مفهوم الأدب المقارن
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مفهوم الأدب المقارن

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,830

    افتراضي مفهوم الأدب المقارن

    مفهوم الأدب المقارن (1)


    د. إبراهيم عوض





    الأدب المقارن:
    هو فرع من فروع المعرفة يتناول المقارنة بين أدبين أو أكثر ينتمي كل منهما إلى أمة أو قومية غير الأمة أو القومية التي ينتمي إليها الأدب الآخر، وفي العادة إلى لغة غير اللغة التي ينتمي إليها أيضًا، وهذه المقارنة قد تكون بين عنصر واحد أو أكثر من عناصر أدب قوميٍّ ما ونظيره في غيره من الآداب القومية الأخرى، وذلك بغية الوقوف على مناطق التشابه ومناطق الاختلاف بين الآداب ومعرفة العوامل المسؤولة عن ذلك،كذلك فهذه المقارنة قد يكون هدفها كشف الصلات التي بينها، وإبراز تأثير أحدها في غيره من الآداب، وقد يكون هدفها الموازنة الفنية أو المضمونية بينهما، وقد يكون هدفها معرفة الصورة التي ارتسمت في ذهن أمة من الأمم عن أمة أخرى من خلال أدبها، وقد يكون هدفها هو تتبع نزعة أو تيار ما عبر عدة آداب..إلخ، وهذا التعريف قد تمت صياغته وبلورته من خلال التعاريف والمفاهيم المتعددة لهذا الفرع من فروع العلم، تلك المفاهيم والتعريفات التي تتباين حسب تباين المدرسة أو الشخصية التي تقود هذا التيار أو ذاك من تيارات البحث المختلفة، وهو يختلف قليلًا أو كثيرًا عن التعاريف الموجودة في كتب الأدب المقارن،وقد سرني أن أجد التعريف الذي أورده كل من "Thefreedictionary" وموسوعة الـ: "Wikipedia" الحرة على المشباك متفقًا مع تعريفي هذا؛ إذ يقول المعجم ببساطة: إن الأدب المقارن هو "Study of literary works from different cultures"، translation) often in)، كما تقول الموسوعة بنفس البساطة: إنه " scholatshop dealing with the literatyres of Critical seversl different languagrs "،ومع ذلك نرى معجم الـ: "infoplease" المشباكي مثلًا ما زال يعرف الأدب المقارن وفي ذهنه المفهوم الفرنسي له، إذ يقول: إنه "The study of the literatyres of two or more groups differing in cultural background and، usually، in lamguage، concentrarting on their relatiomships to and influenves upon each other".

    فالأدب المقارن، حسب هذا التعريف، يركز على الصلات بين الآداب وعملية التأثر والتأثير اللذين تتبادلهما.

    وميادين الأدب المقارن متعددة:
    فقد يكون ميدانه المقارنة بين جنس أدبي، كالقصة أو المسرحية أو المقال أو المقامة أو القصيدة أو الملحمة أو الأنقوشة (أي "الإبيجرامية") في أدبين مختلفين أو أكثر، وقد يكون ميدانه المقارنة بين الأشكال الفنية داخل جنس أدبي من هذه الأجناس في أدب ما ونظيراتها في أدب آخر، كنظام العروض والقافية أو الموشحات مثلًا، وقد يكون ميدانه الصور الخيالية؛ كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، وقد يكون ميدانه النماذج البشرية والشخصيات التاريخية في الأعمال الأدبية، وقد يكون ميدانه التأثير الذي يُحدثه كتاب أو كاتب ما في نظيره على الناحية الأخرى، أو مجرد الموازنة بينهما لما يلحظ من تشابههما ....وقد يكون ميدانه المقارنة بين المذاهب الأدبية؛ كالكلاسية والرومانسية والواقعية والرمزية والبرناسية هنا وهناك، وقد يكون ميدانه انعكاس صورة أمة ما في أدب أمة أو أمم أخرى..،وهكذا؛ (انظر في ذلك فهرس كل من كتاب فان تيجم: "الأدب المقارن"/ ترجمة سامي الدروبي/ دار الفكر العربي/ القاهرة، وكتاب م.ف.جويار: "الأدب المقارن"/ ترجمة د.محمود غلاب، ومراجعة د.عبدالحليم محمود/ لجنة البيان العربي/ القاهرة/ 1956/ سلسلة الألف كتاب - العدد 44، وكتاب د.محمد غنيمي هلال: "الأدب المقارن"/ دار نهضة مصر/ القاهرة/ 1977م، وكتاب كلود بيشوا وأندريه ميشيل روسو: "الأدب المقارن"/ ترجمة د.رجاء عبدالمنعم جبر/ مكتبة دار العروبة/ الكويت/ 1980م، وكتاب د.الطاهر أحمد مكي: "الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه"/ دار المعارف/ 1405هـ - 1985م، وكتاب د.بديع جمعة: "دراسات في الأدب المقارن"/ ط3).

    ويحتاج مصطلح "الأدب المقارن" (هو في الواقع ترجمة حرفية للمصطلح الفرنسي المعروف: "La Litterature comparee") بعضًا من التحليل والتوضيح، وكذلك التسويغ أيضًا؛ فالواقع (كما هو بيِّن ظاهر) أننا هنا لسنا بصدد "أدب"، بل فرع من فروع "العلم يدرس الأدب، فكيف إذًا حدث هذا؟ إنه الاختصار، أو إذا كان يحلو لك فقل: إنه الخطأ الشائع الذي يقال في مثل هذه الحالة: إنه خير من الصواب، والصواب هو أن هذا العلم يقوم بمقارنة الآداب القومية المختلفة والموازنة بينها، ومعرفة ما فيها من عناصر مشتركة أو مختلفة، والأسباب المسؤولة عن ذلك، والتعرف على الصلات التي تربطها بعضها ببعض في حالة وجود مثل تلك الصلات، والمعابر التي انتقل من خلالها عنصر أو أكثر من هذا الأدب أو ذاك إلى غيره من الآداب القومية الأخرى..،إذًا فنحن لسنا بصدد "أدب"، بل بصدد "علم"، اللهم إلا إذا فهمنا كلمة "أدب: Litterature، Literature" بمعناها الواسع؛ أي: "الكتابة"، أو قلنا: إن ثمة كلمة محذوفة على سبيل الاختصار، والتقدير: "دراسة الأدب المقارن"، أو "تاريخ الأدب المقارن"، أو كما في الألمانية: "علم الأدب المقارن: verglaichende literaturwissen schaft".

    وهناك تسميات أخرى لم يكتب لها التوفيق والانتشار، مثل: "التاريخ المقارن للآداب"، أو"تاريخ الآداب المقارنة"، أو "التاريخ الأدبي المقارن"، أو "تاريخ الآداب المقارن"، أو "الآداب الحديثة المقارنة"، أو "الأدب العالمي"، أو "الأدب بالمقارنة"، أو "الأدب بطريق المقارنة"، وذلك رغم ما تتمتع به بعض التسميات من اختصار ودقة؛ كمصطلح "مقارنة الأدب" (وهي التسمية التي يستعملها الإندونيسيون)، أو "المقارنة الأدبية" الذي عنون به د. أحمد كمال زكي كتابًا له في هذا الموضوع، و"المقارنة بين الآداب" الذي اتخذه العقاد عنوانًا لأحد مقالاته في مجلة "الكتاب" المصرية في 1948م، والذي اقترح أن تختصر إلى "مقارنة الآداب" طلبًا لمزيد من الخفة على الذهن واللسان كما تقتضي طبيعة المصطلح، ومن ثم يكون أسهل تداولًا لمن يريد،وهناك "خطاب المقارنة"، الذي اقترحه عز الدين المناصرة في مقاله: "الرائد التاريخي للأدب المقارن في الوطن العربي" المنشور في كتاب "الفلسطينيون والأدب المقارن: روحي الخالدي - إدوارد سعيد - عز الدين المناصرة - حسام الخطيب"/ فريال غزولي وآخرون/ الهيئة العامة لقصور الثقافة/ سلسلة "كتابات نقدية" - العدد 102/ 2000م/ 5 - 52،ويجد القارئ اقتراح الكاتب باستبدال المصطلح ومسوغاته في ص13)، وكذلك مصطلح "النقد المقارن" للكاتب نفسه؛ (انظر مقال خديجة بن شرفي المنشور في الكتاب السابق/ 111 - 137،ويجد القارئ الكلام عن اقتراح الكاتب باستبدال المصطلح في ص117، 120، 130)،وقد اختصر الدكتور أحمد كمال زكي مصطح "الأدب المقارن" إلى كلمة واحدة فقط هي "المقارن"، مستعملاً النعت وحده دون المنعوت،ومن يدري؟ فقد تشيع مع الأيام هذه التسمية، وتحل الكلمة الواحدة محل الكلمتين، على عادة الذهن واللسان البشري اللذين يميلان في أمور الواقع العملي إلى الاختصار عند كثرة التكرار، وبخاصة عن طريق الاستعاضة عن النعت والمنعوت معًا بالنعت قائمًا برأسه،أما المصطلح الإنجليزي فلا يستخدم اسم المفعول: "comdared" (من الفعل "compera: يقارن" كما هو الحال في المصطلح الفرنسي)، بل صفة النسب: "comparative"، وهو ما يمكن ترجمته بـ: "الأدب المقارني"، أو "الأدب التقارني"، أو"أدب المقارنة"؛ (انظر في مشكلة المصطلح د. محمد غنيمي هلال/ الأدب المقارن/ دار نهضة مصر/ 1977م/ 15 - 16، ود.الطاهر أحمد مكي/ الأدب المقارن - أصوله وتطوراته ومناهجه/ 194، ود. عطية عامر/ دراسات في الأدب المقارن/ مكتبة الأنجلو المصرية/ 1989م/ الفصل الأول كله بدءًا من ص 12، ود. أحمد درويش/ الأدب المقارن - النظرية والتطبيق/ ط2/ دار الثقافة العربية/ 1413هـ - 1992م/ 3 - 4، ود. علي شلش/ الأدب المقارن بن التجرببتين الأمريكية والعربية/ دار الفيصل الثقافية/ الرياض/ 1415هـ - 1995م/ 13)، ود. إبراهيم عبدالرحمن محمد/ الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق/ الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان/ 2000م/ 5 - 6).

    نخلص من هذا إلى القول بأن مصطلح "الأدب المقارن"، الذي استعمله خليل هنداوي وفخري أبو السعود على التوالي في مقالاتهما بمجلة "الرسالة" في عام واحد (هو عام 1936م) بفارق ثلاثة أشهر تقريبًا - كان هو المصطلح الذي قُدر له الشيوع، بل الانتشار الكاسح على مدار هذه العقود السبعة، حتى الآن على الأقل،وقبل أن أغادر هذه النقطة أود أن أوجه الالتفات إلى أن د. علي شلش يرى أن صاحب هذا المصطلح في الحالتين هو أحمد حسن الزيات لا هنداوي ولا أبو السعود، وإن لم يقدم دليلاً قاطعًا على ذلك، بل استنتجه مجرد استنتاج، قائلًا: إن الزيات قد أضاف إلى العنوان الأصلي لكل من الكاتبين مصطلح الأدب المقارن (انظر كتابه: "الأدب المقارن بين التجربتين الأمريكية والعربية"/ 114 - 115)، أما د. حسام الخطيب فقد عزا إلى هنداوي استخدام المصطلح لأول مرة، على حين جرد أبو السعود من قصد استخدامه بعد هذا بقليل في مقالاته في نفس الموضوع، ناسبًا إلى الزيات أنه هو واضع ذلك المصطلح في عناوين المقالات المذكورة؛ (انظر كتابه: "آفاق الأدب المقارن عربيًّا وعالميًّا/ 153 - 158).

    تشترط المدرسة الفرنسية، كما ألمحنا، أن تكون هناك صلات تاريخية بين العملين أو الظاهرتين أو الأدبين المراد مقارنتها، بيد أن هذا شرطٌ تحكمي، أو قل: إنه شرط غير ملزم ولا لازم، والمهم أن تكون المقارنة بين أدبي أمتين مختلفتين، سواء كتب هذان الأدبان بلغتين مختلفتين، كما هو الغالب، أو كانا يصطنعان ذات اللغة، كما هو الحال مثلًا بين الأدب الإنجليزي والأدب الهندي المكتوب بلغة جون بول، أو بين الأدب الفرنسي والأدب الجزائري المصبوب في قالب لسان الفرنسيس...إلخ إن المراد هو تمتين العلاقات الأدبية بين الأمم والشعوب المختلفة، واكتشاف أوجه التشابه والاختلاف لديها في الذوق والإبداع، وتتبع المسارات التي انتقلت عن طريقها التأثيرات الأدبية من أمة إلى أخرى في حالة وجودها وإمكان تتبعها،وإذا كانت المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن تركز بوجه عام على الصلات التي ثبت وجودها فعلاً بين الأمم والشعوب، فهل هناك ما يمنع أن نمد هذا الاهتمام إلى المستقبل فنستشرف وجود مثل هذه الصلات أو نعمل على خلقها خلقًا؟ بل هل هناك ما يقطع بعدم وجود علاقة بين عملين أو ظاهرتين أو تيارين أدبيين لم يتضح لنا أنه كانت بينهما يومًا هذه العلاقة؟ لا أظن؛ذلك أن من الممكن جدًّا أن يكون موليير على سبيل المثال قد سمع بـ: "بخلاء" الجاحظ بطريقة أو بأخرى حين ألف مسرحيته الشهيرة: "البخيل"، وأن يكون لامارتين على علم بطريقة أو بأخرى بقصيدة المتنبي أو البحتري عن البحيرة، كأن يكون قد سمعها أو سمع أبياتًا منها مترجمة إلى الفرنسية ولو شفويًّا، أو على الأقل سمع بموضوعها أو أسلوبها الفني مجرد سماع من أحد المستشرقين أو العرب، وأن هذا أحد البواعث التي دفعته إلى نظم قصيدته فيها، وبخاصة أنه كان مفتونًا بالشرق العربي، وزار سوريًّا وفلسطين ولبنان، وسجل هذه الرحلة في كتاب من أربعة أجزاء هو "Voyage en Orient...."، وتمنى لو بقي في بلاد الأرز طول حياته، بل لقد قيل: إنه ذو أصول عربية،وقد يكون تأثر في نظمه تلك القصيدة بشاعر آخر فرنسي أو غير فرنسي كان قد تأثر بدوره بإحدى القصيدتين العربيتين أو بهما معًا،وربما كان تأثير المتنبي أو البحتري سلبيًّا، بمعنى أن الشاعر الفرنسي لم يستحسن الطريقة التي تناول بها الشاعر العربي موضوعه أو بعض صوره الخيالية أو السياق الذي نظم فيه عمله أو الجو النفسي الذي سيطر عليه أو الغرض الذي نظم قصيدته من أجله...إلخ،ترى هل كان هناك قبل آسين بلاثيوس، بل إلى ما بعد وفاة ذلك المستشرق الإسباني ببضعة أعوام، من كان يعرف أن قصة المعراج قد ترجمت إلى عدة لغات أوربية منها اللاتينية قبل أن يكتب دانتي "كوميدياه الإلهية"؟ لقد تعرض بلاثيوش لهجوم شديد ومعارضة عنيفة عندما طلع على الناس بأن دانتي قد تأثر بتلك القصة، إلى أن اكتشف أحد المستشرقين بعد رحيله بسنوات خمس لا غير أن تلك القصة قد ترجمت فعلاً قبل وضع دانتي عمله المذكور، مما يؤكد أنه قد قرأها قبل إبداعه لذلك العمل؛ (انظر د. الطاهر أحمد مكي/ الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه/ دار المعارف/ 1407هـ - 1987م/ 218 - 219).

    ولنفترض أننا كنا موقنين تمام الإيقان أنه لم تكن هناك قط مثل تلك العلاقة، ولو على سبيل الاحتمال، أفلا تستحق المقارنة بين الذوقين والأسلوبين وتقويم العناصر الفنية في الأثرين الأدبيين أن نقوم بمثل تلك المقارنة، على الأقل تنشيطًا لعملية الأخذ والرد بين الأدبين، وتلقيحًا لكل منهما بعناصر القوة والجمال في الآخر، وإغناءً لعملية الإبداع والتذوق بهذه الطريقة، ومن ثم قيام صلات أدبية بينهما تخلق خلقًا من هذا السبيل، واستكشافًا للعوامل التي تقف خلف نقاط القوة أو الضعف، وهل هي راجعة إلى ظروف المبدع الشخصية أو هي بالأحرى ترجع إلى خصائص البيئة والأمة التي ينتسب إليها؟ أم ترى ينبغي أن ننتظر قيام مثل تلك الصلات أولًا، حتى إذا قامت وتيقنا من قيامها ووقوع التأثير والتأثر بين الطرفين فعندئذ، وعندئذ فقط، يمكننا أن نتقدم ونقوم بعملية المقارنة؟ أما أنا فأحبذ مبادرة الأمور والعمل على خلق مثل تلك الصلات عن طريق المقارنات الاستباقية هذه، ومن ثم لا أجد أية غضاضة فيما صنعه شفيق جبري مثلًا في مقالاته في مجلة "الثقافة" المصرية في 1939م من المقارنة النقدية بين "بحيرة" كل من البحتري ولامرتين والأخرى، وبين "بخلاء" الجاحظ و"بخيل" موليير، ولا ما صنعه د. صفاء خلوصي من المقارنة بين البحيرتين العربية والفرنسية، ولا ما صنعه د. عبدالرزاق حميدة في كتابه: "الأدب المقارن" حين وازن بين "رسالة الغفران" للمعري و"الكوميديا الإنسانية" لدانتي مقارنة جمالية خالصة، فلا حديث عن تأثر أو تأثير بين العملين،ثم ألا يستحق البحث عن السر في وجود تشابه بين عملين أدبيين دون أن يكون بينهما أية صلة عناء المقارنة بينهما تأكيدًا بأن هناك ضروبًا من التشابه بين البشر على اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وأجناسهم؟



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,830

    افتراضي رد: مفهوم الأدب المقارن

    مفهوم الأدب المقارن (2)


    د. إبراهيم عوض






    لقد كان المرحوم محمد غنيمي هلال وأنور لوفا مثلًا من المشيعين للمنهج الفرنسي في الأدب المقارن، وما زال هناك من يأخذ بوجهة نظر هذه المدرسة لا يرى مما عداها شيئًا، ومنهم د. محمد سعيد جمال الدين، كما يتبدى ذلك في كتابه: "الأدب المقارن - دراسة تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي" (ط2/ دار الاتحاد للطباعة/ القاهرة/ 1417هـ - 1996م/ 42 - 43)، وهناك على العكس من هذا، من يتشيع للمنهج الأمريكي متمثلًا فيما كتبه رينيه ويليك، الذي وسع دائرة ذلك الحقل، كما تعكسها الفصول الخاصة بهذا الموضوع في كتابه: "مفاهيم نقدية" (ترجمة محمد عصفور/ سلسلة عالم المعرفة - العدد 110/ جمادى الآخرة 1407هـ - فبراير 1987م/ 304 - 375)، فلم يقصرها على مجالات التأثير والتأثر التي تقتضي وجود صلات تاريخية بين طرفي المقارنة، وغالبًا ما يكون التشيع الذي من هذا القبيل مجرد تعصب للمدرسة التي سبقت معرفة الدارس لها، أو درس على يد أحد أعلامها مثلًا، والأجدر بنا ألا تكون هِجِّيرَانا التعصب لهذا أو لذاك لمجرد التعصب، بل أن نفكر بأنفسنا لأنفسنا مستعينين بما بلغه السابقون من أمتنا ومن خارج أمتنا، ومجتهدين أن يكون لنا رأينا وموقفنا المتميز لا لمجرد إثبات الذات، بل لعرض ما نحن مقتنعون به ومطمئنون إليه، مشاركة منا في النشاط الفكري العالمي، بحيث لا يكون كل ما نعمله هو ترديد ما يقوله الآخرون ونشره.

    إن ما يقوله هذا أو ذاك من الباحثين الغربيين ليس قرآنًا مقدسًا ينبغي أن نخرَّ عليه صمًّا وعُمْيًا وبكمًا، بل إن القرآن الكريم نفسه لا يطالب البشر بأن يخرُّوا عليه مؤمنين دون تفكير أو إعمال عقل، فما بالنا بنظريات في الأدب والنقد هي من نتاج العقل البشري غير المعصوم؟ وعلى هذا فإني لا أقصر مجال الأدب المقارن على الأدبين اللذين قد ثبت أن بينهما صلات تاريخية، بل أنادي بتمديده ليشمل دراسة أي أدبين بينهما وجه أو أكثر من وجوه الشبه أو الاختلاف لمعرفة الأسباب التي تكمن وراء ذلك التشابه أو هذا الاختلاف، أو على الأقل أوافق على مثل هذا التمديد، كما أرى أيضًا توسيع آفاقه ليشمل مثلًا الموازنة الأدبية بين عملين من أعمالهما، وتحليل كل واحد منهما، ومحاولة التعرف إلى سر ما بينهما من نواحي المشاكلة أو المباينة، والاجتهاد في تذوق كل منهما لتوسيع مجال الاستمتاع الأدبي والنقدي عند الدارس والقارئ جميعًا، ومحاولة تقويم كل منهما فنيًّا ومضمونيًّا، والوصول إلى معرفة أي منهما أجمل وأقوى، وأشد تأثيرًا من الآخر، ولماذا، وذلك من أجل اكتساب نظرة أكثر رحابة وأوسع إنسانية وأعمق حكمًا وأحرى أن تكون أقوى انفتاحًا على ما عند الآخرين من آثار الخير والجمال والجلال.

    ولقد كان المنهج الإيطالي مثلًا في ميدان الأدب المقارن في بداية أمره أواسط القرن التاسع عشر، كما يقول د. عطية عامر، قائمًا على الموازنات الأدبية، والكشف عن عناصر الاتفاق والاختلاف بين ظواهر الأدب المشتركة، ثم انتهى به التطور إلى أن يكون "وسيلة بسيطة من وسائل تاريخ المصادر" (د.عطية عامر/ دراسات في الأدب المقارن/ مكتبة الأنجلو المصرية/ 1989م/ 34 - 35)، أما المدرسة الألمانية فكانت تقصر الأدب المقارن على آداب أوربا الغربية وحدها؛ لبيان الاتفاق والاختلاف في التقاليد الأدبية لأمم ذلك الشطر من العالم، وإن ضم هذا الاتجاه العام عدة أطياف مختلفة: فمن الدارسين من اهتم بدراسة التأثير والتأثر بين هذه الآداب، ومنهم من اعتنى ببيان النماذج الأدبية المشتركة بينها، ومنهم من قام بدراسة المحتوى الثقافي والعقائدي المتمثل في هذه الآداب، ومنهم من أخذ على عاتقه الكشف عن تناسق الحركة الموسيقية والصوتية في صورها الشعرية...إلخ (المرجع السابق/ 36 - 37)، ثم لدينا المدرسة الأمريكية، التي أخذت أولاً بالاتجاه التاريخي، كما هو معروف عند عموم المقارنين الفرنسيين، ثم انتهى بها الحال على يد رينيه ويليك إلى توسيع نظرتها لهذا التخصص، والمناداة بأن يكون الهدف منه إبراز القيم الجمالية وعلاقاتها داخل أدب واحد أو أكثر، والاستعانة في ذلك بالنقد الأدبي؛أي: إن التركيز هنا على الجانب التذوقي (السابق/ 37 - 39).

    وبغضِّ البصر عمن هو على صواب أو على خطأ بين أصحاب هذه المناهج، فالمهم الالتفات إلى أنهم في الغرب يجتهدون ويختلفون ويغيرون مواقفهم وآراءهم، ولا يجدون حرجًا أو غضاضة في هذا، وهذا ما نريده لنا: أن نجتهد ولا نظن أن الصواب دائمًا حليف القوم، وأن كل ما ينبغي لنا أن نفعله، أو على الأقل: أن كل ما يمكننا عمله، هو متابعتهم دائمًا على ما يقولون؛ إذ هم لا يقولون (كما رأينا) شيئًا واحدًا وإلى الأبد، أنكون ملكيين إذًا أشد من الملك نفسه؟ وأعترف هنا أنني كنت من المرددين لما يقوله جمهور المقارنين الفرنسيين، ولا أستطيع أن أتصور أن هناك صوابًا آخر، لا لشيء إلا لأنني أنا وزملائي في الدراسات العليا، حين بدأنا التعرف على الأدب المقارن في السنة التمهيدية للماجستير في آداب القاهرة عام 1970 - 1971م مع د. شكري عياد، قد اعتمدنا على كتب فان تيج موجويار ومحمد غنيمي هلال، فبدا لنا أن هذا هو المنهج السليم، وما عداه مناهج متسيبة غير منضبطة، إلا أن هذا كان منذ خمسة وثلاثين عامًا، وقد جرت مياه كثيرة منذ ذلك الحين في النهر، ولم يعد ماء النهر هو ماءه القديم؛ (انظر أيضًا، في الكلام عن المدرستين الفرنسية والأمريكية وما بينهما من فروق وما جد على كل منهما من تطور، سعيد علوش/ مدارس الأدب المقارن - دراسة منهجية/ المركز الثقافي العربي/ 1987م/ 55 وما بعدها، و93 وما يليها، ود. أحمد درويش/ الأدب المقارن - النظرية والتطبيق/ ط2/ دار الثقافة العربية/ 1413هـ - 1992م/ 19 - 28، أما د. الطاهر أحمد مكي فيفصل القول في ذلك تفصيلاً في كتابه الضخم: "الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه/ دار المعارف/ 1407هـ - 1987م/ 62 فما بعدها لبضع عشرات من الصفحات، وإن لم يهتم بذكر مراجعه، وانظر كذلك د. حسام الخطيب/ آفاق الأدب المقارن عربيًّا وعالميًّا/ دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بدمشق/ 1413هـ - 1912م/ 222 وما بعدها، حيث يعرض تشيع عدد من المقارنين العرب للمدرسة الفرنسية، وعدد آخر للمدرسة الأمريكية، وتشنج البعض في تشيعهم للمدرسة التي يتبعها وكأنها عِرضه وشرفه الذي ينبغي أن يراق على جوانبه الدم لو فكر أحد في مسه بهمسة سوء!).

    ولسوف نرى أن فخري أبو السعود مثلًا، في مقالاته التي كتبها في الثلاثينيات من القرن المنصرم عن الأدب المقارن، إنما ينطلق من رؤية أفسح وأرحب وأجدى من الرؤية التي تنطلق منها المدرسة الفرنسية بوجه عام، وأنه (كما لاحظ د. عطية عامر، وسوف نأتي إلى هذه النقطة فيما بعد) قد سبق بصنيعه هذا رينيه ويليك، الأستاذ السابق للأدب المقارن بالجامعات الأمريكية، وإن لم يعد د. الطاهر مكي تلك المقالات من الأدب المقارن في شيء أصلًا رغم إقراره بأنها تتفق مع المنهج الأمريكي على كل حال؛ إذ قال: إنها لا تزيد عن أن تكون مجرد "ألوان من الموازنات بين موضوعات قد تتشابه أو تختلف عرضًا في الأدبين العربي والإنجليزي ولعلها جاءت صدى لبعض أفكار المدرسة الأمريكية (التي) تجيز شيئًا من هذه الموازنات"؛ (الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه/ 181)، جاعلاً بهذا للمدرسة الأمريكية السبق على ما كتبه ناقدنا المصري، على عكس ما يقول به الدكتور عطية عامر، على ما سيأتي بيانه في فصل لاحق، وبالمثل نرى أن العقاد، بما كتبه عن المعري في "رجعة أبي العلاء"، قد انطلق من ذات الرؤية، وإن لم يُشِر إلى أنه بصدد كتابة بحث في الأدب المقارن على عكس ما هو مثبت في رؤوس مقالات أبو السعود؛ إذ تخيل أن حكيم المعرة عاد إلى الأرض في زماننا هذا، وأنه كان رفيقه في جولته بالعالم الحديث، وبما يضطرب فيه من فكر وفلسفات ومذاهب، فكان كلما رأى شيئًا يظنه رفيقه الأسواني جديدًا عليه سارع هو فقال: إنه قد سلف أن تحدث عنه في شعره حين قال كذا وكذا، وكأن العقاد يريد أن يقول: إن أبا العلاء كان بعيد النظر، واسع منادح الفكر والفن والخيال فسبق بذلك عصره، وإن بين الإنسانية الكثير من الموافقات رغم اختلاف أوطانها وعصورها وأوضاعها الثقافية والاجتماعية، كل هذا دون أن يحاول العقاد التدليل على أنه كانت هناك صلات بين فكر المعري وأصحاب هذه الآراء والاتجاهات السياسية والفلسفية من الأوربيين، بل دون أن يفكر مجرد تفكير في ذلك، وكان طه حسين في الفصل الخاص بهوميروس من كتابه: "قادة الفكر"، الذي صدر في منتصف عشرينيات القرن الماضي، قد تحدث عن جاهلية اليونان والجاهلية العربية حديث المقارنة، رغم أنه لم يثبت أن ثمة علاقة تاريخية بين الجاهليتين، ورغم أنه لم يقُلْ أيضًا: إنه إزاء دراسة في الأدب المقارن، وهذا إن كان واعيًا أصلاً بوجود مثل ذلك التخصص في تلك المرحلة المبكرة من حياته الفكرية والنقدية.

    وعلى نفس هذا المنوال قارن الدكتور إبراهيم سلامة في كتابه: "التيارات الأدبية في الشرق والغرب - دراسة في الأدب المقارن" (دار الجامعة للطباعة والنشر/ 1369هـ - 1950م) بين الأدبين العربي والإغريقي في كل الفنون تقريبًا، حتى ما لم يكن بين الأدبين فيه صلة، أو في أقل تقدير: لم يثبت أنه كانت هناك بينهما تلك الصلة، كما في فن الملحمة والشعر التعليمي الحكمي (ص 66 - 96).

    وعلى نفس المنوال أيضًا ضمن الدكتور جمال الدين الرمادي كتابه: "فصول مقارنة بين أدبي الشرق والغرب" (الدار القومية للطباعة والنشر/ سلسلة "من الشرق والغرب"/ العدد 64) عددًا من المقالات عن مقارنة هذا الموضوع أو ذاك بين الأدب العربي وبعض الآداب الأوربية، فتحدث مثلًا عن فصول السنة الأربعة واحدًا واحدًا، وكذلك عن الليل والقمر والبحر والحرب والموت والزهور والرومانسية وفن القصة والمسرح في أدبنا وفي أدب الإنجليز (وغيره من الآداب الأوربية أحيانًا)، وإمارة الشعر بين شوقي ودريدن (من شعراء القرن السابع)، كما قارن بين اللورد بيرون وشاعر الغزل الأموي عمر بن أبي ربيعة، سواء في حياتهما الأسرية والشخصية أو في منحاهما الغزلي، وبين خليل مطران وألفرد دي موسيه، وهي فصول شائقة وكاشفة ومثيرة للخيال والعقل رغم إيجازها واكتفائها ببعض الخطوط العامة، وعدم وجود صلات معروفة بين الأدبين المذكورين في الموضوعات التي تناولها المؤلف، بل رغم عدم اهتمامه هو نفسه بتحري هذه النقطة أصلاً، ومن شأن هذه الفصول وأشباهها أن تدفع إلى مزيد من الدرس والتعمق والانطلاق إلى آفاق أرحب ودراسات أكثر تفصيلاً وإحاطة، أما بالنسبة للقارئ العام فإنها ذات قيمة عظيمة؛ لأن مثل هذا القارئ لا يحتاج إلى التعمق والتفصيل، وقد أعدت قراءة بعضها وأنا أكتب هذا الفصل لأجدد عهدي بها، ولأكتسب الحساسية المطلوبة للكتابة عنها؛ إذ لا بد أن يعيش الناقد في الجو الذي يريد أن يتناوله بالكتابة، فوجدتها رغم إيجازها ممتعة مفيدة، فضلًا عما تخلقه في نفس الباحث من الرغبة في متابعة الدرس بغية المزيد من التفصيل والتدقيق والتعمق، ثم إنها فوق هذا كله، وقبل هذا كله، تساعد على خلق الوعي المقارن بين الجمهور العريض غير المتخصص في الأدب المقارن، وهو هدف جدير بالتنبه له، والاجتهاد في توفير العوامل التي تؤدي إلى بلوغه؛ إذ ليس بالقليل أن نفكر في الارتفاع بالذوق الأدبي وتوسيع الأفق الثقافي بوجه عام والمقارنة بين ما عندنا وما عند الآخرين لفرز الغث من السمين، والعمل على تنقية ما نملكه وما نفكر في استعارته أو استلهامه من الأوضار والشوائب.

    وها هو ذا الباحث الكوري سي ون تشانج (Se - won chang) يقوم بالمقارنة بين أدبه القومي وأدبنا العربي فيقر بأنهما، وإن تشابهها في بعض النقاط، لم تقم بينهما يومًا أية صلات؛ نظرًا للبعد الجغرافي، واختلاف السياق الثقافي هنا وهناك، وعلى هذا فهو يقترح استعمال المنهج الأمريكي في هذه المقارنة بين الأدبين؛ نظرًا لأنه هو المنهج الذي يصلح لتلك المهمة، يقول في مقال له على المشباك عنوانه: "إمكانية الدراسة المقارنة في الأدبين العربي والكوري: إن "مجال الأدب المقارن أصلًا شاسع وواسع؛ لأنه يمكن أن يتناول أدبين أو أكثر، ولعل مجال الأدب المقارن يتسع أكثر في حالة تناول أدبين ليس بينهما تأثير وتأثر؛ لذلك فنحن مضطرون في هذا البحث إلى اختيار منهجٍ من مناهج الأدب المقارن نراه مناسبًا للدراسة التي سنقوم بها؛ ولذلك أيضًا تم اختيار نماذج محددة من الأدب العربي والأدب الكوري للتطبيق عليهما...

    إن موضوع هذا البحث بالتحديد:
    البحث المقارن في الأدبين العربي والكوري، وستجري المقارنة بين الأدبين بمقابلتهما ببعضهما البعض، واستخراج نقاط التشابه بينهما في الفترة الحديثة، ومحاولة إثبات أن هناك شبهًا بين الأدبين في بعض ما يتميزان به من خصائص، مع أن هذا التشابه بين الأدبين قديم، ولا يقتصر وجوده على الفترة الحديثة، وعليه يمكننا مبدئيًّا القول: إن الأدبين العربي والكوري متشابهان على الرغم من أنهما صورة للآداب غير الأوروبية أولًا، وعلى الرغم من بُعد الشُّقَّة المكانية بينهما، التي يكون من المستحيل معها في تلك الفترة تأثير أحد الأدبين في الآخر ثانيًا، وربما يعود ذلك إلى تجربتهما المتشابهة تحت الاستعمار في العصر الحديث...

    ومنهج البحث المقارن الذي تقوم عليه الدراسة (يقصد دراسته في المقارنة بين الرواية في الأدبين في العصر الحديث) هو المنهج الأمريكي في المقارنة الأدبية لا المنهج الفرنسي، إن المنهج المقارن الفرنسي تجري فيه المقارنة بين الآداب التي يرتبط بعضها ببعض على أساس من العلاقة أو العلاقة الإخضاعية، وبعبارة أخرى: يذهب مؤيدو هذا المنهج إلى أنه يجب أن يكون هناك مؤثر ومتأثر، وناقل ومنقول عنه، حتى تجري عملية المقارنة بين أدبين.

    فإذا لم يكن مثل هذه العلاقة أو التأثير موجودًا فهذا يعني أنه من غير الممكن أن تقام المقابلة بينها، بينما يدرس المنهج المقارن الامريكي أدبين، على الأقل، على أساس من التساوي بينهما، بعيدًا عن علاقة التأثير والتأثر، فيبين نقاط الالتقاء والابتعاد بين المؤلفات، وهذا هو المنهج الذي سنتبعه في الرسالة؛ لعدم وجود علاقات التأثير والتأثر بين الأدبين العربي والكوري، نتيجة عدم وجود اتصال بينهما في تلك الفترة لأسباب جغرافية واجتماعية، على الرغم من تشابههما؛ذلك أن الأدب كان في بداية القرن العشرين مهيأ لوقوع الأدب المحلي الصادق فيه بوصفه أدبًا يحاول الهروب من الغرب وإثبات ذاته، وعلى العموم أصبحت هذه الوجهة هي وجهة التيارات الأدبية المختلفة؛ لذلك ليس من المستغرب أن تتشابه الآداب في العالم في تلك الفترة، ويمكن أن نقول أيضًا: إننا اتبعنا هذا المنهج في الرسالة؛ لأن هذه الرسالة تهدف إلى دراسة أدب العالم المتساوي" (Segero.hufs، ac.kr/ niddleeast).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,830

    افتراضي رد: مفهوم الأدب المقارن

    مفهوم الأدب المقارن (3)
    د. إبراهيم عوض




    بيد أنني أجد لزامًا عليَّ بعد ذلك كله التوضيح بأني لست من أنصار توسيع نطاق الأدب المقارن بحيث يشمل أيضًا المقارنة بين الأدب وغيره من ألوان الإبداع والمعارف طبقًا لما ينادي به رينيه ويليك، وكذلك هـ. هـ. ريماك، الذي يعرفه (حسبما ورد في" Dictionnaire international des Termes Litteraired)" في مادة "Litteraure Comparee/ Comparative literature") على النحو التالي: "The study of literature beyond the confines of one particular country، and the study of the relationships between literature on the one hand and the other areas of Knowledge and belief، such as the arts، philosophy، history، the social sciences، the sciences، religion، etc، on the other hand"، بل أرى في هذا تمييعًا للأمور؛ إذ من الواضح أنه لا يوجد في الواقع تجانس بين هذا اللون من الدراسة والمقارنة بين أدبين مختلفين، إننا في الأدب المقارن ندرس وجوه الاختلاف أو الاتفاق أو الصلة بين أدب وأدب، فلنبقَ داخل دائرة الأدب ولا نوسع الخرق على الراقع، وإلا لم تعد هناك حدود تميز هذا الميدان عن غيره من الميادين، ونحن بطبيعة الحال لا ننكر على أحد أن يدرس ما يشاء، بل كل ما نقوله هو أننا لا نريد تمييع الحدود؛ حتى يكون للأدب المقارن شخصيته مثلما لكل علم آخر من العلوم المتصلة بالأدب وغير الأدب شخصيته الواضحة المحددة، ولا يتحول لمثل مُرقَّعة الدرويش التي تتكون من قصاصات قماش متباينة الألوان والأشكال مخيط بعضها إلى بعض، وعلى هذا فإن مقارنة العقاد والمازني، في شبابهما في عشرينيات القرن البائد مثلًا، بين الشعر وبين الفلسفة والفنون الجميلة، على ما فيها من حساسية فنية وعمق في التحليل وسعة في الأفق، لا تعد في رأيي من الأدب المقارن، على عكس ما حاول د. علي شلش أن يصنفها؛ (انظر كتابه: "الأدب المقارن بين التجربتين الأمريكية والعربية"/ 160 - 161).

    لقد كان الدكتور شلش، بإلماحته إلى العقاد والمازني وغيرهما، يرد على د. كمال أبو ديب في دعواه بأن "محاولات تجاوز تحديد الأدب المقارن بدراسة التأثير والتأثير في الغرب غير موجودة في العربية"، ومع هذا فقد انتقد د. حسام الخطيب (في كتابه: "الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة"، الذي رأى النور بعد صدور كتاب شلش بست سنوات كاملات)، ضآلة الاهتمام بين النقاد العرب بالربط بين الأدب والفنون الأخرى، بما قد يرجح أنه لم يتنبه إليه وإلى ما رد به على بلديِّه الدكتور أبو ديب؛ (انظر د. حسام الخطيب/ الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث/ الدوحة/ 2001م/ 46 - 51)، وقد جاء كلام الدكتور الخطيب في سياق الدعوة إلى انفتاح المقارنين على الفنون والمعارف الأخرى طبقًا لما يدعو به ويليك وريماك في أمريكا، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر فقد يكون من المفيد أن أسجل هنا أنني أصدرت منذ أكثر من سنتين كتابًا بعنوان: "التذوق الأدبي" خصصت فيه فصلاً كاملاً من بضع عشرات من الصفحات للمقابلة بين الأدب والفنون الأخرى من خِيَالة ونحت وتصوير وكاريكاتير وموسيقا وعمارة، سواء من ناحية الوسائل التي يتذرع بها كل من الطرفين في التعبير عما يريد، أو من ناحية قوة التأثير والإمكانات التعبيرية التي يوفرها، ومع هذا لم يخطر ببالي أن أعد ما فعلته من "الأدب المقارن" في شيء، بل لست أجد في نفسي مطاوعة لهذا التصنيف، وأرى من الأوفق وضعه في خانة "التذوق الأدبي" كما عنونته، أو ربما يمكن إدخاله باب "نظرية الأدب" إن كان لا بد من البحث له عن ميدان آخر، وأرى أن د. حسام الخطيب وغيره من المقارنين على حق في قلقهم على مستقبل الأدب المقارن من هذه الناحية؛ إذ ينادي في مقال له بالمشباك عنوانه "الأدب المقارن في عصر العولمة - تساؤلات باتجاه المستقبل" بوجوب "حل مشكلة التسارع في توسع الأدب المقارن من ناحية المقارنة المعرفية مع مختلف الفنون والعلوم إلى درجة اهتزاز بؤرة الارتكاز فيه، وصعوبة حصوله على الاعتراف الفكري والقوة المؤسسية في الإطار المعرفي العام، وينتج عن ذلك عادة تقويم أقسام وبرامج الأدب المقارن مقابل ما تتمتع به الآداب القومية من قوة ومكانة"؛ (انظر المقال على الرابط التالي: www.nizwa.com/ volume35/ p75_81.html).

    هذا، وقد وقف د. الطاهر مكي بشيء من الأناة عند مصطلح "القومية" الذي يدخل في تعريف "الأدب المقارن" في قولنا: إن الأدب المقارن يقوم على المقابلة بين الآداب القومية المختلفة، محاولاً أن يستكشف أبعاد هذا المصطلح وما يمكن أن يثيره من مشكلات، وأطال وأجاد، لكنه في نهاية المطاف ترك الأمر دون حسم، لقد تساءل قائلاً: "ماذا نفهم من مصطلح "أدب قومي"؟ ما الحدود التي إذا تعديناها جاز لنا أن نتحدث عن أدب أجنبي وعن تأثر به أو تأثير فيه؟ هل يقوم التحديد على أسس سياسية وتاريخية أو على أسس لغوية خالصة؟"، ليجيب بأنه "بعد تأمل جادٍّ يمكن القول: إن الاحتمال الثاني أكثر قربًا وأدق منهجية وأسهل تطبيقًا؛ لأن الحدود اللغوية كانت على امتداد التاريخ أكثر ثباتًا وأقل تقلبًا: مدًّا وجزرًا من الحدود السياسية"، ثم ضرب مثالاً من ألمانيا التي كانت كيانًا سياسيًّا واحدًا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم قسمت إلى دولتين بعدها، لكنهما ظلتا مع هذا تتكلمان لغة واحدة، ومن ثم لا يمكن أن نقارن بين أدبهما بمفهوم الأدب المقارن.

    إلا أنه برغم ذلك لم يتوقف عند هذه النتيجة، بل استمر يستعرض أوضاعًا أخرى تختلف عن وضع الألمانيتين: منها مثلًا وضع الجزائريين الذين يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية رغم أنهم ليسوا فرنسيين، ومنها وضع الهنود الذي يكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزًا، ومنها وضع الأدباء الأمريكان، فهم يكتبون أدبهم بالإنجليزية رغم أنهم ليسوا إنجليزًا، وكذلك معظم أدباء أمريكا اللاتينية، فهم يكتبون أدبهم باللغة الإسبانية رغم أنهم ليسوا إسبانًا، ومنها أيضًا وضع الأدباء الكنديين الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية، وهي ليست اللغة الوحيدة التي يتحدثها أو يكتب بها الكنديون، بل تشركها في ذلك اللغة الفرنسية، ومثلهم الأدباء السويسريون، الذين لا يكتبون أدبهم بلغة واحدة، بل بلغات ثلاث، هي الفرنسية والألمانية والإيطالية... وهكذا، وهو يشير هنا إلى أن عددًا من الباحثين الأمريكان يرى أن الأدب الأمريكي والأدب الإنجليزي ليسا أدبًا واحدًا، بل أدبين مختلفين؛ لأننا بصدد أمتين متباينتين ثقافيًّا، ومن ثم أدبيًّا (الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه/ 237 - 241).

    والملاحظ أن د. الطاهر مكي قد بدأ بجعل اللغة هي الفيصل في تحديد الهوية القومية، وهو ما قاله قبلًا د. محمد غنيمي هلال، الذي يؤكد أن "الحدود الأصيلة بين الآداب القومية هي اللغات؛ فالكاتب أو الشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه"؛ (الأدب المقارن/ دار نهضة مصر/ القاهرة/ 1977م/ 15)، وما زال يقول به كذلك المقارنون العرب عمومًا؛ كالدكتور محمد السعيد جمال الدين مثلًا، الذي يقرر ما قرره المرحوم هلال من أن "الحدود الأصلية بين الآداب القومية هي اللغات؛ فالكاتب والشاعر إذا كتب بالعربية عددنا أدبه عربيًّا مهما كان جنسه البشري الذي انحدر منه؛ ولذلك يُعد ما كتبه المؤلفون الفرس الذين دونوا مؤلفاتهم وآثارهم باللغة العربية داخلاً في دائرة الأدب العربي لا الفارسي"؛ (الأدب المقارن - دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي/ ط2/ دار الاتحاد للطباعة/ 1417هـ - 1996م/ 5، ومثل د. هلال ود. مكي ود. جمال الدين في ذلك د. أحمد أبو زيد/ التمهيد الذي كتبه لعدد مجلة "عالم الفكر" الخاص بالأدب المقارن لشهور أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 1980م/ 8)، لكن د. الطاهر مكي قد تركنا رغم ذلك في حيرة من أمرنا، بل ربما في عَماية منه؛ إذ أثار المشكلات السالفة الذكر دون أن يجيب على الأسئلة الشائكة التي طرحها.

    إن الأدباء العرب، على سبيل المثال، الذين يصطنعون في إبداعهم لغة القرآن لا يمثلون، فيما أتصور، أدنى مشكلة في تطابق اللغة والقومية، فنحن كلنا ندين بدين واحد، ونصطنع لغة واحدة في كتابتنا وفي حياتنا اليومية على السواء، بل إن الأقليات التي لها لغة أخرى إلى جانب العربية تتكلم هي أيضًا لغة يعرب، فضلًا عن أن التاريخ القريب والبعيد واحد أو متشابه على الأقل.

    وبالمثل، فإن العادات والتقاليد هي أيضًا واحدة، وإن لم يكن من أجل شيء فمن أجل أنها في معظمها مستمدة من الإسلام، كما أننا نعيش في منطقة واحدة متلاصقين لا متقاربين فقط، إلى جانب أننا جميعًا نتطلع إلى أن تقوم بيننا في يوم من الأيام وحدة تجمعنا وتقوينا وتكفل لنا الاحترام الدولي مثلما كان الحال من قبل حين كانت هناك دولة واحدة، أو عدة دول تخضع (ولو خضوعًا اسميًّا) لخليفة واحد، وفوق كل ذلك فإن الإسلام الذين ندين به يدعونا ويلحف في الدعاء إلى أن نعتصم بالتعاون والتساند والتواصل والأخوة الدينية، وأن نبتعد عن أي شيء يمكن أن يهدد هذه الوحدة أو يلحق بها الضرر، ونحن - بحمد الله - ما زلنا نستمسك بديننا رغم وجود أقلية دينية هنا أو جماعة تختلف في اتجاهاتها الفكرية أو السياسية عن التيار العام الهادر هناك، مما لا يمكن أن يخلو منه أي بلد؛ لأن النقاء مستحيل، وبخاصة في هذا العصر الذي زاد فيه تجاور الاتجاهات الثقافية وتعايش الديانات داخل حدود الوطن الواحد.

    هذا عن الأدباء العرب الذين يعيشون في الوطن العربي ويبدعون أدبهم باللغة العربية، لكن ماذا عن العرب الذين يعيشون في أمريكا مثلًا ويكتبون أدبهم باللغة الإنجليزية، أو في فرنسا ويكتبون أدبهم باللغة الفرنسية؟ وماذا عن الكرد الذين يعيشون في العراق مثلًا ويبدعون أدبهم باللغة الكردية، أو البربر الذين يعيشون في بلاد المغرب العربي ويكتبون أدبهم بالأمازيغية؟ وماذا عن الفُرس الذين يكتبون أدبهم باللغة العربية؟ إن المسألة في كل حالة من هذه الحالات تحتاج إلى تأنٍّ في التحليل، ومرونة في التفكير، وربما لم نصل بعد ذلك كله إلى حلٍّ مُرْضٍ؛ إذ دائمًا ما توجد على الحدود الفاصلة بين المفاهيم والمبادئ حالات تشكل علامة استفهام وقلق، ولا يصل الباحث بشأنها إلى شيء حاسم.

    فأما في حالة الكُرد الذين يكتبون أدبهم باللغة الكردية فأرى أن يطلق على ما يكتبون: "الأدب الكردي"؛ حيث تتطابق في حالتهم اللغة والعرق، ومثلهم في ذلك البربر الذين يكتبون أدبهم بالأمازيعية، فيسمى هذا الأدب بـ: "الأدب الأمازيغي"، لكن الأمر يختلف في حالة العرب الذين يعيشون في فرنسا ويصطنعون لأدبهم الفرنسية، ولكنهم لا يكتبون إلا عن بلادهم الأولى ومشاكل المجتمعات التي وفدوا منها، ولا ينتمون إلى القومية الفرنسية، ولا يشعرون من الناحية السياسية أنهم فرنسيون، حتى لو تجنسوا بالفرنسية.

    والدليل على هذا أن أعمالهم إنما تتناول أوطانهم وأوضاع شعوبهم التي نزحوا منها، سواء كان ذلك النزوح نزوحًا أبديًّا أو مؤقتًا، إن العبرة هنا بمضمون الأدب ورُوحه وطَعْمه وتوجهاته واهتماماته، وعلى هذا نقول عن ذلك اللون من الكتابة: إنه "أدب عربي مكتوب بالفرنسية"، وهذا الأدب يمكن أن يكون محل دراسةٍ مقارنةٍ مع الأدب الفرنسي، ولكن من ناحية أخرى هدفها التعرف إلى مدى اختلاف أسلوب الكاتب عن الأسلوب الفرنسي الأصيل أو اتفاقه معه في نكهته ومفرداته وتراكيبه وعباراته وصوره، ومثله ما يكتبه الأدباء الهنود أو أدباء جنوب إفريقيا في بلادهم بالإنجليزية؛ إذ إن أعمالهم في هذه الحالة إنما ترتبط ببلادهم ومجتمعاتها وتاريخها وتطلعاتها ومشاكلها وعاداتها وتقاليدها وأديانها وحياتها اليومية، لا ببلاد جون بول، ولكن إذا كان الأديب من هذا النوع يعيش في فرنسا مثلًا أو بريطانيا واندمج اندماجًا تامًّا في الوسط الجديد، وأضحى يعتنق ما يعتنقه أصحاب ذلك الوسط، ويردد آراءهم، ويتخذ مواقفهم، وينطلق من رؤيتهم الحضارية والقومية، وينصبغ بصبغتهم الاجتماعية، ونسي وطنه وقوميته القديمة، ولم يعد يهتم بمشكلات الأمة التي كان ينتسب إليها من قبل.... إلخ - فعندئذ فالمنطق يقتضي إلحاقه بالأدب الذي يصطنع لغته إذًا.

    أما أمريكا، التي يُدرَس أدبها عادة على أنه جزء من الأدب الإنجليزي، فهناك من باحثيها، كما رأينا، من يناضل ضد الفكرة القائلة بأن ما يكتبه الأمريكان والإنجليز هو أدب واحد؛ "لأننا بصدد أمَّتين متباينتين، سلكتا منذ القرن التاسع عشر طريقًا ثقافيًّا، وبالتالي: أدبيًّا، متباعدًا تمامًا، ويرون أن إنتاجهما الأدبي يدخل في مجال الأدب المقارن على الرغم من أنهما مكتوبان في اللغة نفسها"؛ (د. الطاهر مكي/ الأدب المقارن - أصوله وتطوره ومناهجه/ 240)، ولا شك أن أمامنا في هذه الحالة قوميتين مختلفتين لا تتطلعان إلى قيام وحدة بينهما، إن لم يكن بسبب أي شيء آخر فبسبب المسافة الشاسعة التي تفصل بين الشعبين، كما أن بينهما تاريخًا من الصراع والحروب، فضلًا عن الاختلاف في مضمون الأدبين وروحيهما واهتمامات كل منهما وطعمه، مما عليه المعوَّل الأكبر في مثل هذا التمييز كما قلنا من قبل، ومِثْلُ أمريكا في ذلك الأمرِ القارةُ الأسترالية، باختصار نخرج من هذا بأنه في حالة تطابق اللغة والقومية أو الوطن لدى الأديب فحينئذ فلا مشكلة، أما إذا كان ثمة تعارض فالعبرة بالشعور القومي للكاتب واتجاهاته وهمومه وبمضمون العمل الإبداعي وروحه، لكن هل تراني قلت الكلمة الفصل في هذا السبيل؟ لا أظن، بل هي مجرد وجهة نظر ينبغي أن تدرس وتحلل وتُبدَى فيها الآراء، وهذا كل ما أستطيع أن أقوله، ولا أزيد.

    كذلك أثار د. محمد السعيد جمال الدين نقطة جديرة بالتأمل والبحث؛ إذ يرى أن نشوء علم "الأدب المقارن" في القرن التاسع عشر يعد مفارقة تستوقف النظر: "والحق أننا نعجب لنشأة هذا العلم في أوربا في وقت سادتها روح العصبية القومية ونشبت الحروب بين دولها، وكان التنازع والتكالب على اكتساب المغانم الاستعمارية على أشُدِّه بينها، مما عمق فكرة الأثرة القومية والعصبية المقيتة في نفوس الشعوب الأوربية، وأخذ كل واحد من هذه الشعوب ينظر إلى الآخر نظرة العداء والازدراء، ووجه العجب هنا أن طبيعة الأدب المقارن لا تتفق مطلقًا مع روح التعصب والأثرة القومية؛ فهو يقف في الوسط ليرصد التيارات الفكرية المتبادلة بين الآداب المختلفة، ويرقب عوامل التأثير والتأثر فيما بينها، فكيف يتسنى لهذا العلم أن يقوم بمهمته هذه في ظل جو مشبع بعوامل الاستعلاء والتميز القومي؟... كيف يمكن لهذا العلم أن يُعنَى بدراسة نقاط الالتقاء بين الآداب والسمات المشتركة بينها في وقت كان همُّ كل أمة من هذه الأمم الأوربية منحصرًا في بيان أوجه الاختلاف والتعارض بين أدبها وآداب غيرها، وفي أن أدبها هو الأكثر كمالًا وفضلًا؟ لقد كان المزاج الأوربي الذي ساد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مشبعًا بأسباب التنافر والتباعد، لا بمظاهر التآزر والتقارب، حقًّا لقد كانت هناك نقط التقاء توحد بين الأدباء الأوربيين في ذلك الوقت؛ إذ كانوا جميعًا يرون في شعراء اليونان واللاتين القدماء مثَلهم الأعلى الذي يتعين عليهم أن يحتذوه، إلا أن روح القومية التي سادت في ذلك الوقت كانت تعصف بكل رغبة في التسليم بتبادل التأثير بين الآداب الأوربية بعضها وبعض.

    لكن ظهرت في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حركة نادت بـ: "الأدب المقارن"، حيث تتجمع الآداب المختلفة كلها في أدب عالمي واحد يبدو وكأنه نهر يرفده كل أدب من الآداب القومية بأسمى ما لديه من نتاج إبداعي وقيم إنسانية وفنية، وكان زعيم هذا الاتجاه الشاعر الألماني جوته (1749 - 1832م)، الذي عد نفسه نموذجًا تتجمع فيه صفة العالمية؛ فلقد كان مطلعًا على الآداب الأوربية متمثلًا قيمها واتجاهاتها، ومد بصره إلى خارج الحدود الأوربية الضيقة المضطربة، فوجد في الآداب الشرقية الإسلامية عاملاً رحبًا لانهائيًّا من الطُّهر والطمأنينة، بدا له وكأنه قبس من نور النبوة، كما وجد منبعًا صافيًا من الإبداع والإلهام المتجدد، عبَّر عنه بوضوح في ديوان سماه: "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" كتب في مقدمته: "هذه باقة من القصائد يرسلها الغرب إلى الشرق، ويتبين من هذا الديوان أن الغرب قد ضاق بروحانيته الضعيفة الباردة، فتطلع إلى الاقتباس من صدر الشرق".

    ولقد استطاع جوته بثقافته العميقة الواسعة ومكانته البارزة وقدرته الفذة على الإبداع أن يجعل فكرة التواصل بين الآداب الأوربية خاصة، والآداب كلها بعامة، تستقر في الأذهان، وتصبح من الأمور المسلمة التي لا تقبل الجدل على الرغم من طغيان العصبية القومية في أوربا... وهكذا بدت دعوة "الأدب العالمي" وكأنها كانت بمثابة تمهيد طبعي لنشوء فكرة "الأدب المقارن"... "(د. محمد السعيد جمال الدين/ الأدب المقارن - دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي/ ط2/ دار الاتحاد للطباعة/ 1417هـ - 1996م/ 7 - 11).

    والواقع أنه لا ينبغي أن يكون ثمة عجب ولا يحزنون؛ إذ مَن قال: إن "الأدب المقارن" قد نشأ وهدفه التقريب بين الشعوب والأمم على أساس من روح الأخوة؟ إن هناك فرقًا كبيرًا بين رغبة بعض العلماء والمفكرين في أن يؤدي الأدب المقارن إلى نشوء هذه الروح وبين استجابة النفوس البشرية التي تمارسه وتشتغل (أو على الأقل: تهم) به لهذه الروح؛ ذلك أنه كان هناك دائمًا، وسيظل هناك دائمًا، فجوة بين المثال والواقع، كبرت هذه الفجوة أم صغرت، فهذه هي طبيعة "الطبيعة البشرية"، وعلى أية حال فهناك عوامل أخرى للأدب المقارن كانت وما زالت وراء الاهتمام بهذا الفرع من فروع البحث: منها إرضاء الفضول البشري الذي يريد أن يعرف من أين جاء هذا العنصر أو ذاك إلى ذاك الأدب أو هذا، وإلى أين يمكن أن يذهب بعد ذلك.

    ومنها أيضًا الرغبة الفطرية في المقارنة بين المتشابهات والمتخالفات في أي شيئين من جنس واحد، إن لم يكن من أجل شيء، فمن أجل إرضاء النزعة العقلية المقارنية التي لا تهدأ عند بعض الناس إلا إذا اشتغلت، ولا ترتاح إذا بقيت خاملة لا وظيفة لها، ثم هم، بعد هذا كله، لا يمكنهم أن ينسوا قوميتهم ولا حبهم لبلادهم وشعوبهم، ولا إيثارهم لحضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم وأذواقهم وفنونهم وآدابهم، وبخاصة إذا كانوا ينمتون إلى أمم قوية تتطلع إلى جر الأمم الأخرى وراءها كأنها القاطرة وعرباتها، ولا تريد لأحد أن يخالف عن رأيها، ولا أن يكون له ذوق يتميز عن ذوقها، بله يمتاز عليه، أما الكلام والتشدق به فما أسهله! لكن الكلام وحده لا يجعل الأمنيات حقيقة واقعة محترمة من الجميع! وإذا كانت الطبيعة البشرية لم يستعص عليها أن تتلاعب بالدين ذاته وأن تحوله إلى أداة للتكسب والخداع والقتل والتدمير في كثير من الأحيان، أفنظن أن الأدب المقارن سوف يصمد أمامها ويكون عندها أقدس وأجل وأكثر تبجيلاً؟!

    وفي كلام رينيه ويليك التالي ما يؤكد ما قلته؛ فقد ذكر أنه، وإن كان ظهور الأدب المقارن قد جاء رد فعل ضد القومية الضيقة التي ميزت الكثير من بحوث القرن التاسع عشر احتجاجًا ضد الانعزالية لدى الكثير من مؤرخي الآداب الأوربية، فضلًا عن تصدر التبحر في هذا العلم من بعض العلماء الذين يقعون على مفترق الطرق بين الشعوب أو على الحدود بين شعبين على الأقل؛ أي: ينتمون مثلًا لأبوين من بلدين أوربيين مختلفين - فإن "هذه الرغبة الأصيلة في أن يعمل دارس الأدب المقارن كوسيط بين الشعوب وكمصلح لذات بينها غالبًا ما طمسته وشوهته المشاعر القومية الملتهبة التي سادت في تلك الفترة وفي ذلك الموقع... (و) هذا الدافع الوطني في أساسه، الذي يكمن خلف العديد من دراسات الأدب المقارن في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها أدى إلى نظام غريب من مسك الدفاتر الثقافية، وإلى الرغبة في تنمية مدخرات أمة الباحث عن طريق إثبات أكبر عدد ممكن من التأثيرات التي أثرتها أمته على الشعوب الأخرى، أو عن طريق إثبات أن أمة الكاتب قد هضمت أعمال أحد العظماء الغرباء، وفهمته أكثر من أي أمة أخرى"... ثم مضى ويليك فأعطانا أمثلة على هذا التعصب القومي من واقع الدراسات الأدبية المقارنة في فرنسا وأمريكا؛ (رينيه ويليك/ مفاهيم نقدية/ ترجمة د. محمد عصفور/ 366 - 396).

    خلاصة القول: إن الشعارات واللافتات المرفوعة، أو حتى العوامل والبواعث التي تكمن وراء نشوء عمل ما شيء، والواقع الذي ينتهي إليه هذا العمل أو يساق نحوه سوقًا شيء آخر، باختصار: الطبيعة البشرية هي هي الطبيعة البشرية، ولا أحسبها ستتغير في المستقبل حتى لو دخلت تطورات جذرية على التكوين البيولوجي للإنسان، كما يلمح بعض العلماء الآن، اعتمادًا على ما يظنونه أو يرجونه من إمكانات التناسخ البشري، وهل تغير الأوربيون فصاروا أكثر تواضعًا ورحمة ورحابة أفق حضاري وثقافي، وهم الذين بلوروا "الأدب المقارن"، ومارسوه حتى الآن على مدار عشرات السنين، ورفعوا لواء العالمية والكوكبية، وما أدراك من هذا الكلام الكبير، الذي حين نأتي إلى الواقع فإننا لا نرى منه شيئًا؟ إنهم لا يريدون أن يروا إلا ثقافتهم وأذواقهم ونظمهم، وبخاصة أمريكا، التي لا تعرف في فرض رؤيتها على الآخرين إلا الدمار والقتل والسلاح النووي! فليقل الغربيون أو غيرهم ما شاؤوا، فليس على الكلام من حرج، لكن المهم هو التنفيذ على أرض الواقع والحقيقة، والأدب المقارن ما هو إلا علم من العلوم، يمكن أن يستغل استغلالاً حسنًا، ويمكن أيضًا أن يستغل استغلالاً سيئًا، والعبرة بالنية والإرادة عند ممارسيه، مع ملاحظة أننا مهما بذلنا من جهد في سبيل التخلص من الأنانية القومية، فلن ننجح تمام النجاح، مثلما لن ننجح إذا ذهبنا نحاول التخلص تمامًا من أنانيتنا الفردية الشخصية، وحسبنا أن نخفف من غلوائها، ونكفكف من شططها، فلا يجيء التعصب ظالِمًا لا يحتمل، وهذا هو محمد أركون نفسه، على رغم كل تحمسه لما عند الغربيين، يقرر أن "تدريس الأدب المقارن في الجامعات الأوروبية لا يتعرض لدراسة الأدب العربي والإيراني وغيرهما، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالفلسفة التي ازدهرت في السياق الإسلامي بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلادي، فإن أحدًا لا يهتم بها في الغرب، والعلوم الاجتماعية المختصة بدراسة الأديان لا تزال مستمرة في تجاهلها للإسلام، أو تخصص له مكانة ضئيلة وهامشية"؛ انظر، في موقع "المعرفة" على المشباك، عرض إبراهيم غرابية لكتاب محمد أركون: "الإسلام، أوروبا، الغرب - رهانات المعنى وإرادات الهيمنة")، وهو ما يرينا على نحو أو آخر أن الظن بأن طبيعة الأدب المقارن من شأنها القضاء التلقائي على التعصب القومي أو الديني هو ظن لا يقوم على أساس.

    بالتأكيد سوف يساعدنا الأدب المقارن على مزيد من فهم بعضنا بعضًا، لكنه لن ينجح في قلع ما غرس في أغوار نفوسنا العميقة منذ أول الخلق، إن الغربيين بوجه عام، بحسب الرطانة الجديدة، لا يريدون "مثاقفة" بينهم وبين الآخرين، بل يريدون في أقل القليل غزوهم ثقافيًّا، ولعل من الخير الاستعانة بالفقرة التالية، وهي من مقال على المشباك للدكتور مسعود عشوش بعنوان: "المثاقفة أبرز آليات حوار الحضارات" في موقعه: "يمنتا yemenitta"، لتوضيح ما أقصد قوله: "في الأصل المثاقفة هي عملية التغيير أو التطور الثقافي الذي يطرأ حين تدخل جماعات من الناس أو شعوب بأكملها تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال وتفاعل يترتب عليهما حدوث تغيرات في الأنماط الثقافية الأصلية السائدة في الجماعات كلها أو بعضها.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,830

    افتراضي رد: مفهوم الأدب المقارن

    مفهوم الأدب المقارن (4)
    د. إبراهيم عوض





    .. والمثاقفة، بعكس الغزو الثقافي الذي يتضمن في طياته الرغبة في محو الآخر وإلحاقه وفرض التبعية عليه ومعاملته بنظرة فوقية عدوانية متغطرسة، تقوم على الندية والاحترام والتسامح والاعتراف بخصوصية الآخر واختلافه، وفي إطارها تتفاعل الجماعات والشعوب، ويواصل بهدف الاغتناء المتبادل؛ لهذا فهي تفترض الثقة والرغبة في التواصل والتقدم والتطور واكتساب العلم والمعرفة، وإذا كانت الشعوب تسعى سعيًا تجاه المثاقفة فهي ترفض أشكال الغزو الثقافي كافة، وقد عبر المهاتما غاندي عن ذلك قائلًا: "إنني أفتح نوافذي للشمس والريح، ولكنني أتحدى أية ريح أن تقتلعني من جذوري"؛ لهذا فالمثاقفة في هذا المعنى تعد رافدًا مهمًّا، تسعى كل أمةٍ من خلاله إلى معرفة الآخر، واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكلٍ خلاق وغير مضرٍّ بمقومات الهوية والقومية وثوابتها".

    ولعل ما كتبه شاهو سعيد عن دور الأدب المقارن في حوار الحضارات أن يكون أقرب إلى واقع الأمر، سواء فيما يتعلق بالطبيعة البشرية أو بقدرات ذلك الفرع من فروع المعرفة، قال في بحث له على المشباك بعنوان: "الأدب المقارن ومساهمته في حوار الثقافات": "كلما اتجهت الأنظار نحو عالمية الأدب والثقافة الإنسانية، أو ما يسمى بـ: "حوار الحضارات والتفاعل بين الهويات الثقافية المختلفة"، برزت أهمية الأدب المقارن باعتباره جسرًا من جسور ذلك التفاعل، من هذا المنطلق نحاول في هذا البحث إلقاء الضوء على الدور الذي يمكن أن يضطلع به الأدب المقارن، خصوصًا في عصرنا الراهن الذي بدأت فيه المعرفة الإنسانية تدخل مرحلة من الاندماج العالمي الأعمق بفضل الشبكات الكونية للاتصالات والإعلام، والعلاقات الاقتصادية، والتفاعلات الحضارية والاجتماعية بين الشعوب والثقافات، التي تندرج في بعض الجوانب ضمن ظاهرة العولمة وآثارها على المستويات المختلفة.

    ولكن قبل التطرق إلى هذه القضية نحاول أن نقف بشكل سريع عند جوهر الرسالة الإنسانية التي وُلد الأدب المقارن في الأصل من أجل أدائها، والذي أدى إلى بروز تساؤلات حول الوجه العالمي للإبداعات الأدبية المنصبة في خدمة الإنسانية جمعاء، وتوثيق أواصر الحوار المشترك بين شعوبها وثقافاتها"، الأمر إذًا لا يخرج عن دائرة الاحتمال والإمكان، وهو ما يعني أن الأدب المقارن قد ينجح في الوصول إلى الغاية المبتغاة منه، وقد يفشل كما قلنا سابقًا.

    ومن هنا نجد الكاتب في نهاية مقاله يعود لطرح القضية من خلال السؤال التالي: "ما هدف الدراسة في الأدب المقارن؟"، ثم يتابع قائلاً: "للإجابة عن هذا السؤال نقترح جملة من المهام التي يمكن أن يضطلع بها الأدب المقارن في العصر الراهن، وذلك في مجالات عدة يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو الآتي:
    1 - الحوار: يمكن للأدب المقارن أن يمثل جسرًا للحوار بين الثقافات المختلفة من خلال إيجاد مواطن التأثير والتأثر بين النصوص الإبداعية لتلك الثقافات، وتشخيص نقاط الاختلاف والائتلاف بين الأنظمة الثقافية والأدبية المختلفة.

    2 - التركيز على البُعد الإنساني للأدب: وذلك من خلال إبراز التقارب بين الغايات القصوى التي ترمي إليها الآداب القومية المختلفة، والتي قد تتباين من حيث وسائل التعبير واللغة، لكنها تتآلف من حيث الغاية.

    3 - الترجمة: إذ يرى العديد من الباحثين أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين مستقبل الأدب المقارن وازدهار الترجمة في العديد من بقاع العالم؛ فدراسات الترجمة تنبع من الدراسات اللغوية والأدبية والتاريخية والأنثروبولوجية والنفسية والاجتماعية والعرقية وغيرها، ودراسات الترجمة تقوم على افتراض أساسي، وهو أن الترجمة ليست نشاطًا هامشيًّا، ولكنها كانت وما تزال قوة تغيير قادرة على تشكيل تاريخ الثقافة، لقد اعتبر الأدب المقارن الترجمة فرعًا صغيرًا من فروعه، ولكن هذا الافتراض يثير الآن تساؤلات كثيرة؛ لأن ما قام به بعض العلماء يوضح...أن الترجمة تكون على درجة كبيرة من الأهمية في أوقات التحولات الثقافية العظيمة، كما أن الترجمة تعد عملية بحث دائم عن الجوانب اللغوية والدلالية بين لغتين أو أكثر لتحديد الارتباطات اللغوية بين النتاجات المختلفة، وبالتالي يمكن للترجمة أن تجد الأواصر المشتركة بين اللغات المختلفة التي قد تبدو متباينة من حيث النطق وقواعد اللغة، لكنها تشترك في تجسيد الحالات النفسية والاجتماعية التي تنبع من أحاسيس ومشاعر إنسانية مشتركة.

    4 - التكافؤ الثقافي: ويتحقق من خلال ردم الهوة بين الثقافات المتباينة، ورفع الغَبْن التاريخي الذي لحق ببعض الثقافات؛ لأن التاريخ لم يشهد تساويًا وتكافؤًا كاملًا في مستوى تطور الحضارات، بل جعل ثقافات بعض الشعوب ثقافات مهيمنة ومسيطرة، فيما جعل بعض الثقافات ثقافات مقلدة أو مهمشة، فإن مهمة الأدب المقارن هي خلق حالة من التوازن والتكافؤ بين الآداب والثقافات المختلفة".

    وليس بيننا وبين الكاتب بشأن هذا الكلام اختلاف يذكر ما دام الأمر، كما يرى القارئ، لا يخرج عن دائرة الممكن والمحتمل، وهو ما قلناه مبكرًا، وهذه النقطة من الأهمية بمكان؛ كيلا نعلق على الأدب المقارن كثيرًا من الآمال الجامحة التي ينتهي الإخفاق في تحقيقها إلى الإحباط واليأس، ناهيك عن الجهود الكثيرة التي تكون قد ضاعت على الفاضي، ومن ثم فالحصافة تقتضي أن نكون واقعيين، فلا نحلِّق في سموات الخيال والأوهام، ولقد ظل الغرب يدرسنا ويدرس حضارتنا مئات السنين، وأصبح يعرف عنا كل شيء، وبطريقة منهجية، فهل ساعد ذلك على أن تكون علاقته بنا طيبة واحترامه لخصوصيتنا كبيرًا؟ بالعكس، فقد ظل أيضًا طوال تلك الفترة يمارس علينا مؤامراته الخبيثة، ويعمل بكل السبل على تحقير ثقافتنا، ويدَّعي علينا وعلى كل ما يتصل بنا الادعاءات، ويحاول بجميع قواه إفقادنا ثقتنا بأنفسنا وبماضينا وحاضرنا كله، ولو كانت معرفة الآخر معينة بالضرورة على التفاهم السليم واحترام تراثه وخصوصيته لكان حظنا مع الغرب أفضل من ذلك كثيرًا، أما ونحن نحترق منذ قرون بناره وكيده اللئيم وعدوانه الوحشي الذي لا يعرف هوادة ولا خجلاً، فلنعرف جيدًا أن الأدب المقارن ليس من شأنه أن يصلح الأحوال ضربة لازب، بل يعتمد الأمر على النية والإرادة، كما سبق أن وضحت، ولقد كانت نية الغرب من وراء هذه المعرفة سيئة منذ البداية؛ إذ دخل هذا الميدان وهدفه البغي والعدوان، وإن لم يمنع هذا من وجود شرفاء فيه ذوي ضمائر حية وإنسانية راقية، بيد أننا حين نتكلم هنا عن الغرب فالمقصود هو الاتجاه العام بين شعوبه وأفراده، وبخاصة بين الساسة والمثقفين الذين يعاونون أولئك الساسة، ويجعلون علمهم في خدمة مخططاتهم، وكذلك الجماهير التي تأتي بهم إلى سدة الحكم، وتصوت لهم وتضع يدها في أيديهم لبلوغ تلك الغايات الأثيمة.

    ولكي يكون القارئ على بينة مما نقول، فإننا ننقل له هنا الفقرة التالية من مقال د. سامية عبدالعزيز أستاذة الحضارة الفرنسية بآداب المنوفية سابقًا، وهو موجود على المشباك، وعنوانه: "الديني والسياسي في التعامل الغربي مع القرآن - رؤية شاملة"، وهذه هي الفقرة المذكورة: "يقول الكاتب جان بودريار (J، baudrillard) في كتابه المعنون: "قوى الجحيم" الصادر في أواخر أكتوبر 2002م: "إن ما يدور حاليًّا هو أكثر من عنف، إنه احتدام العنف، إنه عنف يتزايد كالعدوى في سلسلة من ردود الأفعال التي تهزم كل الحصانات وكل إمكانات المقاومة...لأن الإسلام هو النقيض الحيوي للقيم الغربية؛ ولذلك فهو يمثل العدو رقم واحد...وفيما يتعلق بالتعصب الديني المسيحي فإن كل الأشكال المخالفة له تعد هرطقة، وبذلك فيتعين عليها إما أن تدخل النظام العالمي الجديد طواعية أو قهرًا، أو عليها أن تختفي، إن مهمة الغرب الآن هي أن يتم إخضاع الثقافات المختلفة بشتى الوسائل إلى القانون الوحشي المسمى: التساوي...فالهدف هو التقليل من المناطق المنشقة، واستبعاد كل المساحات المعترضة، سواء أكانت مساحات جغرافية أم مساحات في المجال العقائدي"، ويؤكد سيرج لاتوش (Serge Latouche) في كتابه حول "تغريب العالم" قائلاً: "إن سيطرة الغرب لم تتمثل فقط في فرض الاستعمار، وإنما في التبشير والسيطرة على السوق، والاستيلاء على المواد الخام، والبحث عن أراضٍ جديدة، والحصول على أيادٍ عاملة رخيصة، واقتلاع الهوية التراثية الدينية، والقيام بالغرس الثقافي الخاص بالغزاة، مستعينين بشتى وسائل الإعلام وغيره...إن عملية تغريب العالم هي أولاً وأخيرًا عبارة عن حرب صليبية، والحروب الصليبية هي أكثر العمليات جنونًا في كل ما قام به البشر، إن عملية تغريب العالم كانت ولا تزال عمليةَ تنصيرٍ، ومعظم عمليات التنمية في العالم الثالث تتم مباشرة أو بصورة غير مباشرة تحت علامة الصليب"...".

    ولا بد لمن يكتب في مجال الأدب المقارن من استكمال الأداة، ألا وهي الإحاطة بكل ما من شأنه أن ينجح عمله، وأول شيء في ذلك فهمُ النصوص وتذوقها جيدًا، والمقدرة على الموازنة بينها، وإدراك النقاط التي ينبغي أن يقف عندها للقيام بالمقارنة المطلوبة...إلخ، لكن كيف ذلك؟ أولاً بمعرفة اللغة التي كتبت بها النصوص المراد مقارنتها: فأما بالنسبة للغة القومية فأمرها مفهوم؛ إذ لا يعقل ألا يعرف المقارن لغةَ أمته، لكن المشكلة في لغات النصوص التي على الجانب الآخر، وقد رأينا كيف أن الدكتور البطل قد أخطأ الترجمة، فأخطأ فهم النص، وترتب على ذلك أشياءُ ذكرناها فيما مضى، ولو كان حسناً للترجمة لما كان ما كان!

    فلا بد إذًا من إتقان اللغة الأجنبية التي كتب بها النص الأجنبي إذا أراد المقارن أن يغوض بنفسه في أعماق النص، ويعرف خباياه، قد يقال: إن من الممكن أن يعتمد المقارن على النصوص المترجمة إلى لغته القومية، والواقع أن هذا ممكن، على الأقل من الناحية النظرية، لكن بشرط أن يتأكد المقارن أن المترجم قد أحسَن الترجمة ولم يترك في النص المترجم شيئًا لم ينقله إلى اللغة المحلية، فهل هذا ممكن؟ أعتقد أنْ لا، وحتى لو تأكدنا أن المترجم قد أحسن الترجمة إلى أقصى حد، فتبقى هناك جوانب في العمل الأدبي لا يمكن النظر فيها من خلال الترجمة، وهي الأمور المتعلقة بلغة النص وبلاغته وأسلوبه، مما لا ينتقل عبر الترجمة أبدًا؛ إذ الترجمة إنما تنقل الفكرة والمضمون، وقد تنقل أيضًا شيئًا من جو العمل، أما مسائل اللغة والأسلوب والبلاغة وما إلى هذا، فليس من سبيل للاحتكاك بها إلا في النص الأصلي، وذلك من خلال إتقان لغة ذلك النص، ثم إن من يعتمدون على الترجمة سوف يقتصرون على ما ترجم من الأعمال الأدبية فقط، لا يتعدَّوْنه إلى غيره، بخلاف من يعرف لغة أجنبية فإن فضاءها العريض يكون مفتوحًا أمامه يحلق فيه كما يحلو له، وهذه مَيزة ليست بالقليلة.

    مثلًا كيف كان لي أو لغيري أن نتحقق من التهمة التي اتُّهِمَ بها د. محمد مندور حين قيل: إنه قد سرق كتابه "نماذج بشرية" أو بعضًا من فصوله على الأقل من كتاب الكاتب الفرنسي جان كالفيه ما لم نرجع إلى الأصل الفرنسي ما دام هذا الأصل لم يترجم إلى العربية؟ وهكذا لم يكن أمامي أن أفعل إلا أن أرجع بنفسي إلى الأصل الفرنسي لأتبين مدى صحة هذه التهمة أو زيفها، فوجدت أنه قد أخذ فعلاً بعض فصوله بلا أدنى جدال أو ريب من كالفيه حسبما وضحت ذلك بالنصوص الفرنسية وترجمتها العربية، ووضع هذا وذاك بإزاء الفصول المندورية، وبذلك حسمت المسألة؛ ولهذا لم يرُدَّ أحد على ما كُتِبَ رغم ضيق صدور كثيرة بهذا الذي كتب، وقد رأينا أن الدكتور البطل لم يحسن الترجمة كما ينبغي، ومن ثم تساءلت قائلاً: أوَيمكن من يؤدي الترجمة على هذا النحو أن يقوم القصيدة، ثم لا يكتفي بهذا بل يقارن أيضًا بينها وبين أشعار السياب، ثم مرة أخرى لا يكتفي بهذا بل يقوم الشاعرة الإنجليزية ونظيرها العراقي ويحكم بأن صورها وفنها (فنها كله لا في تلك القصيدة فقط!) أفضل كثيرًا من صوره هو وفنه؟

    وهذا يقودنا إلى عنصر آخر من العناصر التي يستكمل المقارن بها أداته حتى يكون على مستوى المهمة التي انتدب نفسه لها، وهو الإحاطة بقدر الإمكان بكل ما يتعلق بموضوع المقارنة: سواء النص العربي (في حالتنا نحن العرب) أو النص الأجنبي، وقد رأينا مثلًا كيف أن الدكتور البطل قد فاته أن يبحث عن معنى "Vides" وترجمها على أنها تعني "السقوط"، ولا أعرف السبب في ذلك، لقد بذل الدكتور جهدًا طيبًا للتعريف ببعض القضايا المتصلة بقصيدة سيتويل، كما هو الحال في حديثها عن الحيوانات البائدة، والبرودة والحرارة، وشخصية لعازر مثلًا، وهذا مما يحمد له، فكنت أحب لو بذل في النقطة التي نتحدث عنها مثل هذا الجهد، ولكنه لسبب ما لم يفعل، وهو غريب؛ إذ كانت تلك النقطة على مدِّ ذراعه لو فرده وتيقظت حواسه قليلاً، وأنكى من ذلك أنه، كما أشرت، لم يتلجلج فيما قال، رغم وضوح بُعده عن الصواب.

    إن واجب المقارن الأدبي أن يتسلح بكل ما تحتاجه عملية المقارنة، وهذه العملية من الغنى والتعقيد بحيث تكون في بعض الحالات على الأقل بحاجة إلى بعض الإلمام من العلوم وإتقان بعضها الآخر.

    ومعروف أن جزءًا كبيرًا من مهمة المقارن الأدبي يقوم على لمح العناصر المنقولة من أحد الآداب إلى أدب آخر، بل إن من المقارنين (كما سبق القول) من يرون أن هذه هي كل المهمة التي يقوم بها الأدب المقارن لا يتعداها، والواقع أن هذه المنطقة هي منطقة تلاقٍ بين ما يسمى في النقد الحديث بـ: "التناص" وبين الأدب المقارن؛ إذ التناص هو تداخل النصوص الأدبية بعضها في بعض، ذلك أن الأديب عندما يبدع شيئًا فإنه لا يأتي به من فراغ، مثلما أن الجسم البشري مثلًا حين يتكون وينمو فإنه لا ينشأ ولا يكبر من لا شيء، بل هو مأخوذ من جسم الأم ومواد طبيعية كانت موجودة من قبل، ثم ركب هذا كله على نحو جديد وأعطي روحًا جديدة لم يكن لها وجود من قبل، إن الأديب حين يبدع شيئًا فإنه لا يفعل هذا إلا بعد أن يكون قد قرأ من الأعمال الأدبية في أدبه القومي وخارج نطاق أدبه القومي ما لا يحصيه إلا الله، أما هو أو غيره فأقصى ما يمكنهما الانتباه إليه بعض هذه القراءات فقط، مع التنبيه إلى أنه في كثير من الأحيان لا يستطيع أن يتذكر العناصر التي استفادها من كل هذه القراءات، بل من بعضها ليس إلا، وإذا كانت الدراسات التناصية ترصد أشياءَ في النص الذي تتناوله وتسكت عن أشياء أخرى، فليس معنى هذا أن ما تم رصده مما أخذ من نصوص سابقة هو وحده المأخوذ من تلك النصوص، بل معناه أن هذا هو ما استطاع الدارس التنبه إلى مصادره، ونفس الشيء يقال عن الأدب المقارن في جانب منه، وهو الجانب الذي يتعامل مع ما أخذته الأعمال الأدبية القومية من الآداب الأجنبية أو العكس، فهو في الواقع رصد لمظاهر التناص، لكن على المستوى العالمي فحسب، فلا يدخل فيه إذًا التناص داخل الأدب القومي؛ أي إن ما كتبه الدكتور البطل في الكتاب الذي بين أيدينا مثلًا يمكن أن يكون دراسة تناصية لو كان تركيزه كله على ما أخذه السياب من غيره من الشعراء والأدباء: المحليين منهم والعالميين على السواء، ولم يلتفت إلى ما سوى ذلك، الأدب المقارن إذًا - في جانب منه على الأقل - هو دراسة تناصية عابرة للآداب.

    كذلك هناك التاريخ الأدبي للأدبين اللذين يريد الدارس المقارنة بينهما؛ إذ لكي نفهم إنتاج أديب ما ونقوِّم إبداعه تقويمًا سليمًا ينبغي أن نكون على معرفة واسعة بسياقه الذي نبت فيه، هذا السياق الذي ارتوى منه الأديب قبل أن يرتوي من سواه، والذي تتناغم معه أعماله سلبًا أو إيجابًا، وتأخذ منه وتعطيه قبل أن تفعل شيئًا من ذلك مع غيره، والذي يمور بالتيارات والرواد والأعلام في ميادينه المختلفة، فمثلًا نرى د. حسين نجيب المصري في كتبه: "غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم بين شعراء الشعوب الإسلامية - دراسة في الأدب الإسلامي المقارن" و"رمضان في الشعر العربي والفارسي والتركي" و"المسجد بين شعراء العربية والفارسية والتركية" يتتبع تيار الشعر العربي الذي يدور حول هذه الموضوعات قبل أن يقارن بينه وبين نظيره من شعر الغزوات في الآداب الإسلامية الأخرى، ولم يكن من الممكن أن يقوم، رحمه الله، بهذه الدراسة دون أن يلم بذلك التيار لدينا ولدى الأمم الإسلامية التي كان يعرف لغاتها، وبالمثل لم يكن د. حلمي بدير ليستطيع الإقدام على كتابة بحثه عن "الشعر المترجم وحركة التجديد في الشعر الحديث"، ولا كان ممكنًا أن يقوم س.موريه بالبحث في "تأثير الشعر الغربي وخاصة إليوت على الشعر العربي الحديث" في الفترة الواقعة بين 1947م و1970م لولا أن كلًّا منهما يعرف حركة الترجمة الشعرية والاتجاهات الفنية في ذلك الشعر، ولا كان بمستطاع الأول أن ينهض في كتابه: "بحوث تجريبية في الأدب المقارن" بالمقارنة بين كل من طه حسين وصلاح عبدالصبور وبين ما استوحاه من الأدب الغربي دون أن يكون على علم كافٍ بتاريخ الأدب العربي الحديث وتياراته التقليدية والمعاصرة بطيوفها المختلفة، وكذلك ما كان بمُكْنة د. مكارم الغمري النجاح في كتابها عن "مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي" بغير معرفتها الواسعة بوجود مثل ذلك التيار المتأثر بعناصر واضحة من الأدب العربي والدين الإسلامي في الأدب الروسي بين فطاحل أعلامه، كذلك ما كان د. محمد جلاء إدريس بقادرٍ على إنجاز دراسته: "الشخصية اليهودية - دراسة أدبية مقارنة" إلا بعد أن درس الأدبين الإنجليزي والعربي في مصر دراسة متعمقة، على الأقل في مجال الفن القصصي الذي اختار أن يقوم في نطاقه بعملية المقارنة، وهو ما ينطبق أيضًا على الدراسة التي كتبها وليد حمارنة (walid Hamarneh) بعنوان "The Domestication of Genre: Najib Nahfuz and the Westen Novel"، وإن كانت المقارنة هنا فنية لا مضمونية...وهكذا، فهذه بعض التخصصات التي ينبغي أن يكون الدارس المقارن ماهرًا بها؛ لارتباطها الوثيق بتخصصه، بخلاف العلوم والمعارف الأخرى التي لا تتصل بتخصصه هذا الاتصال الوثيق، لكنه قد يحتاج إلى الإلمام بها، أو على أقل تقدير: إلى الرجوع إلى دوائر المعارف، أو إلى كتبها الأساسية أو المبسطة إن كانت في ميدان من ميادين العلوم الطبيعية مثلًا مما لا يعرف المقارن عادة.

    هذا، وقد أوجزت موسوعة الـ: "Wikipedia" المشباكية ما ينبغي أن يتحلى به الدارس المقارن من معرفة جيدة باللغات الأجنبية، واطلاع كافٍ على ميادين دراسات الأدب ونصوصه، فوصفت المقارنين الأدبيين على النحو التالي:

    "Comparativists are typically proficient in several ********s and acquainte with the literary traditions and major literary texts of those ********s.".




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •