علماء ودعاة ومختصون: لهجر القرآن أشكال عدة.. ومن الهاجرين من خرج عن ملة الإسلام


تحقيق: منصور خريش





القرآن الكريم هو كتاب الله، وشفاء القلوب، وطمأنينة النفس؛ ففي القرب منه الراحة، وفي البعد عنه الضيق والكرب، وجاءت النصوص الكريمة من الكتاب والسنة ترشد الأمة إلى تعاهد القرآن بالتلاوة والتدبر، وتحذر كل الحذر من التقصير في حقه، أو هجران تلاوته والعمل به.



ولقد حكى الله عز وجل شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم لربه هجران قومه للقرآن، فقال سبحانه: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} (الفرقان: 30).



ولكن السؤال هنا: ما أسباب هجر القرآن؟ وما عقوبة هذا الفعل في الدنيا والآخرة؟ وهل الهجر نوع واحد، أم أنواع عدة؟ وما الطريقة المثلى لمعالجة هذه الظاهرة؟

هذه الأسئلة وغيرها طرحت على عدد من العلماء والدعاة والمهتمين بالشأن القرآني بهدف تقديم العلاج الشافي لهذه الظاهرة.



للهجر أشكال عدة

بداية نضع بين أيديكم أنواع هجر القرآن، وهي على الشكل التالي كما ذكرته اللجنة الدائمة للإفتاء:

1 - هجر سماعه وتلاوته: لا يوجد على وجه البسيطة كتاب يحرم هجره، ويجب تعاهده وتلاوته إلا القرآن الكريم؛ فإن هذا من خصائصه التي لا يشاركه فيها أي كتاب، وقد أثنى الله عز وجل على الذين يتعاهدون كتاب ربهم بالتلاوة؛ فقال: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} (آل عمران: 113).

وحتى لا يقع الناس في هجران القرآن، فقد بحث العلماء مسألة «في كم يقرأ القرآن؟»، وقالوا: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن.

2 - هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه: فيحرم هجر العمل بالقرآن الكريم؛ لأن القرآن إنما نزل لتحليل حلاله وتحريم حرامه والوقوف عند حدوده؛ فلا يجوز ترك العمل بالقرآن؛ فإن العمل به هو المقصود الأهم والمطلوب الأعظم من إنزاله.

3 - هجر تحكيمه والتحاكم إليه: فقد أنزل الله عز وجل كتابه الكريم حتى يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ونهاهم سبحانه عن التحكيم أو التحاكم إلى غير القرآن؛ فالقرآن الكريم هو دستور المسلمين، وهو الحكم فيما اختلفوا فيه من أمور دينهم ودنياهم؛ فلا يجوز هجره لابتغاء الحكم في غيره.

4 - هجر تدبره وتفهمه وتعقل معانيه: فتدبر القرآن الكريم وتعقل معانيه مطلب شرعي دعا إليه القرآن وحثت عليه السنة وعمل به الصحابة والتابعون ومن بعدهم؛ قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (ص: 29)، وقال جل في علاه أيضاً: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد: 24)، وعليه فلا يجوز هجر تدبره وتأمل معانيه وأحكامه.

5 - هجر الاستشفاء به والتداوي به في أمراض القلوب والأبدان: فقد وردت نصوص كثيرة في أن القرآن الكريم شفاء؛ قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} (الإسراء: 82)، وفي سنة الرسول[ صور تطبيقية عديدة للتداوي بالقرآن، سواء كان دواء للأبدان أو للنفوس، وهجر الاستشفاء بالقرآن خلاف السنة، فهو مذموم وممقوت.

هاجر كافر!!

وقد أجابت اللجنة الدائمة عن حكم هجر القرآن في جواب نصه: وأما جزاء هاجره فيختلف باختلاف نوع الهجر، فقد يكون الهاجر للقرآن كافرا كمن ترك الإيمان والتصديق به، وقد يكون الهاجر عاصيا كمن يترك امتثال أوامره واجتناب زواجره مع بقاء أصل الإيمان معه، ونسأل الله أن يشرح صدور المسلمين لتلاوة كتابه والعمل به.

خسارة كبرى!

وأكد الشيخ الدكتور سعود بن عبدالله الفنيسان عميد كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقا، أن الهجر الأعظم يكون في عدم العمل بالقرآن وتدبره، في حين أن هجر تلاوته هو حرمان يقع على الإنسان؛ حيث إنه حرم نفسه أجرا عظيما؛ لما في تلاوة القرآن من الأجر والثواب.






رب رمضان



ونبه إلى ضرورة الاستمرار على تلاوة القرآن طوال العام قائلاً: أما الذي لا يعرف القرآن إلا في رمضان، فبئس المرء هو؛ فقد جاء عن بعض السلف قولهم: «بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان» فالله هو المعبود في رمضان وغيره.

صحبة القرآن

وحول طريقة المداومة على التلاوة، بل إتقان الحفظ، قال الفنيسان: الطريقة المثلى للمحافظة على تلاوة القرآن هي أن يقرأ المسلم كل يوم جزءا من القرآن، أو آيات منه، أو مقاطع معينة من بعض السور حسب قدرته، يقرؤها بتمعن ثم يستمر على تلاوتها في مشيه وركوبه وفي السيارة وفي قيامه وقعوده، ثم يقرؤها نظراً من المصحف، ثم يحاول أن يقرأها في الصلاة، ثم الأفضل - إن أمكن - أن يقرأ تفسيرها في أحد التفاسير الميسرة بعد أن يحفظها، فعندئذ - بإذن الله - يكون قد قرأها وحفظها وأيضا فهمها، وعندها يكون من الصعب عليه نسيانها.

قسوة القلب

الشيخ محمد عبدالله الدويش، المشرف العام على موقع «المربّي»، أرجع أسباب هجر القرآن إلى قسوة القلب، والبعد عن الله، والانشغال باللهو والشهوات والملهيات، كما أن البيئة التي يعيش فيها الإنسان لها دور كبير أيضا، فتجعله أحيانا بعيداً عن كتاب الله عز وجل.

خير وعلم

وعن ثمار تلاوة القرآن بانتظام وعلى الدوام يقول: ليس هناك شك في أن هناك ثماراً عظيمة يجنيها الإنسان من تلاوة كتاب الله، فضلا عن الأجر الكبير، فبكل حرف من كتاب الله عشر حسنات، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ومن ثماره التقرب من الله عز وجل، ولا تخلو قراءة القرآن من تعلم الفرد للأحكام والمواعظ وصلاح القلب والنفس وتعلم شرع الله.

لا يعاقب

وعن العقاب الذي ينتظر من ترك تلاوة القرآن قال الدويش: لا يعاقب إلا من ترك الفرض والواجب، ولكن هذا مما لا يليق بالمسلم، وقد كان النبي[ وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم - يداومون على قراءة القرآن، وكانوا يخصصون وردا يومياً، ومن قرأ في سيرتهم يرى حبهم لكتاب الله وأنهم كانوا متعلقين به؛ فالقرآن فلاح وصلاح، ومن هجره فقد الشيء الكثير ولم ينعم بما ينعم به قارئ القرآن من أجر عظيم في الدارين.

القضاء على الهجر

ونفى الشيخ محمد سعيد بافيل، المحاضر في قسم التربية وعلم النفس بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة وإمام مسجد خالد بن الوليد إمكانية القضاء على ظاهرة هجر القرآن، إلا في حالة واحدة، حيث قال: لن تستطيع معالجة هذه الظاهرة إلا إن زرعت بيئة صالحة في البيت والمدرسة، وغرست في الجيل والنشء مدى أهمية تلاوة القرآن وفضله ومكانته وفوائده؛ فالبيت والمدرسة هما اللذان يزرعان هذه الصفات، ويبينان مدى أهمية قراءة القرآن والمداومة على ذلك.

معاناة وبشرى!!

وتابع بافيل حديثه قائلاً: نحن نعاني عندما نرى بعض أبنائنا وطلابنا بالجامعة يهملون تلاوة القرآن، فنحن ليس لدينا الوقت الكافي لنبين لهم أهمية القرآن، ولكننا منهمكون في تعليمهم مجال تخصصاتهم؛ ولذلك يجب على الوالدين والأسرة القيام بهذا الدور، ولله الحمد فإن حلقات القرآن بالمساجد لا يهجر فيها القرآن؛ فطالب التحفيظ ملازم لكتاب ربه على الدوام، وهذا ما يبشر بالخير.

وأشار بافيل إلى أهمية دور المعلمين في توعية الطلاب في المدارس بفوائد تلاوة القرآن من طمأنينة في القلب، وراحة للنفس، وسعة في الرزق، وصلاح في الأولاد، والكثير الكثير مما لا يمكن إحصاؤه، وبيان ما يشكله الهجر في النفس والقلب، فالقلب بلا قرآن مثل البيت الخاوي الذي يفسد ولا يطيب البقاء فيه.

فرصة رمضان

وحث بافيل المربين على تشجيع الأبناء على التمسك بتلاوة القرآن في الشهر الفضيل، فهو فرصة للعودة إلى الأنس والصحبة مع كتاب الله، ومولد جديد وصفحة جديدة يتعاهد فيها المسلم نفسه على مواصلة قراءة القرآن بنفس الحماس بعد انقضاء الشهر؛ فالبعض يجتهد في تلاوة القرآن خلال رمضان، ولكن ما أن ينتهي الشهر حتى يعود إلى هجر تلاوته ومجافاته، والعياذ بالله.

لو استشعرنا!

الدكتور خالد بن يوسف الواصل، المتخصص في علوم القرآن، ومدير تحرير مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية، أوضح أن أعظم أسباب هجر القرآن ترك تدبره وتفهمه والتفكر به ومعرفة معانيه، وهذا خلاف ما كان عليه السلف وعلى رأسهم نبي الهدى[، موضحاً أنه إن استشعرنا أن القرآن كلام رب العالمين تحرك به اللسان وتدبرت معانيه القلوب، وعملت به الجوارح، ذاكرا قول أحد السلف - رحمه الله-: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار.

الآباء متهمون!!

وحمّل الواصل الآباء أسباب هجران الأبناء للقرآن، حيث قال: نجد من بعض الآباء عدم الاهتمام بتعليم أولادهم للقرآن، فتجد أحدهم حريصاً أن ينال ولده الشهادة العليا في العلوم الدنيوية - ولا نقلل من شأن هذا بالطبع - لكن في المقابل تجده لا يبالي أحفظ ولده شيئاً من القرآن أم لا؟ أيحسن تلاوته أم لا؟ فينشأ الولد بعيداً عن القرآن وتلاوته والعمل به إلا من رحم الله، وهذا واقع كثير من الأسر، نسأل الله الهداية والصلاح للجميع.

مزامير للترنم!

ومن أسباب هجر القرآن كما يشير الواصل اتخاذ القرآن مزامير فقط للترنم والتنغيم بالصوت الجميل دون معرفة أحكامه ومعانيه، مستشهداً بقول النبي[: «بادروا بالأعمال خصالا ستا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وقطيعة الرحم، وبيع الحكم، واستخفافا بالدم، ونشئا يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم».

أثر التسويف

ويتابع حديثه قائلاً: من أسباب هجرانه ونسيانه وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره، طول الأمل والتسويف بالطاعات، ومنها الانهماك في الدنيا والغفلة عن الآخرة وكثرة المعاصي والآثام؛ فإن للمعاصي أثرا كبيرا في نسيان العلم عموما وإطفاء نوره، فكيف بأفضل العلوم على الإطلاق وأعظمها علم القرآن؟!


قال ابن مسعود - رضي الله عنه-: إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها.

هل يحبك الله؟!

من جهته أوضح القارئ علاء المزجاجي أن الجهل بفضل القرآن هو أهم أسباب هجران التلاوة، وأورد قول ابن مسعود حول كيفية معرفة المسلم بمحبة الله له وهي تكون عند قراءته للقرآن في قوله: من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله، فليعرض نفسه على القرآن؛ فإن أحب القرآن فإنه يحب الله فإنما القرآن كلام الله.