شكيب أرسلان....أمير البيان
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: شكيب أرسلان....أمير البيان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,963

    افتراضي شكيب أرسلان....أمير البيان

    شكيب أرسلان....أمير البيان
    خالد سعد النجار


    أحد الشخصيات الأدبية الهامة والذي تنوعت مجالات اهتماماته، فتمكن من اختراق العديد من المجالات حاصداً قدراً غزيراً من الثقافة والعلوم، فعرف: كأديب، شاعر، صحفي، مؤرخ، داعية، سياسي، مترجم، وأمير من دروز لبنان.
    وقد حمل «شكيب أرسلان» على مدار حياته هموم المسلمين وهموم أمته فعمل على الدفاع عنهم ومناقشة قضاياهم وتعريف العالم بهم، وبحث أرسلان في السياسة الإسلامية قبل انهيار الدولة العثمانية، هذا بالإضافة لدعوته للوحدة الإسلامية والوحدة الثقافية.
    الميلاد والنشأة
    ولد شكيب بن حمود بن حسن بن يونس بن فخر الدين بن حيدر بن سليمان بقرية «الشويفات» قرب بيروت ليلة الاثنين، غرة رمضان (1286هـ) الموافق 25 ديسمبر (1869م)، في بيت عريق من بيوت الإمارة اللبنانية في الغرب، والتي يعود نسبها إلى الملك (المنذر بن النعمان) من أشهر ملوك الحيرة، كما تضرب أسرته بجذورها في التاريخ أيضا، وتحظى من الشرف والمجد بنصيب وافر؛ حيث كان جده الأكبر الأمير (عون) ممن اشترك مع (خالد بن الوليد) -رضي الله عنه- في فتوح الشام.
    والده «الأمير حمود» كان محباً للأدب والأدباء، وتجتمع إليه الشخصيات الفذة في بلده، وكان مسموع الكلمة مهيب الجانب على بسطة من الحياة والرزق والجاه، وكان مديراً لناحية الشويفات، فإليه ترنو أبصار بلدته وأهله وعشيرته، تزوج من امرأة شركسية الأصل، أنجبت له خمسة أولاد، أخذ بيدهم إلى العلم والثقافة، وكان منهم الأمير شكيب أرسلان، وقد عمّرت أمه طويلاً، وكان شكيب يحبها ويجلها، وكان متعلقًا بها بدرجة كبيرة.
    يرجع اسم (شكيب) لأصول فارسية ويعني «الصابر»، قام بتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وقراءة القرءان الكريم في بلدته وهو في الخامسة من عمره، ثم التحق بعد ذلك بمدرسة «الأمريكان» ببلدته.
    انتقل أرسلان بعد ذلك إلى بيروت عام (1879م) فقام بالالتحاق بمدرسة عصرية مارونية، كانت مشهورة بتعليم أصول اللغات، تعلم فيها شكيب كل من الفرنسية والعربية على يد متخصصين، ثم قام باستكمال دراسته بمدرسة «الحكمة»، والتي قام بتأسيسها مسلمون، وتلقى فيها دروساً في اللغة العربية على يد الشيخ (عبد الله البستاني)، كما قام بتعلم اللغة التركية والفقه، وذلك بعد أن ضمتها الحكومة العثمانية للمدارس الأميرية، وتمتع شكيب أرسلان بموهبة أدبية وشعرية مما جعله يكتب الشعر وهو مازال صغيراً.
    وقد تأثر بعدد كبير من أعلام عصره ممن تتلمذ على أيديهم أو اتصل بهم في مراحل متعددة من عمره، وأول أساتذته كان الشيخ (عبد الله البستاني) الذي علمه في مدرسة «الحكمة»، وحضر درس «مجلة الأحكام العدلية» للشيخ (محمد عبده)، ولازمه في مجالسه الخاصة، حتى كان للشيخ محمد عبده أثرا كبيرا في حياة شكيب وفي تكوينه وتوجيهه، فاتخذه مثلاً أعلى لحياته، ورأى في أدبه وسيرته ودعوته للإصلاح وعمله لخير المسلمين طريقاً يسلكها، وشعاراً يرمي إليه، ونهجاً يسير فيه، حتى غدا يقلده في خطابه وفي آثاره ومقالاته.
    سافر شكيب إلى مصر وعمره إحدى وعشرون سنة في عام (1890م)، ولازم أستاذه (محمد عبده) وتعرف من خلاله إلى أرقى الشخصيات في مصر، وإلى مجموعة من طلائع النهضة العربية منهم: الشيخ (علي يوسف) صاحب جريدة «المؤيد»، وكذلك (أحمد زكي) باشا الذي أصبح شيخ العروبة في تحقيقاته وكتبه وأدبه.
    واتصل أيضا بالشاعر (محمود سامي البارودي) و (عبد الله فكري) و (إبراهيم اليازجي)، وتعرف إلى (إسماعيل صبري) وغيرهم من أعلام الفكر والأدب والشعر في عصره.
    وكان لهذه البيئة أثراً في حياة شكيب حيث كانت تمثل أكبر جامعة من الجامعات.. دخلها وخرج منها على اطلاع وثقافة وسياسة، فزادته يقيناً برسالته التي راحت تراود أحلامه وأمانيه، وهي رسالة الدعوة إلى الإسلام، والدفاع عن الخلافة، والذود عن العرب، ومناضلة الاستعمار.
    كما سافر شكيب إلى باريس وهناك تعرف على الشاعر الكبير (أحمد شوقي)، كما تعرف على (جمال الدين الأفغاني) في الآستانة والذي قال له: «أنا أهنئ أرض الإسلام التي أنبتتك»، واتصل بالشيخ (محمد رشيد رضا) وامتدت صداقتهما حتى وفاة الشيخ.
    كذلك تأثر بعدد من المفكرين والعلماء مثل (أحمد فارس الشدياق) الذي كان شديد الحماس والتأييد للخلافة الإسلامية والدولة العثمانية، وتأثر أيضًا بالعالم الأمريكي (د. كرنليوس فان ديك) الذي كان يدرّس بالجامعة الأمريكية ببيروت، وكان دائم الإشادة به.
    أعمال ونضال
    شغل أرسلان عدد من المناصب الإدارية، فتم تعينه مديراً للشويفات سنتين، ثم قائم مقام [محافظ] على الشوف عام (1902م)، وظل بهذا العمل ثلاث سنوات، ثم استقال وتم انتخابه نائباً عن منطقة «حوران» بالجنوب السوري، في مجلس المبعوثان [البرلمان العثماني]، وعُين مفتشاً لجمعية الهلال العثماني، وسافر تحت لواء هذا الهلال إلى طرابلس الغرب للدفاع عن إخوانه هناك، فكان يحث الهمم ويؤمن المؤن، ويضمد الجرحى، كما وقف في خطوط القتال مؤمناً بأنه: «إن لم ندافع عن صحارى ليبيا، لا نستطيع الحفاظ على جنان الشام».
    وبالرغم من دفاع شكيب عن الخلافة العثمانية قبل وفي ظل الحرب العالمية الأولى، إلا أنه أخيراً استاء من سياسة القائد العثماني (جمال السفاح)، الذي طغى وبغى وقتل ونفى وهجر حتى طفح الكيل، حيث أنقذ الأمير شكيب من مظالم جمال باشا العديد من الشخصيات السورية واللبنانية نذكر منهم (فارس الخوري) الذي ظل حتى آخر حياته يذكر أن شكيب أرسلان أنقذه من الموت.
    ثم توترت علاقات الأمير بجمال باشا لتكاثر تدخلاته، وهُدد مراراً بعدم التدخل، وقد نصحه الكثيرون ألاّ يتمادى في التدخل حرصاً على حياته، فهاجر من سورية إلى استانبول سنة (1917م)، وقرر ألا يعود إلى سورية وجمال السفاح فيها.
    دعته الحكومة الألمانية في نفس العام لزيارة عواصمها، فلبى الدعوة، وهناك وُفق في إقناع الألمان وساسة الأتراك في إرجاع (جمال السفاح) إلى الآستانة، وبهذا خدم شكيب قومه وأنقذ البقية الباقية من الزعماء السوريين من حبل المشنقة، كما خدم بلاده في إعادة منفيي سورية إلى أوطانهم.
    ولما انتهت الحرب العالمية الأولى بإخفاق الألمان والأتراك، انتقل شكيب إلى برلين وأقام هناك حيث أسس العديد من الجمعيات، وانتخب رئيساً لـ «النادي الشرقي» الذي هو مؤسسه.
    وكانت تغلب على مبادئ الأمير شكيب الصبغة السياسية؛ لأنه كان يرى أن إصلاح السياسة يصلح كل شيء، وهذا الإصلاح في السياسة قد انحصر عنده منذ بدأ مساهمته في الدعوة للجامعة الإسلامية حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى -أي مدة ربع قرن- في نقطتين:
    - «الأولى»: إصلاح الحكم الاستبدادي في الدولة العثمانية، وفي سائر الدول الإسلامية الأخرى، وتقويم المعوج في شؤونها الداخلية.
    - «الثانية»: تخليص الشعوب الإسلامية الواقعة تحت الحكم الأجنبي.
    وقد ظلت هذه النقطة الثانية مدار عمله في هذا الميدان حتى النفس الأخير من حياته.
    وقد انتخب شكيب سكرتيراً أولاً للوفد المنبثق عن المؤتمر السوري الفلسطيني عام (1921م) وعضواً في لجنته التنفيذية ليكون سفيراً لهم في الغرب، يدافع عن سورية وفلسطين، ويسعى لتحرير هذين القطرين من براثن الاستعمار، ويسعى لاستقلالهما أمام جمعية الأمم المتحدة بجنيف.
    لذلك انتقل شكيب عام (1925م) إلى سويسرا مقر عمله، وأقام في «لوزان» أولاً حتى عام (1930م) قبل انتقاله إلى جنيف، وقد نجح وفد المؤتمر السوري الفلسطيني في إفهام القضية السورية الفلسطينية، وأثارها في العواصم الأوروبية، ونبه أنظار الأمم إلى جرائم فرنسا في بلده، وجرها إلى مراقبة أعمالها، وتحذيرها من مغبة فسادها، فنقل بذلك أصوات السوريين إلى جمعية الأمم في جنيف، وأقض مضجع المستعمرين.
    ذاع صيت شكيب في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، وأصبح موضع ثقة العرب جميعاً ومحل احترامهم وإكبارهم، وزال عنه كثير من التهم التي كانت تلصق به في العهد العثماني بسبب وقوفه في وجه العرب المعادين للخلافة العثمانية، ولقي في سبيل هذه الشهرة عناء كبيراً، إذ راح العرب والمسلمون يكاتبونه ويسألونه ويشتكون إليه، وكان عليه بعد أن زحف نحو الستين أن يجيب من يعرف ومن لا يعرف بقلمه السيال وبيانه الفياض، فأصبح في كل ناحية له رسالة من خطه تنير أو تفيد في فتوى سياسية أو تعين في مشورة.
    انتخب شكيب أرسلان سكرتيراً لمؤتمر الشعوب المقهورة في «جنوى»، وفي عام (1923 ـ 1925م) أقام في «مرسين» بتركيا ليكون على مقربة من سورية المتحفزة للثورات، وللقاء والدته وعائلته هناك.
    وفي عام (1926م) نال شكيب أرسلان الجنسية الحجازية (السعودية لاحقاً).
    كما انتخب شكيب في تموز (1926م) في لجنة رئاسة «مؤتمر الخلافة».. وحركة مؤتمر الخلافة حركة إسلامية عارمة ثارت بعد قرار كمال أتاتورك إلغاء الخلافة في آذار (1924) وقطع روابط تركيا بالعرب والمسلمين.
    دعاه عرب المهجر في أمريكا الشمالية إلى ترؤس مؤتمرهم المنعقد في «ديترويت» فلبى الدعوة (عام 1927م)، وسافر إلى أمريكا بعد أن طاف في روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وأخذ يغذي الصحف العربية في كل مكان، وراح ينشر مذكراته في جريدة «مرآة الغرب» بنيويورك، تحدث فيها عن جمال السفاح ومقاومته له وردعه إياه عن فظائعه المنكرة في قتل الأحرار من العرب، وتحذيره لهذا الضابط المتكبر من نتائج أعماله على الدولة العثمانية وعلى رابطة العرب والترك.
    في سنة (1929م) ترك شكيب سويسرا ليحج إلى بيت الله الحرام، وفي سنة (1930م) قام برحلة إلى أسبانيا، فجاس خلالها مدنها وقراها، وصافحت عيناه جدران الأندلس الحلوة، فنقلها صوراً بارعة ورسوماً باكية ضاحكة إلى كتابه «الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية».
    كما أنشأ في هذه السنة مجلة باللغة الفرنسية سماها «الأمة العربية La Nation Arabe» بجنيف بسويسرا.. هذه الدولة التي أقام فيها حوالي 25 عاماً، وسعى من خلال هذه المجلة للدفاع عن قضايا أمته، والنضال في سبيل العرب، والعمل لاستقلالهم، والانتصار لثوراتهم في كل مكان، وتحريضه إياهم على الكفاح والنضال والإشادة بأبطالهم وبطولاتهم، غير مبال بغضب الإنجليز والفرنسيين.
    وللأمير شكيب أياد بيضاء في محو كثير من أسباب سوء التفاهم الذي ينشأ أحياناً بين ملوك العرب أو بين أمرائهم أو سائر رجالاتهم، وغالباً ما تكللت مساعيه بالنجاح بفضل ما كان يتمتع به عندهم من نفوذ وإكرام. ففي سنة (1934م) اختير شكيب في الوفد الذي شكلته لجنة المؤتمر الإسلامي في القدس لحل الخلاف بين عاهل السعودية ابن سعود والإمام يحيى باليمن، فكان لشكيب يد فضلى في جمع الشمل.
    ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولى قلما جاء وفد عربي إلى باريس أو لندن أو جنيف أو غيرها من العواصم ليطالب بحقوق العرب ولم يكن الأمير شكيب من أبرز أعضائه أو كبار مستشاريه، كما ندر أن عقد مؤتمر عربي عام وكان بعيداً عنه، ولم تقم ثورة في قطر عربي في المشرق أو المغرب ضد الاستعمار إلا وكان المدافع عن القائمين بها، ناشراً الدعوة لها وكاشفاً الستار عن أعمال المستعمرين في أوطانه.
    وذكر عنه أنه قابل مع صديقه (إحسان الجابري) موسوليني، وباحثه في موضوع القضية الطرابلسية، وأقنعه بإعادة 80 ألف عربي لوطنهم في ليبيا وإعادة أراضيهم.
    في عام (1935م) ترأس الأمير شكيب أرسلان المؤتمر الإسلامي الأوروبي الذي عقد في جنيف، وفي عام (1937م) سمح للأمير شكيب بزيارة سورية، فطاف مدنها وخطب في قومه وحاضر في أندية علمية مختلفة، واختاره «المجمع العلمي العربي» بدمشق رئيساً له، تكريماً لجهاده وإكباراً ليده، لكنه اعتذر احتجاجاً على فرنسا التي تنكرت للمعاهدة المعقودة مع سوريا سنة (1936م)، فاضطر للعودة إلى جنيف في ظل فترة الحرب العالمية الثانية، حيث نسج شبكة علاقات واسعة مع السوريين في أمريكا اللاتينية، فراسلهم وكتب المقالات في مجلاتهم، ووجه خطواتهم في عقد المؤتمرات وتشكيل الجمعيات، كما شارك في الخطوات السياسية للزعماء العرب المعادين لفرنسا وبريطانيا والساعين لاستقلال ووحدة البلاد العربية، وأبرزهم الحاج محمد أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وعلال الفاسي ومصالي الحاج الزعيم الجزائري، وغيرهم في المشرق والمغرب على السواء.
    محاولات المستعمرين للنيل منه
    شبّ «شكيب أرسلان» ليجد الوطن العربي والإسلامي فريسة للمستعمرين والغزاة المحتلين، ومن ثم فقد نما لديه - منذ وقت مبكر- وعي قوي بضرورة الوحدة العربية وأهميتها في مواجهة أطماع المستعمرين، ومؤامرات الغزاة لإضعاف الأمة العربية وتفتيتها ليسهل لهم السيطرة عليها.
    وقد عني «شكيب أرسلان» بقضية الوحدة العربية عناية شديدة، وأولاها كل اهتمامه، وأوقف عليها حياته كلها، وكانت مقالاته دعوة متجددة إلى قيام تلك الوحدة الكبرى، التي كان يرى فيها الخلاص من حالة الضعف والاستكانة التي سادت الأقطار العربية، وجعلتهم فريسة للمستعمر الأجنبي.
    وتعرض «شكيب أرسلان» -بسبب مواقفه الوطنية- للكثير من الاضطهاد من المستعمرين، وحيكت ضده المؤامرات العديدة من الاستعمار ومن أذنابه ممن ينتسبون إلى العروبة وهي منهم براء، كما تعرض لحملات شرسة من التشويه والافتراءات والأكاذيب.
    وسعى المحتلون إلى تشويه صورته أمام الجماهير، فاتهمه المفوض الفرنسي السامي المسيو (جوفنيل) بأنه من أعوان (جمال باشا السفاح)، وأنه كان قائدًا لفرقة المتطوعين تحت إمرته، وكان (شكيب) قد تولى قيادة تلك الفرقة من المتطوعين اللبنانيين لمقاومة الدول التي احتلت «لبنان»، وكان من الطبيعي أن يكون تحت إمرة (جمال باشا) باعتباره قائد الفيلق الرابع الذي تنتمي إليه فرقة (شكيب)، واستطاع (شكيب) أن يفند أكاذيبهم، ويفضح زيفهم وخداعهم.
    موقفه من الحلفاء والأتراك
    كان «شكيب» لا يثق بوعود الحلفاء للعرب، وكان يعتقد أن الحلفاء لا يريدون الخير للعرب، وإنما يريدون القضاء على الدولة العثمانية أولاً، ثم يقسمون البلاد العربية بعد ذلك. وقد حذر (شكيب) قومه من استغلال الأجانب الدخلاء للشقاق بين العرب والترك.
    ولكنه حينما رأى الأتراك يتنكرون للخلافة الإسلامية ويلغونها، ويتجهون إلى العلمانية، ويقطعون ما بينهم وبين العروبة والإسلام من وشائج وصلات؛ اتخذ (شكيب) موقفًا آخر من تركيا وحكامها، وبدأ يدعو إلى الوحدة العربية؛ لأنه وجد فيها السبيل إلى قوة العرب وتماسكهم.
    وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى حدث ما حذر منه «شكيب أرسلان» فقد ربح الحلفاء، وتجلت حقيقة خداعهم للعرب، وظهرت حقيقة نواياهم وأطماعهم ضد العرب والمسلمين، خاصة بعدما تنكر الأتراك للخلافة الإسلامية، واتجهوا اتجاهًا علمانيًا.
    مع قضايا التحرر العربي
    ظل «شكيب أرسلان» مطاردًا من أكثر من دولة؛ فتركيا تطارده لاهتمامه بقضايا العرب، وحملته على تنكر حكامها للخلافة والإسلام، وإنجلترا وفرنسا تطاردانه لدفاعه عن شعوب الأمة العربية ودعوته إلى التحرر، وتزعمه حملة الجهاد ضد المستعمرين، كما ظل مبعدًا لفترة طويلة من حياته عن كثير من أقطار الوطن العربي، لا يُسمح له بدخولها، خاصة مصر وسوريا اللتين كانتا تشكلان قلب الأمة العربية.
    ولم يقتصر دور «شكيب أرسلان» على الاهتمام بقضايا الأمة العربية وإيقاظ الهمم وبعث الوعي الوطني في داخل الوطن العربي فحسب، وإنما انطلق يشرح قضية العرب ويفضح فظائع المستعمرين ويكشف زيفهم وخداعهم في كثير من بلدان العالم؛ فسافر إلى روما وأمريكا الشمالية وروسيا وإسبانيا، وقد استقبل في كل بلد زاره بكل حفاوة وتقدير، ونشر العديد من المقالات التي تفضح جرائم المستعمرين في حق الشعوب العربية والإسلامية، وتصور الحالة الأليمة التي صارت إليها الأمور في كثير من البلدان التي ترزح تحت نير الاستعمار.
    جهوده لتوحيد المسلمين
    كذلك اهتم «شكيب أرسلان» بأحوال المسلمين في أنحاء العالم المختلفة، ففي عام (1344هـ = 1924م) أسس جمعية «هيئة الشعائر الإسلامية» في «برلين»، وكانت تهدف إلى الاهتمام بأمور المسلمين في «ألمانيا»، وقد تشكلت هذه الجمعية من أعضاء يمثلون معظم الشعوب الإسلامية، وأهم ما يميزها أنها نحت منحى دينيًا بعيدًا عن الشؤون السياسية، وذلك لتلافي أسباب الخلاف والشقاق التي قد تنجم عن اختلاف الأيدلوجيات السياسية بين الشعوب والدول المختلفة.
    العامل الديني والصراع بين الشرق والغرب
    أدرك «شكيب أرسلان» منذ وقت مبكر أثر العامل الديني في الصراع بين الشرق والغرب، وأكد عليه في كثير من كتبه ومقالاته، وأوضح أثر ذلك العامل في إثارة دول الغرب ودعمها لاستعمار الشرق واحتلال العالم الإسلامي، وربط بين الحملات الصليبية القديمة نحو الشرق وأخواتها المعاصرة على أيدي الفرنسيين والإنجليز والألمان، ولكنه كان أشد نقدًا للفرنسيين، فقد كانت فرنسا في طليعة الدول التي حاربت الإسلام والمسلمين، وقد خرجت منها وحدها إحدى عشرة حملة صليبية في مقابل حملة إنجليزية وأخرى ألمانية.
    وتناول «شكيب أرسلان» فظائع فرنسا ضد المسلمين في شمال أفريقيا، مؤكدًا أنها حملة عنصرية ضد العروبة والإسلام.
    وهو لا يغفل في حديثة الإشادة بسماحة الإسلام والحديث عن جو التسامح والإخاء الذي يعيشه أبناء الوطن العربي من مسلمين ونصارى، موضحًا ما يسود بينهم من السلام والوئام، حيث ينعم الجميع بكل الحقوق والواجبات دون تمييز أو تهميش.
    الثورة العربية
    لم يشترك «شكيب أرسلان» ولم يشارك في أحداث الثورة العربية التي قامت ضد تركيا سنة (1336هـ=1916م)، وإنما كان له موقف منها؛ فقد انتقدها وحذر من عواقبها، وقد أدى موقفه هذا إلى أن الكثيرين أساءوا الظن به، ولم يكن «شكيب أرسلان» بدعا في ذلك؛ فقد اتخذ هذا الموقف نفسه عدد كبير من الزعماء والمفكرين كالشيخ «عبد العزيز جاويش» والزعيم «محمد فريد» و «عبد الحميد سعيد» وغيرهم.
    ويفسر «شكيب أرسلان» موقفه هذا بأنه اعتقد أن البلاد العربية ستصبح نهبًا للاستعمار، وأنها ستقسم بين إنجلترا وفرنسا.
    القضية الفلسطينية
    لم يكن شكيب أرسلان لبنانياً فقط كما تشهد له شهادة الميلاد بل كان سورياً ومصرياً وفلسطينياً وليبياً وجزائرياً وسعودياً.. أي كان عربياً، وحتى عثمانياً، وإن كان الانتماء العربي واضحاً عند كثير من الأدباء والمفكرين والساسة العرب في بدايات القرن الماضي، فإن الطرح العثماني الذي كان يصر عليه أرسلان كان غريباً في تلك المرحلة وربما سبب متاعب جمة إذ كانت الظاهرة الانتمائية يومئذ معادية للعثمانية وربما للإسلام!!.
    وكما كان أرسلان غريبا في تبنيه الجامعة العثمانية فظل يؤكد أنه يفضّل الدولة العثمانية الشرقية الإسلامية على احتلال الفرنج الأعداء الغرباء.
    لم يكن هذا الطرح الجريء في هذا الوقت بالذات بمنأى عن النقد والتجريح من كثير من المفكرين العرب الذين كانوا يرون أنَّ الدولة العثمانية هي سبب مشكلات العرب وأن الغرب فيه التنوير والحضارة والمساواة، ولكن بعد مرور الأيام والسنين أثبتت الأحداث صحة ما ذهب إليه شكيب أرسلان.
    فقد اكتشف الخطر مبكراً، فنبهه عليه في مقالاته العديدة التي نشرت في أكثر من مجلة وصحيفة، ولم يكتفِ بالمقالات بل شمر عن ساعديه، وعمل بكل ما استطاع أن يعمله من أجل قضية فلسطين، القضية الأولى بالنسبة للعرب والمسلمين، ولم ينتبه إليها إلا أصحاب البصائر إذ كانت الهجرات اليهودية فور خروج العثمانيين من القدس تتم بالخفاء وبعيدة عن أعين الإعلام، فعقد المؤتمرات العديدة بين خلالها خطورة سياسة المستعمرين في فلسطين، وسعيهم إلى تقسيمها وإنشاء وطن قومي لليهود فيها.
    ويعد أرسلان من أوائل الذين تنبهوا للخطر الصهيوني قبل حلول نكبة (1948م) بأعوام عديدة، أي قبل وعد بلفور المشئوم (1917م).
    وعى أرسلان مشكلات أمته منذ عهد مبكر، فشهر قلمه وفكره، وكتب مئات المقالات لفلسطين، ولم يبخل بوقته.. فجال شرقاً وغرباً من أجل فلسطين والعروبة والإسلام.
    ولم يكن موقفه هذا وليد حدس أو تخمين، فقد تجمعت لديه الأدلة والقرائن أن فرنسا وإنجلترا يسعيان لتقسيم سوريا وفلسطين، وما كادت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها حتى تبين للجميع صحة ما ذهب إليه وبعد نظره، فانبرى في بلاد العرب والمسلمين مدافعاً عن حقوق المسلمين وكرس جهده ووقته وجاهه من أجل ذلك ومارس النشاط السياسي في أكثر من موقع، وكما ذكرنا آنفا فقد انتخب سكرتيراً أولاً للوفد المنبثق عن المؤتمر السوري الفلسطيني عام (1921م) وعضواً في لجنته التنفيذية ليكون سفيراً لهم في الغرب يدافع عن سورية وفلسطين ويسعى لتحرير هذين القطرين من الاستعمار ويسعى لاستقلالهما أمام جمعية الأمم المتحدة بجنيف.
    وكان من أوائل الذين تصدوا لخطر الوجود اليهودي في فلسطين، وسعى مخلصًا إلى دعوة العرب إلى جمع الشمل والتصدي لتلك المؤامرة، وحذر أبناء فلسطين من الخلاف والشقاق، لأن ذلك مما يقوي آمال الإنجليز واليهود ويعظم أطماعهم في فلسطين.
    فقد تدخل أكثر من مرة للصلح بين زعماء فلسطين لرأب الصدع بينهم وللتفرغ لمقارعة الاستعمار البريطاني والهجرة اليهودية. حيث كان الصراع على أشده في عشرينات القرن الماضي بين السياسيين الفلسطينيين بسبب الزعامات ولاسيما بين آل الحسيني وآل النشاشيبي وكان الصراع يومها على منصب الإفتاء وعلى المجلس الإسلامي الأعلى ومن ثم السيطرة على الأحزاب الفلسطينية وغير ذلك من مراكز القيادة!!
    ولما كان (الحاج أمين الحسيني) مفتي فلسطين مطارداً، حط الرحال في ألمانيا في أربعينات القرن الماضي وفي هذه الأثناء أرسل عدة رسائل للزعماء العرب يشرح لهم ما آلت له حالة البلاد من ازدياد الهجرة اليهودية بتشجيع من القوات البريطانية التي لاحقت الحاج أمين وأمثاله من الوطنيين الأحرار الذين اعترضوا على السياسات البريطانية في فلسطين، وكان المفتي يعرف قدر أرسلان ومكانته عند العرب والمسلمين والدول الغربية فأرسل له الرسائل والمذكرات شارحاً له عما يحدث في فلسطين فما أن وصلت إليه رسائل الحاج أمين الحسيني حتى قدم له كل مساعدة وساعده في الوصول إلى كثير من الدول والمحافل الدولية، فنجح الحاج أمين في مرات عديدة وأخفق مرات أخرى بسبب ملاحقته من بريطانيا وحلفائها، وبسبب نشر الشائعات حوله من قبل اليهود بأنه معاد للسامية وحليف هتلر وغير ذلك!!
    ولم تكن فلسطين بمنأى عن الأمير المجاهد، فيوم إعلان وفاته قامت سرادقات العزاء في عدد من المدن الفلسطينية كما أقيم مهرجان خطابي كبير في مدينة «يافا» بمناسبة مرور أربعين يوما ([1])على وفاته، حيث تكلم القادة والزعماء والأدباء عن مآثر الفقيد وجهاده المتواصل في المحافل الدولية من أجل فلسطين التي أحبها وأحبته.
    مع الجامعة العربية
    كان «شكيب أرسلان» من أكثر الدعاة إلى الوحدة العربية حماسًا، ومن أشدهم إيمانًا بأهميتها وضرورتها لمواجهة الهجمة الاستعمارية الشرسة على العالم العربي والإسلامي، وللخروج بالأمة العربية من حالة التفكك والتشرذم والضياع التي أرادها لها المستعمر الدخيل؛ حتى يسهل له السيطرة على أهلها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها.
    ولعل «شكيب أرسلان» كان من أوائل الدعاة إلى إنشاء الجامعة العربية إن لم يكن أولهم على الإطلاق، ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى مباشرة دعا «شكيب أرسلان» إلى إنشاء جامعة عربية، ولما تألفت الجامعة العربية كان سرور «شكيب أرسلان» بها عظيمًا، وكان يرى فيها الملاذ للأمة العربية من التشرذم والانقسامات، والسبيل إلى نهضة عربية شاملة في جميع المجالات العلمية والفكرية والاقتصادية.
    وكان «شكيب» من أشد دعاة الوحدة العربية ومن أكثر المتحمسين لأصالة الثقافة العربية، وكان مولعًا بتمجيد العرب والعروبة، كما كان يضيق بالشعوبية وأهلها، ويراها حركة تخريب لمدنية العرب، وإضعافا لعزائهم، وجمودا لأفضالهم، وكان يقول: " إن لكل عصر شعوبية، وشعوبية هذا العصر هم أولئك الأدباء والكتاب الذين يهاجمون العرب والعروبة».
    وبلغ من حرصه على هويته وقوميته العربية أنه كان يخطب دائمًا بالعربية في رحلاته إلى أمريكا وأوربا مع تمكنه وإجادته للإنجليزية والفرنسة والتركية وإلمامه بالألمانية.
    موقفه من الطائفية وعلاجها
    بعد الحرب الطائفية في لبنان عام (1860م) بين المسيحيين والدروز، كان النظام الجديد للبنان والذي تبناه ممثلو الدول الأوروبية الست الكبرى «فرنسا، إنجلترا، روسيا، ألمانيا، النمسا، إيطاليا» والباب العالي في حزيران (1861م)، كان مؤاتياً للطائفة المارونية، ويقوم على الاعتراف بالمبدأ الطائفي وتشجيعه له، فوفقاً لهذا النظام منح لبنان الحكم الذاتي المحلي في ظل حاكم مسيحي عثماني هو المتصرف، وكان نظام المتصرفية هذا وما يتبعه من تنظيم للقائمقاميات الطائفية لمصلحة الموارنة، وبسبب تهميش هذا النظام الجديد لجبل الدروز، حيث ظل الدروز على هامش التطور الاقتصادي الذي عرفه الموارنة بفضل الدعم الخارجي لهم، من الطبيعي أن يرى الأمير شكيب بأن الواجب يقتضي تدعيم موقع الأسرة الأرسلانية الدرزية في هذه القائمقامية، وأن يكون عل رأسها من يحمل تاريخ العائلة الفعلي ويجسد تراثها العربي الإسلامي ومن يعمل على التحام الدروز بالدولة العثمانية وتحقيق الذوبان الاستراتيجي للدروز وسط المحيط الإسلامي والسوري الأوسع.
    لذا نجد الأمير شكيب غاص في الصراعات الحزبية الجبلية الضيقة في السنوات (1892 ـ 1908م)، وقام بعدة مأموريات عام (1902م) في جبل حوران لإقناع الثوار الدروز هناك بالرجوع إلى طاعة الدولة العثمانية، وكان حاسماً وواضحاً في موقفه من ضرورة وحدة الدروز والتفافهم حول الدولة في تلك المرحلة، التي تميزت على حد وصف جميع المراقبين والباحثين بضعف الدروز وقوة الموارنة.
    قام الأمير شكيب بجهود جبارة في توحيد القوى لإدراج جبل الدروز ضمن إطار الدولة، فقد أقام تحالفاً بين العائلات الدرزية والعائلات اللبنانية، وهذا التحاف قام بالحركة المعروفة باسم «المظاهرة الكبرى» حيث توجه وجهاء هذه العائلات على رأس وفود من أعيان البلاد من جميع الأقضية والطوائف إلى «بيت الدين» مطالبين بشمول الدستور لجبل الدروز.. ثم تحولت هذه المظاهرات إلى حركة عصيان جماهيري أرغمت المتصرف المسيحي على إعلان الدستور في جبل الدروز. وكان من النتائج المباشرة لهذه الحركة عزل كبار المأمورين الذين كان المتصرف يعتمد عليهم، وتعيين مكانهم أشخاص من التحالف أو الحزب المؤيد للأمير شكيب، ومن جملتهم تعيين الأمير نفسه قائمقاماً لمنطقة الشوف.
    بغضه للفرقة والشقاق
    كان شكيب أرسلان صريحاً يعترف بالواقع المزري المتمثل بالشقاق بين المسلمين فيقول: «إني لأجد هذا الشقاق في كل أمة ولا يخلو منه مكان، وقد وقع بين الصليبيين أنفسهم، ولكن إن كان الشقاق عاماً فلا شك في أن تسعة أعشاره هي عند المسلمين والعشر الواحد عند سائر الأمم بأجمعها، وأقسم لأكتبن كتاباً وأسميه الفوضى الإسلامية وما جنته على المسلمين والوحدة الإسلامية».
    وقد وفى الرجل بعهده فكتب كتابه: (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟)، وقد ذكر (رشيد رضا) سبب تأليف شكيب أرسلان لهذا الكتاب، فقال: «كتب إلي تلميذي المرشد الشيخ محمد بسيوني عمران إمام مهراجا جزيرة سمبس برنيو (جاوة) كتاباً يقترح فيه على أخينا المجاهد أمير البيان أن يكتب للمنار مقالاً بقلمه السيال في أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر وأسباب قوة الإفرنج واليابان وعزتهم بالملك والسيادة والقوة والثروة، وأراد الرجل أن يكتب الأمير في هذا الباب للتأثير في نفوس المسلمين بما يناسب حالهم الآن لتنبيه غافلهم وتعليم جاهلهم وتحريك خاملهم وتنشيط عاملهم، فلما عاد الأمير شكيب من رحلته في أسبانيا كتب رسالته فكانت آية من آيات البلاغة ارتفع بها إلى مستوى العالم المصلح الكبير».
    ومن أعظم أسباب انحطاط المسلمين في نظر شكيب هو فقدانهم كل ثقة بأنفسهم كما خلص في ختام كتابه إلى دعوة المسلمين لينهضوا أو يتقدموا ويجاهدوا بالمال والأنفس، وأن يرتقوا كما ترقى غيرهم، فهم رجال كما أن أولئك، رجال ويجب أن يبتعدوا عن التشاؤم والاستخذاء وانقطاع الآمال.
    رحمك الله يا أمير البيان فما أشبه الليلة بالبارحة وكأنك مازلت تعيش بين ظهرانينا وتكتب عن علل أمتنا اليوم.
    لقد كان شكيب أرسلان - رحمه الله - صاحب فكر إسلامي مستنير يعتد بالنموذج الأول للتطبيق الإسلامي في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، ويدعو إلى الوحدة والتكاتف والتعاون كأسس للنهوض والعودة إلى عظمة الماضي.
    الهمَّة العالية
    قال الأمير شكيب أرسلان - رحمه الله - في كتابه «السيد رشيد رضا وإخاء أربعين سنة» ([2])حالتي الراهنة الآن من جهة الكتابة أني أكتب في الحول 1700-1800 مكتوب خصوصي، ونحواً من 250 مقالة في الصحف، عدا التآليف المطبوعة التي تبلغ بالأقل 2000-2500 صفحة في السنة، وهذا المبلغ هو أكثر ممَّا كنت يوم كَتَبَ إليَّ السيد رشيد ينهاني عن هذا الإسراف في الجهد.
    وذكر الأمير - رحمه الله - في رسالته إلى محمد الفاسي ([3])أنه عمل حساب عدد المكتوبات التي كتبها في سنة (1935م- 1355هـ)، فبلغ عدد المكاتيب الخصوصية 1781، وعدد المقالات 176، وقصيدتين ومقطوعة، وعدا ذلك حرَّر كتابه عن «أحمد شوقي» 350 صفحة، وحواشي ابن خلدون 560 صفحة، وطبع «الروض الشقيق» ديوان أخيه وذيّله بتفسير، وأودعه ترجمة أخيه ونسب العائلة ملخّصاً، وكتب قسماً غير قليل من الجزء الأول من كتاب الأندلس، وعلَّق على ديوانه تفسير بعض الألفاظ، ولخَّص كتاب «ليفي بروفنسال».
    وقد خطر لشكيب أرسلان عام (1936م) أن يجمع ما كتبه من بحوث سياسية ومذكرات واحتجاجات ونداءات، وما كان يوزعه على وفود جمعية الأمم المتحدة ورجالها من خطابات، فوجد أنه يقع فيما يقارب العشرين مجلداً، وأنه يتعذر عليه طبعه فأهداه جميعاً إلى نظارة الخارجية السورية.
    عرّفه خليل مطران بـ «إمام المترسلين»، ولقبه أخوه الخبير بعلمه وفضله السيد (رشيد رضا) بـ «أمير البيان».
    المفكر والأديب
    عاش «شكيب أرسلان» نحو ثمانين عامًا، قضى منها نحو ستين عامًا في القراءة والكتابة والخطابة والتأليف والنظم، وكتب في عشرات الدوريات من المجلات والصحف في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي.
    نظم الشعر وهو في منتصف العقد الثاني من عمره، وظهر نبوغه في الكتابة وغطت على شعره، فبدأ يراسل جريدة الأهرام المصرية بتوقيع (ش) وظل على ذلك سنين فاستفاضت شهرته، وفي عام (1887م) نشر ديوان شعره الأول وأسماه «الباكورة».
    ولكنه سرعان ما انصرف إلى النثر بمختلف فنونه، فحقق بعض كتب التراث، وترجم رواية «آخر بني سراج» عن الفرنسية، وألف عدداً من الكتب عن الإسلام وحضارته.
    وبلغت بحوثه ومقالاته المئات، فضلاً عن آلاف الرسائل ومئات الخطب، كما نظم عشرات القصائد في مختلف المناسبات.
    وقد اتسم أسلوبه بالفصاحة والرصانة وقوة البيان والتمكن من الأداة اللغوية مع دقة التعبير والبراعة في التصوير حتى أطلق عليه «أمير البيان».
    وقد أصدر عددًا كبيرًات من الكتب ما بين تأليف وشرح وتحقيق، ومن أهم تلك الكتب:
    - «لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ »- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر الطبعة الأولى سنة (1358هـ = 1939م).
    - «تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط»- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر الطبعة الأولى- سنة (1352هـ = 1933م).
    - «الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية»- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر- الطبعة الأولى- سنة (1358هـ = 1939م).
    - رواية «آخر بني سراج»: تأليف (الكونت دي شاتوبريان) ترجمة شكيب أرسلان مطبعة المنار بالقاهرة- سنة (1343هـ = 1925م)
    - «السيد رشيد رضا، وإخاء أربعين سنة» - مطبعة ابن زيدون بدمشق الطبعة الأولى سنة (1356هـ = 1937م).
    - «شوقي، وصداقة أربعين سنة»- مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر الطبعة الأولى سنة (1355هـ = 1936م).
    - «الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف»
    - «الباكورة»، ديوان شعره الأول.
    - «القول الفصل في رد العامي إلى الأصل».
    - «مطالعات في اللغة والأدب»، مقالات لخليل السكاكيني مع ردود للأمير عليها.
    - «روض الشقيق في الجزل الرقيق»، وهو ديوان أخيه نسيب، قدم له في 150 صفحة من أصل 176 صفحة.
    - «محاسن المساعي في مناقب أبي عمرو الأوزاعي».
    - «رسائل الصابئ»، تحقيق وتقديم الأمير شكيب.
    - «أناتول فرانس في مباذله»، كتاب فرنسي ترجمه الأمير إلى العربية.
    - «الدرة اليتيمة لابن المقفع»، تحقيق وتصحيح الأمير شكيب.
    - تعليقاته على كتاب «حاضر العالم الإسلامي» لمؤلفه الأميريكي (ستوارد) وترجمة (عجاج نويهض).
    - رسالة تاريخية للأمير شكيب حول محاولة فرنسا إخراج البربر من الإسلام.
    - مختارات نقدية في اللغة والأدب والتاريخ.
    - «تاريخ ابن خلدون» تعليقات الأمير على الجزء الأول والثاني منه.
    - كتاب «لا يمكن لأية دعاية في العالم أن تشوه صورة إنسان» وهو بالفرنسية.
    - محاضرة «النهضة العربية في العصر الحاضر» في 48 صفحة.
    - محاضرة «الوحدة العربية» في 32 صفحة.
    - مذكرات باللغة الفرنسية تصل إلى 20 ألف صفحة و30 ألف رسالة أو يزيد.
    - المئات من المقالات في الجرائد والمجلات منذ أول مقالة له في الأهرام (1887م) حتى آخر مقالة في جريد الاستقلال في الأرجنتين في 10 تشرين ثاني عام (1946م).
    - عام (1937م) أهدى الأمير مجموعة من عشرين ألف ورقة إلى نظارة الخارجية السورية. وهي حصيلة مراسلاته ومرافعاته أمام عصبة الأمم في جنيف خلال سنوات (1923 ـ 1936).
    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    36,963

    افتراضي رد: شكيب أرسلان....أمير البيان

    مؤلفاته المخطوطة
    ـ رحلة إلى ألمانيا.
    ـ بيوتات العرب في لبنان.
    ـ مذكرات الأمير شكيب أرسلان، وقد أودعها مكتب المؤتمر الإسلامي في القدس لتنشر بعد وفاته.
    وله العديد من المخطوطات تجاوزت الـ (24 مؤلف) ومعظم هذه المخطوطات موجود في المكتبة الخاصة بالملك المغربي الحسن الثاني، أو موزعة لدى العديد من أبناء الجبل في لبنان وحوران.
    من روائع مقالاته
    مقال بعنوان «التاريخ لا يكون بالافتراض ولا بالتحكم» ([4])يقول فيه:
    أريد أن أناقش أحداً ولا أن أسمي أشخاصاً ولا أن أحمل على باحث أديب بتجهيل، وإنما أُلمح من خلال الكتابات التي يجود بها بعضُ أدباء الوقت منزعاً، إن كان في حد ذاته محموداً فقد ينقلب في إساءة استعماله مذموماً، ويصير ضلالاً.
    ولع بعض الأدباء ([5])باتهام التاريخ الإسلامي الذي لدينا، وسلوكِ طريقة في التعليل لم يسلكها الأولون؛ ارتياداً لوجوه جديدة، وأسبابٍ للحوادث لم تكن معروفة، بحيث يُقال: إنهم كشفوا حقائق تاريخية لم يعرفها غيرهم، أو عرفوا أسراراً أعماها التاريخ الديني أو عَمّتْها السياسةُ وأهواؤها على الجمهور، ويسمون ذلك تحقيقاً وتمحيصاً، ويظنون أن التمحيصَ والتحقيقَ هما بمجرد المخالفة، والخروج عمَّا عليه الرأيُ العام.
    والحقيقة أنه إن كان مقصدُهم مجردَ المخالفة، وتغيير الأسلوب؛ لعدم الصبر على طعام واحد - فقد أصابوا الغرض.
    ولكن إن كانوا يزعمون أن هذه التعليلات الغريبة هي الأصل في تلك الوقائع فليسمحوا لنا أن نستعفيَهم من التصديق؛ لأننا نعرف التاريخ بالأدلة العقلية والنقلية، وملاحظة ما سبق وما لحق، واستنباطِ النتائج من المقدمات، ولا نعرفه تخرصاتٍ وافتراضاتٍ وأبنيةً على غير أساس.
    فإن كان هذا هو التمحيص التاريخي الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج فلا كان هذا التمحيص الذي هو عبارة عن قلب الحقائق؛ لأجل الإتيان بالبدع، ويجلُّ علماء الإفرنج عن أن يكون تمحيصهم من هذا النمط، وقد خلط منهم من خلط في معرض التمحيص، ولكن نبَّه المدققون منهم على أنهم خلطوا.
    فعندما يقوم واحد، فيذهب إلى أن تاريخَ حربِ اليمامة محاطٌ بالغموض، وأن مُقاتلة أبي بكر لأهل الردة لم تكن من أجل إقامة الدين، بل من أجل تأسيس الملك، وما أشبه ذلك من التوجيهات التي لم يقم عليها أدنى دليل - نعلم أنه حاول أن ينهج مناهج الممحصين، فظن التمحيص مجرد الخروج عن الإجماع ولو كان الإجماع صحيحاً؛ فلم يُصِبِ المرمى.
    وعندما يقومُ آخر فيدَّعي أنَّ السلفَ في صدرِ الإسلام وضعوا «سانسور» ([6])على الشعر الجاهلي المُشْرَبِ مبادئ الوثنية أو النصرانية أو اليهودية - نعلم أنَّ هذه الدعوى مبنية على الافتراض والتخيُّل، وأنها لا تستند على دليلٍ، بل الواقع يُناقضها من كلِّ الجهات.
    أعجبتني جداً عبارة الذي ردَّ على هذه الفئة ([7])فقال لهم: «مَنْ مِنْ ملوك المسلمين وحكامهم أمر بوأد الوثني واليهودي والنصراني ومحوه؟ ومَنْ مِن أعوان هؤلاء الحكام تولَّى ذلك؟ وكيف كانت طريقةُ المحو؟ وهل كُتب لها النجاح في كلِّ بلادِ الإسلام؟... إلخ».
    والحقيقة أنه ليس لهم من جواب على هذا السؤال، ولا حيلةَ لهم في التخلص منه إلا بإيراد أدلة واهية لا تدفع شيئاً من حقيقة حرية الرواية في ذلك العصر، ومِن كون بابها بقي مفتوحاً على مصراعيه، ولا تنفي أن عصر الصحابة لم يعرف «السانسور» ولا مراقبة الرواية، ولا كمَّ الأفواه، ولا شيئاً من أوضاع «ديوان التفتيش».
    وإذا تأملتَ في كلامِ هذه الفرقةِ رأيتهم يشيرون من طرف خفي إلى نزول درجة الحضارة التي كان عليها الصحابة، وأن شرائعهم وقوانينهم إنما كانت شرائع قوم في طفولة المدنية، وأنها لا تمس الحياة إلا قليلاً، وما أشبه ذلك، ثم ينسون أن مراقبة الكتابات والروايات إنْ هي إلا من أوضاع الهيئات الاجتماعية المتمدينة التي استبحر فيها العمران وتأثَّلَ الملك، وأن «السانسور» لا يأتي مع بداوة المجتمع، ولا يعقل وجوده في أيام السذاجة كالتي عاش فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضوان الله عليهم -.
    فمراقبة الكتب والخطب كانت تقع في رومية والقسطنطينية لعهد عظمة القياصرة، وفي أيام سلطة الباباوات، وفي عهد ملوكٍ فاتحين كلويس الرابع عشر، وقد بالغ فيها نابليون الأول ثم نابليون الثالث، وقد وقعت من أيام العرب في عهد العباسيين وغيرهم من ملوك الأعاجم، أو الملوك العرب الذين اتخذوا أطوار الأعاجم.
    فأما القولُ بأنها كانت في عهد الخلفاء الراشدين وفي أيام الصحابة فمحضُ تحكمٍ ومكابرة.
    نعم كان هؤلاء الناس من شديدي التحمس بالدين الجديد الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن حماستهم هذه لم تَقْلَعْ ما في قلوبهم من حبِّ الحرية التي نشئوا عليها في الجاهلية، والتي لا يوجد في الشرق ولا في الغرب أمةٌ بلغت شَأْوَ العرب فيها.
    ومن قال: «إن العرب أعرق الأمم في الحرية» فغير مبالغ؛ لهذا تجدهم رووا بألسنتهم، وكتبوا بأقلامهم جميع مطاعن المشركين في النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحْبِه، ولم يُخْفوا منها قليلاً ولا كثيراً، ونقلوا الشُبَهَ والاعتراضات التي كانت تقع على الرسول ورهطه، وذكروا كثيراً مما كان يردُّ به بعض العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكيف أنَّ اثنين تخاصما إليه، فحكم لأحدهما فقال المحكوم عليه: «هذا حكم لم يُرد به وجه الله»، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (( أوذيَ موسى من قبلي بأكثر من هذا)) ([8]).
    وغير ذلك مما هو مستفيض في كتب السيرة النبوية وأخبار صدر الإسلام، ومما رواه الرواة المسلمون، وحرره الكتبة المسلمون، وأقرأه العلماء المسلمون.
    ولم يكن عندهم حرج في نقل تلك الأحاديث وإبرازها كما جاءت؛ لأنهم كانوا على بينة من دينهم الذي دانوا به، وكانت قلوبهم مطمئنةً بالإيمان، وكانت سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - معلومة عندهم بدقائقها، فلم يكونوا يحتاجون فيها إلى «السانسور» دَرْءاً للشبهات عنها، وخوفاً من أن يُفضي تداول هذه الروايات إلى زعزعة عقيدة الإسلام التي لم تكن منذ جاء بها صاحبها - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم على شفا جرف هار.
    إن الإسلامَ مولودٌ رُزِقَ الصحةَ، ووثاقةَ التركيب منذ ولادته.
    نعم في هاتيك الأيام وما يليها كانوا يرددون أهاجي بعض الشعراء للصحابة والأنصار ولبني النجار وفي تلك الأيام كان يُعاتَبُ الرسولُ ويُقال له:
    ما كان ضَرَّكَ لو عَفَوتَ فربما *** منَّ الفتى وهو المَغيظُ المُحْنَقُ
    في أيام السلف كان يُنادي الأخطل:
    ولستُ بصائمٍ رمضانَ عُمري *** ولستُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي
    ولستُ بقائلٍ ما عشتُ يوماً *** قُبيلَ الصبحِ: «حيَّ على الفلاحِ»
    كان يقولُ هذا ويدخلُ على الخلفاء، ويُجيزونه الجوائز السنية، وكان هو وغيره من النصارى واليهود يفتخرون بدينهم، ويُعلنونه في أشعارهم التي كانَ يرويها المسلمون، ويُقيِّدونها في دفاترهم.
    ولمَّا جاءَ الملكَ النعمانَ بن المنذر رجلٌ نصراني في اليوم الذي كان عنده يومَ بؤس وأمر النعمان بقتله، استماحه النصرانيُّ مُهلةً أن يذهبَ ويودِّعَ أهله، فأذن له، على أن يقدِّم كفيلاً يحل محله في القتل إذا هو لم يرجع، فرجع، وتعجب النعمان من وفائه، فسأله: ما حملك على هذا الوفاء؟ فأجابه النصراني: حملني ديني! فقال له النعمان: وما دينك؟ قال له: النصرانية، وتنصَّرَ النعمان بعد ذلك.
    فكانت هذه الرواية مما حرَّره المسلمون ولم يغمطوا النصرانية حقَّها، ولا غمطوا اليهودية - أيضاً - حقَّها.
    وأجمع العرب المسلمون على نقل مآثر السموأل، وكان السموأل يهودياً، ومازال السموأل مَضْرِباً للأمثال في علوِّ النفسِ وكرمِ السجية إلى يومنا هذا، حتَّى قال شوقي -شاعر العصر- منذ أيام قلائل:
    كأنَّ من السموأل فيه شيئاً *** فكلُّ جهاته كرمٌ وخُلْقُ
    فكيفَ يكون المسلمون الأوائل حاولوا خنقَ كلِّ صوتٍ غيرِ صوتهم، ومحوا آثارَ النصرانية واليهودية والوثنية من شعر العرب؟
    ثم إنَّ شعرَ شعراء النصرانية في الجاهلية يملأ الدواوين، وما منهم إلا من حرص علماء الإسلام على التنبيه أنَّه كان نصرانياً، وقد نقلوا خطب قس بن ساعدة الذي كان مُطراناً، ونقلوا ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه.
    وأما كون ديوان شعراء النصرانية المطبوع في بيروت موضوعاً، وأنَّ الشعراءَ المرويةَ أشعارُهم فيه لم يكونوا نصارى، بل جعلهم صاحب الديوان نصارى وهم جاهليون لا غير - فمن يقول هذا؟ ومن يصل به المراء إلى إنكار أن أكثر أولئك الشعراء كانوا نصارى؟ غاية ما يُقال: إنَّ بعض أولئك الشعراء لم تثبت نصرانيتهم، وهذا لا ينفي أنَّ شعراء كثيرين مثل العبادي، والأخطل، والقطامي كانوا نصارى مجمعاً على نصرانيتهم، وأنَّ المسلمين نقلوا أشعارهم كما هي ولم يحذفوا منها شيئاً، وكان شعراء المسلمين يناقشونهم ويداعبونهم، وكان جرير يقول:
    قال الأُخيطلُ أن رأى راياتهم *** يا مارِسرجس لا نريد قتالا
    فالقول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يبقوا على أي نزعة تخالف دين الإسلام، وأنهم طووا شعر النصارى واليهود والمشركين - محضُ تحكمٍ لم يقم عليه أدنى دليل، بل قام الدليل على حرية الإسلام.
    ونقل رواة المسلمين ليس شعر النصارى واليهود والمشركين فقط، بل أهاجيَ كثيرةً قالها هؤلاء في النبي وأصحابه وأنصاره.
    وأما عدم حرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة للشعر وقولهم إن روايته ضلال فهذا زعم باطل مخالف للإجماع، فقد روى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشعر ([9])واستحسنه وقال: «إنَّ من الشعر لحكمة» ورواه عمر وعلي وسائر الصحابة، وتناشدوه، وطربوا له وكان فكاهة مجالسهم، وقصة كعب بن زهير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنشاده إياه «بانت سعاد» واهتزاز النبي لهذه القصيدة وإنعامه على كعب ببُردته الشريفة - كلُّ ذلك لا يحتاج إلى بيان.
    ولكنَّ الشعر كسائر الأشياء إذا أسيء استعماله انقلب إلى الضرر، وإذا كان وقعَ من عمر -رضي الله عنه- وهو من أبصر الناس بنقد الشعر وأشدهم اهتزازاً لجيده - تضييقٌ على الشعراء، فيكون في المواطن التي أسيء فيها استعمال الشعر، وصار باباً للمشاحنات والفتن.
    وكما أنَّ للخليفة طبيعةً ينفش بها إلى الأدب، ويعجب بسحر البيان فإنَّ عليه واجباً هو حماية الأعراض، وحفظ السلام.
    وأما إزراء الشعراء بالعلماء، وما قاله بعض هؤلاء في الإعراض عنه، والتعوذ منه فهو من باب التورُّع من بعض الفقهاء، وذلك لأنهم كانوا يرون فيه مبالغة، وغلواً، وعبثاً، فأشفقوا من أن يؤثِّرَ الاعتمادُ عليه في أخلاقِ النشء، ويصرفهم عن العبادة.
    ولكن هذا الزهد في الشعر لم يحملهم، ولا حَمَلَ الخلفاء والسلاطين على منع قرضِ الشعرِ وروايته والتأدبِ به، وذلك كما أنَّ نصرانية الأخطل والقطامي وأمثالهما لم تمنع متأدبي الإسلام من رواية أشعارهم، وحفظها والتأدب بها، وأن وثنيةَ أكثرِ شعراء الجاهلية لم تَحُلْ دونَ انطباع طلاب الفصاحة من المسلمين بأساليبهم، ونسْجهم على منوالهم.
    ومَنْ مِنْ العلماء والمؤرخين المحققين يقدر أن يقول إن أدباء العرب بعد الإسلام رغبوا عن شعر الجاهلية، وأهملوا روايته؛ من أجل أن قائليه كانوا مشركين؟ أو أن المسلمين طووا كلام قس بن ساعدة، لأنه كان نصرانياً؟ أو لم يعجبوا بقصيدة «إذا المرء لم يَدنس من اللؤم عرضه» لأن صاحبها كان يهودياً؟ من يا رب يقول هذا إلا الذين يبنون التاريخ على الأهواء والخيالات؟
    وقع التشدد في مثل هذه الأمور في أيام الدولة العباسية؛ لبعد العهد بسذاجة الدَّور الأول، وميلِ هذه الدولة إلى مناحي الأعاجم، وفُشُوِّ الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية في دار السلام، مما أخافَ الخلفاء ووزراءَهم على العقيدة الدينية، وحَفَزهم على الاحتياط لعدم انحلالها، وهذا أشبه بما كان في أوربة في القرون الوسطى، لا بل في القرون الأخيرة، لا بل بما لا تزال بقاياه إلى هذه الآونة.
    وبرغم ما كان من هذا الاحتياط في أيام العباسيين، ومَنْ في عصرهم من ملوكِ الإسلام - فقد كان الناس يروون أهاجيهم، ومثالبهم، ويتناشدون المطاعن الفاحشة في أعراضهم حتى في مجالس أقرب الناس إليهم.
    وقد شاعت أقاويل التعطيل والإلحاد في هاتيكَ الأيام برغم الضبط والمراقبة، ودُوِّنتْ أقوال الملحدين والدهريين.
    ورُويتْ أشعارُ المعرِّي ومن في سبيله حتى ما يخالف الدين الإسلامي مثل قوله:
    وقوم أتوا من أقاصي البلاد *** لرمي الجمارِ ولثمِ الحجر
    وكثير غير هذا من أقواله، ورسالة الغفران وصلتْ إلينا، ولولا أنها تُدوِّلت بالنسخ من قراب ألف سنة ما وصلتْ إلينا، ولو كان هناك «سانسور» ما أبقى على رسالة الغفران.
    وتجادل نصراني في الدين مع أحد بني العباس، ونال النصراني من العقيدة الإسلامية، وبلغَ المأمون ذلك فقال ما معناه، ما كان أغنى ابن عمِّنا عن تعريض دينه للطعن!
    ولا أنفي - مع ذلك - أنَّ الدولة الإسلامية في القرون التالية كانت تحجر -أحيان- على الفلسفة التي يُراد منها التعطيلُ أو الإلحاد، ويُسمونها الزندقة.
    فأما إزالة شعر النصارى أو اليهود أو المشركين، ومنع روايته فشيء لم يقع لا في زمن الصحابة، ولا في أيام بني أمية ولا أيام بني العباس.
    فيا إخواننا إنَّ التاريخ لا يكون بالظن، وإنَّ الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً، وهذا نتفٌ من كثير، ووشل من بحر؛ ولو كانت بيدينا الآن كتب لأحلناكم على شواهد لا تنتهي، فإن كنتم مع هذا تُصرُّون على المخالفة؛ لأجل المخالفة فليس هذا مما يزيد الثقة بعلمكم، بل هو مما يُنقصها، وبدلاً من أن يضعَ العلم على قواعد اليقين يضعه على قواعد أوهى من بيت العنكبوت.
    الرحيل
    كان الأمير شكيب قد تزوج عام 1916 من السيدة سليمى بنت الخاص بك حاتوغو وهي قفقاسية ومن سكان منطقة السلط في الأردن، وأنجبت له: ولده غالب عام (1917م) في جبل عالية بلبنان، و «مي» عام (1928م) في لوزان، و «ناظمة» عام (1930م) في جنيف.
    وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية سنة (1365هـ = 1945م) وتحررت سوريا ولبنان عاد شكيب أرسلان إلى بيروت في 30 تشرين أول (1946م)، فاستُقبل استقبالاً حافلاً، متع نظره بمشاهدة وطنه حراً مستقلاً طليقاً من الاحتلال والاستبداد ـ إلا أنه تحالف عليه مرض تصلب الشرايين والنقرس والرمل في الكليتين، وثقل الثمانين عاماً، فلم تطل مقاومته فلفظ أنفاسه الأخيرة ليلة الاثنين في 9 ديسمبر (1946م) بعد حياة حافلة بالعناء والكفاح.
    ودوى النبأ الفاجع، فهرع الأمراء الأرسلانيون إلى بيته يرسلون إليه النظرة الأخيرة لوداعه، وهبت بيروت ودمشق إلى داره، وساد وجوم رهيب في أنحاء العالمين العربي والإسلامي لموته، وشيع في اليوم التالي بموكب، مهيب وصلي عليه في الجامع العربي ببيروت، وسار في صدر هذا الموكب الحاشد رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك «بشارة الخوري»، ونقل جثمان الراحل إلى مسقط رأسه في «الشويفات» فعاد إلى الربوع التي عرفته صبياً يافعاً. وقد كان فيمن رثاه الدكتور مصطفى السباعي بقصيدة صادقة مطلعها:
    سلام عليك أبا غالب *** أمير البيان أمير القلم
    الأمير شكيب وطائفة الدروز
    الأمير شكيب أرسلان من الدروز وهو يقول عن هذا النسب: «والدروز فرقة من الفرق الإسلامية أصلهم من الشيعة الإسماعيلية الفاطمية، والشيعة الإسماعيلية الفاطمية أصلها من الشيعة السبعية القائلين بالأئمة السبعة، وهؤلاء هم من جملة المسلمين، وهم مسلمون ويقيمون شعائر المسلمين ويتواصون بمرافقة الإسلام والمسلمين في السراء والضراء، ويقولون إن كل من خرج عن ذلك منهم فليس بمسلم».
    أما «الأمير شكيب» نفسه فتنقل عنه بعض المصادر التاريخية أنه كان شخصياً يتعبد على مذهب أهل السنة، فيصوم ويصلي ويزكي ويحج كما يفعل جمهور المسلمين. قال الشيخ سليمان الظاهر: (الأمير شكيب كان المسلم الحقيقي الذي عرف أن الإسلام عقيدة وعمل، وأنه دين إنساني عام لا دين شعوبية وقبلية وعصبية وإقليمية ولا دين أجناس وألوان).
    إلا أننا في نهاية هذا البحث يجدر بنا أن نسرد بعض الحقائق عن الطائفة الدرزية لكي لا يتوهم أحدا أن الانتماء إليهم منقبة يشاد بها في المحافل، ورغم أننا سردنا الكثير من فضائل وشمائل أمير البيان «شكيب أرسلان» ونرجو له الخير والقبول عند الله، ونفرح -كما يقال عنه- بالتزامه بتعاليم الإسلام الصافية إلا أن التنبيه على مثالب هذه الطائفة حق واجب كي لا تختلط الأوراق ويتضح الحق ويعرف الجميع ما له وما عليه.
    يقول الأستاذ « أمير سعد » في مقاله «السهم الدرزي في ظهر العرب»
    بعمائمهم التي تشبه عمائم الأزهريين، يبدو شيوخ الطائفة الدرزية كما لو كانوا من علماء المسلمين، ولربما تحدث وجهاؤهم بلسان مسلم، أو حاكوا المسلمين في بعض مفرداتهم: «لا فضل لدرزي على سني إلا بالنضال»!! أخذاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»... مثلما قال سميح القاسم الشاعر الفلسطيني الدرزي.
    بيد أن المخابر لا تبديها المظاهر، وإنما تكشفها العقائد والأصول والمواقف. والحق أن هذه الطائفة بعيدة النجعة عن طريق الإسلام والمسلمين؛ فالدين غير الدين، والولاءات متعارضة، والمواقف السياسية متباينة.
    وإذ يعتري بعض المسلمين العجب وهم يظنون أن الدروز هم إحدى فرق المسلمين، وأنهم وإن اختلفوا عن السنة إلا أنهم لا يخرجون عن دائرة الإسلام والمسلمين، وهم يشاهدون درزياً (صالح طريف) وزيراً بلا وزارة في حكومة شارون، ويعجبون كذلك وهم يرون العديد من شباب الطائفة ورجالها يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويصوبون رصاصهم في قلوب إخوانهم من العرب الفلسطينيين.
    إلا أن هذا العجب سرعان ما يتبدد حينما يستبين لهؤلاء حقيقة القوم، وحين نجلِّي عن الدروز حجاب الإسلام ـ عبر هذه السطور ـ فنستطيع وقتها أن نراهم عن كثب على حقيقتهم التي ربما تخفى على العديد من المسلمين.
    الدروز ونشأتهم
    هم فرقة باطنية تقترب عقيدتها من عقيدة الإسماعيلية، تخفي عقيدتها عن الناس، وقد نشأت إبان حكم الطاغية الحاكم بأمر الله الفاطمي (408 هـ) على يد محمد ابن إسماعيل الدرزي (بنشتكين) الذي تسرَّع في إعلان ألوهية الحاكم بأمر الله مما أثار المسلمين ضده في مصر فاضطر للفرار إلى الشام؛ وهناك دعا إلى مذهبه فاستجاب له بعض الناس فأسس الفرقة الدرزية التي ارتبط اسمها باسمه، على الرغم من أن الدروز يلعنونه لتسرعه ويلقبونه بالغطريس الذي تغطرس في الكلام دون علم أو يقين، ويفضلون اسم الموحدين على الدروز؛ غير أنهم لا ينكرونه، والدروز عرب خُلَّص من قبيلتي لخم وتنوخ وليسوا أكراداً كما يظن بعض من الناس.
    عقيدتهم
    - يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ويعتقدون بغيبته ورجوعه.
    - ينكرون جميع أحكام الإسلام من صلاة وحج وصيام وتحريم للميتة والخمر.
    - يزعمون أن شريعة محمد بن إسماعيل نسخت شريعة محمد بن عبد الله.
    - يؤمنون بالتقية.
    - لا يؤمنون بجنة ولا بنار؛ وإنما يؤمنون بتناسخ الأرواح.
    - يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى لاسيما المسلمون، ويستبيحون دماءهم وأموالهم.
    - لا يؤمنون بالأنبياء سوى أنبيائهم المزعومين.
    - لا يتلقى الدرزي عقيدته إلا إذا بلغ الأربعين.
    طبقات الدروز
    الناس في الطائفة الدرزية طبقتان:
    أ- الروحانيون: وهم أهل العلم من الطائفة العالمون بأسرارهم، وينقسمون إلى: «شيوخ عقل»: وهم كبار علمائهم، و «أجاويد»: وهم بمثابة طلاب العلم عند أهل السنة.
    ب - الجثمانيون: وهم عامة الطائفة المعنيون بأمور الدنيا من أمراء وعامة.
    الخريطة الدرزية في العالم:
    يبلغ عدد أبناء الطائفة الدرزية في العالم نحو 250 ألف درزي؛ منهم 120 ألف في فلسطين، 90 ألف في لبنان، 17 ألف في الجولان السورية [جميع سكان الجولان المحتلة]، والباقي في أنحاء سوريا وأستراليا والبرازيل. وللدروز في فلسطين ولبنان وسوريا شأن وتميز واضح.
    «ففي فلسطين»: لا يخفى على ذي عينين وجود تأثير يهودي عميق في نشأة معظم الفرق التي مرقت من الإسلام، وليس سراً أن الحاكم بأمر الله أبا علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي إله الدروز كانت له ميول يهودية، والفرقة الإسماعيلية التي انبثقت عنها الدرزية إنما ولدت أفكارها من رحم يهودية، وليس غريباً أن يحن الفرع إلى الأصل، وأن يحدث نوع في توافق الأفكار وتلاقي المصالح بين اليهود والدروز وعليه فإن من أولويات الكيان الصهيوني فور إنشائه في العام (1948م) كان انتقاء الدروز من بين العرب وتمييزهم عنهم واحتواؤهم أو على الأقل تحييدهم.
    وفي المقابل رأى دروز فلسطين دولة اليهود فرصة للعب على التناقضات بين المسلمين واليهود خروجاً بأعلى مكسب يمكن أن تحققه أقلية لا تزيد عن 250 ألف (1%) بين عرب يزيد تعدادهم عن 250 مليون.
    بدأت الاتصالات مبكراً بين نشطاء الحركة الصهيونية والدروز، منذ عام (1930م) وخلال هذا وقَّع معظم زعماء الدروز على البيان الذي يعلن أن موقف الطائفة الدرزية من «النزاع اليهودي الفلسطيني» هو موقف محايد، وفي عام (1948م) أنشأ الكيان الصهيوني وحدة الأقليات في الجيش الإسرائيلي، وحاول تهميش دور المتحفظين من كبار العائلات الدرزية، إلا أن هؤلاء سرعان ما لحقوا بركب المتعاونين مع اليهود، وسمحوا للدروز بالانخراط في جميع مؤسسات الدولة الوليدة في مقابل الاعتراف ـ في الوقت المناسب ـ بالطائفة الدرزية طائفة مستقلة لها محاكمها الخاصة وتنظيمها الديني المستقل.
    ومن أكبر العائلات الدرزية التي احتوتها الحركة الصهيونية عائلة طريف التي ينتمي إليها أول وزير عربي في حكومة إسرائيلية (صالح طريف) وزير عمالي بلا وزارة في حكومة شارون.
    وإلى جانب اهتمام إسرائيل المبكر باحتواء الدروز سياسياً عبر تميزهم عن بقية العرب واستيعاب ساستهم ضمن منظومة «إسرائيل» الحزبية؛ انصرف جل اهتمام اليهود إلى تحقيق أقصى استفادة عسكرية من وجود الدروز على أرضهم المزعومة وتوافر النية لدى الأخيرين بالتعاون اللامحدود مع الكيان الصهيوني.
    ويعتبر الرئيس الإسرائيلي الأسبق «إسحاق تسقي» أبرز المسؤولين الذين اهتموا بقضية الدروز؛ حيث أكد في خطاب شهير له أمام الكنيست أن تجنيد الدروز يعتبر أمراً حيوياً حتى يتحولوا لسكين حاد ينغرز دائماً في ظهر العرب، مما دفع «إسرائيل» إلى إنشاء وحدة خاصة بالجيش هي وحدة الأقليات؛ وتكلف تلك الوحدة بالقيام بالعمليات العسكرية داخل الدول العربية وخارجها.
    ويبلغ عدد الدروز حالياً في الجيش اليهودي قرابة 19000 مجند موزعين على نقاط التماس مع العرب [جنوب لبنان ـ الضفة ـ غزة] كدروع بشرية لليهود وموزعين كذلك على الوحدات الخاصة مثل وحدات المستعربين (الدوفدفان) والتي تعنى باغتيال واختطاف ناشطي جماعات المقاومة الفلسطينية، والتي كان لها دور مخز كبير في اقتحام باحة المسجد الأقصى أواخر شهر يوليو [أكثر من 400 مستعرب شاركوا في الهجوم التتري على الأقصى]، بجانب انخراط عدد كبير منهم في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة نظراً لصعوبة تمييزهم عن بقية العرب من حيث الشكل واللغة [مثل الجاسوس المسجون في مصر عزام عزام].
    وما يزال وضع العسكريين الدروز في تصاعد، وتتزايد حاجة الجيش الإسرائيلي واطمئنانه لهم مع الأيام، ويتأكد ذلك كلما أبلى هؤلاء آثاماً في حرب اليهود ضد الفلسطينيين. وفي الانتفاضة الحالية تم مكافأة الدروز بترقية أحد ضباطهم وهو (يوسف مشلب) لرتبة جنرال، وهي أعلى رتبة يصل إليها ضابط درزي.
    «اقتصادياً»: اندمج الدروز في الاقتصاد الإسرائيلي حسب نموذج يختلف عن نموذج بقية العرب أو اليهود؛ فما يقرب من 50% من قوة العمل بين الرجال الدروز مندمجون في قطاعات لا يَقبل اليهود العمل فيها، ولا يُقبل العرب المسلمون بها، 40% يشتغلون في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختلفة، 10% يعملون في مصانع البتروكيماويات والموانئ وغيرها من الأماكن الحيوية [ربما في الأعمال الوضيعة فيها فحسب].
    «وفي لبنان»: كما في فلسطين، تتحكم عائلات محدودة ذات الثراء والصيت والمنعة في إدارة الشأن الدرزي اللبناني مثل عائلة (جنبلاط) [ينتمي إليها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني الحالي والسابق وليد وكمال جنبلاط]، وعائلة (أرسلان) [ينتمي إليها دماً فقط المجدد المسلم السني الأمير شكيب أرسلان سفير الإسلام في العالم]، وعائلة (الأطرش) [ينتمي إليها المغني فريد الأطرش وأخته الجاسوسة أسمهان التي لقيت حتفها في حادث استخباري غامض] ([10]).
    العائلة الثالثة ذات تأثير محدود الآن بين الدروز.
    العائلة الثانية تميل إلى مسايرة الدولة والمحافظة على المكتسبات الدرزية.
    أما العائلة الأولى فلها اليد الطولى في توجيه السياسة الدرزية، ولقد قام زعيماها بإدارة دفة السفينة الدرزية باقتدار مما جعلهما قمينين بأن تسلط الأضواء عليهما:
    أراد (كمال جنبلاط) أن يجد للدروز ولزعامته المدى العربي ومكانة لبنانية تفوق حصة حجمهم العددي، ومن أجل أن يصبح لامعاً قرر أن يكون معارضاً، فأنشأ في أواخر الأربعينيات «الحزب التقدمي الاشـتراكي»، وتبنى منذئـذ قضـايا الفقـراء ـ كعادة الاشتراكيين ـ واستفاد بذلك من القاعدة الفقيرة غير الدرزية في مد شعبيته وصقل زعامته، حتى إذا كانت الحرب اللبنانية كان جنبلاط قد أصبح رقماً من أرقام المعادلة اللبنانية الصعبة وانضم إليه العديد من القوى الفلسطينية والشيعية واليسارية إلى أن قُتل عام (1976م)، وقد تولى بعده ابنه «وليد» زعامة الحزب والطائفة، وفي الحرب استطاع أن يدحر الموارنة (المسيحيين) عن مناطق الدروز بالتعاون مع قوات «أمل الشيعية» وبدعم سـوري واضـح.
    وحين وضعت الحرب أوزارها شط الدرزي الأول في مطلب في اتفاق الطائف برئاسة رابعة للدروز [يتكون نظام الحكم اللبناني من ثلاث رئاسات: رئاسة الدولة للمسيحيين، ورئاسة الحكومة للسنة، ورئاسة البرلمان للشيعة] ورفضه السوريون والسعوديون، وعليه فقد بدأ جنبلاط في التحول من موالاة سوريا إلى الحياد معها أثناء الرئاسة القوية لحافظ الأسد، ثم التحول إلى مجاهرة سوريا بضرورة كف يدها عن التدخل في لبنان، مع تقربه في الوقت نفسه إلى القوى المسيحية المطالبة برحيل السوريين [البطريرك صفير، ورئيس الحكومة السابقة العماد ميشيل عون]؛ مما حدا بوزير الدفاع السوري (العماد مصطفى طلاس) إلى لمزه من قناة قائلاً: نحن صنعناهما (صفير وجنبلاط) وها هما ينقلبان علينا.
    ويستمر الحرباء السياسية في تقلباته ليحقق فوزاً «تحالفياً» بارزاً في الانتخابات الدرزية الأخيرة، ويخطو خطوة واسعة في طريق الدولة الدرزية التي يطمح إليها الدروز بالشوف في لبنان استناداً إلى مشروع غربي تمنيهم به فرنسا بمساعدة إسرائيلية.
    «أما في سوريا»: فلعل أبرز تأثير للدروز هو في مواطنيها المقيمين في الجولان السوري المحتل الذين يمثلون نحو 17 ألف درزي سوري هم جميع قاطني الجولان، ويعد ولاء الدروز المذبذب بين إسرائيل وسوريا أكبر معضلة لسوريا في مفاوضاتها المترنحة مع الكيان الصهيوني، وما من شك في أن الدروز سيخذلون السوريين حينما يطلب منهم موقف انحيازي حاسم، وقد بدت أعراض ذلك الخذلان في فبراير قبل الماضي حينما طلبت حوالي 300 أسرة درزية تعيش في هضبة الجولان، من الحكومة الإسرائيلية ضمانات بأنها ستستمر في العيش تحت الحكم الإسرائيلي إذا تمت إعادة هذه المرتفعات السورية، وقد قالت الإذاعة الإسرائيلية وقتها إن هؤلاء الدروز الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية قد طالبوا نائب وزير الدفاع الإسرائيلي مساعدتهم في تكاليف الرحيل وتقديم تعويضات لهم عن أي ممتلكات سيتخلون عنها مشيرة إلى نية العشرات منهم إقامة دعاوى قضائية ضد الحكومة الإسرائيلية مفضلين البقاء في كنف إسرائيل على العودة لسوريا!!
    الطلاق الدرزي
    يطيب لبعض الكتاب تجسيم مواقف الدروز من قضايا الأمة المصيرية على أنها مواقف تنم عن خيانة للأمتين العربية والإسلامية، وإذا كنا نوافق هؤلاء على أن مواقف الدروز هي خيانة علنية للعرب والعروبة باعتبارهم من القبائل العربية الأصيلة، إلا أننا لا نشاطرهم الرأي فيما يخص الإسلام؛ فالدروز لا يعدون طابوراً «إسلامياً» خامساً؛ لأنهم بكل وضوح ليسوا بمسلمين وقد طلقوا انتماءهم للإسلام طلاقاً درزياً (لا رجعة فيه) منذ مرقوا من الدين حين أنشؤوا دينهم عام (407 هـ)، وليس في القول جرأة، بل هذا الكلام قد قال نظيره شيخ الإسلام ابن تيمية حين سئل عن الدروز فأجاب: «هؤلاء الدروز كفـار باتفاق المسلمين لا يحـل أكل ذبائحهـم ولا نكاح نسائهم بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدُّون عن الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، وإن أظهروا الشهادتين وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب»([11])
    وعطفاً على ما قال شيخ الإسلام، فإن هؤلاء حقاً باطنيون يظهرون ما لا يبطنون، ومن تتخلف عنه هذه المسلَّمة يهوله التناقض الرهيب في مواقف الدروز؛ فكما تقدم رأينا حرباء لبنان كم يتقلب بأطياف السياسة اللبنانية، وكيف يتأرجح الجولانيون بين اليهود والعرب، وكيف يحاول دروز فلسطين تارة ارتداء مسوح المقهورين على خدمة إسرائيل، وتارة يتبخترون بلباس الجندية الإسرائيلية.
    وأخيراً نسوق ذلك الموقف الطريف من (صالح طريف) الوزير الشاروني: حين أجرى التلفزيون الفلسطيني مقابلة مع ذلك الدرزي عضو اللجنة المركزية في حزب العمل قبل توزيره وأثناء الانتخابات قال: «إن زيارة شارون للحرم القدسي الشريف كانت تدنيساً للحرم وأنه يأسف؛ لأن الدروز يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويحاربون إخوتهم، وأنه إذا لم تضع إسرائيل حداً للنزاع بإقامة دولة فلسطينية فلن يكون أمام الطائفة العربية الدرزية بد سوى إعادة ترتيب أوراقها، وتبني موقف شجاع مهما كلف الثمن».
    وعندما تم اختياره وزيراً في التشكيلة الشارونية ونشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية مقتطفات من الحوار السابق متهمة إياه بالنفاق سارع (طريف) على الفور بالاتصال بالإذاعة الإسرائيلية طالباً بصفته وزيراً إجراء حوار معه، وفي الحوار قال: إنه أدلى بأقواله للتلفزيون الفلسطيني ليقنع الفلسطينيين بالتصويت لمصلحة باراك، وأضاف: لقد حصل لي ما يحصل لآخرين يتفوهون بتصريحات خلال معركة انتخابية ثم يندمون عليها، ولو سئلت اليوم السؤال نفسه لما قلت إن شارون دنس الأقصى بزيارته.
    وعندما سأله المذيع عما إذا كان يتخبط بين تعاطفه مع الفلسطينيين وتضامنه مع الإسرائيليين قال: «يبدو أنك نسيت أنني كنت جزءاً من معركة الدفاع عن دولة إسرائيل مدة ثماني سنوات ضابطاً في الجيش، ولم أخجل ذات مرة من القول إنني خدمت في الجيش الإسرائيلي، وإنني على استعداد لإرسال أبنائي إلى الجيش للدفاع عن الدولة، حتى إذا تعرضت حياتهم للخطر؛ فأقاربي جميعاً يخدمون في الجيش»!
    لا عجب يا طريف! فقد أحسنت حين جسَّدت لنا الطبيعة الدرزية التي أُشربت عقيدة التقية، واتخذت الباطنية ديناً.
    ـــــــــــــــ ــــ
    من مصادر الترجمة
    - الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) على الإنترنت
    - شكيب أرسلان.. العارف بالأمة أينما كانت سمير حلبي
    - شكيب أرسلان.. داعية العروبة والإسلام (أعلام الغرب: 21) أحمد الشرباصي-المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة القاهرة (1383 هـ = 1963م).
    - شكيب أرسلان.. من رواد الوحدة العربية.. (مذاهب وشخصيات: 54) أحمد الشرباصي الدار القومية للطباعة والنشر القاهرة- (1383هـ = 1963م).
    - شكيب أرسلان والقضية الفلسطينية خليل الصمادي
    - السهم الدرزي في ظهر العرب/ بتصرف أمير سعيد

    [1]الاحتفال بالأربعين من البدع التي أنكرها جمهور أهل العلم الثقات

    [2](ص 526/حاشية 3/طبعةسنة 1357هـ)

    [3]نقلها أحمد الشرباصي في كتابه "شكيب أرسلان أمير البيان" / ص 102

    [4]كتبها الأمير شكيب في روما في 8مارس سنة 1926م، وهي في كتاب: تحت راية القرآن - المعركة بين القديم والجديد للرافعي، ضبطها وصححها محمد سعيد العريان ص87-96.

    [5] يشير إلى طه حسين

    [6]كلمة فرنسية، ولعل معناها: الغطاء، أو الساتر أو الرقابة، كما يفهم من سياق الكلام

    [7]يشير إلى مقالة الأستاذ عباس فضلي

    [8]رواه البخاري ومسلم بنحوه

    [9]كان ينشد الشعر فلا يقيم وزنه؛ وقد بينا حكمة ذلك في كتابنا "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية" ولكنه يستنشد الشعر كثيراً (الرافعي)

    [10]أصول عائلة الأطرش من سوريا من جبل العرب (محافظة السويداء)

    [11]مجموع الفتاوى، ج 35، ص 161


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •