حطبة جمعة عن غزة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: حطبة جمعة عن غزة

  1. #1

    افتراضي حطبة جمعة عن غزة

    الحمد لله الدائم بره، النافذ أمره، الغالب قهره، الواجب حمده وشكره، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والتدبير، جلَّ ذكره، وإليه يُرجع الأمر كله، علانيته وسره، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه وهو على كل شيء قدير، سبحانه وبحمده جعل لكل أجلِّ كتاباً، وللمنايا آجالاً وأسباباً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، ما جن ليل وبزغ نهار، وسلَّم تسليماً كثيراً.
    أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحسِنُونَ.


    أما بعد: فيا عباد الله، أصبحنا في زمن لا يدري الواحد منا أيّ الأحداث يتابع، وأيّ المآسي ينازع، تعددت الجراحات التي تفتّت كبد الحجر قبل بني الإنسان، ولا يجد المؤمن الصادق بدًا من متابعتها وإلقاء السمع إلى أحداثها ليرجع البصر والفؤاد خاسئًا كسيرًا وهو حسير.
    كانـت فلسطيـن موالاً لأمتنـا مـا بالها لَم تعد للنـاس موالا؟!
    تعددت يـا بني قومـي مصـائبنا فأقفلت بـابنا المفتـوح إقفـالا
    كنـا نعالج جرحًا واحـدا فغدت جراحنـا اليوم ألوانـا وأشكالا
    عباد الله، مع تعدد المصائب وتعدد الفواجع تبقى فلسطين قضيتنا ومصيبتنا الأساس التي لا ينبغي لنا تجاهلها ونسيانها، فلسطين تلك البلدة التي سالت من أجلها العيون ورخصت في سبيلها المنون، فلسطين أولى القبلتين وثالث المسجدين ومسرى نبينا محمد الأمين ، فلسطين من أجلها شدّ الرجال عزائم الأبطال وأحيوا في نفوسهم الحماسة والنضال.
    عباد الله، شعب فلسطين منذ سبعين عامًا وهو يعيش تحت وطأة الاحتلال، مساكنهم الملاجئ والمخيمات، والملايين منهم يعيشون في التشريد والشتات، شعب فلسطين حياته كلها خوف وتعذيب، اعتقال وتهديد، تهديم للبيوت وإغلاق للمدارس، ومع الحصار الاقتصادي المفروض عليهم أغلقت المخازن والمتاجر لتسدّ عنهم أبواب الرزق ووسائل الحياة، تجويع وبطالة، استخفاف وإهانة، استيلاء على الأراضي وتحكّم في مصادر المياه، محتل يلاحق من يشاء، ويتّهم من يشاء، يقتل من يشاء، وينفي من يشاء، ثم يزعم أنه يريد السلام.



    يا تلاميذ غزة علمونا بعض ما عندكم فنحن نسينا

    علمونا بأن نكون رجالا فلدينا الرجال صاروا عجينا

    علمونا كيف الحجارة تغدو بين أيدي الأطفال ماسا ثمينا

    كيف تغدودراجة الطفل لغما وشريط الحرير يغدو كمينا

    كيف مصاصة الحليب إذا ما اعتقلوها تحولت سكينا

    يا تلاميذ غزة لا تبالوا بأذاعاتنا ولا تسمعونا

    اضربوا اضربوا بكل قواكم واحزموا أمركم ولا تسألونا

    نحن أهل الحساب والجمع والطرح فخوضوا حروبكم واتركونا

    نحن موتى لا يملكون ضريحا ويتامى لا يملكون عيونا

    قد لزمنا جحورنا وطلبنا منكم أن تقاتلوا التنينا

    قد صغرنا أمامكم ألف قرن وكبرتم خلال شهر قرونا

    يا تلاميذ غزة لا تعودوا لكتاباتنا ولا تقرأونا
    يا أحباءنا الصغار سلاما جعل الله يومكم ياسمينا


    وقف الإمام الشافعي رحمه الله ورضي الله عنه وقد يمم وجهه تجاه الأرض المباركة وقال : وَإِنِّي لَمُشْتَاقٌ إِلَى أَرْضِ غَزَّةٍ * * * وَإِنْ خَانَنِي بَعْدَ التَّفرُّقِ كِتْمَانِي
    سَقَى اللّه أَرْضَاً لَوْ ظَفِرْتُ بِتُرْبَها * * * كَحَلْتُ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الشَّوْقِ أَجْفَانِي
    لكِ الله يا غزّة الجريحة ، كم في أثوابك الدامية من أحزانٍ وآلامٍ وأوجاعٍ وذكرياتٍ تفيض بالأسى والكرب.ما تكاد ترحل المصيبة بأثقالها وكَرْبها إلا وتخلفها مصائب تتكاثر كالسرطان في جسد هذا الجزء المـُنهك المـُنتهك من جسد أمتنا الغافلة.
    مناظر الدم، والخراب، والحزن، وصرخات الوجع والألم، ومشاعر الحزن والبكاء، أصبحت روحاً ساكنة في جسد كلّ مسلم ومسلمة من سكّان غزّة المجاهدة الصامدة.
    ألا فَلْيَحذَرِ المُسلِمُ مِن خُذلانِ إِخوَانِهِ بِأَيِّ نَوعٍ مِن أَنوَاعِ الخُذلانِ، قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: ((مَا مِنِ امرِئٍ يَخذُلُ امرَأً مُسلِمًا في مَوطِنٍ يُنتَقَصُ فِيهِ مِن عِرضِهِ وَيُنتَهَكُ فِيهِ مِن حُرمَتِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللهُ تَعَالى في مَوطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصرَتَهُ)).
    أعلموا عباد الله أَنَّ جَمِيعَ المُسلِمِينَ في مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا إِخوَةٌ، لا تَفصِلُ بَينَهُم حُدُودٌ وَلا تُفَرِّقُُهُم جِنسِيَّاتٌ، وَاللهُ تَعَالى هُوَ الَّذِي رَبَطَ بَينَهُم بِرِبَاطِ الأُخُوَّةِ الإِسلامِيَّةِ، قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ، وَقَالَ تَعَالى: فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا﴾، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ؛ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسلِمُهُ وَلا يَخذُلُهُ وَلا يَحقِرُهُ))، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ((المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا))، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المُؤمِنِينَ في تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ؛ إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى)).
    أَلا فَلْيَهبَّ المُسلِمُونَ لِنُصرَةِ إِخوَانِهِم مَا استَطَاعُوا، العَالِمُ بِجَاهِهِ وَعِلمِهِ، وَالسِّيَاسِيُّ بِثِقَلِهِ وَوَزنِهِ، وَالكَاتِبُ بِقَلَمِهِ وَالخِطِيبُ بِلِسَانِهِ، لِنَحتَسِبْ مَا فِيهِ إِغَاظَةُ العَدُوِّ وَالنَّيلُ مِنهُ، وَلْنَحذَرِ التَّخَلُّفَ عَن الرَّكبِ، فَقَد قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿مَا كَانَ لأَهلِ المَدِينَةِ وَمَن حَولَهُم مِنَ الأَعرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرغَبُوا بِأَنفُسِهِم عَن نَفسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُم لاَ يُصِيبُهُم ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾[التوبة:120].
    عباد الله :
    إن الله تعالى يختار الشهداء اختياراً ويصطفيهم اصطفاءً قال جل وعلا:﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران:140]
    وقال جل وعلا:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ وفي قراءة أخرى " قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ " فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:146]
    ولقد فضحت هذه الحرب المنافقين المتاجرين بدماء المسلمين ، وتستحق هذه الحرب أن نسميها بالفاضحة والكاشفة لأنها كشفت وفضحت المنافقين أفراداً كانوا أو جماعات أو حكومات أو حتى القنوات وهذا ما رآه الناس كالشمس في ضحاها .
    هذه الحرب ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال:37] وتأملوا معي قول الله تعالى وكأن الآيات نزلت اللحظة يقول جل وعلا: ﴿وَلِيَعْلَم الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُم ْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. [آل عمران:167]
    كم نادت الشعوب ،كم نادى أصحاب الإيمان أغيثوا إخوانكم في غزة، قاتلوا أين اسلحتكم ؟أين جيوشكم؟ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا عن أخوانكم، أما ترون الدماء والأشلاء ،أما ترون البيوت تُدمّر على من فيها ،فعائلات تُباد كاملة ،أما ترون بيوت الله تهدم ،دافعوا عن دينكم وعن بلاد المسلمين ،قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم بماذا وصفهم القرآن : ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾[آل عمران:167]
    واسمعوا وتأملوا قول الله تعالى بعد هذه الآية: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[آل عمران:168]
    كم سمعنا من أبناء جلدتنا من يقول قد نبهنا حماس وحذرناها ولم تسمعنا ،لو أطاعونا ما قُتلوا ،ونسي هؤلاء المنافقين أن الموت والحياة بيد ملك الملوك جل وعلا .
    ثم يأتي قوله تعالى الفصل :
    ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ر ،اللهم إنا نسألك أن تنصر أُخواننا على أرض غزة اللهم ثبت أقدامهم وأنصرهم نصراً مؤزرا وافتح لهم فتحاً مُبينا واجعل اليهود وما يملكون غنيمة للإسلام والمسلمون .
    أيها المسلمون :إعلموا أن الأمة منصورة ،ودولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة ،يقول جل وعلا:﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴾ [غافر:51]ويقول تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
    إن وعد الله قاطع جازم بينما يشاهد الناس أن الرسل وأتباعهم منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذباً مطروداً ، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب ، وفيهم من يلقى في الأخدود ، وفيهم من يستشهد ، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد . . فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ، ويفعل بها الأفاعيل!
    ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير .
    فلو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم ، قريبة الرؤية لأعينهم . ولكن صور النصر شتى .
    إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها . . أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟
    ما من شك في منطق العقيدة أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من بعيد . فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب! .
    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في قمة النصر وهو يكرر بل عزة: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ [الكافرون1،2] ولو أنه كان وحيدا بلا نصير ويضع عليه سلى الجزور.

    عباد الله:
    قد يبطئ النصر في عالم الواقع لأسباب كثيرة منها :أن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها ، ولم يتم بعد تمامها ، ولم تحشد بعد طاقاتها ، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات . فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكاً لعدم قدرتها على حمايته طويلاً!
    وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة ، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً ، لا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله .
    وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر . إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله .
    وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها ، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها . والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله ، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه . وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعدُ لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة . فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار . فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ، ولاستبقائه!
    َإِنَّ اللهَ لَقَادِرٌ عَلَى نَصرِ عِبَادِهِ وَإِهلاكِ الكَفَرَةِ، وَلَكِنَّ مِن حِكمَتِهِ أَن جَعَلَ لِلنَّصرِ ثَمَنًا، قَالَ تَعَالى: ﴿ذَلِكَ وَلَو يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنهُم وَلَكِنْ لِيَبلُوَ بَعضَكُم بِبَعضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعمَالَهُم سَيَهدِيهِم وَيُصلِحُ بَالَهُم وَيُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لهم﴾.

    من أجل هذا كله ، قد يبطئ النصر ، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام . مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية .
    نسأل الله أن يعز الاسلام والمسلمين وأن ينصر الحق وأهله وأن يخذل الباطل وحزبه.
    اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .

    الخطبة الثانية :
    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

    أيُّهَا المُسلِمُونَ، َيَتَسَاءَلُ مُسلِمٌ غَيُورٌ: وَمَاذَا في أَيدِينَا نحنُ الشُّعُوبَ وَالأَفرَادَ؟! وَمَاذَا نَملِكُ نُصرَةً لإِخوَانِنَا؟!
    الجواب مع إيماننا وثقتنا بنصر الله فإننا مُطالبون بالقيام بالواجب الشرعي ومن ذلك :
    أولاً: بِأَيدِينَا السِّلاحُ المَاضِي وَالقُوَّةُ القَاهِرَةُ، بِأَيدِينَا سِلاحُ الدُّعَاءِ، وَاللهُ هُوَ الَّذِي وَعَدَنَا بِالإِجَابَةِ وَهُوَ لا يُخلِفُ المِيعَادَ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُوني أَستَجِبْ لَكُم﴾، وَمَنِ الَّذِي يَمنَعُ أَيَّ مُسلِمٍ في شَرقِ الأَرضِ وَغَربِهَا أَن يَرفَعَ كَفَّهُ إِلى اللهِ ضَارِعًا، وَأَن يَلجَأَ إِلَيهِ تَعَالى دَاعِيًا، وَأَن يُلِحَّ عَلَيهِ مُخلِصًا أَن يَحقِنَ دِمَاءَ إِخوَانِهِ المُسلِمِينَ، وَأَن يُهلِكَ الظَّالِمِينَ المُعتَدِينَ.،
    أتهزأ بالدعاء و تزدريه **و ما تدري بما صنع الدعاء
    سهام الليل لا تخطي و لكن ** لها أمد و للأمد انقضاء
    قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾.

    ثانياً : بِأَيدِينَا أَسمَاعُ أَبنَائِنَا فَلْنُسمِعْهُم الحَقَّ، بِأَيدِينَا قُلُوبُهُم فَلْنَغرِسْ فِيهَا العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ،لن غرس فيها روح المقاومة والعزة والجهاد ، لِنَغرِسْ في قُلُوبِهِمُ الوَلاءَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ أَينَمَا كَانُوا، وَالبَرَاءَ مِنَ الشِّركِ وَالمُشرِكِينَ أَينَمَا كَانُوا، لِنُحَذِّرْهُم ممَّن يُهَوِّنُونَ مِن شَأنِ هَذِهِ العَقِيدَةِ وَيَدعُونَ إِلى مَا يُسَمُّونَهُ التَّعَايُشَ السِّلمِيَّ الَّذِي مَا هُوَ في الحَقِيقَةِ إِلاَّ نَوعٌ مِنَ الخُضُوعِ وَضَربٌ مِنَ الخُنُوعِ، لَن نَزدَادَ بِهِ في أَعيُنِ الأَعدَاءِ وَقُلُوبِهِم إِلاَّ ذُلاًّ وَمَهَانَةً. إِنَّهُ لا بُدَّ أَن يَعِيَ أَبنَاؤُنَا الحَقَّ وَيَثبُتُوا عَلَيهِ، وَأَن لاَّ يَقبَلُوا فِيهِ أَيَّ نِقَاشٍ أَو خِدَاعٍ،قال تعالى: ﴿قَد كَانَت لَكُم أُسوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَومِهِم إِنَّا بُرَاءُ مِنكُم وَمِمَّا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرنَا بِكُم وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤمِنُوا بِاللهِ وَحدَهُ﴾[الممتحنة:4].
    ثالثا: ويجب علينا إعداد العُدة وكل أنواع العدة كما أمر الله فيُعد المسلم نفسه وأولاده ويجب أن يكون للمساجد والمدارس والجامعات دور كبير في بناء الجيل الذي ينصر دين الله وينصره الله القائل ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾
    يا أمتي وجب الكفاح *** فدعي التشدق والصياح
    ودعي التقاعس ليس ينصر *** من تقاعس واستراح
    ما عاد يجدينا البكاء *** على الطلول ولا النواح
    يا قوم إن الأمر جد *** قد مضى زمن المزاح
    سقط القناع عن الوجوه *** وفعلهم بالسر باح
    عاد الصليبيون ثانية *** وجالوا في البطاح
    عادوا وما في الشرق *** نور الدين يحكم أو صلاح
    عاثوا فساداً في *** الديار كأنها كلأ مباح
    لم يخجلو من ذبح شيخ *** لو مشى في الريح طاح
    أو صبية كالزهر لم *** ينبت لهم ريش الجناح
    ذبحوا الصبي وأمه *** وفتاتها ذات الوشاح
    عبثوا بأجساد الضحايا *** في انتشاء وانشراح
    لم يشف حقدهم دم *** سفحوه في صلف وقاح
    فغدوا على الأعراض *** لم يخشوا قصاصاً أو جناح
    لم يعبؤوا بقرار *** أمن دانهم أو باقتراح
    يا أمة الإسلام هبوا *** واعملوا فالوقت راح
    الكفر جمَّع شمله *** فلم النزاع والانتطاح
    فتجمعوا وتجهزوا *** بالمستطاع وبالمتاح
    يا ألف مليون وأين *** هم إذا دعت الجراح
    هاتوا من المليون ملياراً *** صحاحاً من صحاح
    من كل ألف واحداً *** أغزو بهم في كل ساح
    لابد من صنع الرجال *** ومثله صنع السلاح
    لا يصنع الأبطال إلا *** في مساجدنا الفساح
    في روضة القرآن في *** ظل الأحاديث الصحاح
    لا يستوي في منطق *** الإيمان سكران وصاح
    مًن همه التقوى *** وآخر همه كأس وراح
    شعب بغير عقيدة *** ورق تذريه الرياح
    من خان حي على الصلاة *** يخون حي على الكفاح
    خامساً: مواصلة التبرعات والنفقات لإخواننا ،الذين يدافعون عن شرف الأمة كلها .
    ما الذي طور صواريخ المقاومة إلا دعمكم فبعد أن كانت لا تصل إلا إلى عدة كيلومترات اليوم تصل إلى خمسين كيلومتر .
    أبناء الشهداء يُكفلون بدعمكم ،ومن جهّز غازياً فقد غزا وهذا أقل واجب نقدمه لإخواننا الذين يقدمون أنفسهم وأولادهم وبيوتهم فداءً لأرض الأقصى ودفاعاً عن شرف الأمة.
    فلا تبخلوا على إخوانكم ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد:38]،وما للإنسان من ماله إلا أكل فأبلى أو لبس فأفنى أو تصدق فأبقى .

    اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد القهار، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله القوي الكبير المتعال، اللهم إنا نسألك يا مجري السحاب، يا منزل الكتاب، يا هازم الأحزاب، أن تهزم اليهود، وأن تردهم على أدبارهم صاغرين، اللهم زلزلهم، وألقي الرعب في قلوبهم، وشردهم، واجعلهم وأموالهم وأنفسهم غنيمةً للمسلمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، اللهم إنا نسألك أن تجعل وطأتك عليهم شديدة يا رب العالمين، اشدد وطأتك على يهود، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل دائرة السوء عليهم، اللهم ائتهم من حيث لا يحتسبون، اللهم اجعل أخذك لهم شديداً، اللهم باغتهم بجندٍ من عندك، اللهم إنا نسألك في هذه الساعة أن تزيل قوتهم، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم العظيم أن تهزمهم وأنت على كل شيء قدير، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، وأنت القوي الكبير المتعال، وأنت الجبار، وأنت على كل شيء قدير.
    اللهم إنا نسألك أن تنجي المستضعفين من المسلمين، اللهم أنجي إخواننا المسلمين في غزة والأرض يا رب العالمين، اللهم ارحم موتاهم، وتقبلهم عندك شهداء، اللهم اشف مرضاهم وأبرئ جرحاهم، اللهم اجعل من بعد خوفهم أمناً، اللهم اجعل لهم من بعد خوفهم أمناً، ومن بعد استضافهم تمكيناً، ومن بعد ضعفهم قوةً ومنعةً يا رب العالمين، اللهم يا من بيده مفاتيح الفرج عجل فرج إخواننا يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه أن تغفر لنا أجمعين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح الأئمة وولاة الأمور يا أرحم الراحمين.
    اللهم إنا نسألك أن تخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، اللهم إنا نسألك أن تعاملنا بلطفك ورحمتك، وأن تصرف عنا عقوبتك، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وانشر رحمتك علينا يا أرحم الراحمين.
    الحياة بغير الإيمان سراب
    mm623@hotmail.com

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    2,363

    افتراضي رد: حطبة جمعة عن غزة

    شكر الله لك
    وبارك فيكم

  3. #3

    افتراضي رد: حطبة جمعة عن غزة

    وإياك جزاك الله خير
    الحياة بغير الإيمان سراب
    mm623@hotmail.com

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •