ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذلك". - الصفحة 5
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 5 من 9 الأولىالأولى 123456789 الأخيرةالأخيرة
النتائج 81 إلى 100 من 173

الموضوع: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذلك".

  1. #81
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    263

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبدالرحمن بن ناصر مشاهدة المشاركة
    وجزاكم أخي الكريم
    هو قانون تحالفوا فيه على نصرة المظلوم وهذا لا يخالف الإسلام ، فالجواب جاء عاما
    مثل ما بين الحلف والقانون مثل ما بين السماوات والأرض

    القانون حكم عام مجرد ملزم. ولما كان الحكم لله وحده, فلا رب للناس يشرع لهم ويحكم بينهم ويرد إليه أمرهم إلا الله, كان التشريع المزعوم للقانون من التنديد والشرك في ربوبية الله, وكان الخضوع لتلك القوانين والتحاكم إليها من الخضوع والتحاكم للطاغوت الذي لا يصح إيمان المرأ إلا بالكفر به.

    أما الحلف فهو ليس حكما, وإنما اتفاق بين المتحالفين على القيام بأفعال لا تخالف الشرع, دون أن يتضمن ذلك التحاكم لغير الله أو الخضوع والتسليم لغير شرعه من قانون ونحوه.

    فالحلف مثلا على أن يمنع - أهل الحلف - قطع الطريق, فيقوم كل منهم بذلك حسب ما يملك من قوة واستطاعة.

    وأما القانون فهو تشريع مزعوم يرد له النزاع ويفصل به في الخصومات ويخضع الكل لسلطته وينقادون لأوامره ويقدمونه على كل رأي وقول لأنه له صفة الدستورية والفوقية والعلو على كل شيء.

    فليخف الإنسان على نفسه أن يسمي الحلف الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم قانونا فيورط نفسك في مهلكة..

    فهذه الأمور يجب أن يحسب الإنسان ألف حساب قبل أن يطلق فيها حكما أو يوصف فيها توصيفا, خاصة فيما يتعلق بجناب النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وما أقره, فإنه لا يجوز من ذلك شيء ينسب أو يتوهم فيه نسبة ما لا يليق فضلا عما يشين للنبي صلى الله عليه وسلم.

    وكثير من المعاصرين يقعون في أمور شنيعة ثم إذا أرادوا تبريرها نظروا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره, ثم يتوهموا أدنى شبه بين ذلك وبين ما يفعلون, فيقيسون أفعالهم المتضمنة للشنائع على أفعاله- حاشاه بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم.

    فلينظر كل امرأ ما قدم لنفسه وما تكتب يداه, فليس أحد منا إلا ومقبل على الله, ومحاسب على كل ما نطقت به شفتاه, والله المستعان, نسأله النجاة والفكاك من النيران.
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  2. #82
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    263

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    الأخ ( لا تغتر ), هناك فرق بين طاعة في معصية مع اعتقاد حرمة المعصية والخطأ في إتيانها, وفرق بين أن تقر المعصية, أو يقر كلام يتضمن المعصية إقرارا عاما.

    وأما القسم على الدستور فليس فقط على إقراراه بل على احترامه, وهذا الاحترام المطلق يقسم عليه فيؤكد باليمين, ثم حقيقة الدستور ليس مجرد كلام يتضمن ما يخالف الشرع, بل هو كلام ملزم للناس يعلو عليهم بأحكامه ويجب عليهم طاعته مطلقا واحترامه, وعليه يعرض كل شيء من قانون وتصرفات فيقر الموافق وينقض المخالف, فالحلال ما أحله والحرام ما حرمه, وله الحكم كل الحكم, هذه حقيقة الدستور, فهو طاغوت يتحاكم إليه ويخضع إليه ويسلّم في التشريع والتحليل والتحريم من دون الله.

    فالمسألة ليست طاعة فقط, بل طاعة مطلقة شركية, وخضوع وتسليم وتحاكم في كل شيء لذلك الدستور, وهذه الصفات التي جعلت افتراءً للدستور, هي صفات الربوبية نسبت له تشريكا وتنديدا مع الله, وارجع للفائدة لكلام العلامة الشنقيطي في صفات من تكون له الحكم في أضواء البيان في سورة الشورى, فقد أورد آيات من القرآن في صفات من تكون له الحكم وهو الله, وشنع على مدعي التشريع والربوبية من دون الله وأوصى المسلمين بمعرفة صفات من يكون له الحكم وأن لا يقبلوا تشريعا من كافر خسيس كما قال. ولعلي أنقل شيئا من كلامه فيما بعد فقد داهني الآن الوقت. وصلى الله على نبينا محمد.
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  3. #83
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    أبا فاطمة ، لديّ تساؤل ..

    جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في سبب نزول آية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ما نصه :
    عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بيهودي محمماً مجلوداً .. إلى أن قال : قلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم .
    وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح في سبب نزول هذه الآية :
    عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : أنزل الله في الطائفتين من اليهود ، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وساقاً ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق .
    ففي حلف الفضول اجتمع كفار قريش واتفقوا واصطلحوا على تحريم الظلم في مكة ، وعلى نصرة المظلوم .. وألزموا جميع من فيها به .

    جاء عند ابن كثير في البداية والنهاية في معرض حديثه عن حلف الفضول :
    فاجتمعت هاشم وزُهرة وتيم بن مُرة في دار عبد الله بن جُدعان ، فصنع لهم طعاماً ، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام ، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدةً مع المظلوم على الظالم ، حتى يؤدي إليه حقه ، ما بلَّ بحرٌ صوفة ، وما رسيَ ثبير وحراء مكانهما ، وعلى التأسي في المعاشي ، فسمَّت قريش ذلك الحلف حِلْف الفضول .
    وقال الزبير (كما في البداية والنهاية) في حِلْفِ الفضول :-
    إنَّ الفضول تعاقدوا وتحالفوا ..... ألا يُقيم ببطن مكــــة ظالمُ
    أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقــوا ..... فالجارُ والمُعْتــَرُّ فيهمُ ســالمُ

    وفي رواية الحُميدي لحديث : (( شهدت في دار عبدالله بن جدعان ..)) قال : " تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها ، وألا يعِد ظالمٌ مظلوماً " .

    يعني باختصار شديد ، تحالفوا على منع الظلم في أرض مكة .. أي حرّموا الظلم في تلك الأرض ومنعوه ..

    فسؤالي هو :

    أنت تقول :
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فاطمة الحسني
    القانون حكم عام مجرد ملزم
    تحريم حلف الفضول للظلم في مكة وإلزامهم به للناس من نفس الجنس أيضاً .. فهو حكم عام ، اجتمع عليه أهل دار ما ، وألزموا به كل من فيها ..
    ذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث : أنَّ رجلاً من خثعم قدم مكة حاجاً - أو معتمراً - ومعه ابنة له يقال لها القتول ، من أوضأ نساء العالمين ، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج ، وغيبها عنه ؛ فقال الخثعمي : من يعديني على هذا الرجل ؟ فقيل له : عليك بحلف الفضول ، فوقف عند الكعبة ونادى : يا لحلف الفضول ! فإذا هم يعنقون إليه من كلِّ جانب ؛ وقد انتضوا أسيافهم يقولون : جاءك الغوث فما لك ؟ فقال: إنَّ نبيهاً ظلمني في بنتي ، وانتزعها مني قسراً . فساروا معه حتى وقفوا على باب داره ، فخرج إليهم ، فقالوا له : أخرج الجارية ويحك ! فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه ، فقال : أفعل . ولكن متعوني بها الليلة ، فقالوا : لا ولا شَخْبُ لقحة ، فأخرجها إليهم .
    فهم ألزموا كل من كان في مكة الانقياد لما اجتمعوا عليه واتفقوا ..

    فما الفرق حينها بينه وبين القانون ؟؟

    وتقول :
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فاطمة الحسني
    أما الحلف فهو ليس حكما, وإنما اتفاق بين المتحالفين على القيام بأفعال لا تخالف الشرع, دون أن يتضمن ذلك التحاكم لغير الله أو الخضوع والتسليم لغير شرعه من قانون ونحوه.
    وهل يتضمن تحاكم المتحالفين إلى ما تحالفوا عليه ؟ .. وهل يتضمن تسليمهم لما تحالفوا عليه وتعاقدوا ؟ .. وأليس هذا هو عينه معنى القانون ؟

    وهل إن وافق هذا الحلف والاصطلاح شرع الله لم يكن قانوناً ، وإن خالفه صار قانوناً ؟

    ثم تقول :
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو فاطمة الحسني
    وأما القانون فهو تشريع مزعوم يرد له النزاع ويفصل به في الخصومات ويخضع الكل لسلطته وينقادون لأوامره ويقدمونه على كل رأي وقول لأنه له صفة الدستورية والفوقية والعلو على كل شيء.
    في حلف الفضول ردّوا النزاع إلى ما تحالفوا عليه .. وفصلوا به في خصومات القوم .. فمن عارضه ألزموه به ، ومن وافقه تركوه ونصروه .

    وكذلك كان كل أهل مكة منقادين لحكم هذا الحلف ، لذلك جاء في الرواية التي ذكرتُها : (( فقالوا له : أخرج الجارية ويحك ! فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه ، فقال : أفعل . ولكن متعوني بها الليلة ، فقالوا : لا ولا شَخْبُ لقحة ، فأخرجها إليهم ))

    فالرجل عند ذكر حلف الفضول وما تعاقد عليه شرفاء مكة ، سلّم به ولم يُعارض .. وقال لهم أفعل ، ولكن أراد الاستثناء ، ولم يستثنوه .

    فلا أدري حقيقة ما الفرق ؟

    ما الفرق بين من يُحرّم الظلم في أرضه ، وبين من يجيز الربا في أرضه بالنسبة لمسألة التشريع ؟

    لماذا الأول ليس قانوناً .. والثاني قانون ؟ .. أليس التشريع هو التحليل والتحريم ؟

    لماذا منع الحجاب قانون .. ومنع الظلم ليس قانوناً ؟

    وسؤال آخر سألته للكثيرين ولم يجبني عنه أحد ..

    هل حلف الفضول قام على مبدأ أو شريعة إسلامية أم على مبدأ أو شريعة كفرية ؟

  4. #84
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    52

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    الأخ الكبير الفاضل الحبيب أبو فاطمة الحسني بارك الله فيك وزادك علماً وزاد من أمثالك
    بالنسبة لاحترام الدستور فكلامك جيد ولكن هنا إشكال موانع التكفير : فالدستور هو مجموعة من الأحكام لا تعد ولا تحصى فهل يُلزم كل من يقسم على احترامه بكل كلمة فيه مع أن الجميع يعلم أن هؤلاء المعارضين دخلوا للمعارضة والكل يعلم أنهم لا يؤيدون ولا يقرون معظم ما فيه على الأقل ... ؟ ( ليس الكلام على الحلال والحرام ولكن على التكفير المطلق )
    الإشكال الثاني حول المتبع والمتحاكم والحاكم بالدستور لماذا لا يدخل تحت تفصيل شيخ الإسلام رحمة الله عليه حيث قال : شيخ الإسلام رحمة الله عليه : (( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين
    أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وان لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء
    و الثانى أن يكون اعتقادهم وايمانهم < بتحريم الحرام وتحليل الحلال > ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصى التى يعتقد أنها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال انما الطاعة في المعروف وقال على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية " مجموع الفتاوى ج7/ص70 ؟
    فهؤلاء الأحبار والرهبان طواغيت محللين ومحرمين ومشرعين ولكن من اتبعهم وأطاعهم ففيه تفصيل حسب كلام الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه وكذلك الدستور فهو متحاكم إليه من دون الله عزوجل ولكن فيه شبهات كثيرة أنه قد يكون أوامر سلطة وليس تشريع ديني كما عند الأحبار والرهبان فهؤلاء الأحبار والرهبان يدخلون في قوله عزوجل : (( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله )) أما الدستور فهو طاغوت نعم ولكن قد يدخل فيه شبه عديدة فهو ليس بشرع ولا دين وإنما نظام حكم فمثلاً الدستور الفلاني أحكامه تسري فقط على بقعة من الأرض وليس على كل البشرية ولهذا عندما بقولون لا يجوز الملاحقة لفعل الزنى إلا في حالة كذا وكذا لا يقصدون أنه لا يجوز ذلك في كل العالم بل المقصود عدم السماح بذلك ضمن نطاق السلطة أو الدولة المحددة فهو مرسوم ملكي أو أمر رئاسي أو أمر من صاحب السلطة ولا يعني ذلك حقيقة التشريع والتحليل والتحريم فليس بلازم لمن حكم بهذا القانون أو الأمر أن يكون يحلل الزنى أو أنه لا يرى به بأساً ، أنا لا أريد الخروج عن موضوع الشيخ عدنان البخاري الله يحفظه فهناك موضوع لي أرجو أن تشاركني فيه أخي الحسني بارك الله فيك وهو حول الفرق بين تشريع السلطة وأوامر السلطة فأنا حتى الآن لم أرى ما الفرق ... ، ولكن لنعود لموضوعنا حول المجالس فما المانع من ذكر تفصيل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى السابق ذكره فيمن يطيع أو يتبع أو يتحاكم أو يحكم بالدستور ؟ ما الفرق وما المانع مع العلم أن الدستور قد لا يصل لدرجة التشريع الديني والمذهبي كما عند الأحبار والرهبان وإن كان طاغوتاً ؟
    (.. تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)

  5. #85
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    330

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    أن الدستور قد لا يصل لدرجة التشريع الديني
    اذن مانوع التشريع الذي في الدستور؟؟؟

  6. #86
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    52

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو ممدوح مشاهدة المشاركة
    اذن مانوع التشريع الذي في الدستور؟؟؟
    الأخ أبو ممدوح بارك الله فيك : هنا الإشكال لدي ، ما الفرق بين ما يُسمى تشريع الدستور وبين الأمر بمعصية ؟ راجع الرابط أدناه غير مأمور
    http://majles.alukah.net/showthread.php?t=26179
    (.. تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)

  7. #87
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    356

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو شعيب مشاهدة المشاركة
    أبا فاطمة ، لديّ تساؤل ..
    جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في سبب نزول آية { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ما نصه :
    وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح في سبب نزول هذه الآية :
    ففي حلف الفضول اجتمع كفار قريش واتفقوا واصطلحوا على تحريم الظلم في مكة ، وعلى نصرة المظلوم .. وألزموا جميع من فيها به .
    جاء عند ابن كثير في البداية والنهاية في معرض حديثه عن حلف الفضول :
    وقال الزبير (كما في البداية والنهاية) في حِلْفِ الفضول :-
    إنَّ الفضول تعاقدوا وتحالفوا ..... ألا يُقيم ببطن مكــــة ظالمُ
    أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقــوا ..... فالجارُ والمُعْتــَرُّ فيهمُ ســالمُ
    وفي رواية الحُميدي لحديث : (( شهدت في دار عبدالله بن جدعان ..)) قال : " تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها ، وألا يعِد ظالمٌ مظلوماً " .
    يعني باختصار شديد ، تحالفوا على منع الظلم في أرض مكة .. أي حرّموا الظلم في تلك الأرض ومنعوه ..
    فسؤالي هو :
    أنت تقول :
    تحريم حلف الفضول للظلم في مكة وإلزامهم به للناس من نفس الجنس أيضاً .. فهو حكم عام ، اجتمع عليه أهل دار ما ، وألزموا به كل من فيها ..
    فهم ألزموا كل من كان في مكة الانقياد لما اجتمعوا عليه واتفقوا ..
    فما الفرق حينها بينه وبين القانون ؟؟
    وتقول :
    وهل يتضمن تحاكم المتحالفين إلى ما تحالفوا عليه ؟ .. وهل يتضمن تسليمهم لما تحالفوا عليه وتعاقدوا ؟ .. وأليس هذا هو عينه معنى القانون ؟
    وهل إن وافق هذا الحلف والاصطلاح شرع الله لم يكن قانوناً ، وإن خالفه صار قانوناً ؟
    ثم تقول :
    في حلف الفضول ردّوا النزاع إلى ما تحالفوا عليه .. وفصلوا به في خصومات القوم .. فمن عارضه ألزموه به ، ومن وافقه تركوه ونصروه .
    وكذلك كان كل أهل مكة منقادين لحكم هذا الحلف ، لذلك جاء في الرواية التي ذكرتُها : (( فقالوا له : أخرج الجارية ويحك ! فقد علمت ما نحن وما تعاقدنا عليه ، فقال : أفعل . ولكن متعوني بها الليلة ، فقالوا : لا ولا شَخْبُ لقحة ، فأخرجها إليهم ))
    فالرجل عند ذكر حلف الفضول وما تعاقد عليه شرفاء مكة ، سلّم به ولم يُعارض .. وقال لهم أفعل ، ولكن أراد الاستثناء ، ولم يستثنوه .
    فلا أدري حقيقة ما الفرق ؟
    ما الفرق بين من يُحرّم الظلم في أرضه ، وبين من يجيز الربا في أرضه بالنسبة لمسألة التشريع ؟
    لماذا الأول ليس قانوناً .. والثاني قانون ؟ .. أليس التشريع هو التحليل والتحريم ؟
    لماذا منع الحجاب قانون .. ومنع الظلم ليس قانوناً ؟
    وسؤال آخر سألته للكثيرين ولم يجبني عنه أحد ..
    هل حلف الفضول قام على مبدأ أو شريعة إسلامية أم على مبدأ أو شريعة كفرية ؟
    أخي أبا شعيب لاشك أن هذا الحلف قام على بقايا دين الخليل عليه السلام ، وقريش قبل الإسلام كانت تعلم ما يحبه الله من هذه الفضائل والأخلاق الحميدة ، عندما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق )

  8. #88
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    263

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    حول النجاشي والاستدلال على أنه لم يحكم بشريعة الله - بحث لمحمد شاكر الشريف

    في هذا الرابط:
    http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=253260

    قال الشيخ وفقه الله:

    " أخي الكريم هذا هو البحث كاملا تحت ناظريك وهو مكون من شقين:
    الأول: في الاستدلال الذي استدل به أصحابه على أن النجاشي لم يحكم بشريعة الله.
    والثاني: في بيان المآخذ على هذه الاستدلالات.

    ولعلنا نحظى منك أو من الإخوة المشاركين بتعليقاتهم المفيدة التي تثري البحث..

    الشق الأول: الاستدلال على أن النجاشي رحمه الله لم يحكم بشريعة الله:
    فالنجاشي هو"أصحمة بن ابجر النجاشي ملك الحبشة واسمه بالعربية عطية، والنجاشي لقب له، أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهاجر إليه، وكان ردءا للمسلمين نافعا وقصته مشهورة في المغازي في إحسانه إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام"[1]
    والنجاشي قد ثبت إسلامه بيقين لا شك فيه، فقد صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في اليوم الذي مات فيه، ووصفه بأنه أخ لهم وأنه رجل صالح، وهو ما يقطع بإسلامه، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرةرضي الله عنهأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا"[2]،
    ومن حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلمحين مات النجاشي : "مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا عل أخيكم أصحمة"[3]


    ووجه الاستدلال من قصة النجاشي رحمه الله تعالى أنه أسلم في أوائل البعثة عندما هاجر إليه المسلمون في العام الخامس من البعثة تقريبا، ومع ذلك ظل ملكالدولة لم تؤمن بالإسلام، وبقي في هذا المنصب حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهو لم يحكم بشريعة الله تعالى، ويدلل د/عمر الأشقر على ذلك بقوله: "الأدلة على أن النجاشي لم يحكم بشريعة الله، أما كونه لم يحكم بشريعة الله فإنه ظاهر من الحال التي كانت سائدة في دياره ومن العقبات التي كانت تعترض طريقه" ثم شرع يفصل رأيه فقال: فإنه (أي النجاشي) يقول في رسالته إلىالرسول صلى الله عليه وسلم فإني لا أملك إلا نفسي، وعندما اعترف بصدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلمبعدالمحاورة التي جرت بينه وبين جعفر بن أبي طالب...قال الخلص من أصحابه: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنا، وعندما اعترف بأن ما جاء به حق وقال: ماعدا عيسى بن مريم مما قلتَ- والخطاب لجعفر-هذا العويد فتناخرت بطارقته"،ثم ذكر الباحث المستدل أن الحبشة لما علمت بإسلامه خرجوا عليه، وأنه احتالعليهم ليسكنهم "ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن.... ثم قال لهم: فمابكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد الله ورسوله، قال :فما تقولونأنتم في عيسى؟ قالوا: نقول: هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره وقبائه: وهو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا وإنما يعني على ما كتب....فإذاكان هذا حال المجتمع الذي كان يحكمه النجاشي فلا يجوز أن يطالب بأكثر مما يطيق"[4]


    ويقول د/مشير المصري: "ومع إسلام النجاشي كان يقود نظاما يحكم بغير شريعة الله، إذ لم يكن بإمكانه تطبيقمنهج الله"[5]،
    ويقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق عن النجاشي إنه "آمن وشهد شهادة الحقفي عيسى ومحمد عليهما السلام، وبقي في ملكه الذي هو فيه، يحكم قوما من الكفار لم يطاوعوه في إيمانه ولم يدخلوا فيما دخل فيه...
    ولو كان من مستلزمات الإسلام وشرائطه وجوب التنحي والابتعاد عن مشاركة الكفار، لما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولما وصفه الرسول بعد موته بأنه رجل صالح، وأمر الصحابة رضوان الله عليهم بالصلاة عليه...

    والشاهدفي قصة النجاشي رحمه الله أنها دليل صريح من السنة على جواز تولي المسلمولاية عامة بل الولاية الكبرى في قوم من الكفار وإن بقوا على الشركوالكفر، طالما أنه يقيم الحجة عليهم ويدعوهم إلى الله وإن لميستجيبوا...ولا شك أن بقاء النجاشي في ملكه وأمره قومه بالحق، وإقامة ماأقامه من العدل فيهم خير من ترك ذلك، وهذا بحمد الله دليل صريح من السنةعلى ما نحن بصدده"[6]


    الشق الثاني: مناقشة الاحتجاج بقصة النجاشي وبيان المآخذ على هذه الاستدلالات:
    وهذا الاستدلال يمكن مناقشته بالتالي:


    ليس في فعل النجاشي رحمه الله تعالى دليل للمجيزين:
    ماتقدم من حجج الذين يرون أن النجاشي رحمه الله لم يحكم بشرع الله، ليس فيها في الحقيقة أي دليل على هذه الدعوى العريضة، فلم ينقل منهم أحد شيء محدديبين ذلك أو يدل عليه، كل ما ذكروه في الموضوع هو تصور عدم إمكانية ذلكبناء على بعض المقتطفات المبتورة من سيرته، فأحد الباحثين يقول: "أما كونه لم يحكم بشريعة الله فإنه ظاهر من الحال التي كانت سائدة في دياره، ومن العقبات التي تعترض طريق"[7]وليس هذا دليلا، بل هو مجرد تصور شخصي لا يرقي لمكانة الدليل، ولعلنا بعدأن نسرد بعض الوقائع المفصلة التي تبين لنا ظاهر الحال التي كانت سائدة فيبلاد النجاشي ينقلب الاستدلال.


    ومما ذكره مستدلا به على العقبات التي تعترض طريق النجاشي رحمه الله تعالى،قوله في رسالته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "فإني لا أملك إلا نفسي"، فإن المستدل لو أورد الكلام كاملا لظهر منه عكس ما يريد إيصاله للقارئ، فقد كتب النجاشي رحمه الله تعالى رسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا لرسالته التي أرسلها إليه يدعوه فيها إلى الإسلام، فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربالسماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا،وقرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا، وقد بايعتكوبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله باريحا بن الاصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق"[8]،فهذه الرسالة فيها الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما نزل عليه من ربه، وبالإيمان بما نزل في حق عيسى عليه السلام، وأنه اهتدى إلى الإسلام، وبايع على ذلك، وهو يعلن استعداده للهجرة وترك الملك الذي هو فيه إن شاء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم،وقد يستفاد منها أنه لم يطاوعه على الإسلام أحد، لكن ليس فيها أنه لم يحكم بشريعة الله، وبين الأمرين فرق، والقول إنه لم يحكم بشريعة الله يلزم منه أنه حكم بغيرها، لأنه ملك والملك من شأنه أن يحكم، فإما أن يحكم بشريعة الله وإما أن يحكم بغيرها.
    على أن هناك بعض الروايات التي تبين أنه أرسل للرسول صلى الله عليه وسلم ستين رجلا مع ابنه"[9]مما يدل على أن هناك من طاوعه على الإسلام، وقد جاء في مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة أن النجاشي كتب رسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها: "وها أنا أرسلت إليك ابني أريحا في ستين رجلا من أهل الحبشة وإن شئت أن آتيكبنفسي فعلت يا رسول الله فإني أشهد أن ما تقوله حق والسلام عليك يا رسولالله ورحمة الله وبركاته"[10]، وأيا ما كان الأمر فليس يظهر من قوله: "فإني لا أملك إلا نفسي أنه لم يحكم بشريعة الله، ومن قبله قال موسى عليه السلام: "رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين"فهل في هذا ما يدل على أن موسى لم يكن يحكم في اليهود بشرع الله تعالى؟
    .
    ومما أورده المحتج في بيان العقبات التي كانت تعترض النجاشي وتحول بينه وبين الحكم بالشريعة قوله: "وعندما اعترف بصدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلمبعدالمحاورة التي جرت بينه وبين جعفر بن أبي طالب...قال الخلص من أصحابه: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنا، وعندما اعترف بأن ما جاء به حق وقال: ماعدا عيسى بن مريم مما قلت-والخطاب لجعفر-هذا العويد فتناخرت بطارقته"وهذا القدر يبين وجود معارضين لإيمان النجاشي، لكن هل ردته معارضتهم هذهعن إعلان التمسك بالحق؟ لو أورد المحتج الرواية كاملة بدلا من هذه المقتطفات لتبين ثبات النجاشي وعدم تضعضعه أمام هؤلاء المعارضين، مما يبينأن معارضتهم له لم تكن لتحول بينه وبين العمل بما علمه من الحق وأُمر به،ففي الرواية المذكورة لما قال لجعفر: "ماتقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر: نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فدَلَّى النجاشي يده إلى الأرضفأخذ عودا بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلتَ هذا العُويد،فتناخرت بطارقته فقال: وإن تناخرتم والله ! اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض - الشيوم الآمنون- ومن سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثلاثا ما أحب أنلي دبرا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسانهم الذهب-فوالله ما أخذ اللهمني الرشوة حين رد عليَّ ملكي، ولا أطاع الناس فيَّ فأطيع الناس فيه"[11]
    فالنجاشي رحمه الله لم يهتز أمام تناخرهم، بل تحداهم بقوله: وإن تناخرتم والله، ثمأمَّن الصحابة ووضع على من سبهم عقوبة وهي الغرامة، وبين أنه لا يخافالناس ولا يطيعهم في الله تعالى، أفمن كان هذا حاله يجوز أن ينسب إليه–بغير بينه-أنه ترك بعض ما أمر به طاعة للناس أو خوفا من نقمتهم، وفي الرواية الأخرى في هذه القصة: "(لما قال جعفر رضي الله تعالى عنه) وأما عيسى بن مريم فعبد الله ورسوله وكلمتهألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول، فأخذ (أي النجاشي رحمهالله) عودا وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود، فقالعظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك، فقال: والله لا أقول فيعيسى غير هذا أبدا، وما أطاع الله الناس فيَّ حين رد علي ملكي، فأطع الناسفي دين الله، معاذ الله من ذلك"[12]،فلم يأبه بما قاله له عظماء الحبشة من خلع الحبشة له، وما رده ذلك عنالتمسك بالحق وإعلانه، بل أقسم بالله أنه لا يقول في عيسى غير مقالته الأولى أبدا.
    ومما جرى مجرى الروايات المتقدمة ما ورد في محاولة رسل قريش (عمرو بن العاص ومن معه) أن يوقعوا بين النجاشي وبين المسلمين فقال عمرو: "فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال: فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه ؟ قال (جعفر) نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول،التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد.

    قال فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله مايزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلموأنهالذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضِّئُه"[13]،ففي هذه الرواية يواجه النجاشي الحبشة والقسيسين والرهبان ويجهر بالاعتقاد الصحيح في عيسى، ويشهد أن محمدا رسول الله وأنه الذي يجد في الإنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم.
    وقد حمى النجاشي المسلمين ودافع عنهم فجعل من ملكه ملاذا وحماية لهم، فمنع من أذيتهم وجعل عقوبة على من فعل ذلك، فقال لهم بعدما سمع قولهم في عيسى بن مريم عليه السلام: "أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم ! فنادى مناد: من آذى أحدا منهم فاغرموه أربعة دراهم، ثم قال: أيكفيكم ؟ قلنا: لا، فأضعفها"[14].


    ومما أورده المحتج مستدلا على العقبات التي تعترض النجاشي ما ذكر ه من أن الحبشة لما علمت بإسلامه خرجوا عليه، وأنه احتال عليهم ليسكنهم، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عبده ورسوله ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن.... ثم قال لهم: فما بكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد الله ورسوله، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول: هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره وقبائه: وهو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب "فإن ظاهر هذا يتعارض مع ما تقدم ذكره من الروايات التي تبين تصريحه بإيمانه أمام القسيسين والرهبان والجهر بعقيدته في عيسى عليه السلام، وعدم اعتداده بمن يعارضه في ذلك، والقصة مع ذلك ليس فيها أنه تكلم بالباطل، غاية ما فيها أنه احتال في كلمة الحق بحيث لا يتغلبون عليه، وهذا من المعاريض، ومثل هذا مما يجوز في شرعنا


    التحقيق في نسبة عدم الحكم بما أنزل الله تعالى للنجاشي:
    ونحن هنا نود أن نشير إلى بعض الأمور المهمة التي تعين بفضل الله على تحقيق هذه المسألة:
    1- أن النجاشي رحمه الله عبد صالح صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد له بحسن الخاتمة واستغفر له، فلا ينبغي لأحد أن ينسب إليه شيئا يغض من منزلته بالظن والحدس، ليسوغ لنفسه موقفا قد اختاره في المسألة المعروضة .
    2-أن الوارد إلينا من إيمان النجاشي رحمه الله والأحداث التي وقعت معه لايتجاوز هذا الذي نقلناه، ولا يخرج عن معناه، مما يجعل الجزم بشيء من هذه الأمور الخارجة عما تقدم، من غير دلالة واضحة تبرأ بها العهدة نوعا من التهور في الأحكام غير محمود
    3- أن النجاشي رحمه الله تعالى قد اختُلف في زمن إسلامه فمن أهل العلم من يرى أن ذلك بعد البعثة وقبل الهجرة إلى المدينة، أي مع هجرة المسلمين إلى الحبشةفي حدود السنة الخامسة من البعثة، ومنهم من يرى أن إسلامه قد تأخر إلى قرابة العام السادس من بعد الهجرة النبوية إلى المدينة ، ولسنا الآن في مقام الانتصار لأحد الرأيين، لأن البحث لا يتوقف على ذلك، لكن الوارد في الروايات يدل على صلابة الرجل في دينه، وأنه جاهر بعقيدته ولم يرده عن ذلك مخالفة المخالفين له من أركان دولته، فصرح بما يراه حقا، ووفر ملاذا آمنا للصحابة المهاجرين، ولم يسمح لأحد بالنيل منهم أو إيذائهم، بل جعل غرامة على من يؤذيهم، وهذه المواقف الثابتة الجريئة من الرجل تقود الباحث إلى التريث وعدم التسرع في القول بأنه لم يحكم بشريعة الله.
    4- من المعلوم أن الفترة المكية لم تنزل فيها حدود، بل لم تمنع فيها محرمات كثيرة، كأكل الربا، وشرب الخمر، وزواج المسلمة من الكافر، ونحو ذلك، وبعض العبادات لم تشرع إلا في المدينة كصيام رمضان، واستقبال البيت الحرام فيالصلاة، والقتال في سبيل الله، وبعضها تأخر جدا كحج البيت، وأن كثيرا من التشريعات لم تنزل إلا في المدينة وفي فترة متأخرة، ومعلوم أن النجاشي رحمه الله تعالى قد توفي قبل اكتمال الدين وتمامه على الصورة التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، قال ابن حجر: "وإنما وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل سنة ثمان قبل فتح مكة كما ذكره البيهقي في دلائل النبوة، وقد استشكل كونه لميترجم (أي البخاري صاحب الصحيح) بإسلامه وهذا موضعه وترجم بموته، وإنما مات بعد ذلك (أي بعد إسلامه) بزمن طويل، والجواب أنه لما لم يثبت عنده القصة الواردة في صفة إسلامه، وثبت عنده الحديث الدال على إسلامه وهو صريح في موته ترجم به ليستفاد من الصلاة عليه أنه كان قد اسلم"[15]،
    وقد علق ابن حجر في موضع آخر على كلام البيهقي في سنة وفاه النجاشي فقال: "وفي الدلائل للبيهقي أنه مات قبل الفتح" فعلق على ذلك بقوله: "وهو أشبه"[16]، وقال ابن كثير: "والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير، فإن في صحيح مسلم أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق كتب إلى النجاشي وليس هو بالمسلم"[17]، وهو ما يدل دلالة واضحة على موته رحمه الله قبل إكمال الدين، فإن قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"قد نزل قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بشهور قلائل قال ابن جرير: "وكان ذلك في يوم عرفة، عام حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوَدَاع،..وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة"[18]،
    وعلى ذلك نقول: من الذي يملك الجزم بالتشريعات والحدود التي نزلت في حياة النجاشي حتى يمكنه أن يقول: إنه قد منعه العجز عن تطبيقها؟، ومن الذي يستطيع أن يثبت أن هذه التشريعات-بفرض نزولها- قد بلغته؟ ، وقد دل الدليل الصحيح على أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة كانت تمر عليهم مدة من الزمن قبل أن يبلغهم ما نزل من الدين، بل وربما لم يعلموا به إلا عند عودتهم من الهجرة، فعن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنا بمكة قبل أن نأتي أرض الحبشة فلما قدمنا من أرض الحبشة أتيناه فسلمنا عليه فلم يرد فأخذني ما قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة فسألته فقال إن الله عز وجل يحدث في أمره ما يشاء وإنه قد أحدث من أمره أنلا نتكلم في الصلاة[19].
    فالقائل: إن النجاشي رحمه الله لم يحكم بشرع الله، يلزمه أن يبين ما التشريع الذي فُرض على المسلمين وبلغ النجاشي ولم يعمل به لسبب أو لآخر، ولا يجوز أن ننسب لمثله أنه لم يحكم بما وجب عليه من دين الله تعالى بدون خبر ولارواية، ولكن بمجرد الاستنباط العقلي.


    5- أن الرسول صلى الله عليه وسلم في أول دعوته لم يكن يطلب من الناس أكثر من التوحيد وبعض مكارم الأخلاق، بل كان يأمر بعض من يأتي إليه في مكة مؤمنا أن يكتم إيمانه والرجوع إلى أهله، وأن يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رآه قد ظهر وغلب من خالفه، وحديث إسلام عمرو بن عبسة دال على ذلك ففيه أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: "إني متبعك، قال: « إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني ». قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة،حتى قدم على نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعواذلك، فقدمت المدينة فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني قال: « نعم أنت الذى لقيتنى بمكة ».... الحديث[20]
    وهذا أبو ذر رحمه الله تعالى لما دخل على رسول الله في مكة وأسلم قال: " فأسلمت مكاني، قال: فقال لي: «يا أبا ذر ، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل» قال: فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم... الحديث[21]فأما عمرو رضي الله تعالى عنه فقد قبل الرخصة وأسر إيمانه، وأما أبو ذر رضي الله تعالى عنه فأبى إلا الجهر بكلمة الحق وإن ناله ما ناله، وليس فيفعل واحد منهما تقصير، فما الذي يمنع أن يكون حكم النجاشي في ذلك كحكمهما؟
    6- من المعروف أن جعفر لم يكن آتيا ليبلغ النجاشي رحمه الله الدعوة ويدعوه إلى الإسلام، وإنما كان مهاجرا بدينه هو ومن معه من أذى قريش، والنجاشي وإن كان سمع من جعفر رضي الله تعالى عنه وصدقه فيما قال في حق عيسى عليه السلام، فما سمعه إلا لشكاية رسل قريش المسلمين ومحاولة الوقيعة بين النجاشي وبينهم، لكنه رحمه الله تعالى لم تكن جاءته رسالة من الرسول تطلب منه الإيمان ومتابعة الرسول فيما جاء به من ربه.
    و الرسول صلى الله عليه وسلم لم يراسل الملوك والرؤساء ويطلب منهم الإيمان إلا في النصف الثاني من الفترة المدنية، فمن أين يؤخذ أن النجاشي كان مكلفا بالحكم بالشريعة حتى يقال: إنه لم يحكم بها لعدم قدرته، وقد روت كتب السيرة الرسالة التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم للنجاشي فعن محمد بن إسحاق قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه كتابا: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرةالطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفر ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرهم ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على مناتبع الهدى"[22].
    فعلى هذا يكون النجاشي رحمه الله قد أسلم مع قدوم جعفر رضي الله عنه وحدوث المحاورة بينهما التي تقدم الحديث عنها ، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يرسل إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام إلا عندما خرج بالدعوة خارج الجزيرة العربية وبدأ يراسل الملوك ويدعوهم إلى الله، وكان ذلك مع عمرو بن أمية الضمري، وقد كان ذلك سنة سبع من الهجرة على المشهور من أقوال أهل العلم، قال الصفدي: " أرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي واسمه اصحمه ومعناه عطية، فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه على عينيه ونزل عن سريره وجلس على الأرض، وأسلم وحسن إسلامه، إلا أن إسلامه كان عند حضور جعفر ابن أبي طالب وأصحابه"[23]وقال ابن سعد: " فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى المدينة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، وبعث به مع عمرو بن أميةالضمري، فلما قرئ عليه الكتاب أسلم، وقال لو قدرت أن آتيه لأتيته"[24]،وقال النووي:"أرسل صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشى، فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، ثم أسلم حين حضره جعفر بن أبى طالب وحسن إسلامه"[25]،
    ثم إن النجاشي رحمه الله أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم . سلام عليك يا نبي الله ورحمته وبركاته الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد فقد أتاني كتابك فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما قلت ثفروقا[26]وإنه كما قلت، ولقد عرفنا ما بعثت به إلينا ولقد قربنا ابن عمك وأصحابه،وأشهد أنك رسول الله صادقا مصدوقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وبعثت إليه بابني أرمى بن الأصحم، فإني لا أملك إلانفسي وإن شئت أن آتيك يا رسول الله فعلت، فإني أشهد أن ما تقوله حق والسلام عليك يا رسول الله "[27]
    7- من المعلوم أيضا أنه ليس في فعل أحد دون الرسول صلى الله عليه وسلم حجة، والحجة إنما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في فعل النجاشي رحمه الله تعالى أو قوله حجة إلا أن يثبت أن النجاشي لم يحكم بالشريعة، وأن ذلك قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقره ولم يعترض عليه.
    8- العبد لا يكون مكلفا إلا ببلوغ العلم له أو إمكانية بلوغ العلم، أما إذا لم يبلغه أو لم يكن ممكنا بلوغ العلم له، فإنه لا يكون مكلفا بما لم يبلغه أو بما لا يمكن بلوغه، يقول ابن تيمية: "يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، والحجة على عباده إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه، كانذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه، كالمجنون مثلا، وهذه أوقات الفترات"[28]،
    والقول: إن النجاشي رحمه الله تعالى كان مكلفا بالحكم بالشريعة لكنه لم يحكم بها لعجزه عن ذلك، فرع عن إثبات بلوغ العلم للنجاشي بتلك الأحكام، أوإمكانية بلوغها له، فليبين لنا أصحاب هذه الدعوى ما الأحكام التي تنزلت في تلك الأزمنة، وأنها بلغت النجاشي أو أمكن بلوغها له، ثم لم يحكم بها.
    9- أن كثيرا من الأحكام التي نزلت في المدينة كانت مقررة عند أهل الكتاب، فيما أنزل الله في كتبه السابقة، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "كثير من شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن"[29]،وأهل الكتاب مأمورون في الحكم بينهم بما أنزل الله في كتبه لهم، والحكم فيهم بذلك لا يمثل لهم خروجا عن الدين، فحكم النجاشي رحمه الله تعالى بينهم بشريعة القرآن التي توافق ما في كتابهم لا يكون مستغربا منه، قال الله تعالى: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهوكفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، فكل هذه الحدود موجودة في التوراة، وهم مأمورون بالحكم بها، ثم قال الله تعالى: "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"،وقد ثبت في الحديث المخرج في الصحيحين أن حد الرجم للزاني والزانية موجود في التوراة، فعنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ–صلى الله عليه وسلم - بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعا فقال لهم: «ماتجدون فى كتابكم»، قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية، قال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأُتِيَ بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له ابن سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم تحت يده، فأَمر بهما رسول الله–صلى الله عليه وسلم - فرجما، قال ابن عمر: فرجما عند البلاط، فرأيت اليهودي أجنأ عليها"[30]زاد مسلم في صحيحه" اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه "[31]،فأهل الكتاب اليهود والنصارى مأمورون في الحكم فيما بينهم بما أنزل الله على رسله في التوراة والإنجيل، والنجاشي رحمه الله تعالى قبل أن يسلم كان نصرانيا متبعا للإنجيل، فليس غريبا أن يحكم النجاشي بعد إسلامه بين قومه بحكم القرآن فيما لم يظهر مخالفته لحكم التوراة والإنجيل، فيكون هو حاكما بما أنزل الله ولا يتفطن النصارى لذلك، لموافقته لما عندهم ، وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن النجاشي كان حاكما عادلا، فقال لأصحابه حاثا لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه"[32]، ولا يكون بهذه المثابة وهو يحكم بغير ما يجد في كتاب الله التوراة والإنجيل المأمور باتباعه.
    وأما ما خالفت فيه التوراة والإنجيل حكم القرآن فهذا نعرض له في الفقرة التالية.

    10- سورة المائدة من السور المدنية، وقد تأخر نزولها جدا حتى كانت من أواخر ما نزل، فعن جبير بن نفير قال: "حججت فدخلت على عائشة, فقالت لي: يا جبير, تقرأ المائدة ؟ فقلت: نعم، فقالت: "أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه،وما وجدتم فيها من حرام فحرموه"[33]،وقال القرطبي: "وهي مدنية بإجماع، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلممن الحديبية... ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما أنزل عام الفتح"[34]، والمقصود بيان تأخر نزول السورة التي اشتملت على ذكر أحكام كثير من الحدود
    ومما جاء في هذه السورة قوله تعالى: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، والآية فيها تخيير للرسول صلى الله عليه وسلمفي الحكم بين أهل الكتاب أو في الإعراض عنهم وترك الحكم بينهم لعلمائهم ورؤسائهم، فحتى هذا الوقت من الزمن وهو بعد زمن موت النجاشي رحمه الله قطعا كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يترك الحكم بين أهل الكتاب الذين هم في دولته لعلماء أهل الكتاب ورؤسائهم، ما يبين أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم ملزما بالحكم بينهم بما نزل عليه من الأحكام الشرعية التي تخالف ما عندهم، بل كان مخيرا-إذا أتوه ليحكم بينهم-في أن يحكم بينهم بما أنزل الله إليه أو يعرض عنهم.
    فمادام الأمر كذلك، فلماذا لا يقال: إن النجاشي رحمه الله كان يُعرض عن النصارى الذين هم أهل دولته، و يترك الحكم بينهم في المسائل التي يختلف حكمها عندهم عما بلغه من الشريعة، إلى قادتهم وعلمائهم ليحكموا فيها بشريعتهم؟، لا شك إن هذا القول أولى وأسلم من الزعم أنه لم يكن يحكم بالشريعة، لاسيما أن القول بالإعراض عنهم هو ما دلت عليه الآية، وهو في الوقت نفسه قابل للتطبيق من دون أية مشاكل أو عوائق، ثم ما دام أن الإعراض عن الحكم بينهم حكم شرعي، فإنه في تفويضه لهم ذلك يكون حاكما بالشريعة، ولا شك أن هذا هو الأليق بعبد زكاه الرسول ومدحه وصلى عليه واستغفر له بعد موته.
    وهذاالتخيير الوارد في الآية قال به جماعة المفسرين، وليس من خلاف بينهم إلا في ديمومة ذلك الحكم، هل نسخ أم لا زال باقيا؟، وهاهي بعض أقوال هؤلاء العلماء:
    قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "فاحكم بينهم إن شئت بالحقِّ الذي جعله الله حُكمًا له ... أو أعرض عنهم فدع الحكم بينهم إن شئت، والخيار إليك في ذلك"[35]ثم قال: " ثم اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو ثابت اليوم؟ وهل للحكام من الخيار في الحكم والنظر بين أهل الذمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثلُ الذي جعَل لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟
    فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم، لم ينسخه شيء، وللحكام من الخيار في كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعَله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم" ثم شرع ينقل أقوال أصحاب هذا الرأي فعن إبراهيم والشعبي: إنْ رفع إليك أحد من المشركين في قَضَاءٍ، فإن شئت فاحكم بينهم بما أنزل الله، وإن شئت أعرضت عنهم، وعن الشعبي وإبراهيم قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك، فاحكم بينهم أو أعرضعنهم. وإن حكمت فاحكم بحكم المسلمين، ولا تعدُهُ إلى غيره، وعن عطاء قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم، وعن الشعبي قال: إذا أتاك أهل الكتاب بينهم أمر، فاحكم بينهم بحكم المسلمين، أو خَلِّ عنهم وأهلَ دينهم يحكمون فيهم، إلا في سرقة أو قتل، وعن ابن جريج قال: قال لي عطاء: نحن مخيَّرون، إن شئنا حكمنا بين أهل الكتاب، وإن شئنا أعرضنا فلم نحكم بينهم. وإن حكمنا بينهم حكمنا بحكمنا بيننا، أو نتركهم وحكمهم بينهم،قال ابن جريج: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيب. وذلك قوله:" فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وعن إبراهيم والشعبي في قوله:" فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، قالا: إذا جاءوا إلى حاكم المسلمين، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. وإن حكم بينهم، حكم بينهم بما في كتاب الله، وعن قتادة قوله: "فإن جاءوك فاحكم بينهم"، يقول: إن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له في ذلك رُخْصة، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.
    ثمقال: وقال آخرون: بل التخيير منسوخٌ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة أن يحكُم بينهم بالحق، وليس له ترك النظر بينهم، وشرع يذكر من قال بذلك فعن عكرمة والحسن البصري" فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، نسخت بقوله:( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ ، و عن مجاهد: لم ينسخ من"المائدة" إلا هاتان الآيتان:"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، نسختها:( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلاتَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [سورة المائدة: 49]،وقوله:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ ) [سورة المائدة: 2]، نسختها:( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) [سورة التوبة: 5]. وعن قتادة قوله:"فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، يعني اليهود، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم، ورخَّص له أن يُعْرض عنهم إن شاء، ثم أنزل الله تعالى ذكره الآية التي بعدها:( وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ) إلى قوله:( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [سورة المائدة: 48]. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلمأن يحكم بينهم بما أنزل الله بعد ما رخَّص له، إن شاء، أن يُعْرض عنهم، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عديّ بن عديّ:"إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم"، وعن عكرمة قال: نسخت بقوله:( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ ) [سورة المائدة: 48]. عن الزهري قوله:"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم"، قال: مضت السنة أن يُرَدُّوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهلِ دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حدٍّ، يحكم بينهم فيه بكتاب الله، عن السدي قال: لما نزلت:"فاحكم بينهم أوأعرض عنهم"، كان النبي صلى الله عليه وسلم : إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخها فقال:( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ )، وكان مجبورًا على أن يحكم بينهم.


    قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله من ذلك في هذه الآية صلى الله عليه وسلم"[36].


    أقول: وبغض النظر عن تبيان الصواب من القولين في ذلك، فإن بحثنا ليس بحاجة للفصل فيه، ويكفينا أن نعلم أن هذا التخيير كان سائدا في حياة النجاشي رحمه الله تعالى، ما يبين أنه لا ينبغي لأحد أن يزعم أن النجاشي رحمه الله تعالى: كان لا يحكم بالشريعة.
    ويمكننا أن نقول باختصار: إن النجاشي رحمه الله تعالى أظهر الإسلام والموافقة على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما قاله الصحابة في حضرته، ولم يبال بمخالفة حاشيته، ولم يكن ينقاد لأحد منهم ، وكان يعمل بما بلغه من أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما ما لم يبلغه فهو معذور فيه، ولم تكن شرائع الدين قد اكتملت، وهو قد مات رحمه الله تعالى قبل أن تكتمل، فقد أدى ما وجب عليه من العمل بما بلغه من الشرع حتى لقي ربه، وما خالف ذلك من الأقوال فلا دليل عليه.
    توجيه كلام ابن تيمية في قصة النجاشي رحمه الله تعالى:
    لكن قد يشكل على ذلك الكلام مع وضوحه واستقامته، كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قصة النجاشي حيث يقول: "وكذلك الكفار من بلغه دعوة النبي في دار الكفر وعلم أنه رسول الله، فآمن به وآمنب ما أنزل عليه واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع الإسلام، لكونه ممنوعا من الهجرة وممنوعا من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام، فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارا ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: "ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا".


    وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلى عليه، فصلى عليه النبي بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: إن أخا لكم صالحا من أهل الحبشة مات، وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روى أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدى الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم، وفى الديات بالعدل، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع النفس بالنفس والعين بالعين وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فان قومه لايقرونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما وفى نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسا ألا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل إنه سم على ذلك، فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وان كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها"[37] .


    وهذا النقل المطول عن ابن تيمية يظهر منه عدة أمور:
    1- فمن ذلك أن ما قاله ابن تيمية هو من باب الرأي والاستنتاج وليس من باب النقل والخبر، وإلا فالمنقول كما تقدم لا يظهر منه ضعف النجاشي وعجزه، بل المنقول يُظهر عكس ذلك، على ما تقدم تقريره وبيانه.
    2- ومن ذلك أن النجاشي بلغته الدعوة وهو في دار الكفر على هذه الحالة من الملك، فآمن وصدق، ولم يكن هو الذي بحث عن الملك بعد إسلامه.
    3- ومن ذلك أن كلام ابن تيمية يدور على عجز النجاشي وعدم قدرته، فقدكان-كما يرى-عاجزا عن إظهار الدين وعن الحكم بالشريعة، ومظاهر عجزه فيأمور ثلاثة:
    الأول: فقد كان ممنوعا من الهجرة،
    والثاني: فقد كان ممنوعا من إظهار دينه،
    والثالث: ليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام، والعاجز عجزا حقيقيا معذور لا يلام على ترك ما عجز عنه، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها.

    4- ومنذلك أن كلام ابن تيمية لا يفهم منه أن النجاشي كان يحكم بغير ما أنزل الله، بل أقصى ما قرره من ذلك هو أنه لم يلتزم من شرائع الإسلام ما لا يقدر على التزامه، وعندما تكلم تحديدا عن الأحكام قال: بل كان يحكم بالأحكام التي يمكنه الحكم بها.
    لكن قول ابن تيمية: إن النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، هو معارض بأن الأحكام التي مثل بها هي مما تقررت في التوراة، كرجم الزاني المحصن والتسوية في الدماء ونحو ذلك، فالحكم بها كما هو حكم بالقرآن هو حكم بالتوراة، وحينئذ فالنجاشي رحمه الله تعالى يمكنه الحكم بذلك من غير اعتراض من قومه، لأنه لم يحكم-عندهم-إلا بالتوراة التي يؤمنون بها، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما أقام حد الرجم على الزانيين اليهوديين: اللهم إني أول من أحيا أمرك بعد إذ أماتوه.
    وما ذكره رحمه الله بقوله: "وكثيرمن شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولمي جاهد ولا حج البيت، بل قد روى أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدى الزكاة الشرعية لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم"،فهذه تحتاج إلى مراجعة وتدقيق، فقوله: قد روي ..ألخ، كلام ذكره الشيخ بصيغة التضعيف ولم يجزم به، ولم ينقله عن أحد ممن سبقه من أهل العلم ، وهوفي الوقت نفسه معارض بكلام لشيخ الإسلام نفسه ينقل فيه عمن سبقه من أن النجاشي كان يصلي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد ذكر عن عطاء و قتادة أن النجاشي كان يصلي إلى بيت المقدس، إلى أن مات وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعددة، فلما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقي في أنفس الناس لأنه كان يصلي إلى غير الكعبة، حتى أنزل الله هذه الآية، و هذا و الله أعلم بأنه قد كان بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلمي صلي إلى بيت المقدس فصلى إليه، ولهذا لم يصل إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى، ثم لم يبلغه خبر النسخ لبعد البلاد، فعذر بها كما عذر أهل قباء وغيرهم، فإن القبلة لما حولت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين، و من كان بأرض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر و أصحابه، و من كان قد أسلم ممن هو بعيد عن المدينة إلى مدة طويلة أو قصيرة"[38]ثم إن هذه العبادات المذكورة من الممكن الإسرار بأدائها إذا أراد المرء أن يؤديها من غير اطلاع أحد على ذلك، وأما كونه لم يحج فإن أهل العلم اختلفوا في زمن فرض الحج، فمنهم من يراه فرض سنة خمس أو ست ومنهم من يراه فرض سنة ثمان أو تسع، وهل هو واجب على الفور أم على التراخي، و الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج في الإسلام إلا حجة الوداع في السنة العاشرة، وأما الهجرة والجهاد فتحتاج إلى إثبات وجوب ذلك عليه رحمه الله، فإذا كان المسلمون قد هاجرواإليه فرارا بدينهم ومكثوا عنده إلى زمان فتح خيبر، فكيف يؤمر هو بالهجرة،وأما الجهاد فهو فرض كفاية.
    ومع كل ما تقدم فإن هناك من أهل العلم من ينقل عن حال النجاشي مع قومه ما يخالف استنباط ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد ذكر ابن سيد الناس في حكاية قيام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه بتبليغ رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جيفر وعبد ابني الجلندى الأزديين ملكي عمان، قال عمرو: "فسألني (عبد بن الجلندى): أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان اتبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة فيرجل أفضح له من كذب، قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا.
    ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا والله ولو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال لهيناق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه، ما أصنع به؟ والله لو لا الضن بملكي لصنعت كما صنع"[39]، فهو يبين إقرار قومه له واتباعهم إياه وهو يعارض مقولة العجز عن تحكيم الشريعة.


    ومن كل ما تقدم ذكره وإيراده يتبين أن قصة النجاشي رحمه الله تعالى لا تصلح مستندا لتولي الوزارة في حكومة لا تجعل شريعة الله هي الحاكمة.


    [1]الإصابة في معرفة الصحابة

    [2]أخرجه البخاري كتاب الجنائز رقم 1245

    [3]أخرجه البخاري كتاب المناقب رقم 3877

    [4]حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية د/عمر الأشقرص73-76، وانظر أيضا مشاركة الحركة الإسلاميةالمعاص رة في الحكم للشيخ فيصل مولوي

    [5]المشاركة في الحياة السياسية د/مشير المصري ص256

    [6]انظرمشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية وقبول الولايات العامة في ظلالأنظمة المعاصرة، للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وقد ذكر الشيخ ذلك الكلامتحت عنوان: حكم قبول الولايات العامة في ظل الدول الكافرة

    [7]حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية د/ عمر بن سليمان الأشقر ص73

    [8]دلائل النبوة للبيهقي 2/309-310، السيرة النبوية لابن كثير 2/43، البداية والنهاية 3/105

    [9]تاريخ الطبري 2/132، تاريخ ابن خلدون 2/37، وكذلك أسد الغابة

    [10]مجموعة الوثائق السياسية د/ محمد حميد الله الحيدر آبادي ص34

    [11]السيرة النبوية لابن كثير 2/22، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(2/27): " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير(ابن) إسحق وقد صرح بالسماع"وصحيح السيرة للألباني ص 176، والشيوم قد وردت في بعض المصادر السيوموالكلمة ليست عربية، فالله أعلم أي ذلك هو الصواب، العويد: تصغير عود،والنخير صوت الأنف، نخر الإنسان والحمار والفرس بأنفه ينخِر وينخُر نخيرامد الصوت والنفس في خياشيمه

    [12]دلائل النبوة 1/104 قال البيهقي: "وقوله: لتخلعنك أي لتعزلنك عن الملك"البداية والنهاية 3/73، الخصائص الكبرى للسيوطي ص245، السيرة النبوية لابن كثير 2/19، صحيح السيرة للألباني ص 173

    [13]أخرجه أحمد في المسند رقم4168،عيون الأثر 1/150، البداية والنهاية لابن كثير3 /88 وقال: وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن،وأخرجهالبيه قي في دلائل النبوة نحوه وقال هذا إسناد صحيح، وساقه الألباني فيصحيح السيرة ص164-166 وقال: وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن

    [14]البداية والنهاية3/91 أوردها ابن كثير نقلا عن تاريخ الحافظ ابن عساكر، وقال الحافظ ابن عساكر: حسن غريب

    [15]فتح الباري

    [16]فتح الباري

    [17]البداية والنهاية 4/316

    [18]تفسير ابن جرير9/815 طبع مؤسسة الرسالة

    [19]أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم واللفظ لأحمد

    [20]أخرجه مسلم وغيره

    [21]أخرجه البخاري

    [22]تاريخ ابن جرير الطبري 2/294 والسيرة النبوية لابن كثير2/42

    [23]الوافي بالوفيات

    [24]الطبقات الكبرى لابن سعد 1/208

    [25]تهذيب الأسماء واللغات

    [26]الثفروق: قال ابن القيم: وَالثّفْرُوقُ عِلَاقَةٌ مَا بَيْنَ النّوَاةِ وَالْقِشْرِ

    [27]تاريخ ابن جرير الطبري2/294 وأسد الغابةفيترجمة أرمي ابن أصحمة، والسيرة النبوية لابن كثير2/42

    [28]مجموع الفتاوى 20/48-61

    [29]مجموع فتاوى ابن تيمية 16/44

    [30]أخرجه البخاري كتاب الحدود رقم 6320

    [31]أخرجه مسلم كتاب الحدود رقم3212

    [32]سيرة ابن هشام 1/321، السيرة النبوية لابن كثير 2/4

    [33]أخرجهعبد الرزاق في المصنف 7/ 172، وأخرجه أحمد رقم وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، والحاكم في المستدرك تفسير سورةالمائدة 2/340 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقهالذهبي

    [34]تفسير القرطبي 6/31

    [35]مجمع البيان في تأويل القرآن تفسير ابن جرير الطبري3/326

    [36]تفسير ابن جرير 10/325-333

    [37]مجموع الفتاوى 19/217-219

    [38]شرح العمدة لابن تيمية 4/548

    [39]عيون الأثر 2/335 ،الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي 2/317، وزاد المعاد 3/605
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  9. #89
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    711

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبدالرحمن بن ناصر مشاهدة المشاركة
    أخي أبا شعيب لاشك أن هذا الحلف قام على بقايا دين الخليل عليه السلام ، وقريش قبل الإسلام كانت تعلم ما يحبه الله من هذه الفضائل والأخلاق الحميدة ، عندما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق )
    ولماذا لا نقول إنه قد وافق الفطرة ؟ .. حيث إن جميع الأمم تبغض الظلم وتعده مشيناً .. لذلك تتباهى الدول بـ "العدل" و "رد الحقوق إلى أصحابها" ، وإن كانت علمانية ملحدة لا دين لها .. لأن هذه المسائل مركوزة في الفطر .

    والله أعلم .

  10. #90
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    465

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    الموضوع دسم ومليء بالفائدة..ولا بد فيه من مزيد عناية وقراءة للنصوص المنقولة مع الاعتناء بتطبقها على الواقع،
    ولي كلمة حول البرلمانات -وهي بحق أمر محير- فعلى سبيل المثال الاخوة في الكويت استطاعوا أن يحققوا منجزات كثيرة ومهمة،
    لكن المزعج حقا أننا كثيرا ما نسمعهم يرددون وبلا تحرج عبارات توحي بقدسية الدستور!!
    وكأنه وحي منزل!!

  11. #91
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    263

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    فائدة:

    من النقول المفيدة التي يحسن تأملها حول توصيف حلف الفضول وعلى ماذا انعقد ما قاله الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن:

    " وقد كان حلف الجاهلية على وجوه منها:

    الحلف في التناصر فيقول أحدهما لصاحبه إذا حالفه دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك فيتعاقدان الحلف على أن ينصر كل واحد منهم صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل ومثله لا يجوز في الإسلام لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن يزوي ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز مثله في الإسلام وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع وكانوا يدفعون إلى ضرورة لأنهم كانوا نشرا لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع القوي عن الضعيف فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار وهو أن يجير الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه مكروه منهم فجائز أن يكون أراد بقوله لا حلف في الإسلام هذا الضرب من الحلف وكانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام لكثرة أعدائهم من سائر المشركين ومن يهود المدينة ومن المنافقين فلما أعز الله الإسلام وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم أخبر النبي ص - باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يدا واحدة على أعدائهم من الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقال النبي ص - المؤمنون يد على من سواهم وقال ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم فزال التناصر بالحلف وزال الجوار ولذلك قال النبي ص - لعدي بن حاتم ولعلك أن تعيش حتى ترى المرأة تخرج من القادسية إلى اليمن بغير جوار ولذلك قال النبي ص - لا حلف في الإسلام وأما قوله وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوز في العقول مستحسن فيها نحو الحلف الذي عقده الزبير بن عبدالمطلب قال النبي ص - ما أحب أن لي بحلف حضرته حمر النعم في دار ابن جدعان وإني أغدر به هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما بل بحر صوفه ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت وهو حلف الفضول وقيل إن الحلف كان على منع المظلوم وعلى التأسي في المعاش فأخبر النبي ص - أنه حضر هذا الحلف قبل النبوة وأنه لو دعي إلى مثله في الإسلام لأجاب لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بذلك وهو شيء مستحسن في العقول بل واجب فيها قبل ورود الشرع فعلمنا أن قوله لا حلف في الإسلام إنما أراد به الذي لا تجوزه العقول ولا تبيحه الشريعة وقد روي عنه ص - أنه قال حضرت حلف المطيبين وأنا غلام وما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن يدفعوا عن الحرم من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه وأما قوله وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة فهو نحو حلف المطيبين وحلف الفضول وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ما كان منه معصية لا تجوزه الشريعة "
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  12. #92
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    263

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لا تغتر مشاهدة المشاركة

    بالنسبة لاحترام الدستور فكلامك جيد ولكن هنا إشكال موانع التكفير ... ( ليس الكلام على الحلال والحرام ولكن على التكفير المطلق )
    بالنسبة للحكم على الأعيان فموضوع آخر لا همة لي الآن بصرف الحديث إليه, وليس من المنهجية الصحيحة لمن لم يتحرر عنده المناط تخريجا وتنقيحا, أي تنضبط عنده المسألة ويعرف الأوصاف المؤثرة فيها, أقول: ليس من المنهجية لمن يشتغل بذلك أن ينتقل منه قبل إشباعه تحريرا وضبطا إلى الكلام على الأعيان, وذلك لأسباب منها:

    1- عند النظر للأعيان سيجد أوصاف موجودة في الواقعة توجد في أصل المسألة التي يريد إنزالها على الواقعة, ويجد أوصاف موجودة في الواقعة وليست موجودة في أصل المسألة, ويجد أوصاف موجودة في أصل المسألة ولكنها غير موجودة في الواقعة, فلا يدري يعتد بماذا ويترك ماذا, ولا يدري مدى تأثير كل وصف, فيخبط خبط عشواء في تنزيل الحكم على الواقعة.

    2- نتيجة للخبط يقع عنده الاضطراب فيعود على أصل المسألة بالإبطال, فيبطلها دون أن ينظر فيها نظرا صحيحا ابتداء, فيجعل من حيرته واضطرابه في الوقائع دليلا على إبطال أصول المسائل التي يكون إثباتها أو عدمه بالاستناد لأدلة الشرع لا بالتحاكم للعواطف الناشئة عن نظرة المضطرب المحتار للواقع. هذا كله على فرض أن نظرته للواقع مبنية على تصورات دقيقة.

    وبالمثال يتضح المقال:

    تكفير تارك الصلاة, بعضهم يسمع عنون المسألة فينتقل مباشرة للواقع, فيجد من واقع من حوله وربما من بعض الإحصائيات أن أكثر الأمة اليوم تاركة للصلاة تهاونا, إما تركا مطلقا أو تركا لبعض الفروض, فيصاب بالهلع ! فيذهب لأصل المسألة ويترك تحقيق أدلتها والنظر بتجرد لحكمها ويقفز للترجيح بأن تارك الصلاة لا يكفر ولو لم يسجد لله في حياته ركعة !!

    استطراد:

    لذلك أخي أرى أن طالب العلم - وأنا أتحدث عن طالب العلم الذي حصل الحد الأدنى من الأساسيات في العلم الشرعي - عليه العناية بالتأصيل وقطع الزمن الكافي في ذلك في باب العلم الذي يدرسه, وغيره من أبواب العلم عموما. لا سيما ما قد يؤثر ضبطه على دراسته لذلك الباب المعين الذي يعتني به, فإذا سار على ذلك اتضحت له أصول المسائل, فيتأهل للنظر في الوقائع دون أن يصاب بالاضطراب والحيرة وغيرها من الانفعالات التي سببها عدم ضبط أصول المسائل والهجوم على الوقائع دون ضبط لأصولها التي تُردُّ إليها.

    وما تقدم يجب أن يؤخذ على وجه الاعتدال, فلا يفرط فيه الإنسان بحيث يبقى عمره يدور في دائرة التنظير وهو لا يدري عن أحكام الوقائع التي تجري حوله, فالأمر يحتاج لشيء من التوسط, وخير من يعين طالب العلم على ذلك إذا وفق لشيخ ورع من فحول العلم يرعاه في تدرجه في ارتقاء مراتب العلم, ولكن قد يعز ذلك على الكثيرين. فقد كثر المتسورون على العلم ممن اشتغل برسومه وتكرارها دون تحقيق وتحرير لمآخذه ومداركه, وإذا وجدت من نجا من ذلك وأخذ من بيت القصيد بنصيب عز نيل المكانة عنده بحيث يوليك ما تحتاجه من عناية وتربية يشتد بها عودك.

    فعلى طالب العلم أن لا يحبطه ذلك, بل عليه أن يسعى بقدر استطاعته ويجد, ويعتني بعبادته وتقربه لربه وسؤاله الفتح والهداية والفرقان الذي يميز به بين الحق والباطل, ويعتني بكتب الفحول المحققين من السابقين, فإنه إذا فعل ذلك وكان من طبعه التروي والجلد والصبر وإدامة النظر والتأمل قبل إطلاق الأحكام أخذ مما ناله أولئك الأماجد بنصيب.

    عود إلى الموضوع

    قولك:

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لا تغتر مشاهدة المشاركة

    : فالدستور هو مجموعة من الأحكام لا تعد ولا تحصى فهل يُلزم كل من يقسم على احترامه بكل كلمة فيه مع أن الجميع يعلم أن هؤلاء المعارضين دخلوا للمعارضة والكل يعلم أنهم لا يؤيدون ولا يقرون معظم ما فيه على الأقل ... ؟
    أولا: ليس بصحيح أن الدستور مجموعة من الأحكام لا تعد ولا تحصى

    بل الدستور هو " المادة التي من خلالها تستوحى الأنظمة والقوانين التي تسير عليها الدولة لحل القضايا بأنواعها.

    الدستور هو القانون الأسمى بالبلاد وهو يحدد نظام الحكم في الدولة واختصاصات سلطاتها الثلاث وتلتزم بة كل القوانين الأدنى مرتبة في الهرم التشريعي فالقانون يجب أن يكون متوخيا للقواعد الدستورية وكذلك اللوائح يجب أن تلتزم بالقانون الأعلى منها مرتبة إذا ما كان القانون نفسه متوخيا القواعد الدستورية. وفي عبارة واحدة تكون القوانين واللوائح غير شرعية إذا خالفت قاعدة دستورية واردة في الوثيقة الدستورية... "

    "وفي المبادئ العامة للقانون الدستوري يعرف الدستور على أنه مجموعة المبادئ الأساسية المنظمة لسلطات الدولة والمبينة لحقوق كل من الحكام والمحكومين فيها، والواضعة للأصول الرئيسية التي تنظم العلاقات بين مختلف سلطاتها العامة، أو هو موجز الإطارات التي تعمل الدولة بمقتضاها في مختلف الأمور المرتبطة بالشئون الداخلية والخارجية ".


    ثانيا: احترام الدستور عند اتباعه واجب, ولا يجوز عندهم أن يخالف أحد حكما من أحكام الدستور, بل يحرم عندهم أن يخالف الدستور قانون أنزل مرتبة منه, فضلا عن أن يخالف حكما منه عضوٌ في البرلمان بله أن يخالفَ أكثره كما تقول.

    ثالثا: من دخل البرلمان بزعم الإصلاح فإنه يدور في إصلاحه المزعوم مع الدستور, فحتى إذا احتج على بطلان شيء من القوانين التي تخالف الشريعة فاحتجاجه إنما يكون بالدستور, ولذلك يقول هذاه المادة أو تلك غير دستورية أو تخالف الدستور, ولا يستطيع عضو في البرلمان أن يعترض على الدستور نفسه, لأنه هو مصدر المشروعية لوجوده في البرلمان وكل تصرفاته فيه تستند إليه وتستمد مشروعيتها منه كما يزعم أهل هذا البلاء. نسأل الله العافية لنا ولجميع المسلمين.

    ولذلك اقرأ هذا:

    مبدأ سمو الدستور

    المقصود بسمو الدستور إنه القانون الأعلى في الدولة لا يعلوه قانون آخر, و قد نصت عليه أغلب دساتير دول العالم مثل دستور إيطاليا و دستور الصومال.

    و سمو الدستور يكون على جانبين أساسيين هما:

    السمو الموضوعي: و نقصد به إن القانون الدستوري يتناول موضوعات تختلف عن موضوعات القوانين العادية. وهذا السمو يستند على موضوع القواعد الدستورية و مضمونها والتي لا تنحصر في دساتير معينة بل موجودة في جميع الدساتير المكتوبة و العرفية جامدة أم مرنة. و يترتب على السمو الموضوعي ان الدستور هو القانون الأساسي في الدولة و هو الذي يبين أهداف الدولة و يضع الإطار السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي ، وأن الدستور هو الجهة الوحيدة التي تنشئ السلطات الحاكمة و تحدد اختصاصاتها ، و على هذه السلطات احترام الدستور لانه هو السند الشرعي لوجودها. و يؤدي إلى تأكيد مبدأ المشروعية و مبدأ تدرج القواعد القانونية و خضوع القاعدة الأدنى درجة للقاعدة الأعلى درجة. كما ان الاختصاصات التي تمارسها السلطات التشريعية و التنفيذي و القضائية مفوضة لهم بواسطة الدستور, فلا يحق لها تفويض اختصاصاتها لجهة أخرى إلا بنص صريح من الدستور.

    السمو الشكلي: و نقصد به ان القانون الدستوري هو القانون الذي نتبع في وضعه و تعديله اجراءات معينة اشد من الاجراءات اللازمة لوضع و تعديل القوانين العادية. و هذا السمو موجود في الدساتير المكتوبة الجامدة فقط. و يترتب على السمو الشكلي وجود سلطتين:

    1- سلطة مؤسِسة, و هي التي تؤسس و تضع الدستور. 2- سلطة مؤسَسة, و هي التي تم انشاءها.
    كما إن السمو الشكلي يضمن احترام الدستور و قواعده و ينظم الرقابة على دستورية القوانين. "
    انتهى

    http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%...AA%D9%88%D8%B1

    أفٍّ لهم ولما يعبدون من دون الله

    إذا تأملت ذلك علمت موقع الدستور عند اتباعه, وسينحل - إن شاء الله - عندك الإشكال الثاني الذي ذكرته.
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  13. #93
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    465

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عدنان البخاري مشاهدة المشاركة
    الشيخ الفاضل عبدالله الشهري بارك الله فيكم ونفع بكم، ووالله الأمر كما ذكرتم، ما بقي إلَّا أن أعلِّم الدرَّة التيميَّة كلَّها بالأحمر، فما فرحت منذ نزول الفاجعة علينا من شهر كفرحي بهذا الكلام الذي رأيته عن هذا الإمام. الأخوان الكريمان أبوالقاسم وأبوفاطمة.. بارك الله فيكما وجزاكما خيرا
    الأخ الكريم أبوممدوح وفقه الله، تقول:

    وتقول أيضًا تعليقًا على فتوى العثيمين:
    وسؤالي المختصر إليك، وفي اختصار الجواب غنية: هل تقصد أنَّ اللجنة الدائمة، ممثَّلة في الشيخ ابن باز والمشايخ الثلاثة، وابن عثيمين =لا يعرفون الواقع ولا يفهمونه؟
    أي فاجعة تقصد يا شيخ عدنان؟؟

  14. #94
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,519

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    فاجعة قصف غزَّة..
    مدرّس بدار الحديث بمكة
    أرحب بكم في صفحتي في تويتر:
    adnansafa20@
    وفي صفحتي في الفيس بوك: اضغط على هذا الرابط: عدنان البخاري

  15. #95
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    المشاركات
    52

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    الأخ الفاضل أبو فاطمة الحسني بارك الله فيك
    بسم الله
    أليس هناك شبه كبير بين الدستور وبين الإتفاق على المعصية أو مخالفة الشرع ؟ لماذا لا ينزل تفصيل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حول من يتبع الأحبار والرهبان على من يطيع الدستور ما الفرق ؟ حيث قال رحمه الله تعالى : (( وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين
    أحدهما أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركا وان لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركا مثل هؤلاء
    و الثانى أن يكون اعتقادهم وايمانهم < بتحريم الحرام وتحليل الحلال > ثابتا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصى التى يعتقد أنها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبى أنه قال انما الطاعة في المعروف وقال على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية " مجموع الفتاوى ج7/ص70
    والذي يحكم بالدستور هو متبع للدستور ومطيع لما فيه فما الفرق ؟ هذا ما يشتبه لدي ...
    (.. تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)

  16. #96
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    ~ المــرِّيـْـخ ~
    المشاركات
    1,410

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    لله درك .. يا أبا عاصم !
    يا ربِّ : إنَّ لكلِّ جُرْحٍ ساحلاً ..
    وأنا جراحاتي بغير سواحِلِ !..
    كُل المَنافي لا تبدد وحشتي ..
    ما دامَ منفايَ الكبيرُ.. بداخلي !

  17. #97
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    465

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عدنان البخاري مشاهدة المشاركة
    فاجعة قصف غزَّة..
    عذرا شيخنا وما علاقة ما نقلته بالفاجعة -التي ألمت بالجميع-؟؟

  18. #98
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    68

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    للــــــــربط

    جزى الله صاحب الموضوع خيرا

  19. #99
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    342

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    ألم يكن في استطاعة النبي صلى الله عليه وسلم الدخول مع قريش في كفرهم , لإدخالهم في التوحيد ؟
    ألم ينهه ربه جل وعز عن هذا وقال تعالى { ودوا لو تدهن فيدهنون } ؟
    رحم الله الشيخ الألباني فقد اختصر هذا البحث والذي مقصود صاحبه , عدم تكفير أصحاب البرلمانات بكلمة بسيطة فقال :
    ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه .

  20. #100
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,519

    افتراضي رد: ابن تيمية: "النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذل

    الإخوة الكرام.. الأمل، أبويحيى.. بارك الله فيكما وجزاكما خيرًا.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة شذى الجنوب مشاهدة المشاركة
    عذرا شيخنا وما علاقة ما نقلته بالفاجعة -التي ألمت بالجميع-؟؟
    في تلك الفاجعة وقع بعض إخواننا في شيءٍ ممَّا يشنَّع عليهم فيه، بل من أكبره، وهو التحاكم بحكم الطَّاغوت "الدستور"، وكيف يتَّفق ذلك مع دعوتهم إلى الاسلام.. ومنهم من قتل حينئذٍ.. فلعلَّ لهم عذرًا في ذلك ممَّا ذكر فيما نقلته في المشاركات الأولى.
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة القضاعي مشاهدة المشاركة
    ألم يكن في استطاعة النبي صلى الله عليه وسلم الدخول مع قريش في كفرهم , لإدخالهم في التوحيد ؟
    ألم ينهه ربه جل وعز عن هذا وقال تعالى { ودوا لو تدهن فيدهنون } ؟
    تسمية الدخول في البرلمانات كفرًا هو محلُّ بحثٍ، وليس محلَّ اتِّفاقٍ حتى يُمثَّل بهذا الكلام، فيُقاس عليه بهذا المتَّفق عليه..
    مدرّس بدار الحديث بمكة
    أرحب بكم في صفحتي في تويتر:
    adnansafa20@
    وفي صفحتي في الفيس بوك: اضغط على هذا الرابط: عدنان البخاري

صفحة 5 من 9 الأولىالأولى 123456789 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •