الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,674

    افتراضي الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال

    الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال (1)

    نسب الفاطميين






    كتبه/ أحمد حرفوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فقد بدأ احتلال مصر من الدولة التي تسمت بالفاطمية من (297هـ - 910م) حتى زال (567هـ - 1171م).

    ونَسَبَ الفاطميون -العبيديون- أنفسهم إلى عبيد الله المهدي بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنكر المحققون من المؤرخين صحة هذا النسب، فمَن راج عليه ذلك النسب اكتفى بادعاء "عبيد الله المهدي" -المؤسس- بأنه من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بينما نَفَى المحققون نسبهم لآل النبي صلى الله عليه وسلم، وأثبتوا أنه زعم وافتراء، وأن عبيد الله المهدي اسمه سعيد، وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح، وجَدُّ القداح هو "ديصان" أحد الثنوية، الذي يرجع أصله إلى المجوس، وبعضهم ينسبه إلى اليهود!

    وقد بذل عبيد الله المهدي الأموال لأشراف ونقباء العلويين لما كذبوا نسبه لمحاولة إسكات بعضهم.

    ويستدلون على نفي النسب بالحديث الذي جَرَى بين السلطان المعز الفاطمي وبين ابن طباطبا عندما سأله الأخير عن نسبه أمام أشراف مصر، فَسَلَّ المعزُّ سيفه وقال: "هذا نسبي"، ونثر عليهم ذهبًا كثيرًا وقال: "هذا حَسَبي".

    وقد كتب العزيز الفاطمي إلى الخليفة الأموي الحكم المستنصر في الأندلس كتابًا يسبه ويهجوه فيه، فرد عليه صاحب الأندلس: "أما بعد، فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك، والسلام"، وذلك في إشارة منه إلى نفي نسبهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    وفي بداية ولاية العزيز صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد ورقة مكتوبًا فيها شعر يشكك في نسبه، ويطلب منه أن يذكر نسبه مثل الخليفة الطائع العباسي:

    إنا سمعنا نسبًا منكرًا يتلى على المنبر في الجامع

    إن كنت فيما تدعي صادقًا فاذكر أبًا بعد الأب الرابع

    وإن ترد تحقيق مـا قلتـه فانسب لنا نفسك كالطائع

    أو دع الأنساب مستـورةً وادخل بنا في النسب الواسع

    فإن أنساب بني هـاشــم يَقصُرُ عنهـا طمع الطامع

    ولما كثر ادعاؤهم لعلم الغيب، حدث أن صعد العزيز يومًا المنبر فرأى ورقة مكتوبًا فيها سبة لهم:

    بالظلم والجور قد رضينا وليس بالكفر والحماقة
    إن كنت أعطيت علم غيبٍ فقل لنا كاتب البطاق

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,674

    افتراضي رد: الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال



    الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (2)

    رد الخلافة العباسية على النسب الفاطمي









    كتبه/ أحمد حرفوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    ففي سنة (402هـ - 1011م) كتب محضر ببغداد في قدح النسب الذي يدَّعيه الخلفاء الفاطميون، كما أقر الحاضرون على فساد عقائدهم، وأنهم زنادقة، وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرَّمي إخوان الكافرين، وقد شهدوا أيضًا أن الناجم بمصر -نسبة إلى اعتقادهم التنجيم-، وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم، حكم الله عليه بالبوار، قد وصل جدهم إلى المغرب، وتسمى بعبيد الله، وتلقّب بالمهدي، وهو مع من تقدَّمه من سلفه، أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي رضي الله عنه، ولا يعلمون أن أحدًا من الطالبيين، توقّف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج: إنهم أدعياء.


    وقد كان هذا الإنكار شائعًا بالحرمين، وأن هذا الناجم بمصر وسلفه، كفّار وفسّاق، وأنهم لمذهب الثَّنويّة والمجوسية معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء وسبُّوا الأنبياء، ولعنوا السَّلف، وادَّعوا الربوبية، وقد كتب خلقٌ في المحضر، منهم: الشريف المرتضي، وأخوه الشريف الرضيِّ، وجماعة من كبار العلوية، والقاضي أبو محمد بن الأكفاني، والإمام أبو حامد الإسفراييني، والإمام أبو الحسين، وابن الأزرق الموسوي، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يعلى العلويون، والقاضي أبو القاسم الجزري، والفقيه أبو محمد الكشفلي، والفقيه أبو علي بن حمكان، وأبو القاسم بن المحسن التنوخي، والقاضي أبو عبد الله الصيمري.

    وفي سنة (444هـ - 1052م) كرر القدح في نَسَب بني عبيد، الخارجين بالمغرب ومصر، وأن أصلهم من اليهود، وأنهم كاذبون في انتسابهم إلى جعفر بن محمد الصادق رحمه الله، فكتب فيه خلق كثير، وعزوهم فيه إلى الديصانية منسوبون إلى: ديصان بن سعيد الخرمي من المجوس، والقداحية من اليهود، وكتب فيه العلويون والعباسيون والفقهاء والقضاة والشهود، وعمل به عدة نسخ، وسُير في البلاد، وشُيع بين الحاضر والبادي.

    وقد ظل النسب الفاطمي غير معترف به؛ سواءً على المستوى الرسمي ممثلًا في الخلافتين الأموية في الأندلس، والعباسية في بغداد، وعلى المستوى الشعبي في عدم تقبل المصريين لمذهبهم منذ استيلائهم على مصر، وأيضًا نجد أن أعيان العلويين في بغداد قد طعنوا في هذا النسب.

    وقد استمد الفاطميون لقبهم من اسم فاطمة الزهراء، وأُطلِق عليهم اسم: العبيديين؛ نسبةً إلى جدهم عُبيد الله المهدي، كما أطلق عليهم العلويون نسبة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.


    والإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن محمد بن جعفر الصادق، كما عُرِفوا بالمصريين نسبة إلى مصر، باعتبارها مقر ملكهم الأخير قبل زوال دولتهم.

    ونكمل في المقال القادم إن شاء الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,674

    افتراضي رد: الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال



    الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (3)









    كتبه/ أحمد حرفوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    نشأة الدولة الفاطمية في المغرب ومحاولات غزو مصر:

    لقد نشأت الدولة الفاطمية في المغرب حيث بويع لعبيد الله المهدي بمدينة رُقَّادة سنة (297هـ - 910م)، وقد عمل عبيد الله المهدي على توطيد دولته الشيعية بالتخلص من منافسيه، فبادر بقتل داعيته أبي عبد الله الشيعي سنة (298هـ - 911م) بعد أن مهَّد له المغرب من الناحيتين: الدينية والسياسية، كما قام المهدي ببناء مدينة المهدية لحماية ملكه من ثورات المغاربة التي لا تنتهي.

    وقد أدرك الفاطميون أن وضعهم لن يستقر في المغرب في ظلِّ ثورات أهلها، وعدم تقبُّلهم للمذهب الشيعي، كما أدركوا مدى الأهمية الاقتصادية والسياسية لمصر التي كانت في نظرهم ميدان المعركة الحاسمة مع العباسيين، وقاعدة الانطلاق إلى الشام واليمن وأرض الحرمين؛ لإقامة دولتهم على أُسس قوية؛ لذلك لا نعجب إذا رأينا الخلفاء الفاطميين منذ خلافة المهدي يدأبون على امتلاك تلك البلاد! فقد أرسلوا خمس حملات برية وبحرية؛ لتحقيق ذلك الهدف.

    الحملة الأولى على مصر سنة (301هـ - 914م):

    جهَّز عبيد الله المهدي جيشًا، وعهد بقيادته إلى ولي عهده أبي القاسم القائم، ودفعه باتجاه مصر للسيطرة عليها، ووصلت إلى الفسطاط واصطدمت بقوات الوالي العباسي أبي منصور تكين، كما أرسلت الخلافة جيشًا بقيادة مؤنس الخادم؛ فاضطرت هذه الحملة للتراجع تحت ضغط القتال، وبذلك كُتب لها الفشل.

    الحملة الثانية على مصر سنة (307هـ - 920م):

    وفيها أرسل عبيد الله المهدي ولي عهده القائم إلى مصر مرة ثانية للاستيلاء عليها، وأمدَّه هذه المرة بقوة بحرية مساندة، فتوجَّه إلى الإسكندرية على رأس جيش كبير، ودخلها دون مقاومة سنة (307هـ - 919م) ، كما أرسل بعض قواته التي استولت على الفيوم والأشمونيين، لكن رد الخلافة كان سريعًا وقويًّا؛ فقد أرسل الخليفة العباسي قوة بحرية بقيادة ثمال الخادم دمرت الأسطول الفاطمي في رشيد في شوال من نفس السنة، ودخلت قواته شمال الفسطاط، كما أرسل الخليفة العباسي قوة برية بقيادة مؤنس الخادم الذي قاتل الحامية الفاطمية في الإسكندرية، كما اصطدمت بقوات الفاطميين في الفيوم والأشمونيين؛ مما أضعف الروح المعنوية للفاطميين.

    ومما زاد موقف الجيش الفاطمي حرجًا أنه تفشَّى فيه مرض الطاعون؛ مما عجَّل بهزيمتهم ورجوعهم؛ وبذلك فشلت حملة الفاطميين الثانية على مصر.

    الحملة الثالثة على مصر سنة (323هـ - 935م):

    وجَّه الخليفة القائم في أواخر عام (323هـ - 935م) جيوشه المتمركزة في برقة، والمعززة بعناصر قادمة من إفريقية إلى مصر، فاحتلت الإسكندرية في سنة (324-936م)، لكن حاكم مصر: محمد ابن طغج الإخشيد أرسل جيشًا كبيرًا عليه أخاه الحسن وأحد قادته، ويدعى صالح ابن نافع؛ فاستعادا المدينة بعد قتالهم، وقُتل أحد قادة الفاطميين في المعركة ووقع الآخر في الأسر، وانسحب الجيش الفاطمي إلى برقة، وبذلك فشلت الحملة الثالثة على مصر.


    وللحديث بقية إن شاء الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,674

    افتراضي رد: الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال



    الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (4)

    غزو الفاطميين لمصر وقطع الخطبة للعباسيين









    كتبه/ أحمد حرفوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فلم يقرر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله القيام بحملته العسكرية، إلا عندما توفي كافور الإخشيدي الوالي العباسي على مصر، فقد كان دُعاة المعز بمصر يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز لدين الله الأرض كلها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود -يعنون: كافورًا الإخشيدي-، فلما توفِّي كافور الإخشيد أقدم جماعة من الأُمراء الإخشيديين الذين لم يرضوا عن حال البلاد، إلى مراسلة الخليفة الفاطمي يستدعونه ليتسلم مصر.

    وكان قد سبقهم إلى المغرب الكاتب الشهير يعقوب بن كلس؛ كان مِن يهود العراق ويعمل بالتجارة، ثم رحل إلى الشام ثم إلى مصر سنة (334هـ - 945م). حيث اتصل بكافور، ونال إعجابه واعتنق الإسلام، وعكف على دراسة الإسلام ثم هرب إلى المغرب.

    وكان المصريون على استعداد لتقبل أي حاكم جديد يريح البلاد مما تتخبط فيه من مشاكل سياسية واقتصادية، فحمل ذلك أُولي الرأي في البلاد على الكتابة إلى المعز لدين الله؛ يطلبون منه القدوم إلى مصر لإنقاذها من الفوضى التي دَبَّت فيها منذ أن توفي كافور؛ ولذلك استجاب المعز لهذا الطلب.

    وقد قال المعز لدين الله: "إني مشغول بكتب ترد عليَّ من المغرب والمشرق، أجيب عليها بخطي"، وقوله أيضًا: "والله لو خرج جوهر -يقصد جوهرًا الصقلي قائد جيشه- وحده لَفَتَح مصر، وقد استفاد المعز من تجارب الماضي، فحرص على تجنُّب ارتكاب الأخطاء نفسها التي ارتكبها آباؤه عندما حاولوا الاستيلاء على مصر؛ فاتَّبع أُسلوبًا مختلفًا، معتمدًا على دعاته فيها؛ الذين هيأوا له الأرضية الداخلية، كما كثَّف اتصالاته مع بعض أصحاب النفوذ فيها، الذين لم يُخْفوا مشاعر ولائهم للفاطميين.

    فانطلقت الحملة من إفريقية يوم السبت منتصف ربيع الآخر (358هـ - 969م)؛ فتقدَّم جوهر ببطء باتجاه الإسكندرية، وسانده أُسطول بحري، ولم يصل إلى حدود الدولة الإخشيدية إلا بعد ثلاثة أشهر، وعندما انتشر خبر هذا الزحف في الفسطاط، اضطرب الوضع، واستعد أنصار الفاطميين لاستقبال ذلك القائد بنشر المعلومات التي وزَّعها عليهم الدعاة؛ ليقيموا الدليل على خضوع المصريين الذين يقاسون من الفوضى منذ عهدٍ بعيدٍ؛ ولمَّا لم يصادف جوهر الصقلي مقاومة تُذكَر؛ أمر جنده بعدم التعرض للسكَّان، واستطاع بحنكته أن يستقطب أهل الإسكندرية، ويؤلِّف قلوبهم بما أجزل لهم من المال؛ وهنا أدرك المسئولون في مصر، وعلى رأسهم: الوزير جعفر بن الفرات، أنه لا طاقة لهم بمقاومة الجيش الفاطمي الجرار؛ فجمع هذا الوزير وجوه القوم للتداول في الأمر، وكانت رُسل جوهر الصقلي ترد إليه سرًّا.

    واتفق الجميع على تجنب اتخاذ أي موقف عدائي، والميل إلى التفاوض في شروط التسليم، وطلب الأمان لأرواح المصريين وأموالهم وأملاكهم، فشكَّلوا وفدًا من أجْلِ هذه الغاية، منهم: أبو جعفر مسلم الحسيني، وأبو إسماعيل الرسي، ومعهما القاضي: أبو طاهر، وجماعة من أهل مصر، وخرجوا من الفسطاط في (رجب358هـ - يوليو969م).

    وشايعهم كل قائد، وكاتب، وعالم، وتاجر وشاهد؛ ما يدل على أن فكرة المقاومة من جانب المصريين كانت شبه معدومة، وكان معنى ذلك: أن جوهرًا الصقلي كاد يستولي على مصر من دون إراقة دماء.

    وجَرَت بين الطرفين مباحثات اتفقا خلالها على كتاب الأمان الذي كتبه جوهر الصقلي، وأعلنه للمصريين، وجاء فيه رسالة اطمئنان لأهالي مصر والشام المتمسكين بالمذهب السُّني أن أحدًا لن يرغمهم على التشيع.

    كما تعهد بتحقيق العدل، ونشر السلام والطمأنينة بين الناس، وإعانة المظلومين مع الشفقة والإحسان، والتصدي لخطر القرامطة ودفعهم بعيدًا إلى الشام، ومنعهم من التعدي على الحجاج المسلمين، ومواجهة الروم الذين هاجموا شمالي الشام، واستولوا على كثيرٍ مِن مدنها، وتخليص أهل المشرق من الرعب الذي لحق بهم جرَّاء هذين العدوين.

    كما تعهد بأن يقوم بإصلاح شامل في إدارة البلاد؛ بالضرب على أيدي العابثين مِن قُطَّاع الطرق، وضبط النقود بعدم غشها أو تزييفها.

    وفي مقابل منح الأمان للمصريين: أن يدخل حاضرة البلاد مطمئنًا؛ فأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يذيعوا نصوص الاتفاق بين الخاص والعام، وأن يضمنوا عبورَ جيشه من الجيزة إلى الفسطاط، وذلك بالخروج إليه، والسير في ركابه حتى يعبر الجسر وينزل الفسطاط.

    ثم عَبَر جوهر الجسر المقام على النيل بين الجيزة والفسطاط، وعسكر شمالي القطائع، ووضع أساس مدينة القاهرة، ولما كان يوم الجمعة 20 شعبان (358هـ - 969م) صَلَّى جوهر الصقلي في جامع عمرو بن العاص صلاة الجمعة، وخطب بالمصلين هبة الله بن أحمد، وقطع الدعاء للعباسيين، وقرأ الدعاء للفاطميين، وبدأ العهد الفاطمي العبيدي في مصر. وإنا لله وإنا إليه راجعون.


    وللحديث بقية إن شاء الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,674

    افتراضي رد: الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال



    الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (5)









    كتبه/ أحمد حرفوش


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    بناء مدينة القاهرة:

    عسكر جوهر الصقلي بجيشه في الموضع الذي أنشأ فيه مدينة القاهرة، وفي مساء اليوم الذي وَصَل فيه؛ حدَّد موضع القصر الذي سيقيم فيه سيده المعز؛ ولم تكن القاهرة قديمًا لسكنى العامة من الناس، ولم يكن يسمح لأحدٍ بالدخول من أبوابها بدون إذنٍ أو تصريحٍ، حتى إن سفراء الدول الأجنبية كانوا يترجلون عند وصولهم إلى أسوارها، وظلت هكذا حتى نهاية عصر الحاكم المستنصر في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، عندما حَلَّت بالبلاد الأزمات الاقتصادية، واحترقت مدينة الفسطاط، فدخلت العامة مدينة القاهرة وسكنتها.

    نقض جوهر لمعاهدة الاستسلام:

    الواقع أن جوهر الصقلي أراد أن يفرضَ باسم المعز لدين الفاطمي سلطته الدينية والدنيوية على كافة المصريين، على الرغم مِن تعارضها مع مبدأ التسامح الديني الذي تعهَّد باحترامه؛ فقد أفطر جوهر ورجاله يوم عيد الفطر بغير رؤية، حسب تعاليم المذهب الإسماعيلي الذي يعتمد الحساب في الصوم والإفطار!

    كما أقيمت صلاة العيد في مصلى القاهرة بإمامة قاضى العسكر، لكن أهل مصر لم يصلوا معهم، وصلوا من الغد في جامع عمرو بن العاص، واستنكر جوهر هذا الموقف الذي اتخذه القاضي، وهدَّد مَن أعاد فعله، وخاطب المصريين بأن الصوم والفطر على رؤية الهلال قد زالا؛ فانقطع بذلك طلب رؤية الهلال بمصر طوال عهد الفاطميين.

    كذلك أحدث التغيير الثاني -الذي عَبَّر عن ترك المذهب السني في مصر- عندما أمر المؤذنين بالأذان بحيَّ على خير العمل، وهو مِن بدع الفاطميين، ثم قطع الخطبة للعباسيين من على منابر مصر، وحذف اسمهم عن السكة، وأحل اسم المعز، وأزال السواد شعار العباسيين.

    بناء الجامع الأزهر:

    تم بناء الجامع الأزهر بعد بناء القاهرة بتسعة أشهر في جمادى الأول سنة (359هـ - 970م)، وافتُتح للصلاة يوم الجمعة السابع رمضان سنة (361هـ - 972م)، وقد أُنشئَ هذا المسجد ليكون مسجدًا للدولة الفاطمية، ورمزًا لدعوتها المذهبية، وفي عهد الحاكم العزيز بالله تحوَّل الجامع الأزهر إلى جامعة لنشر المذهب الشيعي، حيث قام الوزير يعقوب بن كلس بتعيين عددٍ كبيرٍ مِن الفقهاء، ليقوموا بإلقاء الدروس والمحاضرات المنظمة في فقه الشيعة، وأمرَ الدعاة أن يُحفِظُوا الناس كتاب دعائم الإسلام، وكتاب الوزير: يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت.

    قدوم المعز الفاطمي إلى مصر:


    أمام كل هذه الاضطرابات في مصر كَتَب جوهر إلى مولاه المعز يدعوه إلى سرعة القدوم إلى مصر، لا لتسلم البلاد وإنما للدفاع عنها، وكان وصوله إلى القاهرة في رمضان سنة (362هـ - سبتمبر973م)؛ ولمَّا دخل المعزُّ إلى القاهرة احتجب في القصر مدة، وبعث عيونه ينقلون إليه أخبار الناس، ثم ظهر للناس بعد مدَّة، وقد لبس الحرير الأخضر، وجعل على وجهه اليواقيت والجواهر تلمع كالكواكب، وادَّعى أنه كان غائبًا في السماء وأن الله رفعه إليه؛ فامتلأت قلوب العامّة والجهال منه رعبًا وخوفًا.


    وبعد انتقال الدولة الفاطمية إلى مصر يتبيَّن: أن الدولة الفاطمية لم تعش في المغرب أكثر من 65 سنة! بينما عاشت في مصر أكثر من مائتي سنة، أي: أن الجزء الأكبر من حياتها عاشته في مصر.

    ونكمل في المقال القادم إن شاء الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,674

    افتراضي رد: الدولة الفاطمية في مصر من الاحتلال إلى الزوال



    الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (6)









    كتبه/ أحمد حرفوش

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    موقف الفاطميين من أهل السنة:

    لقد كان كتاب الأمان الذي أمضاه جوهر ينص على: "أن يظل المصريون على مذهبهم، ولا يُلزمون بالتحول إلى المذهب الشيعي، وأن يجري الأذان والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره، والزكاة والحج والجهاد، والميراث على ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

    لكن لم يكن كتاب جوهر لأهل مصر إلا مجرد مهادنة؛ فبعد أن انتهى جوهر مِن وضع أساس مدينة القاهرة، أمر بإلغاء الخطبة والدعاء للخليفة العباسي، وإقامتها للمعز الفاطمي، كما أمر أن تضربَ النقود باسم الخليفة الفاطمي، وامتنع يعقوب بن كلس، وعسلوج بن الحسين، أن يقبلا في التعامل إلا دينارًا معزيًا -نسبة إلى المعز الفاطمي-، فقلَّ التداول بالدينار العباسي وعانى ركودًا، ونقص مِن صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر الناس من أموالهم، وكان صرف الدينار المعزى خمسة عشر درهما ونصف، وذلك ليعوض المعز ما أنفقه مِن أموال.

    إلغاء طلب رؤية الهلال، وترك صلاة التراويح، والنداء في الأذان: بحيَّ على خير العمل:

    اعتاد المسلمون الصوم والفطر على رؤية الهلال، كما أمرهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك فيما رواه البخاري: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْه، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَه"، وقد فوجئ أهل مصر بفطر جوهر ورجاله يوم عيد الفطر بغير رؤية، حسب بدعة المذهب الإسماعيلي الذي يعتمد الحساب في الصوم والإفطار.

    كما أقيمت صلاة العيد في مصلى القاهرة بإمامة قاضي العسكر علي بن وليد الإشبيلي، لكن أهل مصر لم يروا الهلال، وقد التمسه القاضي أبو طاهر محمد بن أحمد الذهلي على عادته مِن فوق جامع عمرو بن العاص فصلوا من الغد في جامع عمرو بن العاص! واستنكر جوهر هذا الموقف الذي اتخذه القاضي وتهدد مَن يفعل ذلك؛ وخاطب المصريين بأن الصوم والفطر على رؤية الهلال قد زالا، فانقطع بذلك طلب رؤية الهلال بمصر طوال عهد الفاطميين.

    وفي أوائل شهر رمضان سنة (363هـ -974م)، أصدر الخليفة المعز أمره بإبطال صلاة التراويح، وعندما عارض أبو القاسم الواسطي -وكان مجاورًا بالمسجد الأقصى- برفع صوته احتجاجًا على هذا القرار، قبضوا عليه وأودعوه السجن، وعندما وصل خبره إلى المعز في القاهرة صدر الأمر بقطع لسان أبي القاسم وضربه خمسمائة سوط وصلبه بعد ذلك؛ كذلك أحدث التغيير الثاني الذي عَبَّر عن ترك المذهب السني في مصر عندما أمر المؤذنين بالأذان بحيَّ على خير العمل، وهو مِن بدع الفاطميين في الأذان.

    إسناد المناصب العليا إلى الشيعة:

    لقد ألزم جوهر الصقلي جميع الموظفين المصريين أن يعتنقوا المذهب الشيعي، كما حَتَّم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وَفْق قوانين هذا المذهب، وقد كان السبيل للحصول على الوظيفة الرفيعة أو مناصب الدولة هو التحول إلى المذهب الشيعي، كما دفعت تلك الرغبة أيضًا بعض أهل الذمة إلى اعتناق الإسلام، واتخاذ التشيع مذهبًا لهم، ولم يبقَ مِن أهل السنة في مناصب الدولة إلا القليل مما ليس له أهمية ولا خطر، وكان ذلك مما دفع الكثيرين مِن الموظفين السنيين إلى اعتناق المذهب الفاطمي.


    ونكمل في القادم إن شاء الله.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •