تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة

    تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة)
    نفض الغبار عن تاريخ الأخيار (5)
    د. زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فقد تحدثنا في المقالات السابقة عن فضل الصحابة رضي الله عنهم وعلو منزلتهم، ثم سلطنا الضوء على مناهج بعض المؤرخين، ثم نشرع بمشيئة الله تعالى في الحديث عن تحقيق مواقف الصحابة رضي الله عنهم خلال الفتنة التي جرت بينهم، ونزيل الغبار عن تاريخ الأخيار؛ فما أحوجنا إلى العودة إلى التاريخ، فإن الاطلاع على أحوال السابقين يوسع آفاق المسلم، ويعلِّمه كيف ترتقي الأمم، وكيف تنهار ثم تزول.
    فالتاريخ ليس مجرد أقاصيص وحكايات تُروى؛ بل هو النبراس والذاكرة التي يطلع مِن خلالها الإنسان على الأحوال والحوادث والوقائع، وما صاحبها من تغيرات ومجريات، والتاريخ فيه استلهام للمستقبل على ضوء السنن الربانية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحابي أحدًا مِن الخلق بحال.
    ودراسة التاريخ ركن أساسي لبناء أمة قوية، فهي ليست دراسة تكميلية كما يظن البعض؛ لأن التاريخ بمثابة الثروة التي تحتاج إلى مَن يحسن استثمارها، فلا مستقبل لأمة تجهل تاريخها، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: )
    موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه:
    يحسن هنا أن نبدأ بتحقيق موقف أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وهنا لابد مِن تمهيد أولًا قبل الحديث عن التوترات والفتن؛ فلقد تولى الخلافة أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه وحاول بكل سبيل أن يحافظ على كيان الأمة، وألا يفرِّق شملها، واجتهد في الحِفاظ على ما ورثه من الخليفتين: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وعندما بويع عثمان رضي الله عنه بالخلافة قام في الناس خطيبًا فأعلن عن منهجه السياسي في الحكم والإدارة، مبينًا أنه سيتقيد بالكتاب والسُّنة وسيرة الشيخين.
    هذا وقد أعلن عثمان رضي الله عنه عن المبادىء التي سيعتمدها أثناء قيادته للأمة، ومنها: مبدأ الشورى، والعدل، والمساواة، ثم قام عثمان في عهده بجمع المسلمين على مصحفٍ واحدٍ؛ وذلك حفاظًا على الأمة من الاختلاف.
    قال القرطبي رحمه الله في التفسير: “وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك، فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت من القراءة المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واطراح ما سواها، واستصوبوا رأيه، وكان رأيًا سديدًا موفقًا([1]).
    وقد عمل عثمان على توطيد نفوذ المسلمين في كثيرٍ مِن البلاد التي تم فتحها من قبل([2])، وعمل المسلمون على توطيد نفوذهم من جديد في بعض المدن الفارسية التي ثارت ضد الحكم الإسلامي، حيث إن المسلمين لم يكونوا قد استقروا بها استقرارًا تامًّا؛ لا سيما المناطق الواقعة على الحدود، وقد قامت عدة ثورات في بعض المناطق، وقد وفَّق الله المسلمين لإخماد تلك الثورات والسيطرة على زمام الأمور في كثيرٍ مِن المناطق الثائرة، مثل: همذان([3])، وأذربيجان([4])، والري([5])، واصطخر([6])، وطبرستان([7])، وجرجان([8])، وخراسان([9])، وكرمان([10]).
    وفي عام “25هـ/ 645م”: أعاد المسلمون فتح مدينة الإسكندرية في عهد ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعد أن هاجمها البيزنطيون انطلاقًا من جزيرة رودس([11]) بهدف استعادتها، كما نجح المسلمون في ضم مناطق جديدة إلى الدولة الإسلامية، ففي سنة24 هـ – 645م، جرى غزو “أذربيجان”، و”أرمينية”([12]) للمرة الثانية على يد الوليد بن عقبة بعد أن امتنع أهلها عن دفع ما كانوا قد صالحوا المسلمين عليه، وفي نفس العام وصل معاوية بن أبى سفيان إلى الشام لصد تحركات الرومان نحو بلاد الشام، فشنوا الغارات الكثيرة على الروم، وانتصروا عليهم([13]).
    وتوالت الفتوحات الإسلامية حتى وصل معاوية رضي الله عنه إلى “عمورية”، وقد نجح في فتح قنسرين وغيرها.
    وفي سنة 27هـ – 648م جهَّز الخليفة جيشًا لفتح إفريقية (تونس حاليّا)، وفي العام التالي أمد الخليفة جيش الفتح بقوات جديدة في مقدمتها عدد من أعلام الصحابة :كعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، والذين قد عُرفوا بالعبادلة، وانتصر جيش المسلمين على الجيش البيزنطي.
    وقد سُميت هذه الواقعة بـ”بغزوة العبادلة”، وفيها قُتل القائد البيزنطي: “جُرْجير” على يد عبد الله بن الزبير، وسيطر المسلمون على أرض تونس سنة 27هـ، وفي سنة 28هـ – 649م عمل معاوية على وضع النواة الأولى للأسطول البحري الإسلامي، فاستأذن الخليفة في ذلك فأذن له، فبدأ يعمل على إنشاء هذا الأسطول([14]).
    ولما أتم معاوية تجهيز أول أسطول إسلامى اتجه به إلى غزو قبرص، حيث كانت قبرص في ذلك التوقيت تمثِّل المحطة الرئيسية للأسطول البيزنطي في البحر المتوسط، وهو الذي اعتاد مهاجمة الشواطئ الإسلامية، وتم لمعاوية رضي الله عنه فتحها سنة 28هـ – 649م ([15]).
    ثم كانت معركة ذات الصواري، وخرج الأسطول الإسلامي وهاجم المسلمون مراكب الروم بالقرب من شواطئ “كيليكيا”، فانهزم الأسطول الرومي، وكان ذلك عام 31هـ -651م([16]).
    وهكذا كانت حركة الفتوحات الإسلامية أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه كبيرة وواسعة؛ إذ أضافت بلادًا جديدة في إفريقية وقبرص وأرمينيا، وأجبرت مَن نقض العهد مع المسلمين إلى الصلح مِن جديدٍ في: فارس، وخراسان، وباب الأبواب([17]).
    ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

    ([1]) الجامع لأحكام القرآن (1/ 52).
    ([2]) تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية .
    ([3]) هَمِدان أو همذان: هي مدينة إيرانية وعاصمة محافظة همدان، وتعرف أيضًا باسم: (أكبتانا)، وذكر السيوطي في كتابه: “تاريخ الخلفاء :”أن المسلمين سيطروا عليها في زمن عمر بن الخطاب عام 22هـ. انظر البلدان لليعقوبي (1/ 77)، ومعجم البلدان للحموي (5/ 410)
    ([4]) أذربيجان: هي واحدة من ست دول تركية مستقلة في منطقة القوقاز في أوراسيا. تقع في مفترق الطرق بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، ويحدها بحر قزوين إلى الشرق، وروسيا من الشمال، وجورجيا إلى الشمال الغربي، وأرمينيا إلى الغرب، وإيران في الجنوب. انظر: معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع (1/129).
    ([5]) الري: هي مدينة تاريخية تقع بالقرب من طهران في إيران، كما يُنسب إليها عدد من علماء المسلمين، منهم: فخر الدين الرازي صاحب تفسير مفاتيح الغيب، والكيميائي محمد بن زكريا الرازي .انظر: معجم البلدان (3/116)
    ([6]) اصطخر: هي مدينة قديمة تقع في جنوب إيران في محافظة فارس. انظر حدود العالم من المشرق إلى المغرب، المؤلف: مجهول (توفي: بعد 372هـ). تحقيق وترجمة: السيد يوسف الهادي، الناشر: الدار الثقافية للنشر، القاهرة، الطبعة: 1423 هـ، ص144.
    ([7]) طبرِستان (بفتح الطاء والباء وكسر الراء) هو إقليم عرفه العرب والفرس باسمه منذ القرون القديمة، وهو يَقع في شمال دولة إيران اليوم ويَمتد في مُعظمه على الساحل الجنوبي لبحر قزوين، انظر: معجم البلدان (4/1)
    ([8]) جرجان أو بالفارسية: گرگان، وكانت قديمًا تسمّى: أستراباذ أو أستراباد، وهي إحدى المدن الشهيرة في إيران، وتقع في شمالي إيران. انظر: معجم البلدان (2/119)
    ([9]) خراسان الكبرى: تعرف باللغة الفارسية: خراسان بزرگ، وهي منطقة جغرافية واسعة. من الناحية التاريخية يشمل إقليم “خراسان الإسلامي”: شمال غرب أفغانستان، مثل مدينة حيرات وأجزاء من جنوب تركمانستان، إضافة لمقاطعة خراسان الحالية في إيران. انظر: معجم البلدان (2/350)
    ([10]) كرمان: مدينة إيرانية تقع وسط البلاد في محافظة كرمان، وهذه المدينة من أهم المدن في إيران، وتعتبر ثامن مدينة من حيث المساحة فی إيران. وکرمان من المدن التاريخية والثقافية في إيران. انظر: معجم البلدان (4/454)
    ([11]) جزيرة رودس: هي جزيرة يونانية في البحر الأبيض المتوسط، تقع بالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا في منتصف المسافة بين جزر اليونان الرئيسية وقبرص. وتعد رودس أبعد الجزر الشرقية بالنسبة لليونان، وورودس: جزيرة مقابل الإسكندرية على ليلة منها في البحر. انظر: معجم البلدان (2/ 228)
    ([12]) أرمينيا: هي بلد جبلي غير ساحلي يقع في القوقاز من أوراسيا تحدها تركيا من الغرب، وجورجيا من الشمال، وأذربيجان في الشرق. أما من الجنوب فتحدها إيران ومكتنف ناخيتشيفان الأذربيجاني. انظر: خريطة العالم الجغرافية.
    ([13]) تاريخ الرسل والملوك للطبري (4/525)

    ([14]) تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، لمحمد سهيل طقوش (1/37 (
    ([15]) البداية والنهاية لابن كثير (7/345(
    ([16]) تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية لمحمد سهيل طقوش (ص360(
    ([17]) باب الأبواب: مدينة على بحر طبرستان، انظر: معجم البلدان (1/(




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة


    تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة) (2)

    نفض الغبار عن تاريخ الأخيار (5)

    د. زين العابدين كامل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فما زلنا نلقي الضوء على تحقيق موقف عثمان رضي الله عنه، وقد أشرنا في المقال السابق إلى حجم الفتوحات والإنجازات التي تمت في عصر خلافته، وفي هذا المقال نستعرض مختصر أحداث الفتنة، وموقف أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه منها.

    فتنة مقتل عثمان علم من أعلام النبوة:
    إن ما وقع من أحداث جسام في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه وما ترتب عليها من أحداث وقلائل وتوترات، تحتاج لدراسة تاريخية بحثية عميقة ومتأنية، لكي نستخرج من تلك الحقبة التاريخية دروسًا وعِبَرًا نستضيء بها في حاضرنا، ونسترشد بها في سعينا الجاد؛ لإعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، حتى تسعد البشرية بدين الله وشرعه، وتخرج من شقاوتها وتعاستها وضنكها؛ بسبب بُعدها عن شرع الله تعالى.
    ولقد أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كثيرٍ مِن أحاديثه بأن هذه الأمة ستختلف وستتقاتل، وتعددت الأحاديث التي تشير إلى ذلك بإجمالٍ أو بتفصيلٍ.
    وتبدأ هذه المرحلة الحرجة مِن تاريخ الصحابة رضي الله عنهم بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وكانت هذه هي البداية الحقيقية لوقوع الفتنة بين الصحابة، ولقد أخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفتنة التي تعرض لها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا عَلَمٌ مِن أعلام نبوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلقد أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عثمان ببعض معالم هذه الفتنة فقال له: “يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ”([1])، وقد بشَّره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة على بلوى تصيبه([2]).
    قال الإمام الزهري رحمه الله: “ولي عثمان اثنتي عشرة سنة أميرًا للمؤمنين، أول ست سنين منها لم ينقم الناس عليه شيئًا، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب؛ لأن عمر كان شديدًا عليهم، أما عثمان فقد لان لهم ووصلهم([3])، ثم حدثت الفتنة بعد ذلك، وقد سمَّى المؤرخون الأحداث في النصف الثاني من ولاية عثمان 30 – 35هـ (الفتنة) التي أدَّت إلى استشهاد عثمان رضي الله عنه”([4]).
    ولا شك أن هذه الفتنة هي أول الفتن التي ابُتلي بها الصحابة رضي الله عنهم، يوم أن خرج المنافقون على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وطلبوا منه أن يتنازل عن منصب الخلافة، ونازعوه على ذلك حتى قتلوه رضي الله عنه([5]).
    بعض العوامل التي ساعدت على تأجج نار الفتنة:

    1- تعدد الثقافات في المجتمع وموت كثيرٍ مِن جيل كبار الصحابة الكرام:
    لما توسعت الدولة الإسلامية عبْر حركة الفتوحات الإسلامية، حدث تغير في تركيبة المجتمع؛ لأن هذه الدولة بتوسعها الجغرافي والبشري، ورثت ما على هذه الرقعة الواسعة مِن ألوان، ولغات، وثقافات، وعادات، وأفكار مختلفة، ولا شك أن الصحابة كانوا يقلون رويدًا رويدًا؛ فمنهم مَن يموت على فراشه، ومنهم مَن يموت في أرض الجهاد، وهناك جمع غفير جدًّا منهم قد مات في طاعون عمواس، وتستقبل الأرض بدلًا عنهم أعدادًا وفيرة مِن أبناء المناطق المفتوحة “فرس، وترك، وروم، وقبط، وكرد، وبربر”، وكان أكثرهم مِن الفرس أو مِن النصارى العرب أو غيرهم؛ وقد ترتب على ذلك أن خرج جيل جديد لم يكن على نفس الدرجة التي كان عليها الصحابة، ولم يتخرج مِن المدرسة التي تخرج منها الصحابة -رضي الله عنهم-، ومِن ثَمَّ ساعد ذلك على ظهور بعض الانحرافات الفكرية والسلوكية وهذا بلا شك ساعد على وقوع الفتن المتنوعة، وليس معنى هذا أن عدم وجود الجيل الأول هو السبب الرئيسي، لا، ولكن عدم التمسك بمنهج الجيل الأول هو السبب في وقوع الضعف والفرقة والاختلاف.
    2- عدم التعامل الحسن من الناس تجاه رأفة عثمان رضي الله عنه وحلمه:
    لا شك أن هناك تباينًا ملحوظـًا بيْن أسلوبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما في كيفية إدارة الدولة وسياسة التعامل مع الرعية؛ فبينما كان عمر قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه، ولمن تحت يديه، كان عثمان ألين طبعًا، وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر رضي الله عنه، حتى قال عثمان رضي الله عنه نفسه: “يرحم الله عمر، ومَن يطيق ما كان عمر يطيق!”، لكن الناس وإن رغبوا في الشوط الأول مِن خلافته؛ لأنه لان معهم وكان عمر شديدًا عليهم حتى أصبحت محبته مضرب المثل، فكان عثمان رضي الله عنه يتحلى بالرأفة والرحمة واللين مع الرعية، وللأسف قابل كثير مِن الناس هذه المعاملة الطيبة بالإساءة، وهذا اللين وهذه الرأفة مِن مميزات عثمان رضي الله عنه، لكن بعض الناس لم يحسنوا أن يقابلوا ذلك بالإحسان والطاعة!
    وقد أدرك عثمان ذلك حين قال لأقوام سجنهم: “أتدرون ما جرأكم عليَّ؟! ما جرأكم عليَّ إلا حلمي!”.
    وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان رضي الله عنه أن يكلِّم الناس على المنبر ويشاورهم في أمر توسعة المسجد، قال له مروان بن الحكم: “فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، فقال: ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور.قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم. قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك”.
    وقال محب الدين الخطيب رحمه الله عن هؤلاء الذين قابلوا الإحسان بالإساءة: “وفيهم مَن أصابهم مِن عثمان شيء مِن التعزير لبوادر بدرتْ منهم تخالِف أدب الإسلام؛ فأغضبهم التعزير الشرعي مِن عثمان رضي الله عنه، ولو أنهم قد نالهم مِن عمر رضي الله عنه أشد منه لرضوا به طائعين”([6]).

    ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

    ------

    ([1]) رواه الترمذي (3705)، وصححه الألباني.
    ([2]) عن أبى موسى الأشعري رضي الله عنه، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ:” لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا، قَالَ : فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: خَرَجَ وَجَّهَ هَاهُنَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلاَّهُمَا فِي الْبِئْرِ، قَالَ : فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ، قَالَ : فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلاَنٍ يُرِيدُ أَخَاهُ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: فَدَخَلَ فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلاَنٍ خَيْرًا يَعْنِي أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ وَجِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ، قَالَ: فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وِجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، قَالَ شَرِيكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ” [(رواه البخاري (3674)، ومسلم (2403)].
    ([3]) الطبقات لابن سعد (1/39-47)، البداية والنهاية لابن كثير (7/144-149).
    ([4]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (13/20).
    ([5]) تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه للصلابي (ص 310).
    ([6]) العواصم من القواصم لابن العربي، بتعليق محب الدين الخطيب (ص58).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة

    تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة (3)
    نفض الغبار عن تاريخ الأخيار (7)
    د. زين العابدين كامل

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فما زلنا نلقي الضوء على تحقيق موقف عثمان رضي الله عنه من الفتنة، وقد سلَّطنا الضوء في المقالين السابقين على حجم الفتوحات والإنجازات التي تمت في عصر خلافته، ثم أشرنا إلى بعض العوامل التي ساعدت على تأجج نار الفتنة، ومنها:
    – تعدد الثقافات في المجتمع.
    – موت كثير مِن جيل كبار الصحابة الكرام.
    – عدم التعامل الحسن مِن الناس تجاه رأفة عثمان رضي الله عنه وحلمه.


    وفي هذا المقال نستكمل بقية العوامل التي ساعدت على إشعال الفتنة، ومنها:
    – العودة إلى العصبية الجاهلية:
    لقد حذر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من العصبية، وقال: “دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ”، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِين َ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: “دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ”([1]).
    وقد ظهرت هذه العصبية عند بعض الأفراد قُبيل الفتنة وساعتها، فهناك مَن تعصب لعثمان رضي الله عنه بعد مقتله، وأصرَّ على إقامة الحد وأخذ الثأر، ولم يراعِ الواقع الذي يعيشه، ولم ينظر إلى مآلات الأمور، ولم يحسن الترجيح بين المصالح والمفاسد، وهناك صنف آخر تعصب لبني أمية دون تريث، سواء من الأمويين أو من أهل الشام بصفةٍ عامةٍ، ومِن ثَمَّ ساعدت هذه العصبية على اشتعال الفتنة؛ لذا كان مِن أول أعمال النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة النبوية: تأسيس المجتمع الجديد على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإرساء دعائم المحبة والأخوة والائتلاف بين جميع المسلمين، ونَبْذ كل ألوان العصبية الجاهلية التي تفرِّق الناس، وتثير نعرات العصبية والاختلاف.

    وفي فتح مكة خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم الناس، وأعلن للناس ركيزة تأسيس هذه الأمة، فقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ -الكبر والفخر- الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13]”([2]).

    فهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة؛ وكلها مِن الجاهلية.
    وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ”([3]).

    – تآمر الحاقدين والمنافقين، ودور عبد الله بن سبأ في إشعال الفتنة:
    لقد دخل في الإسلام منافقون يجمعون الحقد والدهاء والمكر في أشخاصهم، ووجدوا مَن يستمع إليهم بآذان صاغية؛ هذا بالإضافة إلى مكر اليهود والنصارى وحقدهم على الإسلام، فاستغل أولئك الحاقدون من يهود ونصارى، وفرس، وأصحاب الجرائم الذين أٌقيمت عليهم الحدود الشرعية، مجموعات من الناس كان معظمهم من الأعراب، ممن لا يفقهون هذا الدين على حقيقته، فتكونت لهؤلاء جميعًا طائفة وُصفت مِن جميع مَن قابلهم بأنهم أصحاب شر، فقد وُصفوا بالغوغاء مِن أهل الأمصار، ونُزَّاع القبائل، وأنهم حثالة الناس ومتفقون على الشر([4])، وسفهاء عديمو الفقه، وأراذل من أوباش القبائل([5]) فهم أهل جفاء وهمج، ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف الأراذل، وأنهم آلة الشيطان!([6]).
    وكان ابن سبأ أول مَن أحدث القول برجعة علي رضي الله عنه إلى الدنيا بعد موته، وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول مكان أظهر فيه ابن سبأ مقالته هذه في مصر، فكان يقول: “العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب برجوع محمد، وقال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) [القصص:85]، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فقُبل ذلك منه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها”([7])، وهو أول مَن قال بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه، وأنه خليفته على أمته من بعده بالنص، وأول مِن أظهر البراءة من أعداء علي رضي الله عنه.
    وادعى ابن سبأ أيضًا: أن عليًّا رضي الله عنه هو دابة الأرض، وأنه هو الذي خلق الخلق وبسط الرزق!([8])، وقد برز دور عبد الله بن سبأ في السنوات الأخيرة من خلافة عثمان رضي الله عنه حيث بدت في الأفق سمات الاضطراب في المجتمع الإسلامي([9])، وغاية ما جاء به ابن سبأ آراء ومعتقدات ادعاها واخترعها مِن قِبَل نفسه، وافتعلها مِن يهوديته الحاقدة، وجعل يروجها وينشرها في المجتمع بغية النيل من وحدته وإذكاء نار الفتنة، وغرس بذور الشقاق بين أفراده.
    فكانت هذه الأفكار مِن أهم العوامل التي أدَّت إلى قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وتفرُّق الأمة شيعًا وأحزابًا، وبعد أن استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان رضي الله عنه، فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم: “من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووثب على وصيِّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتناول أمر الأمة؟!”.
    ثم قال لهم بعد ذلك: “إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر”([10]).
    هذا وقد اتفق المؤرخون والعلماء مِن سلف الأمة وخَلَفِهَا على أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين بعقائد وأفكار وخطط سبئية منحرفة؛ ليرد المسلمين عن دينهم وطاعة إمامهم، ويوقع بينهم الفُرْقة والخلاف، فاجتمع إليه من غوغاء الناس ما تكونت به بعد ذلك الطائفة السبئية المعروفة، التي كانت عاملًا من عوامل الفتنة في المجتمع المسلم.
    وهنا تظهر خطورة النفاق وخطورة المنافقين على المجتمع؛ لذا كان النفاق أخطر مِن الكفر وعقوبته أشد؛ لأنه كفر بلباس الإسلام وضرره أعظم؛ ولذلك جعل الله المنافقين في أسفل النار كما قال -سبحانه-: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: 145].
    ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.
    ([1]) رواه البخاري (4907)، ومسلم (2584).
    ([2]) رواه الترمذي (3270)، وصححه الألباني.
    ([3]) رواه أحمد (8736)، وأبو داود (5116)، وحسنه الألباني.
    ([4]) الطبقات لابن (3/71).
    ([5]) شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/ 201).
    ([6]) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/327). قلتُ: وقد تردد في المصادر: اسم عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ضمن هؤلاء الموتورين الحاقدين، وأنه كان مِن اليهود ثم أسلم، ولم ينقب أحد عن نواياه فتنقل بين البلدان الإسلامية باعتباره أحد أفراد المسلمين.
    قال ابن تيمية رحمه الله: “إن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ” [مجموع الفتاوى (28/ 483)]، وقال الذهبي: “عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل” [ميزان الاعتدال (2/ 426)]، وهو ادعى الإلهية في علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته.
    ([7]) ابن سبأ حقيقة لا خيال، سعدي بن مهدي الهاشمي، ص 151.

