السعادة في السّنّة النّبويّة - مظاهر السعادة وآثارها في السّنّة النّبويّة


د. سندس عادل العبيد





للسعادة مظاهر وآثار تكتب للعبد الصالح، ويحظى بها من انتهج منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما بعد التعب إلا الراحة ولا بعد السعي إلّا الفوز والرضوان، وهنا بهذا المطلب -بإذن الله- بيان لمظاهر السعادة التي يفوز بها من اتبع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في السعادة. ومظاهر الفرح أي: دلائله، وعلاماته، ومظاهر السعادة تشمل المظاهر الدنيويّة والأخروية، وبيانها فيما يلي:

أولاً: الحياة الطيبة



قال -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} (سورة النحل: 97)، {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن}؛ فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالا صالحة إلا بالإيمان، والإيمان مقتض لها، لأن التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح {فلنحيينه حياة طيبة} وذلك بطمأنينة قلبه وسكون نفسه وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقا حلالا طيبا من حيث لا يحتسب، {ولنجزينهم} في الآخرة {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} من أصناف اللّذات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيؤتيه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.



الخير كله في هذا الدعاء

ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» فجمع الخير كله في هذا الدعاء، فالهدى: هو العلم النافع. والتقى: العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، وهذا صلاح الدين، وتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله. ومن كان غنيا بالله فهو الغني حقا، وإن قلت حواصله. فليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى القلب، وبالعفاف والغنى تتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله.



حلاوة الطاعة وتوفيق العبادة

وفسرت الحياة الطيبة بحلاوة الطاعة وتوفيق العبادة، والرزق الحلال، وفسرت بالقناعة والرضا بالقسمة المقدرة، وهو نهاية النعمة الدنيوية، ومعنى إجزاء الأجر بأحسن العمل أن يجعل جميع أعماله المفضولة بمنزلة عمله الفاضل، وهو غاية النعمة الأخرويّة ومقدمتها الموت بخير يعني: على الإسلام وحال البشارة بالروح والريحان والجنة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي -تَبَارَكَ وَتعالى- فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ - قَالَ: أَحْسَبُهُ فِي الْمَنَامِ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟». قَالَ: «قُلْتُ: لَا». قَالَ: «فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أَوْ قَالَ: فِي نَحْرِي - فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ ؛ وَالْكَفَّارَات ُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إلى الْجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ». قَالَ: «وَالدَّرَجَاتُ إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ».

الصالح يعيش في خير ويموت على خير

في هذا الحديث بيان أن العبد الصالح يعيش في خير ويموت على خير، وهذه هي الحياة الطيبة التي ذكرها الله -سبحانه- في كتابه لمن عمل صالحًا، وهي أهم مظهر من مظاهر السعادة الحقيقية، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من فعل ذلك عاش بخير»، قال فيه البيضاوي: «هو من قوله -تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً} أي لنرزقنه في الدنيا حياة طيبة، وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرًا كان أو معسرًا يعيش عيشًا طيبًا، إن كان موسرًا أنفق ولم يخش من ذي العرش إقلالا، وإن كان معسرًا فمعه ما يطيب عيشه، وهو القناعة والرضا بقسمة الله -تعالى-، وأما الفاجر فأمره على العكس، إن كان معسرًا فلا إشكال في أمره، وإن كان موسرًا فالحرص لا يدعه أن يتهنّى بعيشه، قال: ومعنى قوله: «ومات بخير» أنه يأمن في العاقبة ويكون له روح، وريحان إذا بلغت الحلقوم ويقال: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة ُ (27) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)} (الفجر: 27- 30).



البشارة بالخير

قال -تعالى-:{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} (الأحزاب: 47)، إن الله سبحانه و-تعالى- يبشر عباده المؤمنين المتقين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي والتقوى، يبشرهم ربهم -سبحانه- بالحياة الدنيا والآخرة، بكل ثواب دنيوي وديني، وفي الأخرى بالنعيم المقيم، وأنه -سبحانه- قد رضي عنهم بطاعتهم إياه، وأدائهم ما كلَّفهم.

أنواع البشرى في الأحاديث النبوية

والبشريات في الحياة الدنيا ثلاثة: الثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من الله -تعالى-، التي يرون في خلالها أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة، ولهم البشرى في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبرّه وإحسانه وحلول أمانه في الجنة.

الثناء الحسن

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ - -: «أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ»، في هذا الحديث دلالة على أنّ حمد الناس المؤمن على خير فعله بشرى من الله -تعالى- تعجلها؛ إذ هم شهود الله في أرضه؛ لأن المؤمنين لا يستجيزون أن يمدحوه ويثنوا عليه إلا فيما يكون لله -عزّ وجلّ- رضا، كما أنّهم لا يستجيزون أن يذمّوا إلّا ما كان على غير رضا الله، وعاجل بشرى المؤمن أي: عنوان الخير له، ودليل على رضا الله عنه وحبه له، وهذا كلّه إذا كان حمد الناس له من غير طلبه ذلك، فإنّ هذا أصل الرياء وأعظم الآفات لإفساد الأعمال وهلاك العاملين لها، وتزيين الشرك.



الررؤيا الصالحة

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَشَفَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - السِّتَارَةَ -وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ- فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ»، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم : «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ»، والمبشرات هي الرؤيا الصادقة من الله التي تسرّ رائيها وقد تكون صادقة منذرة من الله -تعالى- لا تسر رائيها يريها الله المؤمن رفقا به ورحمة له؛ ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فقوله: (لم يبق إلا المبشرات) خرج على الأغلب من حال الرؤيا، والرؤيا بشرى للمؤمن، ولا تغره، والرؤيا مختلفة الأسباب، فمنها من وسوسة وتخزين للمؤمن، ومنها من حديث النفس في اليقظة فيراه في نومه، ومنها ما هو وحي من الله، فما كان من حديث النفس ووسوسة الشيطان فإنه الذي يكذب، وما كان من قبل الله فإنه لا يكذب.



العناية الربانية

قال -تعالى-: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس: 62 - 65)، الولي القريب، والمراد بأولياء الله: خُلَّصُ المؤمنين، كأنهم قربوا من الله -سبحانه- بطاعته واجتناب معصيته، وقد فسّر -سبحانه- هؤلاء الأولياء بقوله: «الذين آمنوا وكانوا يتقون» فهم يؤمنون بما يجب الإيمان به، ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله -سبحانه-، والمراد بنفي الخوف عنهم: أنهم لا يخافون أبدًا كما يخاف غيرهم؛ لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم، وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة بربّهم وحسن ظنٍّ به -سبحانه-، وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب؛ لأنهم يعلمون أنّ ذلك بقضاء الله وقدره، فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهم والكدر، فصدورهم منشرحة، وجوارحهم نشطة، وقلوبهم مسرورة، لهذا رزقهم الله البشرى في الدّارين، وشملتهم رعايته وعنايته في الدنيا وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من التبشير.



سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأََبْشِرُوا


قال النبي - صل الله عليه وسلم -: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ»، (فسَدِّدُوا)؛ أي: اطلبُوا السَّدَاد، والسداد هو الصواب، وهو ما بين الإفراط والتفريط، فلا تَغلُوا ولا تُقصِّرُوا، واجعلُوا أعمالَكم سديدةً، (وقارِبُوا)؛ أي: فإن عَجَزْتُم عن الاستقامة بكمالها فقَارِبُوا، أي: اقرُبُوا من ذلك، واطلبُوا قربةَ الله -تعالى-، و(تغمده الله برحمته) أي: غمره بها وستره بها وألبسه رحمته، ولما كانت الإحالة في الحديث على الرحمة دلّ ذلك على أنهم مخلّدون بالرحمة، وتمتد لهم فلا تنزع منهم أبدًا، عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ قَالَتْ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا مَرِيضَةٌ فَقَالَ: «أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، وتكفير الخطايا عند المرض من عناية الله لأوليائه، وفي تكفيرها تسلية لقلبه وتقوية لجنانه.