كتاب " الأعلام " لخير الدين الزركلي : تعريفٌ ونقدٌ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: كتاب " الأعلام " لخير الدين الزركلي : تعريفٌ ونقدٌ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    40

    افتراضي كتاب " الأعلام " لخير الدين الزركلي : تعريفٌ ونقدٌ

    هذه نبذة ٌ تعريفيّة ٌ يسيرة ٌ ، وعرضٌ موجز ٌ سريعٌ ، لكتابٍ من أشهر ِ كتبِ التراجم ِ على الإطلاق ِ ، زاحمَ بهِ مؤلّفهُ أهلَ عصرهِ ففاقَ عليهم ، وشاكلَ بهِ من سبقهُ من أهل ِ العلم ِ فلم يقصُرْ دونهم ، جمعَ فيهِ التراجمَ فأوعى ، واستوعبَ المشاهيرَ فقاربَ الحصرَ ، فغدا كتابهُ معلماً بارزاً من معالم ِ النهضةِ العلميّةِ المُعاصرةِ للمُسلمينَ ، ومنهلاً موروداً لكلِّ باحثٍ ودارس ٍ ، واتفقتْ الكلمة ُ وانعقدَ الأمرُ على كونهِ مرجعاً رئيساً في التراجم ِ والتعاريفِ ، بالمشاهير ِ والأعلام ِ .

    ذلكم الكتابُ هو : الأعلامُ ، لمؤلّفهِ العلاّمةِ اللغويِّ المؤرخ ِ : خير ِ الدين ِ بن ِ محمودٍ الزركليِّ – رحمهُ اللهُ رحمة ً واسعة ً - .

    والكلامُ على الكتابِ في أربعةِ محاورَ : في التعريفِ بالمؤلِّفِ ، ثُمَّ الكلام ِ على خصائص ِ الكتابِ ومنهج ِ مؤلّفهِ ، ثُمَّ ذكر ِ ما يُنتقدُ عليهِ إجمالاً ، ثُمَّ عدِّ الأعمال ِ التي لحقتْ بهِ كالذيول ِ والتتمّاتِ والنقدِ .

    أمّا مؤلّفهُ فهو العلاّمة ُ : أبو الغيثِ خيرُ الدين ِ بنُ محمودٍ بن ِ محمّدِ بن ِ عليِّ بن ِ فارس ٍ الزركليُّ الدمشقيُّ ، وُلدَ في بلادِ الشام ِ في بيروتَ تحديداً سنة َ 1310 هـ ، ونشأ وترعرعَ في دمشقَ ، ودرسَ فيها مراحلَ دراساتِهِ الأوليّةِ ، ثُمَّ عادَ إلى بيروتَ تلميذاً فأستاذاً ، وجرتْ لهُ فيما بعدُ من عمرهِ فصولٌ توالتْ عليهِ في إثرها المحنُ والكروبُ ، وحُكمَ عليهِ في دمشقَ بالإعدام ِ إثرَ واقعةٍ حدثتْ ، وكانَ حُكمُ الإعدام ِ صادراً من قبلَ الفرنسيينَ .

    تنقّلَ في حياتهِ بينَ بلادِ الشام ِ والحجاز ِ ، ورزقهُ اللهُ حُظوة ٌ كبيرة ً عندَ حُكّام ِ الحجاز ِ في تلكَ الفترةِ ، وحينَ أجلوا من الحجاز ِ إلى الأردنِّ خرجَ معهم وصحِبهم ، ثُمَّ تركهم وغادرَ إلى مصرَ ومنها إلى الحجاز ِ مرّة ً أخرى ، وفي تلكَ الفترةِ كانَ الملكُ : عبد العزيز ِ – رحمهُ اللهُ – قد بسطَ سلطانهُ على الحجاز ِ ودانَ لهُ أهلها بالولاءِ والطاعةِ ، فدخلَ الزركليُّ في حكمهِ ، ولتقدّمهِ وفضلهِ قلّدهُ الملكُ عبد العزيز ِ عدّة َ مناصبَ في الحكومةِ السعوديّةِ ، كان آخرها سفيراً في دولةِ المغربِ .

    وللزركليِّ في حياتهِ رحلاتٌ كثيرة ٌ إلى عواصمَ شتّى ، منها ما كانَ للعمل ِ ومنها ما كانَ للبحثِ والتنقيبِ عن الكتبِ ، ومنها ما كانَ استشفاءً ونقاهة ً وراحة ً ، وقد أفادتهُ هذه الرحلاتُ في سعةِ الاطلاع ِ والوقوفِ على النفيس ِ والنّادر ِ من كتبِ التراثِ ، ممّا لا يتيسّرُ الوقوفُ على مثلهِ إلا لأفذاذِ الرجال ِ ونوادر ِ الزّمان ِ .

    توفّيَ – رحمهُ اللهُ – في سنةِ 1396 هـ في مدينةِ القاهرةِ ، ولهُ 86 سنة ً ، قضى أكثرها باحثاً ومفكّراً وكاتباً ، فكانَ ثمرة َ ذلكَ هذه الشهرة ُ الطاغية ُ والمكانة ُ السامية ُ ، ومن ثمراتِ بحثهِ ونِتاج ِ فكرهِ عدّة ُ بحوثٍ ، منها – وهو أشهرُها – الأعلامُ ، وكذلكَ كتابٌ عن الملكِ عبد العزيز ِ – رحمهُ اللهُ – سمّاهُ : الوجيز ُ في سيرةِ الملكِ عبد العزيز ِ وهو مشهورٌ مُتداولٌ ، ولهُ ديوانُ شعر ٍ مطبوعٌ كذلكَ .

    والزّركليُّ : بكسر ِ الزاي المُشدّدةِ وبعدها راءٌ مكسورة ٌ ، وهي قبيلة ٌ أو أسرة ٌ كرديّة ٌ .

    أمّا كتابهُ الأعلامُ فهو أحدُ الموسوعاتِ العلميّةِ المُتقنةِ في هذا العصر ِ ، والذي صارَ المرجعَ الأوّلَ للباحثينَ عن التراجم ِ ، وبخاصّةٍ أصحابَ الدراساتِ الجامعيّةِ والبحوثِ العلميّةِ لنيل ِ شهاداتِ العالميّةِ والعالميّةِ العاليّةِ – الماجستيرُ والدكتوراه - ، وذلكَ لأنَّ مؤلّفهُ استوعبَ – أو كادَ – المشاهيرَ من المُترجم ِ لهم على مرِّ التأريخ ِ ، ولم يختصَّ بطائفةٍ دونَ أخرى ، أو علم ٍ دونَ علم ٍ ، أو عصر ٍ دونَ عصر ٍ ، وإنّما جعلَ أساسَ الترجمةِ هو شهرة ُ المُترجم ِ لهُ ، وقد لخّصَ وصفَ من يُترجِمُ لهُ بأنّهُ من كانَ صاحبَ علم ٍ تشهدُ لهُ بهِ تصانيفهُ ، أو كانَ صاحبَ خلافةٍ أو مُلكٍ أو أمارةٍ ، أو كانَ من أصحابِ المناصبِ العُليا والتقدّم ِ إمّا في دولةٍ أو مذهبٍ أو فكر ٍ ، أو من تميّزَ بفنٍّ معيّن ٍ حتّى شُهرَ بهِ ، أو من كانَ لهُ أثرٌ في العمران ِ يُذكرُ بهِ ، أو كانَ لهُ شعرٌ أو مكانة ٌ أو رواية ٌ كثيرة ٌ ، أو كانَ أصلَ نسبٍ مشهور ٍ أو مضربَ مثل ٍ ، وضابطُ ذلكَ كلّهِ : أن يكونَ الشخصُ المُترجمُ ممّن يتردّدُ ذكرهم ويُسألُ عنهم - الأعلام 1/20 - .

    ولثِقل ِ هذه المادّةِ واتّساع ِ مجال ِ البحثِ فيها ، وكثرةِ مواردها ومصادرِها ، وتنوّع ِ التخصّصاتِ للمُترجمينَ واختلافِ طبقاتِهم ، كانَ لِزاماً على المؤلّفِ أن يبذلَ جُهداً مّضنياً في حصر ِ المادّةِ أوّلاً ، ثمَّ فرز ِ ذلكَ كلّهِ وتنقيحهِ ، ثُمَّ تنفيذِ الكتابةِ على وجهِ الاختصار ِ المُشبع ِ ، ثُمَّ مراجعةِ ذلكَ مرّة ً أخرى ، ثُمَّ الإتمامُ والإلحاقُ ، وهكذا ، فقضى في سبيل ِ تحقيق ِ هذا الهدفِ وبلوغ ِ تلكَ الغايةِ أكثرَ من أربعينَ سنةٍ ، ما بينَ إنشاءٍ وإضافةٍ وتعديل ٍ وإصلاح ٍ وتوسيع ٍ – الأعلامُ 1/13 - ، واستعانَ بمجموعةٍ كبيرةٍ من المراجع ِ ما بينَ مخطوطٍ ومطبوع ٍ ، ودوّريّاتٍ ومطبوعاتٍ إعلاميّةٍ ، جمعها وأتى على ذكرِها في خاتمةِ كتابهِ ، وقد استغرقتْ زهاءَ ثمانينَ صفحةٍ من القطع ِ الكبير ِ ، وهذا عددٌ ضخمٌ جداً ، خاصّة ً وأنَّ أكثرَ ما ذُكرَ من المراجع ِ لا يكادُ يتهيأ لكبار ِ الباحثينَ المُختصّينَ من أهل ِ هذا العصر ِ ، فضلاً عن عامّةِ القرّاءِ .

    واشتملَ الكتابُ كذلكَ على عددٍ كبير ٍ من الصّور ِ لمن ترجمَ لهم ، وكذلكَ على مجموعةٍ من الخطوطِ الخاصّةِ بهم ، جمعها من بطون ِ الكتبِ ، واستخرجها من أقبيةِ مراكز ِ المخطوطاتِ في العالم ِ .

    هذه السعة ُ في المواردِ والكثرة ُ في عددِ التراجم ِ ، إضافة ً إلى الجهدِ الكبير ِ المبذول ِ في سبيل ِ تحرير ِ الكتابِ وتنقحيهِ ومُحاولةِ استيعابِ الأعلام ِ ، جعلتْ لهذا الكتابِ شهرة َ طاغية ً ومكانة ً عالية ً لدى أهل ِ العلم ِ والبحثِ ، فأثنوا عليهِ وعلى مؤلّفهِ ، وأنزلوهُ المنزلة َ اللائقة َ بهِ ، وفي ذلكَ يقولُ الطنطاويُّ – رحمهُ اللهُ - : " وانصرفَ – أي الزّركليُّ – إلى التأليفِ فتركَ كتاباً من أعظم ِ ما ألّفَ في هذا العصر ِ ، وهو الأعلامُ " - الذكرياتُ 1/229 ، ويقولُ أيضاً : " خيرُ الدين ِ الزركليُّ مؤلّفُ الكتابِ العظيم ِ الأعلام ِ ، أحدُ الكتبِ العشرةِ التي يُفاخرُ بها هذا القرنُ القرونَ السابقاتِ " – الذكريّاتُ 1/125 .

    وقالَ حمدُ الجاسر ِ – رحمهُ اللهُ - : " كتابُ الأعلام ِ لأستاذِنا أبي الغيثِ خير ِ الدين ِ الزركليِّ ، أوفى كتابٍ حديثٍ في التراجم ِ فيما أعلمُ ، فهو عصارة ُ فكر ِ بحّاثةٍ جليل ٍ ، قلَّ أن يُضاهيهُ في سعةِ اطّلاعهِ على المؤلّفاتِ قديمِها وحدِيثِها ، وهو خلاصة ُ مئاتٍ من الكتبِ والمطبوعاتِ ألّفتْ في التراجم ِ ، بحيثُ يصحُّ القولُ بأنَّ الأعلامَ من مفاخر ِ عصرنا الثقافيِّ " – مجلّة ُ العربِ 5 / 93-94 نقلاً عن الإعلام ِ بتصحيح ِ كتابِ الأعلام ِ 13 وانظرْ هناكَ المزيدَ من النّقول ِ في الثناءِ على الكتابِ - .

    وحسبُكَ بهذا الكلام ِ في الدّلالةِ على عِظم ِ كتابِ الأعلام ِ ، فقد صدرَ من باحثٍ شهير ٍ ورجل ٍ سبرَ أغوارَ الكتبِ والمراجع ِ ، وهو العلاّمة ُ الجاسرُ – رحمهُ اللهُ - .

    وعلى الرّغم ِ من المكانةِ العُليا التي تبوأها هذا الكتابُ ، والجهدِ الضخم ِ الذي بذلهُ مؤلّفهُ فيهِ ، إلا أنّهُ قد اشتملَ على مجموعةٍ من الهفواتِ ، منها ما هو منهجيٌّ ، ومنها ما هو أخطاءٌ وأوهامٌ .

    أمّا المنهجيُّ منها ، فإنَّ الزركليَّ في كتابهِ قصدَ إلى الموضوعيّةِ المُجرّدةِ في التراجم ِ ، وإذا ترجمَ لشخص ٍ ما فإنّهُ لا يذكرُ ما يؤخذ ُ عليهِ ، أو أقوالَ النقّادِ والمؤرخينَ فيهِ ، أو أن يذكرَ رأيهُ هو في ذلكَ ، بل يُترجمُ لهُ ذاكراً ولادتهُ ووفاتهُ وأهمَّ ما جرى في حياتهِ من أحداثٍ ، ثُمَّ يختمُ ذلكَ بذكر ِ ما ألّفهُ من كتبٍ مع الإشارةِ إلى ما طُبعَ منها ، وإن كانَ مخطوطاً ذكرَ ذلكَ ، ويعتني غالباً بإيرادِ خطِّ المُترجم ِ لهُ أو صورةٍ لهُ ، ويُعرضُ عمّا سوى ذلكَ من الحُكم ِ النقديِّ على الشخص ِ ، أو التعرّض ِ لهُ بحكمهِ الخاصِّ .

    وهذا المنهجُ هو منهجُ بعض ِ المؤلّفينَ في التراجم ِ والتأريخ ِ ، فهم يُترجمونَ أو يؤرخونَ بقصدِ التوثيق ِ البحتِ ، مُعرضينَ عن ذكر ِ آراءهم الشخصيّةِ أو أحكامهم الخاصّةِ ، ويتركونَ ذلكَ للقارئِ والباحثِ ، ومن الذين سلكوا هذا النهجَ واقتفوهُ في تصانيفهم : ابنُ خلّكان ٍ ، وابنُ الأثير ِ ، ومن المُعاصرينَ : الزركليُّ ، والطناحيُّ - رحمَ اللهُ أربعتهم - .

    وقد لخّصَ الشيخُ بكرُ أبو زيدٍ – متّعهُ اللهُ بالعافيةِ – ما يُنتقدُ على كتابِ الأعلام ِ بقولهِ : " أصبحَ كِتابُ الأعلام ِ للزركليِّ مرجعاً مُهمّاً للباحثينَ والرّاغبينَ في التعرّفِ على التراجم ِ ، وهو مع معاناةِ مؤلّفهِ الدقّة َ والإتقانَ يردُ عليهِ أمران ِ : الأوّلُ : أنَّ الزركليَّ لم يُترجمْ لأحدٍ من أساطين ِ الدولةِ العُثمانيّةِ ، فهل هذه نزعة ٌ قوميّة ٌ عربيّة ٌ أم ماذا ؟ ، الثاني : فيهِ مجموعة ٌ من الأوهام ِ والأغاليطِ " – النظائرُ 64 - .

    وقول ِ الشيخ ِ : " فهل هي نزعة ٌ قوميّة ٌ أم ماذا ؟ " فيهِ احتمالٌ لذلكَ ، وقد كانَ الزركليُّ ذا نفَس ٍ قوميٍّ مُتقدٍ ، إلا أنّني – والعلمُ عندَ اللهِ – أرجّحُ أنَّ سببَ إعراض ِ الزركليِّ عن الترجمةِ لسلاطين ِ العثمانيينَ هو تسلّطهم عليهِ بالأذيةِ ، ومُصادرةِ مطبوعتهِ : " مجلةِ الأصمعيِّ " وذلكَ بسببِ نشر ِ لصورةٍ كتبَ تحتها : صورة ُ الخليفةِ العربي المأمون ِ – الأعلامُ 8/267 - .

    وكلامُ الشيخ ِ يلخّصُ ما احتواهُ الكتابُ من مؤاخذاتٍ ، فما ذكرهُ بخصوص ِ الدولةِ العُثمانيّة ُ يُعتبرُ من الخطأ المنهجيِّ ، وهو الذي يُعرضُ فيهِ صاحبهُ عن ذكر ِ ما يلزمهُ ذكرهُ ، أو أن يذكرَ ما ليسَ على شرطهِ ومنهجهِ ، سواءً كانَ ذلكَ قصوراً منهُ في البحثِ ، أو عن قصدٍ وتعمّدٍ ، وكلا هذين الأمرين ِ وقعا للزركليِّ – غفرَ اللهُ لهُ - ، فقد أعرضَ عن ذكر ِ تراجم ِ السلاطين ِ العُثمانيينَ عامداً مُتعمّداً ، كما أنّهُ لم يذكرْ تراجمَ آخرينَ مشاهيرَ ذكرتهم كّتبُ التراجم ِ وطفحتْ بأخبارهم ، من أمثال ِ : ابن ِ خلّكان ٍ ، فقد استفادَ من كتابهِ كثيراً وكانَ أحدَ مواردهِ ، ومع ذلكَ أخلاهُ من الترجمةِ لهُ ؟ .

    وإن كانَ الزركليُّ – رحمهُ اللهُ – قصدَ إلى الموضوعيّةِ في كتابهِ ، مُغفلاً رأيهُ الشخصيَّ ، فلمَ عدلَ عن ترجمةِ العُثمانيينَ ؟ ، معَ أنّهُ ترجمَ لأناس ٍ من الأغمار ِ الذين لا يُعرفونَ ، وهذه الموضوعيّة ُ تهاوتْ مِراراً في التراجم ِ التي يكونُ أصحابُها قوميينَ أو جرتْ عليهم من المحن ِ ما جرتْ ، فلا يتوانَ الزركليُّ – عفا اللهُ عنهُ – في وصفِ نكبتهم وخلع ِ لقبِ الشهادةِ عليهم ! ، كما في ترجمةِ محمود جلال من الأعلام ِ 2/132 حيثُ وصفهُ بأنّهُ شهيدٌ لأنّهُ ثارَ على التركِ وأعدموهُ ، وفي المُقابل ِ لا نجدهُ ذكرَ ذاتَ الوصفِ في شخصيّاتٍ أخرى قُتلتْ أو أعدمتْ ، في حالاتٍ مُشابهةٍ ! .

    إذن اشتملَ الكتابُ على مجموعةٍ من الأخطاءِ المنهجيّةِ ، خالفتْ منهجَ المؤلّفِ وأثّرتْ على طريقةِ سيرهِ ، وعُدّتْ من السقطاتِ المنهجيّةِ ، وقد ذكرتُ أمثلة ً لها ، فإذا قصدَ الباحثُ إلى كتابِ الأعلام ِ ولم يجدْ فيها ترجمة ً لشخص ٍ ما ، أو وجدَ فيها مدحاً أو قدحاً ، فلا بُدَّ أن يُقابلَ ذلكَ مع ما عندهُ من مصادرَ أخرى ما أمكنهُ ذلكَ ، وأنّ لا يكتفيَ في هذا خصوصاً بكلام ِ الزركليِّ أو حُكمهِ ، وهذا ليسَ تجنيّاً عليهِ – رحمهُ اللهُ – بل من بابِ صيانةِ العلم ِ وردّهِ إلى أهلهِ ، وحفظهِ من الغلطِ والسقطِ .

    إلا أنَّ المؤلّفَ خالفَ ذلكَ في بعض ِ التراجم ِ المُختصّةِ بأهل ِ الأدبِ ، كالشعراءِ والكُتّابِ ، فكانَ يذكرُ فيهن بعضَ آراءهِ التقديّةِ المُتعلّقةِ بشعرهم وكِتابتهم .

    أمّا الأوهامُ والأغلاطُ كالغلطِ في الاسم ِ أو النسبةِ ، أو تأريخ ِ الولادةِ والوفاةِ ، أو خطأهِ في اسم ِ كتابٍ ، فهذا موجودٌ في كتابهِ ، وقد تصدّى للكشفِ عنهُ وبيانهُ جملة ٌ من العلماءِ والباحثينَ ، منهم : العلاّمة ُ المؤرخُ محمّدُ بنُ أحمدَ بن ِ دهمانَ – رحمهُ اللهُ تعالى – وقد نشرَ ما وجدهُ من أوهام ٍ وأغلاطٍ بعدَ تصحيحِها في مجلّةِ مُجمّع ِ اللغةِ العربيّةِ ، ونشرَها كاملة ً الأستاذ ُ أحمدُ العلاونةِ في كتابهِ ذيل ِ الأعلام ِ ص 329 – 341 ، وأغلبُ هذه التصويباتِ كانَ قد أصلحها الزركليُّ في حياتهِ ، ومنهم الأستاذ ُ محمّد بن عبد اللهِ الرشيد في كتابهِ : الإعلام ِ بتصحيح ِ كتابِ الأعلام ِ ، وهو جهدٌ مشكورٌ منهُ ، صحّحَ فيهِ بعضَ الأوهام ِ ، على أنَّ أغلبَ ما ذكرهُ في كتابهِ من الأمور ِ اليسيرةِ ، والتي لا تضرُّ غالباً ، وقد وقعَ الرشيدُ نفسهُ في بعض ِ الملاحظاتِ ، وصدرَ أخيراً عن المكتبِ الإسلاميِّ كتابٌ بعنوان ِ : نظراتٌ في كتابِ الأعلام ِ ، للأستاذِ أحمد العلاونةِ ، وقد قرأتُهُ ونظرتُ فيهِ ، ووقفتُ على بعض ِ الملاحظاتِ .

    وهذان ِ الكتابان ِ جيّدان ِ في بابهما ، لولا ما فيهما من التهجّم ِ والتراشق ِ بالكلام ِ بين المُؤلّفين ِ ، وهذا بلا شكٍّ مُصيبة ٌ كُبرى ، أن تتحوّلَ كتبُ العلم ِ وأسفارُ المعرفةِ إلى ساحةٍ للتهكّم ِ والتطاول ِ والتنابذِ ، وقذفِ التهم ِ جُزافاً ، ومُحاولةِ تصفيةِ الحِساباتِ ، فإن كانَ هناكَ تصفية ٌ ولا بدَّ من ذلكَ ، فلْيكن مكانَ ذلكَ شيءٌ غيرُ الكتبِ والعلم ِ ، فما أحرانا أن نصونَ العلم ِ والأسفار ِ عن الابتذال ِ بذكر ِ المثالبِ والمطاعن ِ .

    هذا تلخيصٌ سريعٌ ومُجملٌ للمآخذِ على الكتابِ ، كما ذكرها الباحثونَ ، وهي مجموعة ٌ يسيرة ٌ إذا ما قُورنتْ بحجم ِ الكتابِ وسعةِ موادّهِ ، والكمالُ للهِ سُبحانهُ وتعالى ، فعلى الرّغم ِ من الجهدِ الكبير ِ المبذول ِ ، مع العمر ِ المديدِ ، والتفرّغ ِ التامِّ لذلكَ ، إلا أنَّ اللهَ تعالى رمى الكتابَ بشيءٍ من النقص ِ والخلل ِ ، ليُبرهنَ على ضعفِ الإنسان ِ وقلّةِ حيلتهِ ، وأنّهُ لو أرادَ شيئاً فلا يُمكنهُ ذلكَ دونَ توفيق ِ اللهِ وفضلهِ .

    وقد توقّفَ الزركليُّ في التراجم ِ إلى وفياتِ سنةِ 1396 هـ وهي سنة ُ وفاتهِ – رحمهُ اللهُ تعالى – وقد أتى في كتابهِ على أغلبِ التراجم ِ التي نُثرتْ وبُثّتْ في كُتبِ التأريخ ِ والرجال ِ ، وفاتهُ نزرٌ يسيرٌ لم يقفْ عليهِ لعدم ِ وجودِ مصادر ِ الترجمةِ بين يديهِ ، ومن أرادَ أن يستدركَ عليهِ فيما مضى فلنْ يجدَ مادّة ً كبيرة ً ، أو فوتاً كثيراً ، بل هو يسيرٌ ويسيرٌ جدّاً ، وإنّما الشأنُ في إتمام ِ الإعلام ِ ، وإلحاق ِ من توفّيَ بعدَ موتِ مؤلّفهِ ، من عام ِ 1396 هـ إلى ما بعدهُ من السنواتِ .

    وقد قامَ بهذا مجموعة ٌ من الباحثينَ ، سأذكرُ كتبهم على وجهِ الاختصار ِ ، مع بعض ِ النقدِ العاجل ِ بحسبِ قراءتي أو بحسبِ من وقفتُ لهُ على نقدٍ للكتابِ .

    فمن تلكَ الكُتبِ كتابُ : تتمّةِ الأعلام ِ ، من تأليفِ الباحثةِ الشهير ِ : محمّد خير رمضان يوسف ، وقد نشرَ كتابهُ في ثلاثةِ أجزاءٍ ، طُبعتْ في دار ِ ابن ِ حزم ٍ ، وقد جمعَ فيهِ ما أمكنهُ الوقوفُ عليهِ من الوفياتِ إلى سنةِ 1416 هـ ، ومؤلّفُ الكتابُ رجلٌ معروفٌ بالجلدِ في البحثِ والتأليفِ ، وتحقيقاتهُ عالية ُ الكعبِ ، إلا أنّهُ في كتابهِ هذا لم يكنْ موفّقاً ، فالكتابُ أشبهُ بكتبِ المُطالعةِ من كتبِ التأريخ ِ ، ومنهجهُ مُخالفٌ تماماً لمنهج ِ الزركليِّ ، فقد جمعَ فيهِ المؤلّفُ ما يمكنهُ جمعهُ من التراجم ِ ، دونَ تحرير ٍ أو تنقيح ٍ ، وترجمَ فيهِ لكلِّ من وقعتْ عينهُ عليهِ من الوفياتِ في الجرائدِ أو المجلاّتِ ، حتّى لو كانَ أولئكَ من غير ِ المعروفينَ ، فلو أنّهُ جعلَ كتابهُ كتاباً مُستقلاً لكانَ أولى بهِ من أن يجعلهُ ذيلاً أو تتمّة ً على الأعلام ِ ، مع مُخالفتهِ لهُ في المضمون ِ والمنهج ِ .

    ومنها كتابُ : ذيل ِ الأعلام ِ ، من تأليفِ الأستاذِ : أحمدَ العلاونةِ ، ويقعُ في جزأين ِ اثنين ِ ومطبوعٌ في دار ِ المنارةِ بجدّة َ ، جمعَ فيهِ الوفياتِ من سنةِ وفاةِ الزركليِّ إلى سنةِ 1421 هـ وهو بهذا أوعبُ ممّا سبقهُ ، وهو جيّدٌ في بابهِ ، أجودُ من كتابِ الأستاذِ : محمد خير يوسف ، وفيه أغلاطٌ وأوهامٌ يسيرة ٌ ، ويقعُ في جزأين ِ ، وقد لحقهُ نقدٌ تصحيحٌ ونقدٌ من العلاّمةِ : محمودِ بن ِ محمّدٍ الطناحيِّ ، وهو موجودٌ بتمامهِ في مقالاتهِ 2 / 591 وعنوانُ المقالةِ : ذيلُ الأعلام ِ ومُغالبة ُ الهوى ، وكذلكَ قامَ الأستاذ ُ : محمد بن عبد اللهِ الرشيد بنقدهِ في عدّةِ مقالاتٍ نُشرتْ تِباعاً في جريدةِ الجزيرةِ .

    ومنها كتابُ : إتمام ِ الأعلام ِ ، من تأليفِ الدكتور ِ : نزار أباظة والشيخ ِ مُحمد رياض المالح ِ ، ويقعُ في مجلّدٍ واحدٍ من مطبوعاتِ دار ِ صادر ٍ ، وهذا الكتابُ من أشبهِ الكتبةِ الثلاثةِ بمنهج ِ الزركليِّ شكلاً ، أبعدها عنهُ جودة ً ، فهو كتابٌ مشوّشُ الترتيبِ جدّاً ، قليلُ الصور ِ ، كثيرُ الأخطاءِ ، وفيهِ قرمطة ٌ عجيبة ٌ لبعض ِ الشخصيّاتِ الكبيرةِ ، كما في ترجمةِ العلاّمةِ محمود شاكر .

    هذا خلاصة ُ الكلام ِ في كتابِ الأعلام ِ للزركليِّ – رحمهُ اللهُ تعالى – وقد بلغَ فيهِ الغاية َ ورُزقَ بهِ السعادة َ والخلودَ ، وللهِ درُّ التاج ِ السُبكيِّ إذ يقولُ : " وهكذا رأينا من لزمَ باباً من بابِ الخير ِ فُتحَ عليهِ غالباً منهُ " – طبقاتُ الشافعيّةِ 1/65 - ، والزركليُّ أحدُ هؤلاءِ الذين فرّغوا حياتهم وعمرهم لهدفٍ واحدٍ ، فجاءَ ثمرة ُ ذلكَ عملاً مُتقناً مُسدّداً ، وحتّى هذه الثغراتُ التي فيهِ ، أو الهفواتُ التي بدرتْ منهُ ، وتلكَ الأوهامُ التي وقعَ فيها ، لا تؤثّرُ في جودةِ الكِتابِ ، أو تغُضُّ من قدرهِ ، وحسبُ الزركليِّ نِجاحاً أن عُدتْ عيوبهُ وجُمعتْ ، وكفاهُ ذلك نُبلاً ونجاحاً .

    دمتم بخير ٍ .

    أخوكم : فتى .

    ==========

    تموتُ النّفوسُ بأوصابها ********* ولم تدر ِ عوّادها ما بها
    وما أنصفتْ مهجة ٌ تشتكي ********* أذاها إلى غير ِ أحبابها

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    7

    افتراضي إتماماً لما ذكر ،،

    فقد قرأت ماخطته أنامل أخي المفضال،، فتى الأدغال ،، وفقه الكبير المتعال .

    وأود أن أضيف على ماذكره ن أنه قد فاته ذكر كتاب (فوات الأعلام مع الاستدراكات والإسهام في إتمام الأعلام)

    للباحث الأستاذ عبدالعزيز بن أحمد الرفاعي (1342ـ1414)، والذي أعده للطبع ونشره الدكتور بهاء الدين

    عبدالرحمن عبدالوهاب وطبعته دار الرفاعي، وهو كتاب مختصر جدا . كما أنَّ مقالات الأستاذ الرشيد التي

    ذكرت في المقال قد طبعت في كتاب مستقل عن الدار العربية للموسوعات .

    وقد صدر ذيل الأعلام (الثالث) للأستاذ العلاونة في الأيام الماضية . وأختم بأن أحد الإخوة قد أخبرني بأنه قد

    ابنة الزركلي القاطنة في القاهرة وصور من عندها بعضاً مما لم ينشره الزركلي، أعان الله على إخراجه .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    378

    افتراضي

    اتماما للفائدة كتاب الاعلام ومتمماته بالمكتبة الوقفية
    وجزى الله الجميع كل خير

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    526

    افتراضي رد: كتاب " الأعلام " لخير الدين الزركلي : تعريفٌ ونقدٌ

    جزاكم الله خيراً ...

    و للفائدة جاء في التعريف بالشيخ د/ جمال عزون ( الجزائري ) في هذا الموقع المبارك أنه يعمل الآن في تحرير كتابه فوات الأعلام للزّركلي ويقع في 10 مجلّدات يسّر الله إتمامه ...

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •