الخطابة في العصر الجاهلي
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الخطابة في العصر الجاهلي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,311

    افتراضي الخطابة في العصر الجاهلي

    الخطابة في العصر الجاهلي


    د. إبراهيم عوض





    "الأمثال" جمع "مَثَل"، وهو جملة من القول مقتطعة من كلام أو مرسلة لذاتها تنقل مما وردت فيه إلى مشابهه دون تغيير؛ بغية الاستشهاد بها، وبعض الأمثال قد يكون مسجوعًا متوازنًا، وإن لم يكن هذا شرطًا لا بد منه، وتمتاز هذه الجملة بأنها تلخص الموقف أو الجدال أو التعليق وتحسمه على خير وجه، وبأنها قصيرة لا تتجاوز بضع كلمات، وبأنها من الحيوية والسلاسة وحلاوة الصياغة وبراعة التصوير وتعدُّد الأبعاد بحيث يُكتب لها السيرورة والانتشار على ألسنة الناس، وبأنها لا تخلو في كثير من الأحيان من موعظة أو حكمة.


    وقد كتب حنا الفاخوري زاعمًا أن الأمثال الجاهلية، لكونها "كلام الشعب في جميع طبقاتهم، فقد جاءت في أكثرها غير مصقولة؛ كما في قولهم: أول ما أطلع ضبٌّ ذَنَبه"؛ (حنا الفاخوري/ تاريخ الأدب العربي/ 202)، وهذا حكمٌ جزافٌ لا معنى له ولا دليل عليه، وليس في عبارة المَثل الذي أورده ما يدل على ركاكة أو ضعف في الصياغة البتة، بل تجري على فحولة الصياغة العربية، وفي كتب النحو والصرف كلام عن هذا التركيب، يجده القارئ في نهاية باب المبتدأ والخبر؛ إذ يذكر العلماء عدة مواضع يجب فيها حذف الخبر، منها: أن يكون المبتدأ مضافًا إلى مصدر عامل في اسم مفسر لضمير له حال لا يصح ورودها خبرًا، مثل: "أكثر شُربي السويق ملتوتًا"، و"أخطب ما يكون الأمير قائمًا"، والمَثل الذي بين أيدينا يقترب جدًّا من المثال الأخير كما نرى، إلا أن المعمول هنا (وهو "ذنَبه") مفعول لا حال، ولو أردنا أن نصوغ المثل صياغة عادية لقلنا: "أولُ شيء يُطلعه الضبُّ من جحره هو ذنبه"، ومثله قول العقاد في قصيدة "الشاعر الأعمى": "وأظلم ما نال العمى جفن شاعر"، وعلى هذا فكلام الفاخوري مجرد دعوى فارغة من المضمون، وقد أكد د. شوقي ضيف بحق أن "طائفة من هذه الأمثال تدخل في الصياغة الجاهلية البليغة؛ إذ نطق بها بعض بلغائهم وفصحائهم، مِن أمثال: أكثم بن صيفي وعامر بن الظرب، وكان خطباؤهم المفوهون كثيرًا ما يعمِدون إلى حشدها في خطاباتهم"، بل إنني لأزعم، دون أدنى مبالغة فيما أحسب، أن معظم هذه الأمثال هي نموذج للصياغة البليغة الجزلة بعكس ما يهرف به الفاخوري، أما قول الدكتور شوقي ضيف: إن "بعض الأمثال تخالف قواعد النحو والتصريف" فربما يكون كلامنا أدقَّ لو قلنا: إنها قد تخالف ما نعرفه من هذه القواعد؛ إذ كان الواجب أن يجعل علماءُ النحو والصرف تلك الأمثال مصدرًا من المصادر التي اعتمدوا عليها في استخلاص قواعدهم، لا أن يحكِّموا تلك القواعد في مثل هذه النصوص الجاهلية التي يصعب أن يكون قد دخلها تغيير يُذكر، إن كان قد دخلها أي تغيير على الإطلاق، كما قال الأستاذ الدكتور نفسه (د. شوقي ضيف/ العصر الجاهلي/ 404، 408)، على عكس ما يؤكد ك. أ. فارق (K، A، Fariq) في الصفحة الثالثة والثلاثين من كتابه: "History of Arabic Literature"، إذ يقول: إن النثر الجاهلي كله (بما فيه الأمثال طبعًا)، شأنه شأن الشعر في ذلك العصر، قد دخله تحريف كثير من قِبل الرواة، الذين زيفوه وبدلوه وأضافوا إليه وحذفوا منه وشوهوه، وذلك دون أن يدعم زعمَه هذا بأي برهان، على الأقل فيما يخص الأمثال التي، نظرًا لإيجازها الشديد وكثرة ترديدها واستمرار الاستشهاد بها والحرص التام على استعمالها كما نُطق بها لأول مرة دون أي تحوير، يصعب جدًّا جدًّا أن ينالها شيءٌ من هذا الذي قال، وسوف نتوسع بعض التوسع في معالجة النقطة الخاصة بدعوى مخالفة الأمثال الجاهلية لقواعد النحو والصرف فيما بعد.

    ونبدأ بالجانب اللغوي: وهناك ألفاظ كان الجاهليون يعرفونها ويستعملونها ولا يجدون فيها غرابة، لا في وقعها على الأذن ولا في وقعها على الذهن، ولا تشكل لهم من ثم أية صعوبة في فهم دلالتها، بَيْدَ أن الأمر الآن قد تغير؛ فأضحَتْ تلك الألفاظ لا تستعمل، وآضَتْ بحاجة إلى من يشرح للقراء معانيها؛ إذ اللغة تتطور كما يتطور كل شيء في الحياة، فيموت بعض ألفاظها ولو إلى حين، وتجِدُّ عليها ألفاظ لم تكن معروفة من قبل، أو على الأقل لم تكن شائعة الاستعمال كما هو الحال الآن... وهكذا.

    وقد استطعت أن ألتقط بعضًا من تلك الألفاظ التي تحتاج إلى من يشرحها للقارئ العصري، إما لأنها غريبة عليه تمامًا، وإما لأنها، وإن لم تكن غريبة عليه في ذاتها، فهي غريبة عليه بمعناها القديم؛ إذ أصبحت تعني في لغتنا الحالية معنى آخر غير الذي كان لها قبلًا، أو هي غريبة عليه بصيغتها؛ لكونه يعرف لذلك المعنى صيغة أخرى، ومن هذا النوع من الألفاظ "الاحتلاط: الغضب"؛ (أوَّل العي الاحتلاط)، و"القين: الحداد"؛ (إذا سمعت بسُرى القين فإنه مُصبح)، و"الصريح: اللبن الذي ليس فوقه رغوة"؛ (أبدى الصريح عن الرغوة)، و"العِذرة: العُذر"، و"الحقين: الوطب الذي يُحقن باللبن"؛ (أبى الحقين العِذرة)، و"ارجَحَنَّ: مال" و"الشاصي: الرافع رجله"؛ (إذا ارجَحَنَّ شاصيًا فارفع يدا)، و"القِدح: السهم الذي كانوا يستقسمون به؛ أي: يحاولون أن يعرفوا به الغيب، حسبما كانوا يتوهمون"؛ (أبصِرْ وَسْمَ قِدحك)، و"الشِّرْب: نصيب الشخص أو الحيوان من الماء"؛ (آخرها أقلها شِرْبًا)، و"العقي (وجمعه "أعقاء"): ما يخرج من الصبي عند ولادته"؛ (احذر الصبيان لا تصبك بأعقائها)، و"الذِّل (وجمعه "أذلال"): السهولة"؛ (أجرِ الأمور على أذلالها)، و"الحَسُّ: الاستئصال"، و"الأس: الأصل"؛ (ألصق الحس بالأس)، و"السَّلى: مشيمة الحُوار، وهو الجمل الوليد"؛ (انقطع السلى في البطن)، و"الوذم: سيور تربط بها أطراف العراقي، وهي الخشبتان اللتان تكونان على حافَة الدلو يحمل منهما، أو الخشبتان اللتان تصلان بين وسط الرحل والمؤخرة، والمفرد: عرقوة"؛ (أُمِرَّ دون عُبَيدةَ الوذمُ: لم يستشره أحد في الأمر؛ لهوان شأنه)، و"البَعَاع: المتاع والثقل"؛ (ألقى عليه بعاعه: ألقى عليه نفسه من حبه له)، و"الزخاري: النبت عند ارتفاعه"؛ (أخذت الأرض زخاريها: اكتملت وبلغت الغاية)، و"الرطيط: التذمر"؛ (أرطِّي، إن خيرك في الرطيط)، و"العقنقل: المصران"؛ (أعطِ أخاك من عقنقل الضب: أعطه من كل ما معك مهما يكن تافهًا)، و"حظَب يحظُب: سمِن"؛ (اعلُل تحظُبْ)، و"النَّجيث: ما كان خافيًا فظهر"؛ (بدا نجيثُ القوم)، و"الحُذيَّا: العطيَّة"؛ (بين الحذيَّا والخُلسة: إما أن تعطيه مما معك وإما اختلسه منك؛ أي إنه لا فَكاك من أخذه منك ما معك)، و"الطريقة: اللين والضعف"، والعِنْدَأوة: العناد"؛ (تحت طريقته عِنْدَأوة)، و"الثأطة: الطين"؛ (ثأطةٌ مُدَّت بماء: بمعنى "زاد الطينَ بِلة")، و"الجَدْح: الشُّرب"؛ ("جَدْح جوينٍ مِن سويق غيره"، وجوين: اسم شخص، والسويق نوع من الطعام)، و"القذة: الريشة التي تركب على السهم"؛ (حذو القُذة بالقُذة)، و"هراق: أراق"؛ ("خلِّ سبيل من وهَى سقاؤه، ومَن هُريق بالفلاة ماؤه"؛ لأنه لا أمل في صلاحه)، و"اليَلْمَع: السراب"؛ (أخذلُ من يَلْمَع)، و"الدَّبري: الذي يأتي بعد فوات الأوان"؛ (شرُّ الرأي الدَّبري)، و"الحَقْحَقة: السير السريع الشديد"؛ (شر السير الحَقْحَقة)، و"الجِروة: النَّفْس"؛ (ضرب على الأمر الفلاني جِرْوَته: وطَّن نفسه عليه)، و"الهِلْباجة: النَّؤُوم الكسلان، أو الثقيل الجافي"؛ (أعجز من هِلْباجة)، و"غَشَمْشَم: غشُوم"؛ (غشمشم يغشي الشجر: يُفسد كل شيء ولا يبالي، كالثورِ في محل الخزف)، و"القُرَاب: القُرب"؛ (الفرار بقراب أكيس: الفرار قبل التورط في المهلكة أفضل من التمادي في الأمر)، و"القطوف: البطيء المتأني في مِشيته"، و"الوساع: المسرع السابق"؛ (القطوف يبلغ الوساع: قد يلحق المتأني المتعجل)، و"الكِفت والوثيَّة: القِدر الصغيرة والكبيرة"؛ (كِفت إلى وثيَّة: تقال لمن لا يكتفي بتحميل صاحبِه المكروهَ الكبيرَ، بل يُلحق به مكروهًا آخرَ)، و"البِضاع: الجِماع"؛ (كمعلِّمةٍ أمَّها البِضاعَ)، و"جَلَل: صغير"؛ (كل شيء أخطأ الأنفَ جَلَل)، و"اليَهْيَر: السراب"؛ (أكذب مِن اليَهْيَر)، و"لحام: لحوم"؛ (لكن لِحام بشرمة لا تجن)، "بَلِلْت: ابتليت"؛ (ما بلِلْتُ من فلان بأفوَق ناصل: ظهر أنه رجل صعب المِراس، والأفوق الناصل: السهم المكسور)، و"ودَّع نفسه: أراحها، وهو مأخوذ من الدَّعَة لا من التوديع"؛ (مَن لم يَأْسَ على ما فات ودَّع نفسه)، و"العَبَكة: ما يعلق بأصوافِ الغَنم من بعرها"؛ (ما أباليه عَبَكة)، و"مُخْرَنْبِقٌ لِيَنْبَاعِ"؛ أي لاطئٌ بالأرض ينتهز فرصة ليثبَ على عدوه، و"تَعَظْعَظَ: اتَّعَظ"؛ (لا تعِظيني وتَعَظْعَظِي)....

    .... وهناك، إلى جانب ما مر، صيغ صرفية وتراكيب نحويَّة لم تعُد تستخدم الآن، مثل استعمال "ليس" في موضع حرف العطف "لا"؛ كما في المثال التالي: "إنما يجزى الفتى ليس الجمل"، وهو استعمال لـ: "ليس" لا يعرفه كثير منا، يضاف إلى استعمالها أداة استثناء؛ كما في قولنا: "قام الطلاب ليس عليًّا"؛ أي: قاموا إلا عليًّا، ومن هذه التراكيب أيضًا حذف خبر "أن" رغم عدم تقدم ما يدل عليه، إلا أنه مفهوم من السياق؛ كما في الشاهد التالي: "أشبه شَرْج شَرْجًا لو أن أُسَيْمرًا"؛ إذ المعنى أن هذا المكان هو فعلًا المكان الذي يسمى "شَرْجًا"، إلا أن الأسيمر (أي شجرات السَّمُر) التي كنت أعبدها فيه ليست موجودة، وتمام الكلام إذًا هو: "أشبه شَرْج شَرْجًا لو أن أُسَيمرًا كنت أعبدها من قبل كانت هناك"، ولعل القارئ قد تنبه إلى تصغير صيغة الجمع في "أسمر"؛ (جمع سمرة")، وتصغير صيغ الجمع كما هي (أي دون ردها إلى صيغة المفرد أولًا) ممنوع بوجه عام في اللغة العربية حسبما هو معروف، اللهم إلا ما نص عليه الصرفيون، وهو جموع تكسير القلة، ومنها صيغة "أفعل" التي بين أيدينا، كذلك يعرف الملمون بالنحو العربي أن هناك مواضع تحذف فيها "كان" واسمها، لكن ليس من بينها "إلا"، التي نلاحظ في الشاهد التالي كيف أن قائل المثل قد حذف بعدها "كان" واسمها مثلما يحذفهما العرب بعد "لو"؛ كما في قول الرسول الكريم مثلًا: ((التمس ولو خاتَمًا من حديد))؛ أي: ادفع أي مهر حتى لو كان هذا المهر مجرد خاتم من حديد لا قيمة له، وكذلك بعد "إن" المكررة؛ كما في مثل قوله عليه السلام: ((الناس مجزيون بأعمالهم: إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر))؛ أي: إن كان العمل المجزيون به خيرًا فالجزاء خير، أو كان هذا العمل شرًّا فالجزاء شرٌّ، ونص المثل هو: "إلا حظيَّة فلا أَلِيَّة"؛ أي "إذا لم يكن أمرك هو الحظوة عند من تريد أن يكرمك فلا تألُ أن تتودَّد له"، ومن الشواهد التي جاءت فيها "كان" واسمها محذوفين قولهم في المثل التالي: "قد قيل ذلك، إنْ حقًّا وإن كذبًا"؛ أي قيل ما قيل، وانتهى الأمر، سواء كان الكلام المقول حقًّا أو كذبًا، كذلك انظر إلى المثل التالي: "أنا غريرك من الأمر"، (ومعناه: "أنا عالم بالأمر علمًا يجعلني أجيبك في أي أمر منه حتى لو كان سؤالك على حين غرة")، كيف أدى التركيب فيه إلى المعنى المقصود رغم أنه لا يدل عليه دلالة مباشرة لا تحوج إلى شرح، وهناك أيضًا المثل التالي بتركيبه الذي لا يقابلنا في فصحانا المعاصرة رغم استمراره في العامية: "أعورُ، عينَكَ والحجَرَ"، فهو يدل على التحذير من خطر يتهدد المخاطب، وهو هنا الحجر الذي يمكن أن يصيب عين الأعور، مع ملاحظة أن كلًّا من المهدِّد (الحجر) والمهدَّد (العين) منصوب كما هو واضح، وهو تركيب لا يستعمل الآن إلا في العامية كما قلت، بل لا أظنه من التراكيب التي تقابلنا في النصوص القديمة كثيرًا، ولا تنسَ أن أداة النداء قد حُذفت كذلك في النص؛ إذ الأصل: "يا أعور"، والمقصود: "أيها الأعور، احذر أن يصيب عينَك الوحيدة الباقية حجر يذهب ببصرها أيضًا، فتصبح أعمى تمامًا".

    أما في قولهم: "أحشَفًا وسوءَ كيلة؟" فقد حُذف الفعل وفاعله، وهو استنكار لجمع الشخص بين خَلَّتين سيئتين في تعامله مع الناس بدلًا من الاقتصار على واحدة منهما ليست في ذاتها بالقليلة، ومثله قولهم في مثل آخر: "أغيرة وجبنًا؟"، وهو مثل تقوله الزوجة لرجلها الذي يغار أشد الغيرة عليها، لكنه من الجبن بحيث لا يحاول الدفاع عنها إذا تعرض عِرضه للعدوان، وهناك صيغة صرفية قابلتني في الفعل: "أنجد" من قولهم: "أنجد مَن رأى حضنًا"، (إشارة إلى الوصول إلى الغاية)، وهي صيغة "أفعل" للفعل الماضي المشتق من اسم بلد ما أو مدينة من المدن؛ كقولهم: "أعرق، وأشأم، وأعمن، وأيمن، وأمنى"؛ أي: وصل العراق أو الشام أو عمان أو اليمن أو منى أو شارف الوصول، و"حضن" اسم جبل مشهور في نجد، وثمة صيغة جمعية لا نستخدمها عادة في الموضع الذي جاءت فيه، وهي صيغة "أفعال" في قولهم: "أجناؤها أبناؤها"، (جمع "جان" و"بان" بدلًا من جُنَاتها بُنَاتها)؛ أي إن مَن جنوا عليها (أي هدموها) هم أنفسهم الذين سبق أن بنوها، وهي صيغة جمعية قليلة الاستعمال في هذا الموضع حسبما قلنا؛ كما في "صاحب: أصحاب" و"شاهد: أشهاد"، ولكنها ليست خاطئة كما قد يُفهم من كلام د. شوقي ضيف، الذي علق على هذا المثل قائلًا: إن "القياس" "جُناتها بناتها"؛ لأن "فاعلًا لا يجمع على "أفعال"... "د. شوقي ضيف/ العصر الجاهلي/ 408"، وفاته أن القرآن نفسه قد استخدم "أشهاد" في موضعين منه (هود/ 18، وغافر/ 51)، ومثلها "أصحاب"، التي تكررت فيه نيفًا وسبعين مرة، وهما جمع "شاهد" و"صاحب" على التوالي، وليس بعد قول الله قول، كذلك ذكر عباس أبو السعود في كتابه: "الفيصل في ألوان الجموع"؛ (دار المعارف/ 1971م/ 40) أنه ورد عن العرب أيضًا "قابس: أقباس" و"جاهل: أجهال"، أما في قولهم: "إذا جاء الحَيْن، حار العَيْن" فنلاحظ تذكير الفعل: "حار" رغم إسناده لمؤنث، وهو استعمال صحيح؛ لأن لفظة "العين"، وإن كانت مؤنثة، فتأنيثها مجازي؛ أي إنها ليست كائنًا حيًّا له عضو أنوثة كالمرأة والدجاجة مثلًا، ومن ثم جاز في لغة الضاد تذكير فعلها.

    ومِن التركيبات اللافتة للنظر اكتفاؤهم بالحال فقط من بين أركان الجملة جميعًا؛ كما في المثَلين التاليين: "أضرطًا وأنت الأعلى؟"، "أضرطًا آخر اليوم؟"، أما في قولهم في المثل التالي: "اقلب قلابِ"؛ (أي: اقلب الكلام وعد إلى ما قلته من قبل، وهو مثَل يضرب للرجل تكون منه سقطة فيتداركها بأن يقلبها عن جهتها ويصرفها عن معناها)، فعندنا صيغة "فعالِ" التي تعني "افعل"، مثل "دراك"، "نزال"؛ أي أدرك، وانزل، ومن أسماء الأعلام التي قابلتني في أمثال الجاهليين على هذه الصيغة أيضًا اسم "عَرارِ"، وهو من أسماء الأعلام المؤنثة، وقد ورد في المثل التالي: "باءت عرارِ بكَحْل"؛ أي إن عرارِ وكَحلًا بقرتان متساويتان لا تفضل إحداهما الأخرى، فإذا أخذتَ هذه بدلًا من تلك، أو تلك بدلًا من هذه، لم تخسر شيئًا، ولنلاحظ أن هذا الاسم، رغم مجيئه فاعلًا، قد بُني على الكسر، وهذا إعرابه دائمًا في لغة الحجازيين مهما تغيرت وظيفته في الجملة، ومنه أيضًا ما ورد في الأمثال التالية: "اسقِ رقاشِ؛ إنها سقاية"، (اسم امرأة كريمة)، "القول ما قالت حذامِ"، (اسم امرأة اشتهرت بصحة رأيها)، "أجرأ من خاصي خصافِ"، (اسم فرس خصاه صاحبه؛ كيلا يأخذه منه ملك أعجبه الفرس وأراد أن يستولي عليه)، "روغي جعارِ، وانظري أين المفر"؛ (اسم علم على الضبع)، "أزنى من سجاحِ"، (وهي الكاهنة التميمية المشهورة التي ادعت النبوة عند موت النبي عليه السلام، ثم فاءت إلى الإسلام كرة أخرى، وكان لها مع مُسَيلِمة الكذاب قصة معروفة، هي التي شهرتها بهذا المثل)، "صمِّي صمامِ"، (اسم للداهية، وهو مثل يقال عند استفظاع الداهية؛ تعبيرًا عن الضيق بها والرغبة في انقشاعها)، بَيْدَ أن هذه الصيغة لا تبلغ غرابة صيغة "فُعَّيْلَى" التي تقابلها في الشاهد التالي مرتين: "الأخذ سُرَّيْطَى، والقضاء ضُرَّيْطَى؛ أي هو في الاستدانة لطيف المعشر، لكنه عند الدفع يستحيل شخصًا شكسًا سيئ الذمة، وفي قولهم: "أخذه الله أخذ سَبعة" نراهم يسمون اللبؤة: "سَبعة"، (تأنيث سَبع)، ولا يعرف هذه التسمية إلا الأقلون، ومثلها في هذا مثلًا "رجُلة" (مؤنثة "رجُل") بدلًا من "امرأة".

    وفي بعض الأمثال نلاحظ إيراد الحرف "ما" قبل الفعل المتأخر عن شبه الجملة؛ وذلك لتأكيد المعنى، ومثله قولهم: "باليدينِ ما أوردها زائدة"، (و"زائدة" اسم رجل)، "بعين ما أرينك"، "قبلك ما جاء الخبر"، "لك ما أبكي، ولا عبرة بي"، "وبالأشقين ما حل العقاب"، كما أن هناك مثلًا واحدًا على الأقل تكررت فيه "بين" مع اسمين ظاهرين، على خلاف ما يدعي بعض اللُّغويين المتنطسين من أن مثل هذا التكرار لا تجيزه العربية، ثم اتضح لي منذ سنوات غير قليلة أن ذلك غير صحيح؛ إذ وجدت في الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي عشرات الشواهد التي تدل على أنه ليس في هذا التكرار ما يعاب من جهة الأسلوب العربي الأصيل، وإن لم يَرِدْ ذلك التركيب في القرآن؛ إذ القرآن الكريم لا يستوعب، كما هو معروف، كل إمكانات اللغة؛ فهو كتاب سماوي لا معجم لغوي، وعلى أية حال هذا هو المثل المذكور: "بين المطيع وبين المدبر العاصي"؛ أي إنه لا يوثق بموقفه؛ فهو متذبذب بين الطاعة والمعصية، فأيتهما أمكنته جرى في طريقها، ومن التراكيب التي قابلتني هنا أيضًا وأرى أنه ينبغي التلبث عندها قليلًا التركيب الذي عليه المثلان التاليان: "جاري بَيْتَ بَيْتَ"، "وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ"، ببناء الكلمتين على الفتح كما هو واضح، وهو مثل قولهم: "صباحَ مساءَ"، "ليلَ نهارَ"، "أحدَ عشرَ"، وقد أجريت التعبير العامي: "خَبْطَ لَزْقَ" عليه واستعملته في كتاباتي مطعِّمًا الفصحى به على طريقتي في إغناء لغة الكتابة بما أرى استعارته من العامية بعد إجرائه على مقتضيات قواعد النحو والصرف، ويمكن أن نلحق به الكلام في الجملة التالية: "اذهب إلى المكان الفلاني جَرْيَ جَرْيَ"... وهكذا.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,311

    افتراضي رد: الخطابة في العصر الجاهلي

    الخطابة في العصر الجاهلي


    د. إبراهيم عوض



    ومما لفت انباهي من التراكيب التي قابلتني في الأمثال الجاهلية ما ورد في قولهم: "حَبَّ شيئًا إلى الإنسان ما مُنعا"، الذي استخدم فيه الفعل "حَبَّ" بدلًا من "أفعل التفضيل"، (هكذا: "أحبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنعا")، مع نصب "شيء" لا جره كما يلاحظ القارئ، وهناك أيضًا تركيب آخر للدلالة على التفضيل وردت منه أمثلة في الشواهد التالية من أمثال العرب القدماء، وهي: "فتى ولا كمالك"، "مرعى ولا كالسعدان"، "ماء ولا كصداء"، فالاسم الذي بعد "ولا" مفضل على ما قبلها، وقريب منه قولهم: "المنية ولا الدنية"، "النار ولا العار"، وإن كان التفضيل في هذا التركيب الأخير للمذكور أولًا، وهو "المنية" و"النار" على الترتيب، أما في المثَلين التاليين اللذين يجريان في تركيبهما على ذات المنوال فإن المعنى يختلف عما نحن إزاءه؛ ففي قولهم: "مرعى ولا أكولة"، و"عشب ولا بعير" لا مجال للتفضيل، بل المقصود التحسر على توفر المرعى والعشب بغزارة، ولكن دون فائدة؛ إذ لا وجود للماشية التي يمكن أن تأكله، وبالنسبة لكلمة "رويد" فلا أظننا الآن نعرفها إلا في قولنا: "رويدًا يا فلان"، أو رويدك يا فلان"، بَيْدَ أن العرب القدماء كانوا يتصرفون فيها أوسع من ذلك؛ كما في المثَلين التاليين: "رُوَيد الشِّعرَ يَغِبَّ"، (انتظر قليلًا حتى ينتشر الشعر بما فيه من مدح أو هجاء، ويعمل عمله في العقول)، "رُوَيد الغزوَ ينمرِقْ"، ولاحظ كيف أن الاسم بعد "رويد" يكون منصوبًا، وللنحاة في هذا التركيب كلام يعللون به هذا الإعراب، وأرى أننا لا ينبغي أن نجري مع تقديرات النحاة التي لا تسير على منطق اللغة الواضح المستقيم، بل نكتفي بالقول هنا: إن الاسم الواقع بعد "رويد"، ("رويد" دون تنوين) يكون منصوبًا، والسلام، وذلك دون أن نعنِّيَ أنفسنا بالبحث عن السبب في هذا النصب خارج تلك الدائرة، ثم إنه قد يلي هذه الكلمة فعل كما في المثل التالي: "رويد يعلون الجدد"؛ أي: ارفق حتى يمكنني الأمر، وبالمثل لا أحب أن نرهق أنفسنا مع الصرفيين في توجيه صيغة الكلمة، وهل هي تصغير "رود" طبقًا لما يقول به بعض، أو "إرواد" بناءً على ما يقوله آخرون؟



    وهناك صيغة صرفية أخرى لم تعد تستخدم أيضًا على نطاق واسع، وهي الأسماء التي على وزن "فُعْلى"؛ إذ لا يفد على ذهني منها الآن إلا "العُقبى"؛ (أي "العاقبة") و"الشورى" و"النعمى"؛ (أي "النعمة")، و"البقيا: أي الإبقاء"، و"الدنيا"، وفي القرآن، إلى جانب ذلك، "الرجعى"، (بمعنى "الرجوع") و"السوءى"؛ (أي "السوء")، و"اليسرى"، و"العسرى"، ومن أسماء النساء عند العرب "سعدى" و"سُلمى"، وفي الأمثال التي بين أيدينا نجد أيضًا "رُغبى" و"رهبى": "رُهباك خير من رُغباك"؛ أي: رهبتك خير من رغبتك، والمعنى أنك لا تأتي ما تأتي من أعمال الخير عن رغبة منك وحب، بل عن رهبة وخوف، أما الاسم "خفيدد: الظليم (أي ذكر النعام)" في المثل التالي: "أشره من خَفَيْدَد" فقد جاء على صيغة لا أظنني قابلت اسمًا آخر على وزنها من قبل؛ إذ هو وزن نادر لا أستطيع أن أتذكر اسمًا من الأسماء المصبوبة فيه، وإن كان هناك "سَمَيْدع: الشريف الشجاع" مثلًا، إلا أنه صفة لا اسم.

    ومِن التراكيب التي وجدتها في أمثال الجاهليين أيضًا قولهم: "عَدْوَك إذ أنت رُبَع" لتحميس الشخص ليبذل أقصى ما عنده كما كان يفعل أيام الشباب والحيوية، و"العَدْو" هو الجري السريع، و"الرُّبع" هو الجمل في شبابه، والشاهد في الكلام هو نصب "عَدْوَك" على الإغراء، والإغراء باب من أبواب النحو معروف، وإن لم يكن هذا التركيب مما ينتشر في الأسلوب العصري على نطاق واسع، أما المثل القائل: "عسى الغُوَير أبؤسًا" فهو يخالف القاعدة العامة التي تقول: إن خبر "كاد" وأخواتها لا يكون إلا جملة فعلية فعلها مضارع، مع "أن" وبدونها حسب حالة كل فعل منها؛ إذ الخبر هنا مفرد لا جملة، فكأنهم قد أجروا "عسى" في هذا المثل مجرى "كان" وأخواتها، وبالمناسبة فهذا المثل هو أحد الشواهد في كثير من كتب النحو على ذلك الاستعمال، وهناك استعمال آخر لـ: "عسى" يسوِّيها بـ: "لعل"، فينصب اسمها ويرفع خبرها، الذي يمكن في هذه الحالة أن يكون مفردًا أو شبه جملة، ومنه ما كنا نسمعه من السعوديين حين يهنئ بعضهم بعضًا بالعيد فيقولون: "عساكم من عوَّاده"، وبالمثل نجد أهل اللغة المهتمين بصحة الأساليب يخطئون مجيء "لا" بين "قد" والمضارع قائلين: إنه ينبغي في هذه الحالة الاستعاضة بـ: "ربما" عن "قد"، فلا يقال مثلًا: "قد لا ألعب"، بل لا بد من تغييرها إلى "ربما لا ألعب"، وقد غبَر عليَّ زمن كنت أخطِّئ من يفعل ذلك، ثم جاء وقت ظننت أن هذا تحكُّم لا معنى له، كما وجدت في كتاب محمد العدناني: "معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة" بعض الشواهد على صحة هذه التركيب، منها بيت شعر للأعشى هذا نصه:
    وقد قالَتْ قتيلةُ إذ رأَتْني ♦♦♦ وقد لا تَعْدم الحسناءُ ذمَّا
    وهو مثَل يضرب للشيء الرائع الذي لا يخلو أن يجد من يعيبه رغم هذا، وإن كانوا يحذفون منه "قد"، وهناك بيت آخر للنمر بن تولب الشاعر المخضرم، أورده العدناني أيضًا، ونصه:
    وأحبِبْ حبيبَك حبًّا رويدًا ♦♦♦ فقد لا يعُولك أن تصرِمَا
    إلى جانب عبارتينِ لابن جني وابن مالك صاحب الألفية، وهما مِن كبار النحاة وأهل اللغة.

    ثم بدا لي، وأنا أكتب هذه الدراسة، أن أراجع الشعر القديم في "الموسوعة الشعرية" الضوئية، مجتهدًا ما استطعتُ مقاومة الملل والضيق أثناء بحثي عن الشواهد المرادة، لكني، في حدود ما تنبهت وغالبت ملل البحث في أكوام ذلك الشعر، لم أتنبه إلى وجود شواهد أخرى تسوِّغ موقفي الجديد، وهأنذا أعود فأرى أن من الأفضل لي أنا شخصيًّا مما لا أُلزم به غيري تجنب استعمال ذلك التركيب في كتاباتي بما فيها الرسائل الشخصية التي لم أكن أتحرز فيها تحرزي في الكتابات الرسمية والأدبية، والعود أحمد كما يقولون، بيد أنني قد عثرت رغم ذلك بالمثل التالي أثناء قراءتي لكتاب أبي هلال العسكري الحالي: "جمهرة الأمثال"، وقائله رجل جاهلي، هو سعد بن زيد مناة التميمي، قاله بعد أن شاخ وأضحى لا يستطيع أن يسوق بنفسه جمله الذي يركبه، وهو بالمناسبة من الشواهد التي ساقها الأستاذ العدناني، بارك الله فيه، وهذا نص المثل: "قد لا يُقاد بي الجمل"؛ أي إنني لم أكن قبله أحتاج إلى من يقود بي الجمل كما هو الحال الآن بعد أن شِبْتُ ولم أعد أستطيع القيام بأمر نفسي، فالمثل إذًا تعبير عما يجده الرجل العجوز من حسرة بعد أن ضعفت قواه وولى عنه الشباب.

    وهناك مثَل لفت نظري، كونه جملة اسمية خالية من أي فعل، بما يعني خلوها من التحديد الزمني، وكان المفروض - بناءً على هذا - أن تدل على المعنى المقصود مطلقًا دون الارتباط بزمن معين، أو على الأقل مع قصره على الزمن الحاضر، لكنها مع هذا قد صيغت لتدل على الماضي، وهو ما لا يقبله النحويون، فهذا الشاهد إذًا يسير بعكس ما يقولون، وهذا هو نصه: "لكن بشَعفينِ أنتِ جَدودُ"، و"الجَدودُ" هي القليلة اللبن، والمثَل في امرأة كانت فقيرة محرومة حتى من اللبن، ثم أصابت غنًى وكثرت عندها الماشية ودرت ألبانها، فأخذت تتفاخر بذلك، مما دفع مبغضيها لتذكيرها بأيام فقرها حين كانت تنزل الموضع المسمَّى: "شَعفينِ"؛ كي تكف عن هذا الفخر الكريه، كذلك هناك عدد من الأمثلة تتضمن "أفعل تفضيل" مباشرًا مشتقًّا من فعل مبني للمجهول، وهو ما يرفضه كثير من الصرفيين حسب القواعد التي وضعوها، وإن كان لكل قاعدة شواذ كما نعرف، ومنها الأمثال التالية: "أشغَلُ من ذات النَّحيين"، "أقوَدُ من مهر"، "أمنَعُ من عُقاب الجو"، ونختم هذه الملاحظات اللغوية بالإشارة إلى ما ورد في المثل التالي: "وِجْدان الرِّقين يُغطِّي على أفَن الأَفِين"؛ أي إن غنى الشخص وامتلاكه للرِّقين، وهي الفضة، يستر على كل عيوبه وحماقاته؛ فـ: "الرِّقين" جمع "رقة"، وهو ما يسمى في الصرف بالملحق بجمع المذكر السالم؛ لأن كلمة "الرِّقة" لا تتوفر فيها الشروط التي لا بد منها في ذلك النوع من الجمع، مثلها في هذا مثل "بُرَة: بُرُون - بُرِين"، "كُرَة: كُرُون - كُرِين"، "عِزَة: عِزُون - عِزِين، "عِضَة: عِضُون - عِضِين"، "مِائة: مِئون - مِئين"، "رِئَة: رِئُون - رِئِين"، "سَنَة: سِنُون - سِنِين"... إلخ.

    فإذا انتقلنا إلى الجانب الموسيقي لاحظنا أن بعض الأمثال تعتمد السجع والجناس والطِّباق والموازنة (كلها أو بعضها) بُغْية توفير الإيقاع الموسيقي والذهني لضمان المتعة والحفظ والسيرورة، بل إن بعض هذه الأمثال عبارة عن بيت من الشعر أو شطر من شطريه، وها هي ذي الشواهد على ما نقول: "اختلط الحابل بالنابل"، "إذا أردت المحاجزة فقَبْل المناجزة"، "إذا عزَّ أخوك فهُنْ"، "إذا لم تغلِبْ فاخلب"، "إذا جاء الحَيْن، حار العين"، "ارقَ على ظلعك، واقدِر بذَرْعك"، "أرِنيها نَمرة، أُرِكَها مطرة"، "أعذَر مَن أنذَر"، "إن القُنوع الغنى لا كثرة المال"، "إنني لن أضيره، إنما أطوي مصيره"، "استغنت التُّفَّة عن الزُّفَّة"، "بعتُ جاري، ولم أبِعْ داري"، "جاء بالطِّمِّ والرِّمِّ"، "جَدَّك لا كَدَّك"، "حال الجريضُ دون القريض"، "الخلاء بلاء"، "دُهْدرين سعد القَيْن"، "رُبَّ قول أشد من صول"، "ضَرْب أخماسٍ لأسداس"، "الطريفُ خفيف، والتليد بليد"، "قُرب الوساد، وطُول السواد"، "كلَّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع"، "لولا اللئامُ لهلك الأنام"، "ليس من العدل سرعة العَذْل"، "من لي بالسانح بعد البارح؟"، "المنايا على البلايا"، "مِن العناء رياضةُ الهرِمِ"، "هذا أوان الحرب، فاشتدي زِيَم"، "اليوم خَمْر، وغدًا أمر".

    ومِن الجوانب الاجتماعية التي أريد أن أتناولها في هذه الدراسة الأسماء التي كان العرب القدماء يتسمَّون بها، وقد وُفِّقت إلى العثور على الأسماء التالية للرجال والنساء: فأما الرجال، وليسمح لي الجنس اللطيف أن أبدأ بهم أولًا جريًا على العرف الاجتماعي وليس رغبة في تنقصهن، فها هي ذي أسماؤهم التي تنبهت إليها أثناء تصفحي للأمثال الجاهلية (الجاهلية فعلًا أو ظنًّا) الموجودة في كتاب العسكري: "سعد"، "سعيد"، "عبيدة"، "درم"، "سملقة"، "حُنيف"، "مالك"، "زيد مناة"، "عمرو"، "سالم"، "فلحس"، "مادر"، "سحبان"، "قُس"، "لقمان"، "المرقش"، "جوين"، "عُمى"، "حاتم"، "هرم"، "كعب"، "هبنقة"، "حجينة"، "ربيعة"، "عدي"، "أبو غبشان"، "جناب"، "عجل"، "الأحنف"، "سنان"، "حنين"، "عرقوب"، "دُعميص"، "أسعد"، "فطرة"، "إياس"، "أخزم"، "حداجة"، "قرثع"، "شظاظ"، "سلاغ"، "عائشة"، "عثم"، "مرقمة"، "جفينة"، "حميق"، "عوف"، "كليب"، "مروان"، "الشنفرى"، "السُّليك"، "باقل"، "مزيقياء"، "عُتيبة"، "قيس"، "عاصم"، "الحارث"، "حاجب"، "زرارة"، "سدوم"، "بسطان"، "كلثوم"، "عامر"، "البراض"، "ظالم"، "المُذلق"، "الطفيل"، "ناشرة"، "قصير"، "حمل"، "أسلم"، "ضبارة"، "جدرة"، "ابن توضع"، "الذئب"، "عصام"، "خرافة"، "عبود"، "جناب"، "خريم"، "حيان"، "حوثرة"، "خوات"، "الخرشب"، "شن"، "السموءل"، "جذيمة"، "النطف"، "لكيز"، "أسلم"، "قوضع"، "ضبارة" ... إلخ.
    هذه أسماء جنس الرجال، وكما يرى القارئ فمعظمها خشنٌ وعر، والآن إلى أسماء القوارير، ولكن يؤسفني من كل قلبي أن أقول: إنها، بوجه عام، لا تقل خشونة ووعورة، وليس هذا بالشيء المستغرب؛ فقد كان الجاهليون بدوًا خشنين، وكان معظم ما حولهم وعرًا جافيًا، فمن أين يمكنهم أن يستمدوا الأسماء الجميلة، والإنسان في الغالب هو ابن بيئته وظروفه؟ ما علينا، فلنتابع أسماء الجنس اللطيف في الجاهلية، ولنكن على ذُكْرٍ من أن صاحبات هذه الأسماء الجافية هن اللاتي شغلن أفئدة الشعراء وأسهَرْنَهم الليالي يتقلبون على الشوك والجمر، أو لا يجدون ما يعملونه سوى عد النجوم بسبب مجافاة النوم لهم، وأشعلن خيالهم وأطلقن قرائحهم وألسنتهم بالقصائد الخالدة التي أبقت على ذكرهن طوال هذه القرون وستبقى عليها إلى أبد الآبدين ما دامت هناك هذه اللغة العبقرية، لغة الضاد، وهذا بعض ما وجدته من أسماء لآنساتنا وسيداتنا (تيجان رؤوسنا سواء رضينا أو كرهنا): "رقاش"، "حذام"، "سجاح"، "زرقاء"، "حومل"، "مارخة"، "أم خارجة"، "منشم"، "لميس"، "مارية"، "حليمة"، "الزباء"، "أم قرفة"، "ظلمة"، "صُحر"، "عاتكة"، "شولة"، "خبيثة" ... وهلم جرًّا، ومن الواضح أن الأغلبية الساحقة من هذه الأسماء، الرجالي منها والنسائي، قد اختفت من حياتنا تبعًا لتغير الأذواق والمفاهيم والمعتقدات وظروف الحياة والبيئة والتطور التاريخي، وبخاصة أنها أسماء جاهلية لا تربطنا بها وشيجة كالتي تربطنا بالأسماء الإسلامية التي نعتز بها أيما اعتزاز، ونحرص على تسمية أبنائنا وبناتنا بها.

    هذا، وما أكثر الأمثال التي تدور حول هذا الشخص أو ذاك لخَلة فيه أو لحادثة وقعت له اشتهر بها بين العرب حتى ضرب به المثل! ومن ذلك الأمثال التالية، وكثير منها يقوم على المقارنة وأفعل التفضيل: "آبل من حُنيف الحاتم"؛ أي: أكثر إبلًا، "أبخل من مادر"، "أبصر من زرقاء"، "أبلغ من سحبان"، "أتيس من تيوس تويت"، "أحزم من سنان"، "أحكم من لقمان"، "أحمق من أبي غبشان، أو من شرنبث"، "أسرق من شظاظ"، "أسعد أم سُعَيد؟"، "أضبط من عائشة بن عثم"، "أطمع من فلحس"، "أعظم في نفسه من مزيقياء"، "أفتك من الحارث بن ظالم"، "أقود من ظُلمة"، "أنكح من حوثرة"، (وهذا المثل يقال للشخص المزواج)، "أنعم من حيان"، "أينما أوجه ألقَ سعدًا"، "بيدي لا بيد عمرو"، "تجشأ لقمان من غير شبع"، "دقوا بينهم عطر منشم"؛ (أي ثارت بينهم حرب شؤم مهلكة، ومنشم امرأة كانت تبيع العطر، وهو عطر مشؤوم)، "دم سلاغ جُبَار"؛ أي هدر، "دُهْدرين سعد القين" ، "رذ كعب، إنك وارد"؛ (يقال لمن كان على شفا الموت)، "شب عمرو عن الطوق"، "شنشنة أعرفها من أخزم"، "صحيفة المتلمس"، (وهي كلمة تقال عند التشاؤم بشيء تخشى من ورائه الهلكة)، "صفقة لم يشهدها حاطب"، "عادت لعترها لميس"؛ (أي رجعت لعادتها القديمة)، "في بيته يؤتى الحكَم"؛ (أي إن لفلان من الكرامة ما يوجب على الناس أن يذهبوا إليه ولا يذهب هو)، "القول ما قالت حذام"، "لا حر بوادي عوف"، (يقال للسيد المستبد الذي لا ينهض له أحد)، "هما كندماني جذيمة"، "ولو بقرطي مارية"، (يقال للشيء النفيس لا يمكن التفريط فيه، ولو دُفع فيه أغلى ثمن)، "يا وليتا! رآني ربيعة"، "ما يوم حليمة بسر"، (و"اليوم" هنا بمعنى "المعركة"، و"أيام العرب" هي معاركهم وحروبهم المشهورة، والمقصود بـ: "يوم حليمة" المعركة التي ضمخت فيها الأميرة حليمة بنت الحارث بن جبلة رجال جيش أبيها بالعطر غداة انطلاقهم للحرب، وكان يومًا مشهورًا ضُرب به المثل).
    على أن أسماء الأعلام لا تقتصر على الأشخاص، بل تشمل الحيوان والمكان أيضًا: ومن أسماء المواضع التي وردت في أمثال الجاهليين "أبان"، (جبل)، "شجعات"، "شرج"، "حضن"، (اسم جبل)، "أجلى"، "أضاخ"، "مكة"، "عرار"، (اسم بقرة)، "كحل"، (اسم بقرة أخرى)، "براقش"، (اسم كلبة)، "المارد"، (اسم حصن)، "الأبلق"، (اسم حصن آخر)، "الرَّامتان"، (وهو الاسم الذي أطلقه طه حسين على دارته في الجيزة، وقد أخذه من المثل القائل: "تسألني (أي ناقتي) برامتين سلجمًا"؛ أي: تطلب شيئًا ليس هذا موضعه)، "شبيث"، "الأحص"، "ثهلان"، (جبل)، "خميرة"، (اسم فرس)، "ابنا شمام"، (اسم هضبتين)، "صداء"، (اسم ماء)، "برية خساف"، "هَرْشَى"، "بلدح"، "شعفان"، "لُبَد"، (اسم نسر طويل العمر)، "تَرْج"، (مكان تكثر فيه الأسود)، "خَفَّان"، (مكان آخر تكثر فيه الأسود)، "تبالة".

    وهذا يقودنا إلى محاولة التعرف إلى جانب آخر من جوانب الحياة الطبيعية في الجزيرة العربية في ذلك العصر، ألا وهو أنواع الحيوان والطيور التي كانت موجودة هناك وتعرضت لها أمثال الجاهليين، وفي كثير من هذه الأمثال نرى نظرة العرب إلى الحيوان أو الطير المذكور وكيف كانوا يرون طباعه وعاداته بغض النظر عن مدى صحة هذا الرأي أو لا، والملاحظ أنهم قد يصفون الحيوان أو الطير بصفات مختلفة أو متناقضة، كل صفة في مثل مختلف، كما أنهم قد يصفون عدة حيوانات أو طيور بصفة واحدة، ولسوف أذكر نص كل مثل ورد فيه ذكرٌ لحيوان أو طير: فمنها "استنوق الجمل"، "أتبعِ الفرس لجامها"، "إذا نام ظالع الكلاب"، "أرغوا لها حُوَارها تقرّ"، (الحُوَار: ولد الناقة)، "أصيدَ القنفذ أم لُقَطة؟"، "أنكَحْنا الفَرَا، فسنرى"، (الفَرَا: الحمار الوحشي)، "أخوك أم الذئب"، "أخذه الله أخذ سبعة"، (السبعة: اللبؤة)، "أعطِ أخاك من عَقَنْقَل الضبِّ"، "أطرِقْ كَرا، إن النعام في القرى"، (الكرا: الواحد من طيور الكروان، والمراد أنك أهون من أن أقصدك بكلامي، بل أقصد قومًا يستحقون الكلام)، "البُغاث بأرضنا يستنسر"، (البُغاث: طير صغير ضعف)، "أدنى حماريكِ ازجري"، "آمَنُ مِن حَمَامِ مكة"، "آلف من غراب عُقدة"، "آكل من سوس، أو من فأر، أو من حوت، أو من الفيل"، "بالت بينهم الثعالب"، (ثار بينهم الشر)، "خرئت بينهم الضبع"؛ (نفس المعنى السابق)، "أبعد من بيض الأنوق"، (الأنوق: ذكر الرَّخَمة)، "أبصر من عُقاب، أو من نسر، أو من فرس"، "أبصر بالليل من الوطواط"، "أبر من الهرة، أو من الذئبة"، "أبكر من الغراب"، "أبخل من كلب"، "أبلد من السلحفاة، أو من الثور"، "أبيض من دجاجة"، "أبخر من صقر، أو من فهد"، "أبول من كلب"، "تركته على مثل مِشفَر الأسد"؛ (أي عرضة للهلاك)، "تقلدها طوق الحمامة"، (لزمه عارها إلى الأبد)، "أتبع من تولب"، (ولد الحمار؛ لأنه يتبع أمَّه لا يفارقها أبدًا)، "أتعب من راكب فصيل"، (ولد الناقة؛ لأنه لم تتم رياضته بعد)، "أتخم من فصيل"؛ (لأنه يشرب من اللبن فوق طاقته)، "أتيس من تيوس تويت"، "الثور يضرب لما عافت البقر"، (يقال فيمَن يؤخذ بذنب غيره)، "أثبت من قراد"، "أثقف من سنور"، (وهو القط؛ لأنه يعرف كيف يصطاد الفأر فلا يخطئ أبدًا)، "الجحشَ لمَّا بذَّك الأعيار"، (ارضَ بما هو متاح لك واستكفِ به عما لا تستطيعه، والعَير: الحمار الكبير)، "أجبن من صفرد، أو من كروان (طائران)، أو من ثرملة (الثعلب)، أو من الهجرس (القرد)، أو من الرُّبَاح (ولد القرد)"، "أجرأ من ذباب، أو من خاصي الأسد"، "أجول من قطرب"، (دابة لا تكف عن التجوال ليلًا أو نهارًا)، "أجوع من لعوة"، (وهي الكلبة)، أو من الذئب، أو من قُراد"، "أجشع من كلب"، "أجهل من فراشة، أو من حمار، أو من عقرب، أو من نملة، أو من راعي ضأن"، "حمارٌ استأتن"؛ (أي تحول إلى أتان، وهي أنثى الحمار)، "حتى يجتمع مِعْزى الفِزْر"، (الفِزْر: رجُلٌ تفرقت معزاه في كل مكان، وهو مثل يضرب للاستحالة)، "حيل بين العير والنَّزَوان"، (مثل لمن يحال بينه وبين مراده، والنزوان: الوثوب)، "حمير الحاجات"، (للشخص الذليل الممتهن في الأشغال الشاقة)، "أحمق من الضبع، أو من الرخل (أنثى ولد الضأن)، أو من نعجة على حوض، أو من أم الهنبر (والهنبر: الجحش، وأمه هي الأتان)، أو من الجهيزة (أي الذئبة)، أو من حمامة، أو من نعامة، أو من رخمة، أو من عقعق"، "أكيس من الرخمة"، "أحذر من قِرِلَّى (طائر يغوص في الماء فيستخرج السمك)، أو من ذئب، أو من غراب، أو من عقعق، أو من ظليم (ذكر النعام)"، "أحزم من القِرِلَّى، أو من الحرباء"، "أحير من الضب، أو من الورل"، (وهما حيوانان إذا خرجا من جحرهما لم يهتديا إليه ثانية)، "أحيا من الضب"؛ (أي أطول حياة منه)، "أحول من الذئب"؛ (لبراعته في الحيلة)، "أحول من أبي راقش"؛ (لأن ألوانه تتحول ولا تثبت على لون واحد)، "أحرس من كلب"، "أحرص من ذئب، أو من كلب، أو من خنزير"، "أحطم من الجراد"، "أحقد من جمل"، "أحن من شارف"، (وهي الناقة المسنة)، "أحكى من قرد"، "أحمى من است النمر، أو من أنف الأسد"، "خَلِّه دَرَجَ الضب"، (دَعْه على عماه)، "الخيل أعرف بفرسانها"، "الخيل ميامين"، "الخروف يتقلب على الصوف"، (مثَل يضرب للتقلب في النعمة)، "أخف من فراشة"، "أخف رأسًا من الذئب، أو من الطائر"؛ (إذ أقل شيء يوقظهما)، "أخف حِلمًا من بعير، أو من العصفور"؛ (أي إنهما قليلا العقل)، "أخرق من الحمامة"؛ (لأنها لا تحسن بناء عشها)، "أخلف من بول الجمل"، "أخلف من ثِيل الحمل"، (الثِّيل: كيس عضو الحمل؛ لأنه يتجه إلى غير جهة البول)، "أخلف من الصقر"، (أنتن رائحة من فم الصقر)، "أخبث من ذئب الغضى"، "أخون، أو أختل، أو أخب من الذئب"، "أخب من ضب، أو من ثعالة"، (وثعالة: الثعلب)، "أخيل من ديك، أو من غراب"، "أخطأ من ذباب، أو من فراشة"، "أخطف من عقاب، أو من قِرِلَّى"، "أخشن من شيهم"، (وهو ذكر القنفذ)، "أدب من قراد، أو من عقرب، أو من ضيون (أي السنور)، أو من قَرَنْبى (دويبة تشبه الخنفساء)"، "الذئب يُدعى: أبا جعدة"، (لا تغتر بما يظهره فلان من الكرم، فإنما هو كالذئب الغدار)، "الذود إلى الذود إبل"، (القليل إلى القليل يصبح مع الأيام كثيرًا، والذود ثلاث نوق أو أكثر من ذلك قليلًا)، "الذئب يأدُو للغزال"، (يخدعه)، "ذل من بالت عليه الثعالب"، "أذل من عَير، أو من حمار مقيد، أو من بعير السانية"؛ (أي الساقية)، "أروى من نعامة؛ (لأنها قليلة العطش)، أو من الضب؛ (لأنه، كما يقولون، لا يشرب أبدًا)، أو من حية، أو من الحوت"، "أرسح من ضفدع"، (والرسح: خفة العجز)، "أزنى من هجرس، أو من هر"، "أزهى من غراب، أو من وعل (وهو التيس الجبلي)"، "سقط العَشاء به على سِرحان"، (السِّرحان: الذئب؛ أي إنه بدلًا من أن ينال ما كان يبغيه قد أصابه مكروه)، "سواسية كأسنان الحمار"، (في الشر)، "سمِّن كلبك يأكلك"، "أسمع من سِمْع (ابن الذئب من الضبع)، أو من قراد؛ (لأنه، فيما يقولون، يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم)، أو من فرس (إذ كانوا يعتقدون أنه يسمع صوت الشعرة التي تسقط عن بدنه)"، "أسلح من حبارى، أو من دجاجة"، "أسبح من نون"؛ (أي الحوت)، "أسهر من جُدجُد"، (صرار الحقل)، "أشم من النعامة، أو من ذئب، أو من هِقْل (ذكر النعمام)، "أشره من الأسد"، "أشرد من خفيدد"، (وهو ذكر النعام)، "أشكر مِن كلب"، "أشد من الفيل"، "أشرب من الهيم"، (الإبل العطاش)، "أصول من جمل"، (يُضرب به المثل في شدة العض)، "أصبر من الضب، أو من حمار"، "ضلَّ دُرَيْصٌ نفَقَه"، (يُضرب مثلًا لمن لا يهتدي في كلامه أو في فعله، والدرص: ولد الفأر؛ لأنه إذا خرج من جحره لم يستطع الاهتداء إليه كرة أخرى)، "الضبع تأكل العظام ولا تعرف قدرَ استِها"، "أضل من ضب، أو من وَرَل"، "أطول ذمًّا من الضب، أو من الحية، أو من الأفعى، أو من الخنفساء"؛ لأنها لا تموت سريعًا، بل تظل تتحرك فترة طويلة بعد قتلها)، "أطير مِن عُقَاب، أو من حُبَارى"، (كانوا يظنون أنها تطير عبر بلاد متناوحة في زمن جد قصير)، "أطيش من فراشة، أو من ذباب"، "أطفس من العفر"، (الخنزير)، "ما بقي منه إلا ظِمْءُ حمار"، (لم يبقَ فيه إلا القليل)، "أظلم من حية، أو من وَرَل"؛ "لأنهما يدخلان جحر غيرهما ويستوليان عليه"، "أعز من بيض الأنوق، أو من الغراب الأعصم"، "أعطش من النقَّاقة (أي الضفدع؛ لأنها إذا فارقت الماء ماتت)، أو من النمل؛ (لأنه يكون في القفر فلا يرى الماء أبدًا)، "أو من حوت"، "أعيث من جَعارِ"، (وهي الضبع، فهي إذا وقعت في الغنم أفسدت أيما إفساد)، "أعجل من نعجة إلى حوض"، "أعمر من ضب (إذ كانوا يقولون: إنه يعيش أطول كثيرًا من مائة عام)، أو من قُراد (فقد كانوا يعتقدون أنه يعيش إلى سبعمائة سنة)، أو من نسر؛ (لأنهم كانوا يظنون أنه يعيش خمسمائة عام)، "أغر من ظبي مقمر"، "أغوى من غوغاء الجراد"، "أغزل من عنكبوت"، "أغلم مِن ضَيْوَن"، (ليس أشد شهوة من السِّنَّوْر فيما يقولون)، "أفسد من الجراد، أو من السوس، أو من الأرَضة، أو من الضبع"، "أفسى من ظربان، أو من خنفسا، أو من نمس"، "قف الحمار على الردهة، ولا تقل له: سَأْ"، (الردهة: نقرة الماء التي يشرب منها، ومعنى المثل: أرِه الطريق، ثم اتركه يتصرف ولا تخف عليه)، "أقود من مهر"، "كل الصيد في جوف الفَرَا"، "كل شاة تناط برجلها"، "الكلب أحب أهله إليه الظاعن"، "أكيس من قشة"، (جرو القرد، وهو مثل يضرب للولد الصغير العاقل)، "أكسب من نمل، أو من فأر"، "لقد كنت وما أُخشَّى بالذئب"، (للذل بعد العز)، "لو ترك القطا لنام"، (هذا مثل قولنا: نوم الظالم عبادة، والقطا: الحمام البري)، "لبست له جلد النمر"، (أبديت له العداوة الشديدة)، "ألين من خرنق"، (ولد الأرنب)، "أمسخ من لحم الحُوَار"، "أمنع من عُقاب الجو"، "نابٌ، وقد يقطع الدَّوِّيَّةَ النابُ"؛ (الناب: الناقة المسنَّة، والدوية: الفلاة السحيقة، والمعنى أنه، على كبر سنه وضعفه، قد يصلح للسفر الطويل المرهق)، "أنعس من كلب"، "أنبش من جيال"، (الضبع مشهورة بنبش القبور)، "أنوم من فهد، أو من غزال، أو من الظَّرِبان"، "أنزى من ظبي، أو من جراد"؛ (لأنهما كثيرَا القفر والحركة لا يستقران)، "وَجَدَ تمرةَ الغرابِ"، (حصل على أحسن شيء؛ لأن الغراب، فيما يقولون، ينتقي أجود تمرة ويأكلها)، "أولغ من كلب"، "هما كركبتي البعير"، (أي متساويان في كل شيء)، "هما كفرسي رهان"، (دائمَا التنافس في الخير)، "أهون من حندج (وهي القملة)، أو من ضرطة عنز"، "لا تقتنِ من كلب سوء جروًا"، "لا ناقتي فيها ولا جملي"، (أمر لا يهمني)، "لا ينتطح فيها عنزان"، (قضية محسومة لا جدال فيها).
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,311

    افتراضي رد: الخطابة في العصر الجاهلي

    الخطابة في العصر الجاهلي


    د. إبراهيم عوض



    ولا شك أن هذه الأمثال تدل على دقة ملاحظة العرب الجاهليين في عالم الحيوان والطير مما لا نعرف نحن الآن عشر معشاره رغم التقدم العلمي والثقافي الذي تحقق للبشرية منذ ذلك الحين، وإن كان هناك بعض الأخطاء في تلك الملاحظات، وهو أمر طبيعي؛ إذ إن العرب ليسوا بدعًا بين البشر؛ فهم يجمعون في معلوماتهم بين الخطأ والصواب، ولكن يكفيهم شرفًا وفضلًا أنهم كانوا بهذه الدقة وذلك التبصر فيما لاحظوه على ما حولهم من حيوان وطير كثير العدد، كما رأينا في الأمثال التي سلفت، وفيما عرفوه من الفروق بين الذكر عن الأنثى في الطباع والخصائص؛ كالجمل والناقة، طبقًا لما جاء في المثل القائل: "استنوق الجمل"، "أو "حمار استأتن"؛ (أي ظهرت على كل منهما علامات الأنوثة، فاقترب الأول أن يكون ناقة، والثاني أن يكون أتانًا)، وتخصيص اسم لكل عُمُر من أعمار الحيوان: فالحُوار هو ولد الناقة، والفصيل هو الشاب من الإبل، على عكس الناب، التي هي الناقة المسنة، ثم الشارف، التي تأتي بعد ذلك، وهناك الدرص والحسل والسمع والفرعل والهجرس والجحش والظبي والمسهر والخرنق والجرو والحلم، وهي صغار الفأر والضب والذئب والضبع والقرد والحمار والغزال والحصان والأرنب والكلب والقراد على التوالي، كذلك هناك الجمل والناقة، والأنوق والرخمة، والأسد واللبؤة، والحصان والفرس، والحمار والأتان، والهِقل والنعامة، والذئب والجهيزة، وهما الذكر والأنثى من كل حيوان من هؤلاء... وهلم جرًّا.وقد رأينا كيف استطاعوا التمييز بين طباع كل حيوان وغيره حتى في مسائل التبول، ورائحة الفم، والعطش أو الري، والاهتداء إلى المسكن أو الضلال عنه، والعزة أو الذلة مثلًا، وإن اشتركت بعض الحيوانات في هذه السمة أو تلك من تصرفاتها... مما مر بيانه من الأمثال التي أوردناها آنفًا، ويمكن أن يلحق بذلك ما تحدثت عنه الأمثال من شجر ونبات: "ترى الفتيان كالنخل، ولا ينبيك ما الدَّخْل"؛ (أي إن المهم هو مخبر الإنسان لا مظهره)، "أشبه شَرْجٌ شَرْجًا لو أن أسيمرًا"، (والأسيمر: تصغير "أسمر"، وهي جمع "سمرة"، نوع من الشجر ينبت في بلاد العرب)، "إنك لا تجني من الشوك العنب"، "عصبتُه عَصْبَ السَّلَمة"، (والسلم: نوع آخر من شجر العرب، وهو شجر شائك يستعمل ورقه وقشره في الدباغ، ويسمى ورقه: "القرظ")، "أرخِ يديك واسترخِ، إن الزناد من مَرْخ"، "في كل شجرة نار، واستمجد المَرْخ والعَفَار"، (والمَرْخ والعَفَار: شجرتان تقدح أغصانهما لاستخراج النار منها)، "أشعث من قتادة"، (وهو شجر كثير الشوك)، "مرعى ولا كالسعدان"، (شوك تأكله الإبل فيغزر لبنها)، "أخبث من ذئب الغضى"، (والغضى: شجر جيد للوقود).ومِن معارف الجاهليين الطبيعية التي تعكسها أمثالهم ما له علاقة بالبيئة الجغرافية والفلكية؛ فمن ذلك قولهم: "أبعد من العيُّوق"، "أتلى من الشِّعرى"؛ (لأنها تتلو الجوزاء)، "أريها السها، وتريني القمر"، "أرق من رقراق السراب"، "أطول صحبة من الفرقدين"؛ (لأنهما نجمان لا يفترقان)، و"بنات نعش"، (كواكب معروفة)، "برق خُلَّب"، (وهو البرق الكاذب الذي لا يعقبه مطر)، "أرِنيها نمرة، أُرِكَها مطَرة"، (ومعناه أن السحابة إذا كان فيها سواد وبياض فمعنى هذا أنها ستمطر، وهذا يدل على خبرة بأنواع السحاب ومقدرة على التفرقة بين الممطر منها وغير الممطر، وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن بلادهم كانت تعتمد على المطر في المقام الأول؛ إذ ليس فيها أنهار، كما هو الحال في مصر، ومن ثم كانت معرفتهم الدقيقة بكل ما يتعلق بالمطر والسحاب، وبخاصة أن السماء كانت مفتوحة أمام أعينهم لا يسترها عنهم ساتر، فقد كانوا يعيشون في خيام منصوبة في العراء لا في بيوت تعوق أعينهم عن النظر الحر المرتاح إلى الفضاء والأفق والسماء).لقد كان الماء قضية حياة أو موت، ومن هنا مثلًا نراهم يقولون: "أن تَرِدَ الماءَ بماءٍ أكيس"؛ لمعرفتهم أنهم متى انقطعوا عن الماء في باديتهم المتناوحة التي كثيرًا ما يعز فيها عنصر الحياة الأول فقد يهلكون، وبالمثل نقرأ في المثل التالي أن "آخرها (أي آخر الإبل الواردة على الماء للسقي) أقلها شربًا"؛ إذ ترد وقد قارب الماء على النفاد، أو على الأقل ترد ولم يعد الماء صافيًا كما كان للإبل التي شربت مبكرة، فضلًا عن أن تأخير السقي هو دليل على العجز والمذلة، وإذا كانت هناك عين ماء طيبة فسرعان ما تشتهر بينهم: "ماء ولا كصداء"، "إن أضاخًا منهل مورود"، "أعذب من ماء البارق، أو من ماء الحشرج"، وثمة مثل آخر يشير إلى عملية الاستقاء من البئر بالحبال والدلاء: "بئس مقام الشيخ: أَمْرِسْ! أَمْرِسْ!"؛ أي إنه لا يليق بك أن تزاول عملًا لا يناسب مكانتك، مثل وقوفك على شفا بئر وسقياك بالحبل، الذي قد ينقطع في يدك فيصيح الناس بك أن "أمرس! أمرس!"؛ أي: أعد الحبل إلى مكانه من البكرة، ومن أمثال الاستقاء أيضًا قولهم: "ألقِ دلوك في الدِّلاء".كذلك استطاع العرب القدماء أن يفرقوا بين الحيوانات والطيور المختلفة حسب مدى حاجتها إلى الماء، وسرعة أو بطء هذه الحاجة، مثلما مضى بيانه في الأمثال التي قرأناها معًا، وهو ما يبين لنا كيف كان الماء يحتل من أذهانهم واهتمامهم مكانًا مكينًا.ومن الجوانب التي تتعلق أيضًا بالبيئة العربية القديمة ما كان الجاهليون يمارسونه من أعمال أو حِرَف تقوم على ما هو متوفر في هذه البيئة من ثروات أو إمكانات طبيعية: خذ عندك مثلًا الدبغ، الذي جاء في أمثالهم عنه قولُهم: "إنما يُعاتَب الأديم ذو البشرة"، بمعنى أن العتاب لا يصلح إلا مع من لا يزال فيه خير، كالجلد الذي يراد دبغه، فإن كانت له بَشَرَة، وهي ظاهر الجلد (على عكس الأدمة، التي هي باطنه)، صلَح دبغه، وإلا لم يحتمل الدباغ وتمزق، كذلك لا بد، في عملية الدباغ، أن يُكشط اللحم تمامًا من أديم الجلد ولا يترك عليه أي بقايا منه، وإلا فسد الجلد سريعًا: "أحمق من الدابغ على التحليءِ"، والتحليء: ترك بقايا اللحم على الجلد، وفي هذه الحالة لا يصل إليه الدباغ، وهناك مثل آخر يرد فيه ذكر "القارظ" على النحو التالي: "إذا ما القارظ العنزي آبا"، وهو جامع القرظ؛ أي: ورق شجر السلم المستعمل في عملية الدباغ، وهذا المثل يضرب للوعد الذي لا يمكن أن يتحقق؛ لأنه معلق على شرط مستحيل، فالقارظ العنزي لم يعد من جولته في جمع القرظ حتى الآن، بل لن يعود أبد الدهر؛ لأنه مات في الطريق، وهاك أيضًا المثل التالي: "أرتعن أجَلَى أنى شئت"؛ أي إن الموضع المسمى: "أجلى" هو من المواضع الصالحة للرعي في أي وقت وفي أي موضع منه، ومنها كذلك: "مرعى ولا كالسعدان"، وكان للرعي أصوله التي لا بد للراعي من مراعاتها، وإلا فسد عمله: "أساء رعيًا فسقى مقصِبًا"؛ أي إنه لم يشبع إبله من الكلأ كما ينبغي واضطر أن يملأ بطونها ماءً على قلة ما فيها من طعام فأضر بها ذلك ضررًا شديدًا، والإقصاب: أن تمتنع إبل الراعي عن الشرب، كذلك كانوا يحلبون ماشيتهم بأنفسهم: "حلبتها بالساعد الأشد"، "احلب حلبًا لك شطره"؛ (و"الحلب" هو ما يُحلب من اللبن)، "حلب الدهر أشطره".ومن المهن التي كان الجاهليون يمارسونها كذلك تأبير النخل: "جِباب، فلا تُعنِّ آبرًا"، والآبِر هو ملقح النخل، والمقصود أن النخلة لا طلع فيها، بل الموجود جِباب فحسب، أي جمَّار، ومن ثم فلا فائدة في التأبير أصلًا، ومن هذه المهن أيضًا الحُدَاء: "كالحادي، وليس له بعير"، والحادي هو سائق الإبل الذي يحدوها؛ أي: يغني لها حتى تنشط للسير ولا يعتريها الضعف والكلال، أما المثل الذي وجدته عن "الحذَّاء" فيجري عكس هذا؛ إذ يقول: "من يكُنِ الحذَّاءُ أباه يجد نعلًا".والحدادة مهنة أخرى من المهن التي عرفها العرب: "إذا سمعتَ بسُرى القَين فإنه مُصبِح"؛ أي: لا تصدق كل ما تسمع، فكثيرًا ما يقول الناس كلامًا ويقصدون عكسه، كفعل القين (وهو الحداد) عندما يزعم أنه مسافر من ليلته كي يدفع الناس إلى الإقبال عليه قبل أن يغادرهم، على حين أنه ينوي البقاء حيث هو، وهناك مثل مشهور يذكر "الحابل" و"النابل"؛ أي: الصائد بالشبكة والصائد بالنبل: "اختلط الحابل بالنابل"، ومثل آخر لا يقل شهرة يتحدث عن "القوس" وصانعه: "أعطِ القوس باريها"، وهو كما نقول في مثلنا العامي: "أعطِ العيش لخبازه"، ومثل ثالث يذكر "السهام": "قبل الرمي يُراش السهم"، ورابع يتحدث عن "الكنانة": "قبل الرمي تملأ الكنائن".كذلك كانوا يعرفون الطب، وكان طبًّا بدائيًّا بطبيعة الحال: "يا طبيب، طِبَّ لنفسك"، وكذلك البيطرة: "أشهر من راية البيطار"، "أهون من ذَنَبِ الحمار على البيطار"، وكان من طبهم الكي: "آخر الدواء الكي"، "قد يضرط العَير، والمكواة في النار"، كما كانوا يعالجون جرب الماشية بما يسمونه "العَنِيَّة": "عنِيَّته تشفي الجرب"، وهي قطران وأخلاط تجمع ويهنأ بها البعير الأجرب، ولعملية الهِناء أصول، منها: ألا يقتصر الهانئ على دهن موضع الجرب فقط، بل يعم سائر بدن البعير: "ليس الهِناء بالدَّس"، (والدَّس: الاقتصار في الهناء على المكان المصاب بالجرب)، وقد ورد في مثل من أمثالهم إشارة لمرض كان يصيب البعير، وهو "الغدة": "أغدة كغدة البعير، وموت في بيت سَلُولية؟"، أما المثل التالي فيشير إلى مرض آخر هو "القُلاب"، وهو داء يصيب الإبل في رؤوسها فيقلبها إلى فوق: "ما به قلبة"؛ أي إنه سليم لا يشكو من أي داء، وقريب منه داء الصَّعَر، وهو داء يأخذ في رقاب الإبل فيمليها: "لأقيمن صَعَرك"، وكان الجاهليون يحبون الوشم، الذي كثيرًا ما شبه الشعراء به ما يرونه في أطلال حبائبهم من الخطو وآثار الريح: "أثبت من الوشم"، ومن أعمالهم التي كان أهل كل بيت يمارسونه بأنفسهم خياطة الفتوق: "اتسع الخَرْق على الراقع"، وجمع الحطب للنار: "أخبط من حاطب ليل"، والطحن بالرحا: "أسمع جَعجعة ولا أرى طِحْنًا"، و"الطِّحْن" هو الدقيق، والمعنى أن هناك ضجة، لكن ليس هناك دقيق؛ أي: إنها ضجة على الفاضي.ويتصل بهذه الأمثال تلك التي ورد فيها ذكر لما كانوا يتخذونه من أدوات لتأدية هذه الأعمال، ومنها الإبرة: "أبغى من إبرة"، والفأس: "أبغى من فأس"، والقدح: "أبغض من القِدْح الأول"، والعصا: "أبقى من تفاريق العصا"، والخيط: "أدق من خيط"، والحبل: "إن الشقي بكل حبل يُخنق"، والحذاء: "أدنى من الحذاء"، ورباط النعل: "أدنى من الشِّسْع"، والمجمر (المبخرة): "است لم تُعوَّد المجمر"، والخُذْروف (وهو لعبة للأطفال تشبه ما نسميه في مصر بـ: "النحلة"): "أسرع من الخُذْروف"، والأثفيَّة (الحجر الذي كانوا ينصبون منه ثلاثة تحت القِدر): "أصبر من الأثافي على النار"، والجَلَم (المقص): "أقطع من جلم"، والعصا: "أكثر من تفاريق العصا"، والشفرة: "إن وجدت لشفرة محزًّا"، "والمرآة: "أنقى من مرآة الغريبة"، والجُلْجُل: "أنَمُّ من جلجل"، والسيف: "تركته على مثل حرف السيف"، والصحيفة: "صحيفة المتلمس"، والكنانة (جعبة السهام): "قبل الرماء تملأ الكنائن"، والدلو: "قد علقت دلوك دلو أخرى"، والمجن: "قلبت له ظهر المجن"، والمكواة: "قد يضرط العير والمكواة في النار".أما أطعمتهم فهذه بعض الأمثال التي تتحدث عنها مما وضعت يدي عليه أثناء تجوالي في كتاب العسكري: "إن وجدت إليه فاكرش"؛ أي: إن وجدت إليه سبيلًا فسوف أطبخ الشاة في كرشها، ومن أسماء أطعمتهم "اللبأ"، وهو أول الألبان عند ولادة الحيوان: "أبى أبي اللبأ"، ومن أطعمتهم أيضًا "الربيكة"، وهي أقط بسمن وتمر يعمل رخوًا: "غرثان، فاربكوا له"؛ أي إنه جائع فلا تكلموه في أي شيء؛ لأن ذهنه مشغول بالجوع والطعام، بل أعدوا له الربيكة أولًا، فإذا أكل رجع إليه عقله، وهذا مثل قولنا: "ساعة البطون تتوه العقول"، وأصل المثل، حسبما يروون، أن رجلًا عاد من سفر فأخبروه أن امرأته قد ولدت له غلامًا، فلم يهتم بالخبر؛ لأنه كان يعاني من برحاء الجوع وقال: وما أصنع به؟ آكله أم أشربه؟ فطلبت منهم زوجته أن يطعموه أولًا، وقد كان، إذ بعد أن أطعموه ارتد إليه عقله وشرع يسأل عن الوليد وأمه، وهو سعيد محبور، ولدينا كذلك طعام "السويق": "جَدْحَ جوين من سويق غيره"، وهو طعام سائل يصنع من القمح والشعير على عجل للمسافر والجائع الذي لا يصبر، والمراد أن جوينًا هذا، لأنه لا ينفق من ماله ولا يأكل من سويقه، بل من سويق غيره، فإنه يسرف ولا يبالي بالاقتصاد، والجدح: الشُّرب، كذلك كانوا يصطادون الضب ويأكلونه: "ما أبالي أناء ضبك أم نضج"، "أعطِ أخاك من عقنقل الضب"، ويسمون صيده: "حرشًا": "هو أعلم بضب حرشه"، وما فتئ الضب يؤكل في الخليج حتى يومنا هذا، وبالمثل كان العرب في الجاهلية يصطادون حمار الوحش ويأكلونه، وقد ورد ذكره في قولهم: "كل الصيد في جوف الفرا"، "أخلى من جوف حمار"؛ لأنهم كانوا يلقون بما في جوفه ولا ينتفعون به، كما كانوا يأكلون "الكمأة"، التي لا يزال الناس هناك يتلذذون بطعمها حتى الآن، وهي، كما تقول المعاجم، نبات يخرج من الأرض كما يخرج الفُطْر، وهناك نوع منها يسمى: "الفَقْع": "أذل من فَقْع بقَرقرة"؛ لأنه يظهر على سطح الأرض فتطؤه الأقدام، وإن كان هناك نوع آخر يحتاج إلى أن ينبش الإنسان الأرض عنه.ومن أطعمتهم التي وردت بها الأمثال "العسل": "أحلى من العسل، أو من الشهد"، كما كانوا يصنعون "الزُّباد" من اللبن ويأكلونه، وجاء به المثل التالي: "اختلط الخاثر بالزُّباد"، ومن طعامهم في الجاهلية أيضًا "الدم"، وذلك بعد أن يفصدوه من عرق الناقة أو الفرس ثم يملؤوا المصران به، ثم يشووه ويأكلوه، وهذا الطعام يسمى: "الفصيد": "لم يُحرَمْ مَن فُصد له"؛ أي إن الفصيد طعام كافٍ لمن يقدم إليه، وقد جاء الإسلام بتحريم أكل الدم، ومعروف أن الدم مرتع لجميع أنواع الفيروسات والجراثيم والمكروبات، التي تضر الجسم، والتي تسري إليه عند أكل الإنسان إياه، وكانوا يحفظون الدُّهن المذاب في سقاء، وهذا الدهن يسمى: "الإهالة": "كحاقن الإهالة"؛ أي أنا خبير بهذا الأمر كخبرة حاقن الإهالة في السقاء؛ إذ كان الأمر يتطلب تأكد الحاقن تمامًا، عن طريق إيلاج إصبعه في الإهالة، أنها قد بردت بحيث لا تفسد السقاء بسخونتها، كما وردت أمثالهم بـ: "الزيت": "أوفى من كيل الزيت"، كذلك كان "الشعير" من طعامهم، وإن لم يكن من أشهاه إلى نفوسهم: "كالشعير: يؤكل ويُذم"، ومن الفاكهة التي ذكرتها الأمثال "التمر": "كمستبضع التمر إلى هجر"، (وهو كقولنا:"يبيع الماء في حارة السقائين")، "وجدَ تمرةَ الغراب"، وقد جاء ذكر "الحشف"، وهو أردأ أصنافه، في مثل آخر: "أحشَفًا وسوءَ كيلة؟"، و"العنب": "إنك لا تجني من الشوك العنب"، "أعجز من مستطعم العنب من الدفلى"؛ إذ الدفلى نبات ورقه أشعر شائك، وطعمه مر، وكان كثير من أهل الجاهلية يغرمون بـ: "الخمر"، ويُكثر شعراؤهم من التمدح بشربها، ويعدونه من علامات الكرم والسيادة، حتى جاء الإسلام وحرمها تحريمًا تامًّا، ومن أمثالهم في أم الخبائث قولهم: "ألذ من مذاق الخمر".وللأمثال، فضلًا عن الجوانب التي مرت، جانب آخر يمكن أن يُنظر إليها منه هو الجانب النفسي والخلقي والاجتماعي: فالمثل التالي على سبيل المثال يشير إلى وجه من وجوه الطبيعة الإنسانية، ألا وهو أهمية الإيحاء الذاتي في علاج المشاكل، فكثير من الأمور يمكن أن تنحل أو يسهل حلها إذا وضَع الشخص في اعتباره أن هناك أملًا كبيرًا في التغلب عليها: "اكذب نفسك إذا حدثتها"، وإلا فليس له معدى عن الصبر، وهو الدواء الذي لا بد من تجرعه على مرارته: "حيلة مَن لا حيلة له الصبر"، كما أن طبيعة الاجتماع البشري تقتضي من الإنسان أن يتغاضى عن بعض حقوقه، وأن يكون مرِنًا مع الآخرين، وألا يؤاخذهم بكل صغيرة وكبيرة حتى تسير عجلة الحياة: "إذا عز أخوك فهُنْ"، "إذا رأيت الريح عاصفًا فتطامن"، "أي الرجال المهذب؟"، "طويته على بلالته"، مع معرفة أن "رضا الناس غاية لا تدرك"، وأن الطبائع الشخصية عصية على التغيير، وبخاصة إذا شاب الإنسان على ما شب عليه: "أعيَيْتني بأُشُر، فكيف بدُرْدر؟"، "من العناء رياضة الهرِم"، ثم هناك العصبية القبلية التي لا يمكن الفَكاك منها؛ ولذلك قيل في أمثال الجاهلية: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، وهو ما صححه الرسول الكريم عندما حوره بعض التحوير فقال: إن نصرتك أخاك ظالمًا إنما تكون بمنعه من الظلم، معطيًا عليه السلام هذا المثل بُعدًا أخلاقيًّا عظيمًا، كذلك هناك المثل التالي الذي يتعامل مع الطبيعة البشرية تعاملًا مغرقًا في الواقعية، بل في اللاإنسانية دون مراعاة المثل الأعلى في قليل أو كثير، وهو: "أجِعْ كلبك يتبعك"، وفي قولهم: "جلَّى محبٌّ نظره" تعبير عن حقيقة نفسية تشاهد في المحبين؛ إذ مهما حاول الواحد منهم إخفاء مشاعره تجاه معشوقه عن الناس فإن عينيه تفضحانه، وقد قال الشاعر: "الصب تفضحه عيونه"، كذلك يحسُنُ بالإنسان، إذا أراد أن يظل عزيزًا محبوبًا مكرمًا، ألا يكثر الزيارة للآخرين مهما كانوا يحبونه ويريدونه ألا يقطع رِجله عنهم: "زُرْ غبًّا تزدد حُبًّا"، وألا يُكثر كذلك من المزاح؛ فإنه سبيل إلى نشوء البغضاء حتى بين المتحابين: "المزاح لقاح الضغائن".وفي دنيا الزواج والأسرة تطالعنا الأمثال التالية، وهي مأخوذة من واقع الحياة الذي لا سبيل إلى تغييره ولا نكرانه: "زوج من عُودٍ خيرٌ من قعود"، وهو ما يقال عنه في أمثالنا العامية: "ظِل رجل ولا ظِل حائط"، "العَوَان لا تُعلَّم الخمرة"، "بينهم داء الضرائر"، "إن الحماة أولعت بالكنَّة، وأولعت كنَّتُها بالظِّنة"، "أظل من مَوْءودة"، وهي البنت الصغيرة التي تدفن حية، وكان بعض الجاهليين يَئِدون بناتهم خوفًا من الفقر والعار، على أن هناك مثلًا يبدو أنه يعكس اعتقادًا راسخًا عند العرب منذ قديم الزمان، ألا وهو أن الحظ عليه معوَّل كبير في حياة الإنسان، ولقد كنت أضيق أشد الضيق بمثل هذا الكلام، وأؤكد دائمًا أن السعي والتخطيط واليقظة هي عمود كل نجاح، ثم تبين لي أن للحظ دورًا لا ينكر في حياتنا، وأنه قد يرفع أقوامًا حقهم الاتِّضَاع، ويخفض أقوامًا يستحقون كل خير ورفعة؛ ذلك أن أمورنا نحن العرب لم تزل تجري على غير تخطيط، كما أن القيم الإسلامية العظيمة لا يؤخذ بها في كثير من الأحوال، ومن ثم فكثير من الناس لا يحصل على حقه، على حين يرون من لا يستحقون قد سبقوهم سبقًا فاحشًا دون أدنى مسوغ، ومن هنا صح المثل العربي القديم القائل: "جَدُّك لا كَدُّك"؛ أي إن حظك هو الذي ستكون له الغلَبة في نهاية المطاف، وكذلك قولهم: "اسعَ بجدٍّ أو دَعْ"، وأن "من غاب غاب نصيبه".أما قولهم: "لو لك عويتُ لم أعوِ" فيشير إلى ما كان يفعله الرجل الجاهلي في الصحراء حين يكون مسافرًا ويأتي عليه الليل فيجد نفسه وحيدًا، فيعوي كالكلاب على أمل أن يكون على مقربة من خيمة لبعض الأعراب فتجاوبه كلابهم فيأتنس بهم ويحصل على ما يحتاجه من طعام وشراب عندهم حتى لا يموت جوعًا أو عطشًا، كما أن المسافر في الصحراء كان يمسك دائمًا بعصًا يحمل عليها ملابسه وصرة طعامه: "لو كان في العصا سير"، ومن الطريف أن نجد من الأمثال العربية ما يدلنا على أنهم في الجاهلية كانوا يخوِّفون صغارهم بالذئاب كما يفعل أهل الريف والمناطق الشعبية عندنا الآن، إذ يخوفون أبناءهم العصاة بالعفريت والغول وأبي رجل مسلوخة وما أشبه: "لقد كنتُ وما أُخشَّى بالذئب".ونختم بما ورد في الأمثال الجاهلية مما كانوا يعتقدونه من خرافات وأساطير؛ كاعتقادهم في السانح والبارح: فالسانح ما مر بك من طير أو حيوان من اليمين إلى اليسار، والبارح ما مر من اليسار إلى اليمين، وكانوا يتفاءلون بالأول، ويتشاءمون بالثاني: "من لي بالسانح بعد البارح؟"، كما كانوا يتشاءمون بالغراب؛ إذ ارتبط وجوده عندهم بمواقع أطلالهم التي خلفوها؛ إذ يلتقط منها ما يكونون قد تركوه وراءهم، فانعقدت الصلة في أذهانهم بينه وبين الفِراق، وصاروا يتشاءمون به: "أشأم من غراب البَيْن"، ولم يقتصر تشاؤمهم على الحيوان والطير، بل كانوا يستحسنون بعض النجوم أيضًا: "أنكد من تالي النجم"، وهو "الدبران"، الذي يتلو نجم "الثريا"، كما كانوا يعتقدون في "البلايا"، جمع "بلية"، وهي الناقة التي كانوا يربطونها عند قبر صاحبها بعد أن يُغمضوا عينيها، ثم يتركونها هكذا دون طعام أو شراب حتى تموت؛ إذ كانت عقيدتهم أنها بهذه الطريقة تكون جاهزة تحت تصرف صاحبها ليركبها يوم القيامة: "المنايا على البلايا"، وهو مثل يضرب للقوم الواقعين في كرب لا مخلص منه، فهم يشبهون "البلية" التي لا مفر لها من الموت، ومن خرافاتهم ما كانوا يقولونه عن السليك بن السلكة، الشاعر الجاهلي الصعلوك المشهور؛ إذ كانوا يروون أنه ظل يعدو يومًا وليلة كاملين سابقًا فارسين من فرسان الأعداء لم يستطيعا إدراكه قط حتى بلغ منازل قومه وحذرهم هجومًا وشيكًا من أعدائهم، فأخذوا حِذرهم ولم يقدر العدو أن يصيب منهم غرة: "أعدى من السليك"، ومن مبالغاتهم التي تدخل في باب الخرافات قولهم: "أبصر من الزرقاء"، (وهي زرقاء اليمامة المشهورة، وكانوا يزعمون أنها من قوة البصر وحدته بحيث ترى على بعد ثلاثة أيام)، وهناك مثل يقول: "أشأم من الزُّمَّاح"، (إشارة إلى طير كان يقع على بيوت ناس من أهل يثرب ويأكل من تمرهم ثم يطير فلا يعود إلى العام التالي، فرماه رجل منهم بسهم فقتله وقسم لحمه، فلما مر العام لم يبقَ ممن أكل مِن لحمه أحدٌ حيًّا)، "أعمر من حية"؛ (لأنهم كانوا يظنون أنها لا تموت أبدًا إلا إذا قتلها إنسان، وإلا فإنها إذا كبرت عادت فصغرت حتى تكبر ثم تعود فتصغر... وهكذا دواليك!)، "أعمر من نَسر، أو من قراد"؛ (إذ كانوا يؤمنون أن الأول يُعمر خمسمائة عام، والثاني سبعمائة).هذا، وهناك كتب خاصة بالأمثال ألفها بعض من كبار الكتاب العرب القدماء، ومنهم صحار العبدي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وثعلب والمفضل الضبي وأبو هلال العسكري والزمخشري والميداني، وهي كتب تعنى بإيراد أكبر عدد ممكن من الأمثال العربية القديمة وشرحها وتفسير ما يحتاج من ألفاظها وتراكيبها وعباراتها إلى تفسير، فضلًا عن إيراد قصة المثل إن كانت وصلتهم، وقد تكون هذه القصة حقيقية أو خيالية، وإن كانوا في بعض الأحيان يعلنون عن عجزهم عن معرفتها، كما فعل أبو هلال العسكري مرارًا؛ إذ قال مثلًا عند تعرضه لقولهم: "أبدح ودبيح": "يقولون: جاء بأبدح ودبيح، إذا جاء بالباطل، ولم يُعرف أصله"؛ أي إن قصته لم تصله، أما في شرحه للمثل القائل: "بعين ما أرينك" فقد علق قائلًا: "معناه: اعجل، وهو من الكلام الذي قد عُرف معناه سماعًا من غير أن يدل عليه لفظه، وهذا يدل على أن لغة العرب لم ترد علينا بكمالها، وأن فيها أشياء لم تعرفها العلماء"، وفي تعليقه على المثل التالي: "أحمق من راعي ضأن ثمانين" نراه يقول: "ولا أدري لم خصَّت بالثمانين هنا"... إلخ.ومن هنا ترانا لا نوافق بروكلمان على ما قاله في الأمثال من أن "مَن عُنوا بجمعها من الأدباء لم يقعوا مرة في حيرة من تفسيرها وإيضاحها"، وما فيه من سخريَّة مبطنة؛ (كارل بروكلمان/ تاريخ الأدب العربي/ 1/ 129)، بل نؤكد أن هذا الكلام غير صحيح؛ لعدة أسباب: الأول أن هؤلاء المؤلفين لم يكونوا يوردون هذه القصص دائمًا كما قلنا آنفًا، والثاني أنهم ليسوا هم الذين ألفوا هذه القصص، بل كانوا مجرد نقلة لها حسبما وصلت إليهم، والثالث أن العسكري مثلًا، حسبما رأينا معًا، قد أعلن عن عجزه في عدة مناسبات مختلفة عن معرفة قصة المثل، بل حتى عن مجرد معرفة معناه في بعض الأحيان، بل إنهم كثيرًا ما يكتفون بإيراد المثل دون إضافة أية كلمة أخرى من لدنهم، وهو نفسه ما نقوله ردًّا على ما كتبه نيكلسون في ذات الموضوع؛ إذ جاء في كتابه: "A Literary History of the Arabs" أثناء كلامه في هذه المسألة: إن هذه الأمثال "نادرًا ما تستغني عن الشرح، على حين أن ما كتب من تعليقات عليها إنما هي من عمل علماء وضعوا نُصب أعينهم أن يشرحوها مهما كلفهم ذلك، رغم أن الظروف التي قيلت فيها قد نُسيت تمامًا"؛ (A Literary History of the Arabs، P، 31).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •