الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (1)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي


    أكثر من (100) فائدة استنبطها الإمام ابن قيم الجوزية
    إن الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- قد خلف بعد وفاته للأمة تراثا تليدا، وعلما فريدا، فمن وفقه الله تعالى لورود مائه المعين، والاستسقاء والنهل من زلال علمه الذي لم يأسن ولم يتغير طعمه بل هو لذة للشاربين: فقد أخذ من ميراثه بعد موته بحظ وافر، وتعزى به عن مصابه بفقده وكان لكسره جابر.
    وأثناء قراءاتي لمجموعة مصنفات الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى الماتعة النافعة، ومطالعتي لمؤلفاته الرائعة الشائعة - التي أكرمني الله تعالى بارتضاع العلم منها حولين كاملين، إرادة إتمام الرضاعة التي تقر بها العين - كنت أرتب الفوائد، وأهذب الفرائد، وأقرب الشوارد، وأطالعها بعين البصيرة، بعد النظر إليها بعين البصر القريرة.
    وكان من جملة ما مرَّ بي من هذه الفوائد التي اتسمت بالإمتاع والإقناع، والإفادة والإجادة، والتحقيق والتدقيق، والتهذيب والترتيب: الفوائد التي استنبطها من قصة يوسف عليه السلام.
    فإلى درر تقريراته، ولآلئ استنباطاته المودعة في هذا المقال الذي جلبت إليك فيه نفائس في مثلها يتنافس المتنافسون، وجلَّيت عليك فيه عرائس إلى مثلهن بادر الخاطبون.
    الفائدة الأولى:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف: 4).
    - لما تمكن الحسد من قلوب إخوة يوسف عليه السلام: أري المظلوم مآل الظالم في مرآة: {إني رأيت أحد عشر كوكبا} (بدائع الفوائد 189/3).
    الفائدة الثانية:
    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} (يوسف: 5).
    - إن أعظم النعم: الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه، ولكل نعمة حاسد على قدرها، دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه نعمة؛ فينبغي إخفاؤها فأنفُس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد، وألا يقصد إظهارها له.
    وقد قال يعقوب ليوسف: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين}.
    وكم من صاحب قلب وجمعية حال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها؛ فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه، ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله، وألا يطلعوا عليه أحدا وأن يتكتموا به غاية التكتم، كما أنشد بعضهم في ذلك:
    من سارروه فأبدى السر مجتهدا
    لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
    وأبعدوه فلم يظفر بقربهم
    وأبدلـــــوه مكان الأنـــــــس إيحاشا
    لا يأمنون مذيعا بعض سرهم
    حاشا ودادهم من ذلكـــــــــم حاشا

    والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع الله، وما وهب الله لهم من محبته والأنس به وجمعية القلب عليه، ولاسيما للمبتدئ والسالك، فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبت أصول تلك التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه، بحيث لا يخشى عليه من العواصف؛ فإنه إذا أبدى حاله وشأنه مع الله ليقتدى به ويؤتم به: لم يبال، وهذا باب عظيم النفع، وإنما يعرفه أهله (بدائع الفوائد 3/9-10).
    الفائدة الثالثة:
    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين} (يوسف: 8).
    - تأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: {إذا حسد}؛ لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه ولا يرتب عليه أذى بوجه ما، لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئا من ذلك ولا يعاجل أخاه إلا بما يحب الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحد، إلا من عصمه الله.
    وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: «ما أنساك إخوة يوسف».
    لكن الفرق بين القوة التي في قلبه من ذلك وهو لا يطيعها ولا يأتمر بها، بل يعصيها طاعة لله، وخوفا وحياء منه وإجلالا له أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله، وبغضا لما يحب الله، ومحبة لما يبغضه، فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويلزمها بالدعاء للمحسود، وتمنى زيادة الخير له، بخلاف ما إذا حقق ذلك، وحسد ورتب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم، هو كله حسد تمنى الزوال (بدائع الفوائد 2/202).
    الفائدة الرابعة:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} (يوسف: 15).
    - حذف كثير من الأجوبة في القرآن الكريم لدلالة الواو عليها؛ لعلم المخاطب أن الواو عاطفة، ولا يعطف بها إلا على شيء، كقوله تعالى: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب}، وكقوله تعالى: {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها}.
    وهذا الباب واسع في اللغة (بدائع الفوائد 1/186).
    الفائدة الخامسة:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} (يوسف: 16).
    - قال الشعبي: «شهدت شريحا وجاءته امرأة تخاصم رجلا، فأرسلت عينيها وبكت، فقلت: يا أبا أمية، ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة. فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف {جاؤوا أباهم عشاء يبكون} (الطرق الحكمية ص20).
    الفائدة السادسة:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (يوسف: 18).
    - {فصبر جميل}: لا جزع فيه.
    قلت: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه ونور ضريحه- مرارا يقول: «ذكر الله الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فالصبر الجميل: الذي لا شكوى فيه، والهجر الجميل: الذي لا أذى معه، والصفح الجميل: الذي لا عتاب معه» انتهى (بدائع الفوائد 100/3).
    الفائدة السابعة:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين} (يوسف: 20).
    - قال الإمام أحمد: بعشرين درهما (بدائع الفوائد 97/3).
    الفائدة الثامنة:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف: 21).
    - قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف؛ حيث قال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا}.
    وابنة شعيب، حين قالت لأبيها في موسى: {استأجره}.
    وأبوبكر في عمر رضي الله عنهما، حيث استخلفه.
    وفي رواية أخرى: «وامرأة فرعون، حين قالت: {قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا}» (مدارج السالكين 507/2 ونظير هذا الكلام في هذا المقام في: الطرق الحكمية ص24).
    الفائدة التاسعة:
    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} (يوسف: 22).
    - إنه سبحانه ذكر فضله ومنته على أنبيائه ورسله وأوليائه وعباده بما آتاهم من العلم، فذكر نعمته على خاتم أنبيائه ورسله بقوله: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}.
    وقال في يوسف: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} (مفتاح دار السعادة 239/1-240).
    - قال الحسن: «من أحسن عبادة الله في شبيبته: لقّاه الله الحكمة عند كبر سنه، وذلك قوله: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين}».
    ومن هذا قال بعض العلماء: تقول الحكمة: مَن التمسني فلم يجدني: فليعمل بأحسن ما يعلم، وليترك أقبح ما يعلم، فإذا فعل ذلك: فأنا معه وإن لم يعرفني (مفتاح دار السعادة 1/508).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق


    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (2)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي



    الفائدة العاشرة:



    الفائدة المستنبطة من قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون} (يوسف: 23).

    - البلاء بمخالفة دواعي النفس والطبع: من أشد البلاء، فإنه لا يصبر عليه إلا الصديقون، وأما البلاء الذي يجري على العبد بغير اختياره؛ كالمرض والجوع والعطش ونحوها: فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان، بل يصبر عليه البر والفاجر، لاسيما إذا علم أنه لا معول له إلا الصبر؛ فإنه لم يصبر اختيارا، بل صبر اضطرارا.

    ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب، وبيعه بيع العبيد، والتفريق بينه وبين أبيه، وابتلائه بمراودة المرأة, وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهي الداعية إلى ذلك: فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء.

    فإن الشباب داع إلى الشهوة، والشاب قد يستحيي من أهله ومعارفه من قضاء وطره، فإذا صار في دار الغربة: زال ذلك الاستحياء والاحتشام، وإذا كان عزبا: كان أشد لشهوته، وإذا كانت المرأة هي الطالبة: كان أشد، وإذا كانت جميلة: كان أعظم، فإذا كانت ذات منصب: كان أقوى في الشهوة، فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة، كان أبلغ، فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من الداخل: كان أقوى أيضا للطلب، فإن كان الرجل كمملوكها وهي كالحاكمة عليه الآمرة الناهية: كان أبلغ في الداعي، فإذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل؛ قد امتلأ قلبها من حبه: فهذا الابتلاء الذي صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، صلوات الله عليهم أجمعين.

    ولا ريب أن هذا الابتلاء: أعظم من الابتلاء الأول، بل هو من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده؛ إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة ومفارقة حكم طبعه، وهذا بخلاف البلوى التي أصابت ذا النون، والتي أصابت أيوب (طريق الهجرتين ص412-413).

    - أتته بالرغبة والرهبة، ومع هذا كله: عفَّ لله ولم يطعها، وقدم حق الله وحق سيدها على ذلك كله، وهذا أمر لو ابتلي به سواه: لم يُعلم كيف كانت تكون حاله (روضة المحبين ص326).

    - الصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.

    وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله.

    فالأولان: صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث: صبر على ما لا كسب للعبد فيه.

    وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها: أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه؛ فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة (مدارج السالكين 2/162-163).

    - قال وهب بن منبه: «قالت امرأة العزيز ليوسف عليه السلام: ادخل معي القيطون - تعني الستر - قال: إن القيطون لا يسترني من ربي» (روضة المحبين ص399).

    - قال حصين بن عبدالرحمن: بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عمر يتفقده إذا غاب، فعشقته امرأة من أهل المدينة، فذكرت ذلك لبعض نسائها، فقالت: أنا أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق، فلما مر بها قالت له: إني امرأة كبيرة السن؛ ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت فحلبتها لي - وكانوا أرغب شيء في الخير - فدخل فلم ير شاة، فقالت: اجلس حتى آتيك بها، فإذا المرأة قد طلعت عليه، فلما رأى ذلك: عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه، فأرادته عن نفسه فأبى، وقال: اتقي الله أيتها المرأة، فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله، فلما أبى عليها: صاحت عليه، فجاؤوا فقالت: إن هذا يريدني عن نفسي، فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه، وأوثقوه، فلما صلى عمر الغداة فقده، فبينما هو كذلك إذ جاؤوا به في وثاق، فلما رآه عمر قال: اللهم لا تخلف ظني به. قال: ما لكم؟ قالوا: استغاثت امرأة بالليل، فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه وأوثقناه، فقال عمر ]: اصدقني. فأخبره بالقصة على وجهها، فقال له عمر ]: أتعرف العجوز؟ فقال: نعم؛ إن رأيتها عرفتها. فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن، فجاء بهن فعرضهن، فلم يعرفها فيهن، حتى مرت به العجوز فقال: هذه يا أمير المؤمنين، فرفع عمر عليها الدرة، وقال: اصدقيني. فقصت عليه القصة كما قصها الفتى، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف (روضة المحبين ص460).
    الفائدة الحادية عشرة
    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} (يوسف: 24).

    - إن قيل: فقد همَّ بها.

    قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه لم يهمَّ بها، بل لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ. هذا قول بعضهم في تقدير الآية.

    والثاني وهو الصواب: أن همَّه كان همَّ خطرات، فتركه لله، فأثابه الله عليه، وهمُّها كان همَّ إصرار، بذلت معه جهدها فلم تصل إليه؛ فلم يستو الهمَّان.

    قال الإمام أحمد رحمه الله: «الهمُّ همَّان، همُّ خطرات، وهمُّ إصرار».

    فهمُّ الخطرات لا يُؤاخذ به، وهمُّ الإصرار يُؤاخذ به (روضة المحبين ص326).

    - ما يُدَّعى من التقديم في قوله: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}، وأن هذا قد تقدم فيه جواب "لولا" عليها: فهذا أولا لا يُجيزه النحاة، ولا دليل على دعواه، ولا يقدح في العلم بالمراد (الصواعق المرسلة 2/716).

    - إن القلب لابد له من التعلق بمحبوب؛ فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده: فلا بد أن يتعبد قلبه لغيره؛ قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}.

    فامرأة العزيز لما كانت مشركة: وقعت فيما وقعت فيه؛ مع كونها ذات زوج، ويوسف عليه السلام لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزبا غريبا مملوكا (إغاثة اللهفان 1/78-79).

    - الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته وترضّيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها، تدب فيها دبيب الخواطر شيئا فشيئا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه وتملقه وترضيه واستعطافه وذكره، كما يذكر المحب التام المحبة لمحبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه؛ فلا يجعل بيت أفكاره وقلبه معمورا بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه، هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله وطلب مرضاته.

    بل إذا مسه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج، ناداه حرس قلبه: إياك وحمى الملك، اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حل فيها ونزل بها، ما لك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك؛ وأدار عليه الحرس؛ وأحاطه بالسور؟

    قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك المخلصين}، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}، وقال: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون}؛ وقال في حق الصديق: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}.

    فما أعظم سعادة مَن دخل هذا الحصن وصار داخل اليزك، لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من آوى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو إليه منه، و(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} (بدائع الفوائد 2/205-206).


    - المخلص لله: إخلاصه يمنع غل قلبه، ويخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه؛ فلم يبق فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}.

    فلما أخلص لربه: صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فانصرف عنه السوء والفحشاء؛ ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص: استثناهم من شَرْطَته التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين}، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}.
    فالإخلاص: هو سبيل الخلاص، والإسلام: هو مركب السلامة، والإيمان: خاتم الأمان (مفتاح دار السعادة 1/277).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (3)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي



    «الجزء الخامس»

    الفائدة الثانية عشرة
    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} (يوسف: 26-28).
    - إن الخبر شهادة، وكل مخبر شاهد، قال تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} ثم ذكر شهادته فقال: {إن كان قميصه قدّ من قبل} (بدائع الفوائد: 4/44).
    {شاهد من أهلها} قد قال قوم: حكيم من أهلها، وقال قوم: القميص الشاهد، وقال قوم: الصبر (بدائع الفوائد 3/100).
    - العالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه (أعلام الموقعين: 1/88).
    - من له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها، وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها ألبتة: علم أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من أحاط علما بمقاصدها ووضعها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة.
    فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة، والشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، وهي من الشريعة، علمها من علمها، وخفيت على مَن خفيت عنه، ولا تنس في هذا الموضع: قول سليمان نبي الله للمرأتين اللتين ادعتها الولد، فحكم به داود للكبرى، فقال سليمان: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل، هو ابنها، فقضى للصغرى؛ لما دل عليه امتناعها من رحمة الأم، ودل رضا الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسي بمساواتها في فقد الولد.
    وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز: {إن كان قميصه قد من قبل}، {وإن كان قميصه قد من دبر} (بدائع الفوائد: 3/105).
    - توصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب، وهذا لَوْث في أحد المتنازعين يبين به أولاهما بالحق.
    وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر، وأمر بالحكم بموجبه، وحكم النبي [ بموجب اللوث في القسامة، وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دم القتيل، فهذا لوث في الدماء، والذي في سورة المائدة لوث في الأموال، والذي في سورة يوسف لوث في الدعوى في العرض ونحوه (الطرق الحكمية ص5).
    - ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينة قد القميص من دبر على صدقه وكذب المرأة، وأنه كان هاربا موليا فأدركته المرأة من ورائه فجذبته فقدت قميصه من دبر، فعلم بعلها والحاضرون صدقه، وقبلوا هذا الحكم، وجعلوا الذنب ذنبها، وأمروها بالتوبة، وحكاه الله سبحانه وتعالى حكاية مقرر له، غير منكر.
    والتأسي بذلك وأمثاله: في إقرار الله وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته؛ فإنه إذا أخبر به مقرا عليه ومثنيا على فاعله ومادحا له: دل على رضاه به، وأنه موافق لحكمه ومرضاته.
    فليتدبر هذا الموضع فإنه نافع جدا، ولو تتبعنا ما في القرآن والسنة وعمل رسول الله [ وأصحابه من ذلك: لطال، وعسى أن نفرد فيه مصنفا شافيا إن شاء الله تعالى (زاد المعاد: 3/149-150).
    - جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل: هل كان كذا؟ ولا يتضمن نفي قول من قال: قد كان كذا، فهذا يقتضي الاستقبال.
    وتارة يكون مقصوده ومضمَّنه جواب سائل: هل وقع كذا؟ أو رد قوله: قد وقع كذا، فإذا علق الجواب هنا على شرط: لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى، بل لا يصح فيه الاستقبال بحال؛ كمن يقول لرجل: هل أعتقت عبدك؟ فيقول: إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله. فما للاستقبال هنا معنى قط.
    وكذلك إذا قلته لمن قال: صحبت فلانا؟ فيقول: إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا، وكذلك إذا قلت له: هل أذنبت؟ فيقول: إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته.
    وكذلك إذا قال: هل قلت لفلان كذا؟ وهو يعلم أنه علم بقوله له، فيقول: إن قلته فقد علمته.
    فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى؛ ليطابق السؤال الجواب، ويصح التعليق الخبري لا الوعدي، فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال، وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه.
    ومن هذا الباب: قوله تعالى: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين}.
    وتقول: إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت.
    وهذه دقيقة خلت منها كتب النحاة والفضلاء، وهي كما ترى وضوحا وبرهانا، ولله الحمد (بدائع الفوائد: 1/43).
    - أما الماضي: فيصرف إلى الاستقبال بعد أدوات الشرط وفي الوعد والإنشاء ونحوه، لا في الخبر كقوله تعالى: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت}، {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت} (بدائع الفوائد: 4/158).
    - كل عاجز جبان: سلطانه في مكره وخداعه وبهته وكذبه؛ ولذلك كان النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة، كما قال الله تعالى عن شاهد يوسف عليه السلام أنه قال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} (إغاثة اللهفان: 2/460/461).
    «الجزء السادس»
    الفائدة الثالثة عشرة
    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} (يوسف: 29).
    - يدلك على أن حرف النداء ليس بعامل: وجود العمل في الاسم دونه، نحو: صاحب زيد أقبل، {يوسف أعرض عن هذا} (بدائع الفوائد: 1/30).
    - إسقاط حرف النداء، كقوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا} (تهذيب سنن أبي داود: 6/262).
    الفائدة الرابعة عشرة
    - يقال: شغف بكذا؛ فهو مشغوف به، وقد شغفه المحبوب؛ أي: وصل حبه إلى شغاف قلبه.
    كما قال النسوة عن امرأة العزيز: {قد شغفها حبا}، وفيه ثلاثة أقوال:
    أحدها: أنه الحب المستولي على القلب، بحيث يحجبه عن غيره. قال الكلبي: «حجب حبُّه قلبها حتى لا تعقل سواه».
    الثاني: أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب، والشغاف: غشاء القلب، إذا وصل الحب إليه باشر القلب، قال السدي: «الشغاف: جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخله الحب حتى أصاب القلب».
    وقرأ بعض السلف: «شعفها» بالعين المهملة.
    ومعناه: ذهب الحب بها كل مذهب، وبلغ بها أعلى مراتبه، ومنه: شعف الجبال، لرؤوسها (مدارج السالكين: 3/29-30).
    الفائدة الخامسة عشرة
    - انظر إلى النسوة كيف {قطعن أيديهن} لما طلع عليهن يوسف عليه السلام وشاهدن ذلك الجمال، ولم يتقدم لهن من عشقه ومحبته ما تقدم لامرأة العزيز، فأفناهن شهود جماله عن حالهن حتى قطعن أيديهن، أما امرأة العزيز فإنها وإن كانت صاحبة المحبة فإنها كانت قد ألفت رؤيته ومشاهدته، فلما خرج لم يتغير عليها حالها كما تغير على العواذل، فكان مقامها البقاء، ومقامهن الفناء، وحصل لهن الفناء من وجهين:
    أحدهما: ذهولهن عن الشعور بقطع ما في أيديهن، حتى تخطاه القطع إلى الأيدي.
    الثاني: فناؤهن عن الإحساس بألم القطع، وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب، يفنى صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيات النفسانية.
    هذا في مشاهدة مخلوق محدث له أشباه وأمثال، وله من يقاربه ويدانيه في الجمال، وإنما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصفات، وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة، فما الظن بمن له الجمال كله والكمال كله والإحسان والإجمال، ونسبة كل جمال في الوجود إلى جماله وجلاله أقل من نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس؟!
    ولما علم سبحانه أن قوى البشر لا تحتمل في هذه الدار رؤيته: احتجب عن عباده إلى يوم القيامة، فينشئهم نشأة يتمكنون بها من مشاهدة جمال ورؤية وجهه، وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها، ولكن هذا كله في المشاهدات العيانية والواردات الوجدانية (مدارج السالكين: 3/390-391).
    - إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم {اخرج عليهن} استغرقت الناظرات، {وقطعن أيديهن} وما شعرن، فكيف بالحال يوم المزيد؟! (بدائع الفوائد: 3/199).
    - قيل: إن الحامل كانت ترى يوسف عليه الصلاة والسلام فتضع حملها، فكيف ترى هذه وضعته؛ أباختيار كان ذلك أم باضطرار؟!
    قال غيره: وهؤلاء النسوة {قطعن أيديهن} لما بدا لهن حسن يوسف عليه السلام، وما تمكن حبه من قلوبهن، فكيف لو شغفهن حبا؟! (روضة المحبين: ص161).
    - إن مشاهدته في تلك الحال: غيّبت عن النسوة السكاكين وما يقطعن بها، حتى {قطعن أيديهن} ولا يشعرن، وذلك من قوة الغيبة (مدارج السالكين: 3/220).
    - ما حصل لهن من إعظامه وإجلاله: فذلك منزلة التعظيم (مدارج السالكين: 3/78).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (4)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي




    نواصل في هذا العدد الفائدة السادسة عشرة:

    - قول امرأة العزيز: {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم}.
    فوصفت ظاهرة بالجمال، وباطنه بالعفة؛ فوصفته بجمال الظاهر والباطن؛ فكأنها قالت هذا ظاهره، وباطنه أحسن من ظاهره.
    وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا (التبيان ص 252).
    - النور في الحقيقة: هو كمال العبد في الظاهر والباطن.
    ولما كان ليوسف الصديق من هذا النور النصيب الوافر: ظهر في جماله الظاهر والباطن؛ فكان على الصفة التي ذكرها الله في كتابه (مختصر الصواعق المرسلة: 2/407 - 408).
    - قالت امرأة العزيز للنسوة لما أرتهن إياه ليعذرنها في محبته: {فذلكن الذي لمتنني فيه}، أي: هذا هو الذي فتنت به وشغفت بحبه، فمن يلومني على محبته وهذا حسن منظره؟! ثم قالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم}.. أي: فمع هذا الجمال فباطنه أحسن من ظاهره؛ فإنه في غاية العفة والنزاهة والبعد عن الخنا.
    والمحب وإن عيّب محبوبه فلا يجري لسانه إلا بمحاسبته ومدحه (روضة المحبين ص 242).
    - من لم يشاهد جمال يوسف لم يعرف ما الذي آلم قلب يعقوب:
    من لم يبت والحب حشو فؤاده
    لم يدر كيف تفتت الأكباد
    (بدائع الفوائد: 3/203).
    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33».



    الفائدة السابعة عشرة:

    كان يقرأ: {السجن أحب إلي} (بدائع الفوائد: 3/95).
    قلت: أي كان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - يقرأ بفتح السين من: {السجن} وهي القراءة المتواترة التي انفرد بها يعقوب الحضرمي، وقرأ الباقون بكسر السين.



    الفائدة الثامنة عشرة:

    {أصب} أصل الكلمة من الميل، يقال: صبا إلى كذا، أي: مال إليه، وسميت الصبوة بذلك لميل صاحبها إلى المرأة الصبية، والجمع: صبايا، مثل: مطية ومطايا، والتصابي: هو تعاطي الصبوة، مثل التمايل وبابه.
    والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي: أن التصابي هو تعاطي الصبا، وأن تفعل فعل ذي صبوة، وأما الصبا: فهو الميل نفسه، وأما الصبوة: فالمرة من ذلك مثل الغشوة والكبوة، وقد يقال على الصفة اللازمة مثل القسوة، وقد قال يوسف الصديق - عليه السلام-: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} (روضة المحبين ص 40).



    الفائدة التاسعة عشرة:

    العرب تسمي الفحش والبذاء جهلا، إما لكونه ثمرة الجهل؛ فيسمى باسم سببه وموجبه، وإما لأن الجهل يقال في جانب العلم والعمل؛ قال الشاعر:
    ألا لا يجهلَنْ أحد علينا
    فنجهل فوق جهل الجاهلينا
    ومن هذا قول موسى لقومه وقد قالوا: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} «البقرة: 67».
    فجعل الاستهزاء بالمؤمنين جهلا، ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف أنه قال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33» (مفتاح دار السعادة: 1/244).



    الفائدة العشرون:

    قال يوسف الصديق: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33» أي: من مرتكبي ما حرمت عليهم.
    وقال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة}.
    قال قتادة: أجمع الصحابة - رضي الله عنهم - أن كل من عصى الله فهو جاهل (مدارج السالكين: 1/504 - 505).



    الفائدة الحادية والعشرون:

    لا يأمن كَرّات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله، وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} «الإسراء: 74»، وقال يوسف الصديق: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33» (مدارج السالكين: 1/197 - 198).



    الجزء الثامن

    تابع الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33».
    الفائدة الثانية والعشرون:
    قلت: هذا باب يقصد به باب من آثر العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام، وإنما يدخل منه رجلان:
    أحدهما: من تمكن من قلبه الإيمان بالآخرة، وما أعد الله فيها من الثواب والعقاب لمن عصاه، فآثر أدنى الفوتين واختار أسهل العقوبتين.
    والثاني: رجل غلب عقله على هواه، فعلم ما في الفاحشة من المفاسد، وما في العدول عنها من المصالح؛ فآثر الأعلى على الأدنى.
    وقد جمع الله سبحانه وتعالى ليوسف الصديق - صلوات الله وسلامه عليه - بين الأمرين، فاختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب المحارم، فقالت المرأة: {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونَنْ من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33».
    فاختار السجن على الفاحشة، ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته، وأخبر أن ذلك ليس إلا بمعونة الله له وتوفيقه وتأييده، لا من نفسه فقال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} «يوسف: 33».
    فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته، ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله، وأحاط به الخذلان، وكان من دعاء أكرم الخلق على الله وأحبهم إليه: «يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»، وكانت أكثر يمينه: «لا ومقلب القلوب».
    كيف وهو الذي أنزل عليه: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} «الأنفال: 24».
    وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن من آثر الألم العاجل على الوصال الحرام، أعقبه ذلك في الدنيا المسرة التامة، وإن هلك فالفوز العظيم، والله تعالى لا يضيع ما تحمل عبده لأجله.
    وفي بعض الآثار الإلهية: يقول الله سبحانه وتعالى: «بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي»، وكل من خرج عن شيء منه لله، حفظه الله عليه، أو عوضه الله ما هو أجل منه (روضة المحبين ص 457 - 458).
    الفائدة الثالثة والعشرون
    يوسف - صلوات الله عليه وسلامه - أُكِيدَ من وجوه عديدة:
    أحدها: أن إخوته كادوه؛ حيث احتالوا في التفريق بينه وبين أبيه، كما قال له يعقوب - عليه السلام: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} «يوسف: 5».
    وثانيها: أنهم كادوه؛ حيث باعوه بيع العبيد، وقالوا: إنه غلام لنا آبق.
    وثالثها: كيد امرأة العزيز له بتغليق الأبواب، ودعائه إلى نفسها.
    ورابعها: كيدها له بقولها: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم} «يوسف: 25».
    فكادت بالمراودة أولا، وكادته بالكذب عليه ثانيا؛ ولهذا قال لها الشاهد لما تبين له براءة يوسف - عليه السلام: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم}.
    وخامسها: كيدها له؛ حيث جمعت له النسوة وأخرجته عليهن تستعين بهن عليه، وتستعذر إليهن من شغفها به.
    وسادسها: كيد النسوة له حتى استجار بالله تعالى من كيدهن، فقال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} «يوسف: 34».
    ولهذا لما جاء الرسول بالخروج من السجن قال له: {ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} «يوسف: 50» (إغاثة اللهفان: 2/154 - 157).



    الجزء التاسع

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} (يوسف: 33).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (5)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي




    الفائدة الرابعة والعشرون:

    فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتي مكرن به وسمعته امرأة العزيز، فإن الله سبحانه لم يقصه في كتابه؟
    قيل: بلى؛ قد أشار إليه بقوله: {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين} (يوسف: 30).
    وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر:
    أحدها: قولهن: {امرأة العزيز تراود فتاها} (يوسف: 30)، ولم يسمينها باسمها، بل ذكرنها بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل؛ فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
    الثاني: أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
    الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حر، وذلك أبلغ في القبح.
    الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها وتحت كنفها؛ فحكمه حكم أهل البيت، بخلاف طلب ذلك من الأجنبي البعيد.
    الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
    السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
    السابع: أن في ضمن هذا أنه أعف منها وأبر وأوفى؛ حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع عفافا وكرما وحياء، وهذا غاية الذم لها.
    الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار، والوقوع حالا واستقبالا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها، وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقري الضيف ويطعم الطعام ويحمل الكل؛ فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
    التاسع: قولهن: {إنا لنراها في ضلال مبين} (يوسف: 30) أي: إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح، فنسبن الاستقباح إليهن، ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك: كان هذا التسليم بأنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
    العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها ولا في طلبها، أما العشق فقولهن: {قد شغفها حبا} (يوسف: 30)، أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وأما الطلب المفرط فقولهن: {تراود فتاها} (يوسف: 30)، والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق وشدة الحرص على الفاحشة.
    فلما سمعت بهذا المكر منهن: هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت {لهن متكأ} (يوسف: 31)، ثم أرسلت إليهن فجمعتهن، وخبأت يوسف عليه السلام عنهن.
    وقيل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة، فلم يرعهن إلا وأحسن خلق الله وأجملهم قد طلع عليهن بغتة؛ فراعهن ذلك المنظر البهي، وفي أيديهن مُدىً يقطعن بها ما يأكلنه، فدهشن حتى {قطعن أيديهن} (يوسف: 50) وهن لا يشعرن.
    وقد قيل: إنهن أبَنَّ أيديهن.
    والظاهر خلاف ذلك، وإنما تقطيعهن أيديهن: جرحها وشقها بالمدى؛ لدهشهن بما رأين، فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر (إغاثة اللهفان: 2/154-157).





    «الجزء العاشر»

    الفائدة الخامسة والعشرون:
    أخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته وكادت به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبّره الله عليه؛ فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي هاهنا في غاية القوة، وذلك لوجوه:
    أحدها: ما ركَّب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء، وهذا لا يذم إذا صادف حِلّاً، بل يحمد، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصفار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي[ أنه قال: «حُبِّب إلي من دنياكم الطيب والنساء، أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن».
    الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدَّته أقوى.
    الثالث: أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة.
    الرابع: أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه.
    الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث أن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى موافقتها.
    السادس: أنها غير آبية ولا ممتنعة؛ فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها؛ لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها، وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع زيادة حب، كما قال الشاعر:
    وزادني كلفا في الحب أن منعَتْ
    أحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعا
    فطباع الناس مختلفة، فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، ويضمحل عند إبائها وامتناعها.
    وأخبرني بعض القضاة: أن إرادته وشهوته تضمحل عند امتناع زوجته أو سريته وإبائها؛ بحيث لا يعاودها.
    ومنهم من يتضاعف حُبُّهُ وإرادته بالمنع، ويشتد شوقه بكل ما منع، وتحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل له من اللذة بالظفر بالضد بعد امتناعه ونفاره، واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها، وشدة الحرص على إدراكها.
    السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.
    الثامن: أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له؛ فاجتمع داعيا الرغبة والرهبة.
    التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها؛ فإنها هي الطالبة الراغبة، وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء.
    العاشر: أنه كان مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها، ولا ينكر عليه، وكان الأنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي، كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ما حملك على الزنى؟ قالت: قرب الوساد، وطول السِّواد، تعني: قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السِّواد بيننا.
    الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت حالها إليهن؛ لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن، فقال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} (يوسف: 33).
    الثاني عشر: أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه؛ إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.
    الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف: {أعرض عن هذا} (يوسف: 29)، وللمرأة {استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} (يوسف: 29) وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهنا لم يظهر منه غيرة.
    ومع هذه الدواعي كلها: آثر مرضاة الله وخوفه وحلمه وحبه لله على أن اختار السجن على الزنى، فقال: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} (يوسف: 33) وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن: صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.
    وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم: ما يزيد على ألف فائدة، لعلنا إن وفقنا الله أن نفردها في مصنف مستقل (الداء والدواء ص319-322).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (6)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي


    «الجزء الحادي عشر»

    الفائدة السادسة والعشرون:

    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} (يوسف: 35).

    قوله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} فـ {بدا} فعل ماض، فلا بد له من فاعل، والجملة المؤكدة باللام لا تكون في موضع فاعل أبدا، وإنما تكون في موضع المفعول بـ «علمت» أو «علموا»، فهي ههنا في موضع المفعول، وإن لم يكن في اللفظ «علموا» ففي اللفظ ما هو في معناه؛ لأن قوله: {بدا} ظهر للقلب لا للعين، وإذا ظهر الشيء للقلب فقد علم، والمجرور من قوله: {لهم} هو الفاعل، فلما حصل معنى العلم، وفاعله مقدم على الجملة المؤكدة باللام: صارت الجملة مفعولا لذلك العلم؛ كما تقول: علمت ليقومنَّ زيد، ولام الابتداء وألف الاستفهام يكون قبلهما أفعال القلب ملغاة (بدائع الفوائد: 3/42).





    الفائدة السابعة والعشرون:



    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} (يوسف: 37).



    الملة: هي الحنيفية وهي التوحيد، ولهذا بينها بقوله: {حنيفا وما كان من المشركين} وقال يوسف الصديق: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء}، وقال تعالى: {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}، فالملة في هذا كله: هي أصل الإيمان من التوحيد والإنابة إلى الله وإخلاص الدين له. وكان رسول الله [ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد [ وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» (تحفة المودود ص139-140).





    الفائدة الثامنة والعشرون:



    أن الله سبحانه سمى الجد أبا في قوله: {ملة أبيكم إبراهيم} وقوله: {كما أخرج أبويكم من الجنة} وقوله: {أنتم وآباؤكم الأقدمون} وقول يوسف: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} (إعلام الموقعين 1/375).





    الفائدة التاسعة والعشرون:



    أن الصديق لم يختلف عليه أحد من الصحابة في عهده أن الجدَّ مقدم على الإخوة، قال البخاري في صحيحه في باب ميراث الجد مع الإخوة: «وقال أبوبكر وابن عباس وابن الزبير: الجد أب، وقرأ ابن عباس: {يا بني آدم}، {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب}، ولم يذكر أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي [ متوافرون. وقال ابن عباس: «يرثني ابن ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابن ابني». ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أقاويل مختلفة» انتهى (إعلام الموقعين: 1/375).





    «الجزء الثاني عشر»



    الفائدة الثلاثون:



    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} (يوسف: 39).



    إذا قيل: إن علو الله تعالى وعظمته مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها: فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين، وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد على من سوّى بينه وبين غيره في العبادة والتأليه، كقوله: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ألله خير أم ما يشركون} وقول يوسف الصديق: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}، وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون: { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} فهذا السياق يقال في مثله: إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة، أما بعد أن يذكر أنه مالك الكائنات، ويقال مع ذلك: هو أفضل من مخلوقاته، وأعظم من مصنوعاته: فهذا ينزه عنه كلام الله (الصواعق المرسلة: 4/1372-1373).





    الفائدة الحادية والثلاثون



    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباوكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف: 40).



    إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة: فإنهم سموها آلهة وعبدوها؛ لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها، وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى، فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحما وأكلها، فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزا وأكله، فيقال: ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم؛ فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه، وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم، فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى: (بدائع الفوائد: 1/19).





    الفائدة الثانية والثلاثون:



    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} (يوسف: 42).



    لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة: عوقب بالخروج منها، ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا: لبث فيه بضع سنين. فيا مخنث العزم، أين أنت والطريق: طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، واضطجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد [، تُزْهَى أنت باللهو واللعب؟!



    فيا دارها بالحزن إن مزارها



    قريب ولكن دون ذلك أهوال



    (الفوائد ص 41، 49)





    الفائدة الحادية عشرة



    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاط أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} (يوسف: 43-49).





    الفائدة الثالثة والثلاثون:



    أما خاصية السبع؛ فإنها قد وقعت قدرا وشرعا، فخلق الله عز وجل السماوات سبعا، والأرضين سبعا، والأيام سبعا، والإنسان كما خلقه في سبعة أطوار.



    وشرع الله سبحانه لعباده الطواف سبعا، والسعي بينه الصفا والمروة سبعا، ورمي الحجارة سبعا سبعا، وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى.



    وقال [: «مروهم بالصلاة لسبع». «وإذا صار للغلام سبع سنين: خير بين زبويه» في رواية، وفي رواية أخرى: «أبوه أحق به من أمه». وفي ثالثة: «أمه أحق به».



    وأمر النبي [ في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب، وسخر الله الريح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبي [ أن يعينه الله علي قومه بسبع كسبع يوسف، ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة.



    والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعا، والسنين التي زرعوها دأبا سبعا.



    وتضاعف الصدقة إلى سبعمئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفاً.



    فلا ريب أن لهذا العدد: خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه، فإن العدد شفع ووتر، والشفع أول وثان، والوتر كذلك، فهذه أربع مراتب شفع أول وثان، ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتب في أقل من سبعة، وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة، أعني: الشفع والوتر والأوائل والثواني، ونعني بالوتر الأول: الثلاثة، وبالثاني: الخمسة وبالشفع الأول: الإثنين، وبالثاني: الأربعة.



    وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة، ولاسيما في البحارين، وقد قال بقراط: كل شيء من هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء، والنجوم سبعة، والأيام سبعة، وأسنان الناس سبعة، أولها: طفل إلى سبع، ثم صبي إلى أربع عشر، ثم مراهق، ثم شاب، ثم كهل، ثم شيخ، ثم هرم إلى منتهى العمر.




    والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد، هل هو لهذا المعنى أو لغيره؟ ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السم والسحر، بحيث تمنع إصابته من الخواص التي لو قالها بقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء: لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، من أن القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن، فمن كلامه كله يقين وقطع وبرهان ووحي: أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم وترك الاعتراض! (زاد المعاد 4/99-100).








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (8)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي



    الفائدة الثالثة والأربعون:
    قد جُمع لجبريل عليه السلام بين المكانة والأمانة والقوة والقرب من الله، ونظير الجمع له بين المكانة والأمانة، قول العزيز ليوسف عليه السلام: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} (إغاثة اللهفان: 2/173).
    < الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} (يوسف: 55).
    الفائدة الرابعة والأربعون:
    جواز إخبار الرجل بما عنده من العلم والخير؛ ليقتبس منه، ولينتفع به، ومنه قول يوسف الصديق عليه السلام: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}.
    فمن أخبر عن نفسه بمثل ذلك ليكثّر به ما يحبه الله ورسوله من الخير: فهو محمود.
    وهذا غير من أخبر بذلك ليتكثر به عند الناس ويتعظم، وهذا يجازيه الله بمقت الناس له، وصغره في عيونهم، والأول يكثّره في قلوبهم وعيونهم، وإنما الأعمال بالنيات، وكذلك إذا أثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر، أو ليستوفي بذلك حقا له يحتاج فيه إلى التعريف بحاله، أو ليقطع عنه أطماع السفلة فيه، أو عند خطبته إلى من لا يعرف حاله.
    والأحسن في هذا: أن يُوكّل من يعرف به وبحاله؛ فإن لسان ثناء المرء علي نفسه قصير، وهو في الغالب مذموم؛ لما يقترن به من الفخر والتعاظم (مفتاح دار السعادة: 1/439-440).
    الفائدة الخامسة والأربعون:
    أن العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الإلطاف وشهده من عين المنة ومحض الجود: شهد مع ذلك فقره إليه في كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين؛ فكان ذلك من أعظم أبواب الشكر وأسباب المزيد وتوالي النعم عليه، وكلما توالت عليه النعم أنشأت في قلبه سحائب السرور، وإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه وامتلأ بها أفقه، أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ يجري على لسانه وظاهره نهر الافتخار من غير عجب ولا فخر، بل فرحا بفضل الله ورحمته؛ كما قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} (يونس: 58).
    فالافتخار علي ظاهره، والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر.
    وتأمل قول النبي [: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، فكيف أخبر بفضل الله ومنته عليه، وأخبر أن ذلك لم يصدر منه افتخارا به على من دونه؛ ولكن إظهارا لنعمة الله عليه وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله وعلو منزلته لديه؛ لتعرف الأمة نعمة الله عليه وعليهم.
    ويشبه هذا قول يوسف الصديق العزيز: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} (يوسف: 55)، فإخباره عن نفسه بذلك لما كان متضمنا لمصلحة تعود على العزيز وعلى الأمة وعلى نفسه: كان حسنا؛ إذ لم يقصد به الفخر عليهم، فمصدر الكلمة والحامل عليها: يحسّنها ويهجّنها، وصورته واحدة (مدارج السالكين: 3/90).
    الفائدة السادسة والأربعون:
    - كان الصحابة -رضي الله عنهم-يفرحون بانتصار الروم النصارى على المجوس عباد النار؛ لأن النصارى أقرب إليهم من أولئك، وكان يوسف الصديق عليه السلام نائبا لفرعون مصر، وهو وقومه مشركون، وفعل من الخير والعدل ما قدر عليه، ودعا إلى الإيمان بحسب الإمكان (الطرق الحكمية ص185).
    «الجزء السادس عشر»
    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} «يوسف: 56».
    الفائدة السابعة والأربعون:
    - عنوان هذا الباب: باب من ترك محبوبه حراما؛ فبذل له حلالا أو أعاضه الله خيرا منه، وقاعدته: أن من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه، كما ترك يوسف الصديق - عليه السلام - امرأة العزيز لله، واختار السجن على الفاحشة، فعوضه الله أن مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وأتته المرأة صاغرة، سائلة راغبة في الوصل الحلال فتزوجها؛ فلما دخل بها قال: هذا خير مما كنت تريدين.
    فتأمل كيف جزاه الله سبحانه وتعالى على ضيق السجن أن مكنه في الأرض ينزل منها حيث يشاء، وأذل له العزيز وامرأته، وأقرت المرأة والنسوة ببراءته.
    وهذه سنته تعالى في عباده قديما وحديثا إلى يوم القيامة (روضة المحبين ص 443).
    الفائدة الثامنة والأربعون:
    - لما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن: شكر الله له ذلك؛ بأن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء (عدة الصابرين ص 426).
    الفائدة التاسعة والأربعون:
    - الصبر نوعان: اختياري، واضطراري، والاختيار أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس، ويتأتى ممن لا يتأتي منه الصبر الاختياري؛ ولذلك كان صبر يوسف الصديق - عليه السلام - عن مطاوعة امرأة العزيز، وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب؛ وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد.
    ومن الصبر الثاني: إنشاء الله سبحانه له ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض (عدة الصابرين ص 63).
    الفائدة الخمسون:
    - إن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره؛ فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه؛ فهو كمن رغب عن بعرة فأعطي عوضها درة، ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة والعيش الهنيء ما لا نسبة معه لما ظفر به من هواه ألبتة.
    فتأمل انبساط يد يوسف الصديق - عليه الصلاة والسلام - ولسانه وقدمه ونفسه بعد خروجه من السجن لما قبض نفسه عن الحرام (روضة المحبين ص 481).
    < الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} «يوسف: 58».
    الفائدة الحادية والخمسون:
    إنما لم يعرّفهم نفسه لأسباب أخّر فيها منفعة لهم ولأبيهم وله، وتمام لما أراده الله تعالى بهم من الخير في هذا البلاء.
    وأيضا فلو عرّفهم نفسه في أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع العظيم، ولم يحل ذلك المحل.
    وهذه عادة الله سبحانه في الغايات العظيمة الحميدة، إذا أراد أن يوصل عبده إليها، هيأ له أسبابا من المحن والبلايا والمشاق؛ فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد الموت وأهوال البرزخ والبعث والنشور والموقف والحساب والصراط ومقاساة تلك الأهوال والشدائد.
    وكما أدخل رسوله[ إلى مكة ذلك المدخل العظيم بعد أن أخرجه الكفار ذلك المخرج، ونصره ذلك النصر العزيز بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه.
    وكذلك ما فعل برسله كنوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح وشعيب - عليهم السلام - فهو سبحانه أوصل إلى الغايات الحميدة بالأسباب التي تكرهها النفوس وتشق عليها، كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} «البقرة: 216».
    وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب
    وبالجملة: فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة، كما أن الغايات المكروهة المؤلمة في خبايا الأسباب المشتهاة المستلذة، وهذا من حين خلق الله سبحانه الجنة وحفها بالمكاره، وخلق النار وحفها بالشهوات (إغاثة اللهفان 2/146 - 147).
    الفائدة الثانية والخمسون:
    إن المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه؛ فإذا أدركهُ قيل: عرفه، أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه؛ فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها قيل: عرفه، قال الله تعالى: {ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم}، وقال تعالى: {وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون} (مدارج السالكين 3/351 - 352).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق


    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (9)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي

    الجزء السابع عشر


    الفائدة الثالثة والخمسون:

    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون} «يوسف: 60».
    خلوة المحب بمحبوبه: هي غاية أمنيته؛ فإن ظفر بها وإلا خلا به في سره وأوحشه ذلك من الأغيار.
    وكان قيس بن الملوح إذا رأى إنسانا هرب منه؛ فإذا أراد أحد أن يدنو منه ويحادثه، ذكر له ليلى وحديثها؛ فيأنس به ويسكن إليه.
    وينبغي للمحب أن يكون كما قال يوسف لإخوته وقد طلب منهم أخاهم: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون}.
    إذا لم تكن فيكنّ سعدى فلا أرى
    لكُنّ وجوهاً أو أغيّب في لحدي
    (روضة المحبين ص 288 - 289)
    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون} «يوسف: 62 - 63».



    الفائدة الرابعة والخمسون:

    الله سبحانه إنما سوغ ذلك لنبيه يوسف - عليه السلام - جزاء لإخوته وعقوبة لهم على ما فعلوا به، ونصرا له عليهم وتصديقا لرؤياه، ورفعة لدرجته ودرجة أبيه، وبعد: ففي قصته مع إخوته ضروب من الحيل المستحسنة:
    أحدها: قوله لفتيانه: {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون}، فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم، وقد ذكروا في ذلك معاني:
    منها: أنه تخوف ألا يكون عندهم وَرِق يرجعون بها.
    ومنها: أنه خشي أن يضر أخذ الثمن بهم.
    ومنها: أنه أراهم كرمه في رد البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود.
    وقد قيل: إنه علم أن أمانتهم تحوجهم إلى الرجعة ليردوها إليه؛ فهذا المحتال به عمل صالح.
    والمقصود: رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله وهو مقصود صالح (إغاثة اللهفان 2/145 - 146).
    الفائدة الخامسة والخمسون:
    ما يشهد السياق والكلام به فكأنه مذكور في اللفظ وإن حذف اختصار؛ كقوله تعالى: {أن أضرب بعصاك البحر فانفلق} «الشعراء: 63».
    فكل واحد يعلم أن المعنى: فضربه فانفلق؛ فذكره نوع من بيان الواضحات؛ فكان حذفه أحسن؛ فإن الوهم لا يذهب إلى خلافه، وكذلك قوله تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فلما رجعوا إلى أبيهم}.
    فكل أحد يفهم من هذا السياق أنهم جعلوها في رحالهم، وأنهم وصلوا بها إلى أبيهم.
    ومثل هذا في القرآن كثير جداً، وفهم الكلام لا يتوقف على أن يضمر فيه ذلك، مع أنه مراد ولابد؛ فكيف يتوقف فهم الكلام الذي لا دليل فيه على الإضمار بوجه، وهو كلام مفيد قائم بنفسه معط لمعناه، على دليل منفصل يدل على أن المتكلم لم يضمر فيه خلاف ما أظهره وهل يتوقف أحد من العقلاء في فهم خطاب غيره له على هذا الدليل أو يخطر بباله؟ (الصواعق المرسلة 2/713).
    الجزء الثامن عشر
    الفائدة السادسة والخمسون:
    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير} «يوسف: 65».
    - إن البينة اسم لما يبين الحق ويوضحه، وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه؛ حيث حكى عن شاهد يوسف اعتباره قد القميص.
    وحكى عن يعقوب وبنيه أخذهم البضائع التي باعوا بها بمجرد وجودهم لها في رحالهم؛ اعتمادا على القرائن الظاهرة بأنها وهبت لهم ممن ملك التصرف فيها، وهم لم يشاهدوا ذلك ولا علموا به، ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة (بدائع الفوائد 4/12).
    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} «يوسف: 69 - 76».
    الفائدة السابعة والخمسون:
    أنه لما جهزهم في المرة الثانية بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه، وهذا القدر يتضمن اتهام أخيه بأنه سارق!
    وقد قيل: إنه كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك، والحق كان له وقد أذن فيه وطابت نفسه به، ودل على ذلك قوله تعالى: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون}، فهذا يدل على أنه عرّف أخاه بنفسه.
    وقد قيل: إنه لم يصرح له بأنه يوسف، وأنه إنما أراد بقوله: {إني أنا أخوك} أي: أنا مكان أخيك المفقود.
    ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر بذلك.
    والقرآن يدل على خلاف هذا والعدل يرده، وأكثر أهل التفسير على خلافه (إغاثة اللهفان 2/147).
    الفائدة الثامنة والخمسون:
    من لطيف الكيد في ذلك أنه لما أراد أخذ أخيه توصل إلى أخذه بما يقر إخوته أنه حق وعدل، ولو أخذه بحكم قدرته وسلطانه لنسب إلى الظلم والجور، ولم يكن له طريق في دين الملك يأخذه بها؛ فتوصل إلى أخذه بطريق يعترف إخوته أنها ليست ظلما؛ فوضع الصواع في رحل أخيه بمواطأة منه له على ذلك؛ ولهذا قال: {فلا تبتئس بما كانوا يعملون} (إغاثة اللهفان 2/147).
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (11)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي



    الجزء الثاني والعشرون

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} (يوسف: 76).

    الفائدة السبعون:

    إن المكر والخداع حسن إذا كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم؛ كما قال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون}، وقال: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}، وقال: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم}. وأخبر تعالى أنه كاد ليوسف في مقابلة كيد إخوته (إعلام الموقعين 3/368).






    الفائدة الحادية والسبعون:



    كيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين:

    أحدهما: أن يفعل سبحانه فعلا خارجا عن قدرة العبد الذي كاد له؛ فيكون الكيد قدرا محصنا ليس من باب الشرع، كما كاد الذين كفروا بأن انتقم منهم بأنواع العقوبات، وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام؛ فإن يوسف أكثر ما قدر عليه أن ألقى الصواع في رحل أخيه، وأرسل مؤذنا يؤذن: {أيتها العير إنكم لسارقون}. فلما أنكروا قال: {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه}، أي: جزاؤه استعباد المسروق ماله للسارق، إما مطلقا، وإما إلى مدة، وهذه كانت شريعة آل يعقوب عليه السلام، حتى قيل: إن مثل هذا كان مشروعا في أول الإسلام أن المدين إذا أعسر بالدين استرقّه صاحب الحق، وعليه حمل حديث بيع النبي[ سُرَق.

    وقيل: بل كان بيعه إياه إيجاره لمن يستعمله، وقضى دينه بأجرته، وعلى هذا فليس بمنسوخ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى: أن المفلس إذا بقيت عليه ديون وله صنعة: أجبر على إجارته نفسه، أو أجره الحاكم ووفى دينه من أجرته.

    وكان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: {من وجد في رحله فهو جزاؤه}، كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج عن قدرته، وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك بأن يقولوا: لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق؛ فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب أن يكون سارقا، وقد كان يوسف عليه السلام عادلا، لا يأخذهم بغير حجة، وكان يمكنهم التخلص أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق في دينكم، وقد كان من دين ملك مصر فيما ذكر: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين؛ فلو قالوا له ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلوم به غيرهم؛ فلذلك قال سبحانه: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله}، أي: ما كان ليمكنه أخذه في دين ملك مصر، لأنه لم يكن في دينه طريق إلى أخذه.

    وقوله: {إلا أن يشاء الله} استثناء منقطع، أي: لكن إن شاء الله أَخَذه بطريق آخر.

    ويجوز أن يكون متصلا، والمعنى: إلا أن يُهيء الله سببا آخر يؤخذ به في دين الملك غير السرقة. وفي هذه القصة: تنبيه على الأخذ باللوث الظاهر في الحدود؛ وإن لم تقم بينة، ولم يحصل إقرار؛ فإن وجود المسروق مع السارق أصدق من البينة، فهو بينة لا تلحقها التهمة، وقد اعتبرت شريعتنا ذلك في مواضع، منها: اللوث في القسامة، والصحيح: أنها يقاد بها؛ كما دل عليه النص الصحيح الصريح.

    ومنها: حد الصحابة -رضي الله عنهم-في الخمر بالرائحة والقيء.

    ومنها: حد عمر -رضي الله عنه- في الزنى بالحبل، وجعله قسيم الاعتراف والشهادة، فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله فليس دونه.

    فلما فتشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع، كان ذلك قائما مقام البينة والاعتراف؛ فلهذا لم يمكنهم أن يتظلموا، ولو كان هذا ظلما لقالوا: كيف يأخذه بغير بينة ولا إقرار؟!

    وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب: «الإعلام باتساع طرق الأحكام».

    والمقصود: أنه ليس في قصة يوسف عليه السلام شبهة، فضلا عن الحجة لأرباب الحيل؛ فإنا إنما تكلمنا في الحيل التي يفعلها العبد، وحكمها في الإباحة والتحريم، لا فيما يكيد الله سبحانه وتعالى لعبده، بل في قصة يوسف عليه السلام تنبيه على أن من كاد غيره كيدا محرما فإن الله سبحانه وتعالى لابد أن يكيده، وأنه لابد أن يكيد للمظلوم إذا صبر على كيد كائده وتلطف به، فالمؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق، فإن الله تعالى يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة، فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه لعبده.

    النوع الثاني: أن يلهمه أمرا مباحا أو مستحبا أو واجبا يوصله به الى المقصود الحسن؛ فيكون على هذا إلهامه يوسف عليه السلام أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضا، فيكون قد كاد له نوعي الكيد؛ ولهذا قال سبحانه: {نرفع درجات من نشاء}.

    وفي ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعي الذي يحبه الله تعالى ورسوله [ من نصر دينه وكسر أعدائه ونصر المحق وقمع المبطل: صفة مدح، يرفع الله تعالى بها درجة العبد، كما أن العلم الذي يخصم به المبطل ويدحض حجته: صفة مدح، يرفع بها درجة عبده؛ كما قال سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام ومناظرته قومه وكسر حجتهم: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء}.

    وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، ولكن ليس هو الكيد الذي تستحل به المحرمات وتسقط به الواجبات؛ فإن هذا كيد لله تعالى ودينه، فالله سبحانه ودينه هو المكيد في هذا القسم؛ فمحال أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من الكيد.

    وأيضا: فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.

    وأيضا: فإن الأمر المشروع هو عام لا يختص به شخص دون شخص، فالشيء مباح لكل من كان حاله مثل حاله، فمن احتال بحيلة فقهية محرمة أو مباحة لم يكن له اختصاص بتلك الحيلة عمن لا يفهمها ولا يعلمها، وإنما خاصية الفقيه إذا حدثت به حادثة أن يتفطن لاندراجها تحت الحكم العام الذي يعلمه هو وغيره، والله سبحانه إنما كاد ليوسف عليه السلام كيدا خاصا به جزاء له على صبره وإحسانه، وذكره في معرض المنة عليه، وهذه الأفعال التي فعلها يوسف عليه السلام والأفعال التي فعلها الله سبحانه له، إذا تأملها اللبيب رآها لا تخرج عن نوعين:

    أحدهما: إلهام الله سبحانه له فعلا كان مباحا له أن يفعله.

    الثاني: فعلٌ من الله تعالى به خارج عن مقدور العبد.

    وكلا النوعين مباين للحيل المحرمة التي يحتال بها على إسقاط الواجبات وإباحة المحرمات (إغاثة اللهفان 2/158-162).






    الفائدة الثانية والسبعون:



    من جنس معاريض يوسف الصديق عليه السلام حين تفتيش أوعية أخيه عن الصاع، فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أنه ليس فيها، وأخر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها؛ تعريضا بأنه لا يعرف في أي وعاء هو، ونفيا للتهمة عنه؛ لأنه لو كان عالما في أي الأوعية هي لبادر إليها، ولم يكلف نفسه تعب التفتيش لغيرها (مفتاح دار السعادة 3/195).






    الجزء الثالث والعشرون



    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} (يوسف: 76).

    الفائدة الثالثة والسبعون:


    إن من نال شيئا من شرف الدنيا والآخرة فإنما ناله بالعلم، وتأمل ما حصل لآدم من تميزه على الملائكة، واعترافهم له بتعليم الله له الأسماء كلها، ثم ما حصل له من تدارك المصيبة، والتعويض عن سكنى الجنة بما هو خير له منها بعلم الكلمات التي تلقاها من ربه.

    وما حصل ليوسف من التمكين في الأرض والعزة والعظمة بعلمه بتعبير تلك الرؤيا، ثم علمه بوجوه استخراج أخيه من إخوته بما يقرون به ويحكمون هم به، حتى آل الأمر إلى ما آل إليه من العز والعاقبة الحميدة، وكمال الحال التي توصل إليها بالعلم، كما أشار إليها سبحانه في قوله: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم}.
    جاء في تفسيرها: نرفع درجات من نشاء بالعلم، كما رفعنا درجة يوسف على إخوته بالعلم (مفتاح دار السعادة 1/521).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (12)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي



    الفائدة الرابعة والسبعون:

    جزاء المسيء بمثل إساءته في جميع الملل، مستحسن في جميع العقول؛ ولهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه؛ جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه؛ حيث أظهروا له أمرا وأبطنوا خلافه، فكان هذا من أعدل الكيد؛ فإن إخوته فعلوا به ذلك حتى فرقوا بينه وبين أبيه، وادعوا أن الذئب أكله. ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع، ولم يكن ظالما لهم بذلك الكيد؛ حيث كان مقابلة ومجازاة، ولم يكن أيضا ظالما لأخيه الذي لم يكده، بل كان إحسانا إليه وإكراما له في الباطن، وإن كانت طريق ذلك مستهجنة، لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذفه به، وكان ذلك سببا في اتصاله بيوسف واختصاصه به، لم يكن في ذلك ضرر عليه.

    يبقى أن يقال: وقد تضمن هذا الكيد إيذاء أبيه، وتعريضه لألم الحزن على حزنه السابق، فأي مصلحة كانت ليعقوب في ذلك؟

    فيقال: هذا من امتحان الله تعالى له، ويوسف إنما فعل ذلك بالوحي، والله تعالى لما أراد كرامته، كمل له مرتبة المحنة والبلوى ليصبر؛ فينال الدرجة التي لا يصل إليها إلا على حسب الابتلاء، ولو لم يكن في ذلك إلا تكميل فرحه وسروره باجتماع شمله بحبيبه بعد الفراق.

    وهذا من كمال إحسان الرب تعالى أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل حلاوة الجبر، ويعرفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها، كما أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يكمل لآدم نعيم الجنة أذاقه مرارة خروجه منها، ومقاساة هذه الدار الممزوج رخاؤها بشدتها؛ فما كسر عبده المؤمن إلا ليجبره، ولا منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا نغص عليه الدنيا إلا ليرغبه في الآخرة، ولا ابتلاه بجفاء الناس إلا ليرده عليه (مختصر الصواعق المرسلة 2/290-291).



    الجزء الرابع والعشرون

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون} (يوسف: 77).



    الفائدة الخامسة والسبعون:

    أما قياس الشبه: فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين، فمنه: قوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}، فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع، سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه؛ بينهما شبه من وجوه عديدة، وذاك قد سرق؛ فكذلك هذا.

    وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كانت حقا، ولا دليل على التساوي فيها؛ فيكون الجمع لنوع شبه خاليا عن العلة ودليلها (إعلام الموقعين 1/148).



    الفائدة السادسة والسبعون:

    حكى الله سبحانه عن يوسف الصديق أنه قال لإخوته: {أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون}، لما قالوا: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم}.

    وذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال (إعلان الموقعين 1/330).



    الفائدة السابعة والسبعون:

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون} (يوسف: 78-79).

    قال يوسف عليه السلام لما عرضوا عليه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده}.

    ولم يقل: أن نأخذ إلا من سرق؛ فإن المتاع كان موجودا عنده، ولم يكن سارقا، وهذا من أحسن المعاريض.

    وقد قال نصر بن حاجب: سئل سفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرف القول فيه ليرضيه، أيأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله عليه السلام: «ليس بكاذب من أصلح بين الناس فكذب فيه».

    فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم، كان خيرا من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض؛ وذلك أنه أراد به مرضاة الله، وكراهية أذى المؤمن، ويندم على ما كان منه، ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعا في شيء يصيبه منهم؛ فإنه لم يرخص في ذلك، ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم.

    قال حذيفة بن اليمان ]: «إني أشتري ديني بعضه ببعض؛ مخافة أن أقدم على ما هو أعظم منه».

    قال سفيان: «وقال الملكان: {خصمان بغى بعضنا على بعض}، أرادا معنى «شيءٍ»، ولم يكونا خصمين؛ فلم يصيرا بذلك كاذبين.

    وقال إبراهيم عليه السلام: {إني سقيم}. وقال: {بل فعله كبيرهم هذا}.

    وقال يوسف عليه السلام: {إنكم لسارقون} أراد معنى «أخاهم».

    فبين سفيان -رحمه الله تعالى- أن هذا كله من المعاريض المباحة، مع تسميته كذبا، وإن لم يكن في الحقيقة كذبا (إغاثة اللهفان 2/150-152).



    الفائدة الثامنة والسبعون:

    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون} (يوسف: 82).

    إنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة؛ كما إذا قيل: أكلت الشاة؛ فإن المفهوم من ذلك: أكلت لحمها، فحذف المضاف لا يُلبس، وكذلك إذا قلت: أكل فلان كدّ فلان، إذا أكل ماله؛ فإن المفهوم: أكل ثمرة كده، فحذف المضاف هنا لا يلبس، ونظائره كثيرة.


    وليس منه: {واسأل القرية}، وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به؛ فإن القرية: اسم للسكان في مسكن مجتمع، فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين؛ كالكأس: لما فيه من الشراب، والذنوب: للدلو الملآن ماء، والخوان: للمائدة إذا كان عليها طعام، ونظائره.
    ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة، وعلى المسكن تارة، بحسب سياق الكلام وبساطه، وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس فيه؛ فلا إضمار في ذلك ولا حذف، فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه (بدائع الفوائد 3/22-23).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (13)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي


    الفائدة التاسعة والسبعون:



    الفائدة المستنبطة من قول الله تعالى: {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم} (يوسف: 83). قال حبان ابن أبي جبلة أيضا في قوله تعالى: {فصبر جميل}. قال «لا شكوى فيه». ورفعه ابن أبي الدنيا أيضا.؛ وقال مجاهد: {فصبر جميل}: «في غير جزع». وقال عمرو بن قيس: {فصبر جميل}: قال «الرضا بالمصيبة والتسليم». وقال بعض السلف: {فصبر جميل}: لا شكوي فيه (عدة الصابرين ص159-160).

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {وتولى عنهم وقال يأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} (يوسف: 84).

    الفائدة الحادية والثمانون:

    إن يعقوب عليه السلام لما امتلأ قلبه بحب يوسف عليه السلام وذكره: أعرض عن ذكر أخيه مع قرب عهده بمصيبة فراقه، فلم يذكره مع ذلك ولم يتأسف عليه، غيبة عنه بمحبة يوسف؛ واستيلائه على قلبه (مدارج السالكين 3/220).

    الفائدة الثانية والثمانون:

    - قال همام عن قتادة في قوله تعالى: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}. قال: «كظم على حزن، فلم يقل إلا خيرا». وقال يحيى بن المختار عن الحسن: «الكظيم: الصبور» (عدة الصابرين ص160).

    الفائدة الثالثة والثمانون:

    - قال همام عن قتادة في قوله تعالى: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}: «أي: كميد». أي: كمد الحزن (عدة الصابرين ص160).

    الفائدة الرابعة والثمانون:

    - الأسف: الحزن، كقوله تعالى عن يعقوب: {يا أسفى على يوسف} (مدارج السالكين 3/196).

    الفائدة الخامسة والثمانون

    - مما ينافي الصبر: في شق الثياب عند المصيبة، ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل، ولهذا برئ النبي [ ممن صلق وحلق وخرق. صلق: رفع صوته عند المصيبة، وحلق رأسه، وخرق: شق ثيابه. ولا ينافيه البكاء والحزن، قال الله تعالى عن يعقوب: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} (عدة الصابرين ص416).

    الفائدة السادسة والثمانون:

    - قوله تعالى عن نبيه إسرائيل: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}. فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه، وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه، وأجمع أرباب السلوك: على أن حزن الدنيا غير محمود، إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال: الحزن بكل وجه: فضيلة وزيادة للمؤمن، ما لم يكن بسبب معصية، قال: لأنه إن لم يوجب تخصيصا: فإنه يوجب تمحيصا (مدارج السالكين 1/544).

    الفائدة السابعة والثمانون:

    - قال أحمد: ثنا عبدالله بن إدريس، ثنا يزيد بن أبي زياد؛ عن عبدالرحمن بن أبي ليلى؛ عن ابن أبزى قال: صليت خلف عمر، فقرأ سورة يوسف، حتى إذا بلغ: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}: وقع عليه البكاء فركع، ثم قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ثم قام فقرأ: {إذا زلزلت} (مدارج السالكين 2/168).

    الجزء السادس والعشرون

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} (يوسف: 86).

    الفائدة الثامنة والثمانون:

    - الشكوى نوعان: أحدهما: الشكوى إلى الله تعالى، فهذا لا ينافي الصبر، كما قال يعقوب: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}. مع قوله: {فصبر جميل}. وقال أيوب: {مسني الضر}. مع وصف الله له بالصبر، وقال سيد الصابرين [: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي» إلخ. وقال موسى عليه السلام: «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك».

    والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال، فهذه لا تجامع الصبر، بل تضاده وتبطله، فالفرق بين شكواه والشكوى إليه (عدة الصابرين ص39-40).

    الفائدة التاسعة والثامنون:

    - أثنى على أيوب بقوله: {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين}، وعلى يعقوب بقوله: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}، وعلى موسى بقوله: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}. وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله بقوله: «اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي» الحديث. فالشكوى إليه سبحانه: لا تنافي الصبر الجزيل، بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة؛ وجعل الشكوى إليه وحده: هو الصبر. والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه؛ ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}. والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه. وقيل لبعضهم: كيف تشتكي إليه؛ ما ليس بخفي عليه؟ فقال: ربي يرضى ذل العبد إليه (عدة الصابرين ص65-66).

    الفائدة التسعون:

    - لما كان الصبر: حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله؛ والقلب عن التسخط؛ والجوارح عن اللطم وشق الثياب ونحوها: كان ما يضاده واقعا على هذه الجملة، فمنه: الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكا العبد ربه إلى مخلوق مثله: فقد شكا من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى الله، كما تقدم في شكاية يعقوب إلى الله، مع قوله: {فصبر جميل}.

    وأما إخبار المخلوق بالحال: فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرورة: لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض للطبيب بشكايته، وإخبار المظلوم لمن ينتصر له بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن كان يرجو أن يكون فرجه على يديه (عدة الصابرين ص414).

    الفائدة الحادية والتسعون:

    - الشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل، والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (بدائع الفوائد 3/83).

    الجزء السابع والعشرون

    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {قالوا أءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} (يوسف: 90).

    الفائدة الثانية والتسعون:
    - إن الله سبحانه ذكر الصبر في كتابه في نحو تسعين موضعا، فمرة أمر به، ومرة أثنى على أهله، ومرة أمر نبيه[ أن يبشر به أهله، ومرة جعله شرطا في حصول النصر والكفاية، ومرة أخبر أنه مع أهله، وأثنى به على صفوته من العالمين؛ وهم أنبياؤه ورسله، فقال عن نبيه أيوب: {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب}. وقال لخاتم أنبيائه ورسله: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل}. وقال: {واصبر وما صبرك إلا بالله}. وقال يوسف الصديق وقد قال له إخوته: {أءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}. وهذا يدل على أن الصبر من أجلّ مقامات الإيمان، وأن أخص الناس بالله وأولادهم به: أشدهم قياما وتحققا به، وأن الخاصة أحوج إليه من العامة (طريق الهجرتين ص476 - 477).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    26,333

    افتراضي رد: الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق

    الروض الأنيق في الفوائد المستنبطة من قصة يوسف الصديق (14)


    د/ وليد بن محمد بن عبدالله العلي








    الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم} (يوسف: 100).
    الفائدة السادسة بعد المئة
    إن الله سبحانه كاد ليوسف عليه السلام بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم، كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره. وكاد له بأن أوقفهم بين يديه موقف الذليل الخاضع المستجدي، فقالوا: {يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين}.
    فهذا الذل والخضوع في مقابلة ذله وخضوعه لهم يوم إلقائه في الجب، وبيعه بيع العبيد. وكاد له بأن هيأ له الأسباب التي يسجدوا له هم وأبوه وخالته في مقابلة كيدهم له حذرا من وقوع ذلك، فإن الذي حملهم على إلقائه في الجب: خشيتهم أن يرتفع عليهم حتى يسجدوا له كلهم، فكادوه خشية ذلك، فكاد الله تعالى له حتى وقع ذلك كما رآه في منامه. وهذا كما كاد فرعون بني إسرائيل، {يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم}، خشية أن يخرج فيهم من يكون زوال ملكه على يديه، فكاده الله سبحانه بأن أخرج له هذا المولود، ورباه في بيته وفي حجره، حتى وقع به منه ما كان يحذره، كما قيل:
    وإذا خشيت من الأمور مقدرا
    وفررت منه فنحوه تتوجه
    (إغاثة اللهفان 2/157)
    الفائدة السابعة بعد المئة
    - قول يوسف لأبيه وإخوته: {هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن}. ولم يقل: أخرجني من الجب. حفظا للأدب مع إخوته، وتفتيا عليهم أن لا يخجلهم بما جرى في الجب. وقال: {وجاء بكم من البدو} ولم يقل: رفع عنكم جهد الجوع والحاجة. أدبا معهم. وأضاف ما جرى إلى السبب، ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه، فقال: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}. فأعطى الفتوة والكرم والأدب حقه، وهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم (مدارج السالكين 2/396-397).
    < الجزء الثلاثون
    الفائدة الثامنة بعد المئة
    - إن التأويل في عرف السلف المراد به: التأويل في مثل قوله تعالى: {وهل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق}. وقوله تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلا}. وقول يوسف: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا}. وقول يعقوب: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} وكذلك: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله}. وقال يوسف: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما}. فتأويل الكلام الطلبي، هو فعل المأمور به والمنهي عنه نفسه، كما قال ابن عيينة: «السنة تأويل الأمر والنهي» وقالت عائشة: «كان رسول الله[ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن». وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر: فهو الحقيقة نفسها التي أخبر الله عنها، وذلك في حق الله: هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». وكذلك قال ابن المجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه. وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال: «إنهم تأولوها على غير تأويلها» وبين معناها. وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن، وعلموا المراد بآيات الصفات، كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله؛ بهذا المعنى: فهو حق، وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا خلافه. قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية وأسأله عنها». وقال عبدالله بن مسعود: «ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت». وقال الحسن البصري: «ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها». وقال مسروق: «ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه» وقال الشعبي: «ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها» (الصواعق المرسلة 3/923-925).
    الفائدة التاسعة بعد المئة
    - تسمى العاقبة: تأويلا؛ لأن الأمر يصير إليها، ومنه قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}. وتسمى حقيقة الشيء المخبر به: تأويلا؛ لأن الأمر ينتهي إليها، ومنه قوله: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق}. فمجيء تأويله: مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله والجنة والنار. ويسمى تعبير الرؤيا: تأويلا بالاعتبارين، فإنه تفسير لها، وهو عاقبتها وما تؤول إليه، وقال يوسف لأبيه: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل}. أي: حقيقتها ومصيرها، إلى هنا انتهت. وتسمى العلة الغائبة والحكمة المطلوبة بالفعل: تأويلا، لأنها بيان لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضه به، ومنه قول الخضر لموسى عليهما السلام بعد أن ذكر له الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا عوض: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}. فلما أخبره بالعلة الغائبة التي انتهى إليها فعله قال: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا}. فالتأويل في كتاب الله سبحانه وتعالى المراد به: حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه، وهي الحقيقة الموجودة في الخارج (الصواعق المرسلة 1/176-177).
    < الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (يوسف: 101).
    الفائدة العاشرة بعد المئة
    - قوله تعالى عن يوسف نبيه أنه قال: {أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين}. قال الإمام أحمد: ليس أحد من الأنبياء تمنى الموت غير يوسف، قال: {توفني مسلما} (بدائع الفوائد 3/98).
    الفائدة الحادية عشرة بعد المئة
    - جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد، والاستسلام للرب، وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجلّ غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد، وطلب مرافقة السعداء (الفوائد ص223).
    الفائدة الثانية عشرة بعد المئة
    - الشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها، فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال. وقيل: هو اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب. وقيل: هو احتراق الأحشاء. ومنها ما يتهيج ويتولد ويلهب القلوب ويقطع الأكباد، والمحبة أعلى منه؛ لأن الشوق عنها يتولد، وعلى قدرها يقوى ويضعف، قال يحيى بن معاذ: علامة الشوق: فطام الجوارح عن الشهوات. وقال أبوعثمان: علامته: حب الموت مع الراحة والعافية، كحال يوسف لما ألقى في الجب لم يقل: توفني، ولما أدخل السجن لم يقل: توفني، ولما تم له الأمر والأمن والنعمة قال: {توفني مسلما} (مدارج السالكين 3/54).
    وهذه آخرة الفوائد التي استخرجتها من كلام الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- وبها تختتم هذه الرياض المونقات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •