الشتاء والبرد


اعلموا أن في خلق الأرض ومن عليها لعبرًا، وفي خلق السماء وما فيها لمُدَّكرًا، وأن من وراء تصريف الأحوال لخبرًا.

إن المتأمل في هذا الكون ليزدادُ إيمانُه، ويصحُّ يقينه، ويقبل على ربه، ويتوب من ذنبه؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].

عباد الله، قد أظلَّكم فصل الشتاء، وهو فصل كان يكتب فيه عمر رضي الله عنه لعماله: "إن الشتاء قد حضر، وهو عدوٌّ، فتأهبوا له أُهْبَّته من الصوف والخِفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شِعارًا ودِثارًا؛ فإن البرد عدو، سريع دخوله، بعيد خروجه"، والشِّعار ما يلي الجلد من اللباس، والدِّثار ما فوق ذلك.

وفي فصل الشتاء للمؤمن ذكرى؛ فإن شدة الحر وشدة البرد يذكران الناس بما في جهنم من الحر والزمهرير؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اشتكتِ النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشتاء ونفسٍ في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير».

ومن كمال نعيم أهل الجنة - جعلنا الله من أهلها - أنهم لا يجدون فيها حرًّا ولا بردًا؛ قال قتادة رحمه الله تعالى: "علِمَ الله تعالى أن شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي؛ فوقاهم أذاهما جميعًا؛ {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13]".

أيها المسلمون، بوَّب الإمام الترمذي رحمه الله في سننه فقال: "باب ما جاء في الصوم في الشتاء"، ثم أخرج بسنده عن عامر بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغنيمةُ الباردة الصومُ في الشتاء»؛ [حديث صحيح]، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: "ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصيام في الشتاء".

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "مرحبًا بالشتاء، تنزل فيه البركة، يطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام".

وقال الحسن: "نِعْمَ زمانُ المؤمن الشتاءُ؛ ليله طويل يقومه، ونهاره قصير فيصومه".

فاغتنموا هذه الفرصة يا عباد الله، فإن للصيام فضائلَ عظيمةً عديدةً، ولو لم يكن فيه إلا ما قاله الله تعالى في الحديث الإلهي: «الصيام لي وأنا أجزي به» - لكان كافيًا.

أيها المؤمنون، إن من أبواب الخير في هذا الفصل طول الليل الذي يتمكن العبد فيه من القيام، فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة - صلاة الليل - التي قال الله فيها: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26]، وقال فيها: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، فإن صلاة الليل شعار المتقين، ودِثارُ أولياء الله المفلحين؛ قال الله تعالى في وصف عباده المتقين: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17].

أيها المؤمنون، إن من أبواب الخير في فصل الشتاء إسباغَ الوضوء وإتمامه؛ فإن ذلك من أفضل الأعمال؛ ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات» ؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»، فأسبغوا أيها المؤمنون الوضوء؛ فإن أجره عند الله عظيم، وإسباغ الوضوء يكون بتعميم الماء على جميع أعضاء الطهارة؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال في حديث لقيط بن صبرة: أسبِغِ الوضوء، وخلِّلْ بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق ما لم تكن صائمًا.

أيها المؤمنون، إننا نعيش هذا الفصل ويعيش معنا إخوانٌ لنا، قُدرت عليهم أرزاقهم، وقصرت بهم النفقة، وهم بأمسِّ الحاجة إلى العون والمساعدة في إقبال الشتاء، فقدموا لأنفسكم، وتفقدوا إخوانكم المحتاجين، وابدؤوا بأقاربكم وذوي أرحامكم، ثم جيرانكم وأهل بلدكم، ثم الأقرب منكم فالأقرب، ولا يحقِرنَّ أحدكم من المعروف شيئًا؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقِ النار ولو بشق تمرة».

عباد الله، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

______________________________ _____________________________
الكاتب: رافع العنزي