    ([8]) سعدي بن مهدي الهاشمي، المرجع السابق، ص156.
    ([9]) تاريخ دمشق لابن عساكر (29/ 3).
    ([10]) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/347).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة

    تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة (4)
    نفض الغبار عن تاريخ الأخيار (8)
    د. زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فما زلنا نلقي الضوء على تحقيق موقف عثمان رضي الله عنه من الفتنة، وقد سلَّطنا الضوء فيما سبق على حجم الفتوحات والإنجازات التي تمت في عصر خلافته، ثم أشرنا إلى أهم العوامل التي ساعدت على تأجج نار الفتنة، ومنها: تعدد الثقافات في المجتمع، وموت كثير من جيل كبار الصحابة الكرام، ثم عدم التعامل الحسن من الناس تجاه رأفة عثمان وحلمه، وكذا العودة إلى العصبية الجاهلية وتآمر الحاقدين والمنافقين، ودور عبد الله بن سبأ في إشعال الفتنة، وفي هذا المقال نلقي الضوء على أهم الوقائع والأحداث التي سبقت مقتل عثمان رضي الله عنه.


    الأحداث التي سبقت مقتل عثمان رضي الله عنه:
    لقد نجح الثوار المجرمون الكاذبون في إزاحة الوليد بن عقبة عن ولاية الكوفة، وعيَّن عثمان رضي الله عنه سعيد بن العاص واليًا جديدًا على الكوفة، وعندما وصل سعيد إلى ولايته صعد المنبر، وبعد ما حمد الله وأثنى عليه قال: “والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني عندما أمرني عثمان، لم أجد بدًّا من التنفيذ، ألا وإن الفتنة قد أطلت رأسها فيكم، والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تغلبني، وإني رائد نفسي اليوم”([1]).
    واستطاع سعيد بن العاص أن يتعرف على توجهات الناس فيها، وأدرك حقيقة الفتنة، وأن مجموعة من المنافقين والحاقدين وأعداء الإسلام هم السبب في هذه الفتنة، وقد سيطر الرعاع والأعراب على الرأي فيها [2]).
    وكتب سعيد رسالة إلى أمير المؤمنين عثمان يخبره فيها بالأوضاع المتردية في الكوفة، فرد عليه عثمان رضي الله عنه برسالة، طلب منه فيها إعادة ترتيب أوضاع أهلها، وتصنيفهم على أساس السبق والجهاد، وتقديم أهل العلم والصدق والجهاد على غيرهم، وقام سعيد بتنفيذ توجيهات عثمان رضي الله عنه وأخبر الخليفة بما فعل، وجمع عثمان أهل الحل والعقد في المدينة، وأبلغهم بأوضاع الكوفة ورسوخ الفتنة فيها، وإجراءات سعيد بن العاص لمواجهتها، فقالوا: أصبت بما فعلت، ولا تسعف أهل الفتنة بشيء ولا تقدمهم على الناس([3])، ولا تطعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا تولى الأمور مَن ليس أهلًا لها لم يقم بها، بل يفسدها، وهنا تأذى أهل الحقد والغل مِن تقديم أصحاب السابقة والجهاد والبلاء والعلم والتقوى في المجالس والرئاسة والاستشارة، وصاروا يعيبون على الولاة تقديم هؤلاء عليهم واستشارتهم دونهم.
    واستغل الحاقدون هذا الأمر في نفوسهم، وغرسوا فيهم كره الخليفة وأعوانه والدولة بصفةٍ عامةٍ، وكان أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس يتآمرون على الإسلام والمسلمين، وينشرون الإشاعات والأكاذيب ضد الخليفة والولاة، ويستثمرون الأخطاء التي تصدر عن بعضهم في تهييج العامة ضدهم، وهذا كله بهدف نشر الفوضى، وتعميق الفرقة بين المسلمين، وأوصى ابن سبأ أتباعه المجرمين فقال لهم: “انهضوا في هذا الأمر، فحركوه وابدأوا بالطعن على أمرائكم وولاتكم الذين يعينهم الخليفة، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لتستميلوا الناس إليكم، وادعوهم إلى هذا الأمر”([4]).
    وصار أتباع ابن سبأ يؤلفون الأكاذيب والافتراءات، وينشرونها في كتب يرسلها بعضهم إلى بعض في الأمصار، وبذلك استطاع السبئيون أن يشعلوا نارَ الفتنة في المجتمع، ويؤثِّرون على كيان الأمة، فأضعفوا الوحدة والشوكة، وهيجوا الناس على الولاة والأمراء، ونشروا الافتراءات ضد الخليفة عثمان نفسه([5]).


    ثم توجَّه ابن سبأ إلى الشام ليفسد بعض أهلها وينشر بينهم الفتن، ولكنه لم ينجح في هدفه الخبيث، فقد كان له معاوية رضي الله عنه بالمرصاد.
    ثم شكى سعيد بن العاص مِن بعض الرعاع عنده في الكوفة الذين لا يزالون ينشرون الفتن في المجتمع، فأمره عثمان بإخراجهم من الكوفة، وكانوا بضعة عشر رجلًا، وأرسلهم سعيد إلى معاوية في الشام بأمر عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية بشأن هؤلاء فقال له: “إن أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرًا خُلقوا للفتنة، فَرُعْهم وأخفهم وأدبهم وأقم عليهم، فإن آنست منهم رشدًا فاقبل منهم”.
    وبذل معاوية رضي الله عنه كل طاقاته الفكرية والثقافية والسياسية مِن أجل صلاح أحوالهم وتغيير فكرهم، وإبعادهم عن إيثار الفتن في المجتمع([6])، وبالفعل تم إرسالهم إلى معاوية رضي الله عنه في بلاد الشام، وهنا كتب معاوية إلى عثمان رضي الله عنهما قائلًا: “بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أما بعد: يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إليَّ أقوامًا يتكلمون بألسنة الشياطين، وما يملون عليهم، ويأتون الناس -زعموا- مِن قِبَل القرآن، فيشبِّهون على الناس، وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة، ويقربون فتنة؛ قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنت رقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرًا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، ولستُ آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم، فارددهم إلى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم”([7]).
    ثم كتب عثمان إلى سعيد بن العاص فردهم إليه، فلم يلبث أن شكى منهم سعيد مرة أخرى، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيِّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان أميرًا على حمص، فلما وصلوا إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد استدعاهم، وكلمهم كلامًا شديدًا، وكان مما قاله لهم: “يا آلة الشيطان، لا مرحبًا بكم ولا أهلًا، لقد رجع الشيطان محسورًا خائبًا، وأنتم ما زلتم نشيطين في الباطل، خسَّر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم ويخزكم، يا معشر مَن لا أدري مَن أنتم: أعرب أم عجم؟ لن تقولوا لي كما كنتم تقولون لسعيد ومعاوية، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن مَن قد عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة، والله لأذلنكم”.
    وأقامهم عبد الرحمن بن خالد عنده شهرًا كاملًا، وعاملهم بمنتهى الحزم والشدة، ولم يلن معهم كما لان سعيد ومعاوية، وكان إذا مشى مشوا معه، وإذا ركب ركبوا معه، وإذا غزا غزوا معه، وكان لا يدع مناسبة إلا ويذلهم فيها، وكان إذا قابل زعيمهم (صعصة بن صوحان) يقول له: “يا ابن الخطيئة، هل تعلم أن مَن لم يصلحه الخير أصلحه الشر، وأن مَن لم يصلحه اللين أصلحته الشدة؟”.
    وكان يقول لهم: “لماذا لا تردون عليَّ كما كنتم تردون على سعيد في الكوفة، وعلى معاوية بالشام؟ لماذا لا تخاطبوني كما كنتم تخاطبونهما؟!”، ونفع معهم أسلوب عبد الرحمن بن خالد، وأخرسهم حزمه وشدته وقسوته، وأظهروا له التوبة والندم، وقالوا له: “نتوب إلى الله ونستغفره، أقلنا أقالك الله، وسامحنا سامحك الله”([8]).
    أما أهل الفتنة بالبصرة بزعامة حكيم بن جبلة، فقد كانوا ضد أهل الفضل فيها، وتآمروا وكذبوا عليهم، وكان مِن أفضل وأتقى أهل البصرة (أشج عبد القيس)([9])، فكذب الخارجون عليه، واتهموه بالباطل، فسيَّره عثمان إلى معاوية بالشام، ولما كلمه معاوية وعامله، عرف براءته وصدقه، وكذب الخوارج وافتراءهم عليه.
    وفي عام 34 هـ -السَّنة الحادية عشرة من خلافة عثمان- أحكم عبد الله بن سبأ اليهودي خطته، ورسم مؤامراته، ورتب مع جماعته السبئيين الخروج على الخليفة وولاته، فقد اتصل ابن سبأ اليهودي في مصر بالشياطين من حزبه في البصرة والكوفة والمدينة، واتفق معهم على تفاصيل الخروج، وكاتبهم وكاتبوه، وراسلهم وراسلوه([10])، وبدأ الرعاع في إثارة الفتن في الكوفة، وتحريض الناس على العصيان، وبالفعل حدث شيء من الفوضى وطالبوا بعزل سعيد بن العاص وهم يريدون أبا موسى الأشعري واليًا عليهم، ولما علم عثمان بذلك قال: “قد عيَّنا وأثبتنا أبا موسى واليًا عليهم، والله لن نجعل لأحدٍ عذرًا، ولن نترك لأحدٍ حجة، ولنصبرن عليهم كما هو مطلوب منا، حتى نعرف حقيقة ما يريدون”.
    وكتب عثمان إلى أبي موسى بتعيينه واليًا على الكوفة([11])، وقبل وصول كتاب عثمان بتعيين أبي موسى واليًا، كان في مسجد الكوفة بعض أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد حاولوا ضبط الأمور وتهدئة العامة، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك؛ لأن السبئيين والحاقدين سيطروا على الرعاع والغوغاء وهيجوهم، فلم يعودوا يسمعون صوت عقل أو منطق!
    وكان في مسجد الكوفة وقت التمرد والفتنة اثنان من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هما: حذيفة بن اليمان، وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري([12]).
    وقد قام أبو موسى الأشعري رضي الله عنه بتهدئة الأمور، ونهى الناس عن العصيان، وقال لهم: “أيها الناس، لا تخرجوا في مثل هذه المخالفة، ولا تعودوا لمثل هذا العصيان، الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا فكأنكم بأمير. فقالوا: فصلِّ بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع والطاعة لعثمان”([13]).
    وكتب عثمان بن عفان إلى الخارجين من أهل الكوفة كتابًا يبيِّن فيه الحكمة من استجابته لطلبهم في عزل سعيد وتعيين أبي موسى بدله([14])، وهي رسالة ذات دلالات مهمة، وتبيِّن طريقة عثمان رضي الله عنه في مواجهة هذه الفتن، ومحاولته تأجيل اشتعالها ما استطاع، مع علمه اليقيني أنها قادمة، وأنه عاجز عن مواجهتها؛ فهذا ما علمه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لهم عثمان في رسالته: “أما بعد، فقد أمَّرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأفرشن لكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، واسألوني كل ما أحببتم مما لا يُعصَى الله فيه، فسأعطيه لكم، ولا شيئًا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه، حتى لا يكون لكم عليَّ حجة”، وكتب بمثل ذلك في الأمصار.
    رضي الله عن أمير المؤمنين عثمان، ما أصلحه، وأوسع صدره!
    وكم ظلمه السبئيون والخارجون والحاقدون، وكذبوا وافتروا عليه([15])!
    ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.




    ([1]) تاريخ الرسل والملوك للطبري، ج5 ص280.
    ([2]) خلافة عثمان بن عفان، مأمون غريب، مركز الكتاب للنشر ص110.
    ([3]) جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين، محمد السيد الوكيل، الناشر: دار المجتمع، طبعة 1323ه – 2002م، ص 385.
    ([4]) تاريخ الرسل والملوك للطبري (8/345).
    ([5]) خلافة عثمان بن عفان، مأمون غريب، ص 118
    ([6]) عثمان بن عفان ذو النورين، محمد رضا، ص135.
    ([7]) المصدر السابق للطبري (5/327)
    ([8]) تاريخ الرسل والملوك للطبري (5/329)
    ([9]) واسمه عامر بن عبد القيس، وكان زعيمًا لقومه، وقد وفد على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعلم منه، ومدحه رسول الله بقوله: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ) (رواه مسلم). وكان عامر بن عبد القيس من قادة الجهاد في القادسية وغيرها، وكان مقيمًا في البصرة، وكان على قدرٍ كبيرٍ من الصلاح والتقوى.
    ([10]) تاريخ الخلفاء الراشدين: الفتوحات والإنجازات السياسية، محمد سهيل طقوش، ص 390.
    ([11]) تاريخ الرسل والملوك، للطبري، (5/ 339)
    ([12]) جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين، محمد السيد الوكيل، ص 390.
    ([13]) عثمان بن عفان ذو النورين لمحمد رضا، ص137.
    ([14]) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص133.
    ([15]) الكامل في التاريخ لابن الأثير، (2/519)
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة

    تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة (5)

    نفض الغبار عن تاريخ الأخيار (9)

    د. زين العابدين كامل


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فما زلنا نلقي الضوء على تحقيق موقف عثمان رضي الله عنه من الفتنة، وقد سلَّطنا الضوء فيما سبق على حجم الفتوحات والإنجازات التي تمت في عصر خلافته، ثم أشرنا إلى أهم العوامل التي ساعدت على تأجج نار الفتنة، ثم تحدثنا عن أهم الوقائع والأحداث التي سبقت مقتل عثمان رضي الله . الوقائع والأحداث التي سبقت مقتل عثمان رضي الله عنه
    وقد ذكرنا أن عثمان -رضي الله عنه- استجاب إلى مطلب الثوار، وقام بعزل سعيد بن العاص وولَّى بدلًا منه أبا موسى الأشعري واليًا عليهم كما أرادوا، وقد قال عثمان رضي الله عنه:" والله لن نجعل لأحدٍ عذرًا، ولن نترك لأحدٍ حجة، ولنصبرن عليهم كما هو مطلوب منا"
    محاولات الصلح ثم مكيدة الكتاب المزور:
    خرج أهل الأمصار من أوطانهم وهم يريدون عثمان رضي الله عنه، وبلغ خبر قدومهم عثمان -رضي الله عنه- قبْل وصولهم، وكان في قرية خارج المدينة، فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها، وكان أول مَن وصل فريق المصريين، فقالوا لعثمان: "ادعُ بالمصحف" فدعا به، فقالوا: "افتح السابعة"، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) [يونس: 59]، فقالوا له: "قف، أرأيتَ ما حميت مِن الحمى؛ الله أذن لك أم على الله تفتري؟!"، فقال: نزلتْ في كذا وكذا؛ فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليتُ زادت إبل الصدقة؛ فزدتُ في الحمى لما زاد مِن إبل الصدقة”، فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: نزلتْ في كذا، فما يزيدون..
    وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين تبيَّن لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلت، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق؛ لذا خططوا تخطيطًا آخر يشعل الفتنة ويحييها، وزوروا كتابًا على أمير المؤمنين عثمان.
    ففي أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم يُظهر أنه هارب منهم، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ثم أخرجوا منه الكتاب، فإذا هم بكتابٍ على لسان عثمان رضي الله عنه وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها، ونفى عثمان رضي الله عنه أن يكون كتب هذا الكتاب([1])، وقال لهم: “إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمللتُ، ولا علمتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم”، فلم يصدقوه!
    وقد أقسم لهم عثمان بأنه ما كتب هذا الكتاب([2])، وقد زور المجرمون كتبًا أخرى على علي وعائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه من عثمان
    وعليه خاتمه، يحمله غلامه على واحدٍ من إبل الصدقة إلى عامله بمصر ابن أبي السرح، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين، هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان رضي الله عنه([3]).



    قرار حصار أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه:
    وبعد عودة الرعاع قرروا حصار عثمان في بيته، وبالفعل تمت عملية الحصار لعثمان رضي الله عنه، وأحاط الخارجون على عثمان رضي الله عنه بالدار، وطلبوا منه خلع نفسه أو يقتلوه، فرفض عثمان رضي الله عنه خلع نفسه، وقال: “لا أخلع سربالًا سربلنيه الله”([4])؛ يشير إلى ما أوصاه به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بينما كان قلة من الصحابة رضوان الله عليهم يرون خلاف ما ذهب إليه، وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومِن هؤلاء: المغيرة بن الأخنس رضي الله عنه، لكن عثمان رضي الله عنه رفض ذلك.
    وقد دخل ابن عمر رضي الله عنهما على عثمان رضي الله عنه أثناء حصاره، فقال له عثمان رضي الله عنه: “انظر إلى ما يقول هؤلاء! يقولون: اخلعها، ولا تقتل نفسك”، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: “إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟!”، فقال عثمان رضي الله عنه: “لا”، قال: “فإن لم تخلعها: هل يزيدون على أن يقتلوك؟”، قال عثمان رضي الله عنه: “لا”، قال: فهل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: “لا”، قال: “فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمَّصكه الله، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه!”([5]).
    وبينما كان عثمان رضي الله عنه في داره، والقوم أمام الدار محاصروها، دخل ذات يوم مدخل الدار، فسمع توعد المحاصرين له بالقتل، فخرج من المدخل ودخل على مَن معه في الدار ولونه ممتقع، فقال: “إنهم ليتوعدونني بالقتل آنفًا”، فقالوا له: “يكفيكم الله يا أمير المؤمنين”، فقال: “ولِمَ يقتلونني، وقد سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: “لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس”؟ فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا تمنيت أن لي بديني بدلًا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا، ففيمَ يقتلونني؟!”، ثم أشرف على المحاصرين، وحاول تهدئة ثورتهم عن خروجهم على إمامهم.
    ولما رأى عثمان رضي الله عنه إصرار المتمردين على قتله حذَّرهم من ذلك ومن مغبته، فاطلع عليهم من كوة وقال لهم: “أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فوالله لئن قتلتموني لا تقاتلوا جميعًا أبدًا، ولا تجاهدوا عدوًّا أبدًا؛ لتختلفن حتى تصيروا هكذا”، وشبك بين أصابعه.
    الصحابة رضي الله عنهم يتدخلون لحماية أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه والدفاع عنه:
    جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: “إن معي خمسمائة دارع، فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئًا يستحل به دمك، فقال: جُزيت خيرًا، ما أحب أن يهراق دم بسببي”([6]).
    وعن أبي حبيبة([7]) قال: “بعثني الزبير بن العوام إلى عثمان وهو محاصر فدخلت عليه في يوم صائف وهو على كرسي، وعنده الحسن بن علي، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فقلتُ: بعثني إليك الزبير بن العوام، وهو يقرئك السلام ويقول لك: إني على طاعتي لم أبدل ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك، وكنت رجلًا من القوم، وإن شئت أقمت، فإن بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي، ثم يمضون على ما آمرهم به، فلما سمع يعني عثمان الرسالة قال: الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي، أقرئه السلام، ثم قل له: مكانك أحبّ إليَّ، وعسى الله أن يدفع بك عني، فلما قرأ الرسالة أبو هريرة قام فقال: ألا أخبركم ما سمعت أذناي من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «تكون بعدي فتن وأمور»، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: «إلى الأمين وحزبه»، وأشار إلى عثمان بن عفان، فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فأذن لنا في الجهاد؟ فقال: “أعزم على مَن كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل”([8]).
    ودخل عليه المغيرة بن شعبة وهو محاصَر، فقال: “إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني أعرض عليك خصالًا ثلاثة اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عددًا وقوة، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابًا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول مَن خلف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: “يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم”، ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”([9]).
    وقد حثَّ كعب بن مالك رضي الله عنه الأنصار على نصرة عثمان رضي الله عنه وقال لهم:” يا معشر الأنصار، كونوا أنصار الله مرتين”، فجاءت الأنصار عثمان ووقفوا ببابه، ودخل زيد بن ثابت رضي الله عنه وقال له: “هؤلاء الأنصار بالباب، إن شئتَ كنا أنصار الله مرتين”(6)، فرفض القتال وقال: “لا حاجة لي في ذلك، كفوا””(7).
    وجاء الحسن بن علي رضي الله عنهما وقال له: “أخترط سيفي؟ قال: لا، أبرأ إلى الله إذًا مِنْ دمك، ولكن ثم (8) سيفك، وارجع إلى أبيك”.
    وجاء أبو هريرة -رضي الله عنه- ودخل الدار على عثمان وأراد الدفاع عنه، فقال له عثمان: “يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي؟ قال: لا، قال، فإنك والله إن قتلتَ رجلاً واحدًا؛ فكأنما قُتِل الناس جميعًا، فرجع ولم يقاتِل”(9).
    ولما رأى بعض الصحابة إصرار عثمان رضي الله عنه على رفض قتال المحاصرين، وأن المحاصرين مصرون على قتله، لم يجدوا حيلة لحمايته سوى أن يعرضوا عليه مساعدته في الخروج إلى مكة هربًا مِن المحاصرين، فقد روي أن عبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وأسامة بن زيد، عرضوا عليه ذلك، وكان عرضهم متفرقًا؛ فقد عرض كل واحد منهم عليه ذلك على حدة، وعثمان رضي الله عنه يرفض كل هذه العروض.
    (10).
    ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.
    ([1]) وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة، وهو يعلم أنه خرج من مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة. ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه، انظر: محب الدين الخطيب، العواصم من القواصم ص110.
    ([2]) البداية والنهاية لابن كثير (7/ 191). وانظر: محمد غبان، المرجع السابق، ص161.
    ([3]) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان (2/515).
    ([4]) التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، لمحمد يحيى الأندلسي ص47.
    ([5]) الخلفاء الأربعة أيامهم وسيرتهم، لأبي القاسم التيمي ص 171.

    ([6]) تاريخ دمشق لابن عساكر (39/395)
    ([7]) هو أبو حبيبة مولى الزبير بن العوام، روى عن الزبير، وسمع أبا هريرة وعثمان محصور.
    ([8]) فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (1/ 511، 512).
    ([9]) البداية والنهاية لابن كثير (7/211).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    27,473

    افتراضي رد: تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة


    تحقيق موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه من الفتنة (6)
    نفض الغبار عن تاريخ الأخيار (10)
    د. زين العابدين كامل
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
    فقد تحدثنا في المقال السابق عن محاولات الصلح مع المجرمين، ثم مكيدة الكتاب المزور ثم محاولات الصحابة الدفاع عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، ونستكمل الأحداث في هذا المقال بمشيئة الله تعالى.


    موقف أمهات المؤمنين من أحداث الفتنة في المدينة المنورة:
    كان موقف أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنهما- مِن المواقف العظيمة، والبالغة الخطر في هذه الأحداث، لما حوصر عثمان -رضي الله عنه- ومٌنع عنه الماء، سرَّح عثمان ابنًا لعمرو بن حزم الأنصاري مِن جيران عثمان إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئًا مِن الماء فافعلوا، وأرسل كذلك إلى طلحة وإلى الزبير وإلى عائشة وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-.
    فكان أولهم إنجادًا له علي وأم حبيبة رضي الله عنهما، وكانت أم حبيبة معنية بعثمان رضي الله عنه، وكان هذا طبيعيًّا منها؛ حيث النسب الأُموي الواحد، فلقد جاءت أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل، قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت([1]) بأم حبيبة، فتلقاها الناس وقد مالت راحلتها، فتعلقوا بها، وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها، ويبدو أنها -رضي الله عنها- أمرت ابن الجراح مولاها أن يلزم عثمان رضي الله عنه، فقد حدثت أحداث الدار، وكان ابن الجراح حاضرًا([2]).
    وما فعلته السيدة أم حبيبة رضي الله عنها فعلت مثله السيدة صفية رضي الله عنها؛ فلقد روي عن كنانة قال: كنتُ أقود بصفية لتردَّ عن عثمان، فلقيها الأشتر، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ذروني لا يفضحني هذا، ثم وضعت خشبًا مِن منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الطعام والماء.
    وخرجت عائشة رضي الله عنها مِن المدينة، وهي ممتلئة غيظـًا على المتمردين، وجاءها مروان بن الحكم، فقال: أم المؤمنين، لو أقمتِ كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل، فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة، ثم لا أجد مَن يمنعني، لا والله لا أُعَيَّر، ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء، ورأت رضي الله عنها أن خروجها ربما كان مُعينًا في فض هذه الجموع، وتجهزت أمهات المؤمنين إلى الحج هربًا مِن الفتنة، وكانت هذه محاولة منهن لتخليص عثمان رضي الله عنه مِن أيدي هؤلاء المفتونين، الذين كان منهم محمد بن أبي بكر، أخو السيدة عائشة رضي الله عنها الذي حاولت أن تستتبعه معها إلى الحج فأبى، وهذا هو ما أكَّد عليه الإمام ابن العربي رحمه الله حيث قال: “تغيُّب أمهات المؤمنين مع عددٍ مِن الصحابة كان قطعًا للشغب بيْن الناس، رجاء أن يرجع الناس إلى أمهاتهم، وأمهات المؤمنين؛ فيرعوا حرمة نبيهم”([3]).


    أمير المؤمنين عثمان يُنيب عبد الله بن عباس على موسم الحج:
    واستدعى عثمان عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وكلَّفه أن يحج بالناس هذا الموسم، فقال له ابن عباس: دعني أكن معك وبجانبك يا أمير المؤمنين في مواجهة هؤلاء، فوالله إن جهاد هؤلاء الخوارج أحبَّ إليَّ من الحج. فقال له: عزمت عليك أن تحج بالمسلمين، فلم يجد ابن عباس أمامه إلا أن يطيع أمير المؤمنين([4]).
    وكتب عثمان كتابًا مع ابن عباس ليُقرأ على المسلمين في الحج، بيَّن فيه قصته مع الخوارج عليه، وموقفه منهم، وطلباتهم منه وفي آخر أيام الحصار وهو اليوم الذي قٌتل فيه، نام رضي الله عنه فأصبح يحدِّث الناس: ليقتلني القوم، ثم قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، ومعه أبو بكر وعمر، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا عثمان أفطر عندنا، فأصبح صائمًا، وقتل مِن يومه([5]).

    الهجوم على الدار ومقتل أمير المؤمنين عثمان:
    وهاجم المتمردون الدار فتصدَّى لهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، ومَن كان مِن أبناء الصحابة أقام معهم، فنشب القتال فناداهم عثمان: “الله الله، أنتم في حل من نصرتي”، فأبوا، ودخل غلمان عثمان لينصروه، فأمرهم ألا يفعلوا؛ بل إنه أعلن أنه مَن كف يده منهم فهو حر([6]).
    وقال عثمان في وضوح وإصرار وحسم، وهو الخليفة الذي تجب طاعته: “أعزم على كل مَن رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه”([7]).
    ولا تبرير لذلك؛ إلا بأن عثمان كان واثقًا مِن استشهاده بشهادة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له بذلك؛ ولذلك أراد ألا تُراق بسببه الدماء، وتقوم بسببه فتنة بين المسلمين، وكان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمَن حج ثم تعجل في نفرٍ حجوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يُقتل، ودخل الدار يدافع عنه وقال: “ما عذرنا عند الله إن تركناك، ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت؟”، ثم أقدم المتمردون على حرق الباب والسقيفة، فثار أهل الدار وعثمان يصلي حتى منعوهم، وقاتل المغيرة بن الأخنس، والحسن بن علي، ومحمد بن طلحة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وأبو هريرة؛ فأبلوا أحسن البلاء وعثمان يرسل إليهم في الانصراف دون قتالٍ، ثم ينتقل إلى صلاته، فاستفتح قوله تعالى: (طَه . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَّخْشَى) [طه:1-3]، وكان سريع القراءة، فما أزعجه ما سمع، ومضى في قراءته ما يخطئ وما يتعتع، حتى إذا أتى إلى نهايتها قبل أن يصلوا إليه ثم دعا فجلس وقرأ: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) [آل عمران:137]([8]).

    وأصيب يومئذٍ أربعة من شبان قريش، وهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، وقتل المغيرة بن الأخنس، ونيار بن عبد الله الأسلمي، وزياد الفهري، واستطاع عثمان أن يقنع المدافعين عنه، وألزمهم بالخروج من الدار، وخلى بينه وبين المحاصرين، فلم يبقَ في الدار إلا عثمان وآله، وليس بينه وبين المحاصرين مدافع ولا حامٍ من الناس، وفتح رضي الله عنه باب الدار([9]).
    وبعد أن خرج مَن في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر رضي الله عنه المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ منه وكان إذ ذاك صائمًا، فإذا برجل من المحاصرين لم تسمه الروايات يدخل عليه، فلما رآه عثمان رضي الله عنه قال له: بيني وبينك كتاب الله، فخرج الرجل وتركه([10])، وما إن ولى حتى دخل آخر، وهو رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود، فخنقه ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان رضي الله عنه بيده فقطعها، فقال عثمان: “أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل”([11])، وذلك أنه كان مِن كتبة الوحي، وهو أول مَن كتب المصحف من إملاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتل رضي الله عنه والمصحف بين يديه، وعلى إثر قطع اليد انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه، وسقط على قوله تعالى: (فَسَيَكْفيكهم اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 137].
    ولما أحاطوا به قالت امرأته نائلة بنت الفرافصة: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن([12]). وقد دافعت نائلة عن زوجها عثمان وانكبت عليه واتقت السيف بيدها، فتعمدها سودان بن حمران ونضح أصابعها فقطع أصابع يدها، وولت، فغمز أوراكها([13]).
    ولما رأى أحد غلمان عثمان الأمر، راعه قتل عثمان، وكان يسمَّى (نجيحًا)، فهجم نجيح على سودان بن حمران فقتله، ولما رأى قتيرة بن فلان السكوني نجيحًا قد قتل سودان، هجم على نجيح فقتله، وهجم غلام آخر لعثمان اسمه (صبيح) على قتيرة بن فلان فقتله، فصار في البيت أربعة قتلى: شهيدان، ومجرمان، أما الشهيدان: فعثمان وغلامه نجيح، وأما المجرمان فسودان وقتيرة السكونيان، ولما تم قتل عثمان رضي الله عنه نادى منادٍ القوم السبئيين قائلًا: إنه لم يحل لنا دم الرجل ويحرم علينا ماله؛ ألا إن ماله حلال لنا، فانهبوا ما في البيت، فعاث رعاع السبئيين في البيت فسادًا، ونهبوا كل ما في البيت، حتى نهبوا ما على النساء.
    وهجم أحد السبئيين ويدعى كلثوم التجيبي على امرأة عثمان (نائلة) ونهب الملاءة التي عليها، ثم غمز وركها، وقال لها: “ويح أمك من عجيزة ما أتمك”، فرآه غلام عثمان (صبيح) وسمعه وهو يتكلم في حق نائلة هذا الكلام الفاحش، فعلاه بالسيف فقتله، وهجم أحد السبئيين على الغلام فقتله، وبعد ما أتم السبئيون نهب دار عثمان، تنادوا وقالوا: “أدركوا بيت المال، وإياكم أن يسبقكم أحد إليه، وخذوا ما فيه”، وسمع حراس بيت المال أصواتهم، ولم يكن فيه إلا غرارتان من طعام فقالوا: “انجوا بأنفسكم، فإن القوم يريدون الدنيا”، واقتحم السبئيون بيت المال وانتهبوا ما فيه([14]).
    حقق الخوارج السبئيون مرادهم، وقتلوا أمير المؤمنين، وتوقف كثير من أتباعهم من الرعاع والغوغاء بعد قتل عثمان ليفكروا، وما كانوا يظنون أن الأمر سينتهي بهم إلى قتله.

    وحزن الصالحون في المدينة لمقتل خليفتهم، وصاروا يسترجعون ويبكون، لكن ماذا يفعلون وجيوش الخوارج السبئيين تحتل المدينة، وتعيث فيها فسادًا، وقد قال الزبير بن العوم رضي الله عنه، لما علم بمقتل عثمان: “رحم الله عثمان، إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل له: إن القوم نادمون، فقال: دبروا ودبروا، ولكن كما قال الله تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) [سبأ: 54]”.
    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما علم بمقتل عثمان: “رحم الله عثمان، إنا لله وإنا إليه راجعون، قيل له: إن القوم نادمون، فقرأ قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) [الحشر: 16-17]”([15]).
    وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: “رحم الله عثمان، ثم تلا قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا . ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) [الكهف: 103 – 106]، ثم قال سعد: اللهم اندمهم واخزهم واخذلهم، ثم خذهم”([16]).
    واستجاب الله تعالى دعوة سعد رضي الله عنه، وكان مستجاب الدعوة؛ فقد أخذ الله كلَّ مَن شارك في قتل عثمان، مثل: عبد الله بن سبأ، والغافقي، والأشتر، وحكيم بن جبلة، وكنانة التجيبي، حيث قُتلوا فيما بعد([17]).
    وقد قُتل عثمان رضي الله عنه في السنة الخامسة بعد الثلاثين من الهجرة، وتوفي وسنه اثنتان وثمانون (82 سنة)، وهو قول الجمهور.
    وقام نفر من الصحابة يوم قتله بغسله وكفنوه وحملوه على باب، ومنهم: حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير بن مطعم، والزبير بن العوام، وعلي بن أبي طالب، وجماعة من أصحابه ونسائه، منهن: امرأتاه: نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصلوا عليه صلاة الجنازة، وقد دفنوه ليلًا، وقد أكَّد ذلك ما رواه ابن سعد والذهبي؛ حيث ذكرا أنه دُفن بين المغرب والعشاء رضي الله عنه([18]).

    تنبيه حول مشاركة محمد بن أبي بكر في مقتل أمير المؤمنين عثمان:
    لقد ذكرنا آنفًا أن محمد بن أبي بكر كان من المشاركين مع المجرمين في الأحداث، وأود هنا أن أشير إلى أنه لم يشترك في التحريض على عثمان رضي الله عنه -فضلًا عن قتله- أحدٌ مِن الصحابة رضي الله عنهم، وأن كل ما رُوي في ذلك ضعيف الإسناد.

    وأما محمد بن أبي بكر فبداية نؤكِّد: على أنه ليس مِن الصحابة، ثم إنه لم يصح اشتراكه في قتل عثمان، ولا في التحريض عليه، وإن كانت هناك روايات تفيد بوجوده في بادئ الأمر، لكن مِن الواضح أنه تراجع بعد ذلك.
    قال ابن كثير رحمه الله: “وَيُرْوَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ طَعْنَهُ بِمَشَاقِصَ في أذنه حتى دخلت في حَلْقَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وأنه استحى وَرَجَعَ حِينَ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَقَدْ أَخَذْتَ بِلِحْيَةٍ كَانَ أَبُوكَ يُكْرِمُهَا. فَتَذَمَّمَ مِنْ ذَلِكَ وغطى وجهه ورجع، وحاجز دُونَهُ فَلَمْ يُفِدْ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا”([19]).
    وهذا ما نميل إليه ونرجحه، والله أعلى وأعلم، ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

    (1) ند البعير ونحوه ندًّا، وندودًا: نفر وشرد. لسان العرب (3/419).
    (2) تاريخ المدينة لابن شبة (4/1311).
    (3) العواصم من القواصم (ص 156).
    ([4]) تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه، للصلابي (ص 386).
    ([5]) موقف الصحابة من أحداث العنف في عهد الخلفاء الراشدين، لحصة بنت عبد الكريم الزيد، (ص30).
    ([6]) البداية والنهاية (7/190).
    ([7]) العواصم من القواصم (ص137).
    ([8]) تاريخ دمشق لابن عساكر (64/245).
    ([9]) فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، لمحمد غبان (1/188).
    ([10]) تاريخ الرسل والملوك (5/405).
    ([11]) المصدر السابق (5/399).
    ([12]) الطبقات لابن سعد (3/76).
    ([13]) تاريخ الرسل والملوك (5/ 407).
    ([14]) الفتنة ووقعة الجمل، لسيف بن عمر الأسدي التَّمِيمي (ص73).
    ([15]) المصدر السابق (ص74).
    ([16]) البداية والنهاية (7/194).
    ([17]) تاريخ الرسل والملوك (5/410).
    ([18]) الطبقات لابن سعد (3/ 78).

    ([19]) البداية والنهاية (7/ 185).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •