بـر وعقـــوق


د.وليد خالد الربيع


عقوق الوالدين من أكبر الكبائر باتفاق الفقهاء، وهو كل مايصدر من الولد مما يتأذى به أحد الوالدين
بر الوالدين من أعظم الواجبات على العباد بعد القيام بواجب العبودية لله تعالى، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تقرير هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، فقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، وقال جل وعلا: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا}، وقال تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا}، وقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا}.
قال ابن عباس ]: يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب؛ ولا يحدّ النظر إليهما، ولا يرفع الصوت عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما، قال القرطبي: أمر الله جل وعلا بعبادته وتوحيده وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال: {أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير}.
وقال ابن عباس ]: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لم تقبل منها واحدة بغير قرينتها: إحداها: قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}؛ فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه، والثانية قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه، والثالثة قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك}؛ فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ] قال: سألت رسول الله [: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها « قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي [ قال: «رغم أنفه» ثلاثا، قيل: من يا رسول الله ؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة» ، وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي [ قال: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه».
فالإحسان إلى الوالدين كلمة جامعة تعني إيصال كل خير مستطاع إليهما، ومنع كل ما يمكن منعه من أذى عنهما، مع اقتران ذلك بالشفقة والعطف والتودد.
وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر باتفاق الفقهاء، والعقوق هو كل ما يصدر من الولد مما يتأذى به أحد الوالدين من قول أو فعل إلا ما كان في ترك طاعتهما في شرك أو معصية؛ فقد أخرج الشيخان عن أبي بكر ] قال: قال رسول الله [: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: « الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت، وروى البخاري عن عبد الله ابن عمرو ] عن النبي [ أنه قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس «.
والعلاقة بين الوالدين والأبناء وما فيها من سلبيات أو إيجابيات مسؤولية مشتركة؛ لأنها قضية دينية اجتماعية تربوية، فالأسرة تتحمل جزءا من المسؤولية؛ لأنها المحضن الأول للأبناء؛ حيث يتلقون المبادئ الأولى للإسلام والعلاقات الإنسانية وأصول الخير والشر والحق والباطل والصواب والخطأ، فالتقصير في هذا الجانب سيؤثر تأثيراً كبيراً في مفاهيم الأبناء وسلوكياتهم في المستقبل، فعدم الاهتمام بترسيخ مفهوم احترام الوالدين لدى الأبناء أو التساهل في عقوبة عقوقهما، أو تجاوز الخطوط الحمراء في التعامل معهما سينعكس انعكاساً سلبياً على الأبناء وتصرفاتهم؛ ولهذا فإن الشرع يحمل الوالدين مسؤولية التربية وآثارها الخطيرة، قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، وقال [: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه ؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته»، ومؤسسات الدولة تتحمل أيضا جزءا من المسؤولية في هذه المشكلة، فالمدرسة هي المحضن الثاني بعد البيت، ويقضي فيها الأبناء اثنتي عشرة سنة على الأقل من أعمارهم، فيفترض أن تعالج المناهج الدراسية الدينية والتربوية هذا الأمر بفعالية وجدية في حصص اجتماعية وزيادة المهارات الحياتية.
كما أن وسائل الإعلام المختلفة لها دور في هذه المشكلة، فبعض المواد الإعلامية التي تنشر على العامة تحمل رسائل سلوكية خطيرة مثل بعض المشاهد التي فيها عدم احترام الوالدين ورفع الصوت عليهما أو الاحتيال على أوامرهما، أو إبراز الوالد بصورة المتسلط الأناني، والأم بصورة المتصابية التي تبحث عن لذاتها أو العجوز الطيبة التي لا تعرف شيئا من أمور العصر، ونحوها من مشاهد ترسم لدى الأبناء حواجز نفسية وفروقات حضارية وتنشئ صراعا بين الأجيال قد يتطور لدى بعض الأفراد فيأخذ أشكالا مختلفة من العقوق.
كما يفترض في الدولة أن تفرض عقوبات قاسية مضاعفة على من تسول له نفسه الاعتداء على والديه أو على أحدهما، وأن تعلن تلك العقوبات على الملأ ليكون عبرة لغيره ورادعا لأمثاله.
فإيذاء الوالدين بأي صورة كانت أمر تستنكره الشريعة الإسلامية والعقول الصحيحة والفطر السوية والأذواق السديدة؛ ولهذا فإن معالجة هذا الخلل تحتاج إلى تضافر جميع الجهود، ويمكن تلخيص المعالجة في المحاور الآتية:
أولاً: نشر المفاهيم الشرعية للأسرة المسلمة في المجتمع، تلك المفاهيم التي تستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وتقوم على أسس البر والمحبة والاحترام والقيام بالحقوق والواجبات المتبادلة ديانة وتقربا إلى الله جل وعلا، وترسيخ هذه المفاهيم عبر الوسائل الرسمية من إعلام ومساجد ومدارس ومؤسسات نفع عام.
ثانيأً: وضع عقوبات صارمة لمن يرتكب مثل هذه الأفعال المنكرة الشنيعة في حق الوالدين أو أحدهما؛ فمن حق ولي الأمر تعزير العصاة بما يراه رادعا لأمثالهم.
ثالثاً: قيام المؤسسات الخيرية وجمعيات النفع العام بحملات توعوية وأسابيع ثقافية حول حقوق الوالدين وحرمة العقوق وآثاره الخطيرة على الأفراد والمجتمعات.
رابعاً: إعداد دراسات شرعية وأكاديمية واجتماعية ونفسية حول هذه المشكلة ومدى حجمها وبيان أسبابها وآثارها، ونشر تلك الدراسات ونتائجها في وسائل الإعلام والمساجد لتشكيل رأي عام حول هذه المشكلة وأهمية معالجتها.