الـرد على من نسب إلى ابن تيمية رحمه الله عدم التفريق بين الخطأ في الأصول والفروع
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الـرد على من نسب إلى ابن تيمية رحمه الله عدم التفريق بين الخطأ في الأصول والفروع

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    656

    افتراضي الـرد على من نسب إلى ابن تيمية رحمه الله عدم التفريق بين الخطأ في الأصول والفروع

    هــذا تفصيل مطول ورائع حول هـــذه المسألة ومــا يتعلق بهــا من أحكام شرعية.
    يقول صاحب كتاب البــلاغ المبين : ( ... أخطأ خلق كثير من الناس في عصرنا هذا فهم كلام شيخ الإسلام في ترك التفرقة في مسائل الخطأ بين المسائل الخبرية والمسائل العملية ونحن هنا نضع جميع النقاط على جميع الحروف بخصوص هذه المسألة حتى يزول الإشكال بالاستفصال، ومصدر الخطأ ثلاث مواضع.
    الموضع الأول: مسألة أصول الدين أو أصل الدين.
    الموضع الثاني: مسألة القطع والتواتر والمعلوم من الدين بالضرورة.
    الموضع الثالث: مسألة الفرق بين الخطأ في الخبريات والخطأ في العمليات إثباته مطلقًا أو نفيه مطلقًا أو القول بالتفصيل.
    المسألة الأولى: أصول الدين أو أصل الدين
    فيقول البعض افتراء على الشيخ أن شيخ الإسلام يقول لا يوجد في الإسلام أصل وفروع ويزيدون هم بأن من قال بوجود الأصل والفروع فهو مبتدع، والحقيقة: أن منكر ذلك هو المبتدع وأن الشيخ لم ينكر ذلك بل قرره مرارًا وتكرارًا وقال إن أصل الدين هو أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا وأن أصل الدين هو توحيد العبادة المتضمن والمستلزم لتوحيد الاعتقاد وأن هذا هو دين الأنبياء وهو الإسلام العام وهو الدين الواحد الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد، فالدين الواحد هو التوحيد والشرائع المتنوعة هى بمثابة الأمهات المختلفة، فالدين الواحد بين الأنبياء هو التوحيد وأما الشرائع فمتنوعة مختلفة من التوراة إلى الإنجيل إلى القرآن يحل الله ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يخافه ويطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل الله غيره هو التوحيد وإخلاص العبادة لله عزوجل وكما قرر شيخ الإسلام فإن مسائل الأصول الكبار هى مسائل التوحيد والنبوات والقدر والمعاد والصفات، أما الأصول التي أنكر أن تكون أصولاً فهى ما ألزم به المعتزلة وغيرهم من المتكلمين الناس بتعليمه وجعله من الدين الذي لا يصح الإيمان بدونه وهو من العقليات التي لم يوجبها الله ورسوله ولا تعلمها أصحابه ولا ألزموا بها الناس.
    الأمر الثاني: تكفيرهم مخالفيهم بخطئهم في العقليات دون الشرعيات والمفروض أن يكون التكفير بما نصت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه كفر... وهذه بعض النقول في ذلك مع أن هذا الموضوع قد سبق بيانه.
    يقول شيخ الإسلام في ذلك : ( وقوله تعالى :" أمـر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين " أمر مع القسط بالتوحيد الذي هو : عبادة الله وحده لا شريك له وهذا أصل الدين وضده الذنب الذي لا يغفر. قال تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وهو الدين الذي أمر الله به جميع الرسل وأرسلهم به إلى جميع الامم قال تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ، وقال تعالى :" ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " ، وقال تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، وقال تعالى :" يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " ولهذا ترجم البخاري في صحيحه " باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد"، وذكر الحديث الصحيح في ذلك وهو الإسلام العام الذي اتفق عليه جميع النبيين قال نوحٌ عليه السلام : " وأمـرت أن أكـون مـن المسلمين " ، وفي قصة إبراهيم :" إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ، وقال موسى: " يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين " وقال تعالى : " قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون " ، وفي قصة بلقيس: " رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " ، وقال تعالى :" إنا أنزلنا التوارة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا " ، وهذا التوحيد الذي هو أصل الدين هو أعظم العدل وضده وهو الشرك أعظم الظلم كما أخرج الشيخان في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال لما أنزلت هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح :" إن الشرك لظلم عظيم " ) إهـ الفتاوى الكبرى، ج1، مسألة 234، ص 348.
    ويقول شيخ الإسلام : ( وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والثواب والمعاد وغير ذلك وجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط. إلى أن يقول: الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته) إهـ ( ) درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص 83، بهامش منهاج السنة (بتصرف)..
    ويقول: ( فأجبت الحمد لله ربِّ العالمين. أما المسألة الأولي فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين وإن لم ينقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هى من أصول الدين التي تستحق أن تسمي أصول الدين، أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، ثم إنها مما يحتاج إليه الدين ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة. وكلا هذين باطل قطعًا وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعًا، فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما يشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه، وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات، وإنما هى جهليات. وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو واقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلاً عن عامتهم، وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولاً أو تعمل عملاً كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل.
    أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقله الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب والحمد لله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. إلى أن يقول: وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا:" وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير " ، وإن كان ذلك كثيرًا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة وجهَّال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية.
    وأما القسم الثاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما ينبني عليه صدق المخبر معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا، بل ضلوا ضلالاً مبينًا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هى بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه بيَّن من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدِّر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه) أهـ. الفتاوى الكبرى، ج1 ، ص 12.
    ويقول( ): ( وهذا باب واسع عظيم جدًا ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل ما يستحق أن يكون أصول الدين، وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين وإن أدخلت فيه مثل هذه المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر ونحو ذلك من المسائل ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هى صفات الأجسام القائمة بها، إما الأكوان وإما غيرها وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل
    إلى أن يقول : والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الربِّ مطلقًا أو نفي بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضًا في غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم، فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده وأما الدين الذي قال الله فيه: " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " ، فذاك له أصول وفروع بحسبه، وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات، تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين، فهو موروث عن الرسول. وأما من شرع دينًا لم يأذن به الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ) أهـ. درء تعارض العقل والنقل، بهامش منهاج السنة، ج1، ص 19
    المسألة الثانية: القطع والتواتر والمعلوم من الدين بالضرورة
    أما المعلوم من الدين بالضرورة فهناك معلوم من الدين بالضرورة يعلمه العامة والخاصة ويكفر جاحده، وهناك معلوم من الدين بالضرورة يعلمه العلماء ويجب الرجوع إليهم فيه قبل مخالفته.
    يقول شيخ الإسلام :( وإذا قدر أنه لم يتعارض قطعي وظني لم ينازع عاقل في تقديم القطعي، لكن كون السمعي لا يكون قطعيًا دونه خرط القتاد، وأيضًا فإن الناس متفقون على أن كثيرًا مما جاء به الرسول معلوم بالاضطرار من دينه كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم وتوحيد الصانع وإثبات المعاد وغير ذلك، وحينئذ فلو قال قائل إذا قام الدليل العقلي القطعي على مناقضة هذا فلابد من تقديم أحدهما، فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله وإن قدم العقلي لزم تكذيب الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به. وهذا هو الكفر الصريح فلابد لهم من جواب عن هذا، والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا، فتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي ) . أهـ. درء تعارض العقل والنقل، ج1 ، ص 42.
    ويقول :( والوجه الثاني: أن يقال كل من له أدني معرفة بما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم يعلم بالاضطرار أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه الطريقة طريقة الأعراض، ولا نفي الصفات أصلاً لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا مباينًا له أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا، بل ولا نفي الجسم الاصطلاحي ولا ما يرادفه من الألفاظ، ولا ذكر أن الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل أو في الماضي لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا أن الربَّ صار الفعل ممكنًا له بعد أن لم يكن ممكنًا ولا أنه صار الكلام ممكنًا بعد أن لم يكن ممكنًا ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصًا ولا ظاهرًا، بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وأن القرآن لم يعارضه أحد، وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار، وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف والاستسقاء، وأنه لم يرض بدين الكفار ولا المشركين ولا أهل الكتاب قط، وأنه لم يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء، وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به لا أهل الصفة ولا غيرهم، وأنه لم يكن يؤذن بمكة ولا كان بمكة أهل صفة ولا كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلى المدينة، وأنه لم يجمع أصحابه قط على سماع كف ولا دف، وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب، وأنه لم يكن يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب، وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحًا إلا بالمسلمين لم يكن يصلي الفرض وحده ولا في الغيب، وأنه لم يحجب في الهواء قط، وأنه لم يقل رأيت ربِّي في اليقظة لا ليلة المعراج ولا غيرها، ولم يقل إنَّ الله ينزل عشية عرفة إلى الأرض وإنما قال ينزل إلى السماء الدنيا. إلى أن يقول: وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علمًا ضروريًا أنه لم يكن ومن روى ذلك عنه وأخذ يستدل على ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالاضطرار كما يعلمون بطلان قول السفسفطائية، وأنهم لم يشتغلوا بحل شبههم وحينئذ فمن استدل بهذه الطريقة أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات كان كذبه معلومًا بالاضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعي هذه الأمور المنتفية عنه وأضعافها وهذا مما يعلمه من له أدني خبرة بأحوال الرسل فضلاً عن المتوسطين فضلاً عن الوارثين له العالمين بأقواله وأفعاله) . إهـ. درء تعارض العقل والنقل، ص 56
    ويقول في نفس الكتاب : ( الوجه الثالث عشر: أن يقال الأمور السمعية التي يقال أن العقل عارضها كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك هى مما علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها، وما كان معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلاً مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًا فمن قدح في ذلك وادعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجئ به كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين.
    الوجه الرابع عشر: أن يقال أن أهل العناية بِعلم الرسول صلى الله عليه وسلم العالمين بالقرآن وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم بإحسان والعالمين بأخبار الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم ولذلك كانوا كلهم متفقين على ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر كما اتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن ونقل الصلوات الخمس والقبلة وصيام شهر رمضان وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر، ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني سواء كان التواتر لفظيًا أو معنويًا كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفقه الأئمة الأربعة وعدل العمرين ومغازى النبيّ صلى الله عليه وسلم مع المشركين وأهل الكتاب وعدل كسري وطب جالينوس ونحو سيبويه، يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس ونحو سيبويه، فإذا كان من ادعي من كلام سيبويه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانًا وفسادًا، لأن هذا معصوم محفوظ.
    وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئان: ألفاظه وأفعاله ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة، ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس وإن كان عند غيره مجهولاً أو مظنونًا أو مكذوبًا به، وأهل العلم بأقواله كأهل العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم، وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل وسيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند كل من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وداود وأبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم ويتواتر عند أهل العلم بنقد الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلى بن المديني ويحيى ابن معين وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم بحيث يعلمون بالاضطرار اتفاقهم على تعديل مالك والثوري وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء، وعلي تكذيب محمد بن سعيد المصلوب ووهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبد الله الجوباري وأمثالهم». أهـ. درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص 112
    من هنا يتضح:
    بطلان القول بأنه لا يوجد معلوم من الدين بالضرورة، وأنه أمر نسبي بل هناك ما يتواتر ويكون معلومًا من الدين بالضرورة أو بالاضطرار عند العامة، وما يتواتر ويكون معلومًا من الدين بالضرورة عند الخاصة، فإذا أخذ من جهتهم صار معلومًا لغيرهم بعلمهم، وإذا لم يؤخذ عن جهتهم سقط عذر المعرض عن ذلك إذا أخطأ فيه.
    المسألة الثالثة: الفرق بين الأصول والفروع
    ويوجد في الأصول والفروع ما هو معلوم من الدين بالضرورة عند العامة وعند الخاصة والذي يجب أن يعلمه العامة أو من هو منهم من جهة الخاصة ليعلمه علمًا ضروريًا بعلمهم له علمًا ضروريًا، ولكن الأصول تتميز عن الفروع هنا بفارق مهم جدًا وهو أن العقائد لا يجوز أن يتجدد منها للخلف ما لم يكن واجبًا على السلف بخلاف الفروع فقد تتجدد الحوادث ويقع للمتأخر فيها ما لم يقع للمتقدم، فالأصول لا تدخلها الاجتهاديات، أما الفروع فتدخلها الاجتهاديات، ولذلك نجد إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل الذي يقول: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينقل عن الصحابة عدة أقوال قد تكون مختلفة أحيانًا اختلافًا بينًا ويقررها أقوالاً في مذهبه وذلك في الفروع ولا نجد له عن الصحابة في الأصول إلا قولاً واحدًا، لأن الصحابة كانت لهم أقوال مختلفة في الفروع وكان قولهم واحدًا في الأصول، ولذلك عابوا على المتكلمين إعراضهم عن المنقول إلى معقولاتهم التي عارضوا بها المنقول عن الصحابة وأولوا لها القرآن.
    فقالـوا:
    ما باله حتى السواك أبانه وقواعد الإسلام لم تتقرر
    ولذلك فكل ما لم يبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده ولا الخوض فيه لأن الأمة قد أجمعت على أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة سواء كان إلى معرفته سبيل أم لا، وسواء كان حقًا أم لا وخصوصًا إذا أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه " وخضتم كالذي خاضوا " فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على إيجابه ويؤدي إلى المنصوص على تحريمه وهو الافتراق، وما تبين من العقائد في عصر النبوة نقله الصحابة ونقله أهل السنة والأثر، ولذلك نجـد قولهم واحدًا فيه لا اختلاف بينهم لا من حيث الجملة ولا التفاصيل وتجد الاختلاف الكثير عند من أعرض عن المنقول إلى المعقول يقول صاحب كتاب " إيثار الحق على الخلق":
    ( ومما يصلح للاستدلال به في هذا المقام قوله تعالى: " وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها " فلولا أن كتابها هو موضع الحجة عليها في أمور الدين ومهماته ما اختص بالدعاء إليه ونحوها قوله تعالى:" الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان " فجعل الكتاب في بيان الدين وحفظه وتمييز الحق من الباطل كالميزان في بيان الحقوق الدنيوية وحفظها، بل جعل الحق مختصًا به بالنص والميزان معطوفًا عليه بالمفهوم أي والميزان بالحق. وقال بعد الأمر بوفاء الكيل والوزن: " لا نكلف نفساً إلا وسعها " لأنه يحتاج إلى المعاملة بالكيل والوزن وإن وقع التظالم الخفي في مقادير مثاقيل الذر أو أقل منه، ولم يقل ذلك بعد الأمر بلزوم كتابه واتباع رسله، لأنه لا حاجة ولا ضرورة إلى البدعة في الاعتقاد. وأما الفروع العملية فلما وقعت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون لم يكن فيها حرج بالنص والإجماع فتأمل ذلك فإنه مفيد». أهـ. إيثار الحق علي الخلق، ص 111.
    وإذا كان الرجوع إلى عمل الصحابة مطلوب في الفروع العملية وإن دخلتها الاجتهاديات واختلفت فيها أقوالهم وأعمالهم وفتاواهم فإنه مطلوب في العقائد قطعًا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية " ما أنا عليه وأصحابي" وقال عنها أنها الجماعة، فالجماعة هى ما كان عليه وأصحابه صلى الله عليه وسلم وهى النجاة، فمن أعرض عن ذلك كان مذمومًا هالكًا وليس مجتهدًا مثابًا ولا متأولاً مغفورًا له خطؤه، وإذا كان التأكيد أكثر في هذا الشأن على الأصول الاعتقادية، بل هى الأصل وغيرها تبع لها، فليس ذلك راجعًا إلى أن هذه عقلية لا يعذر فيها، وهذه شرعية يعذر فيها كما يقول المتكلمون، ولكن لأن هذه لامجال فيها للاجتهادات فلاحاجة ولا ضرورة لاعتقاد البدعة وهذه تتجدد فيها الحوادث فيقع للمتأخر فيها ما لم يقع للمتقدم وهذه قد قضت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون فرفع فيها الحرج بخلاف الأولى التي لا توجد حاجة فيها إلى اعتقاد ما لم يبين في عصر النبوة ولا الخوض فيه. ولذلك قال عبد الله بن مسعود عن العقائد اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وليس هذا هو الشأن في الاجتهاديات ولذلك قال مالك: ـ وهو إمام أهل الأثر ـ للرجل الذي جاء يجادله أرأيت إن غلبتني، قال: تتبعني، قال: فإن غلبتك، قال: أتبعك، قال: فإن جاء آخر فغلبنا قال: نتبعه، قال مالك: أرى الدين واحدًا وأراك أكثرت التنقل. وقال: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا لجدله ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؟!
    ونكتة الموضوع أن العقائد ما نص عليه الشارع فقد نص عليه، وما سكت عنه سكت عنه مع وجود المقتضى للتشريع، أما الاجتهاديات فقد يسكت الشارع مع عدم وجود المقتضى للتشريع وقت التشريع ثم يوجد بعد انقضاء وقت التشريع مثل جمع المصحف فلا يكون الفعل بدعة بل مصلحة مرسلة وخصوصًا أنه معقول المعنى اجتهادي تضافرت قواعد الشرع على إثباته، أما الأصول فلا يتجدد لها مقتضيات للتشريع بعد انقضاء الرسالة فمازاد أو نقص عن ذلك بعد إكمال الدين صار بدعة، ولذلك نجد مالكًا يتوسع في المصالح المرسلة ولا يخرج عن المنقول في العقائد قيد أنملة.
    والمصادر المعصومة ثلاثة: الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو ما نقل عن الصحابة فمن خرج عن ذلك لم يكن معذورًا في خطئه ولا مثابًا في اجتهاده، ولذلك يقول أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن خرج عن ذلك خرج من السنة إلى البدعة ومن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والهالك ليس مثابًا على اجتهاده ولا معذورًا في خطئه. ولننظر إلى الفروع العملية، كيف اختلفت فيها أقوال أهل السنة والأثر في دائرة المشروع، وكيف اتفقت مذاهبهم في الأصول، بل للحق والدقة أنه ليس لهم مذاهب في الأصول بل هو مذهب واحد إجمالاً وتفصيلاً وهذه أمثلة ولنبدأ أولا بالفروع العملية:
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ يقول بعد كلام: ( ومثل طوائف الفقه من الحنفية والمالكية والسفيانية والأوزاعية والشافعية والحنبلية والداوودية وغيرهم مع تعظيم الأقوال المشهورة عن أهل السنة والجماعة لايوجد لطائفة منهم قول انفردوا به عن سائر الأمة وهو صواب بل ما مع كل طائفة منهم من الصواب يوجد عند غيرها من الطوائف وقد ينفردون بخطأ لايوجد عند غيرهم، لكن قد تنفرد طائفة بالصواب عمن يناظرها من الطوائف كأهل المذاهب الأربعة قد يوجد لكل منهم أقوال انفرد بها، وكان الصواب الموافق للسنة معه دون الثلاثة لكن يكون قوله قد قاله غيره من الصحابة والتابعين وسائر علماء الأمة بخلاف ما انفردوا به ولم ينقل عن غيرهم فهذا لايكون إلا خطأ، وكذلك أهل الظاهر كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صواب فقد قاله غيرهم من السلف. وأما الصواب الذي ينفرد به كل طائفة من الثلاثة فهو كثير لكن الغالب أن يوافقه عليه بعض أتباع الثلاثة وذلك كقول أبي حنيفة بأن المحرم يجوز له أن يلبس الخف المقطوع وما أشبهه كالجمجم والمداس وهو وجه في مذهب الشافعي وغيره، وكقوله بأن طهارة المسح يشترط لها دوام الطهارة دون ابتدائها، وقوله أن النجاسة تزول بكل ما يزيلها وهذا أحد الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد ومذهب مالك، وكذلك قوله بأنها تطهر بالاستحالة، ومثل قول مالك بأن الخمس مصارفه مصرف الفئ وهو قول في مذهب أحمد فإنه عنه روايتان في خمس الركاز هل يصرف مصرف الفئ أو مصرف الزكاة، وإذا صرف مصرف الفيء فإنما هو تابع لخمس الغنيمة، ومثل قوله بجواز أخذ الجزية من كل كافر جازت معاهدته لا فرق بين العرب والعجم ولا بين أهل الكتاب وغيرهم فلا يعتبر قط أمر النسب بل الدين في الذمة والاسترقاق وحل الذبائح والمناكح وهذا أصح الأقوال في هذا الباب، وهو أحد القولين في مذهب أحمد فإنه لا يخالفه إلا في أخذ الجزية من مشركي العرب ولم يبق من مشركي العرب أحد بعد نزول آية الجزية، بل كان جميع مشركي العرب قد أسلموا. ومثل قول مالك أن أهل مكة يقصرون الصلاة بمني وعرفة وهو قول في مذهب أحمد وغيره، ومثل مذهبه في الحكم بالدلائل والشواهد وفي إقامة الحدود ورعاية مقاصد الشريعة وهذا من محاسن مذهبه ومذهب أحمد قريب من مذهبه في أكثر ذلك. ومثل قول الشافعي أن الصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ لم يُعد الصلاة وكثير من الناس يعيب هذا على الشافعي وغلطوا في ذلك، بل الصواب قوله وهو وجه في مذهب أحمد وقوله تفعل ذوات الأسباب في وقت النهي وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وكذلك قوله بطهارة المني كقول أحمد في أظهر الروايتين، ومثل قول أحمد في نكاح البغي لا يجوز حتى تتوب، وقوله أن الصيد إذا جرح ثم غاب أنه يؤكل ما لم يوجد فيه أثر آخر وهو قول في مذهب الشافعي، وقوله بأن صوم النذر يصام عن الميت بل وكل المنذورات تفعل عن الميت، ورمضان يطعم عنه وبعض الناس يضعف هذا القول وهو قول الصحابة ابن عباس وغيره ولم يفهموا غوره، وقوله أن المحرم إذا لم يجد النعلين والإزار لبس الخفين والسراويل بلا قطع ولا فتق فإن هذا كان آخر الأمرين من النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقوله بأن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار يقطع الصلاة، وقوله بأن الجدة ترث وابنها حي، وقوله بصحة المساقاة والمزارعة وما أشبه ذلك وإن كان البذر من العامل على إحدى الروايتين عنه وكذلك طائفة من أصحاب الشافعي، وقوله في إحدى الروايتين أن طلاق السكران لا يقع وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وقوله أن الوقف إذا تعطل نفعه بيع واشترى به ما يقوم مقامه وفي مذهب أبي حنيفة ما هو أقرب إلى مذهب أحمد من غيره وكذلك في مذهب مالك، وكذلك قوله في إبدال الوقف كإبدال المسجد بغيره ويجعل الأول غير مسجد كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي مذهب أبي حنيفة ومالك يجوز الإبدال للحاجة في مواضع، وقوله بقبول شهادة العبد، وقوله بأن صلاة المنفرد خلف الصف يجب عليه فيها الإعادة، وقوله في أن فسخ الحج إلى العمرة جائز مشروع بل هو أفضل، وقوله بأن القارن إذا ساق الهدي فقرانه أفضل من التمتع والإفراد كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ومثل قوله إن صلاة الجماعة فرض على الأعيان). أهـ. ( ) منهاج السنة، ج3، ص 44-46
    وبعض هؤلاء الأئمة يأخذ بقول الصحابي والتابعي في الفروع العملية ويجعل أقوال الصحابة والتابعين وإن تعددت أقوالاً أو أوجهًا في مذهبه، والبعض الآخر لا يأخذ ولا حرج في ذلك، فلا حرج في خلاف الصحابي والتابعي هنا إذا كان الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة ومن قرأ في الفروع العملية علم أن أقوال الصحابة والتابعين متعددة ليست قولاً واحدًا. وأما الأصول الاعتقادية فقولهم قول واحد فالخروج عنه أو مخالفته بدعة. ما ينفرد به أبو حنيفة ويكون وجهًا في مذهب الشافعي وهو صواب هل يكون الوجه الآخر في مذهب الشافعي باطل أم خطأ كلا قد يكون راجحًا أيضًا، وقد يكون مرجوحًا وما ينفرد به أبو حنيفة وهو صواب وهو أحد الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد ومالك هل يكون القولان الآخران في مذهب أحمد ومالك باطلان أم خطأ كلا بل ربما كانا أرجح أو متساويين في الرجحان أو مرجوحين عن القول الذي وافق قول أبي حنيفة.
    وكذلك ما يقوله مالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد أو هو قول في مذهب أحمد، وكذلك ما يقوله الشافعي وهو وجه في مذهب أحمد أو إحدى الروايتين عن أحمد أو كقول أحمد في أظهر الروايتين عنه الأقوال الأخرى في مذهب أحمد كلها حق وصواب قد تكون أرجح أو متساوية في الرجحان أو أقل في الرجحان فتكون مرجوحة ولكنها ليست باطلة ولا خطأ، وكذلك ما يقوله أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة والشافعي أو قالت به طائفة من أصحاب الشافعي أو هو قول في مذهب الشافعي، فإن الرواية الأخرى في مذهب أحمد والأقوال والأوجه الأخرى في مذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك صحيحة مقبولة شرعية، وإذا كان ثَمَّ راجح أو مرجوح، وقد يصير الراجح مرجوحًا والمرجوح راجحًا لبعض الظروف والملابسات وباعتبار المآلات والنظر إلى مقاصد الشريعة، وقد يكون الحكمان باقيان يُعمل بكل في مناسبته ليس ثمة خطأ وإذا كان ثمة خطأ فليس ثمة بدعة، وإذا كانت ثمة زلة لعالم فلا يثبت عليها ولا ينافح عنها ولا يطلبون من غيرهم المتابعة عليها، فإذا تنبهوا رجعوا وإن لم يتنبهوا إليها غفرها الله لهم لأنهم كلهم قد قال بلسان الحال أو المقال إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي هذا عرض الحائط، فإذا كان صوابًا فمن الله ورسوله وإذا كان خطأ فهو من الشيطان، وهذا هو شأن الفروع العملية بخلاف الأصول الاعتقادية، فإنها قول واحد ومذهب واحد ليس فيها أقوال ولا مذاهب ولا راجح ولا مرجوح ولا تغير في الأحكام لتجدد القضايا وتغير الزمان.
    يقول الشاطبي عن الاختلاف المرحوم : ( ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني لا القصد الأول، فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.
    وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرهم. يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها بقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، ومع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتي فيه بأصل يُرجَعُ إليه، وهو قول الله تعالى: " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " الآية. فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذلك رده إليه إذا كان حيًّا وإلي سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء رضي الله عنهم إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: " ولا يزالون مختلفين " أم لا؟ والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه:
    الأول: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة لقوله " : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، والمرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف وإلا كان قسم الشيء قسيمًا له ولم يستقم معنى الاستثناء.
    والثاني: أنه قال فيها : " ولا يزالون مختلفين " فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم لهم حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة مبرءون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافي الثبوت على المخالفة، بل إن خالف أحدهم في مسألة فإنما يخالف فيها تحريًا لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له الخطأ فيها راجع نفسه وتلافي أمره، فخلافه في المسألة بالعرض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف لازمًا ولا ثابتًا، فكان التعبير عنه بالفعل الذي يقتضي العلاج والانقطاع أليق في الموضع.
    والثالث: أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم ، بحيث لا يصح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدودًا من أهل الاختلاف ـ ولو بوجه ما ـ لم يصح إطلاق القول في حقه: أنه من أهل الرحمة وذلك باطل بإجماع أهل السنة.
    والرابع: أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة.
    وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة ما روى عن القاسم بن محمد قال: لقد نفع الله باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة. وعن ضمرة بن رجاء قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا يتذاكران الحديث ـ قال ـ فجعل عمر يجيءُ بالشيء يخالف فيه القاسم ـ قال ـ وجعل القاسم يشق ذلك عليه حتى يتبين ذلك فيه فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني باختلافهم حمر النعم وروى ابن وهب عن القاسم أيضًا قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولاً واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدي بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة ـ كما تقدم ـ فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافهم، وهو نوع من تكليف ما لا يطاق وذلك من أعظم الضيق. فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة، للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم " من رحم ربك " فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله.
    وبين هاتين الطريقين ـ يقصد الإختلاف في أصل الدين والإختلاف في الفروع العلمية ـ واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية، وهى أن يقع الاتفاق في أصل الدين ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية، وهو المؤدي إلى التفرق شيعًا. فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة، وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار،وذلك بعيد من تمام الرحمة). أهـ. الاعتصام، ج2، ص 168.
    ويقول الإمام الشاطبي في الاعتصام، ج2 ، ص 172 : ( وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع، وأن من رحم ربك أهل السنة، ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقًا، بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا لابد من بسطه فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظمى العالمين بمواردها ومصادرها.
    والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني على ذلك، وإنما وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفًا، بل كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق) .
    يلخصها الشاطبي في الجهل واتباع الهوى والتصميم على اتباع العوائد ولزم فيها تفصيلات أخرى سنذكرها كما وقعت تاريخيًا والغالب على البدع أنها مقصورة على المخالفات في الأصول الاعتقادية والمسائل التعبدية ولا تدخل في المسائل العملية الفروعية إلا من هذه الأوجه:
    1- إذا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلوا ”اتباع الجهال“
    2- أخذ الشريعة على تشهي الأغراض، والأخذ بالحيل واتباع المتشابه.
    3- التقليد المذموم.
    4- رد أحاديث الآحاد وعليها جملة الشريعة.
    5- القول في الشرع بالاستحسان والظنون والاشتغال بالمعضلات ورد الفروع بعضها إلى بعض دون ردها إلى أصولها فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل وفي الاشتغال بهذا تعطيل السنن والتذرع إلى جهلها مع التعمق في القياس والإعراض عن السنن.
    6- شيوع المعاصي واختلال القيم ووضع المعاصي على مضاهاة التشريع فإن المعصية إذا وضعت على مضاهاة التشريع صارت بدعة .الاعتصام، ج2.
    فإن دخول شوب التشريع يجعل المعصية بدعة والتشريع المطلق كفر ممن شرعه وممن أمضاه وممن رضيه وقبله وتابع عليه.
    وإذا تأملت هذه الأمور الستة المذكورة وجدتها راجعة إلى خلل في أصول الفقه أو أصول الاعتقاد فعادت إلى الأصول مرة ثانية، وأصول الفقه هى الأصول العملية، وأصول الاعتقاد هى الأصول الاعتقادية. ومن هذه الأوجه أدخل فيها الإمام الشاطبي الابتداع وبدون هذه الأوجه لا يدخلها الابتداع بمجرد خلاف الصحابة أو عدم الأخذ برأي الصحابي أو التابعي في الاجتهاد إذا كان المجتهد يجتهد على نصوص الكتاب والسنة على وفق أصول الاجتهاد، أما الأصول والعبادات فالخروج فيها عما كان عليه السلف الصالح بدعة لمجرد المخالفة، لأن الفروع العملية معقولة المعنى تدخلها المصالح المرسلة والمسائل الاعتقادية والعبادية لا تدخلها المصالح المرسلة ولا حاجة فيها تدعو إلى اعتقاد البدعة أو العمل بها فالمخالفة فيها بدعة.
    يقول الشاطبي : ( الثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هى كلية في الشريعة وإلي جزئية، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارًا على القرآن وبدعة الخوارج في قولهم لا حكم إلا لله وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية). أهـ. الاعتصام، ج2، ص 59.
    ويقول: ( وأما الراسخون في العلم فليسوا كذلك، وماذاك إلا باتباعهم أم الكتاب وتركهم الاتباع للمتشابه. وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية، إذ لم يخص الكتاب ذلك ولا السنة، بل ثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» وفي الترمذي تفسير هذا بإسناد غريب عن غير أبي هريرة، فقال في حديثه «وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاثة وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: من هى يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». والذي عليه النبيّ وأصحابه ظاهر في الأصول الاعتقادية والعملية على الجملة لم يخص من ذلك شيء دون شيء، وفي أبي داود «وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهى الجماعة» وهى بمعنى الرواية التي قبلها، وقد روى ما يُبين هذا المعنى ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه وإن كان غيره قد هون الأمر فيه أنه قال: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال». فهذا نصٌ على دخول الأصول العملية تحت قوله «ما أنا عليه وأصحابي» وهو ظاهر فإن المخالف في أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية». أهـ. الموافقات، ج4، ص 177.
    وليس معنى هذا تصويب المجتهدين في الفروع، بل الشريعة على قول واحد في الأصول الاعتقادية والفروع العملية، وإن كانت هناك مسائل يدق فيها النظر وتتجاذبها أصول تتردد بينها فمن قوي عنده من المجتهدين إلحاقها بأحد الجانبين ألحقها به، ومن قوى عنده إلحاقها بالجانب الآخر ألحقها به، ومن ذلك ما يقوله ابن رشد في ”بداية المجتهد“ في بيوع الشروط والثنيا: «واختلف العلماء من هذا الباب في بيع وإجارة معًا في عقد واحد فأجازه مالك وأصحابه، ولم يجزه الكوفيون ولا الشافعي لأن الثمن يرون أنه يكون حينئذ مجهولاً. ومالك يقول: إذا كانت الإجارة معلومة لم يكن الثمن مجهولاً وربما رآه الذين منعوه من باب بيعتين في بيعة وأجمعوا على أنه لا يجوز السلف والبيع كما قلنا، واختلف قول مالك في إجازة السلف والشركة فمرة أجاز ذلك ومرة منع؛ وهذه كلها اختلف العلماء فيها لاختلافها بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها فمن قويت عنده علة المنع في مسألة منعها ومن لم تقو عنده أجازها وذلك راجع إلى ذوق المجتهد لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها، ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابًا لهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير». أهـ.
    هذا شأن الفروع العملية فكيف يكون شأن الأصول الاعتقادية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن محنة الإمام أحمد في موضوع خلق القرآن : ( مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة والجماعة، فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة ومتنازعون في إجماع من بعدهم، وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة والصبر في المحنة فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولاً، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها وصبر على ما امتحن به ليفارقها، وكان الأئمة قبل قد ماتوا قبل المحنة فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله وهو المذهب الذي ذهب إليه متأخروا الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمر فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى هددوا بعضهم بالقتل وقيدوا بعضهم وعاقبوهم بالرهبة والرغبة، وثبت أحمد بن حنبل على ذلك الأمر حتى حبسوه مدة ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته فانقطعوا معه في المناظرة يومًا بعد يوم، ولما لم يأتوا بما يوجب موافقته لهم وبين خطأهم فيما ذكروا من الأدلة وكانوا قد طلبوا أئمة الكلام من أهل البصرة وغيرهم مثل أبي عيسي محمد بن عيسي برغوث صاحب حسين النجار وأمثاله ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلي لكن جهم أشد تعطيلاً لأنه ينفي الأسماء والصفات، والمعتزلة تنفي الصفات وبشر المريسي كان من المرجئة لم يكن من المعتزلة بل كان من كبار الجهمية، وظهر للخليفة المعتصم أمرهم وعزم على رفع المحنة حتى ألحَّ عليه ابن أبي دؤاد يشير عليه أنك إن لم تضربه وإلا انكسر ناموس الخلافة، فضربه فعظمت الشناعة من العامة والخاصة فأطلقوه، ثم صارت هذه الأمور سببًا في البحث عن مسائل الصفات وما فيها من النصوص والأدلة والشبهات من جانبي المثبتة والنفاة وصنفت الناس في ذلك مصنفات وأحمد وغيره من علماء أهل السنة والحديث مازالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة لكن بسبب المحنة كثر الكلام ورفع الله قدر هذا الإمام فصار إمامًا من أئمة أهل السنة وعلمًا من أعلامها لقيامه بإعلامها وإظهارها واطلاعه على نصوصها وآثارها وبيان خفي أسرارها لا أنه أحدث مقالة ولا ابتدع رأيًا ولهذا قال بعض شيوخ الغرب المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد يعني أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد وهو كما قال) . إهـ ( ) منهاج السنة، ج 1، ص 256.
    أقــول: انظروا: مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد.
    يعنى هنا أصول وفروع والأصول المذهب فيها واحد والفروع المذاهب أربعة وأكثر من ذلك.
    ليس هنا ـ أي في الأصول ـ وجه ولا قول ولا أقوال وهذا يوجد كثيرًا في الفروع داخل المذهب الواحد ثم هناك مذاهب متعددة.
    هنا مجرد الخلاف بدعة من خالف مذهب أهل السنة مبتدع لماذا لأن هذا المذهب أجمعت عليه الصحابة فليس عليه خلاف بين الصحابة فهو مذهب الصحابة، والخروج عن مذهب الصحابة مروق من الدين، وهذا هو معنى يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية المذكور في حديث الخوارج ومقصود به كل من خالف الفرقة الناجية وهى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» هل يصلح هنا أن يقال كما قال عمر بن عبد العزيز في الفروع العملية ”ما يسرني باختلافهم حمر النعم“ وقوله ”ما أحب أن أصحاب محمد لا يختلفون لأنه لو كان قولاً واحدًا لكان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة“ ؟!
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ”درء تعارض النقل والعقل“ في مسألة الصفات : ( والتفاسير المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم وتفسير ابن المنذر وتفسير أبي بكر عبد العزيز وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني وتفسير أبي بكر بن مردويه وما قبل هؤلاء من التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وبقيّ بن مخلد وغيرهم ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد وتفسير عبد الرزاق ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين ما لا يكاد يحصى، وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبيّ والصحابة والتابعين. وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحق وغيرهما وذكر معها من الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنَّفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات قال في آخره في الجامع باب القول في المذهب هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج أهل السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك.
    إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه، وله حد الله أعلم بحده والله على عرشه عزَّ ذكره وتعالى جده ولا إله غيره والله تعالى سميعٌ لا يشك بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسي، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، يسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضي ويسخط ويغضب ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. إلى أن قال: ولم يزل الله متكلمًا عالمًا فتبارك الله أحسن الخالقين). أهـ. منهاج السنة، ج2، ص 12
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وقال الشيخ أبو الحسن بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه ”الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول“ وذكر اثني عشر إمامًا، الشافعي ومالك والثوري وأحمد وابن عيينه وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم. قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى والنبيّ صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا، وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين». أهـ. درء التعارض، بحاشية منهاج السنة، ج2، ص48
    ويقول شيخ الإسلام : ( قال الحاكم سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول سمعت أبا بكر محمد بن إسحق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال أن القرآن أو شيئًا منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول أن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول أن أفعال الله مخلوقة، أو يقول أن القرآن محدث، أو يقول أن شيئًا من صفات الله صفات الذات أو اسمًا من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت) . أهـ. درء التعارض، بحاشية منهاج السنة، ج2، ص 39.
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية فيما ينقل عن الإمام أحمد في درء التعارض : ( وقال الخلال في السنة أخبرني عليٌ بن عيسي أن حنبلاً حدثهم قال سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسي فقد كفر بالله وكذَّب القرآن وردَّ على رسول الله صلى اله عليه وسلم أمره يستتاب من هذه المقالة فإن تاب وإلا ضربت عنقه. إلى أن يقول: وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يقولون لمَّا كلم الله موسي لم يتكلم بصوت فقال أبي: بلي، تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت وحديث ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سُمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان قال أبي: والجهمية تنكره قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر) إهـ المصدر السابق، ج2، ص 20. ) إنتهى من كتاب البلاغ المبين للشيخ عبد المجيد يوسف الشاذلي .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    1,261

    افتراضي رد: الـرد على من نسب إلى ابن تيمية رحمه الله عدم التفريق بين الخطأ في الأصول والفروع

    حفظك الله

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    1,156

    افتراضي رد: الـرد على من نسب إلى ابن تيمية رحمه الله عدم التفريق بين الخطأ في الأصول والفروع

    جزاك الله خيرا ، وبارك الله فيك
    العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •