نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,963

    افتراضي نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..

    نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..


    سليم المصمودي


    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال الشيخ ابن تميم الظاهري حفظه الله:




    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فهذه تعليقة على مسألة مهمة للأصحاب والأحباب في فهم كيفية نقل كتب المذاهب الأربعة لفقه أهل الظاهر، بنيتها من خلال عملي في كتب أهل المذاهب الفقهية حين استخرجت أقوال أهل الظاهر المتقدمين والمتأخرين، قد نقلتها من مقدمة كتابي ( موسوعة فقه داود الظاهري ).

    أما كتب الأصول فيأتي إن شاء الله الكلام عنها وذلك لأني انتظر الحصول على كتاب منها، واستخراج ما فيه، فعل له طريقة تخالف من انتهيت من كتبهم، فلا يصح الكلام عنها بمجموعها، وربما يخالف هذا الكتاب تلك الكتب، فرأيت تأخير الكلام عنها لحين الانتهاء من هذا الكتاب. وأما كتب التفسير، فيأتي الكلام عليها إن شاء الله لاحقاً، وكذلك كتب أحكام القرآن، فإنها ضمن هذه المجموعة ؛ لأني لم أفرغ بعد من كتاب مهم منها، وهو البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي الظاهري.

    وكذلك الأمر بالنسبة لكتب شروح الحديث، فإن لها وقفة طويلة، خاصة ما نقل الحافظ العراقي في طرح التثريب، أو ما نقله النووي في شرح مسلم، أو فيما نقله ابن العربي.

    وستجدني أقول أثناء الكلام على كتب المذاهب: ( فيها تغيير ) أو ( تبديل ) والتغيير هذا لا أقصد منه التلاعب منهم، فلا والله لا أظن بأحد منهم هذا الظن رغم مخالفتهم في الأصل والفرع.

    لكن المراد: أن التساهل أحياناً في نقل مذهب الخصم قد يجعلك تنقله بالاختصار، أو في غير موضوعه فتسيء إلى القول نفسه دون أن تشعر.

    وأعطيكم مثالاً على هذا النقل الناقص السيئ والذي فيه تغيير للحكم والمسألة: فينقل بعض الفقهاء من جميع المذاهب أن داود وأصحابه يقولون عن أمر الله تعالى من أراد القيام إلى الصلاة أن يتوضأ، فعلقوا الحكم بالقيام، فكل قائم عليه أن يتوضأ.

    وهذا النقل باطل عن أهل الظاهر، والمسألة أخرجت من موضعها، ووضعت في موضع آخر، فقول داود والأصحاب: أن الأمر بغسل اليدين عند القيام من النوم معلق بالقيام منه، فكل قيام من نوم: يجب غسل اليدين منه.

    فوضعها بعض كتب الفروع المذهبية تحت مسألة متى يجب الوضوء، فحين شرحوا أن المراد بالآية السابقة: أن كل من لم يكن على وضوء، فإذا أراد الصلاة فليتوضأ، أدخلوا قول الظاهرية هنا في تلك المسألة تحت هذه المسألة ! فجعلوا قولهم في ( القيام من النوم ) مفصولاً عن النوم، وجعلوا القيام هو تفسير للآية ( قمتم إلى الصلاة ).

    وقد ذكرت مرة في شرح قاعدة الأخذ بالظاهر: أن الظاهر من هذه الآية مجموع مع ظاهر الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ثبت عنه أنه صلى أكثر من فرض واحد بوضوء واحد، وأنه لم يتوضأ إلا عند الحدث: صح أن المراد هنا من قام إلى الصلاة وهو غير متوضئ، وليس كل قائم عليه الوضوء، وهذا الذي ذكرته هو عمدة قول متقدمي أهل الظاهر لا غيره، ولا أعلم عن قول المعاصرين اليوم، فالله أعلم به.

    فهذه المسائل ونحوها تنقل، ويغيّر فيها دون قصد، ولكن لقصور معرفة الناقل لمذهب أهل الظاهر، لذلك يقع منهم هذا الخطأ والخلط.

    وهذه المسألة وما كان مثلها ذكرتها في كتابي ( موسوعة فقه الإمام داود الظاهري ) والتي عملت فيها سنوات، وستكون بالاشتراك بيني وبين شيخنا ووالدنا الأستاذ الدكتور محمد رواس قلعه الخبير في الموسوعة الفقهية.

    إلا أنني في هذا الكتاب لم أفصل في التصويب والتخطئة ؛ لأن هذا العمل موسوعي فقط، والعمل الموسوعي لا يشترط فيه تحقيق صحة القول، وإنما ترتيب المحكي والمنقول فقط، لكني أشرت بعدم الصحة في الهامش ومحل كلامي عنها في كتاب آخر في فقه داود الظاهري على طريقة الفقهاء، وهو كتاب ( الجامع لمذهب الإمام أبي سليمان داود بن الظاهري ) ففي هذا الكتاب التحرير والتحقيق، وهذا المحل هو اللائق بمثل هذه المسائل.


    فهذه تعليقة تفيد الأحباب والأصحاب لمعرفة مناهج الفقهاء في نقل قول الظاهرية، وكيفية تصحيح الأقوال المنقولة، وما هي الكتب التي تعتمد، وما مدى دقة المذاهب الفقهية في النقل عنهم، وكذلك إشارة إلى أكثر الموافقات لأهل الظاهر من فقه السلف، فأسأل الله أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب.


    * * *
    يتبع...



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,963

    افتراضي رد: نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..

    نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..


    سليم المصمودي

    فأبدأ أولاً بمسألة الإشارة إلى موافقات السلف لقول أهل الظاهر، ثم نشرع في بيان الكلام على كتب المذاهب بحسب الترتيب الزماني للمذاهب، فأقول وبالله تعالى التوفيق.

    * * *

    النبذة الأولى: موافقات الظاهرية للسلف الصالح.

    قد طلب مني بعض الأحباب وهو أبو محمد المصري الظاهري أن أشير إلى هذه الموافقات بحسب عملي في فقه داود خاصة، وفي فقه أهل الظاهر عامة، وأقد استجبت له في ذلك، وسأبين ذلك على سبيل الاختصار ؛ لأني ذكرت له أنني لم أقيد أرقام هذه المخالفات، وإنما سأذكر ذلك على سبيل الإجمال، فإن أحصيتها بينت ذلك في مقدمة كتابي الذي فرغت منه ( موسوعة فقه داود ) إن شاء الله تعالى.

    فالذي نقوله في هذا المقام: إن أكثر موافقات الصحابة لأهل الظاهر عامة، أو لداود خاصة في مسائل الفقه فهي موافقات سأذكرها بحسب الكثرة، وهؤلاء دائماً يكون قول داود موافقاً لقولهم في أصل المسألة.

    وهذه الموافقات مع: علي بن أبي طالب، ثم ابن عباس، ثم عمر بن الخطاب، ثم أبي بكر الصديق، ثم عثمان بن عفان، ثم عبد الله بن الزبير، ثم أبي هريرة، ثم ابن مسعود، ثم يأتي أصحاب الموافقات القليلة، وهم كثرة.

    أما من بعدهم من التابعين وغيرهم فأكثر الموافقات فهي مع: ابن سرين، ثم الزهري، ثم الحسن البصري، ثم عطاء، ثم ابن المسيب، ثم ابن جبير، ثم مجاهد، ثم عمر بن عبد العزيز.

    أما من فقهاء الأمصار، فأكثر الموافقات فهي مع: الأوزاعي، ثم الليث بن سعد، ومن بعدهما أبو ثور، ثم أحمد، ثم الشافعي، ثم مالك، ثم النعمان، ثم الطبري، ثم المزني.

    فهذا ما يحضرني في هذه الموافقات، وإن شاء الله أحصي ذلك في مقدمة الموسوعة عن داود، وأبين بالأرقام كل ذلك، ولعله يتغير عن هنا قليلاً، أو كثيراً، لأن الاعتماد هنا على العمل والذاكرة، ولعلي أخطأت، أو زدت، أو أنقصت، فالإحاطة بكل هذه الأقوال ومدى الموافقة أمر يعسر بلا تقييد عدد.

    النبذة الثانية: قول أهل الظاهر في كتب المذاهب الأربعة:

    قبل الشروع في بيان ذلك أحببت الكلام عن أمور، وهي:

    الأمر الأول: حكاية عدم الاعتداد بخلاف الظاهرية عند بعض الشافعيين.

    فهذا القول الحادث لا معنى له أصولياً، ولا فقهياً، إذ من قال بهذه البدعة مقلد شافعي، وباتفاق بين المجتهدين إذا تساهلنا معهم بحسب أصولهم: أن الاجتهاد هو اتفاق مجتهدي عصر من العصور على شيء ما.

    أي: أن الاجتهاد هو أساس اعتبار قول الرجل، وكونه انطبق عليه شرط الاجتهاد، وداود وغيره انطبقت عليهم شروط الاجتهاد، فهذا أولاً.

    أما ثانياً: فإذا اتفقوا على أن مجتهدي عصر من العصور إذا اتفقوا على شيء فهو حجة كما يقولون: فالجويني الأشعري، ومثله الإسفراييني ليسوا من أهل الاجتهاد المطلق أصلاً، ولا يوضعون ضمن المجتهدين المطلقين، ومن وضعهم فهو إما جاهل، وإما مكابر.

    أما ثالثاً: فلم يجمع أحد من مجتهدي عصر من العصور على أن الظاهرية ليسوا من أهل الاجتهاد، ولا قال بهذا غير صاحب هذه الدعوى المبتدعة، ولا برهان له بها، فسقطت.

    أما رابعاً: فإن قول الجويني والإسفراييني وهما مقلدة لأصول الإمام الشافعي قول مقلدة في إخراج إمام مجتهد شهدت له الأمة من قبلهم ومن بعدهم بالإمامة والتقدم في الديانة، وسعة العلم، والاجتهاد المطلق، فلا يقبل منهما هذا القول حتى يقيما برهان على دعواهما، وإلا بطلت.

    واعلم ما يفيدك في هذا الباب: فإن الشافعيين في الراجح عند حذاقهم يقولون: الإجماع السكوتي ليس بحجة، وهو القول الذي قيل من أحد الفقهاء، واشتهر، ولم يردنا إنكاره عن غيره.

    فكل ما ينقلون فيه إجماعاً لا قطع فيه فهو ليس بحجة، ولا يعتمد في إثبات الأحكام عندهم، فإذا علمت ذلك، فاعلم أيضاً ما يقطع لهم هذه البدعة:

    أن قول العلماء بالاعتداد بقول العلماء المجتهدين هو لمعرفة أهل الإجماع، فمتى ما خرج أحدهم عنهم، أو لم يعلموا قوله، أو علموا أن في القرن هذا علماء من أهل الاجتهاد، ولا يعلمون قولهم في مسائل كثيرة أو قليلة: فلا يكون هذا إجماعاً أصلاً، بل هو العلم بعدم الخلاف، وهذا الذي قال عنه الإمام أحمد من ادعى الإجماع فيه فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا.

    فإذا صح ذلك: فلا معنى لقول قائل: لا يعتد بخلاف فلان ؛ لأن الأئمة الذين هم من أهل الاجتهاد منهم من علم بالاسم، ومنه من علم بالوصف، أي استحق الاجتهاد بما اتصف به من فقه وعلم بالكتاب والسنة.

    فتارة نقف على اتفاق العلماء باسمهم، وتارة لا نقف، كما أننا تارة نقف على قول مجتهد لم نسمع به من قبل، وتارة لا نسمع، فلا حاجة أصلاً لتحرير مدى إجماعهم وعدمه.

    وخاصة أن هؤلاء وغيرهم من المعاصرين قد نصوا على عدم إمكان تحقق الإجماع ؛ لتعذر الوقوف على كل قول قائله مجتهد في ذلك الزمان.

    فصحيح أن هناك وسيلة اتصال اليوم، إلا أنها ليست عند كل عالم مجتهد، فلذلك كانت هذه المقولة باطلة فاسدة يراد منها التشنيع، والفرار من اعتراض الخصم فقط.

    وجلهم يعتمد على نقل غير مسند عن ابن سريج الشافعي صاحب محمد بن داود الظاهري أن من أوصى بثلث ماله على الفقهاء: فالظاهرية يخرجون من الوصية !

    وحجتهم الأولى في ذلك: أن الظاهرية ليسوا من أهل الاجتهاد، لأن الاجتهاد هو القياس، وهذا باطل فاسد.

    فالاجتهاد هو طلب حكم الله تعالى بعد إفراغ الجهد والبحث، وهذا باعتراف جميعهم، فوضعوا معنى الاجتهاد على معنى القياس فقط دون غيره، فأخرجوا الظاهرية وغيرهم من مبطلي القياس عن اسم المجتهد، وهذا كما ترى شغب وتمويه فاسد.

    فكل من استحق وصف المجتهد فإن قولهم معتبر ومحترم بمعنى أن نقول: قاله وله أجر وإن أخطأ ؛ لأنه استكمل أدوات الاجتهاد، أما مسألة الاعتداد التي يراد منها تركيب إجماع متوهم كما يفعل هؤلاء فلا والله لا يصح ذلك من كل وجه.
    وهكذا قول الجويني والإسفراييني بأن الظاهرية ليسوا بمجتهدين، لذلك لا يعتد بخلافهم !

    وحجتهم الثانية هي ما نقل عن الباقلاني ومن أخذ بقوله في قوله: إن الفقه مبني على الظنون، فأسس هؤلاء مسألة الاعتداد على أن الظاهرية لا يقولون بالظن، فليسوا بفقهاء !

    فجعلوا معنى الفقه: القول بالظن، وكأن الفقه ليس منه قول باليقين الذي عمل به الظاهرية، فكان ينبغي عليهم أن يقولون: الظاهرية نصف فقهاء ! لا أن ينفوا الفقه جملة عنهم، فهذا من بديع وسواسهم لنصرة ما يؤسسون له من باطل.

    فإن كان الفقه مبني على الظن: فما الدليل الموجب العمل به ؟ وما الدليل المبيح لاستخراج الحكم عن طريقه ؟ وما الدليل الموجب أن من خالفه آثم ؟ فهذا لا يجده أحد من هؤلاء إلا بالإلهام !

    فإذا وقفت على الشغب في قولهم هذا، حيث جعل الاجتهاد هو القياس فقط، وجعل الفقه هو العمل بالظن فقط: علمت فساد طريقتهم، وكيفية احتجاجهم على خصومه، فلا أفلح من تعصب وتحزب لغير اليقين من الكتاب والسنة، نسأل الله السلامة من ذلك.

    أما الأمر الثاني الذي أردت الكلام عنه، فهو التنبيه على بعض حيل أهل المذاهب في التشنيع على الخصم.

    فإنهم إذا أرادوا التشنيع على مخالفهم نقلوا قوله، ولم ينقلوا قول غيره ممن سبقه من العلماء، ويأخذون بالتشنيع عليه لمخالفة الأمة كما يقولون، أو لمخالفة الجمهور.

    وتارة يقولون: لم يشذ في ذلك أحد إلا فلان، وهو محجوج بالإجماع أو بالاتفاق، ونحو ذلك من عبارات.

    فاعلم علمني الله وإياك: إن أكثر هذه المسائل التي جمعتها ونسبت إلى داود لم يكن القائل الأول بها، وإنما كان قوله متأخر عن قول الصحابي الذي قال به، أو أكثر من صحابي قالوا به، أو تابعي، أو تابع تابعي.

    فأخرج أصحاب المذاهب هؤلاء السلف، وحكوا قول داود وحده ليشنعوا عليه، ويبينوا أن مذهبه غريب عجيب لم يقل به أحد لبيان تفرده الشاذ !

    وهذا كثيراً ما تجده عند الشافعيين، والحنفيين، والمالكيين، ونادراً ما تجده عند الحنبليين، فإنهم كما سترى بعد قليل أكثر الناس دقة في النقل عن داود، وأكثرهم احتفالاً بذكر آرائه.

    فهذه الطرق لا يراد منها إلا التشنيع على داود، أو أهل الظاهر بغير حجة، ويغطون خلاف الصحابي، أو التابعي، ويرمونه بالشذوذ والتفرد، ناسين ومتناسين أن الخلاف فيه قديم، ومن جهل هذا فكان الأولى به أن لا يتجرأ ويزعم أن هذا لم يخالف فيه أحد إلا داود، فهذا من الكذب إن تعمده، وكان يعلم أنه لا يعرف أقوال السلف.

    واستبعد أن يكون هؤلاء لم يقفوا على الاختلاف القديم ؛ لأن هذه الكتب التي يكثر فيها التشنيع تنقل قول داود من الكتب التي نقلت قوله مع قول الصحابي الموافق، أو التابعي، أو تابع التابعي، فلا عذر ها هنا أصلاً.

    لذلك ستجد في كتابي ( موسوعة فقه داود ) قول داود، ثم في الهامش قول من وافقه من الفقهاء، سواء صحابي، أو تابعي، أو تابع تابعي، أو من فقهاء الأمصار، لبيان عدم شذوذه فيما ادعي عليه الشذوذ، وأنه تفرد بهذا القول.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,963

    افتراضي رد: نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..

    نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..


    سليم المصمودي

    فنأتي الآن إلى تحرير ما نحن فيه وما نريده من مسألة نقل المذاهب لقول أهل الظاهر، وكيفية ذلك، وكيفية تحقيقه، فنقول وبالله تعالى التوفيق:


    أولاً: المذهب الحنفي ونقل فقه أهل الظاهر:

    المسألة الأولى: أول كتاب نقل قول أهل الظاهر عند الحنفيين:

    إن من أوائل الكتب التي نقلت قول أهل الظاهر هو المبسوط للسرخسي الحنفي، والنقل المراد هو ذكره حين ورود المسألة ليس بقصد الرد، وإنما بيان أقوال العلماء فقط، وإن كان السرخسي يجيب عما ذكره أهل الظاهر من دليل.

    وهذا بخلاف كتب الجصاص الحنفي، فإنه يذكر أهل الظاهر للطعن فيهم، ويتقول على داود ما لم يقله، كقوله عن داود: أن حجج العقول ليست بحجة، وهذا باطل عن داود، وقد ذكر بعض أهل العلم من غير أهل الظاهر فساد هذا المعنى المحكي عن داود، وكذا سنراه فيما جمعت من فقهه ووقوفه على حجج العقول.

    المسألة الثانية: دقة النقل عن أهل الظاهر عند الحنفيين:

    المذهب الحنفي هو مذهب بضد منهج أهل الظاهر تماماً، فأهل الظاهر أهل نص وأثر، ولا يدخلون الرأي والظن في اجتهادهم، وهذا بخلاف المذهب الحنفي، فهو مذهب أصحاب الرأي والظن.

    لذلك سترى في كتب أصحاب هذا المذهب قلة النقل عن أهل الظاهر، كما تلاحظ قلة النقل عن أئمة الحديث أيضاً، وخاصة المتأخرين منهم وأصحاب الشروح، فقليلاً ما يشيرون إلى قول أهل الظاهر.

    والملاحظ على كتب الحنفيين: عدم الدقة في النقل، ويرجع ذلك إلى عدم النقل من كتب أهل الظاهر في الأغلب.
    فلم أقف حين جمعي لفقه أهل الظاهر من كتبهم إلى إشارة أحدهم لبعض كتب أهل الظاهر، أو أنه نقل ذلك من كتاب كذا للظاهري فلان، وأغلب النقل يكون عن النووي في مجموعه الذي شرح به المهذب للشيرازي.

    أي أنهم ينقلون عن غيرهم من كتب المذاهب في الأغلب، رغم أن النقل عن الغير قد يكون غير دقيق أيضاً، إلا المتقدمين من الحنفيين فإنهم ينقلون قول أهل الظاهر دون الإشارة إلى الكتاب الذي نقلوا عنه.

    وفي الجملة: لا يتجاوز النقل عن أهل الظاهر في كتب الحنفيين المائة مسألة أو أقل، وأكثرها مكرر، وتجد أكثرها في بدائع الصنائع للكاساني، وشرح فتح القدير لابن الهمام، والبحر الرائق، وحاشية ابن عابدين، أما غيرها فهي إما أنها تنقل عن هؤلاء، وإما من كتب المذاهب الأخرى، وهو بكل حال نقل شحيح.

    المسألة الثالثة: الاستعانة بكتب الحنفيين في تحقيق قول أهل الظاهر:

    ينبني على مسألة دقة النقل، مسألة صحة الاستعانة بنقلهم، فالذي ظهر لي عدم صلاحية الاستعانة بكتب الحنفيين لتحقيق أي قول هو قول أهل الظاهر عامة، أو أي قول هو قول داود من المنقول عنهم.

    ومن الملاحظ على كتبهم: اهتمامهم بنقل مناظرة البرذعي مع داود الظاهري، وهي مهملة بغير إسناد، ورغم التمويه الذي فيها، وإظهار البرذعي على أنه انتصر على داود فيها، ولم أجد أحداً منهم رد هذا التمويه، وبين فساده إلا بعض الإشارات عند ابن الهمام الحنفي، الذي بين وجه الجواب على ما ذكره البرذعي، ولم يفصح عن بطلان ما سأل عنه، والله أعلم سبب ذلك، وقد ذكرت هذا في موضوع خاص بينت فيه وجه هذه المناظرة، وأن البرذعي لا يفحم داود بمثل هذا السؤال، وأظنه في قسم الفقه.

    فداود احتج بهذه المسألة بأن قال: أجمعنا على جواز بيع أم الولد قبل أن تكون حاملاً بطفلها، ويجب أن يستمر هذا الجواز حتى يأتي دليل يبطله.

    فقال البرذعي: ولكنا أجمعنا أنها حين كانت حاملاً لا يجوز بيعها، فوجب الاستمرار على هذا الإجماع حتى يأتي ما يبطله، فذكروا أن داود انقطع حين قال البرذعي ذلك !

    وهذا الاعتراض من البرذعي تمويه فاسد ؛ لأننا إذا أجمعنا على عدم جواز بيعها حال حملها لطفلها، فالإشكال ليس هنا، وإنما بعد أن ولدت وصارت أم ولد، فنعود بعد ولادتها إلى ما أجمعنا عليه من جواز بيعها حين لم تكن حاملاً، وهذا الذي يجب أن يستمر عليه لا التمويه الذي ذكره البرذعي.

    ولم أجد من الحنفيين من بين فساد احتجاج البرذعي هذا، ولكن كما هو معلوم عند انتصار رجل على رجل آخر من مذهب يخالفه، فإن جميع من على مذهب المنتصر هذا يفرحون بمثل هذه القصص، ويطيرون بها، ويشنعون على خصومهم بها، وربما اتهموهم بعدم الفهم والفقه من أجلها.

    لكن الحق يجعلنا نقول: بأن ابن الهمام الحنفي هو الوحيد الذي أشار إلى فساد احتجاج البرذعي صاحبهم، لكنه لم يصرح ببطلانه، وإنما قال: يمكن أن يجاب على كلام البرذعي .. فذكر بعض ما يفسد به اعتراض البرذعي، لكن هذا الإفساد مهمل عند الحنفيين، ولم أجد من ينبه عليه بعد ابن الهمام، فاستغلوا هذه الحادثة للتشنيع على خصمهم فقط.
    وعلى كل حال: فنقلهم كما سترى في ( موسوعة فقه الإمام داود ) وفي كتاب ( الجامع لذهب أبي سليمان ) نقل سيء، وفيه تغيير أحياناً غير مقصود، وسياق على سبيل الاختصار المخل، والمغيّر لحكم المسألة، فلا يصلح لترجيح الصحيح من قول أهل الظاهر أو داود في مسألة من المسائل إذا وجد معارضها عند غيرهم من المذاهب في الأغلب، والله أعلم.


    يتبع....
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •