مدرسة الأنبياء في وقت البلاء


لقد تعبَّدَنا الله تعالى إذ أمرنا بالدعاء ووعدنا بالاستجابة؛ لأنه أكبر دليل على الفقر والحاجة، والذل والعبودية لله رب العالمين.

والعبد ما دام في دار الابتلاء لا بد أن يُصاب إما في بدنه أو ماله أو ولده؛ كما قال تعالى: (وَلَنَبْلونكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، أو يُبتلَى بالهم والخزي، فأرشدنا الله تعالى إلى سؤاله واللجوء إليه في السراء والضراء؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُ وا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، فالعبد الفقير الذليل الصغير الضعيف يفرُّ إلى الغني العزيز الكبير القوي، سبحانه وتعالى، راجيًا منه تفريج الكربات، وكشف الهموم والغموم، والنجاة من كل همٍّ وخزي؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا سألت فاسأل الله»[1]، والمتأمل في سورة الأنبياء سيجد إمامًا وقدوة في الأنبياء عليهم السلام، خاصة أيوبَ وزكرياء ويونس كنماذجَ يُهتدى بها عند الحاجة والبلاء والتمحيص، فتعالَوا معي ندخل - في هذا اللقاء الأول - المدرسة الأيوبية؛ علَّنا نتعلم ونسير على خطاه عند نزول الأسقام، وحلول العلل في الأبدان بعد الصحة والعافية.

مدرسة أيوب عليه السلام: مكتوب على بابها: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83، 84]، بعد الاستئذان ها نحن ندخل على أيوب عليه السلام وهو على فراش المرض[2]، من أجل أن نتعلم منه كيفية إدارة الأزمة الصحية كما سطر القران الكريم على لسانه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83]، أيوب الذي وصفه الله تعالى بالصابر: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ} [ص: 44]، وأثنى عليه أنه معلمنا في هذه المدرسة، وقدوةُ كلِّ مَن ابتُليَ بالأمراض علَّه يسير على منهاجه ويقتبس من أنواره، ويستنير بدعائه إذا ادلهمَّت الخطوب.

تدبر معي هذا المقطع القرآني العجيب الذي يرشد فيه الله تعالى نبيه عليه السلام وكل من جاء بعده إلى التدبر في محنة أيوب عليه السلام، وكيف تعامل صابرًا ومحتسبًا مع هذا المصاب الجلل، بحيث فرَّ من حوله وقوته، ولجأ إلى النافع الضار، وطلب من الشافي، وناداه باسم عظيم من أسمائه الحسنى: الرحيم: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] متأدبًا، راضيًا ثابتًا، صبورًا، شكورًا {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، من غير يأس ولا قنوط، ولا تضجر ولا تسخط، متيقنًا بأن الشافي هو الله، والنافع هو الله، لم يمِلْ قلبه يمنة ولا يسرة إلى غير الله قِيد أنملة؛ وفي ذلك قال ابن القيم رحمه الله: "جَمَعَ مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب... وإذا صادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وذلًّا له، وتضرعًا، ورقةً... ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألحَّ عليه في المسألة، وتملقه ودعاه رغبةً ورهبةً.

وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدَّم بين يدي دعائه صدقةً، فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرَدُّ أبدًا..."[3].

فجاء الجواب بسرعة بفاء التعقيب مباشرة بعد الدعاء: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 84]؛ لأن القلب الداعي قويُّ الإيمان متيقن بالاستجابة، فجاء المدد الرباني: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء: 84]؛ نزلت الرحمة، نزل العفو والعافية وكشف الألم والأنين والأوجاع، إنها مدرسة الصبر واليقين، والرضا والعبودية في السراء والضراء، فالمعدن النفيس لا تغيره الأزمات، ولا يتنازل عن المبادئ، مهما كانت الظروف والأحوال؛ لذلك قال تعالى: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84]، في سورة الأنبياء، {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43]، ففي قصة أيوب أعظم ذكرى وعبرة للعبد اللبيب الذي أسلم وجهه لله تعالى، وعبد الله تعالى بأسمائه الحسنى؛ ومنها المجيب؛ الذي قال فيه الغزالي: "هو الذي يقال مسألة السائلين بالإسعاف، ودعاء الداعين بالإجابة، وضرورة المضطرين بالكفاية، بل ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء، وليس ذلك إلا لله عز وعلا، فإنه يعلم حاجة المحتاجين قبل سؤالهم، وقد علمها في الأزل، فدبَّر أسباب كفاية الحاجات بخلق الأطعمة والأقوات، وتيسير الأسباب والآلات الموصلة إلى جميع المهمات".

والشافي: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80]، والسميع والبصير... فكن عبدًا لله شاكرًا عند النعم والخيرات، صابرًا عند النقم والمضرات، تائبًا مستغفرًا عند الغفلة والزلات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًاله»، فالإيمان بالقدر خيره وشره ركنٌ ركين من أركان الإيمان، ومن أهم ثمراته: عدم القنوط والتسخط عند نزول النقم؛ قال علي رضي الله عنه: "إنك إذا صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور"؛ وقال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ المؤمن كمثل خامة الزرع يفيء ورقه من حيث أتتها الريح تُكفِّئها، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يُكفَّأ بالبلاء، ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلةً حتى يقصمها الله إذا شاء».[4]

قال النووي: "قال العلماء: معنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو كاهله أو ماله، وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته...".

إن الله تعالى إذا أحب عبدًا ابتلاه تمحيصًا وتطهيرًا من الذنوب والآثام؛ قال صلى الله عليه وسلم: «يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض»[5].

فالدعاء سلاح المؤمنين الصالحين المخبتين مع تعاقب الزمان وتغير الأحوال؛ قال ابن القيم رحمه الله: "والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن"[6].

الصبر الصبر يا أهل البلاء، تفوزوا بالجنة؛ كما قال عليه السلام: «إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر، عوضته منهما الجنة» [7]، فالدعاء الدعاء يا صاح... وترصَّد ساعات الإجابة ليوم الجمعة، ووقت السحر، والثلث الأخير من الليل، ودبر الصلوات المفروضة، وبين الأذان والإقامة وفي السجود... وألحَّ في الدعاء وأيقن بالإجابة؛ قال ابن القيم رحمه الله: "وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه - بأن يكون دعاءً لا يحبه الله، لِما فيه من العدوان - وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو، وغلبتها عليها.

كما في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة».

كتبه الفقير إلى رحمة ربه: عبدالعزيز أبراو، أستاذ وواعظ ومكون الأئمة في مدينة خنيفرة بالمغرب، يوم: فاتح ذي القعدة 1441، الموافق: 22 يونيو 2020، ولله الحمد والمنة.


[1] سنن الترمذي، رقم: (2516).
[2] قال القرطبي رحمه الله في شأن مرض أيوب: "قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَيُّوبَ فِي أَمْرِهِ إِلَّا مَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ فِي آيَتَيْنِ؛ الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ [الأنبياء: 83]، وَالثَّانِيَةُ فِي ص: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ص: 41]، وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ إِلَّا قَوْلُهُ: ((بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ إِذْ خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ))؛ الْحَدِيثُ، وَإِذْ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِيهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ، فَمَنِ الَّذِي يُوصِلُ السَّامِعَ إِلَى أَيُّوبَ خَبَرُهُ، أَمْ عَلَى أَيِّ لِسَانٍ سَمِعَهُ؟ وَالْإِسْرَائِي لِيَّاتُ مَرْفُوضَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْبَتَاتِ، فَأَعْرِضْ عَنْ سُطُورِهَا بَصَركَ، وَأَصْمِمْ عَنْ سَمَاعِهَا أُذُنَيْكَ، فَإِنَّهَا لَا تُعْطِي فِكْرَكَ إِلَّا خَيَالًا، وَلَا تَزِيدُ فُؤَادَكَ إِلَّا خَبَالًا"؛ [تفسير القرطبي، ج: 15، ص: 208، (المكتبة الشاملة)].
[3] الجواب الكافي لابن القيم، (ص: 11).
[4] خرجه البخاري (7466) واللفظ له، ومسلم (2809) بنحوه.
[5] صحيح الجامع: (8177).

[6] الجواب الكافي لابن القيم، (ص: 8).
[7] البخاري برقم (5653)، والحبيبتان هما: العينان.
______________________________ __________________________
الكاتب: عبدالعزيز أبراو