ذلك مراتب متعددةٌ ولكل ذنبٍ حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروفٌ في هذا الباب وغيره …ا.هـ80.

    ثم في كلام حاطب بن أبي بلتعة إبانةٌ للضابط الكفري إذ قال " ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام ".

    فإن قيل: حكى بعض العلماء الإجماع على أن مطلق الإعانة كفر .

    فيقال: هذا الإجماع المحكي ما بين حالتين :

    الأولى / أن يكون خارج محل النزاع مثل قول ابن حزم - في المحلى - : صح أن قوله تعالى  ) وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ا.هـ، وذلك أننا لا نختلف في كفر المتولي لكن ما التولي ؟ ومن المتولي ؟ هذا محل البحث وفيه التنازع، وكلام ابن حزم لا يفيد شيئاً في بيان معنى التولي، وإنما أفاد كفر فاعله، وهذا واضح لا إشكال فيه ولا نزاع، ثم على افتراض أن ابن حزم حكى إجماعاً فإنه يقال فيه ما يقال في الحالة الثانية الآتية.

    الثانية / أن الذين حكوا إجماعاً جعلوا المظاهرة الكفرية كل إعانة للكفار حتى القولية، وهذا الإجماع مخروم بيقين ولا يعول عليه منصفٌ عالم بخرمه .

    وبرهان خرم الإجماع المحكي ما يلي:

    1) أن الإمام الشافعي – رحمه الله – صرح بأن حاطباً لم يكفر مع أن فعله إعانة قوية للكفار أمام جيش الإسلام الذي يتقدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قيل للشافعي: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالأة المشركين؟

    قال الشافعي - رحمه الله تعالى- : لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفراً بيناً بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين، فقلت للشافعي : أقلت هذا خبراً أم قياساً ؟ قال : قلته بما لا يسع مسلماً علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب فقيل للشافعي فاذكر السنة فيه – ثم ساق خبر حاطب ثم قال –

    قال الشافعي رحمه الله تعالى : في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح، كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولاً كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.

    قيل للشافعي : أفرأيت إن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه قال قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره فيقال له قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به خاصاً أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة أو يكون ذلك موجوداً في كتاب الله عز وجل ا.هـ81 فكيف يقال بعد ذلك : بأن أي إعانة تولي وهي كفر بالإجماع؟

    وهذا الشافعي ينقض الإجماع – رحمه الله – بصراحة ووضوح.

    2) أن الإمام القرطبي صرح بوضوح أن من كثر إطلاعه الكفار على عورات المسلمين لا يكفر إذا كان اعتقاده سليماً ودافعه أمراً دنيوياً مع أن هذه إعانة قوية للكفار قال – رحمه الله– : من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً: إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم ؛ كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين ا.هـ82

    أفليس هذا صريحاً في خرم الإجماع الذي ينص على أن أدنى إعانة قولية أو فعلية تولٍ كفري؟ .

    3) قال ابن الجوزي : قوله تعالى  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  فيه قولان : أحدهما : من يتولهم في الدين، فإنه منهم في الكفر. والثاني : من يتولهم في العهد فإنه منهم في مخالفة العهد ا.هـ83

    فلاحظ – أيها القارئ الكريم – أن ابن الجوزي بقوله هذا لم يخرم الإجماع المزعوم فحسب بل لم يحك القول الذي يدعي عليه الإجماع وهو : أن التولي الكفري يكون بأدنى الإعانة ولو قولية – لم يحكه ابن الجوزي من الأقوال في المسألة، مع محاولة ابن الجوزي – المعروف بسعة الاطلاع – استقصاء أقوال المفسرين في تفسيره : (زاد المسير)، كما كتب لابنه ناصحاً ومبيناً له عظم تفسيره : وما ترك المغني، وزاد المسير حاجة إلى شيء من التفاسير ا.هـ84.

    4) قال أبو الفضل محمود الألوسي: وقيل : المراد  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  كافر مثلهم حقيقة، وحكي عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً أو نصارى.. ا.هـ85

    5) أن أئمة المذاهب الأربعة أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد – رحمهم الله – لا يرون كفر الجاسوس الذي يفشي سر المسلمين إلى الكفار، وهذا ما اختاره ابن تيمية – وسيأتي نقل مهم عنه في آخر البحث يتعلق بآية التولي – وابن القيم

    قال ابن القيم – رحمه الله – : ثبت أن حاطب بن أبي بلتعة لما جس عليه، سأله عمر رضي الله عنه ضرب عنقه فلم يمكنه وقال :" ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وقد تقدم حكم المسألة مستوفى. واختلف الفقهاء في ذلك، فقال سحنون : إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يستتب وماله لورثته وقال غيره من أصحاب مالك رحمه الله : يجلد جلداً وجيعاً ويطال حبسه وينفى من موضع يقرب من الكفار. وقال ابن القاسم : يقتل ولا يعرف لهذا توبة وهو كالزنديق. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله : لا يقتل، والفريقان احتجوا بقصة حاطب وقد تقدم ذكر وجه احتجاجهم ووافق ابن عقيل من أصحاب أحمد مالكاً وأصحابه ا.هـ86

    6) الشيخ المحقق عبد الرحمن السعدي، في تفسيره سورة المائدة آية  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  حيث قال : لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم ا.هـ، فهذا صريح في أن الكفر لا يكون إلا بالتولي التام وما عداه ليس كفراً، والتولي التام راجع للأديان وهي أمور اعتقادية.

    7) العلامة الأصولي والمفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي حيث قال في تفسيره، عند قوله سبحانه :  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  قال : ويفهم من ظواهر الآيات أن من تولى الكفار عامداً اختياراً، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم. ا.هـ87، فلم يجعل – رحمه الله – التكفير مطلقاً، بل قرنه بأمر قلبي أو اعتقادي وهو : أن يتولى الكفار رغبة فيهم.

    8) الشيخ المحقق محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في تفسيره سورة المائدة آية  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  ذكر أن نصرتهم من كبائر الذنوب كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا " ثم قال : المهم على كل حال من هنا تعرف أن كلمة الموالاة التي نهى الله عنها هي موالاتهم بالمناصرة والمعاونة مما يعود عليهم بالنفع فهذا حرام لكن قلت لكم : إلا إذا عاونهم وناصرهم على من هو أشد إيذاء للمسلمين منهم فهذا لا بأس به ا.هـ 88، فلم يحكم – رحمه الله - على النصرة بأنها كفر.

    أيها القراء / أليس هذا الإجماع مخروماً بأن هؤلاء الأئمة الكبار لم يكفروا الجاسوس الذي يفشي سر المسلمين إلى الكافرين الذي قد يكون مؤداه قتل عشرات بل مئات من المسلمين .

    فبهذا يظهر لك جلياً أن الإجماع المزعوم مخروم لا يصح التعويل عليه عند أهل الإنصاف العالمين بخرمه.

    ومحاولة بعضهم جعل مسألة الجاسوس مسألة خاصة لا يخرم بها الإجماع محاولة فاشلة لوجوه :

    1-أن الذين حكوا الإجماع أكدوا كل صورة حتى الصور القولية ولم يستثن أحد منهم ولو مرة صورة الجاسوس، ولو كانت هذه مستثناة – عندهم - لأبانوها وما تركوها، ويؤكد هذا الوجه الذي يليه.

    2- أن مما يتمايز به دليل الإجماع أنه قطعي الدلالة فليس هو من الأدلة المجملة حتى يحتاج إلى بيان.

    3- أن الذين نقلوا الإجماع علماء متأخرون، ولو كان في المسألة إجماعٌ لما أغفله الأولون من المفسرين والفقهاء مع كثرتهم ودقتهم.

    4- أن في كلام العلماء الأوائل والمتأخرين من علق التكفير بالاعتقاد – كما سبق – لا على العمل، فهؤلاء إذا ذكروا مسألة الجاسوس ذكروها تمثيلاً - قطعاً - لا تخصيصاً لأنهم لا يكفرون بمجرد العمل. 89

    يردد بعضهم شبهة وهي أن حاطباً كان متأولاً ولولاه لكفر، وتفنيد هذه الشبهة من أوجه :

    1-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل حاطباً عن عذره، لم يعتذر حاطب بأنه تأول دليلاً شرعياً بل ذكر أنه فعل ما فعل لحظ دنيوي.

    2- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفهم أن حاطباً كان متأولاً لذلك لم يكشف شبهة كان حاطب متمسكاً بها، ودواء الشبه كشفها.

    ج- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر بأنه عاص، لكنه مغفور له لكونه من أهل بدر لا لأجل التأويل.

    بيان ذلك أن المتأولين غير آثمين، وعليه فهم غير محتاجين إلى حسنات – كحضور بدر – تغفر بها سيئاتهم، وقد حكى ابن حزم الإجماع على ذلك ( الفصل (3/ 270)، وانظر كلام ابن تيميه في الاستقامة ( 2/ 143) مجموع الفتاوى (1/113)(3/284 ) (12/180) والرد على البكري ص(259، 329 ) والأصفهانية (144- 145 ).

    الثانية / الموالاة المحرمة : وهذا يختلف باختلاف أصناف الكفار – كما تقدم – إلا أن جميعهم يعادي ويبغض بغضاً دينياً، ويعتقد بطلان دينهم وأن مصيرهم النار، وهناك مسائل فقهية اختلف فيها أهل العلم خلافاً معتبراً كحكم تعزية الكافر وحدود جزيرة العرب، فمثل هذه المسائل من اعتقد حرمتها فلا يفعلها، لكن لا يشنع به على المخالف، وإن كان له حق أن يبين قوله ويدعو إليه لأن قوله أيضاً في حيز المسائل التي يسوغ المخالفة فيها، ولهذا ضوابط مذكورة في مضانها من كتب وكلام أهل العلم.

    الثالثة / جائزة : وهي المعاملة الحسنة لغير الحربيين والأصل في هذا الباب، قوله تعالى  لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين َ ، ومنه الزواج من الكتابيات دون العكس، وأكل ذبائح أهل الكتاب، ومنه وهو أمر مستحب إن لم يجب دعوتهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه من دين منسوخ محرف وهكذا...

    تنبيه / إن كثيراً من الأحكام في هذا الباب تختلف بحسب المصلحة، فحالة القوة لها أحكام مغايرة لحالة الضعف، كما تقدم ذكر هذا.



    الشبهة الرابعة

    إلغاء شرعية الجهاد

    ومن تأكيد الأسس وتثبيتها أن جهاد الدفع أو الطلب أمران مشروعان من أنكر شرعيتهما ارتد وخرج من الملة ، لأنه أنكر شيئاً مقرراً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، لكن من المهم أن يعرف أن لهذا الجهاد وقتاً وشروطاً ومقاصد من أجلها شرع ، أنبه على هذه التمهيدات فيما يلي :

    التمهيد الأول : أن جهاد الأعداء وقتالهم في الشريعة مشروع لغيره لا لذاته، وهو إقامة دين الله في الأرض ، كما قال تعالى وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ

    قال ابن جرير الطبري: فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض وهو الفتنة، ويكون الدين كله لله، يقول: وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره، وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك ، ثم ساقه بإسناده عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج، وغيرهم – رحمهم الله – ا.هـ90

    وقال أبو عبد الله القرطبي: فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر ا.هـ91

    وقال ابن دقيق العيد: لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه ففضيلته بحسب فضيلة ذلك ا.هـ92

    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره: ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن يكون الدين لله تعالى فيظهر دين الله تعالى، على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال ا.هـ

    وفي حديث أبي موسى قال رسول الله  :" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" متفق عليه . قال ابن تيمية: فالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات هي مقصود الجهاد في سبيل الله ا.هـ93

    وقال ابن القيم: ولأجلها – أي التوحيد- جردت سيوف الجهاد ا.هـ94 . ولو كان الجهاد مقصوداً لذاته لما سقط بأخذ الجزية كما قال تعالىقَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وفي حديث بريدة في صحيح مسلم: كان رسول الله  إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال:" اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فذكر الإسلام، فإن لم يستجيبوا فالجزية، فإن لم يعطوا فالقتال " .

    التمهيد الثاني : إذا تبين أن الجهاد مشروع لغيره، وهو إقامة دين الله في الأرض فقبل الدعوة إليه لا بد من الفقه الشرعي الدقيق والنظر المتعمق الطويل هل الدعوة بهذه الوسيلة تحقق الغاية المقصودة وهي إقامة دين الله أم لا؟

    ومن الأمور المعينة على إدراك واقع المسلمين أنهم إذا كانوا في ضعف من جهة العدة والعتاد بالنسبة لعدوهم فلا يصح لهم أن يسلكوا مسلك جهاد العدو وقتاله لكونهم ضعفاء، ويوضح ذلك أن الله لم يأمر رسوله  والصحابة بقتال الكفار لما كانوا في مكة، لضعفهم من جهة العدة والعتاد بالنسبة لعدوهم.

    قال ابن تيمية: وكان مأموراً بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار . فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش وملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله – تعالى – بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة، فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال ا.هـ95

    وقال: وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك ا.هـ96

    وقال: فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى اللذين أمر الله بهما في أول الأمر، وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية، وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون آخر عُمُر رسول الله  وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ا.هـ97

    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لما قوي المسلمون للقتال أمرهم الله به، بعدما كانوا مأمورين بكف أيديهم ا.هـ98

    وقال- رحمه الله -: ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال – مع قلة عددهم وعددهم، وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحكم. وكان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً فلما هاجروا إلى المدينة ، وقوي الإسلام ، كتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك ا.هـ99

    وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :" لابد فيه من شرط وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة ، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة ، لأنهم عاجزون ضعفاء فلما هاجروا إلى المدينة وكونوا الدولة الإسلامية وصار لهم شوكة أمروا بالقتال، وعلى هذا فلابد من هذا الشرط ، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة لقوله تعالى :  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا  ا.هـ100

    وقال رداً على سؤال يتعلق بحاجة المجتمع الإسلامي للجهاد في سبيل الله بعد بيانه – رحمه الله – فضل الجهاد ومنزلته العظيمة في الشرع الإسلامي ليكون الدين كله لله، وأضاف هل يجب القتال أو يجوز مع عدم الاستعداد له؟، فالجواب: لا يجب ولا يجوز ونحن غير مستعدين له، والله لم يفرض على نبيه وهو في مكة أن يقاتل المشركين ، وأن الله أذن لنبيه في صلح الحديبية أن يعاهد المشركين ذلك العهد الذي إذا تلاه الإنسان ظن أن فيه خذلاناً للمسلمين . كثير منكم يعرف كيف كان صلح الحديبية حتى قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟. قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا ؟، فظن أن هذا خذلان، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما في شك أنه أفقه من عمر، وأن الله تعالى أذن له في ذلك وقال: إني رسول الله ولست عاصيه وهو ناصري … وإن كان ظاهر الصلح خذلاناً للمسلمين ، وهذا يدلنا يا إخواني على مسألة مهمة وهو قوة ثقة المؤمن بربه .. المهم أنه يجب على المسلمين الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار حتى ولو جهاد مدافعة وجهاد المهاجمة ما في شك الآن غير ممكن حتى يأتي الله بأمة واعية تستعد إيمانياً ونفسياً ، ثم عسكرياً ، أما نحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد ا.هـ101.

    ومما يزيد أن القوة شرط لإقامة جهاد الطلب ابتداء أن الله اشترط في العدد للوجوب أن يكون الرجل المسلم مقابل اثنين، كما قال تعالىالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فلو كان الكفار ثلاثة أضعاف المسلمين لما وجب عليهم القتال، ولصح لهم الفرار، كما فعل الصحابة في مؤتة. فهذا يؤكد أن القوة شرط، ومن هذا – أيضاً – ما أخرج مسلم عن النواس بن سمعان في قصة قتل عيسى عليه السلام للدجال قال: قال رسول الله  : فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان (أي لا قدرة) لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور (أي ضمهم إلى جبل الطور ) ويبعث الله يأجوج ومأجوج … "

    قال النووي: قال العلماء معناه لا قدرة ولا طاقة – ثم قال – لعجزه عن دفعه، ومعنى حرزهم إلى الطور أي ضمهم واجعل لهم حرزاً ا.هـ102

    ففي هذا الحديث أنه لما كانت قوة عيسى عليه السلام ضعيفة بالنسبة ليأجوج ومأجوج أمره الله ألا يقاتلهم ويجاهدهم، فدل هذا على أن القدرة شرط.

    التمهيد الثالث: بالإضافة إلى قوة العدة والعتاد، فلابد من قوة الإيمان والإسلام عند المسلمين، وإلا فإذا كانت ذنوب المسلمين ظاهرة شاهرة متكاثرة، وكان قيامهم بالدين ضعيفاً لا سيما في أمر التوحيد والسنة بأن يكون الشرك والبدع وعموم المعاصي شائعاً عند المسلمين مألوفاً، ويكون أهلها غالبين، فإذا كان حال المسلمين كذلك، فإنهم عن نصر الله محجوبون إلا أن يشاء الله بفضله ورحمته . قال تعالى  أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ 

    قال ابن جرير:  قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا يعني قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد )أَنَّى هَذَا ) من أي وجه هذا ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا ونحن مسلمون وهم مشركون وفينا نبي الله  يأتيه الوحي من السماء وعدونا أهل كفر بالله وشرك قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم بخلافكم أمري وترككم طاعتي لا من عند غيركم ولا من قبل أحد سواكم ا.هـ103

    ونقله عن جماعة من السلف كعكرمة والحسن وابن جريج والسدي . وقال أبودرداء :إنما تقاتلون بأعمالكم 104.

    وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: قلتم أنى هذا أي من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ قل هو من عند أنفسكم حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم واحذروا من الأسباب المرديةا. هـ 105

    وقال ابن تيمية: وحيث ظهر الكفار، فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال – تعالى -وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقال أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ا.هـ106

    وقال: وأما الغلبة فإن الله تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة، كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي  مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين فإن الله يقول إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ وإذا كان في المسلمين ضعفٌ ، وكان عدوهم مستظهراً عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطناً وظاهراً، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطناً وظاهراً، قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وقال تعالى أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  وقال تعالى وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ا.هـ107

    وقال ابن القيم : فلو رجع العبد إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه، وأنفع له من خصومة من جرى على يديه ، فإنه – وإن كان ظالماً – فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه . قال الله تعالىأَوَلَمَّ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ فأخبر أن أذى عدوهم لهم، وغلبتهم لهم: إنما هو بسبب ظلمهم . وقال الله تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ا.هـ108

    وقال: وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالىإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ وقال فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر، والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم. وهو من نقص إيمانه.

    وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلاً في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلاً في الحجة .

    والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي، مدفوع عنه بالذات أينما كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهراً وباطناً. وقد قال تعالى للمؤمنين  وَلا تَهنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقال تعالى فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم، إذ كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره ا.هـ109 .

    وإن المسلمين إذا رجعوا إلى دينهم الحق القائم على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فإن الله ينصرهم، ويجعل لهم العزة والتمكين كما قال تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنّ َ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّ َهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جداً بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل. فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ولا يخافون أحداً إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح ا.هـ.

    أيها المسلمون الصادقون والمؤمنون الموقنون هذا سبيل عز الإسلام والمسلمين، وتمكينه في الأرض، فاسلكوه واجتهدوا في تكثير سالكيه، ولا يغرنكم الشيطان، ويخذلنكم بأن هذا الطريق بعيد منتهاه تفنى الأعمار دونه، كما لبس على كثيرين؛ لأننا لم نؤمر من ربنا إلا بإبلاغ ما يحبه الله ورسوله والسير على الطريق النبوي، ولم نطالب بالنتائج، وقطف الثمار قال تعالى إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ولنكن على علم أن الله لو أراد هداية المدعوين، وعز الإسلام والمسلمين لفعل كما قال تعالى وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ، وكن على ذكر من أن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.

    تنبيه / إن من لديه معرفة ولو قليلة بحال الأمة الإسلامية اليوم وكان ناصحاً أميناً ليرى أن ما يقوم به بعضهم من دعوة الأمة لجهاد الكفار جهاد الطلب هو من إهلاكها والتردي بها في الهاوية لأن أمتنا – وإلى الله المشتكى – تفقد في هذه الأزمان قوتها الدينية، فرايات الشرك من دعاء الأولياء والتقرب إليهم مرفوعة، وأطناب التصوف والبدع مضروبة، ناهيك عن الإلحاد والتحريف لأسماء الله وصفاته من جهة الأشاعرة والمعتزلة والجهمية، فهو الشيء المقرر في أكثر جامعاتها ومعاهدها المسماة إسلامية .

    أما في الدعوة إلى الله فتحزب وجماعات جاهلية توالي وتعادي على الحزب، يميلون مع الأهواء حيث مالت: جماعة هدفها الحكم فحسب فسعت لتكثير الناس ولو على غير الدين باسم المصلحة؛ ليقفوا معها لنيل الهدف المنشود كجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة هدفها هداية المدعوين ولو على غير السبيل والطريق المستقيم110؛ لذا تراهم لا يتورعون عن الوقوع في الحرام لهداية غيرهم فترى كثيراً من أتباعها جهالاً لا علم لهم كجماعة التبليغ . ومن عجيب أمر هاتين الجماعتين أنهما لا يدعوان إلى التوحيد ونبذ الشرك كي لا يفرقوا الناس عنهم .

    أما الفساد الأخلاقي والتتبع لسنن الغرب الكافر فهو هدي الكثير لاسيما الشباب والشابات، فإذا كانت هذه حال أكثر أمتنا – اليوم – فهي أمة ظالمة لا يولى عليها إلا أمثالها من الظلمة كما قال تعالى وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فكما تكونوا يولى عليكم، بل وهم عن نصر الله بعيدون؛ لأنهم لم ينصروا الله كما قال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ إلا أن يتفضل الله بفضله ورحمته الواسعة .

    ثم من جهة العدة والعتاد فنحن – كما لا يخفى – ضعفاء بالنسبة لعدونا الكافر فهو المصنع للأسلحة والمحتكر، ونحن المستهلكون لرديء ما صنع؛ لذا الوسيلة الناجعة الناجحة لعز الأمة وتمكينها الرجوع إلى الله والدعوة بالكلمة رويداً رويداً، فإن أغلق باب ولج الداعية من باب آخر وهكذا  وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً .

    والذين يدعون الأمة – الآن – لجهاد العدو الكافر هم في الحقيقة يسعون لهلاكها من حيث لا يدرون .

    قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ولهذا لو قال لنا قائل : الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا وفرنسا وانجلترا ؟؟!!!! لماذا؟؟ لعدم القدرة الأسلحة التي قد ذهب عصرها عندهم هي التي في أيدينا وهي عند أسلحتهم بمنزلة سكاكين الموقد عند الصواريخ ما تفيد شيئاً فكيف يمكن أن نقاتل هؤلاء ؟ ولهذا أقول: إنه من الحمق أن يقول قائل :أنه يجب علينا أن نقاتل أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا كيف نقاتل هذا تأباه حكمة الله عز وجل ويأباه شرعه لكن الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله به عز وجل َأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ، هذا الواجب علينا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة، وأهم قوة نعدها هو الإيمان والتقوى …ا.هـ111.

    بل حتى إحياء روح الجهاد في أرض مسلمين تمكنت منها الكفار لا يصح إذا كان يترتب عليه مفاسد أعظم من إهلاك المسلمين وزيادة تسليط للكافرين كما نراه من حولنا .

    فائدة/ اعترض بعضهم على القول بعدم مشروعية الجهاد- الآن- لأننا نعيش حالة ضعف بما روى الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله قال:" ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة" وفي صحيح مسلم قال عبد الله بن عمرو بن العاص: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم. فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر فقال له مسلمة: يا عقبة! اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم وأما أنا فسمعت رسول الله يقول:" لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" فقال عبد الله: أجل ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك مسها مس الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة"، فقال المعترض: في هذين الحديثين وما في معناهما تأكيد استمرار الجهاد في كل زمان، وأن المسلمين لا ينقطعون عنه إلى أن تهب هذه الريح الطيبة .

    وما فهمه هذا المعارض من استمرار الجهاد مردود من ثلاثة أوجه:

    1/ أن سنة رسول الله العملية أكبر شاهد، وأظهر دليل على أن قتاله لم يكن دائماً مستمراً ، بل كان ينقطع ما بين غزوة وأخرى ، وهذا رد واضح على المستدلين بظاهر هذه النصوص .

    2/ "أن عيسى عليه السلام إذا نزل فسيقاتل اليهود وغيرهم، فإذا أخرج الله يأجوج ومأجوج أوحى إليه ألا تقاتلهم وخذ من معك إلى جبل الطور؛ لأنه لا قوة لك عليهم" أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان –وقد تقدم – فها هو عيسى عليه السلام لا يستمر مقاتلاً إلى أن يبعث الله الريح الطيبة .

    3/ أن السنة يفسر بعضها بعضاً فلا يصح لأحد أن يأخذ بعضاً من كلام رسول الله ويبني عليه دون النظر في كلامه الآخر الذي يفسره ، فقد تقدم من الدلائل على أن جهاد الطلب لا يصح في حالة الضعف، وجهاد الدفع يسقط بعد تمكن العدو .

    فإن قيل: فما معنى هذين الحديثين؟

    فيقال: معناهما أنه لا تزال عصابة قائمة بأمر الله ومنه الجهاد إذا جاء وقته وهو وجود القوة الإيمانية والعسكرية وكانت مصلحة الإسلام والمسلمين في إقامته .

    واعترض بعضهم بجهاد المسلمين للتتار وانتصارهم عليهم.

    فيقال: الرد على هذا من أوجه وأكتفي بوجهين:

    أولاً/ إن جهاد المسلمين للتتار من جنس جهاد الدفع لا الطلب .

    ثانياً / هذا حدث تاريخي واقعي منقول، فعلى فرض التعارض فالأدلة الشرعية لا ترد بالأحداث التاريخية .

    إذا تقررت هذه التمهيدات واتضحت فإن من المعلوم عند أهل السنة أن ترك الطاعة الواجبة إثم ولا يلزم منه إنكار شرعيته، فمن ترك صلة الأرحام أو بر الوالدين وغيرها فإنه يكون آثماً لا كافراً لأنه ليس لازم الترك إنكار الشرعية إلا عند الخوارج والمعتزلة والمتأثرين بهم. وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة عند الكلام على ترك الحكم بما أنزل الله.

    هذا كله إذا كان الترك مع القدرة على الجهاد والمصلحة ترجّح القيام به، فكيف وأنه لا قدرة على الجهاد والمصلحة تدعو إلى تركه في مثل هذه الحالة كما تقدم بيانه.

    الشبهة الخامسة

    محاربة الدين بسجن الدعاة والمجاهدين وهذا كفر

    والرد على هذه الشبهة من أوجه :

    1/ أن أكثر الذين ذهبوا إلى الجهاد وعادوا لم يسجنوا ولم يمسوا بسوء، وخير برهان هو الواقع المشاهد الذي نعايشه، وهو أوضح من أن يمثل عليه، فلو كان هذا هو سبب السجن لما ترك هؤلاء.

    2/ أن علماء السنة الكبار كالإمام ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله – كانوا يدعون ويحثون على الجهاد الأفغاني الأول، ولو كان السبب ما تزعم لكانوا أولى بالسجن هم وطلابهم السائرون على طرقتهم.

    3/ أن الدولة السعودية – حماها الله – وقفت مع الجهاد الأفغاني الأول وقفة مشرفة وصدعت بالتأييد حتى في هيئة الأمم المتحدة.

    وإليك مقتطفات من كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز في هيئة الأمم المتحدة التي ألقاها نيابة عن خادم الحرمين الشريفين بتاريخ 17/1/1406هـ في الجمعية العامة للأمم المتحدة: إننا من على هذا المنبر نعرب عن ارتياحنا لموقف الولايات المتحدة الأمريكية المؤيد للشعب الأفغاني في حقه في تقرير مصيره.. كما نعرب عن ارتياحنا لموقف الاتحاد السوفيتي المؤيد للشعب الفلسطيني في حقه في تقرير مصيره، إلا أن مؤازرة الاتحاد السوفيتي للقضية العربية وتأييده للحق العربي في فلسطين لا يبرر إطلاق يده في أفغانستان واحتلالها عسكرياً وسلب الشعب الأفغاني استقلاله وكرامته.. كما أن معارضة الولايات المتحدة للاحتلال السوفيتي لأفغانستان ومطالبتها بمنح حق تقرير المصير للشعب الأفغاني لا يبرر دعمها غير المحدود وغير المشروط لإسرائيل وعدم تأييدها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه وإقامة دولته على أرضه، ويجب على الولايات المتحدة تأييد الحق والعدل والشرعية الدولية.

    – ثم قال – إن مصداقية هذه المنظمة معرضة للاهتزاز إذا هي استمرت بالاكتفاء بإصدار القرارات والتوصيات، لقد حثت الأمم المتحدة وأدانت بما فيه الكفاية ومع ذلك لم تتحقق التسوية الشاملة والعادلة لهذه القضية ( قضية فلسطين )، ونتساءل بعد ذلك هل بقي أمام الأمم المتحدة سوى دفع هذا الإجماع من مستوى الإدانة إلى مستوى الإجراء الملموس للوصول إلى تلك التسوية. إن هذه المنظمة لم يعد أمامها من خيار سوى استرجاع مصداقيتها والتأكيد عليها بإعطاء قراراتها صفة الجدية ولا جدية دون تنفيذ.

    – ثم قال – إن ما حدث في أفغانستان لهو مؤشر خطير لما يمكن أن يحدث في العالم، والعالم الثالث بصفة خاصة، إذا استمر هذا التوجه دون وقفة حاسمة من المجتمع الدولي. فمن يدافع عن شعوب دول العالم الثالث إزاء احتلال مباشر مماثل لما تعرضت له الشقيقة أفغانستان. لقد دخل التواجد السوفيتي في أفغانستان عامه السادس وما زال المجاهدون الأفغان يخوضون حرباًَ ضارية دفاعاً عن دينهم وبلادهم وحقوقهم. ولقد بذلت منظمة المؤتمر الإسلامي جهوداً مكثفة لإزالة مظاهر القهر والاحتلال التي تعرض لها الشعب الأفغاني ليتمكن من تحرير إرادته وتأمين حقه في الحرية والاستقلال، كما بذلت منظمة الأمم المتحدة جهوداً مشكورة لإيجاد حل لهذه القضية. إن المملكة العربية السعودية إذ تؤيد تلك المساعي، فإنها تلفت النظر إلى أن أية جهود تبذل في هذا الإطار لابد وأن تأخذ بعين الاعتبار حقوق المجاهدين الأفغان ومطالبهم، وهي إذ تحيي أولئك المجاهدين، فإنها تؤيد تأييداً كاملاً مطالب الشعب الأفغاني بالجلاء عن أراضيه وإقامة حكم يرتضيه لنفسه يحافظ به على حياده ويحفظ عقيدته ا.هـ112

    فبالله عليكم – أهل الإنصاف – هل يقال لمن هذا موقفهم إنهم يسجنون المجاهدين، ولأنهم مجاهدون يقولون: ربنا الله !!؟ إذاً بقي أن نتساءل: لماذا سجنت دولة التوحيد – حماها الله – بعض الدعاة والقادمين من الجهاد الأفغاني ؟

    السبب هو أن كثيراً من الشباب الموحد لما جاء إلى أرض أفغانستان للجهاد والدفاع عن أرض المسلمين تلقفتهم أيدٍ تكفيرية مفسدة تسعى إلى إفساد أفكارهم والتلبيس عليهم تجاه علمائهم وولاتهم، فتحاول إقناعهم بفساد علمائهم وكفر حكامهم، والبعض يحاول إقناعهم حتى بكفر علمائهم، وليس هذا تقولاً وافتراء بل هو ما دلت عليه الوقائع وأقر به القائمون بالتفجيرات في بلاد التوحيد بدءاً بتفجير العليا عام 1417ه مروراً بتفجير شرق الرياض ثم مجمع المحيا .

    إذا عرفت حال بعض الشباب المشاركين في الجهاد بعد ذهابهم إلى أرض أفغانستان عرفت سبب سجن بلاد التوحيد لهم. وكما قيل: إذا عرف السبب بطل العجب.

    وبهذا تعرف أن اتهام بلاد الحرمين بأنها تسجن المجاهدين والدعاة وهي في الواقع إنما تسجن أصحاب الأفكار الفاسدة الشاذة عرفت أن هذا الإطلاق من جنس إطلاق اللفظ المجمل ليتم لبس الحق بالباطل، كما هو صنيع أهل البدع في كل زمان وحين ؛ لذا إذا سمع هذه المقولة من لا دراية له استقر في نفسه أن بلاد الحرمين عدوة للإسلام والمسلمين – قاتل الله الظالمين -.

    قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – : والدروس في المساجد قائمة إلا من حصل منه مخالفة، أو خشي منه فتنة، فهنا لابد أن يمنع الشر أو ما هو من أسباب الشر ا.هـ113

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Nov 2008
    المشاركات
    1,664

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    الشبهة السادسة

    التكفير لهذه الدولة باستحلال الربا فإن تحريم الربا معلوم من الدين بالضرورة فمن استحله فقد كفر

    وجواب هذه الشبهة أن يقال: لاشك أن الربا حرام ومن كبائر الذنوب، وسبب عظيم من أسباب تدهور الاقتصاد وذهاب البركة وتسلط الأعداء من الداخل والخارج قال تعالى  الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.

    ولا يكون كفراً مخرجاً من الملة بمجرد التعامل به، وهذا مما لا يخالف فيه حتى هؤلاء التكفيريين إلا أنهم جعلوه كفراً إذا أذن وصرح له وحمي – كما سيأتي -، وهذا تكفير بما لم يكفر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، والتكفير – كما تقدم – حق لله، فأين من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن هذا كفر؟

    والحماسة والاندفاع والعويل والتهويل ليست مبرراً شرعياً للتكفير بما ليس مكفراً ؛ لذا لما استعظم الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب – رضي الله عنه وأرضاه – فعل حاطب وكفره به لم يوافقه على ذلك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم – كما تقدم في حديث حاطب -، وإنه لو فتح الباب للحماسة والعاطفة لكفرت خلقاً كثيراً ممن لم يكفرهم الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولعله لو ذكر لمتحمس عاطفي أن رجلاً ينفق على المباحات والحرام من الخمور والزنا الملايين، ولو طلبت منه صدقة ريال واحد لما تصدق به، لعل مثل هذا لو ذكر له لكفره بحجة أن هذا الرجل معاند مستكبر وهكذا...

    والقول بأن حماية المحرم كفر مفتقر إلى دليل، وهذه دونكم مصنفات أهل العلم فأين الدليل على أن مثل هذا كفر؟! بل دلت الأدلة على أن المحرمات ليست كفراً إلا إذا كانت على وجه كفري كالإباء والاستكبار والإعراض والجحود، وهذه ألفاظ شرعية بينتها الشريعة ووضحها أهل العلم، ولم يجعلوا للحماسات فيها مدخلاً، فالمكفر لأجل الاستكبار أو الإعراض آثم إلا إذا كان عارفاً بمدلول هذه الألفاظ شرعاً على طريقة أهل العلم الراسخين، وإلا صار متكلماً في العلم بجهل، والمتكلم في العلم بجهل لا يضر إلا نفسه.

    وما أكثر الخائضين في هذه المسائل بجهل، ومن أمثلة ذلك عبثهم بمدلول لفظ (الالتزام) كما تقدم بيانه. ولو سألت أحدهم عن رجل شراب للخمر كثير الزنا قد جعل حرساً يدافعون عنه إذا جاءه رجال الحسبة، فهل مثل هذا يكفر لأجل أنه حمى الحرام ؟! فما هم قائلون ؟ ألم يقرأوا في كتب الاعتقاد السلفية للأئمة السلف الماضين أن أهل السنة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، رداً منهم على الخوارج والمتأثرين بهم؟

    فليتق الله هؤلاء من صنيعهم واعتقادهم، وليعلموا أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، ولعلي أشير إشارة خفية يفهمها أولو الألباب دون غيرهم في موضوع الربا، وهي علة أصناف الربا الستة في حديث عبادة وغيره.

    سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله - : هل وجود بعض المعاصي من الكبائر في هذه البلاد كالبنوك الربوية يجوز الخروج على ولاة الأمر وعدم طاعتهم ؟

    فأجاب: وجود المعاصي لا يجوز الخروج، وجود المعاصي من الوالي ومن الرعية لا يجوز الخروج على ولاة الأمور، ولكن يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ولاة الأمور أن يجتهدوا في إزالة المنكر، وأن يتقوا الله وأن يجتهدوا في إزالة المنكر بالطرق الشرعية، وعلى العلماء المناصحة وعلى أفراد الرعية تقوى الله والاستقامة والحذر من المنكر والتواصي بترك المنكر، والتواصي بالأمر بالمعروف كما قال عز وجل  وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، أما شق العصا أو الخروج على ولاة الأمور بسبب المعصية الربا وغيره، فهذا من دين الخوارج من أعمال الخوارج..ا.هـ 114

    سئل فضيلة الشيخ صالح الفوزان: فضيلة الشيخ – وفقكم الله – هناك من يدعو الشباب وبخاصة في الانترنت إلى خلع البيعة لولي أمر هذه البلاد، وسبب ذلك لوجود البنوك الربوية وكثرة المنكرات الظاهرة في هذه البلاد. فما توجيهكم حفظكم الله.

    فأجاب: توجيهنا أن هذا كلام باطل ولا يقبل، وهذا يدعو إلى الضلال، ويدعو إلى تفريق الكلمة، وهذا يجب الإنكار عليه، ويجب رفض كلامه وعدم الالتفات إليه لأنه يدعو إلى باطل يدعو إلى منكر ويدعو إلى شر وفتنة. ا.هـ115

    الشبهة السابعة

    أنه لا عهد ولا أمان لهؤلاء الكفار

    وذلك لأمرين :

    الأول : أن هؤلاء الحكام كفار ولا يعتد بأمانهم.

    الثاني: أن الكفار قتلوا المسلمين في عدة أماكن فيكونون بهذا نقضوا العهد.

    وجواب الأول من أوجه :

    1-أنه تقدم عدم صحة التكفير لحكام هذه البلاد، وأن غاية ما كفروهم به – لو ثبت -هي أمور مختلف في التكفير بها، والمسائل المختلف فيها لا يكفر بها الأعيان - كما تقدم -، فعليه يكون التزام أمانهم واجباً، وقد أخرج البخاري عن علي :" ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ".

    2- لو قدر أن الأمر كفر في ذاته بلا خلاف، فإن تنزيله على المعين محتاج إلى توافر الشروط وانتفاء الموانع، قال ابن تيمية: ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم ا.هـ116

    وقال: هذا مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك مني : إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية ؛ إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها : وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية ا.هـ117

    وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب: وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبدالقادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما ؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله ؟! إذا لم يهاجر إلينا ، أو لم يكفر ويقاتل سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ا.هـ118

    3-أن الكافر إذا دخل بلاد المسلمين سيعطيه الأمان آخرون غير ولي الأمر كالعاملين في الجوازات وغيرهم، وأمان هؤلاء صحيح بالإجماع.

    4-أن شبهة الأمان وهو ظنهم الأمان كالأمان الحقيقي قال ابن تيمية: ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم ا.هـ119

    وقال: هذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمناً، وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان، ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر، فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمناً بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه ا.هـ120

    وقال الشافعي في الأم في باب الأمان: وإذا أمن من دون البالغين والمعتوه قاتلوا أم لم يقاتلوا لم نجز أمانهم، وكذلك إن أمن ذمي قاتل أم لم يقاتل لم نجز أمانه، وإن أمن واحد من هؤلاء فخرجوا إلينا فعلينا ردهم إلى مأمنهم ولا نعرض لهم في مال ولا نفس من قبل أنهم ليسوا يفرقون بين من في عسكرنا ممن يجوز أمانه ولا يجوز وننبذ إليهم فنقاتلهم ا.هـ121

    بل قال الأوزاعي في أهل الذمة : إن غزا الذمي مع المسلمين فأمن أحداً فإن شاء الإمام أمضاه وإلا فليرده إلى مأمنه. 122 قارن هذا بفعال هؤلاء المبطلين في الاستهانة بالذمم والأمان ****!!

    5-أنه لو قدر أنه لا أمان لهم فإن قتلهم يجر على الإسلام والمسلمين الأضرار الجسيمة من منع الدعوة إلى الله وإيذاء المسلمين المتغربين في بلاد الكفر، بل ويكون سبباً لتسلط الكفار الأقوياء على المسلمين الضعفاء، وما خبر حرب دولتين من دول الإسلام (أفغانستان والعراق ) على إثر وجراء تفجير البرجين في نيويورك عنا ببعيد.

    وإليك بعض المسائل الشرعية المتعلقة بالأمان ليدرى قدر تشديد الشرع فيه :

    المسألة الأولى / أمان المرأة:

    بعد إجماعهم على أمان الرجل العاقل البالغ، فقد ذكر خلاف في المرأة، قال الحافظ: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئاً ذكره عبدالملك – يعني ابن الماجشون صاحب مالك – لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم:" يسعى بذمتهم أدناهم " دلالة على إغفال هذا القائل انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رد ا.ه123ـ

    وبوب البخاري : باب أمان النساء وجوارهنّ. ثم روى حديث أم هانئ:" قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "

    وقال ابن عبدالبر: وكان ابن الماجشون وسحنون يقولان: أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام له، فإن أجازه له جاز، فهو قول شاذ لا أعلم أحدا قال به غيرهما من أئمة الفتوى ا.هـ124.

    وقال ابن قدامة: وبالمرأة، فإن أمانها يصح في قولهم جميعاً. قالت عائشة: إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز. وعن أم هانئ أنها قالت: يا رسول الله إني أجرت أحمائي، وأغلقت عليهم، وإن ابن أمي أراد قتلهم. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، إنما يجير على المسلمين أدناهم " رواهما سعيد. وأجارت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ا.هـ125

    وهذا هو الصواب لعموم حديث :" ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم " ولحديث أم هانئ.

    المسألة الثانية / أمان العبد:

    قال ابن عبدالبر : واختلف العلماء أيضاً في أمان العبد: فقال مالك والشافعي وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي: أمانه جائز قاتل أو لم يقاتل. وهو قول محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: أمانه غير جائز إلا أن يقاتل، وهو قول أبي يوسف، وروي عن عمر معناه ا.هـ126

    وقال: أما أمان العبد فكان أبو حنيفة لا يجيزه إلا أن يقاتل. واختلف على أبي يوسف في ذلك. وقال محمد بن الحسن: يجوز أمانه وإن لم يقاتل. وهو قول مالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي. وعن عمر من طرق أنه أجاز أمان العبد، ولا خلاف في ذلك بين السلف إلا ما خرج مخرج الشذوذ ا.هـ127

    وقال الحافظ : وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه قاتل أو لم يقاتل، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه وإلا فلا. وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال صح أمانه وإلا فلا ا.هـ128

    والصواب صحة أمانه لعموم حديث " يسعى بها أدناهم ".

    المسألة الثالثة/ الصبي المميز :

    قال ابن قدامة: فأما الصبي المميز فقال ابن حامد: فيه روايتان: إحداهما لا يصح أمانه. وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه غير مكلف، ولا يلزمه بقوله حكم فلا يلزم غيره كالمجنون. والرواية الثانية: يصح أمانه. وهو قول مالك. وقال أبو بكر: يصح أمانه رواية واحدة. وحمل رواية المنع على غير المميز، واحتج بعموم الحديث، ولأنه مسلم مميز فصح أمانه، كالبالغ وفارق المجنون، فإنه لا قول له أصلاً ا.هـ129 قال الحافظ: وأما الصبي فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز. قلت: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكلام المميز الذي يعقل. والخلاف عن المالكية والحنابلة ا.هـ130 والصواب صحة أمان المميز لعموم حديث " يسعى بها أدناهم " فإن الشريعة توسع باب الأمان.



    المسألة الرابعة/ الأسير:

    قال ابن قدامة : ويصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره لدخوله في عموم الخبر ولأنه مسلم مكلف مختار فأشبه غير الأسير. وكذلك أمان الأجير والتاجر في دار الحرب. وبهذا قال الشافعي. وقال الثوري: لا يصح أمان أحد منهم. ولنا عموم الحديث والقياس على غيرهم ا.هـ 131

    وقال الحافظ (7/776): وحكى ابن المنذر عن الثوري أنه استثنى من الرجال الأحرار الأسير في أرض الحرب فقال: لا ينفذ أمانه، وكذلك الأجير ا.هـ132

    والصواب صحة أمانه لعموم حديث علي ولأن الشرع يوسع الأمان.

    المسألة الخامسة / المجنون:

    قال ابن قدامة: ولا يصح أمان مجنون ولا طفل لأنه كلامه غير معتبر، ولا يثبت به حكم. ولا يصح أمان زائل العقل بنوم أو سكر أو إغماء لذلك، ولأنه لا يعرف المصلحة من غيرها فأشبه المجنون. ولا يصح من مكره لأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح كالإقرار ا.هـ133 قال الحافظ: وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف كالكافر ا.هـ134

    المسألة السادسة/ الكافر:

    قال ابن قدامة: ولا يصح أمان كافر وإن كان ذمياً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم " فجعل الذمة للمسلمين، فلا تحصل لغيرهم ولأنه متهم على الإسلام وأهله، فأشبه الحربي ا.هـ135 وتقدم عن الحافظ ابن حجر أنه نفى الخلاف في المسألة.

    المسألة السابعة/ بأي شيء يكون الأمان :

    قال ابن عبدالبر: ولا خلاف علمته بين العلماء في أن من أمن حربياً بأي كلام لهم به الأمان، فقد تم له الأمان. وأكثرهم يجعلون الإشارة الأمان إذا كانت مفهومة بمنزلة الكلام ا.هـ136

    وجواب الثاني ( أن الكفار قتلوا المسلمين في عدة أماكن فيكونون بهذا نقضوا العهد ):

    1-تقدم في هذا الكتاب بيان بالدليل الشرعي لا العاطفي الحماسي أن كل دولة لها حاكم هي مستقلة بحكمها.

    2-أن هناك فرقاً بين حال القوة والضعف ففي حال الضعف يصبر على كثير من الضيم دون حال القوة كما تقدم الكلام عن صلح الحديبية.

    3-أن في نقض العهد بين المسلمين والكفار مطلقاً إضراراً بالمسلمين في شرق الأرض وغربها.

    4-أن الذي يحدد نقض العهد وبقاءه ولي الأمر لا عامة الناس، وإلا صار الأمر فوضى، والفوضى محرمة وما لا يتم ترك المحرم إلا به فهو واجب.

    الشبهة الثامنة

    يجوز نقض العهد الذي التزمناه عند دخول بلاد الكفار حين ختم الجواز

    بدليل أنه روى جابر وأبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الحرب خدعة " متفق عليه

    الجواب من وجهين :

    1-فرق كبير في الشرع بين نقض العهد ( الخيانة ) والخدعة، فالأول محرم بالإجماع. أما الثاني: جائز في الحرب بالإجماع فإن الخدعة ليس فيها نقض للعهد، وإنما إبداء أمر وفعل خلافه مخادعة للمحاربين، ومن سوى بينهما فقد سوى بين ما فرقت الشريعة بينها فقياسه فاسد لكونه خطأ من حيث الأصل ولمخالفته الشرع من جهة أخرى، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية متواترة في الإيفاء بالعهد قال تعالى  وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً وقال  أَوْفُوا بِالْعُقُودِ  بل وجاء النهي عن الغدر في الحرب بأدلة خاصة منها ما خرج مسلم عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا"،

    ومن أبلغ ما نحن بصدده الحديث الذي خرج مسلم عن حذيفة قال : ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل قال: فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم تريدون محمداً ؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر. فقال:" انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم " وفي لفظ " تفيا لهم بعهدهم "

    أرأيتم كيف الإيفاء بالعهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قارن واقع هؤلاء المبطلين بهذه النصوص !!

    2- أن هذه الفعال لو جازت جدلاً – وهذا من المحال شرعاً - لحرم فعله لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة كما تقدم بيانه، ودين الله قائم على جلب المصالح ودرء المفاسد.

    الشبهة التاسعة

    يجوز في الشرع قتل الكفار وتدمير دورهم، ولو قتل في ذلك بعض المسلمين

    كما جوز العلماء التترس بإجماع، قال القرطبي: قد يجوز قتل الترس وذلك إذا كانت المصلحة ضروريَّة كلية ولا يتأتى لعاقل أن يقول لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه , لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين ا.هـ 137

    قال ابن تيمية: ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك ا.هـ138

    الجواب من أوجه :

    الأول: أن قتل المسلمين الذين تترس بهم جائز بالاتفاق الذي نقله ابن تيمية، أما تدمير دور الكفار وقتل أنفسهم فهو محرم إذا كانوا في بلادنا معاهدين أو بدخولنا بلادهم، وقد أخذوا العهود والمواثيق على من دخل عليهم بالتزام الأمن وذلك بتختيم جواز الدخول - كما تقدم بيانه – فعلى هذا لا يصح قياس ما حرم الله بما أجاز.

    الثاني: أن حالة التترس اضطرارية، وذلك بأن تترس الكفار بمسلمين لقتل مسلمين أكثر أو إفساد مفسدة أكبر ؛ لذا جازت من درء المفسدة الكبرى بما هو أخف، وواقع هؤلاء المفجرين العكس تماماً، فإنهم في غير حالة الاضطرار، وأيضاً يفسدون أكثر مما يصلحون إن كانوا يصلحون شيئاً.

    الشبهة العاشرة

    ثبت في البخاري ومسلم عن ابن عباس عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " فبقاؤهم منكر يجب إزالته.

    والجواب من أوجه /

    1-أن غاية ما يفيد الحديث وجوب إخراجهم لا قتلهم، والمنكر لا يزال بمنكر أكبر منه وهو قتل المعاهد، فقد أخرج البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة "

    2-أن قتلهم يجر على المسلمين مفاسد عظمى على مستوى الأفراد والجماعات والدول، وما ترتب عليه مفسدة أكبر حرم فعله كما تقدم بيانه.

    3-أن العلماء اختلفوا في حدود جزيرة العرب التي يحرم على المشركين دخولها على أقوال:

    قال ابن عبدالبر: أما قوله: أرض العرب وجزيرة العرب، في هذا الحديث، فذكر ابن وهب عن مالك قال: أرض العرب مكة والمدينة واليمن، وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام عن الأصمعي قال: جزيرة العرب من أقصى عدن إلى أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من سائر البحر إلى إطرار الشام.

    قال أبو عبيد، وقال أبو عبيدة: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض فمن بير يبرين إلى منقطع السماوة – ثم قال – قال مالك بن أنس: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمامة واليمن. قال: وقال المغيرة بن عبدالرحمن: جزيرة العرب المدينة ومكة واليمن وقرياتها.

    وذكر الواقدي عن معاذ بن محمد الأنصاري أنه حدثه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي أنه سمعه يقول: القرى العربية الفرع وينبع والمروة ووادي القرى والجار وخيبر. قال الواقدي: وكان أبو وجزة السعدي عالماً بذلك. قال أبو وجزة وإنما سميت قرى عربية لأنها من بلاد العرب. وقال أحمد بن المعذل: حدثني بشر بن عمر قال: قلت لمالك: إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب يريد البصرة لأنه لا يحول بيننا وبينكم نهر، فقال: ذلك أن كان قومك تبؤوا الدار والإيمان.

    قال أبو عمر رضي الله عنه : قال بعض أهل العلم: إنما سمي الحجاز حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد، وإنما قيل لبيلاد العرب جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها من أقطارهالا وإطرارها فصاروا فيها مثل جزيرة من جزائر البحر ا.هـ139

    قال ابن قدامة: ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز. وبهذا قال مالك والشافعي إلا أن مالكاً قال: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " – ثم قال – وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن. قاله سعيد بن عبدالعزيز. وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولاً، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضاً. وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولاً، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضاً. قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها. يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها، وهو مكة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها وما والاها. وهذا قول الشافعي لأنهم لم يجلوا من تيماء ولا من اليمن.

    وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن قال:" أخرجوا اليهود من الحجاز " فأما إخراج أهل نجران منه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا، فنقضوا عهده. فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد. ولا يمنعون أيضاً من أطراف الحجاز، كتيماء وفيد ونحوهما لأن عمر لم يمنعهم ا.هـ140

    وقال القرطبي في تفسيره: وأما جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها. فقال مالك: يخرج من هذه المواضع كل من كان غير الإسلام، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين. وكذلك قال الشافعي – رحمه الله – غير أنه استثنى من ذلك اليمن. ويضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر – رضي الله عنه – حين أجلاهم. ولا يدفنون فيها ويلجئون إلى الحل ا.هـ141

    قال الحافظ: لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة واليمامة، وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور، وعن الحنفية يجوز مطلقاً إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة، وقال الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلاً إلا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة ا.هـ142

    قال ابن مفلح : ويمنعون الإقامة بالحجاز قيل: هو ما بين اليمامة والعروض، وبين اليمن ونجد، وسمي به لأنه حجز بين تهامة ونجد كالمدينة، وقيل: نصفها تهامي ونصفها حجازي، واليمامة وسمي العروض، وكان اسمها حجراً، فسميت اليمامة باسم امرأة. وقال ابن الأثير: اليمامة: الصقع المعروف شرقي الحجاز. وهذا يقتضي أن لا يكون من الحجاز، وفيه تكلف، وخيبر شرقي المدينة لما روى أبو عبيدة بن الجراح أن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أخرجوا اليهود من الحجاز " رواه أحمد. وقال عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً " رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح.

    والمراد الحجاز بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحداً من اليمن وتيماء قال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها، وكذا الينبع وفدك، ومخاليفها معروف باليمن، تسمى بها القرى المجتمعة كالرستاق في غيرها.

    وقال الشيخ تقي الدين: تبوك ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان، ولهم دخوله، والأصح بإذن إمام لتجارة. فإن دخلوا لتجارة لم يقيموا في موضع واحد أكثر من أربعة أيام، قاله القاضي لأن الزائد على الأربعة حد يتم به المسافر فصار كالمقيم، والمذهب أنهم لا يقيمون فوق ثلاثة أيام لأن عمر أذن لمن دخل تاجراً إقامة ثلاثة أيام فدل على المنع في الزائد ا.هـ143

    قال ابن القيم: ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك فقال مالك: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " وفي صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع فيها إلا مسلماً " وقال الشافعي: يمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها وهي قراها. أما غير الحرم منه فيمنع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به، وله الدخول بإذن الإمام لمصلحة كأداء رسالة أو حمل متاع يحتاج إليه المسلمون، وغن(و من ) دخل لتجارة ليس فيها كثير حاجة لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئاً، ولا يمكن من الإقامة أكثر من ثلاث. وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب، ومنعهم من الإقامة فيها، وهذا وهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً، وأقرهم فيها وأقرهم أبو بكر بعده وأقرهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلم يعرف عن إمام أنه أجلاهم من اليمن.

    وإنما قال الشافعي وأحمد: يخرجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع ومخاليفها، ولم يذكرا اليمن، ولم يجلوا من تيماء أيضاً، وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر، فالبحر بينها وبين الجزيرة ؟ فهذا القول غلط محض. حكم دخول أهل الذمة الحرم : وأما الحرم فإن كان حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية، فلو قدم رسول لم يجز أن يأذن له الإمام في دخوله ويخرج الوالي أو من يثق به إليه، ولا يختص المنع بخطة مكة بل الحرم كله. وأما حرم المدينة فلا يمنع من دخولهم لرسالة أو تجارة أو حمل متاع.

    فصل/ فهذا تفصيل مذهب أحمد – رحمه الله تعالى – فعنده: يجوز لهم دخول الحجاز للتجارة لأن النصارى كانوا يتجرون إلى المدينة في زمن عمر – رضي الله عنه – كما تقدم. وحكى أبو عبدالله بن حمدان عنه رواية: أن حرم المدينة كحرم مكة في امتناع دخوله. والظاهر أنها غلط على أحمد، فإنه لم يخف عليه دخولهم بالتجارة في زمن عمر رضي الله عنه وبعده وتمكينهم من ذلك. ولا يأذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام. وقال القاضي: أربعة، وهي حد ما يتم المسافر للصلاة – ثم قال –

    فصل/ وأما تفصيل مذهب مالك – رحمه الله تعالى – فإنهم يقرون عنده في جميع البلاد إلا جزيرة العرب : وهي مكة والمدينة وما والاهما. وروى عيسى بن دينار عنه دخول اليمن فيها. وروى ابن حبيب أنها من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام، مصر في المغرب والمشرق، وما بين المدينة إلى منقطع السماوة، ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين، ولكن لا يقيمون. فصل/ وأما أبو حنيفة – رحمه الله تعالى – فعنده: لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة نفسها، ولكن لا يستوطنون به. وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم، وكأن أبا حنيفة – رحمه الله تعالى – قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصح هذا القياس، فإن لحرم مكة أحكاماً يخالف بها المدينة، على أنها ليست عنده حرماً ا.هـ144

    قال النووي: وفي هذا دليل على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها وهو الحجاز خاصة لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز ا.هـ145 والذي يظهر أن جزيرة العرب هي الحجاز وحدها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لم يخرجوهم من اليمن، ولأن عمر لم يخرج إلا يهود خيبر إلى تيماء، فقد أخرج البخاري عن عمر أنه أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وذكر يهود خيبر إلى أن قال: أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء. فإن قيل: ألم يخرج الإمام أحمد عن أبي عبيدة بن الجراح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب "؟ فيقال: لعله عند من يصححه يحمل على أن إخراجهم لأمر خارجي لا لكونهم كفار بدلالة أنه لم يخرج غيرهم من الكفار في بقية جزيرة العرب كاليمن مثلاً.

    هذا ما رجحه أبو عبيد في كتاب الأموال فقال: وإنما نرى عمر استجاز إخراج أهل نجران – وهم أهل صلح – لحديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهم خاصة. يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان آخر ما تكلم به أن قال:" أخرجوا اليهود من الحجاز، وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب " قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك صلى الله عليه وسلم لنكث كان منهم، أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، وذلك بين في كتاب كتبه عمر إليهم قبل إجلائه إياهم منها ا.هـ146

    فإذا كانت المسألة اجتهادية فلا يجوز لأحد أن يلزم غيره بقوله بالإجماع كما حكاه ابن تيمية فقال: وإما إلزام السلطان في مسائل النزاع التزام قولٍ بلا حجة من الكتاب والسنة، فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم الولاية تمكنه من قول حق ونشر علمٍ قد كان يعجز عنه بدونها، وباب القدرة والعجز غير باب الاستحقاق وعدمه. نعم للحاكم إثبات ما قال زيد وعمرو ثم بعد ذلك إن كان ذلك القول مختصاً به كان مما يحكم فيه الحكام، وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس... ا.هـ147

    4-أن المراد بالحديث الاستيطان لا الإقامة لحاجة أو غير دائمة بدلالة أن كفاراً كانوا موجودين في المدينة، فمن هو أبو لؤلؤة المجوسي القاتل لعمر ؟ وتقدم ما يدل على هذا من كلام أهل العلم.

    الشبهة الحادية عشرة

    أن بعض حكام المسلمين يحمي صروح الشرك من أضرحة وأوثان تعبد من دون الله

    وهذا فعل شنيع وإثم وجرم كبير سبب لذهاب الدنيا والدين وتغلب الكفرة الكافرين على المسلمين، لكن التأثيم الشديد شيء غير التكفير، ومن كفر بمثل هذا فالرد عليه من أوجه:

    1-أن هناك فرقاًَ بين تكفير النوع والعين فلا يلزم من تكفير الفعل تكفير الفاعل، وهذا ما عليه محققون مبرزون كالأئمة أبي العباس ابن تيمية إذ قال: : فإنا بعد معرفة ما جاء الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل إنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه ا.هـ148

    2-أن من حمى الكفر لذاته فهو كافر لأن لازمه رضاه وإقراره له، أما إذا حماه لدافع آخر فهذا مع كونه إثماً وجرماً كبيراً لكنه ليس كفراً إذ ليس لازمه الرضا ثم لا دليل يدل على التكفير بحماية الكفر لغير ذاته،كما تبقى الكنائس شرعاً في الأرض التي فتحها المسلمون صلحاً 149كما يدل على هذا فعل الخلفاء الراشدين وهم بذلك لا يسمحون لأحد أن يعتدي عليها ولو كان هذا محرماً لما فعله الخلفاء الراشدون فضلاً عن أن يكون كفراً فيتجلى لنا بهذا أنه لايلزم من حماية الشرك كفر الحاكم بل لابد من النظر إلى الدوافع لذا لم يلزم من حماية الكنيسة التي يزاول فيها الشرك الأكبر كفر الحاكم فإذا وجدت كنيسة في أرض مسلمين فحماها السلطان لدوافع غير الرضا، فإن فعله لا يوصف بالكفر فضلاً عن أن يكفر لأنه لم يحمها لذاتها وإنما لأمر آخر.

    تم المقصود والحمد لله

    21 / 5 / 1425هـ وراجعته المراجعة الأخيرة مع بعض الزيادات والإضافات 3/3/1427هـ

    إعداد

    عبدالعزيز بن ريس الريس

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: العروة الوثقى

    [quote=التقرتي;217922]اعوذ بالله من كلام مثل هذا ايقال هذا في العثيمين و بن الباز و الالباني رحمهم الله ؟ يتبعون الهوى ام هم جهال ؟ هل هم مرجئة ؟
    يا أخي هدانا الله وإياك ذكر الشيخ أمراً رابعاً فلم غض البصر عنه . . .
    استغفر الله ارجوا من الاخ ان يتدارك مشاركته فمثل كلام كهذا لا يصدر الا من جاهل او من غلاة الخوارج
    (
    لاتنه عن خلق وتأتي مثله
    يقال لك نفس كلامك "أعوذ بالله من كلام مثل هذا أيقال هذا في العلامة العلوان أهو جاهل
    أم من غلاة الخوارج"
    أخيراً فلست إلا ناقلاً لقول عالم من العلماء فلست مستعدا للنقاش والله أعلم .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •