الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 81

الموضوع: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .



    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف الانبياء و المرسلين ، نبينا محمد و على آله وصحبه اجمعين.
    .

    و بعد ، فقد أتحفنا الشيخ الفاضل الدكتور خلدون الحسني بقلمه الماتع و اسلوبه البارع ـ خلال ثمانية اشهر تقريباً ـ بتحفة تاريخية أسماها "ردّ الشبهات المثارة حول الأمير عبد القادر" جاءت في حلقات متسلسلة ، فأبدع فيها فأجاد و أفاد ـ حفظه الله و نفع بعلومه ـ .

    فأمتعنا بكثير من المباحث التاريخية التي تدل على فضل و تمكن وحسن انتقاء ودقة اختيار ، و من أخصبَ تخيَّر .

    ولي حول تلكم المباحث وقفات واستفسارات ـ وان عرضتُها باسلوب التقرير فذلك من لوازم الإنشاء و أصول التحرير ـ أورِدها ـ شاء الله ـ في حلقات ، نظرا لاشتغال البال و تضايق الأوقات .

    فلعلَّ صدر الشيخ يتَّسع لتلكم الاستفسارات ،فيفيدني عنها ـ إن رأى ذلك ـ بعد انتهاء تلكم الإيرادات ، و فقه الله لما يحب ويرضى ، و أحسن لنا جميعاً الاعمال و النيات ، و صلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .


    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادت المُضِيئة .

    الوقفة الأولى :

    يقول الشيخ الدكتور خلدون مكي الحسني حفظه الله
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    الحلقة الأولى


    وقبل أن أبدأ بالرد على مغالطات صاحب المقال ، أود أن أبدأ بمسألة ذكَرَها صاحب المقال معتمدًا عليها ؛ ويذكرها بعضُ من خاض في عرض الأمير عبد القادر ويظنون أنها ثابتة أو صحيحة ويبنون عليها أحكامهم ، ويبالغ بعضهم كاذبًا فيقول إنها متواترة!! ويحاول البعض أن يدلّس على الناس فيوهمهم أنّ بعض علماء الحديث الكبار في عصرنا هذا ؛ قد أثبتها!!
    وهذه المسألة هي ما رواه عبد الرحمن الوكيل في المقدمة التي كتبها لكتاب الإمام برهان الدين البقاعي رحمه الله (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) نقلاً عن الصفحة الأولى من نسخة الشيخ محمد نصيف الذي أهدى هذا الكتاب إلى الشيخ محمد حامد الفقي ليطبعه حيث قال: وقد كتب الشيخ الجليل محمد نصيف على نسخته ما يأتي : "أقول أنا محمد نصيف بن حسين بن عمر نصيف: سألت السائح التركي ولي هاشم عند عودته من الحج في محرم سنة 1355هـ عن سبب عدم وجود ما صنفه العلماء في الرد على ابن عربي ، وأهل نحلته الحلولية والاتحادية من المتصوفة ؟ فقال: قد سعى الأمير السيد عبد القادر الجزائري بجمعها كلها بالشراء والهبة ، وطالعها كلها ، ثم أحرقها بالنار ، وقد ألف الأمير عبد القادر كتاباً في التصوف على طريقة ابن عربي . صرّح فيه بما كان يلوّح ابن عربي ، خوفاً من سيف الشرع الذي صرع قبله:" أبو الحسين الحلاج " ، وقد طبع كتابه بمصر في ثلاث مجلدات ، وسماه المواقف في الواعظ والإرشاد ، وطبع وقفاً ، ولا حول ولا قوة إلا بالله" .انتهى [ص14]
    وأقول : إذا كان ما رواه الوكيل عن الشيخ محمد نصيف صحيحًا ، فإننا مع احترامنا للشيخ محمد نصيف ولمنزلته ، لا يمكن أن نقبل هذا الكلام لأنه كلام غير مقبول أبداً وليس علمياً ولا منطقياً!!
    فأقول هَب أيها القارئ الكريم أن هذه القصة غير ثابنة .
    بل هَب أن كلاً من الشيخين الفاضلين محمد نصيف و عبدالرحمن الوكيل لم يُخلقا أصلاً .
    فخلافنا ـ جميعاً ـ مع أهل وحدة الوجود ثابت .

    والقصة إذا ثبتت إنما تدل على محاربة الأمير عبدالقادر لتراث شيخ الاسلام رحمه الله ، و هذا ليس بشيءٍ في مقابل ثبوت اعتناق الأمير عبدالقادر لعقيدة وحدة الوجود ، و الذي سيأتي البحث عنه في مبحثٍ قادم ان شاء الله .

    وهذا سيحتاج الى مقدمة بسيطة عن عقيدة وحدة الوجود.

    عقيدة وحدة الوجود :
    و حتى نكون ـ جميعاً ـ محايدين أشدَّ الحياد فليكُن احد مشاهيرالصوفية هو الذي يعرِّف لنا
    عقيدة وحدة الوجود.

    يقول الشيخ أحمد السرهندي ـ و هو من مشاهير المتصوفة ، و ممَّن رُمِي بوحدة الوجود ، و قد دافع عنه الشيخ ابوالحسن الندوي ، إلاَّ أنه أثبت أنه من أرباب وحدة الشهود فقط ـ :
    فأهل الوحدة يعتقدون أنه لا وجود إلا الوجود الواجب، وهو وجود واحد لا يتعدد ولا يتكثر، وأما العالم فهو موجودٌ بنفس وجود الله، لا بإيجاده، بمعنى أن العالم إنما هو صورة ومظهر للوجود الإلهي، ولم يحدث وجود العالم بعد عدمه، بل الحادث عندهم إنما هو صورة العالم بعد عدمها، والصورة عين المظهر الإلهي، ولذلك يقولون إن الله تجلى لنفسه.
    "دفتر المكتوبات الثانية من المكتوبات الربانية لشيخ أحمد السرهندي " (ترجمة العربية مكتبة الحقيقة / اسطنبول – تركيا).

    و تتلخص عقيدة وحدة الوجود فيما يلي :

    أن الكون عين أعيان الثابتة (صورة العلمية)
    • و أعيان الثابتة عين علم الله و الله (التي هي صفة لباري تعالي)
    • و العلم الله و الله عين ذات الله و الله لهذا الكون عين ذات الله و الله و اصطلحوا له مصطلح وحدة الوجود.


    وحسب التعريف الذي ارتضته الندوة العالمية للشباب الإسلامي:

    فوحدة الوجود مذهب فلسفي لا ديني يقول بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله هو الوجود الحق، ويعتبرونه – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً – صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته.




    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  3. #3
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,203

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادت المُضِيئة .

    بارك الله فيكم وفي الدكتور خلدون .. فقد أمتعتم بفوائدكم ..

    وحبذا : تصغير البنط !

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادت المُضِيئة .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليمان الخراشي مشاهدة المشاركة
    وحبذا : تصغير البنط !
    حباًّ و كرامة شيخنا الفاضل بارك الله فيكم .
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادت المُضِيئة .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    [center].
    وألفت الانتباه إلى أنّ السيوطي نفسه ؛ وهو الذي ردّ على كتاب الإمام البقاعي ؛ كان يعتقد بولاية ابن عربي ولكن كان يقول بحرمة قراءة كتبه!
    [/size]


    جلال الدين السيوطي رحمه الله كان يدافع عن ابن عربي و يتأول طوامَّه ، مع تحريمه قراءة كتبِه ، بل ألف في الدفاع عنه كتابا مشهورا أسماه : " تنبئة الغبي بتبرئة ابن عربي" ،وهو رد على البرهان البقاعي رحمه الله

    إلاَّ أن السيوطي رجع عن ذلك حين سبَر احوال الرجل و أقواله فذمَّه و بدَّعَه ، فقال في كتابه (التحبير):

    " ويحرم تحريما ‏غليظا أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل ابن عربي المبتدع الذي ينسب إليه كتاب ‏الفصوص الذي هو كفر كله " اهـ ‏ ‏ [التحبير في علم التفسير ص 537 تحقيق د/ زهير عثمان علي نور 1416 هـ‏].

    بل قال في كتابه "إتمام الدراية شرح النقاية" :
    " ونعتقد أن طريق أبي القاسم الجنيد سيد الصوفية علما ‏وعملا وصحبة طريق مقوم فإنه خال من البدع دائر على التفويض والتسليم والتبري من النفس ‏بخلاف طريق جماعة من المتصوفة كابن عربي الطائي وأضرابه فإنها زندقة منافية للكتاب والسنة "‏[مجلة الحكمة العدد 11 ص 297‏] منقول .

    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادت المُضِيئة .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فريد المرادي مشاهدة المشاركة
    [color="olive"]
    وللعلم فإن الأخ خلدون من أحفاد الأمير color]
    بل الشيخ خلدون من احفاد الامير محمدالسعيد (الأخ الأكبر للأمير عبدالقادر الجزائري).
    فهو خلدون بن مكي بن عبدالمجيد بن عبدالباقي بن محمد السعيد بن السيد محيي الدين الحسني.
    و والده الدكتور مكي من الاعلام المشهورين .
    ولد الدكتور مكي الحسني سنة 1932م بدمشق لأسرة علم وفضل، و حاز إجازة العلوم الفيزيائية والرياضية من الجامعة السورية سنة 1954م.
    ثم أُوفد إلي جامعة موسكو الحكومية للتخصص في الفيزياء النووية 1959م.
    و حصل على درجة الدكتوراة في العلوم الفيزيائية والرياضية 1965م، بتخصُّص: (التفاعلات النووية عند الطاقات المنخفضة).
    بدأ عمله التعليمي معيدًا في قسم الفيزياء في كلية العلوم بجامعة دمشق سنة 1955م، وأنهاه أستاذًا فيه سنة 1998م.
    وكان إلى ذلك شغل في هيئة الطاقة الذرية ومركز البحوث والدراسات وظائفَ علمية عدة.
    وعمل أستاذًا معارًا في كليه التربية في مكة المكرمة في العام الدراسي 1969- 1970م.
    وأعير إلي جامعه الجزائر 1976- 1978م.
    وأتقن من اللغات: الروسية والإنكليزية والفرنسية.
    وهو عضو بمجمع اللغة العربية بدمشق منذ سنة 2001م.
    له عددٌ من المؤلَّفات والمترجمات، فراجع ترجمة كتاب "فيزياء عا لم الصغائر" الذ ي نُشر في موسكو سنة 1963، ثم نشرت له جامعةُ دمشق سنة 1974: "القياسات الفيزيائية وتحليل نتائجها"، وبلغت إصداراته (12) اثني عشر كتابًا، آخرها ترجمة كتاب: "البحث عن اللانهاية: حل أسرار الكون" الذي نشرته دار طلاس بدمشق سنة 1997م.
    دقَّق لغويًّا في كتب كلية المعلوماتية التي بلغت زهاء ئلاثين كتابًا،ومواد مجلة: "الثقافة المعلوماتية" التي صدر منها (19) تسعة عشر عددًا حتى الآن.

    ـ أمَّا الأميرة الفاضلة بديعة بنت مصطفى بن محيي الدين بن مصطفى الحسني صاحبة كتابي "و ما بدلوا تبديلا" ، و "فكر الأمير عبدالقادر" فهي حفيدة مصطفى الأخ الأصغر للأمير عبد القادر


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فريد المرادي مشاهدة المشاركة
    [color="olive"]
    وهو صاحب كتاب ([i] إلى أين أيها الحبيب الجفري ؟ ! ..

    و له ايضا بحث في ((النّسب الرفاعي بين الحقيقة وادِّعاءات آل الصيادي)) بحكم كونه نقيباً للأشراف بالشام .
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادت المُضِيئة .

    الوقفة الثانية :

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    إن شيخ الإسلام لم يتعرّض فيما أعلم لتأليف جزءٍ خاص في الرد على ابن عربي ، وإنما هو ذكره في فتاويه ورسائله خلال حديثه عن انحرافات الصوفية . وكان يذكر عباراته التي في (فصوص الحكم والفتوحات) وينتقدها ويصفها بما تستحق من الضلال إلى الكفر ، ولكنّه لم يتعرّض لتكفير شخص ابن عربي مباشرة ، [/size]
    بل أفرد شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة خاصة في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون ، حيث ذكر شيخ الاسلام ان من شك في كفر فرعون فهو من جملة آل فرعون الذي يورِدهم النار وبئس الرفد المرفود .
    ، وهذه الرسالة في جامع الرسائل ، و هذا نصُّها :

    رسالة في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون

    هذا سؤال أجاب عنه الشيخ الإمام العلامة الأوحد، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبه التوفيق
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
    نص السؤال:
    ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم في قول فرعون عند الغرق: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [سورة يونس: 90] هل فيه دليل على إيمانه وإسلامه؟ أو هل يوجد في القرآن أو السنة أو القياس دليل على إيمانه أو إسلامه؟ وما يجب على من يقول: إنه مات مؤمنا، والحالة هذه؟
    الجواب
    الحمد لله.
    فرعون من أعظم الخلق كفرا
    كفر فرعون، وموته كافرا، وكونه من أهل النار هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين، بل ومن دين اليهود والنصارى، فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرا، ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره واجترائه وكونه أشد الناس عذابا يوم القيامة.
    ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره وكونه من أهل النار فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا، فضلا عمن يقول إنه مات مؤمنا.
    لا يصرح بموته مؤمنا إلا من فيه نفاق وزندقة كالاتحادية
    والشك في كفره أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ونحوهم ممن تواتر كفرهم ولم يذكر باسمه في القرآن، وإنما ذكر ما ذكر من أعمالهم، ولهذا لم يظهر عن أحد بالتصريح بأنه مات مؤمنا إلا عمن فيه من النفاق والزندقة أو التقليد للزنادقة والمنافقين ما هو أعظم من ذلك، كالاتحادية الذين يقولون: إن وجود الخالق هو وجود الخلق، حتى يصرحون بأن يغوث ويعوق ونسرا وغيرها من الأصنام هي وجودها وجود الله، وأنها عبدت بحق، وكذلك العجل عبد بحق، وأن موسى أنكر على هارون من نهيه عن عبادة العجل، وأن فرعون كان صادقا في قوله: أنا ربكم الأعلى، وأنه عين الحق، وأن العبد إذا دعا الله تعالى فعين الداعي عين المجيب، وأن العالم هويته، ليس وراء العالم وجود أصلا.
    ومعلوم أن هذا بعينه هو حقيقة قول فرعون الذي قال: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} [سورة غافر: 35 -36].
    ولقد خاطبت بعض الفضلاء مرة بحقيقة مذهبهم، وأنه حقيقة قول فرعون فذكر لي رئيس من رؤسائهم أنه لما دعاه إلى هذا القول وبينه قال: قلت له: هذا قول فرعون. فقال له: ونحن على قول فرعون؛ وما كنت أظن أنهم يقرون أو يعترفون بأنهم على قول فرعون. قال: إنما قلت ذلك استدلالا، فلما قال ذلك، قلت له: مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة.
    تفضيل الاتحادية الولي على النبي والرسول
    وهم مع هذا الكفر والتعطيل الذي هو شر من قول اليهود والنصارى، يدعون أن هذا العلم ليس إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء الذي يدعونه، وأن خاتم الأنبياء إنما يرى هذا العلم من مشكاة خاتم الأولياء، وأن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى خاتم الأنبياء، وهو في الشرع مع موافقته له في الظاهر مشكاة له في الباطن، ولا يحتاج أن يكون متبعا للرسول لا في الظاهر ولا في الباطن.
    وهذا -مع أنه من أقبح الكفر وأخبثه- فهو من أفسد الأشياء في العقل، كما يقال لمن قال: "فخر عليهم السقف من تحتهم": لا عقل ولا قرآن؛
    لأن الخرور لا يكون من أسفل، وكذلك الاستفادة، إنما يستفيد المتأخر من المتقدم.
    ثم خاتم الأولياء الذين يدعونهم، ضلالهم فيه من وجوه، حيث ظنوا أن للأولياء خاتما، وأن يكون أفضلهم قياسا على خاتم الأنبياء، ولم يعلموا أن أفضل الأولياء من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم السالفون من الأولياء لا الآخرون، إذ فضل الأولياء على قدر اتباعهم للأنبياء واستفادتهم منهم علما وعملا.
    وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولي يأخذ من الله بلا واسطة، والنبي يأخذ بواسطة، وهذا جهل منهم، فإن الولي عليه أن يتبع النبي، ويعرض كل ما له من محادثة وإلهام على ما جاء به النبي، فإن وافقه وإلا رده، إذ ليس هو بمعصوم فيما يقضي له.
    وقد يلبسون على بعض الناس بدعواهم أن ولاية النبي أفضل من نبوته، وهذا مع أنه ضلال فليس هو مقصودهم، فهم مع ضلالهم فيما ظنوه من خاتم الأولياء ومرتبته يختلفون في عينه بحسب الظن وما تهوى الأنفس،
    لتنازعهم في تعيين القطب الفرد الغوث الجامع، ونحو ذلك من المراتب التي يدعونها، وهي معلومة البطلان بالشرع والعقل. ثم يتنازعون في عين الموصوف بها، وهذا باب واسع.
    والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب "فصوص الحكم" وصاحب "الفتوحات المكية" ونحوهم، هم الذين يعظمون فرعون، ويدعون أنه مات مؤمنا، وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم، ويقولون: ليس في القرآن ما يدل على كفره، ويحتجون على إيمانه بقوله: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [سورة يونس: 90].
    بطلان حجتهم على إيمان فرعون وتمام القصة تبين ضلالهم، فإنه قال سبحانه: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [سورة يونس: 91]، وهذا استفهام إنكار وذم، ولو كان إيمانه صحيحا مقبولا لما قيل له ذلك.
    وقد قال موسى عليه السلام: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [سورة يونس: 88].
    قال الله تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} [سورة يونس: 89]، فاستجاب الله دعوة موسى وهارون، فإن موسى كان يدعو وهارون يؤمن أن فرعون وملأه لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
    وقد قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [سورة غافر: 82 - 85]، فأخبر سبحانه وتعالى أن الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس، وأخبر أن هذه سنته التي قد خلت في عباده، ليبين أن هذه عادته سبحانه في المستقدمين والمستأخرين، كما قال سبحانه وتعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} [سورة النساء: 18].
    ثم إنه سبحانه وتعالى قال بعد قوله: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} [سورة يونس: 91 - 92]، فجعله الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده من الأمم لينظروا عاقبة من كفر بالله تعالى، ولهذا ذكر الله تعالى الاعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع.
    وقد قال سبحانه وتعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد} [سورة ق: 12 - 14]، فأخبر سبحانه أن كل واحد من هؤلاء المذكورين، فرعون وغيره، كذب الرسل كلهم، إذ لم يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض كاليهود والنصارى، بل كذبوا الجميع، وهذا أعظم أنواع الكفر، فكل من كذب رسولا فقد كفر، ومن لم يصدقه ولم يكذبه فقد كفر؛ فكل مكذب للرسول كافر به، وليس كل كافر مكذبا به، إذ قد يكون شاكا في رسالته، أو عالما بصدقه لكنه يحمله الحسد أو الكبر على ألا يصدقه، وقد يكون مشتغلا بهواه عن استماع رسالته والإصغاء إليه؛ فمن وصف بالكفر الخاص الأشد، كيف لا يدخل في الكفر؟!
    ولكن ضلالهم في هذا نظير ضلالهم في قوله:
    مقام النبوة في برزخ... فويق الرسول ودون الولي

    وقد علم أن كل رسول نبي، وكل نبي ولي، ولا ينعكس.
    وقال سبحانه وتعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب} [سورة ص: 12 - 14]. وقال تعالى: {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية} [سورة الحاقة: 9 - 10].
    ثم إن الله تعالى أخبر عن فرعون بأعظم أنواع الكفر: من جحود الخالق، ودعواه الإلهية، وتكذيب من يقر بالخالق سبحانه، ومن تكذيب الرسول ووصفه بالجنون والسحر وغير ذلك. ومن المعلوم بالاضطرار أن الكفار العرب الذين قاتلهم النبي -مثل أبي جهل وذريته- لم يكونوا يجحدون الصانع، ولا يدعون لأنفسهم الإلهية، بل كانوا يشركون بالله ويكذبون رسوله.
    وفرعون كان أعظم كفرا من هؤلاء؛ قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد * وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب * وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} [سورة غافر: 23 -28]، إلى قوله: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} [سورة غافر: 36 - 37].
    أخبر الله سبحانه وتعالى أن فرعون ومن ذكر معه قال إن موسى ساحر كذاب، وهذا من أعظم أنواع الكفر.
    ثم أخبر الله أنه أمر بقتل أولاد الذين آمنوا معه لينفروا عن الإيمان معه كيدا لموسى. قال تعالى: {وما كيد الكافرين إلا في تباب} [سورة غافر: 37]، فدل على أنهم من الكافرين الذين كيدهم في تباب، فوصفهم بالتكذيب وبالكفر جميعا، وإن كان التكذيب مشتملا مستلزما للكفر، كما أن الرسالة مستلزمة للنبوة، والنبوة مستلزمة للولاية.
    ثم أخبر عن فرعون أنه طلب قتل موسى وقال: {وليدع ربه}، وهذا تنبيه على أنه لم يكن مقرا بربه، ولهذا قال في تمام الكلام: {ما علمت لكم من إله غيري} [سورة القصص: 38]، وهذا جحد صريح لإله العالمين، وهي الكلمة الأولى.
    ثم قال بعد ذلك لما ذكره الله تعالى بقوله: {فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات: 21 - 24]، قال الله تعالى: {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} [سورة النازعات: 25 - 26]. قال كثير من العلماء: أي نكال الكلمة الآخرة، ونكال الكلمة الأولى، فنكل الله تعالى به على الكلمتين باعترافه، وجعل ذلك عبرة لمن يخشى. ولو كان هذا ممن لم يعاقب على ما تقدم من كفره، ولم يكن عقابه عبرة، بل من آمن غفر الله له ما سلف، ولم يذكره بكفر ولا بذم أصلا، بل يمدحه على إيمانه، ويثني عليه كما أثنى على من آمن بالرسل، وأخبر أنه نجاهم.
    وفرعون هو أكثر الكفار ذكرا في القرآن، وهو لا يذكره سبحانه إلا بالذم والتقبيح واللعن، ولم يذكره بخير قط.
    وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرا مطهرا ليس فيه شيء من الخبث، بل يزعمون أن السحرة صدقوه في قوله: ما علمت لكم من إله غيري، وأنه صح قوله: أنا ربكم الأعلى، وأنه كان عين الحق.
    وقد أخبر سبحانه وتعالى عن جحوده لرب العالمين. قال لما قال له موسى عليه السلام: {إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل} [سورة الأعراف: 104 - 105]، {قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} [سورة الشعراء: 23 - 29]، فتوعد موسى بالسجن إن اتخذ إلها غيره.
    وهؤلاء مع تعظيمهم لفرعون يشاركون في حقيقة كفره، وإن كانوا مفارقين له من جهة أخرى، فإن عندهم: ما ثم موجود غير الله أصلا، ولا يمكن أحد أن يتخذ إلها غيره، لأنه أي شيء عبد العابد من الأوثان والأصنام والشياطين، فليست عندهم غير الله أصلا. وهل يقال هي الله؟ لهم في ذلك قولان.
    إخبار الله عن عذاب فرعون في الآخرة ، وإخباره سبحانه وتعالى عن تكذيب فرعون وغير ذلك من أنواع كفره كثير في القرآن، وكذلك إخباره عن عذابه في الآخرة. فإن هؤلاء الملاحدة يزعمون أنه ليس في القرآن آية تدل على عذابه، ويقولون إنما قال سبحانه: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} [سورة هود: 98]، قالوا: فأخبر أنه يوردهم، ولم يذكر أنه دخل معهم. قالوا: وقد قال: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر: 46]، فإنما يدخل النار آل فرعون لا فرعون.
    وهذا من أعظم جهلهم وضلالهم، فإنه حيث ذكر في الكتاب والسنة آل فلان كان فلان داخلا فيهم، كقوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} [سورة آل عمران: 33]، وقوله: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} [سورة القمر: 34]، وقوله: {سلام على إل ياسين} [سورة الصافات: 130]. وقول النبي : "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وقوله: "لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود".
    ومنه قوله تعالى: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} [سورة البقرة: 49]، {كدأب آل فرعون} [سورة آل عمران: 11]، {ولقد جاء آل فرعون النذر * كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} [سورة القمر: 41 - 42].
    وقوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر: 46] متناول له ولهم باتفاق المسلمين، وبالعلم الضروري من دين المسلمين.
    وهذا بعد قوله تعالى حكاية عن مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} [سورة غافر: 28]، والذي طلب قتله هو فرعون، فقال المؤمن بعد ذلك: {مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به} [سورة غافر: 41 - 42]، والداعي إلى الكفر هو كافر كفرا مغلظا، فهذا فيه.
    ووصفهم أيضا بالكفر إلى قوله: {فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر: 45 - 46]، فأخبر أنه حاق بآل فرعون سوء العذاب، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. ثم قال: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [سورة غافر: 47 - 48] ومعلوم أن فرعون هو أعظم الذين استكبروا، ثم هامان وقارون، وأن قومهم كانوا لهم تبعا، وفرعون هو متبوعهم الأعظم الذي قال: ما علمت لكم من إله غيري، وقال: أنا ربكم الأعلى.
    وقد قال: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [سورة القصص: 39 - 42].
    وهذا تصريح بأنه نبذه وقومه في اليم عقوبة الذي هو الكفر، وأنه أتبعه وقومه في الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين هو وقومه جميعا، وهذا موافق لقوله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} [سورة هود: 96 - 99].
    فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا أمره، وأنه يقدمهم لأنه إمامهم، فيكون قادما لهم لا سائقا لهم، وأنه يوردهم النار. فإذا كان التابع قد ورد النار فمعلوم أن القادم الذي يقدمه وهو متبوعه ورد قبله، ولهذا قال بعد ذلك: {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [سورة القصص: 42].
    والتابع والمتبوع كما قال الله تعالى في تلك السورة عن فرعون وقومه: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود} [سورة هود: 99].
    (والكلام في هذا مبسوط، لم تحتمل هذه الورقة إلا هذا، والله أعلم.
    والحمد لله وحده، وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
    تم وكمل.)
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    [center]
    فما هي الكتب التي صُنّفت في الرد على ابن عربي؟ نحن لم نسمع أو نقرأ عن كتاب صنّف لأجل الرّد على ابن عربي غير كتاب الإمام البقاعي (تنبيه الغبي) ، فلماذا لم يذكر لنا الكتب المفقودة التي صنّفت في الرد على ابن عربي؟
    [/size]


    بل المؤلفات في الرد على اهل وحدة الوجود كثيرة ، ويلاحظ أن أكثر هذه المؤلفات في الرّد على ابن عربي، لأنه حامل لواء هذا المذهب، وأشهر دعاته، و اهل الاتحاد من بعده تبع له.

    بل هو أول من ترقَّى ( بل تردَّى ) بالاتحادية من الحلولية ـ كما هو مذهب الحلاج و أمثاله ـ الى القول بالوحدة الأزلية .

    وقد رد العلماء على هذه العقيدة ضمن مؤلفاتهم التي نقضوا بها الفكر الصوفي عموماً، أو مؤلفاتهم التي خصوا بها طريقة من الطرق الصوفية.كما رد كثير من أهل العلم على هذه الطائفة ضمن مؤلفاتهم في العلوم المختلفة، كالعقيدة، والحديث، والتاريخ، وإذا وردت مسألة لأصحاب وحدة الوجود فيها قول، أو نص لهم به استدلال، أو ترجمة لأحدهم.
    وهذا كله يدل على إنكار أهل العلم لهذه العقيدة، وإدراكهم عظم خطرها على الأمة، وأنهم أبانوا – رحمهم الله – حقيقة هذه الطائفة، وكشفوا تلبيس دعاتها، وجلّوا مناقضتها لأصول الإسلام.
    فجزى الله علماء الإسلام، وحماة الدين، أفضل الجزاء، لجهدهم في الدفاع عن الملة، وجهادهم للمبتدعة والزنادقة.


    المؤلفات في الرد على أهل وحدة الوجود:

    فمن تلك المؤلفات ما يلي:
    1 – رسالة في ذم ابن عربي، لمحمد الكاملي.
    مخطوط، بدار الكتب المصرية 816 مجاميع طلعت.
    2 – كتاب الارتباط، لقطب الدين القسطلاني.
    3 – نصيحة صريحة، لقطب الدين القسطلاني.
    4 – أشعة النصوص في هتك أستار الفصوص، لأحمد الواسطي.
    مخطوط، معهد المخطوطات العربية 193 تصوف.
    5 – البيان المفيد في الفرق بين الإلحاد والتوحيد، لأحمد الواسطي.
    6 – حقيقة مذهب الاتحادية، لابن تيمية.
    طبع ضمن مجموع الفتاوى 2/134 – 285، وطبع مفرداً.
    7 – الحجج النقلية والعقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، لابن تيمية.
    طبع ضمن مجموع الفتاوى/ 286 – 362.
    8 – الرد الأقوم على مافي فصوص الحكم، لابن تيمية.
    طبع ضمن مجموع الفتاوى 2/362 – 451.
    9 – رسالة إلى نصر المَنْبجي، لابن تيمية.
    طبعت ضمن مجموع الفتاوى 2/452 – 480.
    10 – السبعينية، أو الرد على ابن سبعين وأهل الوحدة، أو بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد، لابن تيمية.
    طبعت ضمن الفتاوى الكبرى 5/301 – 443، وطبعت مفردة سنة 1408هـ، ونشرته مكتبة العلوم والحكم.
    11 – القول المنبي عن ترجمة ابن عربي، لعبداللطيف السعودي.
    12 – الغيث العارض في معارضة ابن القارض، لعبداللطيف السعودي.
    13 – بيان حكم مافي الفصوص، لعبداللطيف السعودي.
    14 – أباطيل الفصوص لسعد الدين التفتازاني.
    مخطوط، معهد المخطوطات العربية 203 تصوف.
    15 – الرد على أهل وحدة الوجود للتفتازاني.
    طبع في إستانبول سنة 1294هـ.
    16 – تسورات النصوص على تهورات الفصوص، لمحمد الغزِّي.
    17 – كشف الظلمة عن هذه الأمة، لابن نور الدين الخطيب.
    18 – تحذير النبيه والغبي من الافتتان باب عربي، لتقي الدين الفاسي.
    مفقود، لكن الفاسي قد ترجم لابن عربي ترجمة طويلة في كتابه (العقد الثمين بأخبار البلد الأمين)، ونقل أقوال العلماء في ذمه وتكفيره.
    19 – النصيحة، لابن المقري.
    20 – الذريعة في نصرة الشريعة، لابن المقري.
    21 – الحجة الدامغة لرجال الفصوص الزائغة لابن المقري.
    22 – الرد على ابن سبعين وابن عربي، لمحمد البساطي.
    23 – كشف الغطاء عن حقيقة التوحيد وبيان حال ابن عربي وأتباعه المارقين، للحسين الأهدل.
    طبع في تونس سنة 1964م.
    24 – تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، للبقاعي.
    طبع بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة 1372هـ.
    25 – تحذير العباد من أهل العناد، للبقاعي.
    طبع بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة، سنة 1372هـ.
    26 – الفارض في تكفير ابن الفارض، للبقاعي.
    27 – القول المُنبي عن ترجمة ابن عربي، للسخاوي.
    28 – تسفيه الغبي في تنزيه ابن عربي، لإبراهيم الحلبي.
    نشر في مجلة الحكمة، العدد الحادي عشر، شوال عام 1417هـ.
    29 – نعمة الذريعة في نصرة الشريعة لإبراهيم الحلبي.
    طبع سنة 1419هـ، ونشرته دار المسير، بالرياض.
    30 – الرد على القائلين بوحدة الوجود، لعلي القاري.
    طبع سنة 1415هـ، ونشرته دار المأمون بدمشق.
    31 – رد الفصوص، لعلي القاري.
    مخطوط، معهد المخطوطات العربية 199 تصوف.
    32 – نصرة المعبود في الرد على أهل وحدة الوجود، للصنعاني.
    وهو كتاب مفقود.
    33 – الصوارم الحداد القاطعة لعلائق أرباب الاتحاد، لمحمد بن علي الشوكاني.
    طبع سنة 1411هـ، ونشرته دار الهجرة بصنعاء.
    34 – الفرق المبين بين مذهب السلف وابن سبعين، لحمد ابن عتيق.
    طبع ضمن الدرر السنية في الأجوبة النجدية 3/346، وطبع مفرداً


    أمَّا العلماء الذين كفروا ابن عربي فكثير ، منهم :


    1. برهان الدين البقاعي
    2. شيخ الإسلام زين الدين العراقي
    3. بدر الدين بن جماعة
    4. شيخ الإسلام بن حجر العسقلاني
    5. ولي الدين العراقي
    6. الإمام أبو علي السكوني
    7. علاء الدين البخاري الحنفي
    8. قاضي القضاة زين الدين التفهني
    9. قاضي القضاة محمود العيني الحنفي
    10. الشيخ يحي السيرامي الحنفي
    11. قاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي
    12. زين الدين أبو بكر القمني الشافعي
    13. بدر الدين محمد بن الأمانة الشافعي
    14. شهاب الدين أحمد بن تقي المالكي
    15. شمس الدين محمد البساطي المالكي
    16. شهاب الدين أحمد بن يحي التلمساني الحنفي
    17. الإمام سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان الصوفي
    18. عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي
    19. شمس الدين محمد بن يوسف الجزري
    20. برهان الدين الجعبري
    21. زين الدين عمر بن أبي الحرم الكتاني الشافعي
    22. تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي
    23. تقي الدين الفاسي المكي
    24. بهاء الدين السبكي
    25. الكمال الدميري
    26. التقي الحصني
    27. شرف الدين عيسى بن مسعود المالكي
    28. نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي
    29. نجم الدين محمد بن عقيل الشافعي
    30. العلامة محمد بن علي بن النقاش المصري
    31. جمال الدين بن هشام النحوي
    32. قاضي القضاة عبد الرحمن بن خلدون
    33. شمس الدين محمد العيزري الشافعي
    34. عز الدين بن عبد السلام
    35. أبو عمرو بن الصلاح
    36. أبو الفتح بن دقيق العيد
    37. شيخ الفقهاء الزين الكتاني
    38. شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني
    39. عماد الدين ابن كثير الدمشقي
    40. الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الموصلي
    41. الإمام أبو حيان الأندلسي
    42. سراج الدين البلقيني
    43. برهان الدين السفاقيني
    44. شمس الدين الذهبي
    45. القاضي عضد الدين
    46. أبو بكر بن محمد بن صالح المعروف بابن الخياط
    47. شهاب الدين أحمد بن علي الناشري الشافعي
    48. بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل اليمني
    49. شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقرئ
    50. أبو عبد الله محمد بن عرفة التونسي
    51. الملا علي القارئ
    52. جلال الدين السيوطي
    53. إبراهيم بن محمد الحلبي .

    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    وللفائدة فإن درجة القطبية عند المتصوفة لا يشترط فيها النسب أبدًا ، وهذا معروف في كتبهم الكبرى ، [/size][/font][/center]
    [quote=خلدون مكي الحسني;123453][center وكذلك زعم أن الصوفيّة يقولون بالاكتساب الروحاني للنسب[/size][/font][/center][/quote

    أولا :
    لا شك أن الناس مؤتمنون على أنسابهم .
    مع أن للنسبة الشريفة وضعٌ خاص لترتب كثير من الاحكام الشرعية عليها .
    و لكن لا يمكن أن ننفي وجود بعض الدعاوى و التجاوزات في مسألة النسبة الشريفة حتى لا تكاد تجد شيخ طريقة إلاَّ و هو يذكر النسبة الشريفة .
    و هذا مقال ـ مدعَّمٌ بالتوثيق و عزو النقول ـ للأخ الشريف محمد حسين الصمداني في منتدى "الهاشمية " عن مسألة الإدعاءات المرسَلة لبعض الصوفية بالإنتساب لآل البيت النبوي

    بعنوان "إدعاء الصوفية لأنساب آل البيت الأصول والمنطلقات"

    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .


    إدعاء الصوفية لأنساب آل البيت الأصول والمنطلقات

    الشريف محمد حسين الصمداني

    من الصفحات المجهولة في التاريخ الصوفي صفحةٌ بعنوان " إدعاء بعض الصوفية لأنساب آل البيت " ؟ و قد يستغرب العنوان لأن المتبادر و المشهور عنهم أنهم قومٌ صالحون و أهل زهد و ورع ..!!
    هل يمكن أن يأتي أهل الصلاح بالتزوير في نسب البيت النبوي ؟ و هل في تجارب التاريخ و أحوال الناس ما يؤيد ذلك . لقد أدخل الغلو على قوم أن كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه وقوله ، وقولوه ما لم يقل ، بدافع الحب ؟ زعموا ! و من الحب ما قتل ! نعم من الحب ما يقتل دعوة الأنبياء ويضعف أثرها في الناس عندما يصرف الناس عن حقيقة الدعوة النبوية للانشغال بالجاهات والمناصب والرئاسات الوهمية ، و هي ما تتقاطع معها الأنساب – خاصة نسب آل البيت في كثير من الأمور - ..
    إن الصوفية – كما يشاهد الانسان و يسمع - من أكثر الناس كلاماً عن حب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لكنك إن فتشت عن هذا الحب ، وجدته حب غالٍ ، لم يأمر الله ولا رسوله صلى الله عليه و على آله وسلم به ، بل هو خارجٌ عن حد الاسلام وسمته ، يجعلهم ذلك الحب الفاسد يهدمون دعوته عليه الصلاة والسلام ، و يقوضون أصول الدعوة الاسلامية عبر التهوين من العلم الشرعي ، و تعظيم الخرافيين ، و تمجيد زوار القبور و سدنتها ، ثم في نهاية المطاف يفسدون بيته بالدخول في النسب الشريف ، فتفسد أنساب الذرية الطاهرة لأجل ولي مجذوب أو درويش مفتون ، يتمنى الأماني الكاذبة و يرى خيالات الشياطين ، فيثبت من خلالها أنساباً للحسن والحسين و لغيرهم من الأولياء والأصفياء ... ، وهلم جرا .. !
    إن ادعاء الصوفية لأنساب آل البيت ثمرة من ثمرات العقيدة الفاسدة والحب الغالي ، و الغلو لا يجتمع مع الاعتدال ، و في هذا المقال سنشير إلى منطلقات الصوفية و أصولهم في إدعاء الأنساب ، و شواهد ذلك من كتبهم ومصادرهم ، ليعلم بعد ذلك الانسان طرفاً من قصة القوم ، و يدرك سراً من أسرارهم مع آل البيت ، فقد سرى بخبرهم الركبان .. !!
    ****

    مدخل
    صوفي يدعي النسب أمام الحجرة النبوية


    " .. أخبرني شريفٌ حسيني بأنه توجه لحج بيت الله الحرام و زيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام ، لا حرمنا الله وسائر المسلمين من التوجه لتلك البقاع الشريفة المعظمة المطهرة المنيفة ، وصادف الحال في تلك السنة أن سافر بقصد الحج السيد محمد ... ، المدرس بكلية القرويين ، واجتمع الشريف الحسيني المغربي مع أشرقي المذكور بالمدينة المنورة بباب الحجرة النبوية ؛ فالشريف المذكور كان يتكلم مع أحدٍ بباب الحجرة الشريفة ، و أشرقي المذكور كان يتكلم مع شريف من شرفاء المدينة المنورة ، إذ قال أشرقي للشريف الذي كان يتكلم معه : " نحن شرفاء أبناء عمكم " ، و سمعه الشربف الحسيني المغربي ، الذي قال لي :" والله ما تم كلامه حتى عاقبه الله على قوله ، و مرض ، و سافر من المدينة المنورة إلى هذه الحضرة ، ولا زال بها مريضاً " [1] !! .
    إنها ( المدينة تنفي خبثها ) .
    جحافل مضت .. و أخرى تنتظر ، " و ما بدلوا تبديلاً "
    " لما جاء القرن السابع كان العالم الاسلامي من أقصاه إلى أقصاه يموج بالصوفية من العلويين و لاسيما في إيران… … " أهـ[2].
    يقول الدكتور كامل الشيبي في " الصلة بين التصوف والتشيع " :" … إننا نجد أن النسب العلوي ينتظم عبدالقادر الجيلاني ، والسيد أحمد الرفاعي ، وبكتاش الولي ، والدسوقي ، والسيد أحمد البدوي ، وأبا الحسن الشاذلي ، والسنوسي ، والمهدي ، وكذلك عبدالوهاب الشعراني .
    ويمكن أن نضيف إليهم :
    السيد حيدر التوني الموسوي المتوفى سنة 618 هـ ، شيخ الطريقة القلندرية المعروفة [3].
    ونعمة الله الولي المتوفى سنة 732 هـ .
    وصفي الدين الأردبيلي المتوفى سنة 735هـ . ( من عقبه الصفويون ) .
    والسيد علي الهمداني المتوفى سنة 786هـ .
    فضل الله الحروفي المقتول سنة 804 هـ .
    وخليفته علي الأعلى المتوفى سنة 822 هـ .
    وعماد الدين النسيمي المقتول سنة 830هـ أو 837هـ .
    ومحمد نور بخش المتوفى سنة 869هـ .
    وأستاذه خواجه اسحاق .
    وباليم سلطان مجدد الطريقة البكتاشية المتوفى سنة 922 هـ .
    وكثيرين غيرهم ، ومن آخرهم عبدالقادر الجزائري القائد المجاهد المشهور ، فلقد كان صوفياً علوياً… " .أهـ [4].
    و العجيب أن كثيراً من العلويين الثابتي النسب لم يكن لهم حظ في التصوف ، ولهذا كانت صحة نسبهم تمنعهم من البدعة ، و ذلك لأنفتهم عن كثير من ترهات الطرقية و مسلكة المريدين !! و لهذا كان بعض الصوفية يستنكر عدم وجود الكرامات -بزعمه - للصوفية من العلويين . يقول د. الشيبي بعد أن عدَّدَ جمعاً من العلويين الذين صاحبوا الصوفية :" ... إنَّ هذا العدد من العلويين الملتحقين بالتصوف ضئيل إذا قيس بالثائرين منهم والمتفقهين والأئمة ! ( و قد ) زعم عبدالله الهروي (ت481) أنه من بين ألف ومائتي صوفي عرفهم لم يزد عدد العلويين من أصحاب الكرامات منهم على اثنين فقط ، هما : إبراهيم بن سعد ، و حمزة العلوي . و قد روى الهروي أن بعض شيوخ الصوفية كان يقول لمريده العلوي :" لن تشم رائحة التصوف حتى تخرج من علويتك كلية" !! " . أ هـ [5].
    ****

    الأصول والمنطلقات

    ****
    الأصل الأول : الحقيقة المحمدية و وحدة الوجود .
    من أهم الأصول و المنطلقات عند الصوفية في هذا الباب ، قولهم بمفهوم الحقيقة المحمدية ، و حديثهم عن الإنسان الكامل ، والفيض النوراني من النبي عليه الصلاة والسلام ، وسريانه الى العالم ، وأنه هيولي العالم ، وقولهم بأنه أبو الروحانيات ، وآدم أبو الجسمانيات . و هي فكرة شيعية الأصل و المنبت . و في هذا يقول ابن عربي :" … اعلم أيدك الله أن أصل أرواحنا روح محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو أول الآباء روحاً ؛ و آدم أول الآباء جسماً ، ونوح أول الآباء رسولاً … " أهـ [6] .
    إنَّ هذه الفكرة فكرة شيعية قديمة ، و لذا قال بعض المستشرقين : " الاعتقاد بأزلية الوجود المحمدي قد ظهر مبكراً جداً عند الشيعة " . و يضيف :" أنَّ الوجود استمر عند الشيعة يظهر بعد محمد في صورة علي وأهل بيته " [7].
    و لهذا ذهب بعض الباحثين إلى أن ابن عربي :" … نفذ إلى وحدة الوجود من مثل هذه الأفكار الشيعية التي تجعل أهل بيت النبي كُلاً لا يتجزأ يصدرون جميعاً عن نور النبوة الأزلي ، وقد كان النور المحمدي قديماً في التشيع الغالي ، فجمع ابن عربي فكرة النور وفكرة وحدة آل محمد الروحية والعلمية ، وأسبغها على الناس كافة - نعني بهم السالكين الذين هم من عامة الناس ، ولكنهم يبلغون هذا المقام السامي ، لأن فيهم هذا النور المحمدي - . وقد تنبه ابن عربي أيضاً إلى الحديث القائل :" سلمان منا أهل البيت " [8]، وجعل سلمان الفارسي مثلاً يضرب على شمول النورية للناس ، وكون الأمة الاسلامية أهل البيت لا أسرة النبي وحدها … " أهـ [9].
    و إذا كان مبدأ الاتحاد وحدة الوجود يجعل الولي يرى أنه هو " الله " و " الرب " – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً – ، وقولهم في الولاية ، يجعلهم يصلون إلى مرحلة " النبوة " ! إذا كان هذا كذلك ، فكيف يستغرب إدعائهم لنسب أحد من الناس كآل البيت أو من سواهم ، أو ليس الوجود واحداً !!
    و يوجد لهذا أصل عند ملاحدة الشيعة من الاسماعيلية وغيرهم ، فقد نقل أحمد الكسروي في كتاب" مشعشعيان " النصَّ الآتي :" … الاعتقاد أن علياً الذي كان بجنب النبي هو السرُّ الدائر في السماء والأرض ، و محمداً صلى الله عليه وسلم كان هو الحجاب بنوع الرسالة ، و الأحد عشر إماماً كانوا هم الملائكة منهم إليه ومنه ، و سلمان من أهل البيت ، والبيت هي الطريقة والمعرفة ، و كل من وصل إلى عرفانه كان سلمان في كل عصر و زمان… "أهـ[10].
    بل يوجد كلام لابن عربي في الفتوحات يظهر منه أن المرء يستطيع أن يكون (( أنصارياً )) ، فها هو ذا يقول :" … واعلم أن كل من نصر دين الله في أي زمان كان ، فهو من الأنصار ، وهو داخل في حكم هذا الحديث … -يعني حديث : آية الايمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار - " .أهـ [11]. ومن أقوال الصوفية لمريديهم :" كن علوي الهمة ، عثماني الحياء ، عمري الفعل ، بكري العمل " . و لابن عربي مقولة في " الفتوحات" ينصح بها أتباعه ، يقول فيها :"… كن عمري الفعل …" أهـ[12].
    و هو كلامٌ قد يكون لا غبار عليه ، لكن الخطأ إذا كان في الأصول شبراً صار في الأتباع ذراعاً .
    ومن مداخلهم لذلك تقريرهم : لمسألة بنوة التبني ، فإن ابن عربي يقرر جوازها . و هي ما تكون بالاصطفاء و المرتبة . و لفظة "الابن " هي المنهي عنها عنده[13] . و لهذا يشيع عند المتصوفة لفظة الانتساب إلى شيوخهم و أوليائهم و ما يرادفها ، فيقال في تراجمهم :" وله انتسب " ، و " هو من أولاده " ، و يعنون بذلك " مصطلح بنوة التبني " الذي قرره ابن عربي .
    و هم يقرون أنها ليست نسبة نسب وصلب ، و لكنها نسبة روح وكسب ، و هي أعظم من التي قبلها ، فتجوز عندهم الاضافة للشيخ ، أو الولي ، أو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، و من بعدهم ...
    أقول : و هذا من أهم أسباب تداخل أنساب المتصوفة ، حتى لا تعلم هل هؤلاء ينتسبون طريقة للولي الصالح والشيخ المجذوب أم أنهم من عقبه و صلبه أم أنهم من خدام حضرته ومن سدنة ضريحه ؟
    و في كرامات النبهاني أيضا : " وقال سيدي حاتم : خدمت سيدي الشيخ ابا السعود عشرين سنة ، و أنا أسأله أن يأخذ عليّ العهد ، فيقول : لست من أولادي ! أنت من أولاد أخي أبي العباس البصير ، سيأتي من ارض المغرب . فلما قدم إلى مصر أرسل سيدي أبو السعود إلى سيدي حاتم ، وقال له : شيخك قدم الليلة ، فاذهب لملاقاته في بولاق ، فأول من اجتمع به من أهل مصر سيدي حاتم ، فلما وضع يده في يده قال : أهلاً بولدي حاتم ، جزى الله أخي أبا السعود خيراً في حفظك إلى أن قدمنا " ! انتهى[14].
    و فيه أيضاً :" …وكان الشيخ جاكير يقول : ما أخذت العهد قط على مريد حتى رأيت اسمه مكتوباً في اللوح المحفوظ ، و أنه من أولادنا " [15] !! .
    و فيه أيضاً :" و قال شهاب الدين النشيلي لما رأى الشعراني ، و تعرّف عليه : " أهلاً يا ابن الشوني ، أيش حالك و حال أبيك ؟! " قال الشعراني : وكنت لا أعرف قطّ الشوني ! فبعد عشر سنين حصل لي الاجتماع بالشوني ، فأخبرته بقول الشيخ شهاب الدين ، فقال : " صدق ، أنت ولدي ، و إن شاء الله يحصل لك على أيدينا خير ... " انتهى[16] .
    و اعلم أنَّ هذا الباب مما احتار فيه جماعة من محققي النسابين المعاصرين و فضلائهم ، حتى أني سمعت من بعضهم أنه تحير في أنساب طائفة من الصوفية لسنوات عدة ، كلهم يدعي النسب لرجل واحد ، و هم يطعنون في بعضهم البعض ، و سببه ما قدمناه من قدوم المريدين و المتسلكين إلى زوايا الأولياء والشيوخ بقصد ملازمة الشيخ و الأخذ عنه ، وبعد مدة ، يحصل له الانتساب لطول الملازمة ، و يختلط أمر الذرية الحقيقية للولي بأولاده من جهة بنوة التبني التي قررها ابن عربي .
    و هذا ليس من جنس العلم بالنسب ، حتى ينتظم أمرهم ، و يمكن للنساب أن يتتبعه ، بل لابد من العلم بأصول القوم ، و هو من جنس الكلام في الفرق والعقائد و آثارها في الوجود ، فإذا لم ينعم الله على النساب و المؤرخ بفهم أصول القوم ، و إلا أصبح أكثر حيرة من تلك الطوائف التي تطعن في نسب بعضها البعض !
    إنَّ تفصيل هذا الأصل فيه طول يخرجنا عن موضوعنا ههنا ، فإنه يليق به تأليف مستقل في معنى الحقيقة المحمدية عند القوم ، يبين فيه ما في هذه الأقوال من المعاني الفلسفية الكفرية ، و توضح فيه آثارها على الاعتقاد و نشوء الفرق ، و نقاط التوافق بين الصوفية و الرافضة ، فضلاً عن أثرها على أنساب آل البيت ، و في قليل الإشارة ما يغني عن كثير العبارة .
    ****
    الأصل الثاني : الرؤى والمنامات
    للصوفية اعتقاد معروف في " الرؤى والمنامات " ، فهي أحد مصادر المعرفة عندهم . و إذا كان هذا كذلك .. فهل لذلك أثر على الأنساب ؟!
    قال الشعراني في طبقاته عن الشيخ البكري :" ومما يدل على صحة نسبه الى الامام ابي بكر الصديق ما رأيته بمكة المشرفة ، وذلك أن بعض الحسدة ذكر سيدي محمدا بغيبة ، فزجرته عن ذلك فلم ينزجر ، ثم رايت الامام ابابكر الصديق رضي الله عنه وهو يقول: جزاك الله خيرا عن ولدي محمد ، فعلمت صحة نسبه بذلك " انتهى[17].
    و الرؤى كما هو معلوم مصدر من مصادر المعرفة عند المتصوفة ، فلهذا اثبات صحة الأنساب بها يسير !
    طامة كبرى
    نقل الشيخ عبدالغني النابلسي عن ابن الفارض الصوفي الاتحادي وعن سبطه شارح التآئية ( جامع الديوان ) ، رؤيا أثبت منها النسب الشريف لابن الفارض !
    قال عبدالغني النابلسي :"…قال ابن الفارض : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي : يا عمر ! لمن تنتسب ؟ فقلت : إلى بني سعد يارسول الله ، وهي قبيلة حليمة السعدية مرضعتك يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم : لا ؛ بل أنت مني ، أي من ذريتي ، ونسبك متصل بي . فقلت : يا رسول الله إني أحفظ نسبي عن أبي وجدي إلى بني سعد ! فقال صلى الله عليه وسلم : لا ، لا ، ماداً صوته صلى الله عليه وسلم ! : بل أنت مني ، ونسبك متصل بي ؛ أي : من أولاد علي من فاطمة الزهرآء رضي الله عنهم. فقلت : صدقت يا رسول الله مكرراً ذلك القول ثلاث مرات مشيراً إليه صلى الله عليه وسلم بأصبعي . قال جامع هذا الديوان : رأيت ولده المشار إليه واقفاً على قدميه في اليقظة ، وأصابع يديه مبسوطة على ركبتيه من غير انحنآء في ظهره ، بأن كانت يداه طويلتين ، بحيث تصلان إلى ركبتيه . وقال - أي : ولد الشيخ رحمه الله تعالى - :رأيت والدي ، أي : الشيخ عمر بن الفارض رضي الله عنه : واقفاً على قدميه ، وأصابع يديه مبسوطة على ركبتيه مثل وقوفي هذا ، وأشار إلى وقوفه ذلك كذلك . وقال - أي ولد الشيخ ، أو الشيخ -: هذا وصول اليدين الى حد الركبتين من علامات الشرف . قال العارف النابلسي : ولايلزم أن يكون ذلك شرطاً في صحة النسب ، بل هو من علاماته ، كما قال ؛ وقد ورد في الأخبار ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت يداه طويلتين في الحس والمعنى [18] !…." أهـ .
    ثم ساق بعض الروايات في معنى طول يديه . ثم قال :" … قال جامع هذا الديوان سبط الشيخ : النسبة الشريفة التي أرادها صلى الله عليه وسلم بقوله للشيخ عمر في المنام : "بل أنت مني ، ونسبك متصل بي " : إما أن تكون نسبته الأهلية بأن يكون من ذرية فاطمة التي هي ذرية النبي صلى الله عليه وسلم . قال العارف النابلسي : وهو الظاهر المتبادر من الكلام ، وإنْ لم يكن ثابتاً في الظاهر ، وكان الثابت غيره ، لأنه لما كان المعتبر في الشرع ثبوت النسب بالبينة واختلاف الأزمان بقتضي اختلاف الناس في طبآئعهم ، وعاداتهم وأغراضهم وقاصدهم ، فقد يضعف بعض الذرية عن إقامة البينة ، وقد تمتنع الشهود عن أدآئها لخوف أو لطمع ، وقد يعد الحاكم ، وقد يظلم ، ، وقد ينتسب بعض الذرية إلى غير نسبه لجهله بنسبه ، أو لغرض من الأغراض فيكون قول النبي صلى الله عليه وسلم هو الصحيح على خلاف ما هو في ظاهر الحال ، وإنْ لم تكن هذه الرؤية المنامية موجبة لحكم من الأحكام الشرعية . قال سبطه : أو تكون تلك النسبة نسبة المحبة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، والنسبة التي هي عند أهل المحبة أشرف قدراً واعتباراً من نسب الأبوة التي كانت منها الولادة ؛ وهي التي جعلت بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي من أهل البيت …" أهـ . ثم ساق النابلسي شيئاً من الأحاديث التي تؤيد المعنى الثاني هذا كحديث :" آل محمد كل تقي " ، ونحوه .
    ثمّ قال :" … وإلى هذا النسب الشريف الذي هو نسب المحبة أشار شيخنا يعني الشيخ عمر رضي الله عنه في القصيدة اليآئية التي قافيتها اليآء المثناة التحتية ، حيث قال :
    نسبٌ أقربُ في شرع الهوى بيننا من نسب من أبوي
    قلت -أي جامع هذا الديوان سبط الشيخ عمر - : بطريق المناسبة في اعتبار نسب المحبة نظير واقعة الشيخ عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأيت في المنام كأنني في الحضرة الشريفة المحمدية ، وكأنّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة كثيرة من الأنبيآء والأوليآء ، وكأنّ الشريف شمس الدين الأيكي نقيب الأشراف ، وقاضي العساكر المنصورة -توفي بدمشق في شهر رمضان سنة سبع وتسعين وستمائة - مع الجماعة في الحضرة الشريفة ، ولم أعرف أحداً منهم بصورته سواه ؛ وكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإثبات نسبة الشيخ صبيح الحبشي إليه ؛ أي : إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورأيت رجلاً في المجلس معه المكتوب الذي يشهد فيه بالنسبة الشريفة المحمدية ، وهو يدور على الحاضرين في ذلك المجلس يأخذ خطوطهم فيه ؛ فلما وصل إليّ ناولني المكتوب ، وقال لي : اكتب . فقلت له : أنا مارأيت الشيخ صبيح ، و لا عاصرته ، و لا أعرف نسبته ، وإنما رأيت أولاده ، وهم أصحابي . فصرخ عليّ صرخة عظيمة ، وجدت لها رعباً عظيماً ؛ وقال لي : اكتب كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُكْتَبَ ! فقلت : وكيف أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يكتب ؟ فقال : اكتب :" أشهد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم متصل النسب بالشيخ صبيح " . قال النابلسي : فكتب كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب ، والشيخ صبيح المذكور لم يعرف أحد أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أنه كان رجلاً من الصالحين الكاملين كما وقع للشيخ عمر رضي الله عنهما ، فلعلهما في حقهما نسبة الأهلية ، أو نسبة المحبة كما سبق بيانه " انتهى [19].
    تأمل العبارة السالفة : " الرسول صلى الله عليه وسلم متصل النسب بالشيخ صبيح " ! سبحان الله ! النبي صلى الله عليه وسلم متصل النسب بحضرة سِيْ السيد الشيخ صبيح لا أن الشيخ صبيح الحبشي المولى متصل النسب بالنبي عليه الصلاة والسلام ؟!
    ما عهدنا في تاريخ الأشراف و السادة الأكارم إلا أنهم يجعلون اسم " صبيح " و أمثاله للعبيد و الموالي ، ... ، إيهٍ ... " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " !
    و هذا الكلام الذي تقشعر منه جلود الذين آمنوا ، و تتقزز منه النفوس ، ينقله النبهاني الصوفي ، دون أن يعلق عليه بما يوجبه الشرع ، و هو المتيم بحب النبي صلى الله عليه وسلم و حب أهل بيته ، أوَ لم يؤلف " الشرف المؤبد " ؟
    إذا تعارض حب دراويش الصوفية و خيالات المجاذيب و البلهى مع حب آل بيت النبوة قدم البلهى والمجاذيب عند الترجيح ! و لو كان هناك قليلٌ من الغيرة على " بيت النبوة " لرد على تلك الطوام ، كيف و هو القاضي الذي يفصل بين الخصوم ويرد على المبطلين دهراً طويلاً ! نعم لو كان تعرض أحدٌ للصوفية و للدجاجلة ، كما فعل الإمام محمد عبده التركماني بمصر ، لأخرجه النبهاني من دائرة الاسلام كما فعل حين اتهمه بترك الصلاة ؟!!
    ****
    الأصل الثالث : الكشف !
    يثبت بعضهم أمر النسب أحياناً من جهة الكشف ، وإذا علم أن الكشف من مصادر المعرفة عند الصوفية ، هان الأمر . و الكشف في أقرب معانيه التي يمكن مخاطبة القراء بها ، هو : " الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الخفية ، وجوداً أو شهوداً" .
    مساكين هؤلاء النسابين ، أضاعوا أعمارهم في غير طائل من الأمر ، هذا أبو العباس المرسي يقول : " والله الذي لا إله إلا هو ما من ولي لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعني الله عليه و على اسمه و نسبه ، وكم حظه من الله تعالى " [20].
    عجيب صوفي و نسابة ! عهدنا و عهد الجميع بالصوفي أنه ينهى عن " الفقه " ، و " العلم " ، و لا يجوز لمريديه حضور مجالس " الفقهاء " ... و لو علم أصحاب " الشجرات " و " أعمدة النسب " المساكين لحاولوا أن يكشفوا أو يُكشف لهم من أجل أن يتعلموا الأنساب .. و يرتاحوا ويريحوا ..!
    العادة الجارية أن الكشف و الذوق والمواجيد القلبية كلها راجعة إلى اعتقاد الانسان ، و حبه أو بغضه للشيء الذي يفكر فيه . وذلك أن كل نفس متحركة طالبة لمحابها ولذاتها ، فما لاح في قلبه من الاعتقادات أو الكشوفات أو المواجيد ونحوها ، رأى صدقه في حياته إما بصوت يظن أنه يسمعه بأذنه ، أو بتردده في داخل نفسه ، أو بخيال يظن أنه يراه بعينه ، أو يتأمل مبناه في نفسه .
    [1] تحفة الأكياس للكتاني (2/293 ) .
    [2] الصلة بين التصوف والتشيع (2/294 ) .
    [3] انظر في التعريف بها : التذكرة التيمورية (330-332) . و الفتاوى (35/ 163- 166 ) .
    [4] الصلة بين التصوف والتشيع ( 1/ 475 ) .
    [5] الصلة بين التصوف والتشيع (2/64-65 ) .
    [6] الفتوحات المكية : بواسطة جواهر البحار للنبهاني ( 1 /131 ) ، و انظر : عبدالكريم الجيلي في " الجواهر " و كلامه في هذا المعنى : ( 1/ 259 ) ، ( 1/ 267 ) .
    [7] في التصوف الاسلامي ص116 لنيكلسون ، بواسطة : الصلة بين التصوف والتشيع ( 2 / 485 ) .
    [8] رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم عن عمرو بن عوف . وقد جزم الحافظ الذهبي بضعف سنده . قال الهيثمي :" فيه عند الطبراني كثير بن عبدالله المزني ، ضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات " . وقال العجلوني في كشف الخفاء :" وسنده ضعيف " انظر ( 1/460 ) . وقال الألباني :" قد صح موقوفاً على علي رضي الله عنه " وضعف رحمه الله تعالى رواية الرفع بقوله :" ضعيف جدا " . انظر : ضعيف الجامع ( 3272) .
    وقد ورد في معنى حديث سلمان هذا : حديث مروي عن علي رضي الله عنه يرفعه ، قال :" جرير بن عبدالله منَّا أهل البيت ظهرٌ لبطن " ، رواه الطبراني وابن عدي . قال الذهبي :" هذا منكر ، وصوابه من قول علي " . سير الأعلام 2 /534 . وقال الألباني :" ضعيف " . انظر : ضعيف الجامع رقم 2627 . والضعيفة 1207 .
    [9] الصلة بين التصوف والتشيع ( 1/ 406 ) . ط: 3 . للدكتور كامل مصطفى الشيبي . وانظر فيه أيضاً : 1/ 380- 382 .
    [10] بواسطة : الصلة بين التصوف والتشيع ( 2 / 274 ) حاشية رقم (2) .
    [11] الفتوحات المكية (4/467)
    [12] الفتوحات المكية ( 4/ 465) .
    [13] انظر : الفتوحات المكية (4/437-438) ط: صادر ،بيروت .
    [14] كرامات الاولياء (1/500-501)
    [15] كرامات الاولياء (2/4)
    [16] كرامات الاولياء (2/124)
    [17] انظر: كرامات الاولياء للنبهاني (1/316)
    [18] ومن طرائف هذا الباب أنهم ذكروا في ترجمة الشيخ عبدالقادر الجيلاني : أن الذباب لا يصيبه ، و راثة من جده المصطفى صلى الله عليه وسلم ! فهذا من علامات الشرف عندهم مثل طول اليدين ! ( انظر : طبقات المناوي 1 /678 ) . و هذا من جملة الكذب على الولي الصالح الفقيه عبدالقادر الجيلاني الحنبلي رحمه الله تعالى .
    [19] جواهر البحار للنبهاني ( 3/283-285)
    [20] لطائف المنن لابن عطاء ( 55 ) .
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .



    الأصل الرابع : كسب النسب .. !!
    دعك من كسب الأشعري .. فههنا كسب الصوفية !
    وجد عند طوآئف من المتصوفة إثبات النسب النبوي للمرء كسباً بدون أن يكون له نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محقق ، ويمكن أن يفسر ذلك بتتبع كلامهم والنظر في اعتقادهم . من مداخلهم في هذا الشأن : القول بالنسب البدني والنسب الروحاني . أو ما يعبر عنه أحياناً : بالأبوة الدينية والأبوة الطينية . و قد يقال : " ولادة الصلب " ، و " ولادة القلب " .
    هذا المقام مما يحتاج إلى تفصيل ، و تلك العبارات تحتمل معنيين : فإن أريد بالأبوة الدينية أو ولادة القلب حمله لنسب شيخه فهذا قول باطل ، و ينهى عن هذه التسمية و أشباهها ، و إن أراد أثر التربية والهدى الذي حصله على يديه وما نفعه الله به ، فهذا لا بأس به و لا حرج فيه .
    و قد توارد على امثال هذه العبارات جمعٌ من أهل العلم ، و هي من أصول الأدب والرعاية و الأخذ عن المشايخ و أهل العلم ، خاصة من كان له مزيد اختصاص بشيخ أو عالم . و ربما استشهد للمعنى الثاني بقوله تعالى :" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " وفي قرآءة شاذة :" وهو أب لهم " . و ورد في حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط ، فلا يستقبل القبلة و لايستدبرها ، و لا يستطيب بيمينه ، وكان يأمر بثلاثة أحجار ، وينهى عن الروث والرمة " رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة[1] .

    و القوم في اكتساب النسب على وجهين :
    الأول : أن يكون الأخذ مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مشهور في طريقة القوم ، فيحمله ذلك على الانتساب إليه . و قد ساق النبهاني في ضمن كرامات الامير الشهير عبدالقادر الجزائري أنه قال :"…لما بلغت المدينة طيبة ، وقفت تجاه الوجه الشريف بعد السلام عليه صلى الله عليه وسلم ، وعلى صاحبيه الذين شرفهم الله تعالى بمصاحبته حياة وبرزخا ؛ وقلت : يارسول الله عبدك ببابك ، يارسول الله كلبك بأعتابك ، يارسول الله نظرة منك تغنيني ، يارسول الله عطفة منك تكفيني ، فسمعته صلى الله عليه وسلم يقول لي : " أنت ولدي ، ومقبول عندي بهذه السجعة المباركة " . وما عرفت هل المراد ولادة الصلب أو ولادة القلب ، والأمل من فضل الله انهما مرادان معا ، فحمدت الله تعالى ! " انتهى[2] .

    و الأمير عبدالقادر الجزائري يساق نسبه على الوجه التالي : " عبدالقادر بن محي الدين بن المصطفى بن محمد بن أحمد بن المختار بن عبدالقادر بن أحمد المختار بن عبدالقادر -المعروف بـ"خدة " محشي صغرى السنوسي - بن أحمد القديم بن عبدالقادر بن محمد بن محمد بن عبدالقوي بن عبدالرزاق بن بن عبدالقادر الجيلاني … " ، و قد أورد الأمير محمد هذا النسب في كتابه :" تحفة الزائر في مآثر الأمير عبدالقادر وأخبار الجزائر "[3] .
    و قد ذكر في ذلك الكتاب وغيره للأمير عبدالقادر سلسلتان من جهة الأطراف تنص عمود نسبه إلى الحسن والحسين ، وقد اعتمد إحداهما صاحب كتاب " ملتقى الأطراف " ، على أنها عمود نسب الأمير عبدالقادر المزعوم ، وهو واهمٌ في ذلك ، حيث أورد أن نسبه كالآتي ، قال :" هو الأمير عبدالقادر بن محي الدين بن مصطفى بن محمد بن المختار بن عبدالقادر بن احمد المختار بن عبدالقادر بن احمد ابن محمد ابن عبدالقوي بن خالد بن يوسف بن احمد بن بشار بن محمد بن مسعود بن طاوس بن يعقوب بن عبدالقوي بن أحمد بن محمد بن ادريس الأصغر بن ادريس بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط " [4] .
    و للأمير عبدالقادر الجزائري شجرة نسب تضمنت عمود نسبه وبيان أحفاده [5] .

    و الأمير عبدالقادر الجزآئري هذا من ألد أعدآء دعوة شيخ الاسلام ابن تيمية . قال الشيخ الجليل محمد نصيف :" أقول انا محمد نصيف بن حسين بن عمر نصيف : سألت السائح التركي ولي هاشم عند عودته من الحج في محرم سنة 1355 عن سبب عدم وجود ما صنفه العلماء في الرد على ابن عربي ، وأهل نحلته الحلولية والاتحادية من المتصوفة ؟ فقال : قد سعى الأمير السيد عبدالقادر الجزائري بجمعها كلها بالشراء والهبة ، وطالعها كلها ، ثم أحرقها بالنار ، وقد ألف الأمير عبدالقادر كتابا في التصوف على طريقة ابن عربي . صرّح فيه بما كان يلوح ابن عربي ، خوفا من سيف الشرع الذي صرع قبله :" أبو الحسين الحلاج " ، وقد طبع كتابه بمصر ففي ثلاث مجلدات ، وسماه المواقف في الواعظ والارشاد ، وطبع وقفا ، ولا حول ولاقوة الا بالله" اهـ[6]
    الوجه الثاني : أن يكون الأخذ على يد شيخ من أئمتهم يعزى إلى البيت النبوي ، فينتسب إليه التلميذ ، فينال الشرف بالواسطة كسباً .

    جاء في " النور السافر " :" أن الشيخ محمد بن أحمد با جرفيل الدوعني ( 820-903 ) قال :" لم أصحب مع كثرة من صحبته من العارفين بالله مثال الشيخ علي بن أبي بكر ، فلازمته أربعة أشهر على أن يقول لي :" أنت منَّا أهل البيت " ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي رضي الله عنه ، فلم يجبني إلى ذلك ، فلما ألححت عليه ، وتحقق صدق ودي ومحبتي لأهل البيت . قال : يا فقيه ! إنَّ الدين النصيحة ، لا يجيبك إلى مقصودك هذا إلا الشيخ أبو بكر بن عبدالله ، فإنه القطب الوارث للقطبية من صغره بعد موت أبيه الشيخ عبدالله بن أبي بكر ، ونحن نكتب لك إليه أن يجيبك إلى مرادك ! قال : والشيخ أبو بكر يومئذ باليمن ، فكتب الشيخ علي إليه ، وكتبت أنا أيضاً إليه ، فأتانا منه بحمدالله الجواب بالقصد والمراد ! " . أهـ[7] .
    ****

    الأصل الخامس : نيل درجة القطبية .. من مزالق الصوفية في إدعاء أنساب آل البيت تقريرهم لمقولة :" أن القطب لايكون إلا من آل البيت النبوي ، وأن الآل عوضوا بالخلافة الباطنة لما ذهبت منهم الخلافة الظاهرة " [8] ، ولهذا اشترط بعضهم في صفات القطب أن يكون شريفاً من الآل النبوي . و يعرف الصوفية القطب بأنه ( موضع نظر الإله ) . و من علاماته عندهم أنه يحوز : ( الخلافة ، و النيابة ) ، كما ذكره أبو الحسن الشاذلي في " علامات القطب " . و يحتاج القطب عندهم إلى مبايعة دولة الباطن كما هو الحال في خلافة الظاهر .
    و مشهور عندهم أن القطب لاتكون محل إقامته إلا في مكة[9] .
    و قد أشكل اشتراط تحقق النسب الشريف في القطب ، فسأل الشعراني شيخه علي الخواص عن صحة ذلك ؟ فقال علي الخواص :" لا يشترط ذلك ، ولعل من اشترط ذلك كان شريفاً ، فتعصب لنسبه " [10] .
    ثمَّ خفَّ اشتراط هذا القيد في القطب وذلك بتصحيحهم للنيابة في منـزلة القطبية لغير آل البيت ، و نفى بعضهم ذلك ، و قال : " لا تكون منـزلة القطبية إلا للآل " ، و لكن ربما حاذى الوليُ الذي ليس بشريف هذه المنـزلة ، و سيأتي ذكر هذا بعد قليل .
    قال الآلوسي :" … وقد رأيتُ في مكتوبات الإمام الفاروقي[11] الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره ما حاصله : " أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين ، ثمَّ إنَّها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم حتى انتهت النوبة إلى السيد الشيخ عبدالقادر الكيلاني قدس سره النوراني ، فنال مرتبة القطبية على سبيل الأصالة ، فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه ، فإذا جاء المهدي ينالها أصالة ، كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين " .انتهى [12].كلام الآلوسي .
    وقال الرفاعي في " صحاح الأخبار " - وهو كلام مفيد و مهم في توضيح هذا الأصل - :" تنقسم الإمامة إلى : إمامة وحي ، وهي للأنبياء ؛ و إلى : إمامة وراثة ، وهي للعلماء ؛ و إلى إمامة عبادة ، وهي لإئمة الصلاة ؛ وإلى : إمامة مصلحة ، وهي لإئمة المسلمين الخلفاء الكرام القائمين بمصالح الأمة . ولم تجتمع هذه الأقسام المذكورة إلا للنبي صلى الله عليه وسلم …" .
    ثمَّ قال بعد ذلك :" … وقد عني أهل البيت عليهم السلام في أفرادهم المكرمين و أئمتهم الطاهرين إمامة معنوية لا كما عناها الرافضة ، وهي الإمامة التي عناها جحاجحة الصوفية ، و وسموها بالقطبية الكبرى ، والغوثية العظمى ، و الإمامة الجامعة ؛ وقالوا لصاحب مرتبتها الغوث وقطب الأقطاب والإمام الجامع والإنسان الكامل .
    و أطبق جماهير الصوفية سلفاً وخلفاً أن الغوث هذا ، المعني ، بهذه الإمامة لا يكون من غير أهل البيت النبوي أبداً . وقالوا : إنَّ أهل البيت لمَّا فاتتهم إمامة الأشباح التي هي الخلافة الظاهرة عوضهم الله سبحانه وتعالى ما هو خير منها ، و ذلك إمامة الأرواح ، فإمامهم هذا أعني القطب الغوث يتصرف في ذرَّات الأكوان ، و صاحب خلافة الظاهر ، ذرة منها !
    و روى العارفون من سلف أهل البيت أنَّ الإمام الحسين لمَّا انكشف في سره تولى الخلافة الروحية التي هي الغوثية ، والإمامة الجامعة فيه وفي بنيه على الغالب ، استبشر بذلك ، وباع في الله نفسه لنيل هذه النعمة المقدسة ، فمنَّ الله عليه بأن جعل في بيته كبكبة الإمامة ، وختم ببنيه هذا الشأن ، على أنَّ الحجة المنتظر الإمام المهدي عليه السلام من ذريته الطاهرة وعصابته الزاهرة .
    قال سيدنا السيد إبراهيم أبو إسحاق الأغرب الرفاعي : كلمتان مردودتان عند أهل البساط :
    1- كلمة شريف يطلب نيل الإمامة الظاهرة بعد أن انعقدت على الإمامة الجامعة الروحية بيعة الأرواح لأهل البيت ، و أمضى الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم لهم ذلك ، و ها هي تتقلب بحمد الله تعالى فيهم ، و لا تنـزع منهم حتى تختم بسيدنا الإمام ولي الله المهدي عليه السلام .
    2- والكلمة الثانية : كلمة رجل ، قال : إنَّ قطبية الأقطاب يعني الغوثية والإمامة الكبرى الروحية تكون في غير أهل البيت ، فإنَّ هذه الكلمة من عثرات ألسن بعض أهل الري (؟! ) ، لا يلتفت إليها و لا يعول عليها "
    ثم قال :" نعم إنَّ المحاذاة للغوث ثابتة عند المتمكنين ، فقد يحاذي الولي الذي ليس بشريف بمحض فضل الله وتوفيقه مرتبة الغوث الجامع ، و لكن لا ينـزل تلك المنـزلة بعينها أبداً . وقال جماعة : قد يمكن أن يسقط المحاذي الذي ليس بشريف على مرتبة الغوثية ، و يتصرف بمنـزلتها من طريق تسلق المرتبة الصديقية ؛ ولكن يكون ذلك إذا لم يكن في عصره من أهل البيت من تحمل طينته عبء المنـزلة ، فيكون تصرف ذلك الرجل تصرف خلعة لا تصرف مرتبة ، فهو يتصرف بالخلعة التي ألقيت عليه من الغوث الشريف المتوفى والمنخلع عن مرتبة التصرف تمكناً بمحبة الله ، و إعراضاً عن غيره ، كما وقع لسيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه حين نودي للغوثية بعد أن رفع له علمها في الأكوان ، فأعرض عن مشغلتها ، و تململ على الباب ، وقال : "بالله العفو العفو" ، واتخذ ذريعته لذلك الجد الأعظم صلى الله عليه وسلم ، فقبل الله منه ، و أفرغت عنه الخلعة للشيخ عبدالقادر الجيلي قدس سره ، فتصرف بها مدة حياته حتى مات ، ثم رفع علم الغوثية الجامعة والتصرف المحض للسيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه بإعادة خلعته الأصلية ، فاشتهر بأبي العلمين في الكونين ، وكان لما رفع له العلم الثاني أراد أن يتجرد عن التصرف لربه ، والله تعالى قسم له نيل الوراثة المحمدية أدباً وتصرفاً ، فلما أراد التنصل من المرتبة بالبكاء والتذلل أحاطه نداء الغيب من كل جانب أن تأدب ، فامتثل ، وبقيَ على حاله في منزلته حتى تمكن فيها بالترقي عنها إلى ما هو أعظم منها ، وما من نعمة تفرغ على العبد إلا وفي خزانة الكرم ما هو اعظم وأجل منها .
    وقد قال جماعة من العلماء بعدم وجود القطبية ، و لكن فاتهم أنَّ وجود الأولياء ثابتٌ لا دفاع له ، واصطلاح الأولياء على تسمية أعظمهم منـزلة في عصرهم صاحب رياستهم و مقدمهم بالقطب الغوث . وكما فرَّط بعض المتفقهة ، أفرط بعض المتصوفة ، فجعلوا القطبية إرثاً في مشايخهم ، و كأنها تؤخذ بالنيابة عنهم . وما كل ذلك إلا من الجهل بنفوذ سلطان النبوة ، وأن نيابة الأقطاب في كل عصر عنه صلى الله عليه وسلم ، و وراثة هذه المنزلة لا تحجر ، كما أنَّ فضل الله على قوم دون قوم لا يقصر ، يهب ما يشاء لمن يشاء " ألا له الخلق والأمر " ، وهو على كل شيء قدير . " . انتهى [13].
    و هذه النقول السابقة توضح أنَّ مقالة القطب والاعتقاد بوجوده ، لها تأثيرٌ لا ينكر في ادّعاء طوائف منهم للنسب والوقوع في كبيرة من كبائر الذنوب ، وليس ذلك ببعيد عن جهال و مردة الصوفية .
    إنَّ منـزلة القطبية منـزلة عالية تسمو إليها نفس كل صوفي ، يعلم ذلك بتتبع أخبار كبرآئهم ومشاهيرهم ، الذين يقضي المرء منهم أغلب عمره في محاولة تحقيق تلك المنـزلة و التخلق بآدابها ، أو يقضي عمره في البحث عن قطب الأقطاب في الفيافي والقفار . و لهذا يُدَّعى النسب النبوي حتى لا يطعن في الولي أو الشيخ أنه قاصرٌ عن رتبة القطبية .
    وإذا اشتهرت نسبة الشيخ أو الولي المزعوم إلى غير آل البيت ولم يكن هناك مناصٌ من التهرب من تلك النسبة ، فإنَّ أمره يكون على الأحوال الآتية :
    الأول : أن يجد له شرفاً من جهة الأمهات بصورةٍ أو بأخرى .
    الثاني : أن يطعن في اشتراط ذلك الشرط في " القطب " ، كما تقدم عن علي الخواص .
    الثالث : أن يقال بجواز النيابة في منـزلة القطبية .
    الرابع : أن يقال بجواز محاذاة الولي غير الشريف لمنزلة القطبية ، وذلك بأن ينال مرتبة الصديقية ، فيقال فيه :" الصديقي " ، ومن ثَـمَّ يقال :" البكري " !

    ****

    الأصل السادس : طلب المهدية و التبشير بها . كثيراً ما ينصرف ذهن عدد من القراء والباحثين إلى أن المهدية مما اختصت بها الرافضة الاثني عشرية ، ولكن عند التحقيق تجد أن للصوفية نصيب في الأمر لا يقل شأناً عن أولئكم . و من أهم مداخل الصوفية إلى هذه الساحة التأصيل لمفهوم " خاتم الأولياء " . لقد تمت إعادة الحديث عن " خاتم الأولياء " و التأكيد عليه في أدبيات التصوف ، خاصة عند ابن عربي ومن ينحى نحوه .
    كان هذا التجديد للخطاب و الاحياء في فترة تبدأ من منتصف القرن السادس تقريباً ، و هي توافق أواخر أيام الدولة العبيدية بمصر . و الناظر في أكثر أنساب أئمة الصوفية يجدها قد بدأت في الخروج والظهور بالقرب من بدايات القرن السابع الهجري ، قبل سنة 600هـ أو بعدها بقليل ، و هو ما يقارب فترة انحلال الدولة العبيدية الباطنية بمصر ، ثم انفراط العقد بعد ذلك التاريخ .
    و قد رادف ذلك التحديد لوقت الخروج تبشير كثير من مشايخ الصوفية بقرب ظهور المهدي المنتظر في تلك الفترة . يقول ابن أبي واصل في شرح :" خلع النعلين " : … ولم تزل البشرى تتابع به ، من أول اليوم المحمدي الى قبيل الخمسمائة نصف اليوم . وتأكدت وتضاعفت بتباشير المشايخ بتقريب وقته ، وازدلاف زمانه ، منذ انقضت إلى هلم جرَّا " أهـ[14].
    و وافق ذلك انتشار كتب الملاحم و الأزياج عند الصوفية وأشياعهم من مدعي علم الحروف والباطن و علم الجفر .
    لا ريب أنه قد كانت هناك دعاوى للنسب الشريف في طول العالم الاسلامي وعرضه ، قبل ذلك التاريخ ، و لكنها كانت دعاوى ساذجة فردية ، لا تتخذ أصلاً فلسفياً تقوم عليه ، و يظهر كذبها لعامة الناس فضلاً عن أئمة النسب و حذاقه ، و أكثر ما يكون من هذا عند الرافضة ، لأنهم أهل جهل و بلادة بخلاف الصوفية ، فإن عندهم من مواد المتفلسفة و مواد الملاحدة ما يروجون به على الجهال .
    و عندما تجدد القول و الخطاب بـ" خاتم الأولياء " في محافل ودوائر الصوفية ، أصبح القوم يتحدثون عن " المهدي ، والفاطمي " المنتظر المرتقب الذي بشرت به الأحاديث النبوية الثابتة ، وهذا من أوجه الصلة بين التشيع والتصوف . قال ابن خلدون :" … وأما المتصوفة ، فلم يكن المتقدمون منهم يخوضون في شيء من هذا - يعني : أمر المهدي - ، وإنما كان كلامهم في المجاهدة بالأعمال ، وما يحصل عنها من نتائج المواجد والأحوال . وكان كلام الإمامية والرافضة من الشيعة في تفضيل علي رضي الله تعالى عنه والقول بإمامته وإدعاء الوصية له بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ، والتبري من الشيخين كما ذكرناه في مذاهبهم .
    ثم حدث فيهم بعد ذلك القول بالإمام المعصوم ، وكثرت التآليف في مذاهبهم .
    و جاء الإسماعيلية منهم ، يدعون ألوهية الإمام بنوع من الحلول ، وآخرون يدعون رجعة من مات من الأئمة بنوع التناسخ ، وآخرون منتظرون مجيء من يقطع بموته منهم ، وآخرون منتظرون عود الأمر في أهل البيت مستدلين على ذلك بما قدمناه من الأحاديث في المهدي وغيرها .
    ثم حدث أيضاً عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف ، وفيما وراء الحس . وظهر من كثير منهم القول على الاطلاق بالحلول والوحدة ، فشاركوا فيها الإمامية والرافضة لقولهم بألوهية الأئمة ، وحلول الإله فيهم . وظهر منهم أيضاً القول بالقطب والأبدال ، وكأنه يحاكي مذهب الرافضة في الإمام والنقباء ، وأُشربوا أقوال الشيعة ، وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم ، حتى لقد جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة أن علياً رضي الله عنه ألبسها الحسن البصري ، وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة . واتصل ذلك عندهم بالجنيد من شيوخهم . ولايعلم هذا عن علي من وجه صحيح . ولم تكن هذه الطريقة خاصة بعلي كرم الله وجهه ، بل الصحابة كلهم أسوة في طرق الهدى ، وفي تخصيص هذا بعلي دونهم رائحة من التشيع قوية ، يفهم منها ومن غيرها مما تقدم دخولهم في التشيع ، وانخراطهم في سلكه .
    و ظهر منهم أيضاً القول بالقطب ؛ وامتلأت كتب الاسماعيلية من الرافضة وكتب المتأخرين من المتصوفة بمثل ذلك في " الفاطمي المنتظر " . وكأن بعضهم يمليه على بعض ، ويلقنه بعضهم من بعض ، وكأنه مبني على أصول واهية من الفريقين . وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات ، وهو من نوع الكلام في الملاحم ، ويأتي الكلام عليها في الباب الذي يلي هذا
    و أكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتاخرين في شأن الفاطمي : ابن العربي الحاتمي في كتاب " عنقاء مغرب " ، وابن قسي في كتاب " خلع النعلين " ، وعبدالحق ابن سبعين ، وابن أبي واصل تلميذه في شرحه لكتاب " خلع النعلين " .
    و أكثر كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال ، وربما يصرحون في الأقل أو يصرح مفسرو كلامهم .
    و حاصل مذهبهم فيه على ما ذكر ابن أبي واصل أن النبوة بها ظهر الحق والهدى بعد الضلال والعمى ، وأنها تعقبها الخلافة ، ثم يعقب الخلافة الملك ، ثم يعود تجبراً وتكبراً وباطلاً . قالوا : ولما كان المعهود من سنة الله رجوع الأمور إلى ما كانت ، وجب أن يحيا أمر النبوة والحق بالولاية ، ثم بخلافتها ، ثم يعقبها الدجل مكان الملك والتسلط ، ثم يعود الكفر بحاله .
    يشيرون بهذا لما وقع من شان النبوة ، والخلافة بعدها ، و الملك بعد الخلافة : هذه ثلاث مراتب .
    وكذلك الولاية هي لهذا الفاطمي ، والدجل بعدها كناية عن خروج الدجال على اثره ، والكفر من بعد ذلك . فهي ثلاث مراتب على نسبة الثلاث مراتب الأولى .
    قالوا : ولما كان أمر الخلافة لقريش حكماً شرعياً بالاجماع الذي لايوهنه إنكار من لم يزاول علمه ، وجب أن تكون الإمامة فيمن هو أخص من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إما ظاهراً كبني عبدالمطلب ، وإما باطناً ممن كان من حقيقة الآل ، و الآل من إذا حضر لم يغب من هو آله .
    و ابن العربي سماه في في كتابه " عنقاء مغرب " من تأليفه : " خاتم الاولياء " ؛ وكنى به عنه بـ" لَبِنَةِ الفضة " إشارة إلى حديث البخاري في باب خاتم النبيين ، قال صلى الله عليه وسلم :" مثلي فيمن قبلي من الأنبياء ، كمثل رجل ابتنى بيتاً وأكمله ، حتى إذا لم يبق منه إلا موضع لبنة ، فأنا تلك اللبنة " . فيفسرون " خاتم النبيين " باللبنة التي أكملت البنيان ؛ ومعناهُ " النبي " :الذي حصلت له النبوة الكاملة .
    و يمثلون الولاية في تفاوت مراتبها بالنبوة ، ويجعلون صاحب الكمال فيها " خاتم الأولياء " ؛ أي : حائز الرتبة التي هي خاتم الولاية ، كما كان خاتم الأنبياء حائزاً للمرتبة التي هي خاتم النبوة ، فكنى الشارع عن تلك المرتبة الخاتمة بـ" لبنة البيت " في الحديث المذكور . وهما على نسبة واحدة فيها ؛ فهي لبنة واحدة في التمثيل . ففي النبوة : لبنة الذهب ؛ وفي الولاية : لبنة الفضة ، للتفاوت بين الرتبتين ، كما بين الذهب والفضة . فيجعلون لبنة الذهب كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولبنة الفضة كناية عن هذا الولي الفاطمي المنتظر ؛ وذلك خاتم الأولياء ، وهذا خاتم الأنبياء ".أهـ [15].
    و قال ابن خلدون :" … وقد ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو بأنه داعٍ له ، وليس مع ذلك علمٌ من أمر الفاطمي ، و لا ما هو ؟! . وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين ، يطلبون بمثل هذه الدعوة رياسة امتلأت بها جوانحهم ، وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية ، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك ، و لايحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة ، فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة ، وتسوء عاقبة مكرهم .
    وقد كان لأول هذه المائة خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التبوذري عمد إلى مسجد " ماسة " بساحل البحر هنالك ، و زعم أنه الفاطمي المنتظر ، تلبيساً على العامة هنالك بما ملأ قلوبهم في الحدثان بانتظاره هنالك ، وأن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته ، فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش ؛ ثم خشي رؤساؤهم اتساع نطاق الفتنة ، فدس إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسوي من قتله في فراشه … " أهـ [16]
    و قد ذهب ابن عربي وغيره من الصوفية إلى تحديد وقت خروج المهدي المنتظر[17] ، كما نقله عنهم ابن أبي واصل[18] في شرح " خلع النعلين " ، إذ يقول ابن أبي واصل :" قال ابن العربي :"وهذا الامام المنتظر ، وهو من أهل البيت من ولد فاطمة ، وظهوره يكون بعد مضي ( خ ف ج ) من الهجرة ، ورسم حروفا ثلاثة يريد عددها بحساب الجمل ، وهو الخاء المعجمة بواحدة من فوق : ستمائة ، والفاء أخت القاف : ثمانين . والجيم المعجمة بواحدة من أسفل : ثلاثة ، وذلك ستمائة وثلاث وثمانون سنة ، وهي في آخر القرن السابع . و لما انصرم هذا العصر ، ولم يظهر حمل ذلك بعض المقلدين لهم على أن المراد بتلك المدة مولده ، و عبر بظهوره عن مولده ، وأن خروجه يكون بعد العشر وسبعمائة ، فإنَّه الإمام الناجم من ناحية المغرب …" أهـ[19] .
    وقال ابن خلدون أيضاً :" … وأما المتصوفة الذين عاصرناهم ، فأكثرهم يشيرون الى ظهور رجل مجدد لأحكام الملة ، ومراسم الحق ، ويتحينون ظهوره لما قرب من عصرنا . فبعضهم يقول من ولد فاطمة . وبعضهم يطلق القول فيه . سمعناه من جماعة أكبرهم أبو يعقوب البادسي كبير الأولياء بالمغرب ، كان في أول هذه المائة الثامنة ، وأخبرني عنه حافده صاحبنا أبو يحيى زكريا عن أبيه أبي محمد عبدالله عن أبيه الولي أبي يعقوب المذكور … " .
    ثم ذكر ابن خلدون بعض المدعين من أرباب التصوف للمهدية ، فقال :"… أخبرنا شيخنا محمد بن أبراهيم الآبلي ، قال : خرج برباط ماسة لأول المائة الثامنة وعصر السلطان يوسف بن يعقوب رجل من منتحلي التصوف ، يعرف ب:" التويزري " ، نسبة الى : " توزر " مصغرا ، وادعى أنه الفاطمي المنتظر ، واتبعه الكثير من أهل السوس من ضالة وكزولة ، وعظم أمره ، وخافه رؤساء المصامدة على أمرهم …" .أهـ[20].
    --------------------------------------------------------------------------------
    [1] حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم ( 2346 )
    [2] جامع كرامات الاولياء للنبهاني (2/218) ط:3 ، 1404 ، تحقيق :ابراهيم عطوة عوض .وانظر : جواهر البحار (3/266) . وقد طبع في نهاية ديوانه :"شجرة مصغرة في عقب الأمير عبدالقادر وذريته " ، مختومة من النقابة في تركيا .
    [3] 2/ 297-307 ، طبعة الاسكندرية 1903 ، بواسطة : سيرة الأمير عبدالقادر وجهاده للحاج مصطفى بن التهامي ،( ص47 ) .
    [4] ملتقى الاطراف في أنساب ومناقب الاشراف (ص68) .
    [5] انظر : ديوان الأمير عبدالقادر : ص 165 ، شرح وتعليق ممدوح حقي ، ط: دار اليقظة العربية ، بدمشق .
    [6] مقدمة تنبيه الغبي الى تكفير ابن عربي ، للبقاعي ( ص14-15)
    [7] النور السافر من أخبار القرن العاشر لعبدالقادر بن عبدالله العيدروس ( 978-1037) . ( ص 23 ) . ط: 1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1405 .
    [8] انظر : جواهر العقدين للسمهودي ، القسم الثاني ( 1/ 30 ) ط: العاني . و الصواعق المحرقة ( 77 ) .
    [9] انظر كثير من الأسئلة والأجوبة حول القطب في " اليواقيت والجواهر " للشعراني ( 2 / 78-83 ) .
    [10] طبقات الشعراني .
    [11] هو أحد أئمة الصوفية النقشبندية . من أقواله : اطلعني الله على أسماء من يدخلون في سلسلتنا من الرجال والنساء إلى يوم القيامة ، وإن نسبتي هذه تبقى بواسطة أولادي إلى يوم القيامة ، حتى أن الإمام المهدي سيكون على هذه النسبة الشريفة " . مات سنة 1034 هـ ، و دفن ببلده سهرند ، مدينة عظيمة من أعمال لاهور في الهند . انظر : جامع كرامات الولياء للنبهاني (1/555- 557 ) .
    [12] روح المعاني ( 22 / 19 -20 )، وله بقية مفيدة فيه . ط: دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
    [13] صحاح الأخبار للرفاعي ( 49 -52 ) .
    [14] نقلا عن مقدمة ابن خلدون ( 2/ 813) تحقيق وافي .
    [15] مقدمة ابن خلدون ( 2/ 809- 812 ) .تحقيق وافي .
    [16] . المقدمة ( 2/ 531- 532 ) .
    [17] هناك من يحكي أن مذهب ابن عربي : أنّ خاتم الأولياء هو المهدي المنتظر كما هو ظاهر من كلام ابن خلدون ، وهناك من ينفي ذلك عنه ، ويقول بالتغاير بينهما عند ابن عربي ، و المسألة تحتاج إلى بحث موسع من كلامه . فله كلام صريح في القول بالتغاير ، مثل قوله عن سؤال الترمذي الخامس عشر :" ما سبب الخاتم وما معناه ؟ " ، فقال مجيباً في " الفتوحات المكية " :" … فأنزل الله في الدنيا من مقام اختصاصه ، واستحق أن يكون لولايته الخاصة يواطيء اسمه ، ويحوز خلقه ، وماهو بالمهدي المعروف ، المسمى المنتظر ، فإن ذلك من سلالته الحسية ، ولكنه من سلالة أعراقه وأخلاقه " أهـ . بواسطة : الصلة بين التصوف والتشيع (1/502 ) . و انظر أيضاً : الفكر السياسي عند الباطنية ، للدكتور أحمد عرفات قاضي ( ص89 ) ، والله أعلم .
    [18] في طبعة علي عبدالواحد وافي :" ابن أبي واطيل " ، وفي باقي الطبعات :" ابن أبي واصل " .
    [19] مقدمة ابن خلدون (2/812)
    [20] مقدمة ابن خلدون (2/817 ، 818) . وانظر : تاريخ ابن خلدون ( 6/689 ، و ما بعدها ) في خبر أحمد بن مرزوق المدعي للمهدية .



    رابط المقال :

    www.alhashemih.com/vb/showthread.php?t=5871 - 148k -
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .



    الأصل السابع : عصمة وطهارة الآل النبوي :

    ترى الصوفية فيما ترى أن الآل المحمدي مطهر معصوم ، لايصدر منهم إلا كل طاهر لأنهم ملحوظون ، كما قال تعالى :" إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً " ، فهم يفسرون الطهارة في الآية بأنها العصمة والحفظ من الذنوب ، وأنهم مطهرون لا محالة قبل وفاتهم . بل قال محي الدين ابن عربي :" الذي أقول به أن ذنوب أهل البيت إنما هي ذنوب في الصورة لا في الحقيقة لأنَّ الله تعالى غفر لهم ذنوبهم بسابق العناية ، لقوله تعالى :" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً "، ولا رجس أرجس من الذنوب " أهـ[1] .
    و وصل الغلو ببعضهم إلى أن قال بـ:" طهارة فضلات آل البيت " ؟! [2].
    وهذا مما يستحي المرء من نقله ، فكيف بالاعتقاد به ؟!
    و سبب ذلك عند الصوفية ومن وافقهم أنهم يفسرون الإرادة في آية سورة الاحزاب بأنها الارادة الكونية ، وهي واقعة لامحالة . و الصواب المتقرر في كلام المحققين من أهل العلم أن الإرادة في الآية يراد بها الارادة الشرعية التي قد تقع أوْ لا .
    ومن هذا الاعتقاد نشأ عند بعض المتصوفة الانتساب للآل النبوي رغبة في الطهارة والعصمة من الذنوب ، وربما عبروا بالحفظ ، و يريدون به معنى " العصمة " .
    و من أبرز مداخلهم لذلك :تفسيرهم لحديث " سلمان منّا آل البيت " [3]بذلك ، فأضاف النبي صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسي إليه ، فتحققت له النسبة الباطنة ، كما قرّره كبيرهم محي الدين ابن عربي في :" الفتوحات المكية " [4] . و نقل أحمد الكسروي في كتاب" مشعشعيان " النصَّ الآتي :" … الاعتقاد أن علياً الذي كان بجنب النبي هو السرُّ الدائر في السماء والأرض ، و محمداً صلى الله عليه وسلم كان هو الحجاب بنوع الرسالة ، و الأحد عشر إماماً كانوا هم الملائكة منهم إليه ومنه ، و سلمان من أهل البيت ، والبيت هي الطريقة والمعرفة ، و كل من وصل إلى عرفانه كان سلمان في كل عصر و زمان… "أهـ[5].
    ****


    الأصل الثامن : القيام بالرواتب والأوراد كبعض الأدعية و الصلوات المبتدعة .

    في الصلاة المشيشية لعبدالسلام بن مشيش :" اللهم صل على من انشقت منه الأسرار ، وانفلقت منه الأنوار ، وفيه ارتفعت الحقائق ، وتنـزلت علوم آدم ، فاعجز الخلآئق ، وله تضاءلت الفهوم ، فلم يدركه منّا سابق ولا لاحق … " ، إلى أن قال :" اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك ، اللهم ألحقني بنسبه ، وحققني بحسبه ، وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل ، وأكرع بها من موارد الفضل " [6] .
    لك أن تتصور عبر هذه القرون الطويلة من وقت عبدالسلام بن مشيش المتوفى في أوائل القرن السابع ( 622 ) ، و القوم يرددون مثل هذه الصلاة المبتدعة وغيرها ، ويطلبون فيه إلحاق أنفسهم بنسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتحقيق حسبه ، فهل يؤمن أن ينبري صوفي مارد ، فينجذب الى الحضرة ، ويغيب بمشهوده عن شهوده ، ثم يفيق ، واذا بالنسب النبوي قد تحقق ، إمّا ولادة قلب أو ولادة صلب ؟!
    و لهذا لما تعرض عبدالعزيز الدبّاغ لشرح الصلاة المشيشية ، فسره بما يعرف من أصولهم كما تقدم عند الكلام على الحقيقة المحمدية في الأصل الأول ، فقال في قول عبدالسلام بن مشيش عندما كان يدعو بتحقق نسبه الى النبي صلى الله عليه وسلم :"… اللهم ألحقني بنسبه ، وحققني بحسبه …" ، قال الدّباغ :" إنّ المراد بالنسب ما ثبت في باطنه صلى الله عليه وسلم من المشاهدة التي عجز عنها الخلآئق اجمعون ، والشيخ عبدالسلام رضي الله عنه كان قطباً كاملاً له صلى الله عليه وسلم . والمراد بالحسب صفاته صلى الله عليه وسلم مثل الرحمة والعلم والحلم …" انتهى[7] .
    وقال الصاوي في شرح هذا اللفظ :"… ( اللهم ألحقني بنسبه ) أي : دين الاسلام ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم :" آل محمد كل تقي " … " أهـ[8] .
    و الشيخ عبدالسلام ابن مشيش ممن ينتسب للشرف من جهة ادريس بن ادريس بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط .
    وقد نقل ابن عبّاد نسب أبا الحسن الشاذلي من كتاب"اللطيفة المرضية في شرح دعاء الشاذلية " للشيخ شرف الدين أبي سليمان داود السكندري ، فقال :" هو الشريف الحسيب ذو النسبتين الطاهرتين الجسدية والروحية المحمدي العلوي الحسني الفاطمي : أبو الحسن علي الشاذلي بن عبدالله بن عبدالجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف بن يوشع بن ورد بن بطال بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب". أهـ .
    ومن له أدنى خبرة بنسب آل البيت يعلمُ أنَّ هذا العمود مرَّكبٌ مفتعل ، ولهذا قال السكندري السابق ذكره ، وهو من المعتقدين في ولاية الشاذلي :" لم يكن من اولاد الحسن بن علي من اسمه محمد له عقب ، وإنَّ الذي أعقب من أولاد الحسن السبط : زيد الأبلج ، والحسن المثنى ، كما نصّ عليه غير واحد " ، ولما كان لابد من تصحيح نسب الولي ، قالوا :" … وصوابه محمد بن الحسن المثنى بن الحسن السبط " انتهى[9] .
    وفاتهم أنّ العقب في الحسن المثنى إنما هو في خمسة هم :"عبدالله المحض ، و ابراهيم الغمر ، و الحسن المثلث ، و داود ، و جعفر " ، وأمّا محمد بن الحسن المثنى فلا بقية له بالاتفاق ، كما قاله ابن عنبة في " عمدة الطالب " وغيره [10].
    و لهذا قال الصفدي في " نَكْتِ الهُمْيَان " عن أبي الحسن الشاذلي :" وقد انتسب في بعض مصنفاته إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : بعد يوسف المذكور بن يوشع بن برد بن بطال بن احمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي بن ابي طالب . قال الشيخ شمس الدين الذهبي :" هذا نسب مجهول لا يصح ولا يثبت ، وكان الأولى به تركه ، وترك كثير مما قاله في تآليفه من الحقيقة " …" أهـ [11].
    ومن الغرائب أنَّ عبدالسلام بن مشيش لما قابل أبا الحسن الشاذلي قال له على وجه الكشف :" مرحباً بعلي بن عبدالله بن عبدالجبار " ، وساق نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال له :" يا علي ارتحل إلى افريقية واسكن بها بلداً تسمى شاذلة ، فإن الله يسميك الشاذلي ، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس ويؤتى عليك بها من قبل السلطنة ، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق ، وترث فيها القطبانية " انتهى[12] .
    ومن المفارقات ههنا :" أنّ ابا الحسن الشاذلي مكتوب على قبته وضريحه سياق النسب إلى الحسين رضي الله عنه لا الحسن " [13] ! .
    ****

    الأصل التاسع : تأييد المتصوفة للأقوال الشاذة .. والطوفان الشريفي .

    من الأمور اللافتة للانتباه ، تأييد بعض مشايخ الصوفية لبعض الأقوال الفقهية الضعيفة كمسألة " الشرف من الأم "[14] ، و قد نشأ القول بهذه المسألة سنة 726 بأرض المغرب العربي ، وكان أول من تكلم فيها من الفقهاء فقهاء المالكية ، فأفتوا فيها سنة 726[15] . و قد أثبت جمع من الفقهاء المتصوفة النسب الشريف من خلال تلك المسألة .
    يقول أحد المستشرقين :"… و وفقاً لعادة كانت منتشرة جداً في ذلك العصر بخاصة عند البربر ، ادعى الجزولي أنه من الأشراف ، أي من ذرية النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، و هو قد مجَّد النبي ( عليه الصلاة والسلام ) في كتابه في الأذكار وعنوانه " دلائل الخيرات " ، الذي لايزال واسع الانتشار جداً ، و مقدراً في كل المغرب . و بهذا أسهم الجزولي بقوة في تمجيد النبي ( عليه الصلاة والسلام ) تمجيداً عظيماً في المعتقدات الشعبية ، و بالتالي في تمجيد الأشراف ، أعني ذرية آل البيت . ومن ثمَّ صارت صفة " الشريف " ( أي : الذي من ذرية النبي محمد عليه الصلاة والسلام ) - وكان لها سحرها الخاص عند البربر ، منذ مغامرة إدريس في القرن السابع ( الميلادي ) - لقباً هاماً ؛ حتى أنَّ معظم رؤساء الفرق الصوفية ، والصوفية العاديين ادعوا أنهم من الأشراف ، أو خلعها عليهم عن خطأ أو صواب من ترجموا لهم من مؤلفي كتب تراحم الصوفية وواضعي كتب الأنساب [16]، و خلال هذا القرن الخامس عشر ( الميلادي ، أي : أواخر القرن التاسع ) نفسه ، ادعى النسب الشريف عالم التوحيد والصوفي البربري محمد السنوسي ، الذي لم يكن من الممكن جعله ينحدر من نسل النبي ( عليه الصلاة والسلام ) من جانب أبيه ، ولهذا جعل حسنياً من ناحية أمه . و هناك صوفي كبير آخر ، و بربري أيضاً أيضاً ، هو محمد الهواري ، وهو وليُّ وهران الحالي حيث دفن فيها ، كان بحسب ما يقول من ترجموا له : شريفاً من جهة أبيه .
    و في وسع المرء أن يكثر من هذه الأمثلة . لكن لم يكن الأمر كذلك في الشمال الإفريقي في القرون السابقة و خصوصاً بالنسبة إلى صوفية القرنين الثاني عشر والثالث عشر ( الميلاديين ، أي : الخامس والسادس الهجريين ) . وقد لاحظ ج.س كولان ( المقصد ص11، تعليق 1 ) أن التادلي في " كتاب التصوف " الذي ألفه سنة 1220 م ، و فيه يذكر أسماء أكثر من 260 صوفياً عاشوا في نواحي مراكش وتادلا ، وتامسناو وبني دكالة ، لم يذكر اسم شريف واحد حتى ولا بين أبناء الأسر المشهورة - الشريفية اليوم -: بني أمغر في تيت ان فطر [17].
    و مؤلف " المقصد " وهو البادسي ، الذي ذكر في بداية القرن الرابع عشر 48 صوفياً في إقليم الريف ، و ترجم لهم ، لا يصف بلقب شريف غير واحد منهم فقط . ويلاحظ ج.س كولان أنه من بين أولياء " الريف " هؤلاء " كل من نجدهم اليوم موضع تبرك ، يعدون من نسل النبي ( عليه الصلاة و السلام ) ، و أحفادهم - الحقيقيون أو غير الحقيقيين - يتحلون بنفس اللقب " . ( راجع المقصد ص11 ) .
    و هذا الطوفان الشريفي الذي أصاب الصوفية و رجال الدين والأشخاص المهمين ، خصوصاً في غرب الشمال الإفريقي ابتداءً من القرن الخامس عشر ( الميلادي ) تضاعف على مدى القرون التالية ، و وُلِّدَ في القرنين السابع عشر والثامن عشر مجموعة من كتب الأنساب الشريفية هي بمثابة تكملة لكتب المناقب التي عالجت سير الصوفية وكراماتهم . ولا شك أن المكانة الممتازة التي أوليت للنبي ( عليه الصلاة والسلام ) في عالم الآداب آنذاك إنما ترجع إلى نمو الأفكار المهدوية في تصوف ذلك العصر . و محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لم يعد مجرد إنسان بسيط مختار لتلقي كلام الله ، بل صار - كما عند الشيعة - إنساناً أعلى ، مملؤاً بالروح القدس ، وبالعلم اللدني ، وفيه من قدرة الله ، وقد توارثت ذريته كل ذلك منه … " . انتهى[18] .
    يقول أحد الباحثين[19] عن بعض " الأسر الصوفية الشريفة " :" … والنصوص التاريخية التي تتحدث عن تاريخ هذه الأسرة في " فاس " تتجه في مجموعها إلى التعريف بها لإقناع الجميع بصحة نسبها الشريف [20]، فركزت المؤلفات بفاس على الجانب السلالي تدافع عنه بحرارة وتعمل على التعريف بهذه الأسرة في حين لا نجد تركيزاً على الطريقة نفسها …
    والواقع أن تاريخ هذه الأسرة غامض في الفترة التي وجدت فيها بالأندلس ، وهي فترة طويلة استغرقت ثمانية آباء . وخلال مدتها الزمنية التي تناهز مائتي سنة لم يقم أفرادها بأي نشاط صوفي بها ، ولم تتفرع إلى عائلات سواء في " وادي آش " ، أو في " غرناطة " ، … و يبتدئ التعريف بهذه الأسرة في " فاس " بجهود الشيخ محمد القصار شيخ علماء الأنساب في عصره ، وصهر الأسرة [21]. و بجهود قاضي الجماعة في " فاس " أبي القاسم محمد بن أبي النعيم الغساني ، فقد لعبا دوراً كبيراً في التعريف بنسبها و برجالها و بمجدها الصوفي . و الجدير بالملاحظة أن دور أبي النعيم كان في المرحلة المضطربة من العصر السعدي والتي أعقبت وفاة أحمد المنصور الذهبي ( 1012 هـ ) ، فالقصَّار بذل جهوداً كبرى في التعريف بالنسب القادري في فاس ، وعلى تقاييده اعتمد من جاء بعده في الموضوع .. " أهـ [22]. باختصار .
    من هذا الأصل ندرك جانباً من أسرار التصنيف في أولياء الصوفية و إثبات أنسابهم الشريفة في تلك المصنفات . إنه نوعٌ آخر أكثر وضوحاً وقوة في إثبات النسب الشريف ، والتسليم بشـرف " الشرفاء " ، فمن تعرض لهم أو لأتباعهم أو من ينتسب لهم ، فإنما يتعرض لأسرة النبي عليه الصلاة والسلام و لآل البيت ، و في هذا نوع حصانة و قوة لا تخفى للطرق الصوفية . إنه سبيلٌ يتحد فيه مفهوم الولاية و القول بالكرامات مع إثبات النسب الشريف ، و لهذا ألف في " نسب الأقطاب والأولياء الأشراف " . و يدمج في هذا النوع من التصنيف أخبار و كرامات الصوفي الولي المزعوم مع إثبات صحة نسبه في آل البيت . ومن ذلك كتاب " الإشراف على نسب الأقطاب الأشراف " . و لما أراد الشبلنجي أن يختم كتابه " نور الأبصار " ما زاد على أن ترجم و ذكر مناقب الأربعة الأقطاب [23].

    خاتمة المقال


    لو تتبعنا التاريخ الصوفي ونفضناه نفض الأديم ، لخرجنا بشيء كثير من الأمور التي تحتاج إلى تأصيل و عناية وترتيب . و ما ذكر فيه كفاية – إن شاء الله - للتنبيه على أصول ومنطلقات الصوفية في هذا الباب .
    و علم الله أننا ما كتبنا هذا المقال إلا نصحاً و حباً لآل البيت ، فإننا نتعبد لله بحبهم وبالذب عنهم ، و العلم رحمٌ بين أهله ، و إني أعلم أن كثيراً من ذراري المتصوفة و أبناءهم فيهم صدق و إيمان ، و حب للنسب الشريف ، وفيهم غيرة كبيرة عليه ، ولهم مقامات محمودة مشكورة فيه ، و لكن الواجب شرعاً على الجميع ألا يتكلوا على الأنساب و الجاهات بل عليهم تحقيق صدق الانتساب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعلم والعمل ، فتلتزم دعوته التي دعا إليها ، ومنهاجه الذي سار عليه و سار عليه صحابته الكرام رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين ..
    إننا أعلم أن هناك من سيقول : في هذا المقال تحامل على نسب فئام من آل البيت لأنهم من الصوفية والطرقية " ، فنفي النسب ، وتوجيه التهمة لهذه الأعمدة مفسّر بعداء عقدي أو مذهبي ، وكأني برجل يقول : هذا وهابي ، هذا كذا ، هذا ... !! التاريخ ينسى هؤلاء و لا يلقي لهم بالاً ... " و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " ..
    إننا لانزال ندفع التهم عن أنساب المسلمين أجمعين ، ونرى أن هذا دينٌ واجب على كل مسلم ، خاصة وقد ورد ما ورد في شأن وعيد من طعن في الأنساب ، خاصة في أنساب آل البيت ، و لكن إذا ورد نهر الله بطل نهر معقل .
    لماذا لم تنف بعض أنساب المبتدعة الشهيرة ؟! و لماذا تصحح أنساب أقوام من المتصوفة يشاركون أولئك القوم في الطريقة والخرقة و البلد والقرية و الجد الواحد ؟!
    إنّ :"…الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه ، وكذلك اسلام الرجل وصحة ايمانه بالله والرسول أمر لايخفى ، وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه ، وله هذه الشهرة ، لم يمكنه ذلك ، فإنَّ هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلمآء ،… " [24] .
    و قد يصح نسب الصوفي الى الحسن أو الحسين أو غيرهما ، و هذا واضح وجلي لا يحتاج معه الى نقل أو عزو ، و:" لا يجرمنكم شنئآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " . و يوجد في بعض اعمدة الأنساب التي فيها بعض مشاهير المتصوفة ما هي في الصحة كالشمس ، فلا تخلط بين هذا ، و بين ما نبهنا عليه في هذا المقال .
    و لا يمتنع في الوجود أن يكون المرء ذا نسب عالٍ صحيح ، لا مطعن فيه ، وطريقته غير مرضية في الدين ، إذْ لا تلازم بين صحة النسب وصحة المعتقد . و هذا من وقت آدم عليه الصلاة والسلام عندما اقتتل ابناه مروراً بنوح عليه الصلاة والسلام عندما قيل في ابنه :" إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " ، و ابراهيم وأبيه آزر ، ومحمد صلى الله عليه وسلم وعميه أبي لهب وأبي طالب ، وهذا الى أن تقوم الساعة .
    فهؤلاء صحت أنسابهم ، و قربت من الأنبياء ، و قامت عليهم الحجة ، و انقطع عذرهم . و من عدا هؤلاء من أهل الأنساب الفاضلة الصحيحة الذين لا ترتضى طريقتهم ومذاهبهم ، فقد يكون لهم من العذر ، ما يعفى عنهم به ، إما لوجود حسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة ، أو لغلبة الجهل ، أو لعدم قيام الحجة ، أو غير ذلك من الأسباب كما هو متقرر في كتب الاعتقاد . و قد لايكون لهم من العذر شيء ، فيلتحقوا بأضرابهم .
    و اعلم أخي الحبيب أني قد تلطفت في العبارة قدر جهدي ، و تحاشيت كثيراً من النقول التي ربما كانت سبباً للعصبية و ما أشبهها ، و حذفت ضعف ما أثبت ، و حسبي أني محب لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أين كانوا و من كانوا دون تفريق بينهم ، و حبي لهم يشفع لي في إخراج هذا المقال ، الذي من أسمى ما أتمناه فيه أن يقودنا إلى العناية بالنسب الشريف و الاهتمام بحياطته و دعوة أهله إلى الخير والهدى ..
    كم يؤلم النفس ، أن يرى الانسان بعض متصوفة الزمان يتكلمون باسم " الحجاز " تارة ، و الحجاز منهم بريء ، و تارة يتحدثون باسم السيادة والشرف ، و السيادة و الشرف عنهم بمنأى ، و تارة يثيرون محافل الصوفية ، و يتمسحون بأهدابها ، وكأنهم في " حكومة باطنية " ، تعيش وتقتات في الظلام عبر الكذب والادعاء ، و التصوف الحق بريء من هؤلاء ! و تارة يتحدثون باسم " التسامح و التعايش " ، و هم أهل العنف و القسوة وقلب الموازين !
    و لإن رأينا في أصول ومنطلقات " التاريخ الصوفي " القديم ، ما يؤيد سوء الاستغلال و التوجيه للنسب الشريف ، فإنه في هذه الآونة بدأنا نلمس أن المسألة أصبحت تأخذ دوراً أكبر و طوراً أعلى من ذي قبل ، و ذلك بسبب ربطه بالسياسة العامة ، و التوصل من ذلك إلى خدمة الاستعمار في العالم العربي !
    اليوم يريد بعض " الهلكى " و " الزمنى " ! أن يظهروا أنفسهم بأنهم قد جمعوا أطراف " المجد " ، و " النفوذ " في ساحة رهان موهومة ، و ذلك بسبب وجود بعدٌ تاريخي واجتماعي و تعلقات قريبة العهد لهم أو لأجدادهم و آباءهم ، فنراهم يتجولون بأعمدة النسب ، فيخبطون ذات اليمين وذات الشمال !
    ما هم في الحقيقة إلا امتداد لآثار قديمة ، ترسباتها حاضرة في الذهنية المعاصرة بصورة أو أخرى ، نسأل الله أن يكف شرورهم ، ويقِ المسلمين فجورهم ، و الله من وراء القصد .


    [1] نور الابصار (ص107) . وقد تقدم هذا في مبحث الفضائل .
    [2] رحلة الأشواق القوية لباكثير (ص149)
    [3] رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم عن عمرو بن عوف . وقد جزم الحافظ الذهبي بضعف سنده . قال الهيثمي :" فيه عند الطبراني كثير بن عبدالله المزني ، ضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات " . وقال العجلوني في كشف الخفاء :" وسنده ضعيف " انظر ( 1/460 ) . وقال الألباني :" قد صح موقوفاً على علي رضي الله عنه " وضعف رحمه الله تعالى رواية الرفع بقوله :" ضعيف جدا " . انظر : ضعيف الجامع ( 3272) .
    وقد ورد في معنى حديث سلمان هذا : حديث مروي عن علي رضي الله عنه يرفعه ، قال :" جرير بن عبدالله منَّا أهل البيت ظهرٌ لبطن " ، رواه الطبراني وابن عدي . قال الذهبي :" هذا منكر ، وصوابه من قول علي " . سير الأعلام 2 /534 . وقال الألباني :" ضعيف " . انظر : ضعيف الجامع رقم 2627 . والضعيفة 1207 .
    [4] الفتوحات المكية (1/195-198) ط :صادر ، بيروت
    [5] بواسطة : الصلة بين التصوف والتشيع ( 2 / 274 ) حاشية رقم (2) .
    [6] جواهر البحار للنبهاني (2/287)
    [7] جواهر البحار للنبهاني (2/297) ط: البابي الحلبي .
    [8] جواهر البحار(3/35)
    [9] نور الأبصار للشلبنجي (ص225-226) . وقد ذكر أحمد ابن عطاء الله السكندري في كتاب " لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه الشاذلي أبي الحسن " نسب الشاذلي هذا بالوجه الشاذ المثبت ههنا ، ولم يتعقبه . انظر : ( ص 41 ) . ط: المكتبة العلامية ، بجوار الأزهر بمصر ، بدون تاريخ سنة الطبع .
    [10] عمدة الطالب (202) ط:الكمالية . وانظر الحاشية . و قد ذكر الزبيري في " نسب قريش" لمحمد بن الحسن المثنى ابنتين هما : فاطمة و أم سلمة ؛ و لم يذكر له عقباً من الذكور . انظر (ص53 ) .
    [11] نكت الهميان في نكت العميان للصفدي (ص213) ط:1404 بعناية أسعد طرابزوني الحسيني .
    [12] كرامات الاولياء للنبهاني (2/168)
    [13] نور الابصار للشبلنجي ، ط:1 .المطبعة المليجية سنة1323، (ص229) .
    [14] لكاتب المقال بحث مستقل في المسألة ، نشر ملخص منه في مجلة " الحكمة " بالمدينة ، العدد 29 ، جمادى الثانية ، 1425 ، ص (413-442) .
    [15] انظر : الضوء اللامع للسخاوي (8/48 ) .
    [16] علَّق د. عبدالرحمن بدوي على هذالموضع بقوله :" ولع البربر بالأشراف لايزال قوياً حتى اليوم في كل المغرب الأقصى . و حديثاً ادعى زعماء زاوية تامجروت في مراكش ( وهم من نسل محمد بن ناصر ) أنهم أشراف جعفرية - أي : ينحدرون من أحد أبناء عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جعفر بن أبي طالب - ، و لاشك في أن هذه الشريفية أقل صفاء من شريفية المنحدرين مباشرة من نسل الرسول من أولاد علي و فاطمة ، لكن كذلك كانت للشريفية المنحدرة من أحد الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبي بكر و عمر وعثمان ، قيمتها في العصر الوسيط ، … " أهـ .
    [17] ذكر الأستاذ الباحث محمد المازوني في " مقاله : رباط تيط من التأسيس إلى ظهور الحركة الجزولية" أن الشيخ محمد بن عبدالعظيم الزموري صاحب كتاب :" بهجة الناظرين وأنس الحاضرين " :" أظهر موقفاً عدائياً ضد كل من تصدى لشرف الأمغاريين أو تشكك في صحيه ، و هو ما يبين أنه كانت في زمانه حالات تشكك في نسبهم ، بالإضافة إلى أنه حرص على استعطاف أهل الحل والعقد لإبقاء ما كان للأمغاريين من امتيازات سابقة ، خصوصاً في عهد أبي يعقوب وأبي الحسن وأبي عنان . و يظهر أنَّ مثل هذه الحالات الواردة في " البهجة " ، و صمت بعض النسابة المغاربة عن ذكر نسب الأمغاريين هو ما دفع ببعض الباحثين المتأخرين إلى اعتبار شرف الأمغاريين مجرد انتحال مكشوف ، و أنَّ بربريتهم لا غبار عليها " . أهـ . ( بواسطة : الرباطات والزوايا في تاريخ المغرب ، ط1: النجاح الجديدة ، الدار البيضاء 1997 ، ص26 ، الهامش رقم (3 ) ؛ من منشورات كلية الآداب بالرباط ، تنسيق نفيسة الذهبي ) .
    [18] الفرق الاسلامية في الشمال الإفريقي ، للمستشرق ألفرد بل ، ترجمة د. عبدالرحمن بدوي ، ط3 : دار الغرب الاسلامي ، سنة 1987 ، ( ص422-424 ) .
    [19] هو : هاشم العلوي القاسمي في " مقدمة تحقيق كتاب التقاط الدرر " لمحمد بن الطيب القادري .
    [20] انظر : الدر السني لعبدالسلام القادري ( طبع على الحجر بفاس ) ، العرف العاطر ( مخطوط ) ، ونتيجة التحقيق للمسناوي الدلائي ( طبع بفاس ) .
    [21] هو : أبو عبدالله محمد بن قاسم القصار الغرناطي الأصل ، الفاسي النشأة والدار ، المتوفى سنة 1012 هـ . قال الكتاني في " فهرس الفهارس " :" … و كان للقصار معرفة بالتاريخ والأنساب ، شديد الاعتناء بأنساب الأشراف ، و كان يفتخر بمصاهرتهم ، و سمعت بعض المشايخ يقول : إنه ما علا زوجته الشريفة قط ادباً مع جدها عليه السلام ، و جمع خزانة عظيمة من الكتب تفرقت بعد موته أيادي سبا " . أهـ . ( 2/ 965 ) .
    [22] مقدمة تحقيق كتاب التقاط الدرر ، لهاشم العلوي القاسمي ( 129 ، 130 ) .
    [23] ( ص 211- 229 ) .
    [24] مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/130)

    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    3

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد فأقول بالنسبة لمسألة إيمان فرعون فقد صنف فيها أيضا الإمام جلال الدين الدواني و أفردها بالتصنيف في سؤال ورد عليه 0 لكن كر عليه و صال في وجهه وجال الإمام العلامة علي بن سلطان بن محمد القاري ورد عليه و أبطل ماظنه الدواني حججا في مصنف ماتع نافع أسماه (( فر العون من مدعي إيمان فرعون ))0 و الكتاب مطبوع بالمطبعة المصريةو مكتبتها سنة 1383هجرية - 1964 م 0طبعة أولي و العبد الفقير عنده منه نسخة 0 و الفضل لله ربي و الحمد لله 0 و كتب أبو حازم نزيه بن الشبراوي السكندري 0

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

    بارك الله فيكم يا ابا حازم .
    و لا يستغني البحث عن افاداتكم المباركة
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    62

    Exclamation تعليقات وتنبيهات

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ، والشكر لله ، والثناء كلّه لله ،
    أمّا بعد : فقد اطّلعتُ على (الإشادات الوضيئة) للأخ محمد المبارك ، وقرأتُ مقدمتها وما فيها من لطيف العبارة وجميل الثناء عليَّ وعلى سلسلة الحلقات التي كتبتها في الرد على مقاله "فك الشفرة". وأنا أشكر الأخ محمد المبارك على لطفه ودماثته.
    وكنت فهمت من كلامه السابق أنه موضوعه هذا سيكون مشتملاً على استفسارات يريد أن عرضها عليّ ، ولكن الذي وجدته فيها إلى الآن إنما هو اعتراضات! أي ليست إشادات ولا استفسارات! على كل حال ربما أراد الأخ محمد أن يبدأ بهذه الوقفات (كما يسميها) ، ثم يتبعها بالاستفسارات.
    وأنا لا أريد أن أستعجل في الجواب ، ولكن رأيت أنّ هناك بعض الأمور التي لا يجوز تأخير جوابها. ونحن الآن نكتب في مجال الردود العلميّة، وصدري يتّسع لكل مناقشة علميّة، ولكن الذي أجده أنّ الوضع لا يسير في هذا الاتجاه، وأرجو من الأخ محمد المبارك أن يتّسع صدره الآن لكلامي، ويتفّهم موقفي بعيدًا عن إساءة الظن.
    ذلك أنني أنفقتُ الوقت الكثير وأنا أتتبع الأقوال والأخبار العجيبة التي ساقها الأخ محمد المبارك في مقاله "فك الشفرة" واعتمد عليها في اتهام الأمير بـأكثر من (13) تهمة باطلة! وتجشمت عناء الرد عليها وبيان عدم صحتها وانعدام صدقيتها ، وذلك ليتبيّن الحق له ولمن يبغيه. كل ذلك جاء موثّقًا محرّرًا معتمدًا على أصح الكتب والمراجع وبأقلام كبار العلماء المتخصصين بذلك الشأن.
    وبعد الانتهاء من عرض سلسلة (رد الشبهات المثارة حول الأمير عبد القادر) كان المنتظر من الأخ محمد المبارك أن يبيّن موقفه مما جاء فيها، وقد صرّح هو بذلك ولكن قال إن هناك بعض الاستفسارات التي يريد عرضها أولاً.
    فإذا به يدخلنا في دوّامة جديدة من فرضيات باطلة، وتقريرات لا تصح ، ونقول مزوّرة ، وكلام لبعض الناس غير علمي ويفتقد إلى كل مقومات القبول.
    وأنا بصراحة لا أرغب أبدًا في إضاعة المزيد من الوقت في الرد عليها وتفنيدها!
    يا أخ محمد : أنت قرأت الحلقات وقرأت ردّي على مقالك ، وأنت إمّا اقتنعت بما فيه، أو لم تقتنع! فإذا اقتنعت فليتك تبيّن ذلك وفكّها الله.
    وإذا لم تقتنع فدافع عن مقالك ، وبيّن بطلان الأدلة التي أتيتك بها ، كل ذلك بوضوح وصراحة.
    ولا داعي للتشعب في الموضوع والوقوف عند جزئيات هامشية ـ ذكرتُها أثناء ردّي على صلب موضوعك المنصب على اتهام الأمير ـ لا تهمنا الآن والخوض فيها فيه إماعة للموضوع الأساسي!
    في مقالك "فك الشفرة" اتهمت الأمير بما يلي:
    1ـ بأنه جمع وأحرق الكتب التي ترد على ابن عربي!!
    2ـ بأنه أحرق كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيّم!!!
    3ـ بأنه مستغرق في التصوف وتقديس ابن عربي تقديسًا يصل إلى حد الجنون، والقول بالحلول والاتحاد..!وأنه سكن في داره وأوصى بدفنه إلى جواره!!
    4ـ بأنه مفتتن بالحضارة الفرنسية ، وعلى صلة وطيدة معهم!!
    5ـ واتّهمتَه بحبّه للسلطة وشرهه للمال!!
    6ـ واتهمته بقتل بعض الولاة العثمانيين في لبنان .
    7ـ واتهمتَ الأمير بوقوفه وراء أحداث 1860م في سورية ولبنان ، ودعم النصارى والغرب للانفصال عن الدولة العثمانية ، وتيسير التدخل الأجنبي!!!!
    8ـ واتهمتَ الأمير بأنه كان ينفذ في دمشق أجندة عمل فرنسية!! وأنه كان يسرع إلى القنصلية الفرنسية بدمشق لتتوسط له عند العثمانيين!!!
    9ـ واتهمتَ الأمير بالماسونيّة ، والسعي لهدم الخلافة العثمانية!!!
    10ـ واتهمته بدعم المؤسسات المالية الغربية (اليهودية وغيرها) لتنفيذ مشاريعها في الشرق (شق قناة السويس ، شق الطرقات في الشام)!!
    11ـ وطعنتَ في نسبه ، وزعمتَ أنه هو مخترع ذلك النَّسب!
    12ـ وطعنتَ في ولائه لدينه وبلاده وسلطانه ، وزعمتَ أنه والى الفرنسيين ولذلك استسلم لهم!! وصار يخذّل أبناء وطنه عن القتال .
    13ـ وطعنتَ بشرفه وإخلاصه ، وزعمت أنه اتفق مع الفرنسيين على خدمة مصالح فرنسة ولذلك أُطلق سراحه ، ووُعِدَ باستلام الحكم في بلاد الشام!!
    كل تلك التهم والطعون دون أية أدلّة صحيحة أو مستندات معتبرة.
    فأحد أمرين: إما أن تثبتها بحق ، أو ترجع عنها ؛ وأُعيذك أن يكون الأمر الثالث!
    ومهما كان موقفك فهذا يعنيك أنت بالمقام الأوّل وستُسأل عنه في الدنيا والآخرة والله حسيبك. وأمّا أنا فقد أدّيت واجبي وبذلت جهدي وتحرّيت الحق وسعيتُ إليه وقدّمته لك ولجميع المسلمين واضحًا جليًا لا لبسَ فيه ولا مراء، بفضل الله. وحسبيَ الله ونعم الوكيل.

    أولاً ؛ أقول للأخ محمد المبارك : إنّ قصّة إحراق كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيّم، ليست مسألة افتراضية! إنها حادثة معيّنة اتُّهم بها الأمير عبد القادر الجزائري ، فإمّا أن تكون ثابتة وصحيحة ، وإما أن تكون باطلة ولا أصل لها! وأنت في مقالك "فك الشفرة" زعمت أنها قصّة متواترة!!! يعني ليست ثابتة فحسب وإنما متواترة . وقد بيّنتُ لك في الحلقة الأولى من ردي على مقالك أنّ هذه القصّة غير صحيحة ، بل لا أصل لها!! وإنما هي مختلقة ومفتراة على الأمير ، والذين اختلقوها إنما ولّدوها من القصّة التي رواها عبد الرحمن الوكيل عن الشيخ محمد نصيف، وقد بيّنتُ لك أيضًا أن تلك القصّة غير صحيحة قطعًا ، وأثبتُّ ذلك من جهة السند ورجاله ، ومن جهة المتن ، ومن جهة الوقائع التاريخية ، ومن جهة القرائن التي تحف بها ، ومن جهة تصادمها مع الحقائق المعارضة لها . فكتب ابن تيمية وابن القيّم لم تحرق وهذا باتفاق أهل العلم المحققين والمحصّلين قديمًا وحديثًا ، في حين أنّ الذين يدندنون حول قصة إحراق الكتب المفتراة إنما اتخذوا من السائح التركي المجهول شيخًا لهم يروون عنه أمثال هذه المناكير!
    فإذا كنت يا أخ محمد لم تقتنع بسقوط هذه القصّة وبطلانها وعدم جواز الاحتجاج بها ، فعليك أن تبرهن على صحّتها. وكنتُ طالبتك بإثبات تواترها الذي تزعمه ، ثمّ ترفّقت بك وطالبتك بإثبات طريق واحدة صحيحة لها. وأخبرتك أنّ هذا الطلب ليس عاديًّا ، وإنما هو فيصل في المسألة!! فلا أقبل منك أبدًا أن تعمد إلى إماعة المسألة وتقول "هب أنّ ، وهب أنّ"!!!
    إمّا أن تثبتها ، وإمّا أن تقرّ ببطلانها. ولا يُقبل أي حل ثالث.
    ويجب أنّ تفرّق أخي بين ثبوت مثل هذه القصّة وبين عقيدة أو مذهب الشخص الذي يُتهم بها!
    فلو كان المتهم حاخامًا يهوديًا أو كاهنًا بوذيًا ، لا يجوز لأحد أن يثبتها بدعوى أنّ المتهم يهودي أو بوذي فلا بأس من اتهامه بها ؛ هذا ليس من العلم في شيء ولا من الدين بالطبع!
    فإذا كنتَ مصرًّا على اتهام الأمير بأنه على عقيدة وحدة الوجود ، فهذا لا يسمح لك ولا لغيرك أبدًا أن يفتري عليه قصة إحراق كتب ابن تيمية بالتشهي والتخرّص. فالأمران منفصلان لا تلازم بينهما، وأنت مطالب بالدليل الواضح والصحيح لا غير.
    بالأمس كنت تقول متواترة واليوم تقول لنا هب وهب!! وتقول "إذا ثبتت القصة فإنما تدل على محاربة الأمير لتراث ابن تيمية" ، عجيب والله!!
    وكنت طلبتُ منك ألا تستعجل في الكلام على عقيدة الأمير حتى آتيك بالبحث الذي أجريه بخصوص كتاب المواقف. فلا أدري لماذا تصرّ على موقفك.
    يا أخي ليس لك ولا لغيرك أي مستند لاتهام الأمير بعقيدة وحدة الوجود سوى كتاب المواقف فحسب! وهو ليس من تأليفه وسيأتيك بيان ذلك فاصبر قليلاً. وكان يكفيك أنّ كل العلماء المشهود لهم بالاستقامة والنهج القويم في عصر الأمير وفي الذي يليه والذي يليه ، شهدوا له بحسن الديانة ووصفوه بالعابد والتقي ، ولم يطعنوا قط في دينه أو عقيدته ، ابتداءً من الشيخ عبد الرزاق البيطار والعلاّمة جمال الدين القاسمي ، مرورًا بشيخنا العلاّمة محمد بهجة البيطار رحمه الله (1311 ـ1396هـ = 1894ـ 1976م) شيخ السلفية في بلاد الشام والحجاز ، وهو الذي طلب منه وألحّ عليه الملك عبد العزيز أن يشرف على المعهد العلمي السعودي ، فلبّى طلبه وبقي في الحجاز مدة خمس سنوات (من 1345 إلى 1350هـ) قلّده الملك خلالها مناصب قضائيّة وعلميّة ، فكان : 1ـ عضو محكمة مكّة الشرعيّة الكبرى .
    2ـ نائب رئيس هيئة المراقبة القضائيّة.
    3ـ مفتش التعليم في مدارس الحجاز.
    4ـ أستاذ مادتي التوحيد والتربية اللتين كان يُجمع لهما مديرو وأساتذة مدارس مكّة.
    5ـ عضو مجلس المعارف العموميّة .
    6ـ مدرّس في الحرم المكّي.
    7ـ عضو هيئة مراقبة التدريس في الحرم الشريف.
    وعندما عزمت الحكومة السعودية على إنشاء ثانوية كبرى في مدينة الطائف باسم (دار التوحيد السعودية) أعلن الملك عبد العزيز آل سعود رغبته في أن يتولّى الشيخ بهجة البيطار إدارة هذا المعهد ، فنزلت الحكومة السورية عند رغبة الملك وأوفدت الشيخ بهجة سنة 1363هـ حيث أقام في الطائف ثلاث سنوات.
    هذا الشيخ الجليل والإمام القدوة للدعوة السلفية والتوحيد الصحيح في بلاد الشام والحجاز والمنافح عن شيخ الإسلام ابن تيمية والناشر لرسائله وسيرة حياته ، أثنى على الأمير عبد القادر كثيرًا ، ولم يجرحه بأي جرحة! وذلك أثناء تعليقاته على كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) وكان يصفه دائمًا بالمجاهد الكبير ويذكر فضائله ومآثره. وكذلك كان شيخنا محدّث الشام العلاّمة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله ، لم أسمعه يذكر الأمير إلاّ بخير طيلة ملازمتي له ـ أكثر من 15 سنة ـ حتى وفاته رحمه الله ، وكان في مجالسه يعرّف الحضور بي فيقول هذا حفيد الشيخ عبد القادر الجزائري رحمه الله!. وأذكر عندما حضرنا عليه كتاب (قواعد التحديث) للقاسمي ، استشهد القاسمي بكلام حسن للشيخ ابن عربي من الفتوحات. فتوقف شيخنا وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ليت شيخنا القاسمي لم يفعل ذلك ...، ولكن لمّا استشهد القاسمي بكلامٍ طويل للأمير عبد القادر من كتابه (ذكرى العاقل) أعجب الشيخ الأناؤوط بالكلام وترحّم على الأمير.
    ثم رحتَ ـ يا أخ محمد ـ بعد ذلك تحدثني عن عقيدة وحدة الوجود. سبحان الله.
    أتظن أنني لا أعرف هذه العقيدة الباطلة؟ منذ عشرين سنة وأنا أحارب هذه العقيدة وأتصدى للمروّجين لها، وأعاني بسبب ذلك ما الله وحده أعلم به، وحسبي الله وكفى.
    وإنني أبرأ إلى الله من هذه العقيدة ومن معتقديها كائنًا من كانوا.
    فيا أخي لا تتعب نفسك لبيان شيء هو عندي من أوضح الأشياء وإذا شئتَ زدتك فيه بقدر ما تشاء. وأنا لم أتعرّض لهذه المسألة في ردودي السابقة إلاّ عَرَضًا لأنها ليست من صلب موضوعي.

    ثانيًا؛ المعلومات التي أتيت بها بخصوص تراجع الإمام السيوطي عن موقفه من ابن عربي!
    بدايةً أقول لك أخي محمد : إنّ محلّ الشاهد من كلامي هو أنّ السيوطي حال كونه يعتقد بولاية ابن عربي كان يحرّم قراءة كتبه! هذا هو محلّ الشاهد ولا يعكّر عليه دعوى تراجع السيوطي عن اعتقاد ولاية ابن عربي. ولكن ما قولك إذا أخبرتك أنّ النقول التي أتيتَ بها غير صحيحة ومكذوبة ومزوّرة!!
    1ًـ كتاب (التحبير في علوم التفسير) فرغ السيوطي من تأليفه سنة 872هـ.
    ً2ـ كتاب (إتمام الدراية لقراء النقاية) ـ هذا اسمه الصحيح لا الذي أوردته ـ فرغ السيوطي من تأليفه سنة 873هـ.
    3ًـ في حين أنّ السيوطي لم يبدأ بتأليف ردّه على كتابيّ البقاعي إلاّ بعد حادثة سنة 875هـ!!! وهذا يعني أن كتابه في تنزيه ابن عربي هو المتأخّر عن الكتابين الأولين فإذا كان هناك تراجع فهو تراجعٌ إلى صف ابن عربي!!
    ولكن حقيقة الأمر أنه ليس هناك أي تراجع ولا وجود لذلك الكلام الذي نقلته يا أخ محمد في أيٍ من كتب السيوطي! ولو أنّك تأمّلت الكلام الذي أتيت به وفيه "" ابن عربي المبتدع الذي ينسب إليه كتاب ‏الفصوص الذي هو كفركله""، "" ‏بخلاف طريق جماعة من المتصوفة كابن عربي الطائي وأضرابه فإنها زندقة منافية للكتاب والسنة"" وكنتَ ممن سبر سيرة السيوطي وتمرّست في كتبه ورسائله ، لأدركتَ من فورك أنّ هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عنه مطلقًا! ولتبيّن لك أن مُنشئ هذا الكلام إنما هو من عصرنا هذا!!!
    ولمزيد من التوضيح أقول : إنّ كتاب التحبير وضعه السيوطي سنة 872 وله من العمر 23 سنة، ومازال يزيد عليه ويضيف إليه ويتوسّع فيه حتى بلغ حجمه الجديد فسمّاه (الإتقان في علوم القرآن) ، إذن فكتاب التحبير مدرج ضمن كتاب الإتقان ، والتحبير لم يُطبع من قبل والذي طبع إنما هو الإتقان ولا وجود لشيء من ذلك الكلام فيه. فلا بدّ من التحقق من النسخة المطبوعة الجديدة التي نقلتَ عنها والنظر هل الكلام للسيوطي أم هو لمحقق الكتاب؟ (وهذا هو الأغلب). بدليل أنّ الكلام الذي نقلته عن (إتمام الدراية لقراء النقاية) مدرج ومُقحم ولا وجود له في النسخة المطبوعة! وبين يديّ الآن النسخة الحجريّة الأولى لكتاب إتمام الدراية وهي مطبوعة سنة 1317هـ ـ أي من 113 سنةـ وإليك العبارة كما وردت بحروفها : ((ونعتقد أن طريق أبي القاسم الجنيد ـ سيد الصوفية علمًا ‏وعملاً ـ وصحبِه ، طريقٌ مقوّم ، فإنه خالٍ من البدع ، دائرٌ على التفويض والتسليم والتبرّي من النفس ، مبنيٌّ على الاتباع للكتاب والسنة. وهذا آخر ما أوردناه من أصول الدين ومن تأمّل هذه الأسطر اليسيرة وما أودعناه فيها تحقق له أنّه لم يجتمع قبلُ في كتاب)).انتهى [(إتمام الدراية لقراء النقاية) ص22]
    إذن الكلام الذي نقلته يا أخ محمد عن مجلة الحكمة!! إنما هو كلام مختلق ومدسوس على السيوطي.
    ونحن كنا نتمنّى أن يكون السيوطي قد رجع عن موقفه المدافع عن أصحاب تلك العقيدة الباطلة ، ولكن ذلك لا يكون بالتزوير والدس والكذب.
    وللفائدة ألخّص للإخوة القرّاء ما قاله صاحب وتلميذ العلاّمة محمد بهجة البيطار وهو القاضي الشرعي سعدي أبو جيب حفظه الله في كتابه (حياة جلال الدين السيوطي من المهد إلى اللحد):
    إن شهرة السيوطي بدأت بعد سنة 875هـ يوم أن نشبت معركة فكرية عنيفة قامت حول بيتين من شعر ابن الفارض ، وردا في قصيدته التائيّة الكبرى، وهما :

    كلانا مُصَلٍّ واحدٌ ساجدًا إلى *** حقيقته بالجمع في كل سجدةِ
    وما كان لي صلّى سواي ولم تكن *** صلاتي لغيري في أدا كُلِّ ركعةِ

    وانقسم أهل العلم إلى فريقين : أحدهما ، يرمي ابن الفارض بالكفر ، والزندقة، لأنه يقول باتحاد المخلوق مع الخالق سبحانه . وكان يتزعم هذا الفريق العلاّمة برهان الدين البقاعي صاحب كتاب (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد) ، وكبير القضاة محب الدين ابن الشحنة ، والقاضي عز الدين الحنبلي، ومعهم ثلة من أهل العلم.
    وأما الفريق الآخر ، فيرى أن ابن الفارض من كبار الأولياء والصالحين ، وتزعّم هذا الفريق الكافيجي ، وقاسم الحنفي ، وبدر الدين بن الفرس ، ومعهم بعض أهل العلم.
    وقد استفتى السلطانُ الشيخَ زكريا الأنصاري في هذه المسألة ، فأفتى بتبرئة ابن الفارض مما نسب إليه الفريق الأول ، وقال بأنّ للصوفية تعبيراتهم ، ولغتهم الخاصة بهم ، والتي لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها.
    وقد انتصر الفريق الثاني لأنّ السلطان قايتباي ومن حوله من الأمراء نصروهم، لما فيهم من نزعة صوفية ظاهرة .. وكذلك جماهير الأمّة كانت مع هذا الفريق، لتغلغل الصوفية في طبقات المجتمع على صورة لم تُعهد قبل هذا العصر!
    فعَزَلَ السلطانُ ابنَ الشحنة من القضاء ، وحاول العامة قتل البقاعي ، ورجموه بالحجارة ، وناله من الأمراء الأذى ، فهرب واختفى ، حتى توجّه إلى مكّة ، كما قال محمد بن أحمد بن إياس في (بدائع الزهور في وقائع الدهور).
    وقد تبع السيوطي شيخَه الكافيجي ، وانتصر لابن الفارض ، فكتب رسالته (قمع المعارض في نصرة ابن الفارض) ، وأتبعها بشرح يائيته الخالدة برسالة عنوانها (البرق الوامض في شرح يائية ابن الفارض) . والنتيجة التي وصل إليها في رسالتيه تتلخص في أنّ ابن الفارض من كبار العارفين بالله تعالى ، ومن الأولياء المقرّبين.. بل ذهب إلى أبعد من ذلك ، فعدَّه من أعلام الفقهاء! وهذا مالم يقل به أحد من أهل العلم!
    ثمّ بعد ذلك بزمن وضع رسالة انتصر فيها لابن العربي وسمّها (تنبيه الغبي في تنزيه ابن عربي).هذا هو الاسم الذي تُعرف به الرسالة.
    هذه هي القصّة عند أهل العلم المحققين ، ومنها يُعلم بيقين أنّ موقف السيوطي واحد لم يتبدّل والكلام الذي نقلته يا أخ محمد ونسبته إلى السيوطي واعترضت به عليَّ لا أصل له من الصحة وإنما هو مختلق ومزوّر!! فانتبه!

    ثالثًا ؛ أنا في كل ما كتبت لم أعرّف نفسي بأنني حفيد الأمير عبد القادر. وذلك لأنني لم أنطلق في ردّي على التهم والفِرى التي وجّهت إليه من منطلق القرابة . وكان من الأخ في الله فريد المرادي بارك الله فيه (ليس بيننا معرفة سابقة) أنْ أحبّ أن ينبّه الإخوة القرّاء إلى قرابتي من الأمير فقال في مشاركته :""وللعلم فإن الأخ خلدون من أحفاد الأمير"".
    وهذا الكلام صحيح كل الصحّة ولا مجال أمام أحدٍ لإنكاره!
    ولو كان هذا الكلام غير صحيح فهل تظن يا أخ محمد أنني أسكت ولا أبيّن؟! هذا ليس من منهجي ولا من طبعي!
    في مقالك "فك الشفرة" قلتَ عن محمد باشا أنه من أقارب الأمير عبد القادر! وغاب عنك أنّه ابنه الأكبر! واليوم تعترض على كلام الأخ فريد المرادي وتقول له : "بل الشيخ خلدون من أحفاد الأمير محمد السعيد (الأخ الأكبر للأمير عبد القادر)"فما القصّة يا أخي؟
    إذا كنتَ على غير دراية بالأنساب القريبة أو البعيدة فلماذا تتعب نفسك في البتّ فيها والحديث عنها؟! طيب إذا غاب عنك أمر محمد باشا ولم تستطع أن تقف على حقيقته، فلماذا لم تسألني عن صلتي وقرابتي من الأمير؟
    إنّ ما ذكرتَه عن تسلسل آبائي هو صحيح بلا شك.
    فأنا محمد خلدون بن محمد مكّي بن الأمير عبد المجيد بن السيد عبد الباقي بن السيد محمد السعيد الحسني. ولكن كما يعلم الجميع فإنّ لكلّ إنسان جدّان ، جدٌّ لأبيه ، وجدٌّ لأمّه.
    فبعد أن وقفتَ على أنّ السيد محمد السعيد هو جدّي الأوّل ، ألم تسأل نفسك من هو جدّي الثاني؟ إنّ أبا طالب هو جدّ سيدنا الحسن لأبيه ، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو جدّه لأمّه. أليس كذلك؟
    وكذلك الحال معي فإنّ الأمير عبد القادر هو جدّ الأمير عبد المجيد لأمّه.
    فأنا محمد خلدون بن محمد مكّي بن الأمير عبد المجيد ابن الأميرة كلثوم بنت الأمير عبد القادر.
    وكذلك الحال مع الأميرة بديعة فهي بنت مصطفى ابن زينب بنت الأمير عبد القادر. فالأمير جدّها أيضًا!
    وبالمناسبة فإن طلبة العلم يعلمون أنّ الشيخ عبد الرزاق البيطار هو جدّ الشيخ محمد بهجة البيطار، مع أنّ الشيخ بهجة هو ابن محمد بهاء الدين ابن عبد الغني بن حسن البيطار. ولكن من جهة أخرى فإنّ والد الشيخ بهجة تزوج ابنة عمّه الشيخ عبد الرزاق بن حسن البيطار، إذن فالشيخ عبد الرزاق هو جدّ الشيخ بهجة لأمّه. لذلك كان لزامًا على كل من يريد الخوض في الأنساب أن يكون على علم بتراجم الرجال وتسلسل آبائهم.

    وأمّا ما ذكرته من ترجمة أبي العلاّمة مكّي الحسني ، فهي ترجمة موجزة صحيحية ، وذلك لأنّك نقلتها فيما أظن من الترجمة التي كتبها له الأستاذ الفاضل أيمن ذو الغنى بارك الله فيه. وهو على علم ودراية فيما يكتب.
    وأقول لك يا أخ محمد : لقد طلبني أبي يومًا فأتيته ، فأخبرني أنّ بعض الأساتذة الكبار في العراق وسورية والمغرب اتصلوا به يخبرونه عن مقال عجيب وصلهم، فيه تجنٍ على الأمير عبد القادر، وطلبوا منه بعض المعلومات حول الأمير ورجوه أن يكتب لهم شيئًا في هذا الخصوص . فقلت لأبي لقد مضى عليّ وقت طويل وأنا أكتب في الرد على ذلك المقال ، وأحضرت له الحلقات، فأقرّها، وسألني وهل قرأ صاحب ذلك المقال هذه الردود؟ فقلت له نعم. قال: وماذا كان جوابه؟ فقلت له : وعد بالإجابة ونحن ننتظر.
    فماذا تريدني أن أخبره يا أخ محمد؟


    رابعًا؛ ما وصفتني به من كوني نقيبًا للأشراف في الشام. فليس كذلك .
    إنّ منصب نقيب الأشراف هو منصبٌ رسميّ في الدولة ، وقد ألغيَ رسميًا منذ عقود. وأنا لم أشغل هذا المنصب قط! ولعلّكَ ذكرت ذلك من باب غلبة الظن. فأنا يا أخي لي بعض الدراية في علم الأنساب ، ويقصدني بعض الناس للنظر في أنسابهم لحسن ظنهم بي. لأنّ الأدعياء والمزوّرين قد كثروا وهم يبيعون الأنساب بأبخس الأثمان وذلك ليروّجوا لأنفسهم ويكتسبوا مع الزمن النسبة الشريفة!! ولذلك فأنا أتصدى لأمثال هؤلاء ، ومن ذلك كان المقال الذي ذكرته "عن بطلان النسب الرفاعي الصيادي" وقد سبب لي ذلك الكثير من المشاكل وكان منها تجرّؤ بعض الحاملين لهذا النسب عليَّ ، وكتبَ أحد سفهاء الصوفية (الصيادية الرفاعية) كلمةً في أحد مواقعهم المغرضة والمضللة تقوَّل فيها عليَّ ونفى أن أكون حفيدًا للأمير عبد القادر. ولم أكن أعلم بهذه الكلمة لولا أنّ أحد سفهاء السلفية (هذه المرّة) قام باقتباس تلك الكلمة ونشرها في موقع ملتقى أهل الحديث، وجعل من ذلك الصوفي السفيه شيخًا له في الرواية، فوافق شنٌّ طبقه! ثم بعد ذلك ـ ويا للأسف ـ راح بعض الشباب السلفي في ذلك المنتدى يعيد محتويات تلك الكلمة فرحًا بها مبتهجًا! وكأنه يروي عن البخاري أو ابن حجر!! وأنا لم أرد على واحد منهم لأنهم ليسوا أهلاً لأن أردّ عليهم أو أشتغل بالكلام مع أمثالهم.


    خامسًا؛ قلتُ في الحلقة الأولى : ((إن شيخ الإسلام لم يتعرّض فيما أعلم لتأليف جزءٍ خاص في الرد على ابن عربي ، وإنما ذكره في فتاويه ورسائله خلال حديثه عن انحرافات الصوفية . وكان يذكر عباراته التي في (فصوص الحكم والفتوحات) وينتقدها ويصفها بما تستحق من الضلال إلى الكفر ، ولكنّه لم يتعرّض لتكفير شخص ابن عربي مباشرة)).انتهى
    فاعترضتَ عليَّ قائلاً : ((بل أفرد شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله رسالة خاصة في الرد على ابن عربي في دعوى إيمان فرعون)).انتهى
    أقول يا أخ محمد : كلامك غير صحيح ، وهذه الرسالة التي أتيت بها ليست كما تقول! وإنما هي سؤال وجّه إليه فأجاب عنه ، وليس له عنوان خاص.
    وهذا العنوان إنما هو من وضع بعض المعاصرين!
    ألم تلاحظ أن اسم ابن عربي لم يرد من أول السؤال إلى آخر الجواب؟ في كل الكلام لم يأت ذكر ابن عربي إلاّ مرّة واحدة تعريضًا عندما قال :""والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب "فصوص الحكم" وصاحب "الفتوحات المكية" ونحوهم، هم الذين يعظمون فرعون""
    فكيف تقول إنّ ابن تيمية أفرد رسالة في الرد على ابن عربي؟؟ والرسالة أمامك وليس فيها التعرض لابن عربي شخصيًا ، وإنما الكلام عام موجّه إلى كل من يقول بإيمان فرعون.
    لقد قلتُ في كلامي إنّ شيخ الإسلام ابن تيمية رد على ابن عربي من خلال رسائله وفتاويه، لكنّه لم يفرد مؤلّفًا خاصًّا في الرد على ابن عربي. وهذا الكلام صحيح وأنت لم تأت بشيء ينقضه.
    والمقصود من قولي (جزء خاصّ للرد على ابن عربي) هو مؤلّف يشتمل على التعريف بابن عربي وبيان كل انحرافاته ، والرد عليها وذكر أحوال الرجل وأقوال العلماء فيه والإحاطة بجوانب حياته، ثم الخلوص إلى إطلاق حكم الكفر على شخصه. وهذا ما لم يفعله ابن تيمية.
    وإنما قام به برهان الدين البقاعي في كتابه (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي). هذا هو محلّ الشاهد من الموضوع ، فإنّ كتاب البقاعي والكلام الذي صدر عنه أشد بكثير من كلام ابن تيمية ، فلو كان هناك حقدٌ أو غيظٌ (مفترض) في قلب الأمير تجاه الذين انتقدوا ابن عربي فسيكون دون أدنى شك موجّهٌ إلى البقاعي مثلاً ، لا إلى ابن تيمية . وكان هذا الكلام مني أثناء معالجتي للموضوع من الناحية المنطقيّة والعقليّة ، والتي تبيّن أن قصة العداء لابن تيمية (المزعومة) غير مقبولة حتى من الناحية الافتراضية ، لأنّ جميع الدلائل لا تساعد عليها.
    فأرجو أن لا تتوقف كثيرًا عند هذه المسألة قبل أن تثبت فرضية العداء بين الرجلين!

    وبالمناسبة: فإن وضع العناوين لكتب العلماء أو لرسائلهم أمرٌ دقيق ، لا يقدم عليه إلاّ عالمٌ راسخ يعي ما يقرأ ويدرك مقصود الكاتب. فانظر مثلاً إلى فعل الشيخ عبد الرحمن وكيل عندما غيّر عنوان كتاب البقاعي (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) فجعله (مصرع التصوف)!! ووضع له عناوين للفقرات لا تمت في كثير منها لكلام البقاعي بصلة، بل عكس مراده! وهذا تحوير للتراث وتقوّل على الإمام البقاعي! الذي قال في مقدمة كتابه (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد): "وهؤلاء الذين اتسموا بسمة الاتحاد، وقد أَلِفَهم الطَّغام من الأنام، لما غرّوهم به من إظهار التصوف، ليأخذوهم من المأمن، وما دَرَوا أن الصوفية أشد الناس تحذيرًا منهم وتنفيرًا للعباد عنهم، فإن المحققين منهم بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم...." إلى أن قال "وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء ليعلم أن طريق الفقهاء هي طريق الصوفية، هذا ما بنى عليه الصوفية أمرهم، وأما هؤلاء الذين تشبهوا بهم ونبه العلماء ـ حتى الصوفية ـ على أنهم ليسوا منهم ودلسوا على الناس ولبسوا أحوالهم ليقطعوا الطريق على أهل الله وهم يظهرون أنهم منهم، فأول ما بنوا عليه أمرهم ترك العقل، الذي بنى الله أمر هذا الوجود على حكمه بشرط استناده إلى النقل الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله عليهم الصلاة والسلام لئلا يزل العقل بما يغلبه من الفتور والشهوات والحظوظ وجعل العقل حاكمًا لا يعزل بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات في ملة من الملل ...إلخ".انتهى
    ثم قال في آخر كتابه السابق وهو يرد على المدافعين عن ابن الفارض: "وإن قالوا أنت تبغض الصوفية، فقل: هذه مباهتة! إنما أبغض مَنْ كفَّره مَنْ أجمعنا على أنهم صوفية، مثل الجنيد، وسري، وأبي يزيد، وأبي سعيد الخراز، والأستاذ أبي القاسم القشيري، والشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ شهاب الدين عمر السهروردي صاحب العوارف، فإن بعضهم قال: ((طريقنا مشبك بالكتاب والسنة، فمن خالفهما فليس منا))، وبعضهم جعل أثر عمر رضي الله عنه أصلاً، وبنى عليه طريقهم، وبعضهم قال: ((من قال إن الشريعة خلاف الحقيقة فهو زنديق، ومن قال إن المراد بمحبة الله تعالى، ووصوله إليه، غير كمال المتابعة للكتاب والسنة، أو بمحبة الله غير إكرامه بحسن الثواب، فهو زنديق)). إلى غير ذلك مما حدّوه، فتعداه من عاديتمونا بسببهم، بل أنتم بعد بغضكم للصوفية، نابذتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموالاتكم من نابذ شريعته، ونحن نذب عنها، وأنتم تناضلون عمن يهدمها من غير فائدة في ذلك. وتقولون إنهم أرادوا بكلامهم الذي ظاهره قبيح غيرَ ظاهره، ولو قال أحد من الناس لأحد منكم كلمةً توهم نقصًا ـ (كالعِلْق) الذي قال أهل اللغة: إن معناه الشيء النفيس ـ عاداه، وإن حلف له أنه ما قصد ذمًّا، وإن كرر ذلك كانت القاصمة، فتحرر بذلك أن نابذتم أهل الدين من الفقهاء والصوفية المجمع عليهم بالتأويل في جانب الله تعالى، ومنعتم مثله في حقكم، فأفٍ لهذا عقلاً، فكيف بالنظر إلى الدين؟".انتهى
    وعندما تحدث البقاعي عن عدم جواز التوقف في تكفير أهل الحلول والاتحاد ، تدخّل عبد الرحمن وكيل ووضع هذا العنوان (المتوقف في تكفير الصوفية)!! لكلام البقاعي الآتي : "ولا يسع أحدًا أن يقول أنا واقف أو ساكت لا أثبت ولا أنفي لأن ذلك يقتضي الكفر، لأن الكافر من أنكر ما عُلم من الدين بالضرورة، ومن شك في كُفْر مثل هذا كَفَر! ولهذا قال ابن المقري في مختصر الروضة : (مَنْ شك في اليهود والنصارى وطائفة ابن عربي فهو كافر) ، وحكى القاضي عياض في الباب الثاني من القسم الرابع من الشفاء الإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود وكل من فارق دين المسلمين".انتهى ؛أرأيت كيف يكون التحريف والتغيير!

    سادسًا؛ قلتُ في ردّي : [نحن لم نسمع أو نقرأ عن كتاب صنّف لأجل الرّد على ابن عربي غير كتاب الإمام البقاعي (تنبيه الغبي)]
    فاعترض عليّ الأخ محمد المبارك قائلاً : "بل المؤلفات في الرد على أهل وحدة الوجود كثيرة"
    عجيب والله! أنا أتحدّث عن شيء خاص: وهو كتاب أُلِّف لغرض واحد وهو الرد على ابن عربي، فيحدثني الأخ محمد عن المؤلّفات التي ترد على أهل وحدة الوجود!!! ليس ذلك فحسب بل راح يعرّفني بابن عربي وبجهود علماء المسلمين في التصدي لتلك العقيدة!!!
    أقول : يا أخ محمد أرجو أن تتنبّه إلى كلامي جيّدًا ، ولا تبتعد عنه كثيرًا ، أنا لم أتحدّث عن طائفة القائلين بوحدة الوجود لا من جهة التعريف بهم ولا من جهة الدفاع عنهم ولا من جهة ما صُنِّفَ في الردّ عليهم ، حتى تحدثني في اعتراضاتك عن تلك الطائفة وخطرها وموقف علمائنا منها! فليس موضوع الرد الذي كتبتُه الحديث عن تلك الطائفة ولم يكن يهمني الخوض فيه هناك، وإن كنتَ تحب أن تفتح هذا الموضوع معي خارج بحثنا في الأمير ، فهذا ممكن ولكن بعد الفراغ من بحث الأمير. ولكن أن تخاطبني وكأنني أجهل هذا الموضوع أو أقف في صف الوجوديين الضالين!! فهذا ما لا أرضاه منك.
    وأمّا عن جهود علماء المسلمين في التصدي للقائلين بوحدة الوجود أو الحلول والاتحاد ، فاطمئن يا أخي ، فإنني على اطلاع واسع على أقوالهم وفتاويهم ورسائلهم في هذا الخصوص، وعندي من كلامهم الكثير الكثير مما لا تجده في الكتب التي بين يديك ، أو في الإنترنت وموسوعاتها التي تستعين بها! وكنتُ قد كتبتُ مقالاً عن ابن عربي طلبه مني الإخوة في القسم العلمي بموقع الصوفية، فأرسلته إليهم ، فقاموا باختصاره وصوغه على النحو الذي رأوه يناسب الموقع ثم نشروه من سنوات، ولعلّك اطلعتَ عليه ولكنك لا تعرف من كتبَ أصلَه!
    في الحلقة الأولى ذكرتُ لك أنّ العلماء تصدوا لابن عربي في كتبهم على اختلاف موضوعاتها سواء الكتب الفقهية أو الحديثية أو كتب التراجم التي ترجمت لابن عربي وانتقدته ، مثل (ميزان الاعتدال) و(لسان الميزان) و(سير أعلام النبلاء) و(العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) لتقي الدين الفاسي، وغيرها من الكتب. وأوردت بعض كلامهم وذكرتُ بعض أسمائهم ، بإيجاز وكل ذلك في معرض توضيح مسألة هامة وهي أنّ كل هؤلاء العلماء كانوا أشد وأقسى في عباراتهم وأحكامهم على ابن عربي ، من الشيخ ابن تيمية رحمه الله. وأنهم كثيرون في كل عصر ، وأن كتاب الإمام البرهان البقاعي هو أوسع وأشد كتاب كُتِب في الرد على ابن عربي ، وأنه كان بحوزة الشيخ محمد نصيف ، وكل تلك الكتب كانت موجودة، فعن أي كتاب كان يسأل الشيخ نصيف؟!
    وأنتَ لو نظرت في كتاب البقاعي لوجدته لا نظير له في موضوعه، ولم يُسْبق إليه، فقد عالج انحرافات الحلوليين والوجوديين وفصّل القول في ذلك ، وأتى بطامّات ابن عربي التي في الفصوص والفتوحات وغيرها من كتبه، وردّ عليها ففنّدها ، واستشهد بكلام العلماء وأورد فتاويهم في ابن عربي ومن على نهجه، وقعّد القواعد في تكفيره ووجوب ذلك ، وردّ على حجج المدافعين عنه فأسقطها، ولم يدع شاردة ولا واردة تخص الموضوع إلاّ وأتى بها، وجمع كل ما قيل في ابن عربي. فصار كتابه مرجعًا لمن بعده ، وهو إلى اليوم المرجع الأهم والأكبر لكل من يريد الوقوف على حقيقة ابن عربي.
    ولعلمك أخي محمد فإنّ معظم الكتب التي ذكرتَها في اعتراضك قد ذكرها البقاعي في كتابه وهو أوّل من نبّه إلى بعضها مما لم يُعثر عليه ، والذي جمع تلك القائمة جمعها معتمدًا على كتاب البقاعي.
    وكذلك أسماء العلماء الذين ذكرتَ أنهم كفّروا ابن عربي فإنّ الذي أوردها وجمعها إنما هو الإمام البقاعي في كتابه ، والكل يقتبس منه ويحيل عليه. والمقال الموجود في موقع الصوفية عن ابن عربي وابن الفارض، هو أوّل محاولة قمنا بها لتفريغ محتوى كتابيّ البقاعي في الرد على ابن عربي وابن الفارض.
    إذن فكما ترى فإنّ كل ما أتيتَ به وتكثّرت به علينا إنما هو مأخوذٌ من كتاب (تنبيه الغبي) للبقاعي!!! فما جوابك؟ وهل فهمت الآن لماذا أشدد على مسألة تفرّد كتاب البقاعي؟
    وعلى كل حال هناك أخطاء يجب أن أنبّهك عليها:
    · إنّ أسماء العلماء الذين أوردتهم وقلت أنهم كفّروا ابن عربي . هم ليسوا كذلك!
    فمنهم من كفّر ابن الفارض فقط، ومنهم من ذمّ ابن عربي ولم يكفره، ومنهم من تكلّم بكلام عام في الرجلين ، ومنهم من تكلّم على كتب ابن عربي وحكم عليها دون إطلاق الحكم على شخصه، و... والإمام البقاعي أورد ذلك بأمانة ودقّة. فنقل ألفاظهم بحروفها.
    أمّا أنت فأطلقت الكلام والأحكام ، ولو طُلِبَ منك أن تسوق كلام كل واحد منهم في تكفير ابن عربي لما استطعت ، وكان مرجعك إلى كتاب البقاعي ولابد!
    · إنّ الكتب التي أوردتَها هي في الرد على أهل وحدة الوجود بوجه عام كما ذكرت بنفسك ، فلا محلّ لذكرها في اعتراضك عليّ وأنا أتحدث عن الكتب التي ترد على ابن عربي فحسب!! وما يُنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الخصوص إنما هي فتاوى وضعها جوابًا على أسئلة وردته أو بيانًا لحقائق عرضت له أثناء بحوثه الكبيرة والقيّمة. وهو لم يفردها كمصنف مستقل أو يضع لها عنوانًا خاصًّا ، وإنما هذا فعل جديد قام به المعتنون بتراثه والناشرون له.
    ولمزيد من التوضيح أضرب لك مثالاً:
    ذكرتَ ضمن الكتب كتابًا بعنوان: (الرد على ابن سبعين وابن عربي، لمحمد البساطي).!
    ومحمد البساطي هو : القاضي المالكي المصري شمس الدين أبو يوسف محمد بن أحمد البساطي ولد (756ـ 842هـ)، له عدّة مصنفات، ونُسِبَ إليه مصنف: شرح تائية ابن الفارض. بيّن فيها أنّ ما يدعو إليه ابن الفارض وينعق به من وحدة الوجود هو كفرٌ محض. وقد ذكر الحافظ السخاوي أنّ ذلك المصنف لم يثبت عنده! قال في ترجمته للبساطي عند ذكر مصنّفاته : ((...وغير ذلك مما لمْ يَظْهَرْ :كمصنفٍ في ابن عربي ، وشرح للتائية والفارضية فيما قيل مما لم يثبت أمرهما عندي)).انتهى
    أقول : ولكن الأمر الثابت عنه أنّه مع إنكاره على أهل وحدة الوجود والحلول ، كان يرفض التصريح بكفر ابن عربي!! فقد ذكر الحافظ السخاوي : ((أنّ القاضي محمد الدفري المالكي كان ممن قام على بعض معتقدي ابن عربي، واستكثر من الاستفتاء في ذلك، وصار بينه وبين الشمس البساطي وحشة ومخاشنة بسبب امتناع البساطي من الكتابة بتكفير ابن عربي! معلّلاً ذلك بانتقاله إلى الآخرة ونحو هذا ، واستمرّ الدفري قائمًا في ذلك مباينًا للبساطي حتى مات)).انتهى
    ليس ذلك فحسب ، بل إنّ القاضي البساطي صار بينه وبين العلاء محمد البخاري خصومة ووحشة عندما تباحثا في الوحدة المطلقة ومذهب ابن عربي ، وقد جرى ذلك في القاهرة بمجلس العلاء ثم في حضور (السلطان الأشرف) وكان العلاء ممن كفّر ابن عربي فظهر على البساطي.
    وعندما كتب الشمس البساطي تقريظًا لكتاب (الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، أجاد فيه ولمح بالحطّ على العلاء البخاري لأجل تجاذبهما في ابن عربي!! ذكر ذلك الحافظ السخاوي.
    والعلاء محمد البخاري هو من الذين كفّروا ابن عربي وابن تيمية أيضًا، وكذلك فعل تقي الدين الحصني!
    وبدأ ذلك عندما كان يُسأل العلاء البخاري عن مقالات التقي ابن تيمية التي انفرد بها فيجيب بما يظهر له من الخطأ فيها ويّنفر عنه، إلى أن استحكم أمره عنده فصرح بتبديعه ثم تكفيره ثم صار يصرح في مجلسه بأن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام فهو بهذا الإطلاق كافر! وكان ذلك في مجلسه عندما سُئل عن مسألة الطلاق. فاستنفر حافظ الشام ابن ناصر الدين ونافح عن ابن تيمية في كتابه (الرد الوافر). وهذا أيضًا مما قاله الحافظ السخاوي .
    إذن البساطي جرت بينه وبين أقرانه خصومات وخشونات لكونه أبى تكفير ابن عربي (مع تشنيعه على مذهبه)، فكيف تجعله يا أخ محمد من الذين كفّروا ابن عربي؟! وتنسب له كتابًا لم يذكره أحدٌ ممن ترجم له؟!
    مثال ثاني؛ ذكرتَ كتابًا بعنوان: (كشف الغطاء عن حقيقة التوحيد وبيان حال ابن عربي وأتباعه المارقين)، للحسين الأهدل.
    والأهدل هو :بدر الدين أبو محمد الحسين بن عبد الرحمن بن محمد اليمني الشافعي وهو من أعيان الصوفية في اليمن! المعروف بابن الأهدل المتوفى ببلده سنة 855 هـ . وهو صاحب كتاب (الباهر في مناقب الشيخ عبد القادر - قدس سره) ، وكتاب (الرسائل المرضية في نصر مذهب الأشعرية وبيان فساد مذهب الحشوية)، وله (قصيدة في الحث على تعلم العلم وتعيين ما يعتمد من العلم والكتب في الشرع والتصوف على ذوق ابن عربي)!
    وله مصنف لطيف بعنوان (كشف الغطاء عن حقائق التوحيد وعقائد الموحدين) ، ورَدَ عنوانه هكذا لا كما ذكرته يا أخ محمد. وهو في كتابه كان يروي وينقل كلام العلماء في ابن الفارض وابن عربي، ويبيّن مراميهم ، ويمكنك أن تراجع كتاب البقاعي لتقف على النقول التي أوردها منه.
    مثال ثالث؛ ذكرتَ كتاب (تسفيه الغبي في تنزيه ابن عربي)، للشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي.
    المتوفى : سنة (952هـ)!! وهذا الكتاب ألّفه الحلبي ردًا على كتاب السيوطي (تنزيه ابن عربي)!
    وهو دليل آخر على عدم صحة ما ذكرته من تراجع السيوطي المتوفى سنة (911هـ)!
    وأمّا كتاب (الحجة الدامغة لرجال الفصوص الزايغة)، فهو على الأغلب لابن فهد المكي: عبد العزيز بن عمر بن محمد ، (850 ـ 921هـ). وليس لابن المقري.

    يا أخ محمد : هناك فرق كبير بين بيان موقفك من مذهبٍ ما ورفضك له، وبين تلفيق الكلام عليه دون تثبّت أو برهان! نحن متّفقون في الرد على الحلوليين وأهل الوحدة والتبرّي من معتقداتهم، ولكننا مختلفونا في المنهج!
    فأنا أعتمد على الكلام الثابت والواضح والمتفق عليه ، دون الزيادة عليه أو النقصان، وفيما ثبت كفاية وغنية. وأرفض إلقاء الكلام على عواهنه، وجمع المعلومات دون تمحيصها ، والاحتجاج بما لا يصلح أو بمن لا يُلتفت إلى كلامه!
    ولا داعي لأن تعرض عليّ جواب الإمام ابن تيمية في الرد على القائلين بإيمان فرعون ضمن وقفاتك أو استفساراتك!
    يا أخ محمد ما الخبر؟ تشرح لي عقيدة وحدة الوجود ثم تضع رسالة فرعون ، وبعد ذلك تشرح لي عن ابن عربي وأقوال العلماء فيه...؟!
    وكأنّك تخاطب صوفيًا من أتباع ابن عربي أو محبّيه!!
    وإذا كنتَ تجهلني فاعلم أنني مذ كنتُ فتيًّا وأنا أجابه أصحاب هذا المذهب بكل ما أوتيت، وأفضح مخازيهم وأباطيلهم.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    62

    Exclamation تعليقات وتنبيهات

    سابعًا؛ أنت في مقالك "فك الشفرة" شككت بنسب الأمير عبد القادر، وزعمت أنّه ادّعاه ، وأوردتَ له عمود نسب مضحك لم يذكره أحد من المؤرخين أو النسابة، واتهمته بأنه فعل ذلك لأنه يسعى للحصول على القطبية. كل ذلك دون أي بيّنة أو برهان، وإنما مجرّد كلام لا وزن له ولا صدقيّة.
    وقد أجبتك في ردّي وبيّنتُ لك فظاعة ما ادّعيته واتهمتَ به الأمير. وأثبتُ لك بالدليل القاطع أنّ كتب الأنساب والتواريخ أثبتت نسب آباء الأمير قبل ولادة الأمير بقرون!! وذكرت لك عمود نسبه الصحيح الذي أجمع عليه أهل هذا الشأن. وطالبتك بإثبات دعواك أنّ الأمير كان يسعى للقطبية!
    وفي إشاداتك (اعتراضاتك) لم أجدك تتراجع عن تشكيكك في نسبه! وإنما اكتفيت بقولك: الناس مؤتمنون على أنسابهم. يا سلام!!
    يا أخ محمد : هذه المقولة تقال عندما تدخل إلى مدينةٍ ما زائرًا أو عابر سبيل فيسألُك أحدهم من أنت أو من أي العرب أنت؟ فتقول له أنا ابن فلان وجدّي فلان من بني كذا ، وأمي فلانة بنت فلان من بني كذا. فإذا اعترض أحدهم وقال لا نعرف أنّ لفلان ولدًا، أو ليس في بني كذا من اسمه فلان، أو من أشباه هذا الكلام.
    فحينئذٍ يُقال لذلك المعترض: ألجم لسانك ولا تخض في أعراض الناس ، فالناس مؤتمنون على أنسابهم. ولذلك تفصيل ليس هذا محلّه.
    ولكن هذه المقولة لا تُقال لمن يزعم أنّه منسوب إلى رجل يفصل بينهما قرون من الزمن!
    فإذا أتانا اليوم رجل وادّعى أنّه من آل بيت النبي ـ يعني يدّعي نسبًا يعود إلى خمسة عشر قرنًاـ فلا نقبل ذلك منه بدعوى أنّ الناس مؤتمنون على أنسابهم! وإنما لا بد له من إحضار الأدلّة والمواثيق التي تثبت ما يدّعيه.
    وإنّ الأدلّة المثبِتة لنسب الأمير وأسرته من قبله لآل البيت، هي من الكثرة والقوة والشهرة التي يقلّ نظيرها في أنساب غيره. وإنّ تسلسل آبائه وتراجمهم الموجودة في كل عصر مما يعزّ وجوده عند غيره ممن ينتسبون إلى آل البيت. فبعد كل هذا لا يُقال الناس مؤتمنون على أنسابهم!!
    بل يُقال أستغفر الله العظيم مما افتريته على هذا الرجل ، ولابد من الإقرار بنسبه، بعد الأدلّة الساطعة بتواتر نسبه.
    وكذلك لم تأت بأي دليل على دعواك أنه يريد القطبية، وبدلاً من ذلك تمسّكت بقولي "وللفائدة فإن درجة القطبية عند المتصوفة لا يشترط فيها النسب أبدًا ، وهذا معروف في كتبهم الكبرى"، ورحت تسرد لنا مقالاً طويلاً للأخ محمد الصمداني ، لا يصلح للاحتجاج في هذا الخصوص!
    يا أخ محمد : إذا كنتَ تريد أن تثبت على الصوفية مسألةً فعليك أن تحضرها من كتبهم ، وتستشهد بأقوالهم المعتمدة لديهم، لا أن تعتمد على كلام شخص ليس منهم ومخالف لهم.
    وأنا عندما حررتُ لك المسألة عندهم كنتُ معتمدًا على كتبهم وكلام علمائهم المحققين.
    يقول أحد أشهر علماء الصوفية في عصرنا الحديث وهو الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، في كتابه (أولياء وكرامات ـ النقض المبرم لرسالة الشرف المحتم) : تحت عنوان ((فكرة الأقطاب الأربعة لا أصل لها : لقد اشتهر في مصر، فكرة الأقطاب الأربعة، وأنّ السيد البدوي أحدهم. ولا ندري مستندهم في هذه الفكرة، وفي الصوفيّة أقطاب يفوقون هؤلاء الأربعة، مثل سيدي عبد السلام بن مشيش وتلميذه أبي الحسن الشاذلي، وأبي مدين الغوث وتلميذه ابن العربي الحاتمي.....إلى أن قال : ثم كون السيد أحمد البدوي أحد الأقطاب الأربعة، ليس بصحيح، بل هو لم يبلغ درجة القطبانية... ثم قال عن البدوي : إنه مجذوب وليس بقطب)).انتهى ص29
    وقال أيضًا : ((والحقيقة أنّ الرفاعي ـ رضي الله عنه ـ لم يثبت له الشرف إلاّ بعد موته بمدّة، حين ظهرت فكرة الأقطاب الأربعة، وكان هو أحدهم، وعزَّ على بعض أتباعه ألاّ يكون شريفًا مثل إخوانه الأقطاب الثلاثة : الجيلي والبدوي والدسوقي، فأُنشِأَ له نسبًا يتصل بالحسين ـ عليه السلام ـ ولكن أبا الهدى الصيادي الرفاعي لم يكتف بهذا، بل أنشأ له نسبًا أيضًا يتصل بالحسن ـ عليه السلام ـ وبذلك صار الشيخ الرفاعي حسينيًا وحسنيًا، وامتاز على زملائه بالجمع بين الشرفين)).انتهى بحروفه ص16
    أرأيت يا أخي! إنّ الصوفيّة لا يقولون باشتراط النسب الشريف لنيل درجة القطبيّة ، بدليل أنّ أكبر أقطابهم وأهمّهم ليسوا من الأشراف ولم يُنشئ لهم أحدٌ من الصوفيّة نسبًا إلى الحسن أو الحسين! وأكبر مثال الشيخ محيي الدين ابن عربي الحاتمي، وأبو مدين الغوث ، وأبو العباس المرسي، وابن عطاء الله، وأبو القاسم القشيري ، وأبو بكر الشبلي ، وسيد الطائفة الجُنيد، ...
    وهذا كلام الغماري الصوفي الصريح في نفي النسب عن القطب الرفاعي ، وفي نفي حصر الأقطاب بالأربعة أصلاً.
    فكيف تقبل يا أخ محمد أن تعترض على هذا الكلام الصادر من القوم أنفسهم ، بكلام صادر عن شخص من خصومهم وبعيد عن أصولهم؟! مع أنّه في مقاله ساق كلامًا لبعض أعلام الصوفيّة يرد اشتراط النسب الشريف في القطب! فلماذا لم تتنبّه له؟!
    والكلام الذي استدّل به من كتاب (صحاح الأخبار) إنما هو لأحد الرفاعيّة المتعصّبين للرفاعي، وهذا الكتاب إنما وضعه مؤلّفه لغرض أساسي وهو محاولة إثبات النسب المزعوم لأحمد الرفاعي. وبيّنتُ لك آنفًا أنّ الرفاعيّة هم الذين ابتدعوا واخترعوا شرط النسب الشريف لكي يرفعوا من شأن إمامهم أحمد الرفاعي. ألم تقرأ مقولته السخيفة التي يحاول فيها رفع شأن شيخه الرفاعي فوق الجيلاني : "وقال جماعة : قد يمكن أن يسقط المحاذي الذي ليس بشريف على مرتبة الغوثية ، ويتصرف بمنـزلتها من طريق تسلق المرتبة الصديقية ؛ ولكن يكون ذلك إذا لم يكن في عصره منأهل البيت من تحمل طينته عبء المنـزلة ، فيكون تصرف ذلك الرجل تصرف خلعة لا تصرف مرتبة ، فهو يتصرف بالخلعة التي ألقيت عليه من الغوث الشريف المتوفى والمنخلع عن مرتبة التصرف تمكناً بمحبة الله ، و إعراضاً عن غيره ، كما وقع لسيدنا أحمد الرفاعي رضي الله عنه حين نودي للغوثية بعد أن رُفِع له علمها في الأكوان ، فأعرض عن مشغلتها، و تململ على الباب ، وقال : "بالله العفو العفو" ، واتخذ ذريعته لذلك الجد الأعظم صلى الله عليه وسلم ، فقبل الله منه ، وأفرغت عنه الخلعة للشيخ عبدالقادر الجيلي قدس سره ، فتصرف بها مدة حياته حتى مات ، ثم رفع علم الغوثية الجامعة والتصرف المحض للسيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه بإعادة خلعته الأصلية ، فاشتهر بأبي العلمين في الكونين ، وكان لما رفع له العلم الثاني أراد أن يتجرد عن التصرف لربه ، والله تعالى قسم له نيل الوراثة المحمدية أدباً وتصرفاً ، فلما أراد التنصل من المرتبة بالبكاء والتذلل أحاطه نداء الغيب من كل جانب أن تأدب ، فامتثل ، وبقيَ على حاله في منزلته حتى تمكن فيها بالترقي عنها إلى ما هو أعظم منها ، وما من نعمة تفرغ على العبد إلا وفي خزانة الكرم ما هو اعظم وأجل منها".انتهى
    أرأيت إنّه يريد نفي النسب الشريف عن عبد القادر الجيلاني ، عن طريق إثباته للرفاعي ، والحقيقة أنّ كلاهما لا يصحّ نسبه إلى آل البيت، وهما لم يدّعيا النسب، وإنما ادّعاه المتأخّرون من أتباعهما.
    إذن فالمسألة خاصّة بالرفاعيّة ، وليست من أصول الصوفيّة المعتمد عليها. ولذلك كان الاعتماد على أقوال المتعصّبين للرفاعي ، خطأً علميًا.
    هذا فيما يخص مسألة القطبية وادعاء النسب.
    ثمّ إنّك يا أخ محمد وصفت مقال الأخ الصمداني بأنّه : مقالٌ مدعَّمٌ بالتوثيق وعزو النقول! وهذا صحيح وواضح من خلال الحواشي وأسماء المراجع الكثيرة التي لم يكن لها أي وجود في مقالك "فك الشفرة" ، ولكن هذا لا يجعل من المقال مرجعًا يحتجّ به بوجه عام في كل ما جاء به!

    وللعلم فإنني وقفتُ على مقال الأخ محمد حسين الصمداني من أربع سنوات ، وسجّلتُ ملاحظاتي على المقال، الإيجابيّة والسلبيّة، وأرسلتها للأخ الصمداني، فاتّصل بي هاتفيًّا ، وأبدى سروره برسالتي وملاحظاتي على مقاله، وكان غاية في اللطف والأدب والدماثة، وجرت بعد ذلك عدّة مراسلات بيني وبينه، وقد تقبّل نقدي بصدر رحب ، ورجع عن الأخطاء التي نبّهته عليها، وأبدى عذره في سبب وقوع ذلك منه، وهذا من إنصافه ، وأنا أثمّن له موقفه، وأعربَ عن سروره بثبوت نسب الأمير وعدم صحة ما توهّمه، وطلب مني أن أكتب بحثًا مفصّلاً في هذا الخصوص لينشره في موقعه الخاص، كي يتبيّن للقرّاء الصواب من الخطأ! ولكن يبدو أن ما يُنشر في الإنترنت يبقى ما بقيت الإنترنت!!
    وأنا لا أريد أن أذكر مؤاخذاتي على مقال الأخ الصمداني ضمن هذا الجواب ، ولكن أنا مضطر إلى الإشارة لبعضها لك حتى تتبيّن الحق.
    فمن ذلك أنه اعتمد على كتاب (سيرة الأمير عبد القادر) الذي حققه الدكتور يحيى بوعزيز ، في نسبة الأمير إلى عبد القادر الجيلاني، وهذا الكتاب عند المحققين إنما هو من وضع أحد الفرنسيين، لذلك وردت فيه أخطاء ومغالطات كثيرة، ومنها مسألة عمود النسب والانتساب للجيلاني. والأستاذ بوعزيز لا علم له بالأنساب لذلك لم يتنبّه إلى ذلك.
    وكذلك أخطأ في مسألة عمود النسب الخاص بالأمير ، والتبس عليه الأمر. ولكنني يا أخ محمد قد بيّنتُ لك تفاصيل الموضوع بدقة، فلماذا تتركها وتعود إلى كلام لآخرين وقعوا في نفس خطئك؟

    وأذكّرك بما رواه الأخ الصمداني في مقاله عن شيخ الإسلام ابن تيميّة أنه قال : ((…الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه، وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى ، وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه ، وله هذه الشهرة ، لم يمكنه ذلك ، فإنَّ هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلمآء )).انتهى
    وهل أعجبتك القصّة التي جاءت في أوّل المقال؟ :مدخل صوفي يدعي النسب أمام الحجرة النبوية
    " .. أخبرني شريفٌ حسيني بأنه توجه لحج بيت الله الحرام و زيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام ، لا حرمنا الله وسائر المسلمين من التوجه لتلك البقاع الشريفة المعظمة المطهرة المنيفة ، وصادف الحال في تلك السنة أن سافر بقصد الحج السيد محمد ... ، المدرس بكلية القرويين ، واجتمع الشريف الحسيني المغربي مع أشرقي المذكور بالمدينة المنورة بباب الحجرة النبوية ؛ فالشريف المذكور كان يتكلم مع أحدٍ بباب الحجرة الشريفة ، و أشرقي المذكور كان يتكلم مع شريف من شرفاء المدينة المنورة ، إذ قال أشرقي للشريف الذي كان يتكلم معه : " نحن شرفاء أبناء عمكم " ، و سمعه الشربف الحسيني المغربي ، الذي قال لي :" والله ما تم كلامه حتى عاقبه الله على قوله ، و مرض، و سافر من المدينة المنورة إلى هذه الحضرة ، ولا زال بها مريضاً".انتهى
    لأنني لم أجدك علّقت عليها ، وأنت الذي تنتقد قصص الصوفيّة الخرافية والباردة!
    لقد كتبتُ عشر صفحات في نقدي لبعض ما ورد في هذا المقال، ولكنني لا أرغب في نشرها كي لا يُساء فهمي، ويتحوّل ردّي عليك إلى رد على الأخ الصمداني. وإذا كنتَ حريصًا على معرفة مواضع الخلل في ذلك المقال ، فيمكن أن أرسله لك خاصّة.

    وختامًا أقول: لقد أجبتك منذ الآن على جميع اعتراضاتك أو وقفاتك ، وعالجتُ هذه المطوّلات التي أرهقتني بها ولم تُكلّف نفسك عناء التمحيص فيها، لكي تعلم أنني لن أجيب على اعتراضات من هذا القبيل مرّة أخرى، ولستُ مستعدًّا لإضاعة المزيد من الوقت في تتبع غرائبك التي تجمعها من هنا وهناك.
    أمّا إذا كانت لك استفسارات عن موضوعنا الأصلي وهو الأمير عبد القادر، أو أتيت بإثباتات حقيقيّة بخصوص التهم التي وجّهتها إليه، فلا مانع عندي من معالجتها.
    والله يعلم أنني في كل ما قلته في جوابي هذا كنت أريد به النصح لك ولجميع من يكتب وينشر، كي لا ينساق وراء كل ما يقرأه أو تقع عليه عيناه فيصدقه ويعتمد عليه دون أدنى بحث أو تمحيص أو تحقق؛ ولا أريد به الإساءة إلى أحد أو النيل من أحد ، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، وأن يجعلنا من الوقافين عند حدود الله، والراجعين عن الخطأ.
    وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وحسبي الله عليه توكلت وإليه أنيب.

    خلدون بن مكّي الحسني

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    124

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

    بارك الله فيك وجزاك الله خيراً على ما قدمت

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: تعليقات وتنبيهات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    وإنّ الأدلّة المثبِتة لنسب الأمير وأسرته من قبله لآل البيت، هي من الكثرة والقوة والشهرة التي يقلّ نظيرها في أنساب غيره. وإنّ تسلسل آبائه وتراجمهم الموجودة في كل عصر مما يعزّ وجوده عند غيره ممن ينتسبون إلى آل البيت. [/font][/center]
    بارك الله فيكم شيخنا العزيز .
    و اذكركم شيخنا الفاضل بدرة من بديع كلامكم .
    و هو قولكم
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    ..............والموضوع علمي بحت لا دخل للعواطف فيه ،
    .............وأرجو منك يا أخي أنّك إذا وجدت في كلامي أيّ شدة أن تتقبلها بصدر رحب من أخيك، فطبيعة الكتابة النقدية كما تعلم جافة ، بل إنّ الكتابة بحد ذاتها فيها جفاف إذا لم تكن تسمع أو ترى الكاتب ، .............................
    أما بالنسبة لظنكم اني أرد نسب لأمير عبدالقادر .
    فمن محمد المبارك حتى يشكك في نسب فلان أوعلان !
    فكيف بمن ينتسب الى الشجرة النبوية .
    و إنما أوردتُ ذلك المبحث ،و هو ما سطَّره الباحث الشريف محمد حسين الصمداني حتى يعلمَ القارئ أن المسألة جرى فيها البحث بشكلٍ ما ، و أن هناك من استشكل هذا الأمر بناءً على اختلاف سلسلتي نسب للأمير عبدالقادر في كل من :كتاب " تحفة الزائر في مآثر الأمير عبدالقادر وأخبار الجزائر "، و كتاب " ملتقى الأطراف " ، و أنها ليست من بنات أفكار "صاحب المقال".

    وبالنسبة لما ذكرتم من الاستشكالات فلعلها تتضح أكثر بعد انتهاء سلسلة "الإشادات" و التي لا ترونها كذلك ، مع اصراري على الإشادة بكل من استفدتُ منه وعلى رأسهم الشيخ خلدون و الذي نكنُّ له كل محبة و احترام و تقدير ، لا سيما و هو من القلَّة الباقية الذين قاموا بواجب النصح و الرد على مروجي التصوف الباطني في الديار الشامية حرسها الله ، بارك الله فيكم شيخنا الفاضل و أنجح مساعيكم .
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

  19. #19
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,203

    افتراضي رد: الإشادات الوضِيئة بالإفادات المُضِيئة .

    بارك الله فيكما ..

    قال الأخ محمد : ( فلعلها تتضح أكثر بعد انتهاء سلسلة "الإشادات" ) .

    فأقترح أن ( ينتهي ) منها ، ثم نستمع لمداخلة أو مداخلات الشيخ خلدون .. وأرجو أن لا يحرمنا من فوائده ، وهو - وإن كان سيتعب فيها - إلا أنها مما سيبقى ، وينتفع بها كثيرون من أماكن مختلفة ؛ فليحتسب ..

    وفقكم الله ..

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    946

    افتراضي رد: تعليقات وتنبيهات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خلدون مكي الحسني مشاهدة المشاركة
    وكنت فهمت من كلامه السابق أنه موضوعه هذا سيكون مشتملاً على استفسارات يريد أن يعرضها عليّ ، ولكن الذي وجدته فيها إلى الآن إنما هو اعتراضات! أي ليست إشادات ولا استفسارات!
    استاذي العزيز لا شك أن هذه الإشادات متجهةٌ في الأصل الى المنهجية العلمية و الاسلوب الرصين و الفكر المتقد ، و لا تُعطي بالحتمية نفس النتائج في جميع الجزئيات ، بل افترض بقاء حصيلة من الآراء غير المتطابقة تماماً في الموضوع .
    ثم كيف يكون هناك حوارٌ بين طرفين إذا لم يدلِّل كلُّ منهما الى ما توصَّل اليه وفق المعطيات العلمية المجرَّدة .

    أمَّا بالنسبة لأسلوب الطرح فإني أذكركم بما كنتُ أشَرتُ اليه في أول "الإشادات "
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد المبارك مشاهدة المشاركة
    [center]
    ولي حول تلكم المباحث وقفات واستفسارات ـ وان عرضتُها باسلوب التقرير فذلك من لوازم الإنشاء و أصول التحرير ـ أورِدها ـ شاء الله ـ في حلقات ، نظرا لاشتغال البال و تضايق الأوقات .
    [/size]
    صفحة الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك
    www.saaid.net/Doat/almubarak/k.htm - 24k -

صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •