من ضلالات المعتزلة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 14 من 14
2اعجابات
  • 1 Post By أبو البراء محمد علاوة
  • 1 Post By أم علي طويلبة علم

الموضوع: من ضلالات المعتزلة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    16,365

    افتراضي من ضلالات المعتزلة

    أولوَّا قوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] بقولهم: كل شيء قادر عليه، وأفعال العباد لا يقدر عليها. تعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا. [ينظر: الهداية الربانية: (صـ 39)، وشرح الطحاوية: (1/ 269)، لابن أبي العز].
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    وأمتثل قول ربي: {فَسَتَذْكُرُون ما أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    7,568

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    قال تعالى:{ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} سبحانه علق مشيئة العباد على مشيئته وربطها بها، فالقدرية النفاة أكثرهم يكذبون بدرجة المشيئة والخلق ، يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف
    اللهم اغفر لأبي وارحمه وعافه واعف عنه اللهم اجعل ولدي عمر ذخرا لوالديه واجعله في كفالة إبراهيم عليه السلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء محمد علاوة مشاهدة المشاركة
    أولوَّا قوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] بقولهم: كل شيء قادر عليه، وأفعال العباد لا يقدر عليها. تعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا. [ينظر: الهداية الربانية: (صـ 39)، وشرح الطحاوية: (1/ 269)، لابن أبي العز].
    نعم- جمعت بعض الفوائد القيمة من كلام اهل العلم على هذه المسألة
    قال الشيخ صالح ال الشيخ فى شرح الطحاوية
    قوله:
    "ذلك بأنه على كل شيء قدير"
    المسألة الخامسة هذه وهي أن أهل السنة يجعلون قدرة الرب جل وعلا متعلقة بكل شيء،
    واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله جل وعلا غير محصورة بل هو سبحانه قادر على ما شاء وما لم يشأ جل وعلا.

    وهذا هو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء الْقُرْآنُ العظيم، فكل ما في الْقُرْآنِ تعليق القدرة بكل شيء، {وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، {إن الله كان على كل شيء مقتدراً}، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا}، و{أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليق القدرة بكل شيء.
    أهل البدع وأهل الكلام يعلقون القدرة بما يشاؤه الرب جل وعلا
    فيقولون:
    تعلق قدرة الرب جل وعلا بما يشاؤه، ولذلك ترى أنهم يعدلون عما جاء في الْقُرْآنِ بقول: {وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إلى قولهم: والله على ما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله، وليست متعلقة بما لم يشأه، فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل، أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لا تتعلق به القدرة، فإذا قيل: هل الله قادر على ألا يوجَد إبليس؟ فيقولون: لا، غير قادر. هل الله قادر على ألا توجد السماوات؟ يقولون: لا، غير قادر؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه جل وعلا، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته، مما لم يحصل بعد أو مما حصل خلافه، فإن القدرة غير متعلقة به.

    ولذلك يقول قائلهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله جل وعلا. وهذا القول باطل بوضوح، وذلك لدليلين:
    أما الأول: فإن الذي جاء في الْقُرْآنِ كما ذكرنا لك تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفاً منها.
    الثاني: أن الله جل وعلا قال في سورة الأنعام: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} ولما نزلت هذه الآية تلاها عليه الصلاة والسلام فقال: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} قال عليه الصلاة والسلام: ((أعوذ بوجهك))، ثم تلا: {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} فقال عليه الصلاة والسلام: ((أعوذ بوجهك))، ثم تلا: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} قال عليه الصلاة والسلام: ((هذه أهون))، فالله جل وعلا لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذاباً من فوقها، أو من تحتِ أرجلها، فيهلكهم بسنة بعامة، بل جعل بينهم بأسهم شديدا لحكمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى العظيمة العلية.
    فدلت الآية على أن قدرة الله جل وعلا تتعلَّق بما لم يشأ أن يحصل {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} وهذا لم يشأه الله جل وعلا، ومع ذلك تعلقت به القدرة. وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالها، فيتنبه على أنها من آثار قول أهل الاعتزال.
    في بعض الأحاديث جاء: ((والله على ما يشاء قادر، وإني على ما أشاء قادر)) وهذا الجواب عنه معروف؛ لأنه متعلق بأشياء مخصوصة، وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال: قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على ما لم يشأ جل وعلا.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    قال الشيخ عبد الله الجبرين على شرح الطحاوية
    [عموم قدرته تعالى وضلال المعتزلة]
    قال المؤلف رحمه الله: [قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ) ] .
    قال الشارح: (ذلك) إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه والكلام على
    (كل) وشمولها، وشمول
    (كل)
    في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.
    وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى:
    {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:284] ،
    فقالوا:
    إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم،
    وتنازعوا:
    هل يقدر على مثلها أم لا؟!
    ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال:
    هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء.وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال.وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة؛ فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا؟
    والتحقيق:
    أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1] ، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] ، قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم:9] أي: لم تكن شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى، وقال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1]] .
    يعتقد المسلمون ما أخبر الله به عن نفسه من عموم قدرته أنه على كل شيء قدير،
    وكلمة (شيء) يدخل فيها ما هو موجود وما هو معلوم مما يقدره الله تعالى،
    وتدخل فيها أعمال العباد، فيدخل فيها عمل العبد مثل عباداته وطاعاته وحسناته، وكذا سيئاته وخطاياه كلها داخلة في عموم (كل) في قوله تعالى:
    {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:20] ، فيدخل في ذلك كل الممكنات.
    أما غير الممكن المستحيل فإنه لا يدخل في هذا العموم، مثل كون الشيء معدوماً موجوداً في آن واحد، فهذا من المستحيل أن يوجد ويعدم في آن واحد، أو يكون الشخص حياً ميتاً في آن واحد،
    ومثل ما يورده بعض المتعنتين فيقولون:
    هل يقدر الله أن يخلق مثل نفسه؟
    نقول:
    هذا محال، ولا ينبغي الخوض فيه، فهو من المحال؛ حيث إنه تعالى هو المنفرد الذي ليس له شريك وليس له شبيه ولا معين.والمعتزلة ينكرون هذا العموم (على كل شيء قدير) ، ويقولون: على ما يقدر عليه قدير.ولا شك أن هذا فيه تنقص؛ فإنه بمعنى: قدير على ما يقدر عليه، ولا شك أن هذا لا فائدة فيه.
    فقولهم:
    قدير على ما يقدر عليه، معناه أنه لا يقدر على كل شيء، وأن هناك أشياء لا يقدر عليها -تعالى الله عن قولهم- فيكون في هذا تنقص، فالآيات فيها العموم، فهو على كل شيء قدير عموماً لا يستثنى منه شيء مما يدخل في الإمكان.وأما كلامهم في المعدوم هل هو شيء أو ليس بشيء، فالمعدوم -على الصحيح- لا يقال له شيء حتى يوجد، ولكن الله تعالى عالم بما يوجد من المعدومات التي توجد، وقادر على إيجاده في الوقت الذي قدر إيجاده،
    وإلا فقد نفى أن يكون المعدوم شيئاً في قوله تعالى:
    {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1] ، وكذلك قوله تعالى مخاطباً لزكريا: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم:9] يعني: لم تكن موجوداً، بل كنت معدوماً وقد خلقتك، فنفى أن يكون المعدوم شيئاً على الوجود، ولكن هو في علم الله شيء إذا قدر أنه سيوجد، فهو داخل في قول الله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] .فالله تعالى أخبر بأنه إذا قال للشيء كن وهو معدوم كان، فسماه شيئاً مع كونه معدوماً؛ لأنه يوجد إذا قال الله له: (كن) ، وهذا معنى أن أمره تعالى بين الكاف والنون، فخلقه للمعدومات التي قدر أنها توجد بقول: (كن) ،
    وهكذا حقق المحققون أن المعدوم شيء في علم الله، وليس شيئاً في الوجود فيما يرى ولا فيما يشاهد.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    قال الشيخ يوسف الغفيص على شرح الطحاوية
    قال المصنف رحمه الله: [ذلك بأنه على كل شيء قدير] . قدرته سبحانه وتعالى على كل شيء مجمع عليها بين المسلمين، وقوله تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:20] هذا الحرف من القرآن اتفق المسلمون عليه، لكن يورد المعتزلة وطوائف أخرى مسألة تعلق القدرة بما يسمونه المستحيلات.
    فقالت طائفة من المفسرين: قوله تعالى: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:20]، عام مخصوص، خُصَّ منه الممتنع لذاته، فلا يدخل تحت القدرة، فجعلوا السياق عاماً مخصوصاً. وقالت طائفة: هذا سياق عام أريد به الخصوص -أي: الممكن- فلا يدخل فيه الممتنع لذاته.

    وقالت المعتزلة: إن الممتنع لذاته شيء ولكنه لا يدخل تحت القدرة.
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
    (والصواب الذي عليه أهل السنة أن الله على كل شيء قدير،
    وأن هذا العموم محفوظ لم يدخله تخصيص ولا أريد به الخصوص، بل هو على عمومه،
    وأما الممتنع لذاته فإنه ليس بشيء،
    فلا يكون داخلاً في الآية أصلاً، إنما هو فرض يفرضه الذهن لا حقيقة له في الخارج،
    والقدرة تتعلق بما يمكن وجوده في الخارج).
    فممكن الوجود لم ينازع أحد من الطوائف في كونه داخلاً في قدرة الله، إلا ما كان من المعتزلة في مسألة أفعال العباد فإنهم قالوا: إنها ليست بمقدورة لله، لأن العبد عندهم يخلق فعل نفسه

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    قال الشيخ عبد العزيز الراجحى فى شرح الوصية الكبرى
    وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كل شيء هو داخل تحت قدرة الله تعالى،
    بخلاف المعتزلة فإنهم لا يقولون:
    وهو على كل شيء قدير،
    بل يقولون: وهو على ما يشاء قدير، فإذا وجدت في بعض الكتب وهو على ما يشاء قدير،
    فاعلم أن هذا يتمشى مع مذهب المعتزلة والقدرية؛
    لأنهم يقولون:
    إن الله يقدر على ما يشاء، أما الذي لا يشاؤه فلا يقدر عليه، وهي الأفعال فأفعال العباد يخرجونها من قدرة الله ومشيئته.ويقولون: إن العباد أرادوا أفعالهم من الكفر والإيمان والطاعة والمعصية وخلقوها استقلالاً من دون الله، والله ما أراد أفعال العباد، ولا شاءها ولا خلقها، بل العباد هم الذين أوجدوها بأنفسهم استقلالاً، وقصدهم من ذلك أن يفروا بزعمهم من القول بأن الله خلق المعاصي وعذب عليها فلا يكون ظالماً؛
    لأنهم قالوا: لو قلنا: إن الله خلق المعاصي وعذب عليها كان ظالماً، وشراً من ذلك قولهم: إن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم من طاعات ومعاصي مستقلين، وهذا من أبطل الباطل، ولذلك قال تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:120] فكل ما يسمى شيئاً فالله عليه قدير، ولا يقال: ممتنع ومستحيل كالجمع بين النقيضين فيقال: هل يقدر الله على الجمع بين النقيضين، وهو كون الشيء موجوداً معدوماً في نفس الوقت أو لا؟ فهذا ليس بشيء؛ لأنه في نفسه متناقض، بعضه ينقض بعض فالممتنع والمستحيل لذاته لا يسمى شيئاً، فلا يقال: إنه داخل تحت القدرة أو ليس داخلاً؛ لأنه لا يسمى شيئاً.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة

    وأما الممتنع لذاته فإنه ليس بشيء،
    تفصيل هذه المسألة
    أن قدرة الله تعالى لا تتعلق بالمستحيلات لذاتها ؛ ولكنها تتعلق بالممكنات - أو بالجائزات .
    ومثال المستحيلات التي لا تتعلق بها قدرة الله : اتخاذ الشريك ، والصاحبة ، والولد ؛ لأن إيجادها نقص لا يليق بالله عز وجل ، قال تعالى : ( بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الأنعام/ 101 .
    فالذي يقوله أهل السنَّة أن قدرته تعالى لا تتعلق بها ؛ كمالاً له تعالى ؛ لأنها نقص لا يليق بالرب عز وجل ، فكيف يكون ربّاً متفرداً أحداً صمداً ثم يكون معه شريك ؟!
    وكيف يكون ربّاً وهو يحتاج لزوجة وولد ؟!
    ومثله يقال فيما ذكره السائل عن أولئك الجهلة من اعتقادهم أن قدرة الله تتعلق بما ذكروه من مستحيل ، وهو أن يكون الله – عياذاً به – داخلَ شيء من مخلوقاته ، وهذا من النقص الذي يُنزَّه الرب تعالى عنه ، فهو – عز وجل – فوق مخلوقاته بائن منهم ، مستوٍ على عرشه .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
    " ولا ريب أن الله على كل شيء قدير ، كما نطق به القرآن في غير موضع ... لكن الممتنع لذاته : ليس شيئاً باتفاق العقلاء ، فلا يعقل وجوده في الخارج ، فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجوداً معدوماً ، أو متحركاً ساكناً أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آنٍ واحد ، أو كون اليوم موجوداً مع أمس وغدًا وأمثال ذلك .
    وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب ".
    انتهى من " الصفدية " (2/109).
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :
    " المستحيل ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مقدوراً عليه ، لكن المستحيل الذي يُتَصَوَّرُ ذهناً أنه مستحيل :
    1- مستحيلٌ لذاته .
    2- ومستحيل لغيره .
    أما المستحيل لذاته : فهو مستحيل لا يمكن ، لو أن أحداً أراد أن يقول : هل الله قادر على أن يخلق مثله ؟
    لقلنا : هذا مستحيل ، لكن الله قادر على أن يخلق خلقاً أعظم من الخلق الذي نعلمه الآن ، ونحن نعلم الآن أن أعظم مخلوقٍ نعلمه هو العرش ، العرش أعظم من كل شيء من المخلوقات التي نعلمها ، ومع ذلك نعلم أن الله قادر على أن يخلق أعظم من العرش ، لكن الشيء المستحيل لذاته هذا غير ممكن
    الشيء الثاني : المستحيل لغيره ، بمعنى أن الله تعالى أجرى هذا الشيء على هذه العادة المستمرة التي يستحيل أن تنخرم ، ولكن الله قادر على أن يخرمها .
    هذا نقول : إن القدرة تتعلق به ، فيمكن للشيء الذي نرى أنه مستحيل بحسب العادة أن يكون جائزاً واقعاً بحسب القدرة ، وهذا الشيء كثير كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب مستحيل لغيره ، انشقاق القمر للرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل لغيره لكن لذاته غير مستحيل ؛ لأنه وقع والله قادر على أن يشق القمر نصفين ، بل قادر على أن يشق الشمس نصفين .
    ونحن نقول : لا بد في ذلك من التفصيل : وهو أن المستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة ؛ لأنه ليس بموجود ، ولا يمكن أن يوجد ولا يفرضه الذهن" انتهى من " شرح العقيدة السفارينية " ( ص 192) . المصدر الاسلام سؤال وجواب

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    إن الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، له سبحانه مطلق القدرة ، وكمال الإرادة ، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) البقرة / 117.
    قال تعالى :
    ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/ 20 ، وقال عز وجل : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة/ 106 .
    قال القرطبي رحمه الله :
    " فالله عز وجل قَادِرٌ مُقْتَدِرٌ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ " .
    انتهى من "تفسير القرطبي" (1/ 224) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالنَّاسُ فِي هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : " طَائِفَةٌ " تَقُولُ هَذَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ ، مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْمَقْدُورِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ. وَ" طَائِفَةٌ " تَقُولُ: هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ يَخُصُّ مِنْهُ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَقْدُورِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ. وَالصَّوَابُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ النُّظَّارِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ لَيْسَ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) " انتهى ملخصا من "مجموع الفتاوى" (8/ 8-9) .
    وليس لقدرة الله تعالى حد تقف عنده ، فله سبحانه القدرة المطلقة ، قال الراغب الأصفهاني رحمه الله :
    " محال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلق عليه لفظا، بل حقّه أن يقال: قَادِرٌ على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التّقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه ، إلّا ويصحّ أن يوصف بالعجز من وجه، والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كلّ وجه. والقَدِيرُ:
    هو الفاعل لما يشاء على قَدْرِ ما تقتضي الحكمة ، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه، ولذلك لا يصحّ أن يوصف به إلا الله تعالى، قال: (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) " انتهى من "المفردات" (ص 657-658) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " إثبات القدرة المطلقة لله ، تتضمن أنه خالق كل شيء بقدرته " .
    انتهى من "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص 14) .المصدر الاسلام سؤال وجواب

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :

    الشيء الثاني : المستحيل لغيره ،
    قال ابن عثيمين رحمه الله
    ومن فوائد هذه الآية الكريمة بل الآيتين: انتفاء الظلم عن الله، لقوله: (( وما ظلمهم الله )) .
    وهل هو محال لذاته أو لغيره ؟ لغيره، قيل: إنه محال لذاته، وذلك لأن الخلق كلهم عبيد الله ومهما فعل السيد بعبيده فليس بظالم، وعلى هذا فإن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، وهذا القول يتضمن أن الله غير قادر على الظلم لأنه مستحيل لذاته عندهم، والقول الثاني: أن الظلم بالنسبة لله مستحيل لغيره، يعني لو شاء الله أن يظلم لظلم لكنه مستحيل لغيره، ما هو الغير ؟ كمال عدل الله، كمال عدل الله هو الذي منع أن يقع الظلم من الله سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: لو شاء الله لظلم العباد، فأهدرهم أعمالهم الصالحة وأضاف إليهم أعمالا سيئة لم يعملوها لكن لكمال عدله لا يمكن أن يقع منه ذلك سبحانه وتعالى.
    الشيخ : إذا فالظلم محال ؟
    الطالب: بالنسبة لله عز وجل محال لغيره،
    الشيخ : نعم، والقول الثاني ؟
    الطالب: أنه محال لذاته،
    الشيخ : أيهما أدل على الكمال القول الأول أو القول الثاني ؟
    الطالب: الأول إذا كان محالا لغيره،
    الشيخ : نعم الأول، لأنه لو كان محالا لذاته لم يكن فيه مدحا لله عزوجل، المحال ما يمكن أن يقع فليس فيه مدحا لله، المدح أن يكون قادرا عليه ولكن تركه لكمال عدله.
    وأضرب لكم مثلا يبين الأمر: لو أن رجلا عنينا دعته امرأة إلى نفسها، لكن رجل عنين، عنين يعني لا يقدر على الجماع، قال والله ما لي رغبة، نمدحه ؟ الطالب: لا، الشيخ : ما نمدحه، لأي شيء ؟ لأنه غير قادر على ذلك، لكن رجل شاب ممتلئ شبابا وعنده قدرة دعته امرأة لنفسها فقال: إني أخاف الله، ولو شاء لأجابها وفعل، هل يمدح ؟ نعم يمدح لأنه قادر، فإذا قلنا إن الظلم بالنسبة لله مستحيل ولا يمكن أن يقع منه صار عدم ظلمه ليس فيه مدحا، وصار تمدح الله به لغوا لا فائدة منه، إذا فالله تعالى نفى عن نفسه الظلم لكمال عدله، فلعدله لا يمكن أن يقع منه ظلم .
    ومن فوائد الآيتين: إثبات أن الله تعالى موصوف بالنفي كما هو موصوف بالإثبات، صح ؟ وصف الله بالإثبات كثير في القرآن، وصفه بالنفي أقل لكنه موجود .
    طيب، هذا النفي الذي وصف الله به نفسه هل هو نفي محض مجرد ؟ لا، بل هو نفي متضمن لثبوت وهو كمال ضد ذلك الشيء، فإذا قال الله عن نفسه: (( وما ربك بظلام للعبيد )) قلنا لكمال عدل، وإذا قال: (( وما الله بغافل عما يعملون )) لكمال مراقبته، وإذا قال: (( وما مسنا من لغوب )) لكمال قوته وقدرته، وهلم جرا، لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي محض بل هو نفي لثبوت ضده، لثبوت ضده على وجه الكمال .
    يقول العلماء رحمهم الله: ولابد من هذا التقدير، أي شيء التقدير ؟ إثبات كمال الضد، قالوا لأن مجرد النفي إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، وإن كان للعجز عن المنفي فهو نقص، نقص، إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، مثل لو قلنا: الجدار لا يظلم، الجدار لا يغدر بالعهد لا يخلف الوعد، أي شيء هذا الكلام، نقول: هذا لغو، لغو، كل الناس يعرفون هذا، فما مثلك إلا كمثل الذي قال: السماء فوقنا والأرض تحتنا أو قال: كأننا حول المدرس طلبة يدرسون نعم ؟ أي شيء الفائدة من هذا؟ هل فيه فائدة ؟ طيب فإذا كان غير قابل لهذا المنفي عنه فإن وصفه به لغو لا فائدة منه، وإن كان هذا النفي لعجزه عن تحقيقه صار نقصا، لو قلنا إن الله لا يظلم لأنه ما يستطيع أن يظلم، لاشك أنه نقص، إذا فالقاعدة فيما وصفه لنفسه من النفي أنه ليس نفيا محضا، بل هو متضمن لإثبات كمال، ما الكمال ؟ كمال ضد ذلك النفي
    *******
    قال الشيخ عبد العزيز الراجحى
    في الحديث القدسي من حديث أبي ذر أن ربك -سبحانه وتعالى- قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) .
    إذن حقيقة الظلم الذي نزه الله نفسه عنه ونفاه عن نفسه ونفى خوف العباد منه وحرمه على نفسه ما هو؟ هو وضع الشيء في غير موضعه ومنع ذي الحق حقه، كأن ينقص أحدا من ثواب حسناته، أو يحمل أحدا أوزار غيره واضح؟ هذا حقيقة الظلم الذي نزه الله نفسه عنه عند أهل الحق وأهل السنة والجماعة.
    وفي المسألة مذهبان آخران:
    المذهب الأول الجبرية وهم الأشاعرة والجهمية قالوا في تعريف الظلم الذي نزه الله نفسه عنه: الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة ويمتنع أن يكون في الممكن مقدور وظلم بل كل ما كان ممكنا فهو منه لو فعله عدل، ولا يكون ظلما .
    إذن فالظلم عند الجبرية ممتنع ومستحيل على الله كامتناع العجز والموت فالظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين وكون الشيء موجودا معدوما. إذن ما هو الظلم؟ هل له وجود عند الجبرية؟ عندهم لا حقيقة للظلم الذي نزه الرب نفسه عنه ألبتة، بل هو المحال لذاته والممتنع لذاته الذي لا يتصور وجوده.
    وكل ممكن عندهم فليس بظلم ولله أن يفعله، وهو غير ظالم، وقالوا الجبرية: لو قلب الرب التشريع والجزاءات فجعل الزنا واجبا والعفة حراما لما كان ظالما ولو عذب رسله وأنبيائه وأوليائه أبد الآبدين، وأبطل جميع حسناتهم وحملهم أوزار غيرهم وعاقبهم عليها وأثاب المجرمين والعصاة والكفرة طاعات الأنبياء والأبرار وحرم ثوابها فاعلها لكان ذلك عدلا محضا، فإن الظلم من الأمور الممتنعة لذاتها في حق الرب وهو غير مقبول له بل هو كقلب المحدث قديما والقديم محدثا، وهذا قول جهم ومن اتبعه من المتكلمين.
    شبهتهم قالوا: الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي والله ليس كذلك والظلم إما التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإما مخالفة الآمر، وكلاهما في حق الله تعالى محال فإن الله مالك كل شيء هو مالك العباد يتصرف في ملكه، والذي يتصرف في ملكه ليس بظالم، إنما الظالم الذي يتصرف في غير ملكه ، والظلم إنما يكون من مخالفة الآمر، والله ليس فوقه آمر تجب طاعته.
    ومن أدلتهم: والجواب على هذا أن نقول: هذا باطل ، هذا التعريف مخالف للغة العربية ليس ظلم، التعريف: الظلم هو الجمع بين الضدين الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة. هذا ليس تعريفه هذا لا وجود له ، لو كان الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة لما نفاه عن نفسه قال: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} هل ينفى شيء لا وجود له؟ لا ينفى، ولو كان الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة كما تقولون أيها الجبرية لما نفى خوف الظلم قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)} .
    هل يخاف الإنسان الممتنع المستحيل هل يخافه؟ لا يخافه ولو كان الظلم مستحيلا على الله لما حرمه على نفسه كيف يحرم على نفسه شيئا ممتنعا (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) وقولكم: إن الظلم لا يكون إلا من آمر ناهٍ . نقول نعم الله -تعالى- مأمور منهي لكن من قِبَل نفسه فهو يأمر نفسه وينهاها سبحانه وتعالى.
    ومن أدلتهم: أدلة الجبرية استدلوا بقول الله تعالى {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
    ******
    قال الشيخ صالح ال الشيخ على شرح الطحاوية
    [المسألة الثانية]:
    ذكر هنا الظلم فقال (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا) ولفظ الظلم من الألفاظ التي أدخلها هنا لأن الفرق الضالة تكلمت فيها:
    - فالمعتزلة لهم كلام في الظلم.
    - والجبرية لهم كلام في الظلم.
    - وأهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وسط بين الفئتين.
    @ فالظلم عند المعتزلة في حق الله - عز وجل - هو الظلم في حق الإنسان، فما يفعله الإنسان ويكون ظلما منه إذا نسب إلى الله - عز وجل - فإنه ظلم.
    فقاسوا الظلم الذي يضاف إلى الله - عز وجل - بالظلم الذي يقع من الإنسان.
    فعندهم الظلم واحد، سواء أكان في المخلوق أم في الخالق، ضابطه واحد، وتعريفه واحد، وما ينزه الله - عز وجل - عنه من الظلم، هو ما لا يليق بالإنسان أن يفعله.
    @ وأما المتكلمون والأشاعرة ونحو هؤلاء فإن الظلم عندهم هو الامتناع عن القدرة.
    وعندهم قدرة الرب - عز وجل - متعلقة بما لا يشاؤه سبحانه في تعلقها الأزلي وفي تعلقها الصلوحي -على حد كلماتهم -لا ينشغل ذهنك بها-.
    فعندهم القدرة متعلقة بما يشاؤه سبحانه، فما لا يشاؤه غير مقدور.
    فمعنى ذلك: الممتنع عن القدرة في تفسير الظلم هو الممتنع في حق الله - عز وجل - عما لم يشأه - عز وجل -.
    فعند المتكلمين أو -الأحسن طائفة من المتكلمين لأنها ليست موضع اتفاق بين المتكلمين والأشاعرة ثم خلاف بينهم وإن كان قليلا- عندهم الظلم هو الامتناع أو ما يمتنع أو ما هو ممتنع من القدرة.
    فما هو ممنوع ممتنع في قدرة الرب - عز وجل - هو الذي لو فعله لكان ظلما.
    لكن هذا كما ترى تحصيل حاصل، فإنه - عز وجل - إذا كان لم يفعل فيكون عدم ظلمه في أنه - عز وجل - لا يفعل الأشياء؛ لأنه لا يظلم أحدا، فلو فعل شيئا لا يدخل في قدرته -بحسب كلامهم- يكون ظلما.
    وهذا تفسير لا حاصل تحته لأن القدرة شيء والظلم شيء آخر.
    فالظلم إذا في تفسيرهم -تفسير طائفة من المتكلمين والأشاعرة ومن نحا نحوهم- يرجع إلى الممتنع في صفة القدرة لله - عز وجل -، فرجع إلى أن الممتنع في مشيئة الله - عز وجل - لو فعله لكان ظلما؛ لأن عندهم الأفعال أيضا غير معللة، وحكمة الله - عز وجل - غير مرتبطة بالعلل والأسباب في بحث يطول ذكره هنا.
    @ وأما تفسير أهل السنة والجماعة والأئمة والذي دلت عليه النصوص فهو أن الظلم هو وضع الأشياء في غير موضعها اللائق بها الموافق للحكمة منه - عز وجل -.
    والظلم بالتالي يكون غير مرتبط بالقدرة وغير مقيس على أفعال الإنسان؛ بل هو سبحانه متنزه عن الظلم وقد حرمه على نفسه.
    مما يتصل أيضا أن الظلم عند المعتزلة لا يكون إلا من مأمور ومنهي؛ يعني أن حقيقة الظلم تكون فقط ممن يؤمر وينهى، ويوردون الآيات في ذلك، ويقولون الآيات كلها دالة على أن الظلم إنما يكون في حق من أمر فلم يفعل ونهي ففعل وهم المكلفون.
    ولذلك ينفون عن الله - عز وجل - حقيقة الظلم لأجل أنه غير مأمور وغير منهي، ويردون الأحاديث التي فيها تحريم الظلم على الله - عز وجل - ونحو ذلك.
    نقول: نضرب مثالا على ذلك في حديثين:
    أما الحديث الأول فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في الصحيح حديث أبي ذر المعروف «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا»(1) وهذا يدل على أن الله حرم الظلم على نفسه، فلو كان الظلم على تفسير أولئك لا يقع إلا من مأمور ومنهي، فكيف يكون تحريمه على الله - عز وجل -؟
    يكون تحريمه تحصيل حاصل لا معنى له، ولو كان الظلم هو الامتناع عن القدرة لكان أيضا إضافته إلى الله - عز وجل - تحريم الظلم ليس له معنى.
    فإذا تحريم الظلم «حرمت الظلم على نفسي» يعني جعلت وضع الأشياء في غير موضعها الموافق للحكمة جعلته محرما على نفسي، وحرمت عليكم أن تظالموا.

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين :
    " المستحيل ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مقدوراً عليه ، لكن المستحيل الذي يُتَصَوَّرُ ذهناً أنه مستحيل :
    1- مستحيلٌ لذاته .
    2- ومستحيل لغيره .
    مزيد بيان
    قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله في شرح السفارينية:
    قول المؤلف : ( تعلقت بممكن ) :
    نقول : ضده المستحيل ،فالمستحيل لا تتعلق به القدرة ،لأنه على اسمه مستحيل ،لكن يجب أن نعلم حتى لا يتوهم واهم أننا خصصنا ما عمه الله أو قيد ما أطلقه ،يجب أن نعلم أن المستحيل نوعان :

    1 -
    مستحيل لذاته ،
    2 -
    ومستحيل لغيره ،
    فالمستحيل لذاته : ما لا يمكن أن تتعلق به القدرة ،كما مثلنا وقلنا : لو قال قائل : هل يقدر الله أن يخلق مثله ؟

    قلنا : هذا مستحيل لذاته ،لأن المماثلة مستحيل ، أدنى ما نقول : أن نقول : أن هذا مخلوق والرب خالق ، فتنتفي المماثلة على كل حال .

    الشيء الثاني : المستحيل لغيره ؛ بمعنى أن الله تعالى أجرى هذا الشيء على هذه العادة المستمرة التي يستحيل أن تنخرم ،ولكن الله قادر على أن يخرمها ،

    هذا نقول : إن
    القدرة تتعلق به ،فيمكن للشيء الذي نرى أنه مستحيل بحسب العادة أن يكون جائزاً واقعاً بحسب القدرة ،وهذا الشيء كثير ،كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب مستحيل لغيره ،انشقاق القمر للرسول عليه الصلاة والسلام مستحيل لغيره لكن لذاته غير مستحيل ، نحن الآن نرى أنه من المستحيل أن الشمس تنزل وتكون فوق المنارة ،لو جاءنا واحد وقال : إنني مررت بمنارة ووجدت أن الشمس موضوعة فوق المنارة بالضبط ،ماذا نقول ؟هذا كذب مستحيل ، لكن مستحيل لغيره أو لذاته ؟حسب ما أجرى الله العادة ،لكن الله قادر على أن تكون الشمس على مستوى منارة بل دون المنارة ،فإنه يوم القيامة تكون على رؤوس الناس بقدر ميل ،فعبارة المؤلف رحمه الله تحتاج إلى بيان في قوله : ( تعلقت بممكن ) ،فإن ظاهر كلامه أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل ،ونحن نقول لا بد في ذلك من التفصيل :
    وهو أن المستحيل لذاته لا تتعلق به القدرة ، لأنه ليس بموجود ولا يمكن أن يوجد ولا يفرضه الذهن ،هل يمكن أن يكون الشيء متحركاً ساكناً
    ؟لا يمكن ،لأنه إذا كان متحركاً فليس بساكن ،إن كان ساكناً فليس بمتحرك .
    أما المستحيل لغيره يعني بحيث يكون بحسب العادة غير ممكن ،فهذا تتعلق به القدرة ،وإذا طُلِبَ منا مثلٌ لذلك ، قلنا : ما أكثر الأمثلة ،كل آيات الأنبياء الكونية من هذا الباب في العادة ،لو أحد قال : أنا سأضرب هذا الحجر ، ضربه بعصاه قال : فانفلق اثني عشر عين ،ماذا نقول ؟هذا مستحيل حسب العادة ،
    لو تضرب حجراً بعصاً من حديد حتى يتفتت الحجر ما جاءك اثني عشر عين ،لكن هل هو مستحيل لذاته ؟ لا ، لأن الله جعله لموسى ،
    إنسان معه عصا وقال أنا أضع هذه العصا ويكون حية ، ماذا نقول ؟
    نقول : هذا ليس بصحيح ،لا يمكن أن يكون حية ، حتى في السحر لا يمكن أن يكون حية ،إنما يكون حية بالسحر حسب نظرنا ، لكن حقيقةً لا ليس بحية ،لكن يمكن أن يكون العصا حية حقيقية حسب القدرة قدرة الله ،فكون العصا حيةً مستحيل لغيره ،لكنه لقدرة الله ليس مستحيلاً ،ولهذا كان عصا موسى ينقلب حية حقيقية تلقف تأكل.
    الإنسان مخلوق من لطين لو واحد صنع تمثالاً على شكل إنسان أو على شكل طير ، على شكل طير أحسن لكي توافق الآية التي لعيسى صنع تمثالاً على شكل طير، وقام ينفخ فيه وقال طار طير طار نصدقه ،لأن هذا مستحيل حسب العادة لكنه مستحيل لغيره ،وأما حسب القدرة فليس بمستحيل ،ولهذا جعله الله آيةً لعيسى يخلق تمثالاً على شكل الطير ثم ينفخ فيه فيطير ،لم يذكر المؤلف متعلقاً للحياة ،لأن الحياة لا متعلق لها ،قوله : ( بممكن ) : يخرج به المستحيل ،المستحيل لغيره له أمثلة كثيرة منها :

    فخلق عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب أمرٌ مستحيل في العادة ،

    لا يمكن أن يوجد ولد بلا أب وخلق ولد بلا أم أيضاً مستحيل ،ولد بلا أم مستحيل في العادة ما من ولد إلا وله أم ،ولكن في حواء صار لها أبٌ وليس لها أم ،كذلك يستحيل في العادة أن يوجد ولدٌ بلا أمٍّ ولا أب ،
    فلو جاءنا رجل وقال : ابشروا وجدت ولداً نابتاًَ في السطح ،ماذا نقول له ؟ نقول : هذا مجنون لا يمكن أن يكون هكذا ،ولكن هذا مستحيل لغيره لو شاء الله أن يخلقه لخلقه ،أليس الناس إذا دُفِنوا في القبور فإن الأرض تأكل أجسامهم كلها إلا عَجْبَ الذَّنَب ؟!!!
    ومع ذلك يتكون من هذا التراب يتكون آدمي بشر ،وآدم عليه الصلاة والسلام كان خُلِق من الطين ، وهذا مستحيل لغيره حسب العادة ولكن الله قادر عليه.-----
    والعلم والكلام قد تعلقا ، ،
    بكل شيء يا خليلي مطلقا ،ت
    قوله :
    ( والعلم والكلام قد تعلقا بكل شيء ) :
    يعني يمكن أن الله يتكلم بالشيء المستحيل ويعلم الشيء المستحيل ،
    فالله سبحانه وتعالى يقول : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء 22 ) .
    فقال : بالمستحيل يعني تكلم عن شيء مستحيل ،
    { وما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } ( المؤمنون 91 ) فتكلم بشيء مستحيل ،
    والعلم يتعلق بالمستحيل والدليل هاتان الآيتان { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }
    هذا خبر يخبر الله أنه لو كان في السماء والأرض آلهة إلا الله لفسدتا ، هذا خبر عن شيء مستحيل ،
    إذن الكلام يتعلق بالمستحيل ويتعلق بالواجب من باب أولى ،
    فالله تعالى يتكلم بالشيء الواجب ومما تكلم به من الأمور الواجبة أن الله واحدٌ لا شريك له :
    { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } ( آل عمران 18 ) .
    العلم أيضاً تعلق بالماضي والمستقبل والحاضر ، لأن الله بكل شيء عليم كل شيء فالله عليم به ،

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    فالقدرية النفاة أكثرهم يكذبون بدرجة المشيئة والخلق ، يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    نعم
    قال الشيخ محمد خليل هراس على شرح الواسطية
    قولُهُ: (وأَمَّا الدَّرَجةُ الثانيةُ مِنَ القَدَرِ...) إلخ. فهيَ تتضمَّنُ شيئينِ أيضًا:
    أوَّلُهمَا: الإِيمانُ بعمومِ مشيئتِهِ تعالى، وأنَّ ما شاءَ كانَ ومَا لمْ يَشَأْ لمْ يكنْ، وأنَّهُ لا يقعُ في مُلْكِهِ ما لا يريدُ، وأنَّ أفعالَ العبادِ مِنَ الطَّاعاتِ والمعاصي واقعةٌ بتلكَ المشيئةِ العامَّةِ التَّي لا يخرجُ عنها كائنٌ؛ سواءٌ كانَ مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ ويرضاهُ أمْ لاَ.
    وثانيهمَا: الإِيمانُ بأنَّ جميعَ الأشياءِ واقعةٌ بِقُدْرَةِ اللهِ تعالى، وأنَّهَا مخلوقةٌ لهُ، لا خالقَ لهَا سِواهُ، لا فرقَ في ذلكَ بينَ أفعالِ العِبادِ وغيرِهَا؛ كمَا قالَ تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ ومَا تَعْمَلُونَ}.
    ويجبُ الإِيمانُ بالأمرِ الشَّرعيِّ، وأنَّ اللهَ تعالى كلَّّفَ العبادَ، فَأَمَرَهُمْ بطاعتِهِ وطاعةِ رسلِهِ، ونَهَاهُمْ عن معصيتِهِ.
    ولا مُنَافَاةَ أصلاً بينَ ما ثَبَتَ مِنْ عُمُومِ مشيئتِهِ سبحانَهُ لجميعِ الأشياءِ وبينَ تَكْلِيفِهِ العبدَ بِمَا شاءَ مِنْ أَمْرٍ ونَهْيٍ؛ فإنَّ تلكَ المشيئةَ لا تُنَافِي حُرِّيَّةَ العبدِ واختيارَهُ للفعْلِ، ولِهَذَا جَمَعَ اللهُ بينَ المشيئتينِ بقولِهِ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ}.
    كمَا أنَّهُ لا تَلاَزُمَ بينَ تلكَ المشيئةِ وبينَ الأمرِ الشَّرعيِّ المُتَعَلِّقِ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ ويرضاهُ، فقَدْ يشاءُ اللهُ ما لا يُحِبُّهُ، ويُحِبُّ مَا لا يشاءُ كَوْنَهُ:
    فالأوَّلُ: كمشيئتِهِ وجودَ إبليسَ وجنودِهِ.
    والثَّانِي: كمحبَّة إيمانِ الكُفَّارِ، وطاعاتِ الفُجَّارِ، وعَدْلِ الظَّالِمِينَ، وتَوْبَةِ الفاسقينَ، ولوْ شاءَ ذلكَ؛ لَوُجِدَ كُلَّهُ؛ فإنَّهُ مَا شاءَ كانَ، وما لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ.

    (74)
    وكذلكَ لا مُنَافَاةَ بينَ عمومِ خلقِهِ تعالى لجميعِ الأشياءِ وبينَ كَوْنِ العبدِ فاعلاً لِفِعْلِهِ، فالعبدُ هوَ الذي يُوصَفُ بِفِعْلِهِ، فهوَ المؤمنُ والكافرُ، والبَرُّ والفاجرُ، والمُصَلِّي والصَّائمُ، واللهُ خالقُهُ، وخالقُ فعلِهُ؛ لأنَّهُ هوَ الذي خَلَقَ فيهِ القدْرةَ والإِرادةَ اللتينِ بِهِمَْا يفعلُ.
    يقولُ الْعَلاَّمَةُ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ نَاصِرٍ آلُ سَعْدِي غَفَرَ اللهُ لهُ وأجزلَ مَثُوبتَهُ: "إِنَّ العبدَ إذَا صلَّى، وصامَ، وفعلَ الخيْرَ، أوْ عَمِلَ شيئًا مِنَ المعاصِي؛ كانَ هوَ الفاعلُ لذلكَ العملِ الصَّالحِ، وذلكَ العملِ السَّيِّئ، وفِعْلُهُ المذكورُ بِلاَ رَيْبٍ قدْ وَقَعَ باختيارِهِ، وهوَ يحسُّ ضرورةً أنَّهُ غيرُ مَجْبُورٍ على الفعلِ أو التَّرْكِ، وأنَّهُ لوْ شاءَ لمْ يفعلْ، وكانَ هذا هوَ الواقعُ، فهوَ الذي نَصَّ اللهُ عليهِ في كتابِهِ، ونصَّ عليهِ رسولُهُ، حيثُ أضافَ الأعمال؛َ صالحَهَا وسَيِّئَهَا إلى العبادِ، وأخبرَ أنَّهمْ الفاعلونَ لهَا، وأَنَّهُمْ مَمْدُوحُونَ عليهَا –إن كانَتْ صالحةً– ومُثَابُونَ، ومَلُومُونَ عليهَا –إنْ كانَتْ سَيِّئَةً- ومُعَاقَبُونَ عليهَا.
    فقَدْ تبيَّنَ بلا ريبٍ أنَّهَا واقعةٌ مِنْهُمْ باختيارهِمْ، وأَنَّهُمْ إذَا شَاءُوا فعلُوا، وإذَا شَاءُوا تَرَكُوا، وأنَّ هذا الأمرَ ثابتٌ عَقْلاً وحِسًّا وشَرْعًا ومُشَاهَدَةً.
    ومَعَ ذلكَ؛ إذَا أَرَدْتَ أنْ تعرفَ أنَّهَا وإنْ كانَتْ كذلكَ واقعةً مِنْهُمْ كيفَ تكونُ داخلةً في القَدَرِ وكيفَ تَشْمَلُهَا الْمَشِيئَةُ؟! فَيُقَالُ: بأيِّ شيءٍ وَقَعَتْ هذهِِ الأعمالُ الصَّادرةُ مِنَ العبادِ خيرِهَا وشرِّهَا؟ فَيُقَالُ: بقدْرتِهِمْ وإرادتِهِمْ. هذا يعترفُ بهِ كلُّ أحَدٍ. فَيُقَالُ: ومَنْ خَلَقَ قدْرتَهُمْ وإرادتَهُمْ ومشيئتَهُمْ؟ فالجوابُ الذي يعترفُ بهِ كلُّ أحدٍ أنَّ اللهَ هوَ الذي خَلَقَ قُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ ، والذي خَلَقَ ما بهِ تقعُ الأفعالُ هوَ الخالقُ للأفعالِ.
    فهذا هوَ الذي يَحُلُّ الإِشْكَالَ، ويتمكَّنُ العبدُ أنْ يعقلَ بقلبِهِ اجتماعَ القَدَرِ والْقَضَاءِ والاختيارِ.
    ومعَ ذلكَ فهوَ تعالى أمدَّ المؤمنينَ بأسبابٍ وأَلْطَافٍ وإعاناتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وصَرَفَ عَنْهُمُ المَوَانِعَ؛ كمَا قالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلمَ: ((أَمَّا مَنْ كَانَ مِن أَهْلِ السَّعَادَةِ؛ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ)).
    وكذلكَ خَذَلَ الفاسقينَ، وَوَكَلَهُمْ إلى أَنْفُسِهِمْ؛ لأنَّهمْ لمْ يُؤْمِنُوا بهِ، ولمْ يتوكَّلوا عليهِ، فَوَلاَّهُمْ مَا تولَّوا لِأَنْفُسِهِمْ". اهـ.
    وَخُلاَصَةُ مَذْهَبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في القَدَرِ وأفعالِ العبادِ ما دلَّتْ عليهِ نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ مِنْ أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الخالقُ لكلِّ شِيْءٍ مِنَ الْأَعْيَانِ والْأَوْصَافِ والأفعالِ وغيرِهَا، وأنَّ مشيئَتَهُ تعالى عامَّةٌ شاملةٌ لجميعِ الكائناتِ، فلا يقعُ منهَا شيءٌ إلاَّ بتلكَ المشيئةِ، وأنَّ خَلْقَهُ سبحانَهُ الأشياءَ بمشيئتهِ إنَّمَا يكونُ وِفْقًا لِمَا عَلِمَهُ منهَا بِعِلْمِهِ القدْيمِ، ولِمَا كَتَبَهُ وقَدَّرَهُ في اللَّوْحِ المحفوظِ، وأنَّ لِلعبادِ قُدْرَةً وإرادةً تقعُ بهَا أفعالُهُمْ، وأَنَّهُم الفاعلونَ حقيقةً لهذهِِ الأفعالِ بِمَحْضِ اختيارِهِمْ، وأَنَّهُمْ لهذا يَسْتَحِقُّونَ عليهَا الجزاءَ: إِمَّا بالمَدْحِ والمَثُوبَةِ، وإمَّا بالذَّمِّ والعقوبةِ، وأنَّ نسبةَ هذهِ الأفعالِ إلى العبادِ فعلاً لا يُنَافِي نِسْبَتَهَا إلى اللهِ إيجادًا وخَلْقًا؛ لأنَّهُ هوَ الخَالقُ لجميعِ الأسبابِ التَّي وَقَعَتْ بهَا.

    وضلَّ في القَدَرِ طائفتانِ؛
    الطَّائفةُ الأُولى: القَدَرِيَّةُ نُفَاةُ القَدَرِ، الَّذينَ هُمْ مَجُوسُ هذهِِ الأُمَّةِ؛ كمَا وردَ ذلكَ في بعضِ الأحاديثِ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا، وهؤلاءِ ضَلُّوا بالتَّفريطِ وإِنْكَارِ القَدَرِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ ما هُوَ ثابتٌ بالضَّرورةِ مِنِ اختيارِ العبدِ في فِعْلِهِ ومَسْؤُولِيَّتِ هِ عنهُ، وبينَ ما دلَّتْ عليهِ النُّصوصُ مِنْ عُمُومِ خَلْقِهِ تعالى ومشيئتِهِ؛ لأنَّ ذلكَ العمومَ في زَعْمِهِمْ إبطالٌ لِمَسْؤُولِيَّة ِ العبدِ عنْ فِعْلِهِ، وهَدْمٌ لِلتَّكَاليفِ، فَرَجَّحُوا جانبَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وخصَّصُوا النُّصُوصَ الدالَّةَ على عُمُومِ الخَلْقِ والمشيئةِ بما عدا أفعالَ العبادِ، وأثبتُوا أنَّ العبدَ خالقٌ لِفِعْلِهِ بِقُدْرَتِهِ وإِرَادَتِهِ، فَأَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ غيرَ اللهِ، ولهذا سُمُّوا مَجُوسَ هذهِِ الأُمَّةِ؛ لأنَّ الْمَجُوسَ يزعمونَ أنَّ الشَّيطانَ يخلقُ الشَّرَّ والأشياءَ المُؤْذِيَةَ، فجعلوهُ خالقًا مَعَ اللهِ، فكذلكَ هؤلاءِ جَعَلُوا العبادَ خَالِقِينَ مَعَ اللهِ.
    والطَّائفةُ الثَّانِيةُ: يُقالَ لهَا: الْجَبْرِيَّةُ، وهؤلاءِ غَلَوْا في إثباتِ القَدَرِ، حتَّى أنْكرُوا أنْ يكونَ للعبدِ فِعْلٌ حقيقَةً، بلْ هوَ في زَعْمِهِمْ لا حُرِّيَّةَ لهُ، ولا اختيارَ، ولا فِعْلَ؛ كَالرِّيشَةِ في مَهَبِّ الرِّيَاحِ، وإنَّمَا تُسْنَدُ الأفعالُ إليهِ مَجَازًا، فَيُقَالُ: صَلَّى، وصامَ، وقتَلَ، وسَرَقَ؛ كمَا يُقالُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وجَرَتِ الرِّيحُ، ونَزَلَ المطَرُ، فَاتَّهَمُوا رَبَّهُمْ بالظُّلْمِ وتكليفِ العبادِ بِمَا لا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ، ومُجَازَاتِهِمْ على ما ليسَ مِنْ فِعْلِهِمْ، واتَّهَمُوهُ بِالْعَبَثِ في تَكْلِيفِ العبادِ، وأَبْطَلُوا الحكمةَ مِنَ الأمرِ والنَّهْيِ، {أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ
    }.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    فالقدرية النفاة أكثرهم يكذبون بدرجة المشيئة والخلق ، يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    قال الشيخ صالح الفوزان على شرح الواسطية
    وأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشيئةُ اللهِ النَّافِذَةُ، وقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وهُو: الإِيمانُ بأَنَّ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وأَنَّهُ ما في السَّماواتِ ومَا في الأرْض مِنْ حَرَكَةٍ ولا سُكونٍ؛ إِلا بِمشيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ، [لا يَكونُ في مُلْكِهِ مَا لاَ يُريدُ]، وأنَّهُ سُبحانَهُ عَلى كُلِّ شيءٍ قَديرٌ مِنَ الموجودَاتِ والمَعْدوماتِ، فمَا مِنْ مَخْلوقٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إِلا اللهُ خَالِقُهُ سبحانَهُ، لا خَالِقَ غيرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ.(67)
    1، 2 لا تعارض بين القدر والشرع ولا بين تقديره للمعاصي وبغضه لها
    ومَعَ ذلك؛ فقدْ أَمَرَ العِبَادَ بطاعَتِهِ وطاعَةِ رُسُلِهِ، ونَهاهُمْ عن مَعْصِيَتِهِ - وهو سُبحانَهُ يُحِبُّ المُتَّقينَ والمُحْسِنينَ والمُقْسِطينَ، ويَرْضى عَنِ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، ولا يُحِبُّ الكَافِرينَ، ولا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقينَ، ولا يَأْمُرُ بالفَحْشاءِ، ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ، ولا يُحِبُّ الفَسادَ.(68)
    لا تنافي بين إثبات القدر وإسناد أفعال العباد إليهم حقيقة وأنهم يفعلونها باختيارهم
    والعِبَادُ فاعِلُونَ حَقيقةً، واللهُ [خَلَقَ] أَفْعالَهُمْ.-والعبد هو : المُؤِمنُ، والكافِرُ، والبَرُّ، والفاجِرُ، والمُصلِّي، والصَّائِمُ. ولِلْعِباد قُدْرَةٌ على أَعْمالِهِمْ، [ولَهُمْ إِرَادَةٌ، واللهُ خَالِقُهُم وقُدْرَتَهُم وإِرادَتَهُم]؛ كَما قالَ تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقيمَ. ومَا تَشاؤونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمينَ}.
    وهذه الدَّرَجَةُ مِنَ القدَرِ يُكَذِّبُ بها عَامَّةُ القَدَرِيَّةِ الَّذينَ سَمَّاهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَجُوسَ هذه الأمَّةِ، ويَغْلُو فيها قومٌ مِنْ أَهْلِ الإِثْباتِ، حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، ويُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وأَحْكامِهِ حِكَمَهَا ومَصالِحَها.(69)


    الشرح
    (67) هَذَا بيانٌ للمَرتبةِ الثَّالثةِ والمَرتبةِ الرَّابعةِ مِن مَراتبِ القدَرِ. أشار إلى الثَّالثةِ بقولِه: (فهِيَ مشيئةُ اللَّهِ النَّافِذةُ، وقُدرتُه الشَّامِلةُ) والنَّافذةُ هِيَ الماضيةُ التي لا رادَّ لها، والشَّاملةُ هِيَ العامَّةُ لكُلِّ شيءٍ مِن الموجوداتِ والمعدوماتِ.
    وقولُه: (وَهُوَ الإيمانُ) أيْ: ومعنى الإيمانِ بهَذِهِ المرتبةِ اعتقادُ: (أنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ) أيْ: وُجِدَ (وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ) أيْ: لم يُوجَدْ (وأَنَّهُ ما في السَّماواتِ مِن حرَكةٍ ولا سُكونٍ إلاَّ بمشيئةِ اللَّهِ) أيْ: لا يحصُلُ شيءٌ مِن ذَلِكَ إلاَّ وقد شاءَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (لا يكونُ في مُلْكِه ما لا يُريدُ) وقوعَه كَوْنا وقدَراً (وأَنَّهُ سُبْحَانَهُ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ مِن الموجوداتِ والمعدوماتِ) لدُخولِها تَحْتَ عُمومِ (كُلِّ شيءٍ) فاللَّهُ قد أخبَرَ في آياتٍ كثيرةٍ أَنَّهُ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ.
    وقولُه: (فما مِن مخلوقٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ إلاَّ اللَّهُ خالِقُه سبحانَه) هَذَا فيهِ إشارةٌ إلى المرتبةِ الرَّابعةِ وهِيَ مرتبةُ الخَلقِ والإيجادِ، فكُلُّ ما سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مخلوقٌ، وكُلُّ الأفعالِ خَيْرِها وشرِّها صادرةٌ عن خَلقِه وإحداثِه لها (لا خِالقَ غيرُه ولا رَبَّ سِواهُ ).
    ولمَّا فَرَغَ الشَّيخُ مِن ذِكْرِ مراتبِ القدَرِ نبَّهَ على مسائلَ تتعلَّقُ بهَذَا الموضوعِ.
    المسألةُ الأولى: أَنَّهُ لا تعارُضَ بَيْنَ القدَرِ والشَّرْعِ.
    المسألةُ الثَّانيةُ: لا تعارُضَ بَيْنَ تقديرِ اللَّهِ وقوعَ المعاصِي وبُغْضِه لها.
    المسألةُ الثَّالثةُ: لا تعارُض بَيْنَ تقديرِ اللَّهِ لأفعالِ العِبادِ وكَوْنِهم يفعلونَها باختيارِهم.

    (68)
    لمَّا قَرَّرَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ القدَرَ بمراتِبِه الأربعِ: العِلمُ، والكتابةُ، والمشيئةُ والإرادةُ، والخَلقُ والإيجادُ، وأَنَّهُ ما مِن شيءٍ يَحْدُثُ إلاَّ وقد عَلِمَه اللَّهُ وكتَبَه وشاءَه وأرادَه وأَوْجَدَه بَيَّنَ هنا أَنَّهُ لا تعارُضَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَوْنِه أمَرَ العِبادَ بطاعَتِه ونَهاهُم عن معصيَتِه، ولا بَيْنَ تقديرِه وقوعَ المعصيةِ وبُغضِه لها. فقولُه: (ومع ذَلِكَ) أيْ: مع كَوْنه سُبْحَانَهُ هُوَ الذي عَلِمَ الأشياءَ وقدَّرَها وكتَبَها وأرادَها وأَوْجدَها (فقد أمَرَ العِبادَ بطاعتِه وطاعةِ رسولِه ونَهاهُم عن معصيَتِه) كما دَلَّتْ على ذَلِكَ أدلَّةٌ كثيرةٌ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ أمَرَ فيها بالطَّاعةِ ونَهَى عن المعصيةِ، ولا تعارُضَ في ذَلِكَ بَيْنَ شَرْعِه وقدَرِه كما يَظُنُّه بعضُ الضُّلاَّلِ الذين يُعارِضونَ بَيْنَ الشَّرْعِ والقَدرِ.
    يقولُ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذَا الموضوعِ في رسالَتِه التَّدْمُرِيَّة ِ: وأهلُ الضَّلالِ انقَسَموا إلى ثلاثِ فِرقٍ: مجوسيَّةٌ، ومُشرِكيَّةٌ، وإبْليسِيَّةٌ.
    فالمجوسيَّةُ: الذين كذَّبُوا بقَدرِ اللَّهِ، وإنْ آمَنوا بأمْرِه ونَهْيِه، فغُلاتُهم أنْكَروا العِلمَ والكتابَ، ومقتَصِدُوهُم أنْكَروا عمومَ مشيئتِه وخَلقِه وقُدرتِه، وهؤلاء هم المعتزِلةُ ومَن وافَقَهم.
    والفرقةُ الثَّانيةُ المُشركيَّةُ الذين أقَرُّوا بالقضاءِ والقدَرِ، وأَنْكروا الأمْرَ والنَّهْيَ، قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148]، فمَن احْتَجَّ على تعطيلِ الأمرِ والنَّهْيِ فَهُوَ مِن هؤلاءِ.
    والفِرقةُ الثَّالثةُ وهُم الإبليسيَّةُ الذين أقَرُّوا بالأمْرَيْنِ لكنْ جَعَلُوا هَذَا تناقُضاً مِن الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وتعالى، وطَعَنوا في حِكمتِه وعَدْلِه، كما يُذْكَرُ ذَلِكَ عن إبليسَ مقدَّمِهم.
    والمقصودُ أنَّ هَذَا مما تَقَوَّلَهُ أهلُ الضَّلالِ، وأمَّا أهلُ الهُدى والفَلاحِ فيُؤمِنونَ بهَذَا وَهَذَا. ويؤمِنونَ بأنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ ورَبُّه ومَلِيكُه، وما شاء كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ، وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وأحاطَ بكُلِّ شيءٍ عِلما، وكُلُّ شيءٍ أحصاهُ في إمامٍ مُبِينٍ. اهـ.
    وقولُه: (وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ المُتَّقِينَ والمُحْسِنِينَ والمُقْسِطينَ) أيْ: يُحِبُّ مَن اتَّصفَ بالصِّفاتِ الحميدةِ كالتَّقْوى والإحسانِ والقِسْطِ (ويَرْضَى عن الذين آمَنُوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ) كما أخبَرَ بذَلِكَ في آياتٍ كثيرةٍ لِمَا اتَّصَفوا به مِن الإيمانِ والعَملِ الصَّالحِ (ولا يُحِبُّ الكافرينَ، ولا يَرضَى عن القومِ الفاسِقينَ) أيْ: لا يَرضَى عمَّن اتَّصَفَ بالصِّفاتِ التي يُبْغِضُها كالكُفرِ والفُسوقِ وسائرِ الصِّفاتِ الذَّميمةِ (ولا يأمُرُ بالفحشاءِ) وهِيَ مَا تَنَاهَى قُبْحُه مِن الأقوالِ والأفعالِ (ولا يَرضى لعِبادِه الكُفرَ ولا يُحِبُّ الفسادَ) لقُبحِهِما ولِمَا فيهما مِن المَضرَّةِ على العِبادِ والبلادِ.
    ويريدُ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بهَذَا الكلامِ الردَّ على مَن زَعَم أنَّ الإرادةَ والمحبَّةَ بينهما تلازُمٌ فإذا أرادَ اللَّهُ شيئاً فقد أَحَبَّه، وإذا شاء شيئا فقد أحَبَّه. وهَذَا قولٌ باطلٌ، والقولُ الحقُّ أَنَّهُ لا تلازُمَ بَيْنَ الإرادةِ والمحبَّةِ، أو بَيْنَ المشيئةِ والمحبَّةِ -أعني الإرادةَ والمشيئةَ الكَوْنيَّةَ- فقد يَشاءُ اللَّهُ ما لا يُحِبُّه، وقد يُحِبُّ ما لا يَشاءُ وُجودَه. مثالُ الأوَّلِ: مشيئةُ وجودِ إبليسَ وجنودِه، ومشيئتُه العامَّةُ لِمَا في الكونِ مع بُغْضِه لبَعضِه. ومِثالُ الثَّاني: محبَّتُه لإيمانِ الكُفارِ وطاعاتِ الكفَّارِ، ولم يَشأْ وُجودَ ذَلِكَ منهم ولو شاءه لوُجِدَ.

    (69) أرادَ الشَّيخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بهَذَا الكلامِ أنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لا تنافِيَ بَيْنَ إثباتِ القدَرِ بجميعِ مراتبِه السَّابقةِ وبَيْنَ كونِ العبادِ يفعلونَ باختيارِهم ويعملونَ بإرادتِهم، وقصْدُه بهَذَا الردُّ على مَن زَعَمَ أنَّ إثباتَ ذَلِكَ يَلزَمُ منه التَّناقُضُ، ومِن ثَمَّ ذهبتْ طائفةٌ منهم إلى الغُلُوِّ في إثباتِ القدَرِ حتى سَلَبوا العبدَ قُدرتَه واختيارَه، وذهبت الطَّائفةُ الثَّانيةُ إلى الغُلُوِّ في إثباتِ أفعالِ العِبادِ واختيارِهم حتى جَعَلُوهم هُم الخالِقينَ لها، ولا تعلُّقَ لها بمشيئةِ اللَّهِ ولا تدخُلُ تَحْتَ قُدرتِه.
    ويقالُ للطَّائفةِ الأولى: الجَبْريَّةُ؛ لأنَّهم يقولونَ إنَّ العبدَ مُجْبَرٌ على ما يَصدُرُ منه لا اختيارَ له فيه، ويقالُ للطَّائفةِ الثَّانيةِ القَدَريَّةُ النُّفاةُ؛ لأنَّهم يَنْفُون القَدَرَ.
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    ، يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    فقولُ شيخ الاسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ:
    (والعبادُ فاعِلونَ حقيقةً) ردٌّ على الطَّائفةِ الأولى وهُم الجبريَّةُ؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ العبادَ ليسوا فاعِلينَ حقيقةً، وإسنادُ الأفعالِ إليهم مِن بابِ المجازِ.
    وقولُه: (واللَّهُ خالِقُهم وخالِقُ أفعالِهم) ردٌّ على الطَّائفةِ الثَّانيةِ القدَريَّةِ النُّفاةِ؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ اللَّهَ لم يَخلُقْ أفعالَ العِبادِ، وإنما هُم خَلَقُوها استِقلالاً دُونَ مشيئةِ اللَّهِ وتقديرِه لها.

    وقولُه: (والعبدُ هُوَ: المؤمِنُ، والكافرُ، والبَرُّ، والفاجِرُ، والمُصلِّي، والصائمُ، وللعِبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم ولهم إرادةٌ) رَدٌّ على الجبريَّةِ، أيْ: ليس العِبادُ بمُجبَرِينَ على تِلْكَ الأعمالِ؛ لأَنَّهُ لو كان كذَلِكَ لَمَا صحَّ وصْفُهم بها؛ لأنَّ فِعلَ المُجْبَرِ لا يُنسَبُ إليه ولا يُوصَفُ به، ولا يَستحِقُّ عليه الثَّوابَ أو العقابَ.
    وقولُه:
    (واللَّهُ خالِقُهم وخالِقُ قُدرَتِهم) رَدٌّ على القَدَريَّةِ النُّفاةِ،
    حَيْثُ زَعَموا أنَّ العِبادَ يَخلُقون أفعالَهم بدُونِ إرادةِ اللَّهِ ومشيئَتِه كما سبَقَ. ثم استدلَّ الشَّيخُ في الردِّ على الطائفتَيْنِ بقولِه تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ}. فقولُه تعالى: {لَمِنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} فيه الردُّ على الجبريَّةِ؛ لأَنَّهُ أَثبتَ للعِبادِ مشيئةً وهم يقولون لا مَشِيئةَ لهم. وقولُه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ} فيه الردُّ على القَدَريَّةِ القائِلينَ بأنَّ مشيئةَ العبدِ مستقِلَّةٌ بإيجادِ الفِعلِ مِن غيرِ توقُّفٍ على مشيئةِ اللَّهِ، وهَذَا باطلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ علَّقَ مشيئةَ العِبادِ على مَشيئَتِه سُبْحَانَهُ ورَبَطَها بها.

    قولُه: (وَهَذِهِ الدَّرجةُ مِن القَدَرِ) وهِيَ عمومُ مشيئَتِه وإرادَتِه لكُلِّ شيءٍ، وعمومُ خَلقِه لكُلِّ شيءٍ،
    وأنَّ العِبادَ فاعِلونَ حقيقةً، واللَّهُ خالِقُهم وخالِقُ أفعالِهم
    (يُكذِّبُ بها عامَّةُ القدَريَّةِ) النُّفاةِ حَيْثُ يَزْعُمونَ أنَّ العبدَ يَخلُقُ فِعلَ نَفْسِه بدونِ مشيئةِ اللَّهِ وإرادَتِه (الذين سمَّاهُم النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ) لمُشابَهَتِهم المَجُوسَ الذين يُثبِتون خالِقَيْنِ: هما النُّورُ، والظُّلْمةُ، فيقولونَ: إنَّ الخيرَ مِن فِعلِ النُّورِ، والشَّرَّ مِن فِعلِ الظُّلمةِ، فصاروا ثَنويَّةً. وكذَلِكَ هؤلاءِ القدَريَّةُ جَعَلوا خالِقا مع اللَّهِ، حَيْثُ زَعَموا أنَّ العِبادَ يَخلقُون أفعالَهم بدون إرادةِ اللَّهِ ومَشيئَتِه، بل يَستقِلُّونَ بَخَلقِها، ولم يَثبُتْ أنَّ النَّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم سمَّاهُم مجوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ لتَأخُّرِ ظُهورِهم عن وقتِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فأكْثَرُ ما يجيءُ مِن ذمِّهم إنما هُوَ موقوفٌ على الصَّحابةِ.

    وقولُه: (ويَغْلُو فيها) أيْ: هَذِهِ الدَّرجةِ مِن القدَرِ. والغُلُوُّ: هُوَ الزيادةُ في الشَّيءِ عن الحدِّ المطلوبِ (قومٌ مِن أهلِ الإثباتِ) فاعِلُ يَغْلُو، والمرادُ بهم الجبريَّةُ الذين قالوا: إنَّ العبدَ مجبَرٌ على فِعلِه (حتى سَلبوا العبدَ قُدرتَه واختيارَه ).
    فالأوَّلونَ غَلَوْا في الإثباتِ لأفعالِ العِبادِ حتى أخرَجُوها عن مشيئةِ اللَّهِ، وهؤلاء غَلَوْا في نَفْيِ أفعالِ العِبادِ حتى سَلبُوهُم القُدرةَ والاختيارَ. وقولُه (ويُخْرِجُونَ عن أفعالِ اللَّهِ وأحكامِه حِكَمَها ومصالِحَها) جمعَ: حكمةٍ ومصلحةٍ، أيْ: إنَّ الجَبريَّةَ في مَذهبِهم هَذَا حينما نَفَوْا أفعالَ العِبادِ وسَلبُوهم القُدرةَ والاختيارَ نَفَوْا حِكمةَ اللَّهِ في أمْرِه ونَهْيِه وثوابِه وعقابِه، فقالوا: إنَّهُ يُثيبُ أو يُعاقِبُ العِبادَ على ما ليس مِن فِعلِهم، ويأمُرهم بما لا يَقْدِرونَ عليه، فاتَّهموا اللَّهَ بالظُّلمِ والعَبثِ، تعالى اللَّهُ عمَّا يقولونَ عُلُواًّ كبيراً.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    قال الشيخ عبد العزيز ابن ناصر الرشيد فى التنبيهات السنية
    ) قولُه: (وأمَّا الدَّرجةُ الثَّانيةُ …) إلخ هَذِهِ المرتبةُ الثَّالثةُ مِن مراتبِ الإيمانِ بالقدَرِ،
    وهُوَ إثباتُ مشيئةِ اللَّهِ النَّافذةِ، أي الماضيةِ التي لا رَادَّ لها، مِن نَفَذَ السَّهمُ نُفوذًا إذا خَرَقَ الرَّميَّةَ، ونَفَذَ الأمرُ مَضى، هَذِهِ المرتبةُ الثَّالثةُ مِن مراتبِ الإيمانِ بالقدَرِ، وهُوَ إثباتُ نُفوذِ قُدرتِه ومشيئتِه، وشُمولِ قُدرَتِه، قد دَلَّ عليها الكِتابُ والسُّنَّةُ وأجمعَ عليها سَلَفُ الأمَّة، قال اللَّهُ تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ} وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الآياتِ الدَّالَّةِ على نُفوذِ مَشيئَتِه فلا خُروجَ لكائِنٍ عن مشيئَتِه كما لا خُروجَ له عَن عِلمِه، وفي هَذِهِ الآياتِ وغيرِها الرَّدُّ على القدريَّة والمعتزِلةِ نُفاةِ القدَرِ الذين يُثبتون للعبدِ مشيئةً تخالِفُ ما أرادَه اللَّهُ مِن العبدِ وشاءه، وأما أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فتمسَّكوا بالكِتابِ والسُّنَّةِ في هَذَا البابِ وغيرِه، واعتقَدوا أنَّ مشيئةَ العبدِ تابعةٌ لمشيئةِ اللَّهِ في كُلِّ شيءٍ مما يوافِقُ ما شَرعَه وما يخالِفُه مِن أفعالِ العبدِ وأقوالِه، فالكُلُّ بمشيئةِ اللَّهِ، فما وافَقَ ما شَرَعَه رَضِيَه وأحَبَّه، وما خالَفه كَرِهَه، كما قال -سُبْحَانَهُ- وتعالى: {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} الآيةَ.

    قولُه: (وهُوَ الإيمانُ بأنَّ ما شاءَ اللَّهُ كان …) إلخ فسَّرَ المصنِّفُ معنى الإيمانِ بهذه المرتبةِ، وأشار بهَذَا إلى الرَّدِّ على القدَريَّةِ والمعتزِلةِ الذين يُثبتون للعبدِ مشيئةً تخالِفُ مشيئةَ اللَّهِ، وتقدَّمَ ذِكرُ الأدلَّةِ على بطلانِ قولِهم، وهل أضَلُّ ممَّن يَزعُمُ أَنَّ اللَّهَ شاء الإيمانَ مِن الكافرِ والكافرُ شاءَ الكفرَ، فغلبَتْ مشيئةُ الكافرِ مشيئةَ اللَّهِ؟! –تعالى اللَّه عَن قولِهم– وقد تقدَّمَ ذِكرُ أقسامِ الإرادةِ والمشيئةِ، والفَرْقُ بينهما وبين المحبَّةِ والرِّضا.

    (180)قولُه: (وأنَّه -سُبْحَانَهُ- على كُلِّ شيءٍ قديرٌ …) إلخ قال اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ففيها دليلٌ على شمولِ قُدرتِه، فكُلُّ ممكنٍ فهُوَ مُندَرِجٌ فيها، وفيها الرَّدُّ على القدَريَّةِ فإنَّ مذهبَهم أنَّه -سُبْحَانَهُ- ليس على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وأَنَّ العِبادَ يَقْدِرونَ على ما لا يَقدِرُ عليه، وأنَّه -سُبْحَانَهُ- لا يَقدِرُ أنْ يَهْدِي ضالاًّ ولا يُضِلُّ مُهْتدِيا، وهَذَا المذهبُ باطلٌ تَرُدُّه أدلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهُوَ كما قال بعضُ العلماءِ شِركٌ في الرُّبوبِيَّةِ مختصَرٌ، ولذَلِكَ ورَدَ أنَّ ((القدَريَّةَ مَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ)) لمُشابَهةِ قولِهم لقولِ المجوسِ، وأما أهلُ السُّنَّةِ فيُثبتون أَنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، ولكنَّه مخلوقٌ لِلَّهِ ومَفعولٌ، ولا يقولون هُوَ نَفْسُ فِعلِ اللَّهِ، ويُفرِّقون بين الخَلقِ والمخلوقِ والفِعلِ والمفعولِ.
    قولُه: (مِن الموجوداتِ) كأفعالِ خَلْقِه مِن الملائكةِ والنَّبيِّينَ وسائرِ حركاتِ العِبادِ فلا يَخرُجُ عن خَلقِه ومُلكِه شيءٌ.
    قولُه: (والمعدوماتِ) كما قال -سُبْحَانَهُ-: {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} وقال: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} أي شيئاً في الخارِجِ، وإن كان شيئاً في عِلمِه -سُبْحَانَهُ- وأما المُحالُ لِذاتِه فلا حقيقةَ له ولا يُتصوَّرُ وُجودُه، فلا يُسمَّى شيئاً باتِّفاقِ العقلاءِ، وَذَلِكَ مِثلُ كونِ الشَّيءِ الواحدِ موجودًا معدومًا، ومِن هَذَا البابِ خَلقَ مِثلَ نَفْسِه.

    (181) قولُه: (فما مِن مخلوقٍ …) إلخ قال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} وقال: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فامْتدَحَ بأَنَّ اللَّهَ خَلقَ كُلَّ شيءٍ، وبأنَّه يَعلَمُ كُلَّ شيءٍ، فكما أنَّه لا يَخرُجُ عن عِلمِه شيءٌ فكذا لا يَخرُجُ عن خَلقِه شيءٌ، فثَبتَ أَنَّ الأفعالَ خيرَها وشرَّها كُلَّها صادرةٌ عن خَلقِه وإحداثِه إيَّاها.اهـ.
    وفي هَذِهِ الآياتِ الرَّدُّ على القدَريَّةِ الذين يَزعُمونَ أَنَّ العبدَ يَخلُقُ فِعلَ نَفْسِه استقلالا بِدُونِ مشيئةِ اللَّهِ وإرادَتِه، ولا شكَّ في بُطلانِ هَذَا المذهبِ وفسادِه ومصادمَتِه لأدلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ قولَه -سُبْحَانَهُ-: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} شاملٌ لأفعالِ العِبادِ، لدُخولِها في عُمومِ كُلِّ، ولا يَدخلُ في ذَلِكَ أسماءُ اللَّهِ وصفاتُه، كما أنَّه -سُبْحَانَهُ- لم يَدخُلْ في عُمومِ كُلِّ، فكذَلِكَ أسماؤه وصفاتُه.
    قال ابنُ القيِّمِ ما معناه: في هَذِهِ الآياتِ دليلٌ على أنَّه -سُبْحَانَهُ- خالِقُ أفعالِ العِبادِ، كما أنَّه خالِقُ ذواتِهم وصفاتِهم، فالعبدُ كُلُّه مخلوقٌ: صفاتُه وذاتُه وأفعالُه، ومَن أَخْرَجَ أفعالَه عن خَلقِ اللَّهِ فقد جَعلَ فيه خالِقًا مع اللَّهِ، ولهَذَا شبَّهَ السَّلَفُ القدَريَّةَ النُّفاةَ بالمجوسِ، وقالوا: هُم مجوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ، صح ذَلِكَ عن ابنِ عبَّاسٍ.اهـ.
    قولُه: (لا خالِقَ غيرُه ولا رَبَّ سِواهُ) إشارةٌ إلى الرَّدِّ على القدَريَّةِ المجوسيَّةِ الذين يُثبتون مع اللَّهِ خالِقينَ للأفعالِ ليست أفعالُهم مَقدُورةً له، وَهِيَ صادرةٌ بغيرِ مشيئَتِه وإرادَتِه، ولا قُدرةَ له عليها، فرُبوبِيَّتُه -سُبْحَانَهُ- الكامِلةُ المطلَقَةُ تُبطِلُ أقوالَ هؤلاءِ كُلِّهم؛ لأنها تَقْتَضِي ربوبيَّتَه لجميعِ ما فيه مِن الذَّواتِ والصِّفاتِ والحركاتِ والأفعالِ، وحقيقةُ قولِ هؤلاء أنَّه ليس رباًّ لأفعالِ الحيوانِ ولا تَناوَلَتْها رُبوبِيَّتُه، وكَيْفَ تتناولُ ما لا يَدخُلُ تحتَ قُدرتِه ومشيئَتِه وخَلقِه، أما أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فيؤمنون بأَنَّ اللَّهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ لا خالِقَ غيرُه، وأنَّه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وبشمولِ مشيئَتِه لكُلِّ ما كان، وأنَّه بكُلِّ شيءٍ عليمٌ، فيؤمنون بعمومِ خَلقِه، وشمولِ قُدرتِه، ونفوذِ مشيئَتِه، وعِلمِه بالأشياءِ قبلَ أنْ تكونَ، تقديرُه لها وكتابَتُه إيَّاها قَبلَ أنْ تكونَ، فعندَهم مراتبُ الإيمانِ بالقضاءِ والقَدَرِ أربعٌ كما سَبَقَتْ إشارةُ المصنِّفِ إليها.
    الأولى: عِلْمُه السَّابقُ بما هم عامِلون قبلَ إيجادِهم.
    الثَّانيةُ: كتابَتُه لذَلِكَ في الذِّكْرِ عندَه قَبلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ.
    الثَّالثةُ: مَشيئَتُه المتناوِلَةُ لكُلِّ مَوجودٍ، فلا خُروجَ لكائنٍ عن مشيئَتِه، كما لا خُروجَ له عَن عِلمِه.
    الرَّابعةُ: خَلْقُه له وإيجادُه وتَكوينُه، فإنَّه لا خَالِقَ غيرُه ونَظَمَ ذَلِكَ بعضُهم بقولِه:

    عِلمٌ كتابةُ مولانا مَشيئتُه = وخَلقُه وهُوَ إيجادٌ وتَكْوينُ
    فيجبُ الإيمانُ بالقضاءِ والقدَرِ، ولا يجوزُ الاحتجاجُ بِهِ في تَرْكِ أوامِرِ اللَّهِ، وفِعلِ نَواهِيهِ، بل يجبُ أنْ نؤمِنَ بِذَلِكَ، ونَعلَمَ أنَّ لِلَّهِ الحُجَّةَ علينا بإنزالِ الكُتُبِ وبَعثِ الرُّسلِ.

    (182) قولُه: (ومع ذَلِكَ فقد أمَرَ العِبادَ) إلخ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}، وقال: {مُنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} الآيةَ، والإيمانُ بالقدَرِ مِن تمامِ طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ رسولِه، ومَن أَثبتَ القَدَرَ وجعلَ ذَلِكَ معارِضًا للأمْرِ فقدْ أَذْهَبَ الأصلَ، فقولُ المصنِّفِ: (ومع ذَلِكَ فقد أَمَرَ العِبادَ بطاعَتِه) إلخ، إشارةٌ للرَّدِّ على مَن عارَضَ شَرْعَه وأمْرَه بقضائِه وقدَرِه، وجَعلَ مشيئتَه العامَّةَ دَافِعةً للأمْرِ كفِعلِ الزَّنادِقَةِ إذا أُمِروا أو نُهوا احتجُّوا بالقدَرِ، وقد احتجَّ سارقٌ على عُمرَ بالقَدرِ فقال: وأَنَا أَقْطَعُ يَدَكَ بقَضاءِ اللَّهِ وقدَرِه، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى-: مَن ادَّعى أَنَّ العارِفَ إذا شَهِدَ الإرادةَ سَقطَ عنه الأمرُ كان هَذَا مِن الكُفرِ الذي لا يَرضاهُ أحدٌ، بل هَذَا ممتنِعٌ في العقلِ مُحالٌ في الشَّرعِ، انتهى، وقال ابنُ القيِّمِ بعد كلامٍ: والمقصودُ أنَّه لم يُؤمِنْ بالقضاءِ والقدَرِ والحِكمةِ والأمرِ والنَّهيِ والوعدِ والوعيدِ حقيقةَ الإيمانِ إلاَّ أَتباعُ الرُّسلِ وورَثَتُهم.
    قولُه: (وهُوَ يُحِبُّ المتَّقينَ) إلخ، هَذَا رَدٌّ عَلَى مَن زَعَم أَنَّ المشيئةَ والمحبَّةَ سواءٌ أو مُتَلازمانِ، كما يقولُه الجبريَّةُ والقدَريَّةُ، وقد دلَّ على الفَرْقِ بينهما الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والفِطرةُ، قال اللَّهُ تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} مع أنَّ ذَلِكَ كُلَّه بمشيئَتِه، قال تعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبَّ الفَسَادَ} مع أنَّه واقعٌ بمشيئَتِه وقَضائِه وقَدرِه، وفي المسنَدِ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ))، فَهِذِهِ المحبَّةُ والكَراهةُ لأمرين اجْتمعا في المشيئةِ وافترَقا في المحبَّةِ والكراهةِ، وهَذَا أكثرُ مِن أنْ يُحصرَ، فالمشيئةُ والمحبَّةُ ليس مدلولُهما واحدًا، ولا هُما متلازِمان، بل قد يشاءُ اللَّهُ ما لا يُحبُّه ويُحِبُّ ما لا يشاءُ كونَه، فالأول: كمشيئَتِه لوجودِ إبليسَ وجنودِه، ومشيئتِه العامَّةِ لجميعِ ما في الكونِ مع بُغضِه لبَعْضِه. الثَّاني: كمحبَّتِه لإيمانِ الكفارِ والفجارِ، ولو شاءَ ذَلِكَ لوُجِدَ كُلُّه، فإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأْ لم يكن، فأهلُ الكِتابِ والسُّنَّةِ يقولون: الإرادةُ في كتابِ اللَّهِ نوعانِ: الأوَّلُ: إرادةٌ كونيَّةٌ قدَريَّةٌ، والثَّاني: إرادةٌ دِينيَّةٌ شَرعيَّةٌ.
    فالإرادةُ الشرعيَّةُ هي المتضمِّنةُ للمحبَّة والرِّضا، والكونيَّةُ هي المشيئةُ الشَّاملةُ لجميعِ الحوادثِ، وقد تقدَّمتِ الإشارةُ إلى ذَلِكَ في الكلامِ على الآياتِ بما فيه الكفايةُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    (183) قولُه شيخ الاسلام : (والعِبادُ فاعِلُون …)
    قال اللَّهُ تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} أيْ: خَلَقَكم والذي تَعمَلُونه،
    فدلَّتْ على أنَّ أفعالَ العبدِ مخلوقةٌ لِلَّهِ، وعلى أنَّها أفعالٌ لهم حقيقةً،
    ففيها الرَّدِّ على الجَبْريَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ لا فِعلَ له،
    وفيها الرَّدُّ على القدَريَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ يَخلُقُ فِعلَ نَفْسِه استقلالا،
    وفي حديثِ حذيفةَ: ((إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ))، فاللَّهُ -سُبْحَانَهُ- خَلَقَ الإنسانَ بجميعِ أغراضِه وحركاتِه، والآياتُ الدَّالَّةُ على خَلقِ أفعالِ العِبادِ كثيرةٌ، فقولُ المصنِّفِ: (والعِبادُ فاعِلونُ حقيقةً) رَدٌّ على الجَبْريَّةِ الذين يقولون: إنَّ العبدَ ليس بفاعِلٍ أصلا، بل هُوَ مجبورٌ على أفعالِه وواقِعةٌ بغيرِ اختيارِه، وأَنَّ الفاعِلَ فيه سِواهُ والمُحرِّكُ له غيرُه، فهُوَ آلةٌ محضْةٌ، وحركاتُه بمنـزلةِ هُبوبِ الرِّياحِ وحركاتِ المُرتَعِشِ، وقد يَغْلُون في ذَلِكَ حتى يَرَوْا أفعالَهم كُلَّها طاعاتٌ خيرُها وشرُّها، لموافَقتِها للمشيئةِ والقَدَرِ، وهؤلاء شرٌّ مِن القدَريَّةِ النُّفاةِ، وأشدُّ عداوةً لِلَّهِ ومناقضةً لكِتابِه ورُسلِه ودِينِه.

    قولُه:
    (واللَّهُ خالِقُ أفعالِهم) ردٌّ على القدَريَّةِ النُّفاةِ
    الذين يقولون: إنَّ اللَّهَ لم يَخلُقْ أفعالَهم، وأنَّها واقِعةٌ بمشيئَتِهم وقُدْرَتِهم دُونَ مشيئةِ اللَّهِ، وأَنَّ اللَّهَ لم يُقَدِّرْ ذَلِكَ عليهم ولم يَكْتُبْه ولا شاءه، وأَنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ أنْ يَهدِيَ ضالاً ولا يُضِلَّ مهتديًا، وأَنَّ العِبادَ خالِقون لأفعالِهم بدُونِ مشيئةِ اللَّهِ، فشابَهوا المجوسَ في كونِهم أثْبَتوا خالِقاً مع اللَّهِ، ولِذا سُمُّوا مجوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، والأدلَّةُ على فسادِ قَولِهم وبطلانِه كثيرةٌ جِداًّ، وقد أطبقَ الصَّحابةُ والتَّابِعونُ على ذَمِّهم وتبدِيعِهم وتضليلِهم، وبَيَّنَ أئمَّةُ الإسلامِ أنَّهم أشباهُ المجوسِ، وأنَّهم قد خالَفوا أدِلَّةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بل وخالفوا العقلَ والفطرةَ..

    قولُه: (والعبدُ هُوَ المؤمِنُ والكافرُ …) إلخ قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا}، وقال: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ}، وقال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على نسبةِ أفعالِ العبدِ إليه مِن أفعالِ عَبيدِه، بل العبدُ حقيقةً هُوَ المُصلِّي والصَّائِمُ، وهل يَليقُ باللَّهِ -سُبْحَانَهُ- أنْ يعاقِبَهم على نَفْسِ فِعلِه، بل إنَّما يُعاقِبُهم على أفعالِهم التي فَعَلُوها حقيقةً، كما قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ} فالعبدُ هُوَ الذي صامَ وصلَّى وأسْلَمَ، وهُوَ الفاعِلُ حقيقةً، يَجعلِ اللَّهِ له فاعِلاً، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} وقال: { وجعلناهم أئمة يَهْدُونَ إِلَى النَّارِ} إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ على أَنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً: وأنَّ فِعلَه يُنسَبُ إليه، وأنَّه يُثابُ على حَسنَتِه ويجازَى على سيِّئَتِه، قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يَرَهُ}.

    (184) وقولُه: (وللعِبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم ولهم إرادةٌ) إشارةٌ للرَّدِّ على الجبريَّةِ.
    قولُه: (واللَّهُ خَالِقُهم وخالِقُ قُدرتِهم..) إلخ إشارةٌ للرَّدِّ على القدريَّةِ، فالجَبْريَّةُ والقدَريَّةُ في طَرَفَيْ نَقيضٍ، فالجَبْريَّةُ غَلَوْا في الإثباتِ، والقدَريَّةُ غَلَوْا في النَّفْيِ، وهدى اللَّهُ أهلَ السُّنَّةِ والجَماعَةِ للقولِ الوسطِ، فأَثبَتُوا أَنَّ العِبادَ فاعلون ولهم قُدرةٌ على أعمالِهم ولهم إرادةٌ ومشيئةٌ، وأَنَّ اللَّهَ -سبحانَهُ وتعالَى- خَالِقُهم وخالِقُ قُدْرَتِهم ومَشيئَتِهم، قال اللَّهُ تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فَأَثْبَتَ مَشيئةً للعبدِ، وأخبَرَ أنَّها لا تكونُ إلا بمشيئةِ اللَّهِ، فأفعالُ العبدِ تُضافُ إليه على جهةِ الحقيقةِ، واللَّهُ خَلقَه وخَلقَ فِعلَه، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} فأخبَرَ أَنَّ العِبادَ يَعملُون ويَصنعون ويُؤمِنون ويَكْفرون ويَفْسُقون ويُكذِّبون، والأدِلَّةُ على إثباتِ أفعالِ العِبادِ كثيرةٌ جِداًّ.
    قولُه: (وَهَذِهِ الدَّرجَةُ مِن القَدَرِ) وَهِيَ إثباتُ أَنَّ العبدَ فاعلٌ حقيقةً، وأَنَّ اللَّهَ خَلقَه وخَلقَ فِعلَه يُكذِّبُ بها عامَّةُ القدريَّةِ، أي جميعُ القدَريَّةِ أو أكثرُهم، فيَزعُمون أَنَّ العبدَ يَخلُقَ فِعلَ نَفْسِه استقلالاً بدُونِ مشيئةِ اللَّهِ وإرادتِه، وسُمُّوا قَدريَّةً لإنكارِهم القَدَرَ، وَكَذَلِكَ تسمَّى الجَبْريَّةُ المحتجُّون بالقَدَرِ قدريَّةً لخوضِهم في القَدَرِ، والتَّسمِيةُ على الطَّائِفةِ الأُولى أغلَبُ، قال ابنُ تيميَةَ في تَائِيَّتِه:
    ويُدْعَى خُصومُ اللَّهِ يَومَ مَعادِهم = إلى النَّارِ طُراًّ فِرقةَ القَدريَّةِ
    سواءٌ نَفُوه أو سَعَوْا ليُخاصِمُوا = بِهِ اللَّهَ أو مَارَوْا بِهِ الشَّريعَةِ

    قولُه: (مجوسُ هَذِهِ الأمَّةِ) سُمُّوا بِذَلِكَ لمُضاهاةِ قولِهم لقولِ المجوسِ، فإنَّ المجوسَ يُثبِتون خالِقَيْنِ، وَكَذَلِكَ القدَريَّةُ أثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ خَلقَهم وأنَّهم خَلقوا أفْعالَهُم استقلالاً، كما روى أبو داودَ في سُننِه عن ابنِ عمرَ -رضي اللَّهُ عنهما- عن النَّبيِّ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- أنَّهُ قال: ((الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ إِنْ مَرِضُوا فلا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُمْ)) وروى أبو داودَ أيضًا عن حذيفةَ -رضي اللَّهُ عنه- قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((لكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ الذين يَقُولُونَ لاَ قَدَرَ، مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلاَ تَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ، ومَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَلاَ تَعُودُوهُ، وَهُمْ شِيعَةُ الدَّجَّالِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أنْ يُلْحِقَهُمْ بِالدَّجَّالِ)) وأحاديثُ القدَريَّةِ المرفوعةُ كُلُّها ضعيفةٌ، وإنَّما يَصِحُّ منها الموقوفُ، وقد تَقدَّمَ الكلامُ على هَذَا الموضوعِ، وقد اختَلَفَ العلماءُ في تكفيرِ هؤلاء، وأمَّا مَن أَنْكَرَ العِلمَ القَديمَ فنَصَّ الشَّافِعيُّ وأحمدُ وغيرُهما مِن أئمَّةِ الإسلامِ على تكفيرِه، وقد تَقدَّمت الإشارةُ إلى ذَلِكَ.


    (185) قولُه: (ويَغْلو فيها قومٌ …) إلخ أشارَ المصنِّفُ بقولِه هَذَا إلى المجبِّرةِ، فإنَّهم غَلَوْا في نَفْيِ أفعالِ العِبادِ حتى سَلَبوا العِبادَ قُدْرتَهم واختيارَهم، وزعموا أنَّهم لا يَفعلون شيئًا ألبتَّةَ، وإنَّما اللَّهُ هُوَ فاعِلُ تِلْكَ الأفعالِ حقيقةً، فَهِيَ نَفْسُ فِعلِه لا أفعالِهم، والعبيدُ ليس لهم قُدرةٌ ولا إرادةٌ ولا فعلٌ ألبتَّةَ، وأنَّ أفعالَهم بمنـزلةِ حركةِ الجماداتِ لا قدرةَ له عليها، وإمامُ هؤلاء الجهمُ بنُ صفوانَ التِّرمذيُّ، وقولُهم باطِلٌ؛ لأنَّنا نُفرِّقُ بالضَّرورةِ بين حَركَةِ البَطْشِ وحَركَةِ المرتَعِشِ، ونعلمُ بأَنَّ الأوَّلَ باختيارِه دُونَ الثَّاني، ولأنَّه لو لم يكنْ للعَبْدِ فِعلٌ أصلاً لما صَحَّ تَكْلِيفُه، ولا تَرتَّبَ استحقاقُ الثَّوابِ والعقابِ على أفعالِه، ولا إسنادُ الأفعالِ التي تقتضي سابقةَ قَصْدٍ إليه على سبيلِ الحقيقةِ، مِثلُ صلَّى وصامَ وكَتَبَ، بخلافِ مِثلِ طالَ واسودَّ لونُه، والنُّصوصُ القَطْعيَّةُ تَنْفى ذَلِكَ، قال اللَّهُ تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقال: {مَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} إلى غيرِ ذَلِكَ.
    قال ابنُ القَيِّمِ: وهؤلاءِ خُصماءُ اللَّهِ الذين جاء فيهم الحديثُ: ((يُقَالُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَيْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ فيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ)) وتَقَدَّمَ ما ذَكَرَهُ الشَّيخُ في تَائِيَّتِه، وقال ابنُ القيِّمِ: سمعتُ الشَّيخَ تقيَّ الدِّينِ يقوُل: القدَريَّةُ المذمومون في السُّنَّةِ وعلى لِسانِ السَّلَفِ هم هؤلاء الفِرَقُ الثَّلاثةُ نُفاتُه وهم: القدَريَّةُ المجوسيَّةُ، والمعارضون بِهِ للشَّريعةِ الذين قالوا: لو شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنَا، وهم القدَريَّةُ المشركيَّةُ، والمخاصِمُونَ بِهِ للرَّبِ وهم أعداءُ اللَّهِ وخُصومُه، وهُم القدَريَّةُ الإبليسيَّةُ وشَيْخُهُم إبليسُ، وهُوَ أوَّلُ مَن احْتَجَّ على اللَّهِ بالقَدَرِ فقال: {بِمَا أَغْوَيْتَنِي} ولم يَعترِفْ بالذَّنْبِ ويَبوءُ بِهِ، كما اعْتَرَفَ بِهِ آدمُ، فمَنْ أقرَّ بالذَّنْبِ وباءَ بِهِ ونَزَّه ربَّه فقد أشْبَه أباه آدمَ، ومَن أشْبهَ أباهُ فما ظَلَمَ، ومَن بَرَّأ نَفْسَه واحتجَّ على ربِّه بالقدَرِ فقد أَشْبهَ إبليسَ، ولا رَيْبَ أنَّ هؤلاء القدَريَّةَ الإبليسيَّةَ والمُشْرِكيَّةَ شرٌّ مِن القدَريَّةِ النُّفاةِ، والذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ هُوَ ما تَقدَّمَ الإيمانُ بِأنَّ أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ لِلَّهِ، صادرةٌ عَن مشيئَتِه وإرادَتِه، وَهِيَ أفعالٌ لهم، وكَسْبٌ لهم باختيارِهم، فلذا تَرتَّبَ عليها الثَّوابُ والعِقابُ، كما تكاثَرَتْ بِذَلِكَ الأدِلَّةُ.
    قولُه: (ويُخرجِونَ عن أفعالِ اللَّهِ …) إلخ، أي أنَّ هؤلاء الجهميَّةَ يَزعُمون أَنَّ اللَّه تعالى لا يَفعلُ لعِلَّةٍ ولا حِكمةٍ، وإنَّما هُوَ محْضُ مشيئةٍ وصَرْفُ إرادةٍ مجردَّةٍ عن الحكمةِ والرَّحمةِ، وكان شيخُهم الجهمُ بنُ صفوانَ يَقِفُ على الجذماءِ فيقولُ: أَرْحمُ الرَّاحِمِين يفعلُ مِثلَ هَذَا؟ إنكارا للرَّحْمةِ والحكمةِ، وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ تُبطِلُ هَذَا المذهبَ. قال ابنُ القيِّمِ –رَحِمَهُ اللَّهُ-: ولِهَذَا الأصلِ لوازمُ وفروعٌ كثيرةٌ فاسدةٌ، وذَكَرها ورَدَّهَا مِن تِسْعينَ وَجْهًا. اهـ.
    والذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ هُوَ إثباتُ العِلَّةِ والحكمةِ في أفعالِه –سُبْحَانَهُ- وشَرعِه وقدَرِه، فما خَلقَ شيئًا ولا قضاهُ ولا شَرَعَهُ إلا لحكمةٍ بالغةٍ، وإنْ تقاصَرَتْ عنها عقولُ البَشرِ، والأدِلَّةُ في إثباتِ ذَلِكَ كثيرةٌ جِداًّ، فإنَّه –سُبْحَانَهُ- حكيمٌ شَرَعَ الأحكامَ لِحكمةٍ ومصلحةٍ، فما خَلقَ شيئًا عَبَثًا ولا خَلقَه سُدًى كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}، وقال: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}، وقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } وقال: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} إلى غيرِ ذَلِكَ مِن الأدِلَّةِ على إثباتِ هَذَا الأصلِ.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    7,951

    افتراضي رد: من ضلالات المعتزلة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    قال تعالى:{ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} سبحانه علق مشيئة العباد على مشيئته وربطها بها، فالقدرية النفاة أكثرهم يكذبون بدرجة المشيئة والخلق ، يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    قال الشيخ ابن عثيمين على شرح الواسطية
    الدرجة الثَّانيةُ من درجاتِ الإيمانِ بالقدرِ
    قولُهُ: ((وَأمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانيةُ))؛ يعني: مِنْ درجاتِ الإيمانِ بالقَدَرِ.
    قولُهُ: ((فَهِيَ مَشيئَةُ اللهِ النَّافِذِةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ الإيمانُ بِأنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ، وَما لَمْ يَشَأ لَمْ يَكُنْ، وَأنَّهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ مِن حَرَكَةٍ وَلا سُكونٍ إلاَّ بِمَشيئَةِ اللهِ سُبْحانَهُ)).
    يعني: أنْ تؤمنَ بأنَّ مشيئةَ اللهِ نافذةٌ في كلِّ شيءٍ، سواءٌ كانَ مما يتعلقُ بفِعْلهِ أو يتعلقُ بأفعالِ المخلوقين، وأنَّ قدرَتَه شاملةٌ، (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعجِزَهُ مِن شَيءٍ فِى السَّمَوَتِ وَلاَ فِى الأَرضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)
    وهذه الدرجةُ تتضمنُ شيئين؛ المشيئةَ والخلقَ:
    أمَّا المشيئةُ؛ فيجبُ أنْ نؤمِنَ بأنَّ مشيئةَ اللهِ تعالَى نافذةٌ في كلِّ شيءٍ، وأنَّ قدرتَهُ شاملةٌ لكلِّ شيءٍ مِنْ أفعالِهِ وأفعالِ المخلوقينَ.
    وأمَّا كونهُا شاملةٌ لأفعالِهِ؛ فالأمرُ فيها ظاهرٌ.
    وأمَّا كونهُا شاملةٌ لأفعالِ المخلوقين؛ فلأنَّ الخلقَ كلهَّم مِلْكٌ لله تعالَى، ولا يكونُ في مُلْكِهِ إلا ما شاءَ.
    والدَّليلُ على هذا:
    قولُهُ تعالَى: (فَلَو شَاءَ لَهَدَاكُم أَجمَعِينَ) [الأنعام: 149].
    وقولُهُ سبحانَه: (وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً) [هود: 118].
    وقولُهُ تعالَى: (وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقتَتَلَ الَّذِين مِن بَعدِهِم من بَعدِ مَا جَاءَتهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اختَلَفُوا فَمِنهُم مَنْ ءاَمَنَ وَمِنهُم من كَفَرَ وَلَو شَاءَ اللهُ مَا اقتَتَلُوا) [البقرة: 253].
    فهذه الآياتُ تدلُّ على أن أفعالِ العبادِ متعلقةٌ بمشيئةِ اللهِ.
    وقَالَ تعالَى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ) [الإنسان: 30].
    وهذه تدلُّ على أنَّ مشيئةَ العبدِ داخلةٌ تحتَ مشيئةِ اللهِ وتابعةٌ لهَا.
    قولُهُ: (لا يَكونُ في مُلْكِهِ ما لا يُريدُ)).
    هذه العبارةُ تحتاجُ إلى تفصيلٍ: لا يكونُ في ملكِهِ ما لا يريدُ بالإرادةِ الكونيَّةِ، أما بالإرادةِ الشَّرعيَّةِ؛ فيكونُ في ملكِهِ ما لا يريدُ.
    وحينئذٍ؛ نحتاجُ إلى أنْ نقسِّمَ الإرادةَ إلى قسمين: إرادةٌ كونيَّةٌ، وإرادةٌ شرعيَّةٌ:
    -فالإرادةُ الكونيةُ بمعنَى المشيئةِ، ومثالهُا قولُ نوحٍ عليه السَّلامُ لقومِهِ: (وَلاَ يَنفَعُكُم نُصحِى إِن أَرَدتُّ أَن أَنصَحَ لَكُم إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغوِيَكُم) [هود: 34].
    والإرادةُ الشرعيةُ بمعنَى المحبَّةِ، ومثلُها قولُهُ تعالَى: (وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيكُم) [النساء: 27].
    وتختلفُ الإرادتانِ في موجبِهِما وفي مُتَعلَّقِهِما:
    فَفَي المُتَعَلَّقِ: الإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ تَتَعَلَّقُ فِيمَا وَقَعَ، سَوَاءٌ أَحبَّه أَمْ كَرِهَهُ، وَالإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ تتَعَلَّقُ فِيمَا أَحَبَّهُ، سَوَاءٌ وَقَعَ أَمْ لَمْ يَقَعْ.
    وَفِي مُوجِبِهِمَا: الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ يتَعَيَّنُ فِيهَا وُقُوعُ المُرَادِ، وَالإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا وقُوعُ المُراَدِ.
    وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قُوْلُ المُؤلِّفِ: ((وَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِِهِ مَا لَا يُرِيدُ))؛ يَعَنيِ بِهِ: الإِرَادَةَ الكَوْنِيَّةَ.
    فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَل المَعَاصِي مُرَادَةٌ ِللهِ؟
    فَالجَوَابُ: أمَّا بِالإِرَادَةِ الشَّرعيَّةِ؛ فلَيْسَتْ مُرَادَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحبُّهَا، وَأمَّا بِالإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ؛ فَهِي مُرَادَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنهَّا وَاقِعَةٌ بِمَشِيئَتِهِ.
    قَولُهُ: ((وَأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ المَوْجُودَاتِ وَالمَعْدُومَات ِ)).
    كُلُّ شَيءٍ؛ فَاللهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجُودَاتِ؛ فَيَعْدِمُهَا أوْ يُغَيِّرُهَا، وَمِنَ المَعْدُومَاتِ؛ فَيُوجِدُهَا.
    فَالقُدْرَةُ تتَعَلَّقُ فِي المَوْجُودِ بِإِيجَادِهِ أَوْ إِعْدَامِهِ أَوْ تَغييرِهِ، وَفِي المَعْدُومِِ بِإعْدَامِهِ أَوْ إِيجَادِهِ.
    فَمَثَلًاكُلُّ مَوجُودٍ؛ فَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَعْدَمَهُ، وَقَادِرٌ أَنْ يُغَيِّرَهُ؛ أيْ: يَنْقِلُهُ مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ، وَكُلُّ مَعْدُومٍ؛ فَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُوجِدَهُ مَهْمَا كَانَ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) [البَقَرَة: 20].
    ذَكَرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ اسْتِثْنَاءً مِنْ ذلِكَ، وَقَالَ: إِلَّا ذَاتَهُ؛ فلَيْسَ عَلَيْهَا بِقَادِرٍ! وَزَعَمَ أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ!!
    فَنَقُولُ: مَاذَا تُرِيدُ بِأنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَاتِهِ؟
    إِنْ أَرَدْتَ أنَّهُ غَيرُ قَادِرٍ عَلَى أنْ يَعْدِمَ نَفْسَهَ أَوْ يَلْحَِقَهَا نَقْصًا؛ فَنَحْنُ نُوَافِقُكَ عَلَى أَنَّ اللهََ لَا يَلْحَقُهُ النَّقْصُ أَوِ العَدَمُ، لَكِننَّا لَا نُوَافِقُكَ عَلَى أَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَعلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ؛ لِأَنَّ القُدْرَةَ إنمَّا تَتَعَلَّقُ بِالشَّيءِ المُمْكِنِ أمَّا الشَّيءُ الوَاجِبُ أوِ المُسْتَحِيلُ فَهَذَا لَا تَتَعلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ أصلًا؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ مُسْتَحِيلُ العَدَمِ، وَالمُسْتَحِيلُ مُسْتَحِيلُ الوُجُودِ.
    وَإِنْ أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ: إِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَاتِهِ: أنَّهُ غَيرُ قَادِرٍ عَلَى أنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؛ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَجِيءَ أوْ نَحْوَهُ! فَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَفَاعِلٌ لَهُ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأَفْعَالِ؛ لَكَانَ ذلِكَ مِنْ أَكْبَرِ النَّقْصِِ المُمْتَنَعِ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ.
    وَبِهَذا عُلِمَ أنَّ هَذَا الاسْتِدْرَاكَ مِنْ عُمُومِ القُدْرَةِ فِي غَيْرِِ مَحِلِّهِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
    وإنَّما نَصَّ المؤلِّفُ عَلى هَذا ردّاً على القَدَرِيَّةِ الَّذِين قَالُوا: إنَّ اللهَ لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلَى فِعْلِ العَبْدِ!! وَإنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌ بِعمَلِهِ!
    وَلَكِنَّ مَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ شُمُولِ قُدْرَةِ اللهِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
    قَوْلُهُ: (فَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ في الأرْضِ وَلا في السَّماءِ إلاَّ اللهُ خَالِقُهُ سُبْحانَهُ لَا خَالِقَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِواهُ)).
    وهذا صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ.
    وَلِهَذَا دَلِيلٌ أثَرِيٌّ وَدَلِيلٌ نَظَرِيٌّ:
    أمَّا الدَّليِلُ الأثريُّ:
    فَقَدْ قَالَ اللهُ تعالَى: (اللهُ خَالِقُ كُلّ شَيءٍ) [الزُّمَر: 62].
    وَقَالَ تَعَالَى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيءٍ أَم هُمُ الخاَلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالأَرضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ) [الطُّور: 35 – 36].
    فَلَا يمُْكِنُ أنْ يُوجَدَ شَيءٌ في السَّماءِ والأرضِ إلَّا اللهُ خَالِقُهُ وَحْدَهُ.
    ولَقَدْ تَحَدَّى اللهُ العَابِدِينَ لِلأَصْنَامِ تََحَدِّياً أمَرَنَا أنْ نَسْتَمِِعَ لَهُ، فَقَالَ: (يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاستَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَخلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجتَمَعُوا لَهُ)، وَمَعْلُومٌ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ في القِمَّةِ عِنْدَهُمْ؛ لِأنهَّمُ اتخََّذُوهُمْ أَرْبَابًا؛ فَإِذَا عَجَزَ هَؤُلَاءِ القِمَّةُ عَنْ أَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا، وَهُوَ أَخَسُّ الأَشْيَاءِ وَأَهْوَنهُا؛ فَمَا فَوْقَهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، بَلْ قَالَ: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لاَّ يَستَنْقِذُوهُ مِنهُ) [الحَجّ: 73]؛ فَيَعْجِزُونَ حتَّى عَنْ مُدَافَعَةِ الذُّبَابِ وَأَخْذِ حَقِّهِمْ مِنْهُ.
    فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْلُبُ الذُّبَابُ هَذِهِ الأَصْنَامَ شَيْئًا؟!
    فَالجَوَابُ: قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الفَرْضِ؛ يَعْني: عَلَى فَرْضٍِ أَنْ يَسْلُبَهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا؛ لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَلَى سَبِيلِ الوَاقِعِ؛ فَيَقَعُ الذُّبَابُ عَلَى هَذِهِ الأَصْنَامِ، وَيَمْتَصُّ مَا فِيهَا مِنْ أَطْيَابٍ؛ فَلَا تَسْتَطِيعُ الأَصْنَامُ أنْ تُخْرِجَ مَا امْتَصَّهُ الذُّبَابُ.
    وَإذَا كَانَتْ عَاجِزَةً عَنِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا، وَاسْتِنْقَاذِ حَقِّهَا؛ فَهِي عَنِ الدَّفْعِ عَنْ غَيْرِهَا وَاسْتِنْقَاذِ حَقِّهِ أَعْجَزُ.
    وَالمُهِمُّ أَنَّ اللهَ تعالَى خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَأَنْ لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ؛ فَيَجِبُ الإِيمانُ بِعُمُومِ خَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجلَّ، وَأنَّهُ خَالقُ كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى أَعْمَالِ العِبَادِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ) [الرَّعْد: 16]، وَعَمَلُ الإنسانِ مِنَ الشَّيءِ، وَقَالَ تعالَى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفُرْقَان: 2] … والآياتُ فِي هَذا كَثِيرَةٌ.
    وَفِيهِ آيةٌ خَاصةٌ في المَوْضُوعِ، وَهُوَ خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ:
    فقَالَ إبراهيمُ لِقَومِهِ: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصَّافَّات: 96].
    فـَ (مَا) مَصْدَرِيةٌ، وَتَقْدِيرُ الكَلَامِ: خَلَقَكُمْ وَعَمَلَكُمْ، وَهَذا نَصٌّ في أنَّ عَمَلَ الإِنْسَانِ مَخْلُوقٌ للهِ تَعالَى.
    فَإِنْ قِيلَ: ألَا يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْمًا مَوْصُولًا، وَيَكُونُ المَعْنََى: خَلَقَكُمْ وخَلَقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ؟
    فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ نَقُولَ إنَّ في الآيةِ دَلِيلاً عَلَى خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أنَّ [ما] مَوْصُولةٌ؟
    فَالجَوَابُ: أنَّهُ إذا كانَ المَعْمُولُ مَخْلُوقاً للهِ؛ لَزِمَ أنْ يَكُونَ عَمَلُ الِإنْسِانِ مَخْلُوقاً؛ لِأَنَّ المَعْمُولَ كَانَ بعَمَلِ الإنسانِ؛ فَالإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ العَمَلَ في المَعْمُولِ؛ فَإِذَا كَانَ المَعْمُولُ مَخْلُوقًا للهِ، وَهُوَ فِعْلُ العَبْدِ؛ لَزِمَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقًا، فَيَكُونُ في الآيةِ دَلِيلٌ عَلَى خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ عَلَى كِلَا الاحْتِمَالَينِ .
    -وَأمَّا الدَّلِيلُ النَّظَرِيُّ عَلَى أنَّ أَفْعَالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ ِللهِ؛ فَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ فِعْلَ العَبْدِ نَاشِئٌ عَنْ أمْرَيْنِ: عَزِيمةٍ صَادِقَةٍ وَقُدْرَةٍ تَامَّةٍٍ.
    مِثَالُ ذَلِكَ: أَرَدْتُ أنْ أَعْمَلَ عَمَلًا مِنَ الأَعْمَالِ؛ فَلَا يُوجَدُ هَذَا العَمَلُ حتَّى يَكُونَ مَسْبُوقًا بِأمْرَيْنِ:
    أحدُهُمَا: العَزِيمَةُ الصَّادِقَةُ عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأنَّكَ لَوْ لَمْ تَعْزِمْ مَا فَعَلْتََهُ.
    الثَّاني: القُدْرَةُ التَّامَّةُ؛ لِأَنَّكَ لَوْ لَمْ تَقْدِرْ؛ مَا فَعَلْتَهُ؛ فالَّذِي خَلَقَ فِيكَ هَذِهِ القُدْرَةَ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ الَّذِي أَوْدَعَ فِيكَ العَزِيمَةَ، وَخَالِقُ السَّببِ التَّامِّ خَالِقٌ لِلْمُسَبِبِ.
    -وَوَجْهٌ ثَانٍ نَظَرِيُّ: أَنْ نَقُولَ: الفِعْلُ وَصْفُ الفَاعِلِ، وَالوَصْفُ تَابعٌ لِلمَوْصُوفِ؛ فَكَمَا أنَّ الإنْسَانَ بِذَاتِهِ مَخْلُوقٌ للهِ؛ فَأَفْعَالُهُ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأَنَّ الصِّفةَ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ.
    فتبيَّنَ بِالدَّليلِ أنَّ عَمَلَ الإِنْسَانِ مَخْلُوقٌ للهِ، وَدَاخِلٌ في عُمُومِ الخَلْقِ أَثَرِيًّا وَنَظَرِيًّا، وَالدَّليلُ الأَثَرِيُّ قِسْمَانِ عَامٌ وَخَاصٌّ، وَالدَّليلُ النَّظَرِيُّ لَهُ وَجْهَانِ.
    .........................
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم علي طويلبة علم مشاهدة المشاركة
    ، يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئته سبحانه وإرادته، فهم غلو في إثبات أفعال العباد.
    قال ابن عثيمين رحمه الله على شرح الواسطية
    قولُهُ: ((وَالعِبادُ فَاعِلونَ حَقيقَةً، وَاللهُ خَالِقُ أفْعَالِهِمْ)).
    قَالَ: ((وَالعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللهُ خَالقُ أَفْعَالِهِمْ)): هَذَا صَحِيحٌ؛ فَالعَبْدُ هُوَ المُبَاشِرُ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، واللهُ خَالِقٌ فِعْلَهُ حَقِيقَةً، وَهَذِهِ عَقِيدةُ أَهِلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهَا بِالأَدلَّةِ.
    وَخَالَفَهُمْ فِي هَذَا الأَصْلِ طَائِفَتانِ:
    الطَّائِفَةُ الأُولَى: القَدَرِيَّةُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ قَالُوا: إِنَّ العِبَادَ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللهُ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَهُمْ.
    الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: الجَبْرِيَّةُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ؛ قَالُوا: إِنَّ اللهَ خَالِقٌ أَفْعَالَهُمْ، وَلَيْسُوا فَاعِلِينَ حَقِيقةً ، لَكِنْ أُضيفَ الفِعْلُ إِلَيهُمْ مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ، وَإِلَّا فَالفَاعِلُ حَقِيقَةً هُوَ اللهُ .
    وَهَذَا القََوْلُ يٌؤَدِّي إِِلَى القَولِ بِوِحْدَةِ الوُجُودِ، وَأنَّ الخَالِقَ هُوَ اللهُ، ثُمَّ يُؤَدِّي إِلَى قَوْلِ مَنْ أَبْطَلَ البَاطِلَ؛ لِأَنَّ العِبَادَ مِنْهُمُ الزَّانِي وَمِنْهُمُ السَّارِقُ وَمِنْهُمْ شَارِبُ الخَمْرِ وَمِنْهُمُ المُعْتَدِي باِلظُّلْمِ؛ فُحْاشًا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأَفْعَالُ مَنْسُوبَةً إِلَى اللهِ!! وَلَهُ لَوَازِمٌ بَاطِلَةٌ أُخْرَى.
    وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أنَّ فِي قَوْلِ المُؤلِّفِ: ((وَالعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً، وَاللهُ خَالِقُ أَفْعَالِهِمْ)): رَدًّا عَلَى الجَبْرِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ .
    قَولُهُ: ((وَالعَبْدُ هُوَ المُؤْمِنُ وَالكافِرُ، وَالبَرُّ وَالفَاجِرُ، وَالمُصَلِّي وَالصَّائِمُ)).
    يَعْنِي: أنَّ الوَصْفَ بِالإِيمَانِ وَالكُفْرِ وَالبِرِّ وَالفُجُورِ وَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَصْفٌ لِلْعَبْدِ لَا لِغَيْرِهِ؛ فَهُوَ المُؤمِنُ، وَهُوَ الكَافِرُ، وَهُوَ البَّارُّ، وَهُوَ الفَاجِرُ، وَهُوَ المُصَلِّي، وَهُوَ الصَّائِمُ… وَكَذَلِكَ هُوَ المُزَّكِي، وَهُوَ الحَاجُّ، وَهُوَ المُعْتَمِرُ… وَهَكَذَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ بِمَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ حَقِيقَةً.
    وَهَذِهِ الجُمْلَةُ تتََضَمَّنُ الرَّدَّ عَلَى الجَبْرِيَّةِ.
    وَالُمَرادُ باِلعُبُودِيَّة ِ هُنَا العُبُودِيَّةُ العَامَّةُ؛ لِأَنَّ العُبُودِيَّةَ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ:
    -فَالعَامَّةُ: هِيَ الخُضُوعُ لِأَمْرِ اللهِ الكَوْنِيِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّّا ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مَرْيَم: 93].
    -وَالعُبُودِيَّة ُ الخَاصَّةُ: هِيَ الخُضُوعُ لِأَمْرِ اللهِ الشَّرْعِيِّ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالمُؤمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) [الفُرْقَان: 63]، وَقَوْلُهُ: (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) [الفُرْقَان: 1]، وَهَذِهِ أَخَصُّ مِنَ الأُولَى.
    قَوْلُهُ: ((وَلِلعِبادِ قُدْرَةٌ عَلَى أعْمَالِهِمْ، وَلَهُمْ إِرَادَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِمْ وَإرادَتِهِمْ)).
    ((لِلعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَإِرَادَةٌ))؛ خِلَافًا لِلْجَبْرِيَّةِ القَائِلِينَ بِأَنَّهُمْ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ وَلَا إِرَادَةَ، بَلْ هُمْ مجُبْرَوُنَ عَلَيْهَا.

    ((وَاللهُ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ إِرَادَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ)) ؛ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ خَالِقًا لِفِعْلِ العَبْدِ وَلَا لِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
    وَكَأَنَّ المُؤلِّفَ يُشِيرُ بِهَذِهِ العِبَارَةِ إِلَى وَجْهِ كَوْنِ فِعْلِ العَبْدِ مَخْلُوقًًا للهِ تَعَالَى؛ بِأَنَّ فِعْلََهُ صَادِرٌ عَنْ قُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ، وَخَالِقُ القُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ هُوَ اللهُ، وَمَا صَدَرَ عَنْ مَخْلُوقٍ؛ فَهُوَ مَخْلُوقٌ.
    وَيُشِيرُ بِهَا أَيْضًا إِلَى كَوْنِ فِعْلِ العَبْدِ اخْتِيَارِيًّا لَا إِجْبَارِيًّا؛ لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ قُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ؛ فَلَوْلَا القُدْرَةُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ الفِعْلُ، وَلَوْلَا الإِرَادَةُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ الفِعْلُ، وَلَوْ كَانَ الفِعْلُ إِجْبَارِيًّا؛ مَا كَانَ مِنْ شَرْطِهِ القُدْرَةُ وَالِإرَادَةُ.
    ثُمَّ اسْتَدَلَّ المؤلِّفُ لِذَلِكَ، فَقَالَ: ((كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [التَّكْوِير: 28-29])).
    فَقَوْلُهُ: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ): فِيهَا رَدُّ عَلَى الجَبْرِيَّةِ.
    وَفِي قَوْلِهِ: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ): رَدُّ عَلَى القَدَرِيَّةِ.
    قَولُهُ: ((وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ القَدَرِ))؛ أَيْ: دَرَجَةُ المَشِيئَةِ وَالخَلْقِ.
    ((يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ القَدَريَّةِ، الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجوسَ هَذِهِ الأمَّةِ)).
    ((عَامَّةُ القَدَرِيَّةِ))؛ أيْ: أَكْثَرُهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الإِنْسَانَ مُسْتَقِلٌّ بِعَمَلِهِ، وَلَيْسَ للهِ فِيهِ مَشِيئَةٌ وَلَا خَلْقٌ.
    وَ((سمَّاهُمُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجُوسَ هَذِهِ الأمَّةِ))؛ لِأَنَّ المَجُوسَ يَقُولُونَ: إنَّ للِحَوَادِثِ خَالِقَينِ: خَالِقًا لِلْخَيْرِ، وَخَالِقًا لِلشرِّ! فَخَالِقُ الخَيْرِ هُوَ النُّورُ، وَخَالِقُ الشَّرِّ هُوَ الظُّلْمَةُ؛ فَالقَدَرِيَّةُ يُشْبِهونَ هَؤُلَاءِ المَجُوسَ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الحَوَادثَ نَوْعَانِ: حَوَادِثُ مِنْ فِعْلِ اللهِ؛ فَهَذِهِ خَلْقُ اللهِ، وَحَوَادِثُ مِنْ فِعْلِ العِبَادِ؛ فَهَذِهِ لِلعِبَادِ استِقْلَالًا، وَلَيْسَ للهِ تَعَالَى فِيهَا خَلْقٌ.
    قَوْلُهُ: ((وَيَغْلُو فِيهَا قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الإثْباتِ، حتَّى سَلَبوا العَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتيارَهُ، وَيُخْرِجونَ عَنْ أفْعالِ اللهِ وَأحْكامِهِ حِكَمَها وَمصالِحَهَا)).
    ((يَغْلُو فِيهَا))؛ أيْ: فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ.
    ((قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الإثْباتِ))؛ أيْ: إثْباتِ القَدَرِ.
    وَهَؤُلَاءِ القَوْمُ هُم الجَبْرِيَّةُ؛ حَيْثُ إنهَّم سَلَبُوا العَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، وَقَالُوا: إنَّهُ مُجْبَرٌ عَلَى عَمَلِهِ؛ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ.
    قَوْلُهُ: (وَيُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ حِكَمَهَا وَمَصَالِحَهَا)) : ((يُخْرِجُونَ)): مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: ((يَغْلُو)).
    وَوَجْهُ كَوْنِهِمْ يُخْرِجُونَ الحِكَمَ وَالمَصَالِحَ عَنْ أَفْعَالِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ: أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ للهِ حِكْمَةً أَوْ مَصْلَحَةً؛ فَهُوَ يَفْعَلُ وَيَحْكُمُ لِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ، وَلِهَذَا يثُيِبُ المُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الفِعْلِ، وَيُعَاقِبُ العَاصِي، وَإِنْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الفِعْلِ.
    وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُجْبَرَ لَا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَى مَحْمُودٍ، وَلَا الذَّمَ عَلَى مَذْمُومٍ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
    وَهُنَا مَسْأَلَةٌ يَحْتَجُّ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ العُصَاةِ: إِذَا أَنْكَرْتَ عَلَيْهِ المُنْكَرَ؛ قَالَ: هَذَا هُوَ مَا قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ؛ أَتَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ؟! فَيَحْتَجُّ بِالقَدَرِ عَلَى مَعَاصِي اللهِ، وَيَقُولُ: أَنَا عَبْدٌ مُسَيَّرٌ! ثُمَّ يَحْتَجُّ أَيْضًا بِحَدِيثِ: ((تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ؟! فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسى! اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلامِهِ، وَكَتَبَ لَكَ التَّوراةَ بِيَدِهِ! أَتَلومُنِي عَلَى أمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَني بَأَرْبَعِينَ سَنَةً؟!)). قَالَ النَّبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى))؛ قَالَهَا ثَلَاثًا. وَعِنْدَ أَحَمْدَ: ((فَحَجَّهُ آدَمُ)). وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أنَّ آدَمَ غَلَبَ مُوسَى بِالحُجَّةِ.
    قَالَ: فَهَذَا آدَمُ لَمَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مُوسَى؛ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالقَدَرِ، وَآدَمُ نَبِيٌٌ، وَمُوسَى رَسُولٌ، فَسَكَتَ مُوسَى؛ فَلِمَاذَا تَحْتَجُّ عَلَيَّ؟
    وَالجَوَابُ عَلَى حَدِيثِ آدَمَ:
    -إمَّا عَلَى رَأْيِ القَدَرِيَّةِ؛ فَإِنَّ طَرِيقَتَهُمْ أَنَّ أَخْبَارَ الآحَادِ لَا تُوجِبُ اليَقِينَ؛ قَالُوا: وَإِذَا عَارَضَتِ العَقْلَ؛ وَجَبَ أنْ تُرَدَّ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ قَالُوا: هَذَا لَا يَصِحُّ وَلَا نَقْبَلُهُ وَلَا نُسَلِّمُ بِهِ.
    أًَمَّا الجَبْرِيِّةُ؛ فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ، وَدِلَالَتُهُ حَقٌّ، وَلَا يُلَامُ العَبْدُ عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ.
    -أمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ؛ فَقَالُوا: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ الذَنْبَ، وَصَار ذَنْبُهُ سَبَبًا لِخُرُوجِهِ مِنَ الجنَّةِ، لَكِنَّهُ تَابَ مِنَ الذَّنبِ، وبَعْدَ تَوْبَتِهِ اجْتَبَاهُ اللهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَمِنَ المحَُالِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – وَهُوَ أَحَدُ أُولي العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ- يَلُومُ أَبَاهُ عَلَى شَيءٍ تَابَ مِنْهُ ثُمَّ اجْتَبَاهُ اللهُ بَعْدَهُ وَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ، وَإِنمَّا اللَّوْمُ عَلَى المُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ، وَهِيَ إِخْرَاجُ النَّاسِ وَنفَسِهِ مِنَ الجنَّةِ؛ فَإِنَّ سَبَبَ هَذَا الإِخْرَاجِ هُوَ مَعْصِيةُ آدَمَ؛ عَلَى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا شَكَّ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا لِيَخْرُجَ مِنَ الجنَّةِ حتَّى يُلَامَ؛ فَكَيْفَ يَلُومُهُ مُوسَى؟!
    وَهَذا وَجْهٌ ظَاهِرٌ فَي أنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُرِدْ لَوْمَ آدَمَ عَلَى فِعْلِ المَعْصِيَةِ، إِنَّمَا عَلَى المُصِيبَةِ الَّتي هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ، وَحِينَئِذٍ يتَبَيَّنُ أنَّهُ لَا حُجَّةَ بِهَذَا الحَدِيثِ لِلْجَبْرِيَّةِ .
    فَنَحْنُ نَقْبَلُهُ وَلَا نُنْكِرُهُ كَمَا فَعَلَ القَدَرِيُّ، وَلَكِنَّنَا لَا نَحْتَجُّ بِهِ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ كَمَا فَعَلَ الجَبْرِيُّ.
    وَهُنَاكَ جَوَابٌ آخَرُ أَشَارَ إِلَيْهِ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ، وَقَالَ: الإِنْسَانُ إِذا فَعَلَ المَعْصِيَةَ وَاحْتَجَّ الإِنْسَانُ بِالقَدَرِ عَلَيْها بَعْدَ التَّوبةِ مِنْهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
    وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَوْ لَامَكَ أَحَدٌ عَلَى فِعْلِ المَعْصِيَةِ بَعْدَ أنْ تُبْتَ مِنْهَا، وَقُلْتَ: هَذَا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إلِيهِ… وَمَا أشْبَهَ ذلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي هَذَا.
    فَآدمُ احْتَجَّ بِالقَدَرِ بَعْدَ أنْ تَابَ مِنْهُ، وَهَذَا لَا شَكَّ أنَّهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، لَكِنْ يُبْعِدُهُ أنَّ مُوسَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يَلُومَ آدَمَ عَلَى مَعْصِيَةٍ تَابَ مِنْهَا.
    وَرَجَّحَ ابْنُ القَيِّمِ قَوْلَهُ هَذَا بِمَا جَرَى لِلنَّبيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ طَرَقَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَيْلَةً، فَقَالَ: ((أَََلَا تُصَلِّيانِ؟)). فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ؛ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا؛ بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا) [الكَهْف: 54].
    وَعِنْدِي أَنَّ فِي الاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الحَدِيثِ نَظَرًا؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ احْتَجَّ بِالقَدَرِ بنَوْمِهِ، وَالإِنْسَانُ النَّائِمُ لَهُ أنْ يَحْتَجَّ باِلقَدَرِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الكَهْفِ: (ونقلبهم ذات اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) [الكَهْف: 18]؛ فنَسَبَ التَّقْلِيبَ إِلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَتَقَلَّبُونَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْهُمْ؛ لِمَ يُضِفْهُ إِلَيْهِمْ.
    وَالوَجْهُ الأَوَّلُ فِي الجَوَابِ عَنْ حَدِيثِ آدَمَ وَمُوسَى –وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَةَ هُوَ الصَّوابُ.
    فَإِذاً لَا حُجَّةَ لِلجَبْرِيِّ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَلَا لِلعُصَاةِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الحَدِيثِ لِاحْتِجَاجِهِم ْ بَالقَدَرِ.
    فَنَقُولُ لَهُ: إِنَّ احْتِجَاجَكَ بِالقَدَرِ عَلَى المَعَاصِي يُبْطِلُهُ السَّمْعُ وَالعَقْلُ وَالوَاقِعُ:
    -فَأَمَّا السَّمْعُ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حتَّى ذَاقُوا بِأْسَنَا) [الأَنْعَام: 148]؛ قَالُوا ذَلِكَ احْتِجَاجًا بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )؛ يَعْنِي: كَذَّبُوا الرُّسُلَ وَاحْتَجُّوا بِالقَدَرِ (ٍّحتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا)، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُجَّتَهُمْ بَاطِلَةٌ؛ إِذْ لَوْ كَانََتْ حُجَّةً مَقْبولَةً؛ مَا ذَاقُوا بَأْسَ اللهِ.
    -وَدِلِيلٌ سَمْعِيٌّ آخَرُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ…) [النِّسَاء: 163] إِلَى قولِهِ: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النِّسَاء: 165]، وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الآيةِ أنَّهُ لَوْ كَانَ القَدَرُ حُجَّةً؛ مَا بَطُلَتْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ القَدَرَ لَا يَبْطُلُ بِإِرْسَالِ الرسلِ، بَلْ هُوَ بَاقٍ.
    فَإذَا قَالَ قَائِلٌ: يَرِدُ عَلَيكِ في الدَّليلِ الأوَّلِ قَولُ اللهِ تَباركَ وتعالَى في سُورةِ الأنْعامِ: (اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَن المُشْرِكِينَ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَليْهِمْ حَفِيظَاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) [الأَنْعَام: 106-107]؛ فَهُنَا قَالَ اللهُ تَعالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا)؛ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَ الإِنْسَانِ عَنِ الكُفَّارِ: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا): قَوْلٌ صَحِيحٌ وَجَائزٌ، لَكِنَّ قَوْلَ المُشرِكِ: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا) [الأَنْعَام: 148]؛ يُرِيدُ أنْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيةِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، واللهُ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا قَالَ لِرَسُولِهِ هَكَذَا تَسْلِيَةً لَهُ وَبَيَاناً أنَّ مَا وَقَعَ فَهُوَ بِمَشِيئَةِ اللهِ.
    -وأمَّا الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلَى بُطْلَانِ احْتِجَاجِ العَاصِي بِالقَدَرِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ أنْ نَقُولَ لَهُ: مَا الَّذِي أَعْلَمَكَ بِأَنَّ اللهَ قَدَّرَ لَكَ أنْ تَعْصِيَهُ قَبْلَ أنْ تَعْصِيَهُ؟ فَنَحْنُ جَمِيعاً لَا نَعْلَمُ مَا قَدَّرُ اللهُ إلَّا بَعْدَ أنْ يَقَعَ، أمَّا قَبْلَ أنْ يَقَعَ؛ فَلَا نَدْرِي مَاذَا يُرادُ بِنَا؛ فَنَقُولُ لِلعَاصِي: هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ قَبْلَ أنْ تُمَارِسَ المَعْصِيَةَ أنَّ اللهَ قَدَّرَ لَكَ المَعْصِيَةَ؟ سَيَقُولُ: لَا. فَنَقُولُ: إِذنْ لِمَاذَا لَمْ تُقَدِّرْ أنَّ اللهَ قَدَّرَ لَكَ الطَّاعةَ وَتُطِعِ اللهَ؛ فَالبَابُ أمَامَكَ مَفْتُوحٌ؛ فَلِمَاذَا لَمْ تَدْخُلْ مِنَ البَابِ الَّذِي تَرَاهُ مَصْلَحَةً لَكَ؛ لِأنَّكَ لَا تَعْلَمُ مَا قُدِّرَ لَكَ. وَاحْتِجَاجُ الإِنْسَانِ بِحُجَّةٍ عَلَى أمْرٍ فَعَلَهُ قَبْلَ أنْ تَتَقدَّمَ حُجَّتُهُ عَلَى فِعْلِهِ احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ لَا بدَّ أنْ تَكُونَ طَرِيقاً يَمْشِي بِهِ الإِنْسَانُ؛ إذْ إنَّ الدَّلِيلَ يَتَقَدَّمُ المَدْلُولَ.
    وَنَقُولُ لَهُ أَيضاً: أَلسْتَ لَوْ ذُكِرَ لَكَ أنَّ لِمَكَّةَ طَرِيقَينِ أَحَدُهُمَا طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ آمِنٌ، وَالثَّانِي طَرِيقٌ صَعْبٌ مُخَوِّفٌ؛ ألَسْتَ تَسْلُكُ الآمِنَ؟ سَيَقُولُ: بَلى. فَنَقُولُ: إِذِنْ لِمَاذَا تَسْلُكُ فِي عِبَادَتِكَ الطَّرِيقَ المُخَوِّفَ المَحْفُوفَ بِالأَخْطَارِ، وَتَدَعُ الطَّرِيقَ الآمِنَ الَّذِي تَكَفَّلَ اللهُ تعالَى بالأمنِ لِمَنْ سَلكَهُ؛ فَقَالَ: (الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيماَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ) [الأَنْعَام: 82]،..
    وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أنَّهُ لَا وَجْهَ أَبَداً لِاحْتِجَاجِ العَاصِي بِالقَدَرِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •