شبه القبوريِّين والردّ عليها
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: شبه القبوريِّين والردّ عليها

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي شبه القبوريِّين والردّ عليها

    شبه القبوريِّين والردّ عليها


    فيصل بن قزار الجاسم



    شبه القبوريين أنواع:


    منها: ما هو قصص وحكايات، لا يعجز عن مثلها كل مُبطل.

    ومنها: أحاديث موضوعة على النبي [.

    ومنها: أحاديث ضعيفة لا يصح الاحتجاج بها، وغالبها يخالف نصوصا من الكتاب أو السُّنَّة أو الإجماع.

    ومنها: أحاديث صحيحة - وهي قليلة - إلَّا أنها لا تدل على باطلهم، بل تدل على خلافه، مثلها مثل ما يستدلون به من آيات ويفسرونها بما تهواه أنفسهم من غير سلف من الصحابة والتابعين.

    ومنها: ما هو قول عالم متأخر لا يعتبر قوله حجة في دين الله لو سلم من المعارضة، فكيف إذا خالف الكتاب والسُّنَّة وما أجمعت عليه الأمة؟! ومعلوم أن أقوال العلماء وإن عظموا يُحتجّ لها، ولا يُحتجّ بها، فكل يؤخذ من قوله ويُرد.

    الشبهة الأولى

    قولهم بجواز التوسل بالنبي [، بل ودعائه والاستغاثة به بعد موته، مستدلين بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بسند صحيح من حديث عثمان بن حنيف ]، أنه قال: «أتى رجل ضرير إلى النبي [ فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: «إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت وهو خير لك». قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ».

    قالوا: ففي هذا الحديث التوسل والنداء بالنبي [.

    الجواب: إنَّ هذا ليس فيه حجَّة علي جواز دعاء النبي [ بعد موته ولا الاستغاثة به؛ لأمور: الأول: أنه ليس استغاثة بالنبي [، بل هو توجه به، فالمسؤول هو الله، لا النبي [.

    الثاني: أن الأعمى إنما توجه بدعاء النبي [ وشفاعته لا بذاته؛ فإنه طلب من النبي [ الدعاء؛ ولذلك قال: «فشفعه فيّ»، فدل على أنه كانت ثمة شفاعة من النبي [ له وهو دعاؤه، وإلا كان قوله: «فشفعه فيّ» لا معنى له لو لم يكن دعاء وشفاعة سبقت.

    وهذا هو التوسل بالنبي [ في عرف الصحابة رضوان الله عليهم، وهو أن يأتي الصحابي إلى النبي [ ويطلب منه الدعاء له، ثم يسأل الله قبول دعائه. يدل عليه ما ثبت في (صحيح البخاري) أن عمر ] كان إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب - أي: بدعائه - فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»؛ فيُسقون.

    الثالث: أن يُقال: لو كان التوسل بذات النبي [ جائزا، لما احتاج الأعمى إلى أن يذهب إلى النبي [، ولكان بوسعه أن يدعو في بيته، فلما لم يفعل ذلك، بل تكلف وأتى النبي [ وطلب منه الدعاء، دل على أن التوجه الوارد في الحديث هو التوسل بدعاء النبي [ لا بجاهه وذاته.

    الرابع: أن التوسل بذات النبي [ لو كان جائزا بعد موته، لفعله الصحابة رضي الله عنهم، فلما تركوه مع قدرتهم عليه ووجود المقتضي، دلّ على أنه بدعة محدثة؛ ولذلك استسقى الصحابة بالعباس بن عبد المطلب ]، واستسقى معاوية ] بيزيد بن الأسود الجوشي لما قُحطوا، أي: بدعائهما.

    فلو استدرك أحدهم وقال: لقد روى الطبراني في (الكبير) وغيره هذا الحديث، وفيه أن عثمان بن حنيف ] قد أمر رجلا في عهد عثمان بن عفان ] - أي: بعد موت النبي [ - بأن يقول هذا الدعاء مستدلا بحديث الأعمى.

    فالجواب أن يقال:

    أولا: أن هذه الزيادة منكرة غير محفوظة، فقد تفرد بها رجل يسمى شبيب بن سعيد الحبطي، وله منكرات، وأحسن حديثه ما رواه ابنه عنه من نسخة يونس عن الزهري، وليس هذا منها، وأضعف حديثه ما رواه ابن وهب عنه، وهذا منها (ميزان الاعتدال: 2/262).

    كما أنه خالف منه هو أوثق منه، وهما شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي؛ فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة، فتبين أنها من منكراته.

    ثانيا: أن مثل هذا لو صح لا تثبت به شريعة، كسائر ما يُنقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات، أو الإباحات، أو الإيجابات، أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي [ يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سُّنَّة يجب على المسلمين اتباعها.

    الشبهة الثانية

    استدلالهم على جواز الاستغاثة بالأموات بقوله تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} (القصص: 15)، وبحديث الشفاعة الطويل في يوم القيامة، وأن الناس يستغيثون بالنبي [ ليشفع لهم عند الله، وقول هاجر عليها السلام فيما رواه البخاري من قصتها مع إبراهيم : «إن كان عندك خير أو غواث».

    الجواب عليها من وجوه:

    الأول: أن الآية إنما فيها الخبر عن هذا الإسرائيلي، وليس هو ممن يُحتَجّ بأفعاله، وقد قال موسى له: {إنك لغوي مبين}.

    ومثله قول هاجر؛ فإنه ليس بحجة في الشرع.

    الثاني: أن هذه الاستغاثة إنما تكون في حال الحياة والحضور، لا في حال الموت والغيبة؛ فإن استغاثة الإسرائيلي بموسى كانت عندما رآه، وكذلك هاجر عندما سمعت صوتا.

    وكذلك استغاثة الناس بالرسول [ في عرصات القيامة في حضرته وقدرته على دعاء الله والشفاعة عنده. والتسوية بين حال الحياة والموت من أبطل الباطل.

    الشبهة الثالثة

    استدلالهم بقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} (النساء: 64)، على جواز الذهاب إلى قبره وطلب الاستغفار منه. وربما ذكروا معها ما ذكره العتبي من قصة أعرابي أتى قبر النبي [ وتلا هذه الآية، ثم قال:

    يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

    فطاب من طيبهن القاع والأكم

    نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

    فيه العفاف وفيه الجود والكرم

    ثم رأى النبي [ في المنام فأخبره بمغفرة الله له.

    الجواب على هذا وبيان بطلانه من وجوه:

    أولا: أن «إذ» في اللغة ظرف لما مضى، كما أن «إذا» ظرف لما يُستقبل، وقد ذكر ذلك أهل اللغة كابن منظور في (لسان العرب)، وغيره، وبناء عليه، فإن الآية تتحدث إذاً عن واقعة معينة حدثت في عهد النبي [، كقوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} (الأنفال: 30)، وقوله: {وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا} (الأحزاب: 13).

    ولا تكون «إذ» ظرفا لما يُستقبل إلا إذا جاءت بعد ترى، وكانت فيما يُعلم أنه من أمور المستقبل، كأحوال القيامة، ومنها قوله: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} (الأنعام: 27).

    الثاني: أن الصحابة رضي الله عليهم لم يفهموا من هذه الآية أنها عامة في حياته وبعد موته، ولذلك لما تُوُفِّي النبي [ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي.

    ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهتان، وافترى على كل الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم خير القرون على الإطلاق، حيث تركوا هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، وكيف أغفل هذا أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعوا إليه ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم ألبتة، ووفق له من لا يُؤبه له من الناس ولا يُعد من أهل العلم؟!

    ويا لله ثم يا للعجب، أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حيٌّ بين أظهرها موجودا، وقد دُعيت فيه إلى المجيء إليه ليستغفر لها، وذم من تخلف عن هذا المجيء، فلما تُوُفِّي النبي [ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له. وهذا يبين أن التأويل الذي ذكروه باطل.


    وأما ما ذكروه من قصة الأعرابي فهي من القصص الكثيرة المختلقة التي ليس لها إسناد معروف، ولا يعرف أصحابها، فقد ذكرها العتبي بلا إسناد، ومنهم من ذكر لها إسنادا مظلما باطلا، ولا يثبت بمثلها حكم شرعي ألبتة.

    ولهم مثل هذه القصص والحكايات الشيء الكثير، فسبحان الله! أتُترك دلالة الكتاب والسُّنَّة وعمل سلف الأمة لقصة أعرابي لا يُعرف؟!

    الثالث: أن استدلالهم بهذه الآية على المجيء إلى قبره يناقض ويصادم قوله [ فيما رواه أحمد وأبو داود والطبراني في (الأوسط) وغيرهم من حديث أبي هريرة ]: «لا تجعلوا قبري عيدا»؛ إذ لو كان المجيء للمذنبين مشروعا، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذه مضادة صريحة لدينه ولما جاء به، والعيد هو مجتمع الناس، وهو إما مكاني وإما زماني .








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: شبه القبوريِّين والردّ عليها


    شبه القبوريِّين والردّ عليها (2)


    فيصل بن قزار الجاسم

    ذكرنا في الحلقة السابقة بعض من شبه القبوريين التي يبنون عليها القصص والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، كقولهم يجوز التوسل بالنبي [ بل ودعاءه والإستغاثة به بعد موته واستدلالهم ببعض الآيات والأحاديث الصحيحة بطريقة غير صحيحة استناد إلى أهوائهم ، وقد تم الرد على ثلاث شبهات في الحلقه السابقة وسنستعرض بعضاً من شبهاتهم والرد عليها في هذه الحلقة الشبهة الرابعة





    وهي ما ذُكر عن الإمام مالك - رحمه الله - أنه ناظر أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين في مسجد رسول الله [، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد؛ فإن الله أدب قوما فقال: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} (الحجرات: 2)، ومدح قوما فقال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} (الحجرات: 3)، وذمّ قوما فقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} (الحجرات: 4)، وإن حُرمته ميتا كحرمته حيا.

    فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبدالله، أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله [؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك؛ قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} (النساء: 64).

    الرد عليها من وجوه:

    أولها: أنها قصة باطلة كسائر ما يستدلون به من قصص؛ فإن هذه القصة قد ذكرها القاضي عياض في (الشفاء) بإسناده عن محمد بن حميد الرازي بها، ومحمد بن حميد الرازي لم يدرك الإمام مالكا، وهو معروف بسرقة الحديث، وكذَّبه أبو زرعة وابن خراش وصالح جزرة.

    الثاني: أنها كذب على الإمام مالك بلا ريب من وجوه:

    منها: أنها مخالفة لمذهب مالك ومذهب سائر الأئمة؛ فإنهم متفقون على أن من سلم على النبي [ ثم أراد الدعاء، فإنه يستقبل القبلة، كما روي عن الصحابة، فعلم بهذا أنه كذب عليه مخالف لمذهبه، كما كذبوا عليه في أنه كان يأخذ طنبورا يضرب به ويغني لما كان في المدينة من يغني.

    ومنها: أن مالكا من قوة متابعته للسنة كره أن يقال: زرت قبر النبي [، كما ذكره ابن القاسم عنه في (المدونة).

    الشبهة الخامسة

    هي قولهم: إن النبي [ حي في قبره، ويدّعون الإجماع عليه، ويجعلون هذا دليلا على جواز سؤاله والاستغاثة به.

    واستدلوا على حياته في قبره بأمور:

    1. ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة ]، أن النبي [ قال: «ما من رجل يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام».

    قالوا: وهذا يدل على حياته.

    2. أن الشهيد حي في قبره؛ كما في قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران: 169)، والأنبياء أكمل منهم؛ فيقتضي ذلك ثبوت حياتهم في قبورهم.

    3. إن نساءه لا يحل الزواج بهن بعد موته؛ لقوله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} (الأحزاب: 53)، وإنما منعن من الزواج لبقائهن في عصمته حيث إنه حي في قبره.

    4. ما رواه الإمام مسلم من حديث أنس ] عنه، أن رسول الله [ قال: «أتيت - وفي رواية هداب: مررت - على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في فبره». وهذا دليل على حياته، ورسولنا أكمل منه.

    5. ما رواه أبو يعلى والبزار وغيرهما: أن النبي [ قال: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون».

    < الجواب على هذه الشبهة وبيان زيفها يكون من طريقين:

    الأول: إبطال الاستدلال بكل دليل على حدة.

    الثاني: إبطال جملة المسألة والشبهة، وهي استدلالهم بثبوت حياته في قبره على جواز دعائه.

    أما الطريق الأول:

    فأولا: الرد على استدلالهم بحديث رد السلام من وجوه:

    منها: أن حديث رد التسليم غاية ما فيه أن روح النبي [ تُردُ إليه (لرد التسليم) لا أنها مستقرة باقية في جسده كل وقت وحين.

    ومنها: أن الأحاديث الصحيحة فرقت بين تسليم البعيد على النبي [ وبين تسليم القريب، وبينت أن النبي [ يسمع سلام القريب ويُبلَّغ سلام البعيد، يدل عليه الأحاديث التالية:

    أولها: ما رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من حديث ابن مسعود ]، أن النبي [ قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغونني عن أمتي السلام».

    ثانيها: ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أوس بن أوس ]: أن النبي [ ذكر فضل يوم الجمعة، ثم قال: «فأكثروا عليّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليّ».

    ثالثها: ما رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة ]، أن النبي [ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا عليّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني».

    فهذه الأحاديث وغيرها تبين أنه يُبلَّغ سلام البعيد ولا يسمعه، فيكون حديث رد السلام خاصا بالقريب، وهذا الحديث هو الذي استند إليه الإمام أحمد وأبو داود على جواز زيارة قبره؛ إذ فهموا منه السلام من قريب جمعا بين الأحاديث.

    ومنها: أن ردّ الروح على الميت ليرد السلام ليس خاصا بالنبي [، بل هو لكل أحد؛ لما رواه ابن عبدالبر وصححه من حديث ابن عباس ]، والبيهقي في (الشعب) من حديث أبي هريرة ]، أن النبي [ قال: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».

    فهل يقتضي هذا حياة الناس كلهم في قبورهم، وجواز الاستغاثة بهم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!

    ومثله ما ثبت أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه إذا ولوا عنه بعد دفنه كما في الصحيح.

    ثانيا: الردّ على استدلالهم بحياة الشهيد في قبره، من وجوه:

    منها: أن حياة الشهيد منصوص عليها، ومع ذلك نُهينا عن دعائهم والاستغاثة بهم؛ لعموم قوله تعالى: {فلا تدعوا مع الله أحدا}، فيكون ما ذكروه من حياة الشهيد دليلا لنا لا لهم.

    ومنها: أن الآية التي بيّن الله فيها حياة الشهداء قد ذكر الله عز وجل فيها أن الشهداء في حياتهم هذه {يرزقون}، أي: يرزقهم الله من خيرات الجنة، فكيف يُطلب منهم الرزق ونحوه وهم لا يرزقون أنفسهم، بل يرزقهم ربهم؟!

    ومنها: أن النبي [ بيّن حقيقة حياة الشهداء بعد الموت، فقال فيما رواه مسلم من حديث ابن مسعود ]: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل».

    ثالثا: الرد على استدلالهم على حياته بحرمة نكاح نسائه من وجوه:

    منها: أن الأمة مجمعة على حل نكاح نساء الشهيد مع النص على حياته؛ فدل هذا على أن حياة الشهداء والأنبياء في قبورهم ليست كحياتهم في دنياهم.

    ومنها: أن نساء النبي [ أتين بعدة شرعية بعد موته، وكذا نساء الشهداء؛ مما يدل على بطلان ما استدلوا به من كونه حيا كحياته الدنيوية.

    ومنها: أن نساء النبي [ إنما حرم عليهن النكاح بعده خصيصة لهن؛ لأنهن اخترن الله ورسوله لما خيرهن النبي [ بين الله ورسوله وبين زينة الحياة الدنيا، ولأنهن زوجاته في الآخرة؛ فصانهن الله عن فراش ثان.

    رابعا: الرد على استدلالهم برؤية النبي [ لموسى وهو يصلي في قبره، من وجوه:

    ومنها: أن هذا ليس خاصا بموسى عليه السلام؛ فقد روى ابن حبان في (صحيحه) من حديث جابر ]، أن النبي [ قال: «إذا دخل الميت القبر، مُثلت له الشمس عند غروبها، فيقول: دعوني أصلي»، وهذا مع الموت المحقق له؛ فدل على عمومه، ومنه الحديث الذي سبق ذكره «أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون».

    ومنها: أن رواية رؤية النبي [ لموسى وهو يصلي في قبره في المعراج قد أعلَّها بعض العلماء كالدارقطني، وإن كان مسلم قد رواها.

    وأما الطريق الثاني: فهو الجواب عن جملة المسألة، وهي قولهم: إن حياة النبي [ في قبره حياته الدنيوية؛ مما يقتضي جواز الاستغاثة به لأجلها، فالرد عليها وبيان بطلانها من وجوه:

    أولها: أن دعوى حياته في قبره الحياة المعهودة مناقضة ومصادمة لقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر: 30)، ولقوله: {وماجعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون} (الأنبياء: 34)، وقوله: {كل نفس ذائقة الموت} (الأنبياء: 35).

    الثاني: أنه من المعلوم أن النبي [ لم يكن حيا في قبره كالحياة الدنيوية المعهودة التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه، ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس والنكاح وغير ذلك، بل حياته [ حياة برزخية، وروحه في الرفيق الأعلى، وكذلك أرواح الأنبياء، والأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، ولا تقاس الحياة الدنيا بالحياة البرزخية؛ كما لا تقاس حياة الجنين في بطن أمه بالحياة الدنيوية، وكذلك الحياة الأخروية، فقياس حياة على حياة من أبطل الباطل.

    الثالث: أنه لو كان حيا يسمع السائل ويجيب الداعي، لأفتاهم في شرائع الإيمان، وأراح أمته من كثير من المسائل التي أعيت الصحابة، فكيف يشهد اختلافهم واقتتالهم ولا يجيب ولا يحل الإشكال؟! وكيف يحصل ما حصل من النزاع ولا يأتيه أحد إلى قبره يستغيثه ويسترشده؛ لأنه حي كما يزعمون في قبره؟! وقد قال عمر ] فيما رواه البخاري: «وددت أن رسول الله [ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا في الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا».

    وما بال الصحابة كانوا إذا قُحطوا يستسقون بدعاء العباس ] والنبي [ حي بجانبهم لا يأتونه ولا يستسقونه؟ وهل هذا إلا دليل صريح على بطلان ما زعموه وادعوه؟!

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: شبه القبوريِّين والردّ عليها

    شبه القبوريين والرد عليها (3 - 3)
    -إن حديث «حياتي خير لكم» مختلف في ثبوته وضعفه جمع من المحديثين


    فيصل بن قزار الجاسم




    ذكرنا في الحلقة السابقة بعض من شبه القبوريين التي يبنون عليها القصص والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، واستدلالهم ببعض الآيات والاحاديث الصحيحة بطريقة غير صحيحة استناداً إلى أهوائهم ، وقد تم الرد على بعض شبهاتهم في الحلقه السابقة وسنستعرض بعضاً من شبهاتهم والرد عليها في هذه الحلقة


    الشبهة السادسة




    قولهم: إن الأموات ينفعون الأحياء، مستدلين بما رواه البزار عن ابن مسعود ]، أن النبي [ قال: «حياتي خير لكم، تحدّثون ويحدّث لكم، ووفاتي خير لكم تُعرض عليَّ أعمالكم: فما رأيت من خير حمدت الله، وما رأيت من شر استغفرت لكم». وهذا يدل على انتفاع الأحياء بدعائه بعد مماته، وعليه فيسوغ لنا دعاؤه والطلب منه، ويدل على ذلك أيضا ما رواه أحمد عن أنس ]، أن النبي [ قال: «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم، فإن كان خيراً استبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا».

    الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

    أولها: أن حديث: «حياتي خير لكم» مختلف في ثبوته وصحته؛ فقد ضعفه جمع من المحدثين منهم الألباني في (السلسلة الضعيفة).

    وأما حديث: «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم»، ففيه انقطاع، وله شاهد ضعيف جدا من حديث أبي أيوب، وفيه مسلمة الخشني، وهو متّهم، قال الحاكم: «روى عن الأوزاعي والزبيدي المناكير والموضوعات».

    وشاهد آخر من حديث جابر، وهو ضعيف جداً أيضاً؛ فقد تفرد به الصلت بن دينار، وهو متروك ناصبي، كما قال الحافظ في (التقريب)، وفيه انقطاع أيضاً، والحديث قد ضعفه الهيثمي في (مجمع الزوائد) والألباني في (السلسلة الضعيفة).

    الثاني: أنه على فرض ثبوت صحته، فإنه لا يدل على جواز الاستغاثة بالنبي [ وحده، إن كان ما يزعمون من دلالته حقا؛ لأنه عام لكل المؤمنين كما مر في الحديث السالف الذكر، فهل يسوغ للمسلم أن يدعو كل مؤمن ويستغيث به!!

    الثالث: أن هذا كله حاصل بأمر الله عز وجل، وأمره في غير دار التكليف أمر تكوين، لا يتصور مخالفة المأمور؛ كما أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس وليسوا مكلفين، وكذلك استغفار الملائكة للمؤمنين ولمنتظري الصلاة وغيرهم، كما في قوله عن الملائكة: {ويستغفرون للذين آمنوا} (غافر: 7)، وقوله: {ويستغفرون لمن في الأرض} (الشورى: 5).

    وفي قول النبي [ في الحديث المتفق عليه: «لا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة، تقول الملائكة: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». ومع هذا فلا يجوز أن يدعو الملائكة ولا أن يستغيث بهم، ولا أن يطلب منهم ما أخبر الله أنهم يفعلونه، وإلا صار بمنزلة من يطلب من الشمس أن تصحبه ومن الريح أن تهبَّ ونحو ذلك.

    والقاعدة في هذا أن كل ما يُؤمر بأمر تكوين لا يحتاج أن يطلب منه، فإنه فاعله طُلب منه أو لم يطلب، بخلاف الشفاعة يوم القيامة؛ فإنهم يسألونه في العرصات وهو حاضر فيستجيب لهم ويشفع عند ربه بعد أن يأذن له.

    الشبهة السابعة

    استدلالهم على جواز الاستغاثة بالنبي [ وطلب الدعاء منه بما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في (الدلائل) عن مالك الدار خازن عمر أنه قال: «أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي [ فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأُتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم تُسقَون، وقل له: عليك الكَيْس، فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه».

    الرد عليها من وجوه:

    أولها: أن القصة لا تثبت؛ لجهالة حال مالك الدار خازن عمر؛ فإنه لا يعرف بالضبط في رواية الحديث، أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال المنذري: «لا أعرفه».

    الثاني: أن الرجل الذي أتى القبر مجهول لا يُعرف، فكيف يُعوّل في هذه القصة على روايته وقد خالفها الإجماع المنعقد على مقتضى النصوص الواردة فيما يُشرع عند وجود القحط من استغفار الله والتوبة؟!

    وما قيل: إن المجهول هو بلال بن الحارث الصحابي، لا يصح؛ لأنه من رواية سيف بن عمر ذكرها في (الفتوح)، وسيف بن عمر المتفرد بهذه الزيادة ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه كان يضع الحديث، وقد اتهم بالزندقة، قال ابن حبان: «يروي الموضوعات عن الأثبات، وكان يضع الحديث».

    الثالث: أنه لو صح لم يكن دليلا على ما ذكروا، إذ ليس في الحديث أنه أخبر عمر ] بالاستسقاء من النبي [.


    الرابع: أن هذه القصة حجة على المنازع؛ لأن الرجل لما طلب الدعاء من النبي [ لأمته لم يقل له: أنا أدعو لكم؛ بل أمره بما شرعه وسنه لهم، وهو أن يدعوا الله ويستسقوا. فالقصة تدل على نقيض ما ادعوه، لأنها تدل على أن المشروع والمطلوب عند حلول القحط صلاة الاستسقاء، وهذا هو الذي أمر به النبي [ في القصة إن صحت. فمن توجه إلى قبره يطلب منه الدعاء فقد خالف ما أمر به في هذا الحديث.

    (الخامس): أن القصة مخالفة لفعل الصحابة، فقد ثبت عن عمر ]، أنه كان يستسقي بدعاء العباس كما مر سابقا، مما يدل على نكارتها.

    السادس: أن القصة منكرة المتن؛ لمخالفتها ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة استسقاء في مثل هذه الحالات.








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •