فقه النوازل
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 18 من 18

الموضوع: فقه النوازل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي فقه النوازل

    فقه النوازل (1)
    سعد بن تركي الخثلان

    مقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:
    فمع افتتاح هذه الدورة ومع الدرس الأول في هذه الدورة العلمية، أسأل الله - تعالى -أن يبارك فيها، وأن ينفع بها، وأن يزيدنا جميعا هدى وعلما وتوفيقا، ثم إنني أشكر الإخوة القائمين على تنظيم هذه الدورة في هذا الجامع على ما يقومون به من جهد كبير في تنظيمها، وأخص بالشكر أخي فضيلة الشيخ فهد الحسن الغراب، على ما يقوم به من جهد في تنظيم هذه الدورة وفي غيرها من المناشط العلمية في هذا الجامع، حتى أصبح هذا الجامع بحق منارة من منارات العلم.
    أيها الإخوة هذه الدورة العلمية والتي يتوافد فيها أعداد من الإخوة من بلاد شتى، تذكرنا بما أثر عن السلف من الرحلة في طلب العلم، فإن السلف كانوا يرحلون في طلب العلم الشرعي في سبيل تحصيله وجمعه.
    وجابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي الجليل -رضي الله عنه- رحل من المدينة إلى الشام من أجل سماع حديث واحد فقط، من أجل سماع حديث واحد فقط من عبد الله بن أنيس ومكث في هذه الرحلة شهرين، شهرا في الذهاب وشهرا في الإياب، وسافر وحده على بعيره.
    ولما وصل إلى الشام اعتنقه عبد الله بن أنيس، فقال له جابر بلغني أن عندك حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخشيت أن أموت أو تموت، ولم أسمعه، فقال نعم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، -قلنا وما بهما يا رسول الله؟ -قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قلنا يا رسول الله وكيف ذلك وليس معنا شيء؟ قال: بالحسنات والسيئات.
    هذه القصة ذكرها البخاري في صحيحه معلقا لها بصيغة الجزم لكن أشار إليها مختصرة، ثم لما سمع جابر هذا الحديث رجع إلى المدينة، وهكذا أيضا أبو أيوب الأنصاري رحل من المدينة إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط، والقصص كثيرة في هذا، ولهذا صنف بعض العلماء في الرحلة في طلب العلم.
    وإذا قرأت في ترجمة كثير من علمائنا تجد أنه يذكر في الترجمة ورحل إلى بلاد كذا وكذا وكذا، حتى أصبحت الرحلة في طلب العلم جزءًا من تراجم كبار أهل العلم والمحدثين والفقهاء، ولهذا لا يستكثر الإنسان الحضور إلى مثل هذا المكان ولو أتى من مكان بعيد، وإذا قرأ في تراجم علمائنا وجد أنهم يرحلون إلى ما هو أبعد من ذلك مع أن وسائل المواصلات في زمنهم ليست كوسائل المواصلات في وقتنا الحاضر.
    ثم إن العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، كما قال الإمام أحمد قال: طلب العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، ولهذا فإن الاشتغال بطلب العلم الشرعي أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات، كما ذكر ذلك أهل العلم، وذلك لأن الاشتغال بطلب العلم الشرعي، نفعه متعد للآخرين، بينما الاشتغال بنوافل العبادات نفعها قاصر على صاحبها.
    وقد عقد الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتابه القيم مفتاح دار السعادة، مقارنة بين العلم والمال، وذكر أكثر من مائة وخمسين وجها في تفضيل العلم على المال، ومن عجائب ما ذكر، قال: حتى الكلاب تشرف بالعلم، فإن صيد الكلب المعلم حلال، بينما صيد الكلب غير المعلم حرام "يَسْأَلونك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ" فإذا كانت الكلاب تشرف بالعلم فما بالك ببني آدم، ولم يأمر الله - تعالى -نبيه - صلى الله عليه وسلم - بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم فقال: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا".
    وقد ذكر الشاطبي - رحمه الله - أن لطلب العلم طريقين:
    الطريق الأولى: طريق الاجتهاد الشخصي، وذلك بالحفظ والقراءة والتأمل في كتب أهل العلم ونحو ذلك.
    والطريق الثانية: أخذ العلم عن أهله مشافهة، وقال: إن هذه الطريق الثانية أنفع الطريقين، وهي المأثورة عن كثير من السلف، والحقيقة أنه لا تغني إحدى الطريقتين عن الأخرى، لا بد من أخذ العلم عن أهله، ولا بد كذلك من بذل الجد والاجتهاد في تحصيل العلم، فإن العلم لا يحصل للإنسان دفعة واحدة وإنما شيئا فشيئا.
    ثم إنني أنبه إلى أمر وهو أن بعض الإخوة يحضر دروسا كثيرة وربما دورات كثيرة، ولكنه لا يحصل علما كثيرا، وقد يكون السبب في ذلك أن آلية التحصيل عنده فيها خلل، وذلك أن الناس في الوقت الحاضر قد ضعفت الذاكرة عندهم، ليست كما كان عليه حال العرب من قبل، كان العرب متميزين بقوة الحفظ والذاكرة، حتى إن القصيدة تلقى وهي مكونة من مائتي بيت فأكثر تلقى مرة واحدة فيحفظونها كلهم، بل يستعيبون أن يطلبوا من الملقي أن يعيدها مرة ثانية.
    وقد روي ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يحفظ الشيء من سماعه مرة واحدة، وروي كذلك عن الشعبي، وروي عن عدد من أهل العلم، أما في الوقت الحاضر فكما ترون لا يكاد يوجد أحد يحفظ الشيء من سماعه من مرة واحدة، وحينئذ فلا بد من ضبط آلية تحصيل العلم، ويختار الإنسان الطريقة المناسبة له، إما كتابة، ثم ينظم ما يكتبه، ويراجعه من حين لآخر حتى تستقر المعلومات في ذهنه، أو بالتسجيل، ثم يسمعه من حين لآخر، أو غير ذلك من وسائل التحصيل.
    أما أنه يحضر الدروس من غير ضبط للعلم، فإنه سرعان ما ينسى ما سمع، وبالتالي لا يستفيد كثيرا، أقول هذا مع بداية هذه الدورة، ومن أحسن الطرق النافعة هي أن تلخص ما سمعت، ثم تراجعه من حين لآخر، فإن حياة العلم المذاكرة، حياة العلم المذاكرة، لا بد من مذاكرة العلم حتى يستقر.
    ثم إنني مع بداية هذه الدورة، أوصي نفسي وإخواني بإخلاص النية لله - عز وجل - في طلب العلم، فإن النية أمرها عجيب، والإخلاص لا يقارن عملا من الأعمال إلا ويكتب له النجاح والقبول والتوفيق، بل إن طلب العلم إذا قارنه نية سيئة عاد وبالا على صاحبه يوم القيامة، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة وذكر منهم: رجل تعلم العلم وعلمه الناس، وقرأ القرآن لاحظ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فيؤتى به فيعرفه نعمه فيعرفها، فيقول: ماذا عملت فيها؟ فيقول: يا رب تعلمت فيك العلم وعلمته للناس، وقرأت فيك القرآن، فيقال له: كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار والعياذ بالله.
    كان معاوية إذا سمع بهذا الحديث بكى بكاءً عظيما، فالآن هذا الذي تعلم العلم لأجل الناس أصبح علمه وبالا عليه كما يقول بعض أهل العلم لو أنه سلم من هذا العلم لكان أحسن له، هذا العلم بهذه النية السيئة كان سببا لأن يكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فلا بد من إخلاص النية لله - عز وجل -.
    فإن قلت: كيف أخلص النية لله - تعالى -في طلب العلم، ذكر أهل العلم أن إخلاص النية يكون بأن تنوي رفع الجهل عن نفسك، وأن تنوي رفع الجهل عن غيرك، والدعوة إلى الله - عز وجل - والدفاع عن دينه، ولا تنوي بذلك رياءً ولا سمعة ولا طلب محمدة من أحد من البشر.
    وبعد ذلك نعود إلى درسنا. كنا في العام الماضي قد كان الدرس عن فقه المعاملات المالية المعاصرة، واحتفى به -ولله الحمد- كثير من الإخوة وحصل بذلك الدرس نفع كثير، ولح علي كثير من الإخوان، أن أخرجه في كتاب وهو سوف يخرج إن شاء الله في كتاب قريبا.
    وسألني عدد من الإخوة هل ما ذكر من موضوعات في الدرس الدورة الماضية هل سيذكر منها شيء في هذه الدورة؟ أقول: لا، لن يذكر ولا موضوع واحد، ما ذكرناه العام الماضي لن يعاد ويكرر في هذه الدورة، فإن الدرس في الدورة الماضية كان في المعاملات المالية المعاصرة فقط، وأما الدرس في هذه الدورة فهو في فقه النوازل عامة، في فقه النوازل عامة، وهذا الفقه ينبغي لطالب العلم العناية به، لأنه يلحظ أن كثيرا من طلاب العلم يكون لهم عناية بالفقه المدون في الكتب، ويكون لهم حفظ وضبط وتأصيل، ولكن عندما تأتي المسائل المعاصرة والنوازل يتوقفون فلا تجد عندهم فيها شيئا، وهذا يعتبر خلل عند طالب العلم، لأن هذه النوازل وهذه المسائل المعاصرة يحتاج لها الناس، وتكثر الأسئلة حولها.
    ولهذا لا بد لطالب العلم مع ضبطه لكلام الفقهاء المتقدمين أن يعنى بمعرفة الحكم الشرعي في النوازل والمسائل المعاصرة، أو على الأقل أن يعنى بضبط كلام أهل العلم في هذه المسائل وهذه النوازل.
    والأمة ولله الحمد لا تزال بخير، وعلماؤها يبذلون الجهود الكبيرة في تكييف هذه النوازل وتبيين الحكم الشرعي فيها، هذا الدرس سوف نبدأ إن شاء الله - تعالى -في الجانب التأصيلي، سوف نجعله في الجانب التأصيلي لفقه النوازل، وفي الدروس القادمة إن شاء الله نبدأ بذكر عدد من النوازل، وسوف أبين إن شاء الله في نهاية هذا الدرس المنهج الذي سوف نسير عليه في دراسة تلك المسائل.
    أقول إن من رحمة الله - تعالى -بالخلق أن أكرمهم بهذه الرسالة المحمدية: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" فأرسل الله - تعالى -نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين جميعا، ومن مقتضيات هذه الرحمة تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، كما ذكر ذلك الشاطبي وغيره من أهل العلم، من مقتضيات هذه الرحمة تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، فلا تكاد تجد مصلحة إلا دل الشارع عليها، ولا تكاد تجد مضرة إلا نهى الشارع عنها وحذر منها، وقد جعل الله - تعالى -هذه الشريعة كاملة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا".
    يقول أبو ذر -رضي الله عنه- ما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما، وفي حديث سلمان -رضي الله عنه- في صحيح مسلم، قال أحد اليهود لسلمان: علمكم نبيكم كل شيء حتى هذا يعني آداب قضاء الحاجة، قال سلمان: نعم، ثم ذكر شيئا من الآداب التي علم النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم بها عند قضاء الحاجة، فيتعجب هذا اليهودي يقول: علمكم نبيكم كل شيء حتى هذا.
    وهذه الشريعة الكاملة التي استوعبت جميع ما يحتاج إليه البشر، قد تكفل الله - تعالى -بحفظها، تكفل الله - تعالى -بحفظ القرآن: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" ونحن نقرأ كتاب الله - تعالى -الذي نزل منذ أربعة عشر قرنا، ولم يتغير فيه حرف واحد فقط، وهذا من آيات الله - تعالى -لأن الله - تعالى -قد تكفل بحفظه، بينما الكتب الأخرى في التوراة والإنجيل فقد أوكل حفظها للبشر بما استحفظوا من كتاب الله فلم يحفظوها.
    أما القرآن فقد تكفل الله - تعالى -بحفظه، وحفظ القرآن يتضمن حفظ السنة كما قال أهل العلم، حفظ القرآن يتضمن حفظ السنة، أشار إلى ذلك الشاطبي في الموافقات، وعلل ذلك بأنها يعني السنة بيان للقرآن: "وَأَنْزَلنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" وحفظ المبين يقتضي حفظ البيان لأنه لازم له.
    أيضا تكفل الله - تعالى -بحفظ مجموع أفراد الأمة، بحفظ مجموع أفراد الأمة، فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، هذه الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة، ولا تزال طائفة منها على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله - تعالى -.
    ولهذا قال أهل العلم إنه لا يمكن أن يخلو زمان من قائل بالحق، لا يمكن أن يخلو زمان من قائل بالحق يعني إذا نزلت نازلة فلا يمكن أن يطبق جميع العلماء على غير الحق، لا بد من قائل بالحق، لكن من هو القائل بالحق هذا هو الذي يحتاج يعني من طالب علم أن يتحرى ويجتهد في معرفة هذا الحق، لكن لا يمكن أن يخفى الحق على جميع علماء الأمة، لا بد من قائل بالحق، لأن هذا من لوازم حفظ مجموع أفراد هذه الأمة، هذه الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، لا يمكن أن يخفى الحق على جميع علماء هذه الأمة، ويضل جميع علماء هذه الأمة عن الحق، فلا بد من قائل بالحق.
    وقد اقتضت حكمة الله - تعالى -أن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، فإن قلت كيف تكون الشريعة شاملة وكاملة مع وجود نوازل لا نص فيها، مع وجود نوازل لا نص فيها؟
    أقول في الجواب عن هذا أجاب الشاطبي في الاعتصام، بأن المراد بالكمال في قول الله - تعالى -: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" إكمال الكليات، إكمال الكليات، فلم يبق قاعدة يحتاج إليها إلا وبينت.
    وقد فهم الصحابة - رضي الله عنهم - هذا المعنى فردوا الجزئيات إلى الكليات، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مكث في البعثة والرسالة ثلاثا وعشرين سنة فقط، مكث ثلاثا وعشرين سنة بعث وعمره أربعون وتوفي وعمره ثلاث وستون، مكث فقط ثلاثا وعشرين سنة، ومع ذلك بين للأمة جميع ما تحتاج إليه.
    وكما قال الشاطبي المقصود بيان الكليات والقواعد التي تحتاج إليها الأمة، والعلماء والفقهاء في كل عصر يردون الجزئيات إلى هذه القواعد وإلى هذه الكليات، وهذا ملحظ مهم سوف نشير إليه إن شاء الله عند دراسة بعض النوازل.
    ثم نأتي لتعريف فقه النوازل، نبدأ أولا بتعريف الفقه
    فالفقه معناه في لغة العرب: الفهم: "وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي" يعني يفهموا قولي، فمادة الفقه في لغة العرب تدور حول معنى الفهم: "فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُون يَفْقَهُونَ حَدِيثًا يعني يفهمون حديثا". ومعناه شرعا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
    والفقه من أشرف العلوم وأنفعها لطالب العلم، وهو العلم الذي يحتاج الناس إليه في حياتهم العملية، وأضرب لهذا مثلا، لو أنك استمعت إلى أي برنامج إفتاء، انظر إلى أسئلة الناس ستجد أن ما لا يقل عن تسعين في المائة منها أو أكثر فقهية، وهذا لا يقلل من شأن العلوم الأخرى، لكن علم العقيدة والفقه هما أهم علمين يحتاج لهما طالب العلم، وبقية العلوم قد يحتاج الإنسان إليها بقدر معين، بقدر معين، لكن الفقه إذا ضبطه الإنسان فإنه ينتفع وينفع.
    ولا بد من ربط الفقه عند دراسته بالحديث، ولا يمكن لطالب العلم أن يحقق المسائل الفقهية، وليس له عناية بالحديث، فمن أنفع الطرق ربط الفقه بالحديث، فلا يستغني طالب العلم بالفقه عن الحديث ولا بالحديث عن الفقه، ولكن من أنفع الطرق التي رأيتها للتفقه هو أن ينطلق طالب العلم من كتب الفقه ويرتبط بالحديث، فمثلا يعني يأخذ هذا الباب لو قلنا باب المعاملات يأخذ كل باب من كتب الفقهاء، ثم ينظر ما في هذا الباب من الأدلة يرجع مثلا للصحيحين يرجع للبلوغ، يرجع لكتب الحديث، ويربطها بهذه المسائل الفقهية.
    أما لو عكس انطلق من كتب الحديث، ولم يكن له عناية بكتب الفقه، فتفوته مسائل كثيرة مبناها على النظر، لأن هناك بعض الأبواب قد لا تجد فيه إلا حديثا واحدا، وربما بعضها ليس فيها ولا حديث، لو أخذت مثلا باب الشركة في كتب الفقه فيها مسائل كثيرة جدا، بينما كتب الحديث قد لا تجد فيها إلا حديثا واحدا أو حديثين، فمن اقتصر على كتب الحديث وأهمل كتب الفقه يفوته علم كثير، فلا بد من الجمع بين العلمين، والانطلاق في التفقه من كتب الفقه وربطها مع كتب الحديث.
    وأما النوازل فمعناها لغة: النوازل جمع نازلة وهي المصيبة الشديدة من مصائب الدهر تنزل بالناس، يقال نزلت بهم نازلة.
    ولرب نازلـة يضيـق بها الفتى *** ذرعـا وعند الله منـها المخرج
    ومنه القنوت في النوازل يعني في الشدائد التي تحل بالمسلمين.
    والنوازل معناها اصطلاحا: الحوادث المستجدة التي تتطلب اجتهادا وبيانا للحكم الشرعي، ومن ذلك كلام الحافظ ابن عبد البر في كتابه القيم جامع بيان العلم وفضله، قال: باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة، باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة، وقال النووي في شرحه على مسلم: قال: وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل وردها إلى الأصول. وابن القيم يقول في إعلام الموقعين: فصل قد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتهدون في النوازل.
    وإنما نقلت هذه النقولات لأن هناك من المعاصرين من قال: إن مصطلح النوازل عند الأقدمين إنه يطلق على جميع الحوادث التي تحتاج إلى فتيا، سواء كانت قديمة أو جديدة، وهذا محل نظر؛ إذ أننا بالتأمل في كتب المتقدمين نجد أنهم يطلقون النوازل على المسائل المستجدة التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، تطلق النوازل على الحوادث المستجدة التي تتطلب اجتهادا وبيانا للحكم الشرعي فيها.
    حكم الاجتهاد في النوازل:
    الاجتهاد في النوازل فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن بقية العلماء، ويدل لذلك قول الله - تعالى -: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ" وإنما كان فرض كفاية لأنه يتعلق بالعمل وليس بالعامل.
    أهمية العناية بفقه النوازل:
    أقول: إن فقه النوازل من العلوم المهمة التي ينبغي أن يعنى بها طالب العلم، ويلحظ أن مناهج الفقه التي يدرسها طلاب الكليات الشرعية، ومعظم الدروس في المساجد، تقتصر على الكتب التي صنفت في قرون ماضية، وهي لم تكن قديمة حين وضعها واضعوها، وفيها فائدة عظيمة بل لا يستغني عنها طالب العلم، لكنها لا تغني عن معرفة طالب العلم وعنايته بالنوازل بمعرفة الحكم الشرعي في النوازل، أما اقتصاره على تلك الكتب، وعدم عنايته بفقه النوازل، فهذا كما ذكرت في مقدمة هذا الدرس فيه خلل، ولهذا تجد أن بعض طلاب العلم ليس له عناية بهذه النوازل، ومع أن الناس محتاجون إليها، وسنبين إن شاء الله - تعالى -المنهج الصحيح لدراسة هذه النوازل ومعرفة الحكم الشرعي فيها.
    وقد كان السلف على جانب كبير من العناية بالنوازل مع أنهم كانوا يكرهون التسرع في الفتيا، ويود كل واحد منهم أن يكفيه أخوه، قال ابن أبي ليلى، أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
    وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كل من أفتى الناس عن كل ما يسألونه إنه لمجنون، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود، وابن عيينة كان إذا سئل عن مسائل الطلاق قال: من يحسن هذا؟! وقال عبد الله بن الإمام أحمد قال: كنت أسمع أبي يسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري، كنت أسمعه كثيرا يسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري، وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما عندما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه، وهذه المقولة: أن أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما نقلها ابن القيم في إعلام الموقعين وعلق عليها، وقال: إن الجرأة على الفتيا إما أن تكون من قلة العلم، وإما أن تكون من غزارة العلم وسعته، إما أن تكون من قلة العلم، وإما أن تكون من غزارة العلم وسعته، فإذا قل علم إنسان أفتى ما يسأل عنه بغير علم، خاصة إذا كان عنده جرأة وقلة ورع، قال وإذا اتسع علم إنسان واتسعت فتياه أيضا كان عنده سعة في الفتيا، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الناس في الفتيا.
    أقول مع كراهة السلف للتسرع في الفتيا، ومحبة كل واحد منهم أن أخاه قد كفاه، إلا أنهم كانوا يجتهدون في النوازل، بل حصل الاجتهاد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض الصحابة، كما في قصة بني قريظة في الصحيحين، لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم صلاة العصر اختلفوا في فهم المقصود من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال بعضهم: لعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصد الحث على المسير، ولم يقصد أننا نؤخر صلاة العصر إلى أن نصل إلى بني قريظة ولو خرج الوقت، وقال آخرون: لا، بل نلتزم بظاهر كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يصلوا صلاة العصر إلا بعدما وصلوا بني قريظة، بعد خروج وقتها، قال ابن عمر ولم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - أيا من الطائفتين.
    لكن أي الطائفتين أفقه الطائفة الأولى أو الثانية، الأولى أفقه الذين صلوا في الوقت فهموا مقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة فلذلك هذه الطائفة الأولى أفقه، لكن الطائفة الثانية التي أخذت بظاهر النص أقرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعنف عليها، هذا نوع اجتهاد حصل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    ومن الاجتهاد في النوازل الذي حصل في عهد الصحابة الاجتهاد في الجد مع الإخوة، لأن هذه المسألة لم تقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما وقعت في عهد الصحابة، فاجتهدوا فيها، كان أبو بكر يقول: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان.
    ومن ذلك أيضا قصة رجوع عمر من الشام لما وقع بها الطاعون، قد ذكر هذه القصة البخاري في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: الآن هو أمام نازلة، هو الآن يسير في الطريق إلى الشام أخبر بأن الطاعون وقع بالشام، هل يسير ويذهب للشام، أو أنه يرجع للمدينة؟
    فجمع عمر -رضي الله عنه- الصحابة، وكان أول ما بدأ بالمهاجرين، قال: ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بأرض الشام، فاختلفوا، أي بعضهم قالوا: نرى أن تذهب، وبعضهم قال: نرى أن نرجع، فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال آخرون: معك بقية الناس وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فاختلفوا فقال عمر: ارتفعوا عني.
    ثم قال: ادع لي الأنصار، قال: فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال عمر: ارتفعوا عني، ثم قال لابن عباس: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، قالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة، أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليست إن رعت الخصيبة رعتها بقدر الله، وإن رعت الجدبة رعتها بقدر الله.
    قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا سمعتم به - يعني الطاعون - بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف.
    فهذه الآن نازلة وقعت بالصحابة - رضي الله عنهم -، وقع الطاعون وهم في الطريق، وقع الطاعون بأرض الشام وهم في الطريق إليها، هل يستمرون في الذهاب ويقدمون على أرض الشام وبها الطاعون، أم أنهم يرجعون ولا يعرضون أنفسهم لهذا الوباء؟
    فعمر -رضي الله عنه- أراد أن يجتهد في هذه النازلة، فانظر إلى منهج عمر -رضي الله عنه- إلى منهجه في الاجتهاد فيها حتى وفق للصواب قطعا، لأن عبد الرحمن بن عوف ذكر هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاستشار أولا المهاجرين، ثم استشار الأنصار وحصل الاختلاف، ثم استشار من كان عنده من المهاجرين الأولين من مهاجرة الفتح من مشيخة قريش فلم يختلفوا، فأخذ عمر برأيهم، ثم أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بأن هذا الرأي الذي رآه عمر قد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا نوع من الاجتهاد الذي حصل في زمن الصحابة - رضي الله عنهم -.
    وانظر هنا إلى عمر كيف إنه لم يجتهد هو بنفسه، ويكتفي باجتهاده بل دعا الصحابة، وهذا يعني أصل للاجتهاد الجماعي الذي سوف نشير إليه، مثل هذه النوازل والقضايا الكبيرة التي تتعلق بمجموع الناس يحسن أن يكون فيها اجتهاد جماعي؛ لأن الاجتهاد الجماعي أقرب إلى التوفيق، وإلى إصابة حكم الله ورسوله من الاجتهاد الفردي.
    الاجتهاد في فقه النوازل في الوقت الحاضر، في الوقت الحاضر تنزل بالمسلمين نوازل، وتستجد مسائل لم تكن معروفة من قبل، بل إننا ربما نقول: إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر النوازل، وذلك بسبب ما يشهده العالم اليوم من ما يسمى بالتقدم التكنولوجي والثورة الصناعية الكبيرة في جميع مجالات الحياة، مما أوجد مسائل جديدة، وحوادث، ومستجدات لم تكن معروفة من قبل، ويتعين على فقهاء الأمة بيان الحكم الشرعي فيها.
    والواقع أن أكبر إشكالية تواجه كثيرا من العلماء في الوقت الحاضر في مثل هذه النوازل والمسائل صعوبة تصور تلك المسائل تصورا دقيقا، فقد يكون العالم غزيرا في علمه الشرعي، ولكن ينقصه التصور الصحيح لواقع تلك النازلة، ومن هنا تبرز أهمية الاجتهاد الجماعي في تلك النوازل، إذ أنه في الاجتهاد الجماعي يستعان بأهل الاختصاص في النازلة، يستعان بأهل الاختصاص في النازلة المراد بحثها، فإن كانت النازلة طبية يستعان بالأطباء في تصوير هذه النازلة، إذا كانت متعلقة بالاقتصاد استعانوا بالاقتصاديين، إذا كانت متعلقة بالفلك يستعان بالفلكيين، إذا كانت متعلقة بأمور قانونية يستعان بالقانونيين، وهكذا.
    هذا الاجتهاد الجماعي نحن قلنا إن أصله كان موجودا عند السلف كما مر معنا في قصة عمر في رجوعه من الشام لما وقع الطاعون، وكان عمر -رضي الله عنه- من منهجه أنه كلما نزلت نازلة جمع فقهاء الصحابة واستشارهم، الاجتهاد الجماعي في الوقت الحاضر يتمثل في المجامع الفقهية، والهيئات العلمية، ونشير إلى أبرز هذه المجامع والهيئات، المجامع الفقهية، هناك عدة مجامع، منها: مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، منظمة المؤتمر الإسلامي، هناك مجمع الفقه الإسلامي في الهند، مجمع الفقه الإسلامي في السودان، مجمع الفقه الإسلامي في أوروبا.
    لكن أبرز هذه المجامع مجمعان:
    الأول: المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وهذا المجمع نفع الله - تعالى -به نفعا كثيرا، وينتقى له نخبة من فقهاء الأمة، وقد عقد دورة قبل نحو شهرين قد شاركت في أعمال هذه الدورة، ورأيت كيف ينظر للنوازل والمسائل، ولعلي يعني أفصل حول هذا المجمع نظرا لأنني قد يعني عايشت جلسات هذا المجمع وكيفية إبداء الرأي في النوازل والمسائل المستجدة، والمسائل التي يبحثها ويدرسها هذا المجمع.
    جاء في نظام المجمع أن أبرز أهدافه بيان الأحكام الشرعية فيما يواجه المسلمين في أنحاء العالم من مشكلات ونوازل وقضايا مستجدة استنادا إلى مصادر التشريع المعتبرة، وقد كانت بداية تأسيسه أن أوصت به الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي في نظامها الصادر عام 1383 للهجرة، وفي عام 1384 قرر المؤتمر الثاني للأمانة تأسيس المجمع الفقهي الإسلامي، وفي عام 1385 قرر المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي تشكيل هيئة علمية من أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة، لدراسة مشروع المجمع الفقهي الإسلامي، وكان ذلك برئاسة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - يعني كانت بداية فكرة المجمع وقت الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وكان على رأس الهيئة العلمية لدراسة مشروع المجمع.
    وفي عام 1393 رفعت الأمانة العامة للرابطة ما توصلت إليه الهيئة المذكورة في دراستها لمشروع المجمع إلى المجلس التأسيسي للرابطة، فاتخذ المجلس قرارا جديدا بتأليف مجلس المجمع من عشرة أعضاء، وفي شهر محرم عام 1396 أصدرت الأمانة العامة للرابطة قرارها بتأسيس إدارة خاصة باسم المجمع الفقهي الإسلامي، في عام 1397 أقر المجلس التأسيسي للرابطة نظام المجمع، وتوفي ثلاثة من أعضاء المجمع العشرة قبل انعقاد الدورة الأولى، ثم زيد في عدد أعضاء المجلس إلى اثنين وعشرين عضوا من ثنتي عشرة دولة إسلامية، وعقد المجلس أول دورة، وبدأ نشاطه في شهر شعبان عام 1398.
    لاحظ الآن كم بين فكرة تأسيسه وبين انعقاد أول دورة يعني كانت فكرة التأسيس 1383، انعقاد أول دورة 1397 كم بينهما من سنة، خمسة عشرة سنة تقريبا، ولكن يعني رغم أن هذه البداية أخذت وقتا إلا أنه لما انعقدت الدورة الأولى انتظمت دورات المجمع إلى وقتنا هذا، لكن بداية الأمر أخذت وقتا طويلا، حتى تبلورت الفكرة، وحتى تأسس هذا المجمع، فبدأت الدورة الأولى عام 1398 وكان رئيس المجمع الفقهي الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - وبقي رئيسا له إلى أن توفي عام 1402 للهجرة.
    ثم رأسه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - إلى أن توفي عام 1420 للهجرة، ويرأسه الآن سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -، وفي عام 1422 زيد في عدد أعضائه إلى ثلاثين عضوا، وقد عقد المجمع ثماني عشرة دورة، كانت الدورة الثامنة عشرة قبل شهرين تقريبا، وناقش فيها الكثير من القضايا والنوازل وأصدر بشأنها مائة قرار، أصدر بشأن هذه النوازل والقضايا إلى نهاية الدورة الثامنة عشرة مائة قرار، وكان يعني هي مائة وواحد لكن هذا القرار الزائد على المائة أرجئ كان عن حول اختيار جنس الجنين، وأرجئ إلى الدورة القادمة، فكانت القرارات التي أصدرها المجمع إلى هذا الوقت مائة قرار.
    ويستكتب المجمع عددا من الباحثين والمختصين، ويستعين بعدد من الخبراء في النوازل المراد دراستها وبحثها، وفي الدورة الأخيرة رأيت أن المجمع استعان بعدد من الاقتصاديين وعدد من الأطباء، فكان مثلا بالنسبة للمسألة التي أشرت إليها مسألة اختيار جنس الجنين استعان بعدد من الأطباء الذين كتبوا بحوثا، ثم أتوا وأدلوا بدلوهم في المناقشات التي دارت حول هذا الموضوع وهذه النازلة.
    ومن هنا يتبين أهمية هذه المجامع والهيئات العلمية، لأنه يؤتى بالمختصين في النوازل المراد دراستها وبحثها ويستمع لهم، وتحصل مناقشات ومداولات حتى تتضح المسألة للفقيه ويتصورها تصورا كاملا، ثم يبدأ النقاش بين الفقهاء في التكييف الفقهي لتلك النازلة، ثم يصدر في هذه النازلة قرار إن كان هناك خلاف يكون هناك تصويت بالأغلبية، ثم يصدر قرار في تلك النازلة، وتنعقد دورات المجمع كل سنتين.
    المجمع الثاني: مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي، والدولي هذه أضيفت مؤخرا كان يطلق عليه في السابق مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، لكن في الآونة الأخيرة أضيفت كلمة الدولي، وبدأ تأسيسه بقرار من مؤتمر القمة الإسلامي الثالث، المنعقد في مكة المكرمة في التاسع عشر إلى الثاني والعشرين من ربيع الأول عام 1401 للهجرة، وكان من توصيات المؤتمر تأسيس مجمع فقهي إسلامي، وانعقد المؤتمر التأسيسي للمجمع في السادس والعشرين من شهر شعبان عام 1403 للهجرة وانتخب الشيخ محمد بن جبير - رحمه الله - رئيسا له، والمقر الرسمي للمجمع هو جدة، ولكن تنعقد دورات المجمع في عدد من الدول، تتنقل دورات المجمع وتنعقد في عدد من الدول، لكن المقر الرئيسي له هو مدينة جدة، وهو كمجمع الرابطة يستعين بعدد من الخبراء والمختصين.
    ثم انعقدت الدورة الثانية عام 1406 ورأس المجمع الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله -، وسوف ينتخب في الدورة التي ستعقد قريبا، سينتخب رئيسٌ جديدٌ للمجمع، هذا المجمع أصدر عددا من القرارات، وله مجلة ضخمة تقع في أكثر من أربعين مجلدا تباع في المكتبات، ودون في هذه المجلة جميع مناقشات الأعضاء، وجميع البحوث المطروحة في المجمع، ويمكن أن يستفيد منها طالب العلم.
    أبرز الهيئات العلمية المعنية بفقه النوازل:
    هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وقد صدر الأمر الملكي بإنشائها في الثامن من شهر رجب عام 1391 للهجرة، ويتفرع عنها لجنة دائمة يختار أعضائها من أعضاء هيئة كبار العلماء، وينعقد مجلس هيئة كبار العلماء كل ستة أشهر، ويبحث النوازل والمسائل والقضايا المستجدة، وقد نشرت بعض بحوث الهيئة وقراراتها. ونكتفي بهذا القدر بالنسبة للهيئات والمجامع العلمية، لكن ما ذكرت هو أبرز الهيئات والمجامع التي تعنى بدراسة فقه النوازل.
    أنتقل بعد ذلك إلى المناهج المعاصرة في النظر في النوازل، هناك ثلاثة مناهج في النظر في النوازل والمسائل المستجدة:
    المنهج الأول: منهج التضييق والتشديد، وهذا المنهج منهجٌ غير سديد، ولا يتوافق مع هذه الشريعة السمحة التي رفع الله - تعالى -فيها الحرج عن المكلفين "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" ولكن تجد بعض المفتين يسلك هذا المسلك، فعندما يسأل عن مسألة من المسائل المعاصرة والمستجدة يفتي بالتحريم في أكثر أجوبته، وكما يقول سفيان: التشديد كلٌّ يحسنه، وإنما العلم الرخص عن الثقات، من السهل على الإنسان أن يقول هذا حرام، ولكن إذا قال هذا حرام أو هذا حلال هذا قول على الله - تعالى -: "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ".
    فهذا المنهج إذا منهجٌ غير سليم، يقابله
    المنهج الثاني، وهو منهج التساهل، منهج التساهل والانحلال كما يعبر عن ذلك الشاطبي التساهل والانحلال، والتوسع الزائد. وهذا نلحظه مع الأسف في بعض المفتين، تجد بعض المفتين يتساهل تساهلا كبيرا في كثير من المسائل وأمور الفتيا.
    حتى إنه في بعض البنوك يمارس الربا باسم الهيئات الشرعية، ويسمون الربا بغير اسمه، يسمى الربا بدل غرامة تأخير، إذا ماطل المدين يحسبون عليه غرامة يسمونها غرامة تأخير، يقولون هذا بدل عن غرامة التأخير عن مماطلة المدين، وهذا هو ربا الجاهلية بعينه، هذا هو ربا الجاهلية بعينه، فإن ربا الجاهلية عندما يحل الدين يأتي الدائن المدين ويقول: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضى وإلا أخره نظير الزيادة عليه، وهذا يمارس في بعض البنوك باسم بعض الهيئات الشرعية، ويعتبرونه بدلا عن ضرر المماطلة، ولكنه في الحقيقة هو من الربا.
    أو ما يمارس أيضا في بعض البنوك باسم رسوم إدارية، وهي في الحقيقة فوائد ربوية، يسمونها رسوما إدارية، وهي في الحقيقة فوائد ربوية، كالرسوم الشهرية التي تؤخذ على بعض البطاقات، رسوم كبيرة يأخذون من العميل مائة وخمسين ريالا، أو مائتي ريال كل شهر، ويسمونها رسوما إدارية.
    وهذه في الحقيقة من الربا الصريح، وإن سمي رسوما إدارية، ولكن يعني مع الأسف يمارس هذا باسم الهيئات الشرعية، هذا مثال للتساهل في الفتيا، وهذا أيضا منهجٌ غير سديد، كما أن التشدد في الفتيا التشدد والتضييق منهجٌ غير سديد، فكذلك أيضا التساهل في الفتيا منهجٌ غير سديد.
    المنهج الثالث: الاعتدال فلا تشديد ولا تساهل، الاعتدال فلا تشديد ولا تساهل، مع النظر في الأصول والقواعد الشرعية، والنظر كذلك في مقاصد الشريعة، قال الشاطبي - رحمه الله - المفتي البالغ ذروة الاجتهاد هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، قال: والدليل على صحة هذا أن هذا هو الصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم وسط بين طرفين، فإن هذا هو الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة.
    فإن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، قال: أما طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما طرف الانحلال فكذلك، لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة وهو مشاهد، وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك إلى آخر ما قال.
    فالشاطبي - رحمه الله - ينصر هذا المنهج، يقول: إنه هو الطريق المستقيم، الاعتدال، فلا تشدد ولا تساهل، ولكن هذا المنهج هو وإن كان هو المنهج السديد إلا أن العلماء أجازوا للمفتي أن يتشدد في الفتيا على سبيل السياسة، على سبيل السياسة لمن هو مقدم على المعاصي متساهل فيها، فإذا رأى المفتي شخصا متساهلا في هذه المعاصي فهنا يسلك معه مسلك التشديد، وكذلك أن يبحث عن التيسير والتسهيل على ما تقتضيه الأدلة لمن هو مشدد على نفسه أو على غيره، ليكون مآل الفتوى أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط.
    إذا عرفنا أن المنهج السديد في دراسة النوازل هو أن يسلك طالب العلم مسلك الاعتدال، فلا تشديد ولا تساهل وانحلال، هذا هو المنهج السديد في دراسة النوازل، وأحسب أن هذا المنهج هو الذي تسلكه المجامع الفقهية والهيئات العلمية، فإنها تضم نخبة من الفقهاء، وهم يسلكون هذا المسلك مسلك الاعتدال فلا تشديد على الناس، ولا أيضا تساهل وانحلال في الفتيا.
    وهناك أمر مهم ينبغي التنبه له عند دراسة النوازل، وهو النظر إلى مقاصد الشريعة، وهو ملحظ مهم جدا، لا بد من النظر إلى مقاصد الشريعة، فعندما تكون النازلة مثلا متعلقة بأمرٍ متعلق بالربا، فننظر إلى مقصد الشريعة، نجد أن الشريعة فيما يتعلق بالربا شددت فيه تشديدا عظيما، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن آكل الربا ومؤكله، وكاتبه وشاهديه، وقد أذن الله - تعالى -آكل الربا بالحرب حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر، كما في حديث سعد بن أبي وقاص عند أصحاب السنن، سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال - عليه الصلاة والسلام -: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن يعني إذا أردت أن تبيع كيلو تمر بكيلو رطب مع التقابض لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس مع أن الفارق يسير جدا، ومع ذلك منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع العينة لأنه ذريعة للربا، وسدت الذرائع الموصلة للربا، فنجد أنه في باب الربا شددت الشريعة فيه، فننظر إلى هذا المقصد ونشدد فيما كان متعلقا بأمر الربا.
    لكن لو مثلا يعني نظرنا إلى المسائل التي يلحق الناس فيها حرج ومشقة مثل مسائل مثلا الرمي في الحج يلحق الناس حرج كبير ومشقة، وهنا يسلك مسلك التيسير على الناس، لأن هذا مقصد شرعي، وما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قدم ولا أخر يوم النحر إلا قال: افعل ولا حرج، ولهذا أجاز العلماء في الوقت الحاضر الرمي بالليل، ومع أن هذا لم يكن موجودا من قبل، لكن اعتبروا أن هذه نازلة، لما كثر الناس وكثر الحجاج، وأصبحوا بالملايين، يعني فاقوا المليون، وهنا نظر الفقهاء في هذا، ونظروا إلى المقاصد الشرعية، وأفتى عامة العلماء في الوقت الحاضر بجواز الرمي ليلا، فإذا لا بد من العناية بالنظر إلى مقاصد الشريعة فيما يتعلق بدراسة النوازل.
    مدارك الحكم على النوازل
    قال ابن القيم - رحمه الله - لا يتمكن المفتي ولا الحاكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، لا يتمكن المفتي ولا الحاكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، الأول: فهم الواقع والفقه فيه، الثاني: فهم حكم الله ورسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، نعم قال ابن القيم: إنه لا يتمكن المفتي ولا الحاكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، الأول: فهم الواقع والفقه فيه، الثاني: فهم حكم الله ورسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر.
    فلا بد إذا من هذين الفهمين، فلا بد عند النظر للنوازل:
    أولا: التصور الصحيح والدقيق للمسألة، وهذا له أثر في الحكم على تلك النازلة، وكما ذكرت إن هذا التصور ربما يكون يشكل على بعض العلماء المعاصرين بسبب تعقد بعض المسائل وتشابكها وتداخلها، ومن هنا فنحن نحتاج إلى الاجتهاد الجماعي عند دراسة النوازل، وذلك حتى يستعان بالمختصين في تلك المسائل وفي تلك النوازل، وحتى لو لم يعني يكن هناك اجتهاد جماعي في بعض المسائل، فلا بد أن يسأل الدارس لتلك النازلة يسأل المختصين عنها حتى يتصورها تصورا صحيحا، وهذا إن شاء الله - تعالى -سيأتي له أمثلة عند دراسة بعض النوازل.
    الأمر الثاني: التكييف الفقهي للنازلة، وذلك بأن تصنف النازلة وترد إلى أصل من الأصول الشرعية، تصنف النازلة وترد إلى أصل من الأصول الشرعية، فيعرف ما هو التكييف الفقهي لها، يعني على سبيل المثال ودائع البنوك ما التكييف الفقهي لها؟! هل هي فعلا وديعة كما تسمى؟ فعندما ننظر إلى هذه الوديعة ننظر أنها في التكييف الفقهي لها في قول أكثر العلماء المعاصرين أنها قرض وليست وديعة، لأن الإنسان عندما يعطي البنك هذا المبلغ يتصرف المصرف أو البنك في هذا المبلغ، ويضمنه بكل حال حتى لو تلف من غير تعد ولا تفريط، وهذا من شأن القرض وليس من شأن الوديعة، ولهذا فإن ما يسمى بودائع البنوك عندما تكيف تكييفا فقهيا فإنها قرض وليست وديعة، والعلاقة بين العميل والبنك هي علاقة مقرض بمقترض.
    الأمر الثالث: تطبيق الحكم على النازلة، تطبيق الحكم على النازلة التطبيق الصحيح، التطبيق الصحيح، وهذا أمر في غاية الأهمية، أضرب لهذا مثالا ما يسمى بالشركات المساهمة المختلطة، اختلف فيها العلماء على قولين: سبق أن تكلمنا في الدورة الماضية عن تفاصيل هذا الخلاف، وأقوال العلماء، وأدلتهم فيها، لكن أشير هنا باختصار أقول: إن من أجاز الدخول في الشركات المختلطة، أو بعض من أجاز الدخول في الشركات المختلطة استدلوا بقواعد فقهية صحيحة، لكنها لا تنطبق على هذه المسألة.
    ومن ذلك مثلا قالوا: إذا اختلط المال الحلال بالحرام غلب جانب الحلال، هذه قاعدة صحيحة، لكنها لا تنطبق على هذه المسألة، لأن من يدخل في الشركات المختلطة ويساهم فيها هو في الحقيقة يملك جزءا من هذه الشركة فتنسب له أعمال الشركة، ومنها التعاملات المحرمة، فهذه قواعد صحيحة يستدلون بها، وهي قواعد فقهية صحيحة، ومقررة عند العلماء، لكنها لا تنطبق على هذه المسألة، فلا بد أيضا عند دراسة النوازل تطبيق الحكم على النازلة التطبيق الصحيح.
    تختلف الفتوى في مسألة معينة عن القواعد التي تكون، أو تراعى عند دراسة النوازل، الفتوى في مسألة معينة يراعى فيها حال المستفتي، وحال الزمان، وحال المكان، فلو أتى مثلا مستفتٍ عنده شيء من الوسوسة في الطهارة، أو في أمر معين، فينبغي أن يراعي المفتي حال هذا الإنسان، ولا يفتي هذا الإنسان الذي عنده وسوسة كغيره، وكذلك لو أتى إنسان عنده شيء من التساهل فيراعي حاله، ولكن عندما يقرر حكم شرعي في نازلة فإنها تراعى القواعد التي ذكرها العلماء في دراسة النوازل.
    من المزالق عند دراسة النوازل:
    أولا: تقسيم النازلة إلى أجزائها، تفكيك النازلة وتقسيمها إلى أجزاء، ومن ذلك على سبيل المثال، التورق المنظم الذي يجري في البنوك، فصورة التورق المنظم أن يأتي الإنسان إلى البنك يريد منه سيولة، فيقول البنك: أنا عندي حديد أو معادن أو غير ذلك من السلع، وأبيعها عليك بالتقسيط، ثم توكلني في بيعها على طرف ثالث، وبعد ساعة أو أقل أو أكثر ينزل في رصيدك ما تريد من السيولة النقدية.
    هذه الصورة بعض العلماء أجازها؛ لأنه نظر إلى هذه الصورة، وهذه المسألة مفككة نظر للتورق قال: التورق جائز، التوكيل البنكي التوكيل جائز، فهذه وكالة وتورق، وقال بالجواز، لكن لا يصح هذا النظر بهذه الطريقة، بل لا بد أن ننظر إلى صورة المسألة كلية، فننظر إلى أن هذه في الحقيقة هي حيلة على الربا، فالتورق القول الصحيح أنه يجوز، لكن التورق الذي يمارس بهذه الطريقة لا يجوز؛ لأن ترتيب المسألة بهذه الطريقة أخرجها من دائرة الجواز إلى دائرة الحظر، فأصبحت المسألة ما هي إلا حيلة على الربا مجرد أن هذا العميل يعبأ له أوراق، ينزل في رصيده ما أراد من السيولة النقدية، فيعطيه البنك ما أراد من السيولة النقدية، ويثبت في ذمته مبلغا أكثر منه بإجراءات بسيطة بمجرد تعبئة هذه الأوراق ويتولى البنك، كما أنه يبيع عليه هذه السلعة يتولى بيعها على طرف ثالث، هذه النظرة غير صحيحة، وغير مستقيمة، تفكيك المسألة بهذه الطريقة غير مستقيم، فهذا من المزالق في دراسة النوازل.
    ومن ذلك أيضا التأثر بضغط الواقع، التأثر بضغط الواقع، فيتأثر بعض الناس عندما يدرس نازلة من النوازل بضغط الواقع، فيفتي بالجواز مثلا في هذه المسألة بسبب ضغط الواقع، وهذا منهج غير سديد، بل ينبغي أن يبين حكم الله ورسوله، سواء وافق هوى الناس أو خالف هوى الناس، بل ينبغي أن يخضع واقع الناس لحكم الله ورسوله، ولو كان هذا الحكم فيه شدة، فشرع الله - تعالى -لا يخضع لأهواء الناس، بل ينبغي أن تخضع أهواء الناس لشرع الله - تعالى -.
    ولهذا في الشركات المختلطة لما تأثر بعض الناس بضغط الواقع، يمكن كان قبل سنوات لا يكاد يوجد شركة مساهمة تخلو من التعاملات الربوية، فقال بعض الناس كيف نحرم الأمة من هذه الشركات إذا كان هذا هو واقع الشركات في العالم الإسلامي، فكيف نحرم الأمة من هذه الشركات، فتأثروا بضغط الواقع وأفتوا بالجواز، بجواز الدخول في هذه الشركات مع التطهير.
    والواقع أننا نقول: إذا كانت هذه الشركات متورطة في الربا، فنقول: الدخول فيها حرام، ولو حرمنا الدخول في جميع الشركات، إذا كانت متورطة في الربا، فالدخول فيها حرام، فلماذا نتأثر بضغط الواقع؟! ينبغي لطالب العلم أن ينظر إلى المسألة بغض النظر عن ضغط الواقع، فلا يؤثر ضغط الواقع عليه لكي يفتي بحكم معين، بل ينبغي أن يجتهد في معرفة حكم الله ورسوله، سواء وافق هوى الناس أو لم يوافق هوى الناس.
    وأما المنهج الذي نسير عليه إن شاء الله - تعالى -في هذه السلسلة من الدروس فنذكر النازلة ونصورها أولا تصويرا دقيقا حتى يتضح المقصود بها، ثم نبين آراء العلماء المعاصرين فيها، ونذكر أدلتهم، ونناقش تلك الأدلة، ونبين القول الراجح فيها، وننقل آراء المجامع الفقهية والهيئات العلمية في تلك النازلة إن وجد فيها شيء من ذلك، على أننا لن نذكر إن شاء الله - تعالى -في هذه الدروس نازلة إلا وقد سبق أن تكلم فيها أحد العلماء، أو أنه صدر فيها قرار مجمع فقهي أو من هيئة علمية، فلن أتكلم في مسألة لم أسبق إليها؛ لأنني أرى أيضا أن هذا من المنهج السديد عدم التسرع في الحكم على النوازل، عدم التسرع في الحكم على النوازل، لأن هذه النوازل تحتاج إلى تأنٍ وإلى تقليب النظر، وإلى مناقشة، وحتى يتجلى ويتضح الحكم الشرعي فيها.
    وسوف نذكر إن شاء الله - تعالى -أبرز النوازل التي يحتاج إليها الناس في واقعهم سوف نبدأ اعتبارا من الدرس القادم إن شاء الله - تعالى -بذكر النازلة الأولى، ثم نسير على هذا النهج لنكون مع نهاية هذه السلسلة من الدروس، قد ذكرنا عددا من النوازل التي يحتاج إليها الناس في واقعهم، وأسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا العلم النافع، ويوفقنا للعمل الصالح، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (2)

    حكم مياه المجاري بعد تنقيتها ومعالجتها من حيث الطهارة والنجاسة

    سعد بن تركي الخثلان


    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا.
    كنا قد تكلمنا في الدرس السابق عن الجانب التأصيلي لفقه النوازل، ونبدأ في هذا الدرس بدراسة بعض النوازل، ونبدأ بالنوازل المتعلقة بكتاب الطهارة، وبين أيدينا عدد من النوازل، وسوف نبدأ إن شاء الله بالمسألة الأولى.
    المسألة الأولى: حكم مياه المجاري بعد تنقيتها ومعالجتها من حيث الطهارة والنجاسة.
    ثم المسألة الثانية: أثر التطهير بالبخار في إزالة النجاسة.
    والمسألة الثالثة: الأصباغ التي توضع على الشعر حكمها، وأثرها بالنسبة للطهارة.
    والمسألة الرابعة: الرموش الصناعية حكمها وأثرها على طهارة المرأة.

    ونبدأ بالمسألة الأولى: وهي مياه المجاري بعد معالجتها:
    فنقول مياه المجاري في الوقت الحاضر أصبحت تعالج عبر عمليات كيميائية عن طريق أجهزة متقدمة، وقد ذكر أهل الاختصاص أنها تمر بعدة مراحل، تمر بأربعة مراحل، فتمر على ما ذكره أهل الاختصاص بالتنقية، ثم التهوية، وقتل الجراثيم، والتعقيم، فهي تمر بهذه المراحل الأربع، الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، والتعقيم، هذه هي المراحل التي تمر بها مياه المجاري لتنقيتها.
    يقولون المرحلة الأولى: الترسيب، الثانية: التهوية، الثالثة: قتل الجراثيم، الرابعة: التعقيم، فإذا مرت هذه المياه بهذه المراحل الأربع، الترسيب والتهوية وقتل الجراثيم والتعقيم، فإنه لا يبقى للنجاسة أي أثر لا من جهة اللون، ولا من جهة الطعم، ولا من جهة الرائحة، فهل نقول: إن هذه المياه بعد هذه المعالجة أصبحت طاهرة يجوز التوضؤ بها؟
    هذه في الحقيقة من النوازل، لأن هذه التنقية على هذا الوجه، لم تكن معروفة من قبل، ولكن يمكن رد هذه المسألة إلى مسألة ذكرها الفقهاء المتقدمون، ذكرها فقهاؤنا - رحمهم الله -، وهي مسألة هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ وعلى ضوء هذه المسألة يمكن أن نعرف الحكم في هذه النازلة، فنريد أولا نبحث هذه المسألة، وهي هل يتعين الماء لإزالة النجاسة؟ أو أنه لا يتعين فتزول النجاسة بأي مزيل كالشمس والريح ونحو ذلك، فنبحث إذا أولا هذه المسألة المفرع عليها، ثم نعود لبيان حكم النازلة.
    فنقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة أعني هل يتعين الماء لإزالة النجاسة أو أنه لا يتعين؟ اختلفوا على قولين مشهورين:
    القول الأول: أنه يتعين الماء لإزالة النجاسة، أنه يتعين الماء لإزالة النجاسة، فلا تزول النجاسة بمزيل آخر غير الماء، وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب المالكية والشافعية.
    واستدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة التي تدل على أن الماء مطهر، ومزيل للنجاسة، ومنها قول الله - تعالى -: "وَأَنْزَلنا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا "وكذلك ما جاء في الصحيحين في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يصب على بوله ذنوبا من ماء أو دلوا من ماء، وأيضا هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان هديه في إزالة النجاسة أنه كان يزيلها بالماء إلى غير ذلك مما ورد من أن النجاسة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت تزال بالماء.
    القول الثاني في المسألة: أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، بل يمكن أن تزول النجاسة بأي مزيل، فكما أنها تزول بالماء، فيمكن أن تزول كذلك بالشمس وبالريح وبأي مزيل كان، وهذا هو مذهب الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة، وقول عند المالكية والشافعية، وهذا القول هو الذي عليه عامة المحققين من أهل العلم، وهو اختيار المجد ابن تيمية، وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله - تعالى -على الجميع.
    وهذا القول الأخير هو الأظهر في هذه المسألة والله أعلم، وهو أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، بل يمكن أن تزول النجاسة بأي مزيل كان، وذلك لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وقد طرأت هذه النجاسة الخبيثة، فمتى ما زالت هذه النجاسة الطارئة بأي مزيل كان، عاد الشيء إلى طهارته، ثم إن إزالة النجاسة من باب اجتناب المحظور، لا من باب فعل المأمور، واجتناب المحظور إذا حصل بأي سبب ثبت به الحكم، ولهذا فإنه لا يشترط لإزالة النجاسة النية، فلو نزل المطر من السماء على نجاسة فإنها تزول.
    وأما ما استدل به أصحاب القول الأول من عمومات النصوص التي تدل على أن الماء مطهر وتزول به النجاسة، فغاية ما تدل له تلك الأدلة أن الماء مطهر، لكنها لا تدل على أن غير الماء ليس مطهرا، هي صحيح تدل على أن الماء مطهرٌ لكنها لا تدل على أن غير الماء ليس مطهرا، ولو تأملنا في العمومات التي استدلوا بها: "وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا "وما استدلوا به من عمومات الأدلة فهي تدل على أن الماء مطهر، لكن أين الدلالة منها على أن غير الماء ليس بمطهر، ولهذا نقول: إن الصواب في هذه المسألة هو أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وأنها يمكن أن تزول بأي مزيل كان بالشمس بالريح وبغيرها.
    وعلى ذلك ننزل هذه النازلة على هذه المسألة، فنقول ما دمنا قد رجحنا أن النجاسة تزول بأي مزيل كان فيمكن أن تزول النجاسة بمعالجتها بالطرق الكيميائية، وحينئذ نقول: إن مياه المجاري بعد معالجتها تصبح من المياه الطاهرة، مياه المجاري بعد معالجتها تصبح من المياه الطاهرة، وذلك لأنها في الأصل مياه طاهرة طرأت عليها نجاسة، ثم زالت هذه النجاسة بهذه الطرق الكيميائية بحيث لم يصبح لهذه النجاسة أثر من لون أو طعم أو رائحة، فتكون هذه المياه مياه المجاري طاهرة، وهذا الحكم الذي ذكرته بحث في مجلس هيئة كبار العلماء قديما، وكذلك أيضا بحث في مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وكلا المجلسين مجلس هيئة كبار العلماء، ومجلس مجمع الفقه الإسلامي قرر أن مياه المجاري إذا عولجت فإنها تكون طاهرة.
    وبين يدي الآن قرار الهيئة وقرار المجمع الفقهي، وهو القرار الخامس في الدورة الحادية عشر المنعقدة في الثالث عشر من رجب 1409 جاء في القرار، وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيمياوية، وما قرروه من أن التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربعة، وهي الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، فلا يبقى للنجاسة أثر في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدول موثوق بصدقهم وأمانتهم، قرر المجمع ما يأتي:
    أن مياه المجاري إذا نقيت بالطرق المذكورة، أو ما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه، صار طهورا يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به، بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها فيه أثر والله - تعالى -أعلم.
    وأيضا قرار هيئة كبار العلماء كان سابقا لقرار المجمع الفقهي، وقرار لهيئة كبار العلماء ذكروا التفريع على مسألة إذا تغيرت النجاسة، إذا تغيرت النجاسة بغير الماء، فجاء فيه بناء على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال التغير بنفسه، أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيره بطول مكث، وتأثير الشمس، ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك لزوال الحكم بزوال علته، حيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلص منها بعدة وسائل إلى آخره، لذا فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة، بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يرى فيها تغير بنجاسة من طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها.
    إذا هي مياه طاهرة يجوز استعمالها في الطهارة، يجوز التوضؤ بها،
    لكن هل يجوز استعمالها في الأكل والشرب؟ هنا في قرار الهيئة جاءت الإشارة لهذه المسألة، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك محافظة على النفس، وتفاديا للضرر لا لنجاستها، والمجلس إذ يقرر ذلك يستحسن الاستغناء عنها باستعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل، احتياطا للصحة واتقاء للضرر وتنزها عما تستقذره النفوس وتنفر منه الطباع.

    إذا هذه المسألة كما ذكرنا هي الحكم في هذه المياه أنها تصبح مياه طاهرة يجوز التوضؤ بها واستخدامها في الطهارة، ولكن الأولى على سبيل الأولوية فقط عدم استخدامها في الأكل والشرب احتياطا، وأيضا لأنها ربما تكون مما تتقذر منه بعض النفوس، هذا هو حاصل الكلام في هذه النازلة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (3)

    ا
    لتنظيف بالبخار

    سعد بن تركي الخثلان


    التنظيف بالبخار

    وننتقل بعد ذلك إلى النازلة الثانية، وهي التنظيف بالبخار، أو ما يسمى بالتنظيف الجاف، التنظيف الجاف، نقول: إن بعض الملابس كملابس الصوف، والمشالح، وأنواع من الملابس يفسدها غسلها بالماء، وتغسل بالبخار، فلو افترضنا أن هذه الملابس وقع عليها نجاسة، هذا المشلح مثلا، أو هذا اللباس من الصوف ونحو ذلك وقع عليها نجاسة فغسلت بالبخار، ومعلوم أنه عند الغسل بالبخار لا تغسل بالماء، وإنما تغسل بالبخار فقط، فهل غسلها بالبخار كاف في إزالة النجاسة الواقعة عليها؟ نقول أولا:

    التنظيف بالبخار، أو ما يسمى بالتنظيف الجاف حقيقته: أنه عبارة عن إزالة النجاسة والأوساخ بمزيل سائل غير الماء، ثم استعمال بخار الماء، عند الغسل بالبخار يستخدم مزيل سائل غير الماء، ثم يستخدم بعد ذلك بخار الماء.
    وذلك كيفية ذلك توضع بعض المركبات الكيميائية على الثوب المراد غسله، لإزالة ما علق به من أوساخ أو نجاسة، وبعد وضع هذه المادة تغسل ببخار الماء غسلا لا يصل إلى حد تقاطر الماء، وإنما بالبخار فقط، وفي هذه الطريقة نلاحظ أنه ليس هناك غسل بالماء بالمعنى المعروف، وإنما يعني ليس هناك غسل بالماء بالمعنى الذي يصل إلى حد تقاطر الماء، وإنما توضع هذه المادة، ثم من بعدها يغسل بالبخار، فهل هذا يكفي في إزالة النجاسة؟
    هذه المسألة في الحقيقة يمكن تفريعها على المسألة السابقة التي فرعنا عليها النازلة الأولى، وهي هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو لا يتعين؟ سبق أن ذكرنا خلاف الفقهاء في هذه المسألة وأن القول الصحيح عند عامة المحققين من أهل العلم أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وأن النجاسة عين خبيثة طارئة، متى زالت بأي مزيل فإنها يحصل بها إزالة النجاسة وتحصل بها الطهارة التي هي الأصل في الأشياء.
    وحينئذ نقول: إنه في هذه المسألة يحصل بهذا التنظيف بالبخار يحصل إزالة النجاسة، والتنظيف بهذه الطريقة يطهرها من النجاسة وتزول عين النجاسة بهذه الطريقة، ولو لم يحصل هناك غسل بالماء فيكون الغسل بالبخار كاف في إزالة النجاسة الواقعة على اللباس. وممن أفتى بهذا من العلماء المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - فقد أفتى بأن الغسل بالبخار كاف في إزالة النجاسة التي توجد على بعض الملابس.
    هناك مسألة أخرى متفرعة عن هذه المسألة وهي الأشياء التي وقعت عليها نجاسة لكنه يضر غسلها بالماء، يحصل الضرر من غسلها بالماء، ونمثل لذلك مثلا بالأوراق النقدية معك في جيبك خمسمائة ريال وقعت عليها نجاسة، نفترض مثلا أنها وقعت منك في دورة المياه وأصابتها نجاسة ماذا تعمل؟ لو غسلتها لو غسلت هذه الخمسمائة ريال بالماء فلربما تلفت وتركها إضاعة للمال، فنحن بين أمرين: إما أن تتركها فيكون هذا إضاعة للمال، وإما أن تغسلها فتتلفها بهذا الغسل.
    ومثل ذلك أيضا الأوراق المهمة لو كان معك مثلا صك أو ورقة مهمة وقع عليها نجاسة سقطت منك مثلا في دورة المياه، وتيقنت أنها قد وقعت عليها نجاسة فكيف تزيل هذه النجاسة؟ لو غسلتها لأتلفتها، فكيف تزال هذه النجاسة؟
    نقول: هذه المسألة، يمكن ردها إلى قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهي أن الأشياء التي تتضرر باستعمال الماء يكفي فيها المسح، هذه القاعدة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - أن الأشياء التي تتضرر باستعمال الماء يكفي فيها المسح ولا يلزم غسلها.
    وبناء على ذلك نقول في مسألتنا: هذه الأوراق النقدية أو غيرها من الأوراق المهمة، إذا وقع عليها نجاسة وكان غسلها بالماء يتلفها، وحينئذ يكفي فيها المسح، يكفي مسحها، ومسحها كاف في إزالة النجاسة الواقعة عليها، وهذا المسح في الواقع تزول به عين النجاسة.

    هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة، نحن فرعنا هذه المسألة على القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - ونقول: إن المسح يكفي في إزالة النجاسة في هذه الحال نعم.
    ودليله ما ذكرنا أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل كان فإنها تزول، يقول: إن النجاسة هنا يمكن إزالتها عن طريق المسح.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (4)

    أصباغ الشعر والميش الذي تستخدمه بعض النساء

    سعد بن تركي الخثلان



    النازلة الثالثة:
    متعلقة بالأصباغ، أصباغ الشعر، ويتفرع عنها ما يسمى عند النساء بالميش، الميش الذي تستخدمه بعض النساء، وكذلك التشقير، فنبدأ أولا بالكلام عن الأصباغ ويمكن تقسيمها من حيث نوعية الأصباغ إلى ثلاثة أقسام:
    القسم الأول: أصباغ نباتية، مثل: الحناء.
    القسم الثاني: أصباغ معدنية، تحتوي على مركبات معدنية مثل: الكبريت والرصاص والنحاس ونحو ذلك.
    القسم الثالث: مبيضات الشعر أو مشقرات الشعر، وهذه تتم عن طريق استخدام الأوكسجين أو البروكسيد، هذه هي أقسام الأصباغ.
    ومن حيث الطهارة يمكن تقسيمها إلى قسمين:
    القسم الأول: أصباغ ذات لون فقط وليس لها جرم. والثاني: أصباغ لها جرم.
    أما القسم الأول وهو الأصباغ ذات اللون فقط، وليس لها جرم، فهذا هو الغالب على الأصباغ، وهذه الأصباغ التي لها لون وليس لها جرم، وليس لها طبقة عازلة تمنع وصول الماء إلى الشعر، هذه لا تؤثر على الطهارة، سواء كانت الطهارة الصغرى أو الطهارة الكبرى، وحينئذ فهي حكمها من حيث الطهارة أنها لا تؤثر على الطهارة.
    ومن أمثلة ذلك لون الحناء إذا وضعت المرأة على رأسها حناء فاكتسب لون الحناء، وكذلك أيضا الأصباغ الأخرى التي تستخدمها النساء بحيث يتغير لون الشعر من لون إلى لون آخر فهذه الأصباغ لا تؤثر على الطهارة.
    أما القسم الثاني: وهي الأصباغ التي لها جرم أو طبقة بحيث تمنع وصول الماء إلى الشعر هذه يجوز استخدامها حتى يحتاج الإنسان إلى الطهارة الكبرى، فإذا احتاج إلى الطهارة الكبرى وجب إزالتها، فإن كانت مما لا يزول فليس له استخدامها أصلا؛ لأنها تمنع وصول الماء إلى الشعر.
    ونوضح هذا بمثال مثلا وضع الحناء الرطب على الشعر عندما تضع المرأة على رأسها الحناء، ثم تلفه، ولنفترض أن هذه المرأة وضعت الحناء على رأسها في الليل ثم أرادت أن تصلي صلاة الفجر، فعندما تتوضأ نقول: أن لا بأس أن تمسح من فوق الحنا، لا بأس أن تمسح من فوق الحناء، ولا يلزمها إزالة الحناء في الطهارة الصغرى، يعني في الوضوء، وإنما تمسح من فوقه، والدليل لذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبد شعر رأسه في حجة الوداع والتلبيد شيء شبيه بالصمغ أو العسل، وكان شعر النبي- صلى الله عليه وسلم - طويلا ومدة إحرامه - عليه الصلاة والسلام - كانت خمسة عشر يوما، فإنه أحرم في الخامس والعشرين من ذي القعدة وبقي على إحرامه إلى العاشر من ذي الحجة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان قارنا فلم يتحلل من إحرامه، فلبد شعر رأسه صيانة لشعره - عليه الصلاة والسلام - من الغبار والأوساخ ونحوها فكان - عليه الصلاة والسلام - خلال هذه المدة خمسة عشر يوما كان يمسح على هذا التلبيد.
    فنقول: ما كان في معناه كالحناء ونحوه، يجوز المسح عليه ولا يلزم إزالته في الطهارة الصغرى، وأما في الطهارة الكبرى فلا بد من إزالته، ففي المثال السابق إذا وضعت المرأة هذا الحناء على شعرها نفترض أنها أرادت أن تغتسل غسل الجنابة أو غسل الحيض فلا بد أن تزيل هذا الحناء من على رأسها؛ لأنه يمنع وصول الماء إلى الشعر، وهكذا ما كان في معنى الحناء من الأصباغ ذات الطبقة السميكة، إذا هذا هو ما يتعلق بهذه الأصباغ من حيث الطهارة.
    وننتقل بعد ذلك إلى مسألة متفرعة عن هذه المسألة وهي ما يسمى بالميش، وهي صبغة مشهورة عند النساء، وقبل أن نبين الحكم نريد أن نعرف حقيقة هذه الصبغة، نقول: إن أهل الاختصاص يقولون: إن هذه الصبغة هي عملية تقوم فيها المرأة التي تعمل الميش بسحب اللون من الشعر عن طريق الأوكسجين، فإذا سحب اللون من الشعر فإنه يصبح إما أبيض أو أصفر ثم تختار المرأة ما أرادت من الألوان وتضعه على هذا الشعر، ويقول أهل الاختصاص: إن الصبغة والميش يشتركان في أنهما يتمان عن طريق استخدام الأوكسجين، إلا أن الصبغة تكون نسبة اللون أكثر من الأوكسجين، بينما في الميش تكون نسبة اللون أقل من الأوكسجين.

    ونلاحظ هنا أنه ليس هناك طبقة عازلة في هذه العملية وإنما المسألة كلها مسألة تغيير لون، بسحب اللون الأصلي ووضع لون آخر مكانه عن طريق استخدام الأوكسجين وبعض المواد.
    فإذا فهمنا الميش بهذه الطريقة نستطيع بعد ذلك أن نعرف الحكم الشرعي فيه، فنقول: إن الميش بهذا التوصيف لا بأس به؛ لأن الأصل في الزينة بالنسبة للمرأة الحل والإباحة، الأصل هو الحل والإباحة في هذا الباب، إلا ما ورد الدليل بمنعه، والميش يكون بغير الأسود؛ لأنه في الحقيقة سحب للون الأسود في الشعر ووضع لون آخر مكانه، وحينئذ نقول: إنه من حيث الحكم لا بأس به.
    ومن العلماء المعاصرين من منع منه، وقال: إنه يمنع وصول الماء إلى الشعر، ولكن هذا محل نظر؛ إذ إنه من خلال ما ذكره أهل الاختصاص هو مجرد نزع لون من الشعر ثم وضع لون آخر مكانه عن طريق الأكسجين، فالمسألة هي مسألة تغيير لون فقط، فليس هناك طبقة تمنع وصول الماء إلى الشعر، وهذا يؤكد ما ذكرناه في درس الأمس من أهمية تصور المسألة تصورا صحيحا، إذ إنه على ضوء التصور الصحيح للمسألة يكون الحكم الشرعي، فأهل الاختصاص يذكرون أنه ليس هناك طبقة تمنع وصول الماء إلى الشعر، وإنما المسألة كلها مجرد سحب لون واستبداله بلون آخر، ولهذا نقول: إنه لا بأس به، ونقول أيضا: إنه لا يمنع وصول الماء إلى الشعر فلا يؤثر على الطهارة بالنسبة للمرأة.
    وننتقل إلى مسألة أخرى متفرعة عن هذه النازلة، وهي ما يسمى بالتشقير، ما يسمى عند النساء بالتشقير، ويكثر سؤال النساء عن هذه المسألة "التشقير" وإذا استمعت إلى أي برنامج استفتاء تجد أنه في الغالب لا يخلو من سؤال عن هذه المسألة.
    صفة التشقير: أن تعمد المرأة إلى جزء من شعر الحاجب وتصبغه بلون قريب من لون بشرة وجهها بحيث يظن الرائي لهذه المرأة أنها نامصة وأنها قد رققت حواجبها، وهي في الحقيقة لم تقص شيئا من شعر الحاجب ولكن اللون القريب من البشرة الذي وضعته على جزء من شعر الحاجب أخفى جزءا من هذا الشعر، فأصبحت هذه المرأة المشقرة تشبه النامصة، فهل يعتبر هذا من النمص المحرم، وما أثره على الطهارة؟
    أما أثره على الطهارة فظاهر أنه لا يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا إلى الشعر، فحكمه من حيث الطهارة الأمر فيه ظاهر وهو أنه لا يمنع وصول الماء، مجرد تلوين فقط، مجرد تلوين يوضع على هذا الشعر فلا يمنع وصول الماء إلى الشعر ولا إلى البشرة.
    ولكن حكمه في الأساس اختلف العلماء المعاصرون في حكمه على قولين، ومنشأ الخلاف في هذه المسألة، منشأ الخلاف بين العلماء راجع إلى مسألة أخرى وهي: هل النمص يختص بإزالة الشعر فقط؟ هل النمص يختص بإزالة شعر الحاجبين فقط؟ أو أنه يشمل أيضا ما كان في معناه؟ ومعلوم أن التشقير ليس فيه إزالة للشعر، وإنما فيه تلوين لبعض شعر الحاجب.
    فمن العلماء من قال: إن التشقير جائز، قالوا: لأنه ليس بنمص في حقيقة الأمر، فإن النمص هو إزالة شعر الحاجب أو بعضه، فإن النمص هو إزالة شعر الحاجب أو بعضه، وهذا ليس بمتحقق في التشقير، ومن أبرز من قال بهذا القول الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -.
    والقول الثاني في المسألة: إن التشقير محرم؛ لأنه وإن لم تنطبق عليه حقيقة النمص فليس فيه قص ولا أخذ لشعر الحاجب، إلا أنه في معنى النمص، فهو في الحقيقة حيلة على النمص، ولهذا لا تكاد تفرق بين المرأة المشقرة، والمرأة النامصة، وذكر أحد المشايخ أنه رأى امرأة من أقاربه مشقرة فأنكر عليها إنكارا شديدا يظن أنها قد نمصت، وبين لها أن النمص من الكبائر، فأخبرته بأنه تشقير وليس بنمص، فتعجب وقال: إن من يرى المرأة مشقرة لا يفرق في الحقيقة بين المرأة المشقرة والمرأة النامصة. قالوا: فيكون التشقير حيلة على النمص، والعبرة في الشريعة بالمعاني والمقاصد.
    ومن أبرز من أفتى بهذا القول وهو القول بتحريم التشقير اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فقد أصدرت قبل سنوات فتوى بتحريم التشقير.
    والأقرب، والله أعلم، إلى هذه المسألة هو القول الثاني، وهو تحريم التشقير؛ لأنه هو في معنى النمص حقيقة، وهو في واقع الأمر حيلة على النمص، بدل ما تزيل المرأة بعض شعر الحاجب حقيقة لجأت إلى هذه الحيلة بحيث لا يفرق الرائي بين هذه المرأة النامصة، وبين هذه المرأة المشقرة.
    والأصل في هذه الزينة التي تكون على هذا الوجه الأصل فيها المنع، لهذا لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - النامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة، والفالجة والمتفلجة، طالبات الحسن المغيرات لخلق الله - عز وجل - هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.
    *هناك مسألة مرتبطة بهذه المسألة وهي تحديد الحاجب بقلم أسود يعني عكس هذه المسألة، تحديد الحاجب بقلم أسود، فهذه المرأة لون شعر حاجبها أسود لكنها فقط تريد زيادة تلوين شعر الحاجب، فنقول: إن هذا لا بأس به؛ لأنه ليس بمعنى النمص، فإن النمص هو ترقيق شعر الحاجب، وهذا إنما هو فقط فيه زيادة تلوين شعر الحاجب، فليس في معنى النمص، ولهذا نقول: إن تحديد الحاجب بقلم أسود إنه لا بأس به؛ لأنه في واقع الأمر إنما هو زيادة تلوين لشعر الحاجب.







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (5)

    الرموش الصناعية

    سعد بن تركي الخثلان



    الرموش الصناعية
    الرموش الصناعية، التي تستخدمها بعض النساء وهي عبارة عن شعيرات رقيقة تصنع من بعض المواد البلاستيكية، وتلصق على الجفن بواسطة مادة لاصقة وتسمى بالرموش الصناعية.
    أما حكمها من حيث الطهارة، فهي في الواقع لا تمنع وصول الماء إلى داخل الأهداب، فإذا وضع عليها الماء فإن لها فتحات يصل منها الماء إلى رمش العين، فهي من حيث الطهارة ومن حيث الوضوء والغسل نقول: إن هذه الرموش لا تمنع من وصول الماء إلى الرمش.
    ولكن يبقى السؤال عن حكم وضع هذه الرموش، هل تعتبر من قبيل الوصل المحرم أما لا؟ وقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - الواصلة والمستوصلة، وهذا اللعن يقتضي أن الوصل من كبائر الذنوب، وجاء في صحيح البخاري: أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن ابنتي زوجتها وقد أصابتها الحصبة فانمرق شعر رأسها أفأصل شعرها؟ قال: لا، لعن الله الواصلة والمستوصلة وهذا يدل على الوعيد الشديد في الوصل وأنه من كبائر الذنوب، حتى هذه المرأة التي أصابها المرض لم يرخص لها النبي - صلى الله عليه وسلم - لكي تتزين لزوجها فما بالك بغيرها؟
    فنقول: هل وضع هذه الرموش الصناعية يعتبر من قبيل الوصل؟ الظاهر والله أعلم أنها تعتبر من قبيل الوصل؛ لأنها تشبه في الحقيقة وصل الشعر بالشعر.
    والوصل يمكن أن نقسمه إلى ثلاثة أقسام:
    القسم الأول: أن يوصل الشعر بشعر طبيعي وهذا محرم باتفاق العلماء.
    والقسم الثاني: أن يوصل الشعر بشيء آخر بعيد عن الشعر لا يماثله ولا يشابهه، كأن يوصل بخيوط ونحوها، فهذا لا بأس به، ومن ذلك ما تضعه بعض النساء على الشعر عند لفه وربطه بخيط ونحوه، فمثل هذه الخيوط التي يربط بها الشعر لا بأس بها ولا تعتبر من الوصل، فهذان القسمان الحكم فيهما ظاهر.
    القسم الثالث: أن يوصل بشيء يشبه الشعر، وليس بشعر، كأن يكون مصنوعا من البلاستيك ونحوه، فهو قريب من الشعر ويشبهه في الهيئة والشكل وإن كان ليس بشعر في حقيقة الأمر، فهل نقول إنه في حكم الوصل بالشعر الطبيعي؟ هذا محل خلاف بين العلماء والأقرب، والله أعلم، أنه في حكم الوصل بالشعر الطبيعي؛ لأنه قريب من الوصل بالشعر الطبيعي ويشابه الشعر في الهيئة وفي الشكل.
    وتفريعا على ذلك نقول: إن الرموش الصناعية هي، والله أعلم، في معنى الوصل المحرم، فيكون استخدامها محرما، يكون استخدامها من قبل النساء محرما، وهذا كما ذكرنا الأصل في هذا هو الحديث الذي ذكرناه قبل قليل، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والفالجة والمتفلجة المغيرات للحسن فهذه عندنا فيها هذا الحديث وهو الأصل في هذا الباب.
    فالنبي - صلى الله عليه وسلم - منع من استخدام الزينة على هذا الوجه، إما من جهة الوصل، أو من جهة الوشم، أو تفليج الأسنان أو بردها، يعني بهذه الطريق منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الزينة على هذا الوجه ويدخل في ذلك - والله أعلم - ما يسمى بالرموش الصناعية فتكون من الوصل المحرم.

    هذه هي أبرز النوازل التي أردنا أن نطرحها في هذا الدرس، ونكتفي بما ذكرناه في هذا الدرس، والله - تعالى -أعلم.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (6)

    سعد بن تركي الخثلان

    القسطرة وأثرها على الطهارة

    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، ونسألك اللهم الفقه في الدين.
    تكلمنا في الدرس السابق عن جملة من المسائل المتعلقة بالنوازل في العبادات، وفي هذا الدرس سوف نتكلم إن شاء الله عن ثلاث مسائل، أو ثلاث نوازل أخرى في العبادات.
    المسألة الأولى: هي القسطرة وما يسمى بالشرج الصناعي، وأثر ذلك على الطهارة وعلى صحة الصلاة.
    المسألة الثانية: الأذان عن طريق المسجل حكمه، وهل تشرع متابعة المؤذن عن طريق المسجل في الإذاعة والتلفاز ونحو ذلك، وحكم إجابة المؤذن إذا نقل الأذان على الهواء مباشرة، والسامع قد أدى الصلاة أو لم يؤد الصلاة.
    والمسألة الثالثة: حكم توزيع المياه في المقبرة على المشيعين للجنازة وحكم الشرب من ذلك الماء، هذه ثلاث مسائل سوف نتكلم عنها إن شاء الله - تعالى -في هذا الدرس،
    فنبدأ بالمسألة الأولى: وهي ما يسمى بالقسطرة والشرج الصناعي ونحو ذلك، وأثره على الطهارة وعلى صحة الصلاة، فنقول:
    أولا: نريد أن نبين معنى القسطرة. القسطرة معناها أن يوضع للمريض في مجرى البول قسطار، ومعنى القسطار ماسور بلاستيكي حتى يخرج البول عن طريقه، وذلك لأسباب منها احتباس البول وعدم خروجه، خاصة ممن يعاني من مرض البروستات ونحو ذلك، أو بسبب خروج البول دون إرادة المريض، فلا يتحكم بخروج البول منه أو لغير ذلك من الأسباب.
    فهذه القسطرة توضع للذي لا يتبول تبولا طبيعيا إما لأجل انحباس البول أو لأجل عدم التحكم فيه، فيوضع هذا القسطار في ذكره ويكون متصلا بكيس يتجمع فيه هذا البول ويكون هذا الكيس معلقا بسرير المريض أو حوله بصفة دائمة.
    وأما ما يسمى بالشرج الصناعي ذلك يكون حينما يصاب الإنسان بمرض في الأمعاء حينما يصاب الإنسان بمرض في أمعائه، ومن أشهر الأمراض التي يستخدم معها الشرج الصناعي سرطان القولون، فيستأصل معه القولون وما حوله، ويفتح في جدار البطن فتحة كي يخرج البراز عن طريقه ويكون هناك علبة يجتمع فيها هذا الغائط ويزال ما بين فترة وأخرى، ويزال من حين لآخر، هذا هو المقصود بالقسطرة والشرج الصناعي.
    وبعد أن تصورنا المسألة عرفنا المقصود بهما، نأتي للحكم الفقهي فيهما من جهة الطهارة، أولا: نقول إن هذه المسألة هي تعتبر في حقيقة الأمر نازلة، وإن كان بعض فقهاء الحنفية قد ذكروها، قد ذكرها بعض فقهاء الحنفية المتقدمون أشاروا إلى هذه المسألة على سبيل الافتراض، فافترضوا هذه المسألة. قالوا: لو أن رجلا لم يستطع أن يتبول عن طريق فتحة البول أو الغائط ففتحت له فتحة في بطنه فكيف يكون الحكم؟
    والفقهاء - رحمهم الله - يفترضون أحيانا مسائل لم تكن واقعة في زمنهم، وربما يستبعد الإنسان في زمنهم أن تقع، ولكنها تقع في المستقبل، يفترضون ذلك حتى يكون طالب العلم على تصور لهذه المسائل لو وقعت كما في هذا المثال، وأيضا من باب تمرين الأذهان على فهم تلك المسائل.
    وهذا يدل على علو كعب الفقه الإسلامي وعلى عظمته، ويدل على أن بعض المسائل التي يفترضها الفقهاء أنها قد تقع في المستقبل، ولهذا استفدنا من افتراضات الفقهاء، - رحمهم الله -، السابقين لبعض المسائل لكونها قد وقعت وتحققت في زمننا هذا.
    هذه المسألة أو هذه النازلة يمكن أن تبنى على مسألة أخرى تكلم عنها العلماء وهي مسألة صاحب الحدث الدائم، السلس، سلس البول، وكالمرأة المستحاضة ونحو ذلك فهل يجب عليهما الوضوء لكل صلاة.
    هذه المسألة أعني مسألة صاحب الحدث الدائم، اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال،
    القول الأول: وهو أشد المذاهب الأربعة - هو مذهب الشافعية - أن صاحب الحدث الدائم يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، لاحظ هنا لكل صلاة وليس لوقت كل صلاة، وإنما لكل صلاة.
    يقابله القول الثاني: - وهو مذهب المالكية - وهو أن صاحب الحدث الدائم، لا يجب عليه الوضوء لكل صلاة، ولا ينتقض وضوؤه، لا ينتقض وضوء صاحب الحدث الدائم، إلا إذا خرج منه حدث آخر، فمثلا المستحاضة لا ينتقض وضوءها إلا إذا خرج منها ريح ونحوه.
    القول الثالث في المسألة، وهو وسط بين القولين وهو مذهب الحنفية والحنابلة: وهو أن صاحب الحدث الدائم يجب عليه الوضوء لوقت كل صلاة. هذا نعم مذهب الحنفية والحنابلة، القول الثالث: مذهب الحنفية والحنابلة، بينما القول الأول الشافعية والثاني المالكية، والقول الثالث الذي هو مذهب الحنفية والحنابلة، وهو وسط بين قولين، وهو أن صاحب الحدث الدائم يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة.
    ما الفرق بين القول الأول والثالث؟ الفرق أن القول الأول أنه يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، والثالث لوقت كل صلاة، فالقول الأول أنه متعلق بالصلاة، فلا يصلي بذلك الوضوء إلا فريضة واحدة، لا يصلي به أكثر من فريضة، سواء كانت مؤداة أو مقضية، بينما القول الثالث متعلق ليس بالصلاة، وإنما بوقت الصلاة، فله أن يصلي في هذا الوقت الفريضة المؤداة وله أن يصلي في هذا الوقت ما شاء من الفوائت.
    وأما النوافل فعلى كلا القولين يصلي ما شاء، لكن الفرق هو لو كان وجد صلوات فوائت، وأراد أن يقضيها، فعلى القول الأول ليس له ذلك، إنما يصلي فريضة واحدة فقط، والقول الثالث له أن يصلي ما شاء، ما دام في الوقت، فالقول الأول متعلق بالصلاة والقول الثالث متعلق بالوقت.
    والأقرب من هذه الأقوال، والله أعلم، هو القول الثالث وهو أن صاحب الحدث الدائم يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، ويدل لذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المستحاضة بأن تتوضأ لوقت كل صلاة كما جاء عند أبي داود حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وأصله عند البخاري، فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة -رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: لا إنما ذلك دم عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي.
    قال هشام بن عروة بن الزبير، قال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت ثم توضئي لكل صلاة وهذا هو موضع الشاهد، ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
    وبين الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في الفتح صحة إسناد هذه الرواية موصولة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه ليست موقوفة على عروة بن الزبير، كما قال بعض أهل العلم، صوب الحافظ ابن حجر صحة هذه الرواية موصولة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست معلقة كما قال بعضهم، وليست موقوفة على عروة كما قال آخرون.
    ومحل الشاهد قوله: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، وحملها ذلك الحنفية والحنابلة على المقصود: ثم توضئي لوقت كل صلاة. كما جاء ذلك في سنن أبي داود.
    فهذا هو القول الأظهر في هذه المسألة، هو أن صاحب الحدث الدائم أنه يتوضأ لوقت كل صلاة، وأخذنا هذا الحكم من هذا الحديث، فصاحب الحدث الدائم يقاس على الاستحاضة، فإن المستحاضة تعتبر صاحبة حدث دائم فيقاس عليها صاحب السلس ونحوه.
    فإذا توضأ مثلا لصلاة الظهر فإنه يستمر على طهارته، إلا إذا خرج منه حدث آخر غير هذا الحدث الدائم، لو كان مثلا عنده سلس بول نقول: توضأ بعد دخول الوقت، فلما إذا توضأ بعد دخول الوقت يستمر على طهارته ولو خرج منه البول، إلا إذا خرج منه ناقض آخر من نواقض الوضوء كالريح مثلا.
    وعلى ذلك تخرج هذه النازلة، فنقول: إن صاحب القسطرة وكذلك صاحب الشرج الصناعي أو الفتحة التي تكون في جدار البطن، يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة؛ لأن حدثه دائم، لأن حدثه دائم، فيكون حكمه حكم المستحاضة وحكم صاحب السلس، ولا حرج عليه في أن يصلي ولو كان كيس البول معلقا فيه، أو العلبة التي يكون فيها الغائط أيضا متصلة به ومعلقة فيه، وذلك للضرورة؛ لأن هذا الكيس لا يمكن أن ينفك عن المصلي، وحينئذ فلا بأس أن يصلي وهو حامل لذلك الكيس أو معلق به لكن يلزمه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه النازلة.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (7)

    سعد بن تركي الخثلان

    الأذان عن طريق المسجل والإذاعة والتلفاز


    المسألة الثانية التي بين أيدينا: هي الأذان عن طريق المسجل، وقد يستغرب بعض الإخوة طرح مثل هذه المسألة، وأقول: إنها موجودة في بعض البلدان فيكون الأذان عن طريق المسجل، وأذكر أنه قبل أشهر طرحت هذه المسألة في برنامج فقه العبادات في إذاعة القرآن، ونقلت رأي المجمع الفقهي في أنه لا يصح الأذان عن طريق المسجل، ثم ورد إلي اتصال بعض المسلمين في تلك الدولة بأنهم كانوا يؤذنون عن طريق المسجل، وأنه لما سمعوا هذه الحلقة كان لها أثر كبير عليهم وتحولت كثير من المساجد إلى الأذان عن طريق المؤذنين مباشرة وتركوا الأذان عن طريق المسجل.
    فأقول: إن هذا موجود في بعض البلدان، بل إنه في الوقت الحاضر وجد من يطرح هذه المسألة كفكرة، ويقول: لماذا لا تربط المساجد كلها بمسجل يؤذن في نفس الوقت ولا حاجة للمؤذنين ما دام أن المقصود هو الإعلام بدخول الوقت فيؤتى بالمسجل وتربط به جميع المساجد وتربط به جميع المساجد.
    وإن كان هذا قد وجد في بعض الدول لكن ليس عن طريق المسجل في مصر من قبل شهر في بعض المدن أقر أن يكون الأذان موحدا، لكن ليس عن طريق المسجل، وإنما يؤذن أحد المؤذنين في مسجد وينقل لبقية المساجد في المدينة، لكن مسألتنا هي الأذان عن طريق المسجل خاصة.
    كان من أوائل من تكلم عن هذه المسألة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - المتوفى سنة 1389 للهجرة تكلم عنها لما خرجت المسجلات أول ما خرجت في زمنه، وورد استفتاء من أحد الإخوة في بلاد المغرب العربي للشيخ - رحمه الله - فتكلم عن هذه المسألة وشدد فيها، وبين يدي الآن فتوى الشيخ - رحمه الله - وجاء فيها:
    إن الأذان من أفضل العبادات القولية، ومن فروض الكفايات ومن شعائر الإسلام الظاهرة، التي إذا تركها أهل بلد وجب قتالهم، وهو واجب للصلوات الخمس المكتوبة، كان هو العلامة الفارقة بين بلاد المسلمين وبلاد الكفر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد الإغارة على قوم انتظر حتى تحضر الصلاة، فإن سمع الأذان كف عنهم وإلا أغار عليهم.
    قال: وللأذان شروط منها النية، ولهذا فلا يصح من النائم والسكران والمجنون لعدم وجود النية، والنية أن ينوي المؤذن عند أدائه الأذان أن هذا الأذان لهذه الصلاة الحاضرة التي دخل وقتها.
    ومن أين للإسطوانات يعني المسجل أن تؤدي هذه المعاني السامية، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم متفق عليه. فهل الإسطوانة تعتبر كواحد من المسلمين؟.
    قال: والحقيقة أننا نستنكر استبدال الأذان بالأسطوانات وننكر على من أجاز ذلك لما تقدم، ولأنه يفتح على المسلمين باب التلاعب بالدين ودخول البدع على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي رواية: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
    إذا نقول: إنه لا يجوز ولا يصح الأذان عن طريق المسجل، والشيخ اعتبره بدعة، اعتبره بدعة، ولهذا ختم فتواه بهذا الحديث، من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد و من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.

    أيضا مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بحث هذه المسألة في دورته التاسعة، وأصدر بشأنها قرارا جاء فيه بأن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة عن طريق المسجل أنه لا يجزئ ولا يجوز، ولا يحصل به الأذان المشروع، ونقل قريبا من كلام الشيخ محمد - رحمه الله - ومنها أن النية من شروط الأذان، والنية لا توجد في الأذان عن طريق المسجل، وأن الأذان عبادة بدنية.
    قال الموفق بن قدامة: وليس للرجل أن يبني على أذان غيره؛ لأنه عبادة بدنية فلا يصح من شخصين في الصلاة، وأن في توحيد الأذان في المساجد بواسطة المسجل عدة محاذير، منها:
    أنه يفتح على المسلمين باب التلاعب بالدين، ودخول البدع على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم، لما يفضي إليه من ترك الأذان بالكلية والاكتفاء بالتسجيل؛ ولأنه يرتبط بمشروعية الأذان أن لكل صلاة في كل مسجد سننا وآدابا ففي الأذان عن طريق التسجيل تفويت لها وإماتة لنشرها مع فوات شرط النية فيه.
    ثم جاء في القرار بناء على ذلك، فإن مجلس المجمع الفقهي يقرر: أن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد عند دخول وقت الصلاة بواسطة آلة التسجيل ونحوها لا يجزئ ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان المشروع، وأنه يجب على المسلمين مباشرة الأذان لكل وقت من أوقات الصلوات في كل مسجد على ما توارثه المسلمون من عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الآن.
    فهذه المسألة إذًا الحكم فيها ظاهر وهو أن الأذان عن طريق المسجل أنه لا يجوز ولا يجزئ وغير مشروع، بل هو من البدع المنكرة، إذا كان يستعاض به عن الأذان عن طريق أحد الناس، ويفتح باب التلاعب بالدين، ولكن قد يقول القائل: هل معنى هذا أنه لا يجوز الأذان عن طريق المسجل مطلقا؟
    نقول: نحن الذي قصدناه أن يستعاض بالأذان عن طريق المسجل عن الأذان من أحد الناس في المساجد، هذا هو الذي قصدناه في بحث هذه النازلة، لكن لو جعل الأذان عن طريق المسجل في بعض الأماكن العامة، كالمطارات والمستشفيات وبعض الدوائر الحكومية، نقول: هذا لا بأس به إذا كان يقصد به التذكير، لكن لا بد أن يؤذن أحد الناس، فإذا كان ذلك المستشفى فيه مسجد أو مصلى أو ذلك المطار، أو ذلك المرفق فيه مسجد أو مصلى فلا بد أن يؤذن أحد الناس، ولا يكتفى بالأذان عن طريق المسجل.
    لكن لو أنه أذيع الأذان عن طريق المسجل من باب التذكير، من باب التذكير، فلا بأس بذلك، فليس معنى قولنا أنه لا يجوز ولا يجزئ الأذان عن طريق المسجل أنه لا يجوز إذاعته في مثل هذه المرافق، وإنما الذي قصدنا أن يستعاض بالأذان عن طريق المسجل عن أن يؤذن أحد الناس في المساجد ويكتفى بالأذان عن طريق المسجل، كما هو موجود وواقع في بعض الدول.
    أما لو أذيع الأذان للتذكير لكن في ذلك المسجد، أو في مسجد ذلك المرفق أو في مصلاه يؤذن أحد الناس فلا حرج في ذلك، كما مثلنا بذلك في المستشفيات وفي المطارات، وربما في الطائرة أيضا.
    ومثل ذلك أيضا أن بعض الناس يضع في الهاتف المنقول يضع برنامج الأذان، أو في الحاسب الآلي يضع برنامج الأذان من باب التذكير هذا لا حرج فيه ولا بأس به، ولكن الممنوع هو أن يستعاض بالأذان عن طريق المسجل عن أن يؤذن أحد الناس في ذلك المسجد.

    *الأذان في غير أوقات الصلوات ما حكمه؟ كما لو دخل الإنسان مكانا موحشا وأذن أو جعل الأذان عن طريق المسجل، بعض أهل العلم كره هذا، والظاهر، والله أعلم، أنه لا يكره وأنه لا بأس به إذا وجد له حاجة من تعليم ونحوه؛ وذلك لأنه قد ورد في السنة الأذان في أذن المولود اليمنى، وإن كان في سنده مقال إلا أن له طرقا متعددة يقوي بعضها بعضا ويرتقي بها إلى درجة الحسن.
    فما دام أنه قد ورد الأذان في أذن المولود هذا يدل على أنه لا بأس أن يؤذن لغير أوقات الصلوات إذا وجد له حاجة، كأن يكون للتعليم، كأن يكون معلم يعلم الطلاب الأذان، يؤذن أو يطلب من أحد الطلاب أن يؤذن، أو أن يدخل مكانا موحشا، ومثل ذلك ما يستخدمه بعض القراء في رقية بعض المرضى فيريد طرد الشياطين بذلك الأذان؛ لأنه قد ورد في السنة أن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فالشياطين تنفر وتكره الأذان، ولهذا فإنها تهرب إذا أذن المؤذن، فلو أتى به لطرد الشياطين في ذلك المكان الموحش أو في الرقية على مريض أو لأجل التعليم، فلا بأس به لأن لذلك أصلا في السنة وهو الأذان في أذن المولود.
    *متابعة المؤذن، قلنا متابعة المؤذن سنة، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمتابعة المؤذن أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في حي على الصلاة حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
    ثم السنة أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي بالذكر الوارد: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وأما زيادة: إنك لا تخلف الميعاد فغير محفوظة.
    وأيضا جاء في صحيح مسلم: من قال حين يسمع النداء رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا غفر له ما تقدم من ذنبه ومحل ذلك بعد قول المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله وليس بعد الأذان، عند المحققين محل ذلك عند الشهادتين، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، إذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: وأنا أشهد أن محمدا رسول الله: ثم قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا.
    متابعة المؤذن إذا نقل الأذان عن طريق الإذاعة والتلفاز ونحوهم؟ نقول: إنه لا يخلو هذا الأذان من ثلاثة أقسام:
    القسم الأول: أن يكون الأذان منقولا على الهواء مباشرة والسامع له لم يؤد الصلاة بعد، كأن يكون الأذان مثلا هنا في مدينة الرياض منقولا على الهواء مباشرة، ولنقل أذان المغرب ينقل على الهواء مباشرة في إذاعة القرآن ولم تصل بعد صلاة المغرب، وسمعت الأذان ينقل عن طريق الإذاعة، فهنا يشرع إجابة المؤذن في هذه الحال تشرع إجابة المؤذن؛ لأنه أذان منقول على الهواء مباشرة تسمعه في اللحظة نفسها وأنت لم تؤد الصلاة بعد، فحينئذ نقول: السنة في هذه الحال إجابة المؤذن، ولا فرق بين أن تسمع مؤذن المسجد القريب منك عن طريق مكبر الصوت، أو المسجد البعيد عنك عن طريق الإذاعة ونحوها.
    القسم الثاني: أن يكون الأذان منقولا على الهواء مباشرة والسامع قد أدى الصلاة، مثال ذلك: يكون الأذان منقولا في الإذاعة والتلفاز من مكة من المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأنت قد صليت الصلاة ولنقل مثلا صلاة الظهر أو العصر أو المغرب، فلما صليت الصلاة في المسجد خرجت ففتحت المذياع فسمعت المؤذن يؤذن وقد نقل الأذان من المسجد الحرام بمكة المكرمة على الهواء مباشرة، فهل تشرع إجابة المؤذن في هذه الحال؟
    نقول: إنها لا تشرع، لا تشرع إجابة المؤذن في هذه الحال، لكون السامع قد أدى الصلاة، وقد نص على ذلك جمع من الفقهاء، قالوا: إن الإنسان إذا أدى الصلاة ثم سمع مؤذنا يؤذن فلا تشرع له إجابة المؤذن في هذه الحالة؛ وذلك لأن المؤذن يدعو السامع إلى الصلاة، فالمؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهذا السامع قد أدى الصلاة فكيف يجيبه وقد أدى الصلاة؟ لأنه إذا أجابه فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، معنى ذلك أنه سأل الله الإعانة على صلاة قد أداها.
    ولهذا نقول إذا كان الأذان منقولا على الهواء مباشرة وأنت قد أديت الصلاة فإنه لا تشرع إجابة المؤذن في هذه الحالة.
    القسم الثالث: أن يكون الأذان مسجلا وليس منقولا على الهواء مباشرة، وذلك يحصل في الإذاعة والتلفاز، الإذاعة مثلا أذان الظهر والعصر في مدينة الرياض لا ينقل على الهواء مباشرة، وإنما يذاع الأذان مسجلا، ففي هذه الحال لا تشرع إجابة المؤذن؛ لأنه ليس أذانا حقيقيا، وإنما هو تسجيلٌ لصوت رجل قد أذن من قبل، وقد يكون هذا الرجل ميتا، وقد يكون غائبا فهو إذن حكاية صوت، وليس أذانا حقيقيا وإنما هو شيء مسموع لأذان سابق.
    ولهذا نجد أنه في بعض الإذاعات يؤتى بالأذان بصوت الشيخ المنشاوي، الشيخ محمد المنشاوي، والشيخ عبد الباسط، وهما قد ماتا منذ سنوات - رحمهما الله - قد ماتا منذ سنوات فقد يؤتى بالأذان عن طريق المسجل لإنسان قد مات، أو لإنسان غائب فهو في الواقع حكاية صوت، وشيء مسموع لأذان سابق، فنقول في هذه الحال لا تشرع إجابة المؤذن لا تشرع إجابة المؤذن.
    هذا هو أحسن ما قيل في هذه المسألة، وهذا التقسيم الذي نقلته لكم هو تقسيم الشيخ محمد بن العثيمين - رحمه الله - فتكون هذه المسألة على هذه الأقسام الثلاثة، ونلخص الكلام فيها فنقول:
    إن الحال التي تشرع فيها إجابة المؤذن أن يكون الأذان منقولا على الهواء مباشرة، والسامع لم يؤد الصلاة بعد، وأما ما عدا ذلك فإنه لا تشرع إجابة المؤذن، كما لو كان الأذان عن طريق المسجل، فلا تشرع إجابة المؤذن، وكذا لو كان منقولا على الهواء مباشرة والسامع قد أدى الصلاة فإنه لا تشرع في هذه الحال إجابة المؤذن، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (8)

    سعد بن تركي الخثلان

    حكم توزيع المياه في المقبرة على المشيعين للجنازة وحكم الشرب من ذلك الماء
    المسألة الثالثة معنا في هذا الدرس: هي توزيع المياه ونحوها في المقبرة على المشيعين في الجنازة، وقد برزت هذه المسألة وكثر السؤال عنها في السنوات الأخيرة خاصة، فأصبح بعض الناس يحضر المياه ويوزعها على المشيعين للجنازة خاصة في وقت شدة الحر كهذه الأيام، وبعض الناس ينكر مثل هذا، فهل هذا الإنكار في محله؟
    أقول: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
    القول الأول: أنه يكره إحضار الماء إلى المقبرة وتوزيعه على المشيعين، قالوا: لأن الحكمة من تشييع الجنازة وزيارة المقبرة هو القيام بحقوق هذا الميت ودفنه، وتذكر الموت والتخلي عن الدنيا، والتعلق بها من اللباس والطعام والشراب.
    قالوا: فالمقبرة لم تجعل للأكل والشرب ونحو ذلك، وإنما شرع اتباع الميت للقيام بحقه والتذكر وانتفاع الميت بالدعاء، وإحضار الماء ونحوه مصادم لهذه الحكمة، فعللوا بهذا التعليل.
    القول الثاني: قال بعض أهل العلم أنه لا بأس بإحضار الماء ونحوه، مما يحتاج الناس له، لا بأس بإحضاره إلى المقبرة عند تشييع الجنازة ودفن الميت خاصة في وقت شدة الحر، قالوا: فهذا جائز ولا بأس به من غير كراهة؛ لأن هذا من باب الإحسان إلى الناس.
    ومعلوم أن سقيا الناس خاصة في الأماكن التي يحتاجون فيها للسقيا من أفضل الأعمال، وفي المقبرة خاصة في أيام شدة الحر، يحتاج كثيرٌ من الناس إلى السقيا خاصة أنه يوجد منهم من هو كبير في السن أو مريض، كأن يكون مصابا بمرض السكر ولا يتحمل مع شدة الحر العطش، ثم إنه لا مانع يمنع من سقيا الناس في المقبرة، فليس ثمة دليل يمنع من هذا وليس ذلك ذريعة لأمر محرم.
    وهذا القول الأخير هو الأقرب في هذه المسألة والله أعلم، وأنه لا بأس بإحضار الماء عند تشييع الجنازة، ولا بأس بالشرب من ذلك الماء من غير كراهة؛ وذلك لأنه ليس ثمة دليل يمنع من ذلك.
    العطش، قد يتضرر وربما يمتنع بعض الناس من تشييع الجنازة لأجل هذا، فالأقرب، والله أعلم، أنه لا بأس بإحضار الماء وتوزيعه على المشيعين ولا بأس بالشرب منه من غير كراهة.
    ومن أبرز من قال بذلك من العلماء المعاصرين سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- قال لما سئل عن هذه المسألة قال: لا حرج في جلب الماء البارد للشرب عند دفن الميت، لما في ذلك من الإحسان والمساعدة على الخير، فهذا هو الأظهر والأقرب في هذه المسألة، وحينئذ نقول لا وجه لإنكار من ينكر من بعض الإخوة على من يحضر المياه وتوزيعها على المشيعين للجنازة، وأيضا لا يتحرج الإنسان من الشرب من ذلك الماء؛ لأنه ليس هناك ما يمنع من ذلك، بل إن هذا كما قال الشيخ عبد العزيز -رحمه الله- من باب الإحسان، هذا من باب الإحسان إلى الناس، ويرجى أن يثاب على ذلك من يفعله؛ لأنه إحسان إلى الناس، والله تعالى يقول: { وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } (1) .
    هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة، وإنما اعتبرناها نازلة؛ لأنها لم تكن موجودة من قبل بصورة ظاهرة برزت في الوقت الحاضر خاصة في السنوات الأخيرة، فاعتبرناها نازلة لأجل هذا، ونكتفي بهذا القدر في عرض هذه المسائل.
    نعم.. الأمر في ذلك واسع (صــ67)
    ****************************** **
    (1) - سورة البقرة آية : 195.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (9)

    سعد بن تركي الخثلان


    إذا سمع الشخص أكثر من أذان في وقت واحد عبر المكبرات فمع من يردد ؟
    عندما يقول المؤذن: حي على الصلاة، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيسأل الله الإعانة على تلك الصلاة، فهو يجيب المؤذن بذلك، ولذلك فالأولى أن يردد مع مؤذن المسجد الذي سوف يصلي فيه.
    هل يجوز التأمين على دعاء مسجل لشيخ أو غيره بدرس أو موعظة سابقة ؟
    الدعاء كالأذان هو بالحقيقة حكاية صوت، وقد يكون هذا الداعي ميتا، ولهذا فإنه لا يؤمن على هذا الدعاء في هذه الحال؛ لأن هذا شيء مسموع لصوت سابق بشيء سابق، فحكاية صوت هذا الذي يسمعه هو حكاية صوت، ولهذا نقول فيه كما قلنا في الأذان.
    يقول: عمن ورد الأذان في أذن الصبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن أبي بكر؟
    هو ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن في سند ذلك الحديث مقال لكن له طرق متعددة يرتقي بمجموعها إلى درجة الحسن، والإقامة في أذنه اليسرى، والوارد في الإقامة أضعف من الوارد في الأذان، لكن مجموع ما ورد في ذلك الحديث بمجموع طرقه وشواهده يرتقي به إلى درجة الحسن، فهو عن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأورد ذلك ابن القيم -رحمه الله- في تحفة المودود.
    كم صيغة للأذان، وما هي صيغة الأذان الصحيحة ؟
    ورد في السنة أذان أبي محذورة وأذان بلال، أما أذان بلال فهو الأذان المعروف المشهور عندنا، وأذان أبي محذورة يزاد فيه الترجيع فقط ترجيع الشهادتين، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله بصوت يسمع نفسه فقط ثم يرفع صوته بها، يعني يسر بالشهادتين ثم يرفع صوته بهما. وهكذا أيضا الإقامة، ورد على عدة صفات.
    وعند المحققين من أهل العلم، يأتي بهذا تارة وبهذا تارة لكن هذا في غير المساجد حتى لا يحدث فتنة وتشويشا في غير المساجد كما لو كانوا مثلا في سفر أو في البرية أو نحو ذلك، فيؤتى ببعض الصفات الواردة في الأذان وفي الإقامة، أما في المساجد فالذي أرى أن يلتزم بالأذان المعهود عند الناس، فمثلا عندنا هنا في المملكة هو أذان بلال، أذان بلال وإقامة بلال، على ما هو مشهور من مذهب الحنابلة، وهو الذي استقر عليه الأمر في المدينة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان بلالا يؤذن بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوفي على ذلك.
    لكن لا شك أن أذان أبي محذورة قد ثبتت به السنة، ولذلك فإذا أذن في غير المسجد كأن يؤذن مثلا في سفر أو في البرية، أو نحو ذلك فيؤتى ببعض الصفات الواردة في الأذان والصفات أيضا التي وردت بها السنة في الإقامة.
    ما حكم الأذان الذي يوجه عن طريق المسجل لبعض المؤذنين المتوفين في إذاعة القرآن ؟
    هو لا نقول إن ذلك ممنوع لا بأس به لا بأس به؛ لأن غاية ما في الأمر أنه تذكير، تذكير للمستمع لهذه الإذاعة بأنه قد دخل وقت الصلاة، فلا نقول بمنع ذلك لكن بقية الأحكام الشرعية من جهة إجابة المؤذن على التفصيل الذي ذكرنا.
    يوجد في دولة من الدول أن الأذان موحد في إحدى دول الخليج بأن يؤذن مؤذن واحد فيستقبل في باقي المساجد، فهل نؤذن بعد الأذان الأول ؟
    إذا كان ذلك عن طريق المسجل، فكما سمعتم لا يكفي ولا يجزئ، أما إذا لم يكن عن طريق المسجل بأن أذن مؤذن ثم نقل أذانه على الهواء مباشرة لبقية المساجد، هذا محل نظر واجتهاد.
    يوضع الأذان في بعض الجوالات ويقطع أحيانا فهل يأثم من قطعه ؟
    لا يأثم، لكن ينبغي لمن وضعه للتذكير أن لا يحمل معه الجوال في مكان ممتهن كدورات المياه مثلا، قد يؤذن المؤذن وهو في دورة المياه، وحينئذ يكون في ذلك نوع امتهان، فإذا كان سوف يعنى بالمحافظة عليه فإنه لا حرج في ذلك إن شاء الله.
    ما الدليل على أن النية من شروط الأذان وما الدليل على أن الأذان عبادة بدنية ؟
    هذا باتفاق العلماء، العلماء مجمعون على هذا؛ لأن الأذان عبادة والعبادة يشترط لصحتها النية؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " هذا باتفاق العلماء.
    إذا كان هناك أكثر من أذان وأنا ذاهب إلى المسجد فكيف أردد إذا كان أذن الأول فأجبته وانتهى، وأذن الآخر ؟
    الأمر في هذا واسع الأفضل أنك تجيب المؤذن إذا سمعته.
    إذا كان في أوقات مختلفة فالأمر هنا واسع ، على أن إجابة المؤذن ليست واجبة وإنما مستحبة ، لكن الأفضل أنك تجيب المؤذن إذا سمعته ، ولو كنت قد أجبت المؤذن الأول ، يعني إذا أجبت المؤذن الأول ثم انتهى ثم وأنت في الطريق سمعت مؤذنا آخر يؤذن فتجيبه كذلك ، وتجيب المؤذن الثالث والرابع ، ولا مانع من هذا ، نص على ذلك بعض الفقهاء ، روي عن الإمام أحمد ، فلا بأس بذلك ، وأنت على أجر وعلى خير ، والأمر في هذا واسع ، لو لم تجب المؤذن لم يكن عليك إثم ولا حرج .
    امرأة ينزل معها إفرازات كثيرة فهل تعتبر حالها كحال سلس البول ، وهل يجوز لها أن تتوضأ قبل دخول وقت الصلاة ؟
    نعم إذا كانت هذه الإفرازات تخرج معها بصفة مستمرة، فإن الأصل فيما يخرج من الإنسان من السبيلين الأصل أنه ينقض الوضوء، وما يخرج من المرأة سواء عن طريق المثانة أو عن طريق الرحم ينقض الوضوء، وأما من جهة طهارته، فالصحيح أنه إذا كان من مخرج البول فحكمه حكم السلس ، أما إذا كان من مخرج الولد يعني عن طريق الرحم فالصحيح أنه طاهر ، وهو ما يسميه بعض الفقهاء برطوبة فرج المرأة .
    هذا من جهة الطهارة والنجاسة لهذا الماء ، ولكن من جهة انتقاد الوضوء به فهو ينقض الوضوء مطلقا ، سواء خرج عن طريق المثانة، عن طريق مخرج البول ، أو عن طريق مخرج الولد ، ينقض الوضوء مطلقا ، وحينئذ إذا كانت هذه الإفرازات كثيرة وتخرج بصفة مستمرة ، فتكون هذه المرأة حكمها حكم صاحب السلس ، تتحفظ وتتوضأ عند دخول وقت كل صلاة ، طيب نكتفي بهذا القدر في الإجابة عن الأسئلة ، ونسأل الله - عز وجل - جميعا العلم النافع والفقه في الدين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    ****************************** ************
    صــ71
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (10)

    سعد بن تركي الخثلان

    الإخبار بوقت الكسوف والخسوف، وأثر ذلك على الأحكام الشرعية
    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ، أما بعد:
    ففي هذا الدرس معنا ثلاث مسائل من النوازل ، ولا زلنا في النوازل في العبادات:
    المسألة الأولى: الإخبار بوقت الكسوف والخسوف ، ونشره في وسائل الإعلام وأثر ذلك على الأحكام الشرعية.
    والمسألة الثانية: حكم استثمار أموال الزكاة .
    والمسألة الثالثة: حكم إخراج الشعير في زكاة الفطر في الوقت الحاضر .
    ونبدأ أولا بالمسألة الأولى وهي الإخبار بوقت الكسوف والخسوف ، ونشره في وسائل الإعلام ، وأثر ذلك على الأحكام الشرعية ، وقبل أن ندخل في هذه المسألة نعرف الكسوف والخسوف .
    الكسوف: يعرفه كثير من الفقهاء بذهاب ضوء الشمس أو بعضه لسبب غير معتاد ، ولكن التعريف الدقيق انحجاب ضوء الشمس أو بعضه لسبب غير معتاد ؛ لأن ضوء الشمس في الحقيقة لا يذهب وإنما ينحجب فقط .
    والخسوف: ذهاب ضوء القمر أو بعضه لسبب غير معتاد ، والتعريف الدقيق كما قلنا في الكسوف ، انحجاب ضوء القمر أو بعضه لسبب غير معتاد .
    والكسوف والخسوف لهما سببان سبب شرعي وسبب كوني :أما السبب الكوني: فبالنسبة لكسوف الشمس سبب ذلك حيلولة القمر بين الشمس والأرض ، ومعلوم أن القمر أصغر بكثير من الشمس ، وكذلك أصغر من الأرض ؛ ولهذا فإن الكسوف الكلي للشمس لا يمكن أن يعم الكرة الأرضية ، لا يمكن ، وإنما يقع في جزء منها ، نظرا لأن حجم القمر أصغر من الأرض وأصغر من الشمس .
    وأما سبب خسوف القمر فهو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر ، فيحدث خسوف القمر ، معلوم أن الأرض أكبر من القمر ؛ ولذلك فإنه يحصل الخسوف الكلي ، يحصل الخسوف الكلي لجميع القمر ، وقد يحصل خسوفا جزئيا له ، هذا هو السبب الكوني المعروف.
    وأما السبب الشرعي، فقد بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المخرج في الصحيحين ، في قوله عليه الصلاة والسلام : " إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وإنما هما آيتان يخوف الله بهما عباده " .
    فالسبب الشرعي إذن هو التخويف للعباد ، فإذن الكسوف والخسوف بمثابة الإنذار للعباد بوقوع العقوبة من الله - عز وجل - ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد حصول الكسوف أو الخسوف بالدعاء والصلاة والاستغفار والتوبة والصدقة والعتق ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال : هذا بيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله يخوف الله بهما عباده ، قال هذا بيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما -يعني الكسوف والخسوف- سببٌ لنزول عذاب بالناس ، فإن الله إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه .
    التخويف إنما يكون بما يخافه الناس ، وإنما يخاف الناس مما يضرهم ، فلولا إن كان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفا ، انتبه لهذه الفائدة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله عليه الصلاة والسلام " يخوف الله بهما عباده " يقول : هذا بيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهما سبب لنزول عذاب بالناس فإن الله يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه وعصوا رسله .
    وإنما يخاف الناس مما يضرهم ، فلولا إن كان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفا ، قال تعالى : { وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) } (1) وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يزيل الخوف ، أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق ، حتى يكشف ما بالناس وصلى بالمسلمين في الكسوف صلاة طويلة إلى آخر ما قال .
    وهذا يدل على أن الكسوف والخسوف يقترنوا في الغالب بما يخاف الناس منه مما يضرهم ، وهذا يعني نراه واقعا أن الكسوف والخسوف يقترن بحدث في الأرض من زلازل أو براكين أو غيرها ، ولله تعالى الحكمة البالغة في هذا ، وأما الإخبار بوقت الكسوف والخسوف فوجه اعتبار هذه المسألة من النوازل هو التقدم في علم الفلك بحيث أصبح معرفة وقت الكسوف والخسوف يكاد يصل إلى درجة القطع .
    وكذلك أيضا وجود وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة , فما حكم الإخبار بوقت وقوع الكسوف والخسوف ونشر ذلك في وسائل الإعلام ؟
    نقول إن معرفة الكسوف والخسوف ليست من علم الغيب ، إذ لو كانت من علم الغيب لما استطاع البشر معرفة وقت الكسوف والخسوف ، بل هو من العلم الحسي المدرك ، قد كان الناس من قديم الزمان يعرفون وقت الكسوف والخسوف ، وذكر أن الفراعنة قبل أكثر من أربعة آلاف سنة ، يعرفون وقت الكسوف والخسوف بدقة .
    وكان في المسلمين من يعرف وقت الكسوف والخسوف ، ولكن لما ارتبط في قرون مضت ارتبط علم الفلك بعلم التنجيم ، فأصبح الذين لهم عناية ومعرفة بعلم الفلك يعرفون بالتنجيم ، وقف كثير من الفقهاء موقفا من هؤلاء ، وإلا لو أن علم الفلك سلم من علم التنجيم فهو علم عظيم .
    ولذلك لما انفصل علم الفلك في الوقت الحاضر عن علم التنجيم ، أصبح علما له أثره الكبير في حياة الناس ، وأصبح يدرس في الجامعات وفي تخصصات دقيقة ، لكن في أزمنة مضت وقرون خلت كان هناك ارتباط بين علم الفلك والتنجيم ، فنقول إذا معرفة الكسوف والخسوف كانت معروفة من قديم الزمان .
    وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وذكر أن الناس كانوا في زمنه يعرفون ، كان هناك أناس يعرفون وقت الكسوف والخسوف ، وكان مما قال -رحمه الله- قال الشمس لا تكسف إلا وقت استصغاره ، وللشمس والقمر ليالٍ معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف ، كما أن من علم كم مضى من الشهر يعلم أن الهلال يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها .
    قال : أما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما ، وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب ، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه أعظم من صدقه ، فإن ذلك قول بلا علم وبناء على غير أصل صحيح ، فإنه بهذا يرد على بعض الفقهاء الذين قالوا ذلك ، قالوا : إن خبر الحاسب كذبه أكبر من صدقه .
    فقال شيخ الإسلام إن هذا ليس بصحيح ، وليس خبر الحاسب الكذب أعظم من الصدق ، بل هو قول بلا علم ، وبناء على غير أصل صحيح ، قال : أما ما يعلم بالحساب ، وأما ما يعلم بالحساب ، فهو مثل العلم بأوقات الفصول كأول الربيع والصيف والخريف والشتاء ، إلى آخر ما ذكر .
    ثم قال إن أهل الحساب إذا تواطئوا على وقت للكسوف والخسوف ، فلا يكادون يخطئون ، جعل الله تعالى للكسوف والخسوف لله - عز وجل - في هذا سنة كونية ، وقد ذكروا أن الكسوف والخسوف يتكرر نفسه كل ثماني عشرة سنة وأحد عشر يوما وسبع ساعات ، ولذلك يمكن أن يحسب الكسوف والخسوف ، لعشرات بل لمئات السنين مئات سنين قادمة ، ومئات سنين ماضية، لأنه يتكرر كل ثماني عشرة سنة ، وأحد عشر يوما ، وسبع ساعات وثلاث وأربعين دقيقة .
    فمن السهل معرفة وقت الكسوف بهذه الطريقة ، ولهذا فإنه في الوقت الحاضر ، أصبحت معرفة وقت الكسوف والخسوف تكاد تصل إلى درجة القطع ، لأنه بهذه العملية يمكن حساب الكسوف والخسوف لعشرات بل مئات السنين القادمة ، ويمكن حسابه بالدقائق ، بالدقيقة حتى بالثانية ، لأنه بهذه العملية الحسابية يسهل جدا معرفة وقت الكسوف والخسوف .
    وقد تقدم علم الفلك في الوقت الحاضر تقدما كبيرا ، وكان أصله عند المسلمين الأوائل ، علم الفلك أصوله أخذت من المسلمين ، فإنهم تقدموا في ذلك في وقت ازدهار الحضارة الإسلامية ، ولهذا تجد أن بعض النجوم لا زالت إلى الآن بأسمائها باللغة العربية ، وإن كانت تنطق وتكتب باللغة الإنجليزية مثل الدبران مثلا لا زال بهذا الاسم إلى الآن .
    وأذكر هنا يعني أمرا يبين لك أن أصل هذا التقدم في علم الفلك إنما كان من المسلمين وقت ازدهار حضارتهم ، المذنب المسمى بالمذنب هالي اكتشف عام 1682 ميلاديا ، ونجد أن الشاعر أبا تمام قد ذكره في قصيدته في فتح عمورية ، لما قالت امرأة : وامعتصماه فسير المعتصم جيشا لنصرة هذه المرأة ، وأخبره المنجمون في ذلك الوقت بأن كوكبا من جهة الغرب سوف يخرج وربما انهزم لأجل ذلك ، ولكنه لم يلتفت لقولهم وسار بجيشه وانتصر ، وقال أبو تمام قصيدة مشهورة :
    السيف أصدق أنباء من الكتب
    بيض الصفائح لا سود الصحائف
    ...
    ... في حده الحد بين الجد واللعب
    في متونهن جلاء الشك والريب
    إلى قوله :
    وخوف الناس من دهياء مظلمة
    ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
    الكوكب الغربي ذو الذنب هو المذنب هالي نفسه ، وأبو تمام توفي سنة 228 للهجرة ، يعني إذا أردنا أن نحولها بالميلادي 843 بينما اكتشف المذنب هالي عام 1682 ، أي أن أبا تمام ذكره قبل أن يكتشف عند الغرب بثمانمائة وخمس وأربعين سنة ، هذا فقط يعني أقدم ما ذكر لنا ، مع أنه يحتمل أنه عرف عند المسلمين قبل ذلك .
    ولهذا ذكر ابن الأثير في تاريخه وصف هذا المذنب ، وبين كم بقي وأنه كان في جهة الغرب ذكر ابن الأثير أنه ظهر بسنة 222 للهجرة ، المقصود أن المسلمين الأوائل كانوا يعرفونه قبل اكتشافه عام 845 للميلاد ، ومع ذلك لما اكتشفوه بعد أكثر من ثمانمائة سنة سموه باسم الذي اكتشفه وهو هالي ، مع أن المسلمين كانوا يعرفونه قبل أكثر من ثمانمائة سنة ، ولكن كما ذكرت الذي عرفه هؤلاء كانوا يخلطون التنجيم بعلم الفلك .
    ولذلك خوفوا المعتصم ، خوفوا المعتصم بظهور هذا المذنب ، لكنه لم يلتفت لقولهم ؛ لأنه ليس له أثر ظهور المذنب في الانتصار في المعركة ، فكان هناك خلط بين التنجيم وبين الفلك ، لكنهم عرفوا متى سيطلع هذا المذنب الذي قيل أنه يتكرر طلوعه كل ست وسبعين سنة ، فهذا يبين لك أن المسلمين الأوائل كانوا يعرفون كان عندهم تقدم في علم الفلك ، وكانوا يعرفون وقت الكسوف والخسوف .
    هل الآن المعرفة الدقيقة لوقت الكسوف والخسوف التي قلنا إنها قد تصل إلى درجة القطع ؟ نحن قلنا إنها ليست من علم الغيب ، ولكن هل نقول إن إخبار الناس بوقت الكسوف والخسوف إنه مشروع ؟ قال بعض أهل العلم إنه غير مشروع ؛ لأننا إذا تأملنا الحكمة التي من أجلها حصلت هذه الآيات العظيمة وهي تخويف العباد ، فكونه ينشر ويتنقله الناس بواسطة وسائل الاتصال المختلفة ، هذا يخفف من وقع هذه الآية على قلوب الناس ، فلا تحصل الحكمة التي من أجلها شرع الكسوف ، وهي تخويف العباد ورجوعهم إلى الله - عز وجل - .
    وإذا علم الناس بوقت ابتداء وانتهاء الكسوف قبل وقوعه فإنه يخف وقع هذه الآية في نفوسهم ، قالوا : فالأولى أن لا ينشر وقت الكسوف والخسوف قبل وقوعه ، والذي يظهر والله أعلم أن الأولى عدم إخبار الناس بوقت الكسوف والخسوف لما ذكر إلا إذا كان وقت وقوعه وقت غفلة ، إذا كان وقت وقوعه وقت غفلة ويغلب على الظن أن أكثر الناس لن ينتبهوا ولن يصلوا صلاة الكسوف أو الخسوف.
    فالذي يظهر -والله أعلم- أن الأولى إخبارهم في هذه الحال ، لأجل أن يستعدوا للصلاة ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ذكر قال : إذا غلب على ظن الإنسان صدق المخبر بالكسوف والخسوف ، فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف يعني صلاة الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك لوقت رؤية ذلك كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته .
    اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن الإنسان إذا غلب على ظنه صدق المخبر بالكسوف والخسوف ، واستعد لذلك أن هذا من باب المسارعة للطاعات ، هكذا نقول إذًا إذا كان هذا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فكيف بزمننا هذا الذي تقدم فيه علم الفلك .
    والذي نستطيع أن نقول إن المخبر قد يصل إلى درجة القطع في إخباره بوقت الكسوف والخسوف ، فربما يقطع السامع بصدق خبر هذا المخبر ، وحينئذ فلا بأس بالاستعداد بالكسوف والخسوف وإخبار الناس بذلك ، كما حصل قبل ثلاثة أشهر كسوف جزئي للشمس ، وكثير من الناس لم يصلوا صلاة الكسوف بسبب أنهم لم يعلموا ؛ لأنه كان في وقت غفلة لم يتنبه له كثير من الناس ، إخبار الناس قبل ذلك حتى يستعدوا ويتهيئوا للصلاة لا بأس به ، بل هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هو من قبيل المسارعة للطاعات .
    أما إذا كان ليس وقت غفلة ويغلب على الظن أن أكثر الناس سوف ينتبهوا وسوف يصلون ، سوف ينتبهون ويصلون ، فالأولى عدم إخبارهم لأجل أن يكون لتلك الآية وقع في نفوسهم، هذا التفصيل هو الذي يظهر في هذه المسألة ، والله تعالى أعلم .
    من المسائل المتفرعة عن هذه المسألة إذا أخبر أهل الفلك بوقت وقوع الكسوف والخسوف ، ثم إنه غم كسوف الشمس بسحاب ، أو خسوف القمر غم بسحاب ، فلم نستطع رؤية الشمس كاسفة ، ولا القمر خاسفا ، فإنه في هذه الحال لا تشرع صلاة الكسوف والخسوف ، لا تشرع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الأمر بالصلاة على رؤيته قال : " فإذا رأيتم ذلك فصلوا " .
    ومفهوم هذا الحديث أننا إذا لم نر الكسوف والخسوف فإنه لا تشرع الصلاة ، حتى ولو غلب على الظن صدق المخبر ، فهي إنما تشرع الصلاة إذا رؤيت الشمس كاسفة ، أو رؤي القمر خاسفا .
    أيضا من المسائل المتفرعة عن هذه المسألة ، أن هناك خسوفا عند الفلكيين وليس خسوفا بالمعنى الشرعي ، وهو ما يسميه الفلكيون الخسوف الكاذب ، أو الخسوف شبه الظل ، يسميه بعضهم الخسوف الكاذب وبعضهم خسوف شبه الظل ، فهذا الخسوف يسمونه خسوفا ، لكنه من يرى القمر يجد أنه لا يختفي ضوءه ، يبقى ضوء القمر لا يختفي .
    فلا يؤثر هذا الخسوف على ضوء القمر ، ولكنهم يسمونه خسوفا بمصطلحهم ، وهذا الخسوف ، خسوف شبه الظل أو الخسوف الكاذب ، لا تشرع الصلاة عنده ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا رأيتم ذلك فصلوا " ونحن لم نر القمر خاسفا ، ولهذا فإنه لا تشرع الصلاة عنده ، وأذكر أنه قبل نحو عشر سنوات ، أعلن في بعض الصحف عن خسوف شبه ظل أو خسوف كاذب ، فقام بعض أئمة الناس وصلوا بالناس صلاة الخسوف ، مع أنه لم يختف ضوء القمر .
    وأصدر سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بيانا في هذا أنكر فيه على من صلى ، وبين أن الصلاة إنما تشرع عند رؤية القمر خاسفا أو الشمس كاسفة ، فينبغي إذا عدم التعجل في إقامة صلاة الخسوف حتى يرى القمر خاسفا ، لأنه أحيانا يكون مقصود المخبر من الفلكيين يكون مقصوده الخسوف الكاذب الذي هو شبه الظل ، وهذا لا تشرع الصلاة عنده ؛ لأنه لا يذهب ضوء القمر ولا بعضه ، ولهذا فإنه لا تشرع الصلاة عنده ، وإن سماه الفلكيون وإن سموه خسوفا ، هذا ما يتعلق بهذه المسألة .
    يتبع
    __________
    (1) - سورة الإسراء آية : 59.
    صـــــــ 78
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (11)

    سعد بن تركي الخثلان

    استثمار أموال الزكاة
    ننتقل للمسألة الثانية وهي : استثمار أموال الزكاة ، الزكاة مصرفها بينه الله - عز وجل - في قوله : { * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) } (1) هذه هي مصارف الزكاة ، ولم يكن استثمار أموال الزكاة معروفا على مدار أربعة عشر قرنا ، بل كانت تدفع لهؤلاء الأصناف الثمانية ، أو لبعضهم .
    ولكن في الوقت الحاضر مع وجود الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية طرحت فكرة استثمار أموال الزكاة ، فيقول القائمون على تلك المراكز والمؤسسات والهيئات ، يقولون نحن نجمع من الناس أموالا كبيرة من الزكاة ربما تكون بالألوف بل ربما بالملايين ، فلماذا لا تستثمر أموال الزكاة هذه وتوضع في مشاريع خيرية يكون ريعها للفقراء والمساكين ؟ قالوا : بدل ما نعطي هذا الفقير أو المسكين ، هذا المال فيصرفه مباشرة ، فنحن نستثمر له أموال الزكاة ونعطيه من ريعها .
    فطرحت بعض الجمعيات الخيرية وبعض المؤسسات والمراكز الإسلامية هذه الفكرة ، وهذا هو وجه اعتبارها نازلة ، وأنها لم تكن معروفة من قبل على مدار أربعة عشر قرنا لم يكن استثمار الزكاة معلوما ، ولهذا لا نكاد نجد لذلك ذكرا في كتب الفقهاء المتقدمين ، لكنها الآن أصبحت تطرح ، بل وتطرح بقوة من بعض المؤسسات الخيرية .
    ومن هنا اختلف العلماء المعاصرون في حكم استثمار أموال الزكاة ، فمن العلماء من أجاز استثمار أموال الزكاة وقال إن في هذا الاستثمار مصلحة عظيمة ، وفيه نفع كبير للفقراء والمساكين وأصحاب الزكوات ، قالوا والشريعة الإسلامية قد أتت بتحصيل المصالح ، وما كان فيه تحصيل المصلحة فإن الشريعة لا تمنع منه ، وهذا الاستثمار فيه مصلحة تعود بالدرجة الأولى إلى الفقراء وبقية أصناف الزكاة .
    قالوا : فهذا الاستثمار هو استثمار لصالح أهل الزكاة ، فهو أشبه باستثمار أموال اليتامى ونحوهم ، قالوا : ومما يدل لذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع عنده إبل الصدقة ويسمنها ، وهذا نوع استثمار ؛ لأنها تتكاثر بالتوالد ، هذه هي وجهة أصحاب هذا القول .
    القول الثاني في المسألة : أنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة مطلقا ، وهذا القول هو الذي عليه أكثر العلماء ، وأدلة هذا القول :
    أولا: أن الله - عز وجل - خص الزكاة بثمانية أصناف ، ذكرهم في قوله : { * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } (2) إلى آخر الآية وختم الآية بقوله : { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) } (3) وحينئذ يجب أن تصرف الزكاة في هذه المصارف الثمانية على الفور ؛ لأن الأصل في الأمر الفورية ، والزكاة عبادة والأصل في العبادات التوقيف .
    ثانيا: استدلوا بقول الله تعالى { وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } (4) قالوا : والمراد بذلك الزكاة ، وهذا أمر والأمر مطلق يقتضي الفورية ، وقوله : { يَوْمَ حَصَادِهِ } (5) آتوا حقه يوم حصاده هذا يدل على وجوب إخراج الزكاة على الفور وعدم تأخيرها لأجل استثمارها ، وهذه الآية نزلت في مكة ، نزلت في الفترة المكية ، لما كانت الزكاة واجبة من غير تحديد ، فإن الزكاة في مكة فرضت في مكة لكن من غير تحديد ، وإنما كان الإنسان يدفع شيئا من ماله ، ثم في المدينة بينت أنصباؤها ، والشاهد هو قوله يوم حصاده ، فهذا فيه إشارة إلى أن الزكاة إنما تخرج يوم الحصاد ، يعني وقت وجوبها على الفور .
    أيضا من أدلتها هذا القول ما جاء في صحيح البخاري عن عقبة بن الحارث - رضي الله عنه - قال " صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر فلما سلم أسرع يعني خرج من المسجد مسرعا ثم دخل البيت ثم لم يلبث أن خرج فقيل له ، فقال : كنت قد خلفت في البيت تبرا -يعني ذهبا- من الصدقة ، فكرهت أن أبيت ولم أقسمه ، فقسمه عليه الصلاة والسلام " قالوا ففي انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر بسرعة على وجهٍ ملفت للنظر حتى إن الصحابة سألوه عن سبب إسراعه ، في هذا دليل على أن الزكاة إنما تخرج على الفور وأنه ينبغي المبادرة بإخراجها ، إذ أنه لو جاز التراخي في دفعها لما أسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما قال كرهت أن أبيت قبل أن تقسم .
    أيضا رابعا: قالوا إن هذا المال المستثمر هو مال مستحق للفقراء والمساكين وسائر أصحاب الزكاة ، وهؤلاء هم الذين يجب تمليكهم هذا المال ، وهم إن أرادوا أن يستثمروا أموال الزكاة التي تدفع لهم ، فهذا راجع إليهم ، هذا راجع إليهم ، أما أن يريد الجامع لأموال الزكاة استثمار أموال الزكاة نيابة عنهم فليس له ذلك ، فالأموال الزكوية حق للفقراء والمساكين وسائر الأصناف الثمانية .
    فالاستثمار في الحقيقة إنما هو راجع لهم إذا ملكوا هذه الأموال ، فلو أننا ملكنا الفقير أو المسكين مال الزكاة فأراد هذا الفقير أو المسكين أن يستثمره ، فهذا راجع إليه ، أما أن يأتي أحد من الناس أو مؤسسة أو جمعية أو هيئة خيرية ويتدخل ويريد أن يحبس أصل مال الزكاة الواجب تمليكه لهؤلاء ويعطيهم فقط من ريعه حتى يستثمره ، فليس له ذلك ؛ لأنه تصرف في حقهم ، ومن الذي خوله لكي يستثمر حقهم الذي فرضه الله لهم .
    أيضا قالوا: إن الاستثمار لا يكون مشروعا إلا إذا كان فيه مخاطرة إذ أن الاستثمار لو كان فيه ضمان لعدم المخاطرة وذلك بأن يكون فيه ضمان عدم الخسارة أو ضمان الربح ، فإن هذا الاستثمار غير جائز ، الاستثمار الذي تضمن معه عدم الخسارة يضمن معه الربح غير جائز، وهذا الاستثمار المبني على المخاطرة في الحقيقة يعرض أموال الزكاة للخسارة .
    ربما تستثمر أموال الزكاة في مشروع من المشاريع فيخسر ذلك المشروع ، فتضيع حقوق هؤلاء الفقراء والمساكين ، ثم إن حاجة الفقراء ناجزة ، فيجب إخراجها على الفور ، ولا شك أن استثمارها يحتاج إلى وقت طويل ، فعلى سبيل المثال :رجل دفع الزكاة عشرة آلاف ريال ، لو قيل باستثمارها فلو افترضنا أنها بقيت سنة ، كم سيكون ربحها والريع لها بعد تشغيلها ، في الغالب أنه لا يتجاوز الربع ، لكن لو أننا أعطينا هذه العشرة آلاف فقيرا أو فقراء فإنها تسد حاجة بعض هؤلاء الفقراء من جهة توفير الأكل والشرب والمسكن ونحو ذلك ، ولا شك أن هذا فيه قضاء لحوائج الفقراء والمساكين ، خاصة أن بعض أصحاب الزكاة من الفقراء والمساكين وغيرهم ربما تكون حاجتهم ملحة ، وحينئذ فهم أولى بصرف هذا المال مباشرة بدلا من استثماره لهم .
    هذه هي وجهة نظر الفريقين والأقرب والله أعلم هو القول الثاني وهو أنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة .
    وممن رجح هذا من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- وذلك لقوة أدلته وأصول وقواعد الشريعة تدل لهذا القول ، وأما ما ذكره أصحاب القول الأول القائلون بجواز استثمار أموال الزكاة من المصلحة فغير مسلم ، بل إن المصلحة تقتضي أن نسلم لأصحاب الزكاة أموال الزكاة وهم الذين يتصرفون فيها .
    بل إن القول باستثمار أموال الزكاة للفقراء والمساكين فيه الحقيقة إضرار بهؤلاء الفقراء والمساكين ، إذ أن من الفقراء والمساكين من يعتمد في مأكله ومشربه وفي دفع الإيجار -إيجار المسكن الذي يسكن فيه- يعتمد على الزكاة اعتمادا كاملا أو شبه كامل ، وحينئذ القول باستثمار أموال الزكاة وحبسها لأجل هذا الاستثمار فيه إضرار بهم ، وليس فيه مصلحة ظاهرة .
    ولو افترضنا أن فيه مصلحة ، فيقابلها مفسدة ، وهي الإضرار بالفقراء والمساكين , ومن القواعد المقررة في الشريعة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، ثم لماذا لم تطرح هذه المسألة على مدار أربعة عشر قرنا ، خفيت هذه المسألة على الناس على مدار أربعة عشر قرنا ثم يأتي من يطرحها في هذا الزمان .
    ولا شك أنه كون العلماء لم يذكروها ولم يتطرقوا لها دليل على أنهم لا يرون مشروعية هذا الاستثمار ، والزكاة عبادة ، والعبادات مبنية على التوقيف ، والقول بأن استثمار الزكاة فيه نفع للفقراء على المدى البعيد ، هذا يمكن تحقيقه بوسائل أخرى غير الزكاة ، مجالات أخرى كالوقف مثلا .
    فلو جمعت أموال من المحسنين واستثمرت هذه الأموال في وقف ، جمعت أموال من المحسنين من غير أموال الزكاة ، واستثمرت في أوقاف ويكون ريعها للفقراء والمساكين ، فإنه يحقق هذا الغرض ، فلا تتعين أموال الزكاة لتحقيق هذا الغرض ، فهناك مجالات أخرى ووسائل أخرى يمكن أن يحقق من خلالها هذا الغرض كالوقف مثلا ، وبهذا يتبين .
    أما قولهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع إبل الصدقة ويستسمنها ، فنقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يجمع إبل الصدقة لأجل صرفها في مصارفها الشرعية ، وليس لأجل استثمارها ، وإنما لأجل أن يصرفها في مصارفها الشرعية .
    وبهذا يتبين أن القول الصحيح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة ، وإنما طرحنا هذه المسألة لأنها تثار الآن بقوة من بعض القائمين على الجمعيات والمؤسسات الخيرية ، فيرون أن في هذا الاستثمار مصلحة لأصحاب الزكوات ، ولكن ظاهر النصوص والأصول والقواعد الشرعية يدل على أنه لا يجوز مثل هذا الاستثمار ، وأنه يجب أن تدفع الزكاة على الفور لأصحابها المستحقين لها .
    حكم إخراج الشعير في زكاة الفطر
    المسألة الثالثة معنا في هذا الدرس ، متعلقة أيضا بالزكاة وهي حكم إخراج الشعير في زكاة الفطر ، نقول وردت السنة بإخراج الشعير في زكاة الفطر ، قال البخاري في صحيحه ، باب صدقة الفطر صاعا من شعير ، ثم ساق بسنده عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : كنا نطعم الصدقة صاعا من شعير .
    وفي حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عند البخاري وغيره ، قال : كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط ، أو صاعا من زبيب ، وفي حديث ابن عمر أيضا عند البخاري وغيره " أمر النبي الله - صلى الله عليه وسلم - بزكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير " .
    فنقول لا شك في أن السنة قد وردت بإخراج الشعير في زكاة الفطر ، ولكن في وقتنا الحاضر ، أصبح الشعير في كثير من البلدان ومنها المملكة ، أصبح الشعير علفا للبهائم ، ولم يعد قوتا للناس ، كما كان من قبل ، فهل نقول بجواز إخراج الشعير في زكاة الفطر أخذا بظاهر النص ، أو ننظر للمعنى ، وهو أنه إنما جاز إخراج الشعير لأنه كان قوتا للناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
    نقول الذي يظهر هو الثاني وهو أنه إنما كان الشعير مجزئا في زكاة الفطر لقوم كان الشعير قوتا لهم ، فلا نتمسك بظاهر النص في هذه المسألة ، ولهذا لو أنك أعطيت فقيرا أو مسكينا في الوقت الحاضر شعيرا لما انتفع به ، ومن حكمة إيجاد زكاة الفطر أنها طعمة للفقراء والمساكين ، وهذا لا يتحقق إلا حين يكون الشيء المخرج قوتا للناس .
    وذكر الشعير في حديث أبي سعيد وفي حديث ابن عمر ذكره ليس على سبيل التعيين ، بل لأنه كان غالب قوت الناس يومئذ ؛ ولهذا جاء في حديث أبي سعيد كنا نخرج في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر صاعا من طعام ، قال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر ، وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه الاستذكار قال : قال أشهب : سمعت مالكا يقول : لا يؤدي الشعير إلا من هو أكله يؤده كما يأكله .
    فظاهر هذا أن الإمام مالك يرى أنه لا يخرج الشعير إلا لمن يقتات الشعير ، يكون قوتا له ويأكله ، وفي الوقت الحاضر أصبح الشعير ليس قوتا للناس ، وإنما علفا للبهائم ، وحينئذ نقول : إن الظاهر والله أعلم في هذه المسألة أنه لا يجزئ إخراج الشعير في زكاة الفطر في الوقت الحاضر ، في البلدان التي لم يعد الشعير قوتا فيها للناس ، وإنما أصبح علفا للبهائم ، هذا هو الذي يظهر والله أعلم في هذه المسألة .
    وإنما اعتبرناها نازلة لأنها قد وردت في السنة ، ولكن لما تغيرت أحوال الناس بحيث أصبح الشعير ليس قوتا للناس وإنما علفا للبهائم فإن الحكم يدور مع علته ، ولهذا نرى أن عامة العلماء المعاصرين يفتون بهذا ويقررون هذا الحكم ، وكذلك أيضا نقول إنه يجزئ في إخراج زكاة الفطر ما كان قوتا للناس ولو لم يكن مذكورا في هذه الأحاديث ، ومن ذلك مثلا الأرز ، الأرز أصبح هو غالب قوت الناس اليوم ، فيجزئ إخراجه .
    ولا نتمسك بظاهر النص ونقول أنه لم يذكر في النص لأنه لم يكن قوت الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا المقصود في زكاة الفطر أن يخرج ما هو غالب قوت الناس ، فنقول في الوقت الحاضر لا يجزئ إخراج الشعير لأنه لم يعد قوتا للناس ، وإنما أصبح علفا للبهائم ، ويجزئ إخراج الأرز وغيره مما أصبح قوت غالب الناس وإن لم يكن مذكورا في هذه الأحاديث ، هذا ما يتعلق بهذه المسألة والله تعالى أعلم نجيب عما تيسر من الأسئلة .
    يتبع
    __________
    (1) - سورة التوبة آية : 60.
    (2) - سورة التوبة آية : 60.
    (3) - سورة التوبة آية : 60.
    (4) - سورة الأنعام آية : 141.
    (5) - سورة الأنعام آية : 141.
    صـــ 86
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (12)

    سعد بن تركي الخثلان


    يقول أن ما دام القاعدة أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة لو قال شخص أنا أستطيع الوضوء بغير الماء كبخار الماء مثلا وأي سائل آخر فهل يقبل منه ؟

    نعم نقول إن هناك فرق بين إزالة النجاسة وبين الوضوء ، فالوضوء إنما يكون بالماء فمن لم يجد الماء فإنه يتيمم ، لقول الله تعالى { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } (1) أما إزالة النجاسة فكما ذكرنا في الدرس السابق لم يرد ما يدل على تعيين الماء لإزالة النجاسة ، وإنما الوارد أن الماء تزول به النجاسة ، لكن ليس هناك دليل يدل على أن الماء يتعين لإزالة النجاسة ولا تزول النجاسة بغيره .
    أما الوضوء فقد ورد الدليل الدال على أن الماء يتعين للوضوء وهو قول الله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } (2) فقياس إحدى المسألتين على الأخرى قياس غير صحيح ؛ لأن الوضوء منصوص عليه ، لأنه لا بد أن يكون من الماء ، وإذا لم يجد الإنسان ماء فإنه يتيمم { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } (3) بخلاف إزالة النجاسة فلم يرد ما يدل على تعيين الماء لإزالتها .

    ما حكم السقط سقط المرأة ، قال إذا ألزم الأطباء بعمل تنظيف ولم يبق إلا أجزاء يسيرة قد تعدى أربعين يوما وبلغ خمسين يوما تقريبا ، ماذا تفعل من أسقطت جنينها في خمسة أشهر إذا قرر الأطباء ذلك ، وهل يلزمها كفارة ؟

    إسقاط الجنين لعلها إن شاء الله تكون موضوعات درس قادم إن شاء الله ، إسقاط الجنين سواء إن كان مشوها أو غير مشوه ، وحكم ذلك وأثره في الأحكام الشرعية سوف يكون إن شاء الله موضوعا لأحد الدروس ، لكن نحن نسير بالتسلسل بدأنا بالنوازل في العبادات ثم ننتقل للمعاملات ، ثم في سائر أبواب الفقه ، وسنذكر إن شاء الله تعالى هذه المسألة في درس قادم.
    ذكرتم بالأمس حكم توزيع الماء في المقبرة ، فما حكم توزيع الطعام ؟
    المقابر ليست محلا لتقديم المآكل والمشارب ونحو ذلك ، ولكن إنما أجزنا توزيع الماء للحاجة لذلك خاصة في بلادنا التي يشتد فيها الحر ، وربما أن كثيرا من الناس أو بعض الناس يحتاج للماء ويعطش خاصة من كان مريضا كالمصاب بمرض السكر وغيره ممن يعطشوا بسرعة ، فأجزنا الماء فقط ، أما التوسع في ذلك فأرى أنه غير مشروع .

    يقول نحن جئنا من بلاد بعيدة بعضنا من أوروبا وبعضنا من أفريقيا ، نستفيد من هذه الدروس والحمد لله استفدنا قبل أن نرجع ، نريد مذكرة بعض الدروس ولا تعتذر عن هذا الطلب ؟

    على كل حال الإخوان جزاهم الله خيرا القائمين على هذا الجامع قد سجلوا هذه الدروس وهي مسجلة بالصوت ، وأيضا تفرغ بعد مدة ، كما فرغوا دروس الدورة الماضية ، فبإمكان الإخوة التواصل مع موقع الجامع على الإنترنت ، فهذه الدروس تكون موجودة بالصوت ومكتوبة أيضا ، ولعل هذا يحقق غرض الإخوة إن شاء الله .
    ما حكم ضرب الدف للرجال ، وسماع النساء لهم ؟
    هذا الباب يعني باب المعازف الأصل فيه المنع ، ولهذا جاء في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف " وفسر ابن مسعود علم الصحابة قول الله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (4) بأن المقصود بذلك الغناء ، والأدلة لهذا كثيرة .
    والعجب ممن كتب في هذا وحشد أدلة وناقش الأدلة وقال ليس هناك دليل يدل على تحريم الأغاني ، وهذا ليس بصحيح إطلاقا ، لكن مثل هذا الحشد بهذه الطريقة ، ربما يخدع بعض الناس ويغر بعض الناس ، والأدلة على تحريم الأغاني كثيرة ، ولهذا المذاهب الأربعة كلها الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على تحريم الغناء ، والمقام ليس مقام يعني ذكر لهذه الأدلة ابن القيم -رحمه الله- في إغاثة اللهفان ذكر شيئا يعني كثيرا من هذا ، وذكر المفاسد المترتبة على سماع الغناء ، وذكر أنه قرآن الشيطان ، وأنه لا يجتمع مع قرآن الرحمن في هذا .
    فالمعازف الأصل فيها المنع ، الأصل فيها المنع ، ومن ذلك الطبول ، فضرب الطبل محرم ، ومن قال بأنه لم يرد فيه شيء ليس بصحيح ، ورد في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة " والكوبة هي الطبل ، ورد فيه نص خاص إنما استثني فقط الدف للنساء خاصة في العرس .
    وكذلك أيضا في أيام العيد ، أجيز ضرب الدف في يوم العيد ، فقط يعني في هذه الحالات وألحق بعض أهل العلم حالة ثالثة وهي الحرب إذا احتيج لذلك ، هذه الأحوال الثلاث هي التي استثنيت ، ما عدا ذلك فيبقى على المنع .
    قد أقر هذا الحافظ بن حجر -رحمه الله- وقال إن الأصل في هذا الباب المنع، وحينئذ بناء على هذه القاعدة الدف للرجال لا يجوز ، لأن الأصل المنع ولم يرد ما يدل على جواز الدف للرجال ، اللهم إلا يوم العيد ، فإنه قد ورد ما يدل على جواز ضرب الدف يوم العيد كما في حديث الجاريتين لما نهرهما أبو بكر الصديق ، وقال : " أمزمور الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه الصلاة والسلام دعهما فإن لكل أمة عيدا وهذا عيدنا أهل الإسلام " فعلل بكونه عيدا .
    وأنه إنما جاز ضرب الدف في ذلك اليوم لكونه عيدا ، وما عدا ذلك فيبقى على الأصل وهو المنع ، في غير هذه الأحوال الثلاث لا يجوز ضرب الدف ولا الطبل من باب أولى ، ولا المعازف كلها بأنواعها محرمة .
    أين يوجد كلام ابن تيمية في الكسوف والخسوف ؟
    ابن تيمية له عناية بمسائل الفلك ، ومن يعني العلماء المحققين في هذه المسائل فيما يتعلق بالهلال وبما يتعلق بالكسوف والخسوف ، ومسائل الفلك عموما ، كلامه يوجد في مجموع الفتاوى ، المجلد الرابع والعشرين ، صفحة مائتين وستة وخمسين وما بعدها .
    ما ينشر عن وقت الكسوف والخسوف في وسائل الإعلام عنه هل هو محرم أو مكروه؟
    لا يصل لدرجة التحريم ، لأنه يخبر عن أمر معلوم ، يخبر عن سنة كونية معلومة ، لكن تبقى مسألة الأولوية ، هل الأولى النشر أو الأولى عدم النشر ، لكن الذي يظهر أنه لا يصل الأمر إلى درجة التحريم .

    هل يشترط لصلاة الكسوف والخسوف الرؤية الشخصية أم يجوز أن يخبرك الناس أنهم رأوه ؟

    لو أخبرك الناس الثقات بأنهم رأوه في المكان نفسه في المكان الذي أنت فيه فإن هذا يكفي ، لا يلزم أن كل إنسان يراه ، فيمكن مثلا إذا إمام مسجد إذا رآه يكفي ، وبقية الناس يصلون برؤية الإمام وهذا كاف .
    أليس أصل العلوم الشرعية الطبيعية كلها من علوم المسلمين ؟
    نعم الحضارة الإسلامية يعني أخذ الغرب أصول حضارتهم من الحضارة الإسلامية ، ليس فقط في علم الفلك في كثير من العلوم .
    في الفترة الأخيرة أخبر الفلكيون بوقوع كسوف الشمس لكن لم يكن صحيحا ، فكيف نجمع بين ما قلت وما حصل ؟
    لا ، هو صحيح كسوف الشمس الذي حصل الذي أخبر به ، هو صحيح لكن ربما أن الأخ لم يتنبه له ، لأن كسوف الشمس أحيانا لا يكون واضحا ، بسبب قوة إضاءة الشمس ، لكن لا أذكر أنه أخبر بأنه سيقع كسوف ولم يقع أبدا ، اللهم إلا الكسوف الكاذب وشبه الظل لأنه هو الذي لا يرى ، ما عدا ذلك فإنها من سنن الله الكونية التي تعلم .
    وما ذكر الأخ لعله هو الذي لم يتنبه لهذا وإلا لو أنه يعني رأى الشمس بوسيلة من الوسائل التي لا يحصل معها الضرر للعين سيرى الشمس انكسف جزء منها ، ولا يلزم الكسوف الكلي للشمس ، لو انكسف جزء منها شرعت صلاة الكسوف ، ولهذا الفقهاء يعرفون الكسوف بأنه انحجاب ضوء الشمس أو بعضه ، فالكسوف حصل ، ولا يعرف أنه في مرة ولو مرة واحدة أنه أخبر بحصول الكسوف والخسوف ولم يحصل إلا ما ذكرت فقط من الخسوف الكاذب الذي لا يعتبر خسوفا بالمعنى الشرعي .

    هل يعتبر مشاهدة مجالس الذكر في التلفاز ، وكذلك مباشرة المسجلة كحضورها ، وهل يحصل للمشاهد الأجر ؟

    يرجى أن يحصل له الأجر وفضل الله واسع ، لأنه يعتبر درس علم ، سواء كانت على الهواء مباشرة أو مسجلة ، والمقصود هو حصول الفائدة لهذا المشاهد ، سواء يعني شاهده في التلفاز أو أنه سمع مثلا في الإذاعة أو عن طريق مسجل ، فيرجى له حصول الأجر والثواب، لأن المقصود هو تحقيق الفائدة، وهذا يحقق هذا الغرض .
    كيف الدعوة لشخص عندما نصحته قال أنا أكره المطاوعة وهؤلاء فيهم وفيهم ، إذا كنت أصلي والحمد لله وسماع الأغاني قليل ولا أكثر منه ؟
    91
    __________

    (1) - سورة النساء آية : 43.
    (2) - سورة النساء آية : 43.
    (3) - سورة النساء آية : 43.
    (4) - سورة لقمان آية : 6.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (13)

    سعد بن تركي الخثلان

    أولا : لماذا يكره الاستقامة ؟! هل هو لأجل استقامتهم هل هو لأجل الدين ، أو يعني لسبب آخر ؟ فهؤلاء المستقيمين يجمعهم وصف وهو أنهم استقاموا على دين الله - عز وجل - كراهتهم معنى ذلك كراهة للدين ، والاستهزاء بهم في الحقيقة استهزاء بالدين ، ولهذا لما قال بعض المنافقين ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ، يعنون أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أكذب ألسنا ولا أرغب بطونا ولا أجبن عند اللقاء ، ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء ، فقط قالوا هذه الكلمات ، أنزل الله - عز وجل - { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } (1) لاحظ هنا أنهم استهزءوا بالقراء استهزءوا بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك قال الله تعالى : { أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) } (2) .
    فالاستهزاء بالمستقيمين وأهل الخير والصلاح لأجل استقامتهم هو في الحقيقة استهزاء بالله وآياته ورسوله ، ولهذا فإنه كفر ولو كان على سبيل السخرية والهزل والمزاح ، وهذا يدل على خطورة هذه المسألة ، فكراهة المستقيمين قل له لماذا يكره هؤلاء المستقيمين ، هل هو لأجل استقامتهم ، أو لماذا ؟! فهذا يعني على خطر عظيم مثل هذه المقولة ، ومثل هذا الكلام ، بل إنه يحب هؤلاء المستقيمين وأهل التقى والصلاح ، ويكره ما يحصل عند بعضهم من بعض التجاوزات لأنهم بشر .
    لكن أنه يقول بهذا اللفظ أنه يكره جميع المستقيمين وأهل الخير والصلاح ، لا شك أن هذا فيه خطورة على هذا الإنسان ، وأما قوله بسماع الأغاني فتقدم أنه محرم ، وأن الإنسان يكسب به أوزارا ، وآثاما ونكتفي بهذا القدر والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
    عدم إجزاء الشعير في زكاة الفطر لمن لم يعد الشعير قوتا لهم
    بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ، معنا في هذا الدرس جملة من المسائل المتعلقة بالنوازل والصيام ، وقبل أن نتكلم عنها أنبه على المسألة الأخيرة التي طرحناها في الدرس السابق ، وهي مسألة عدم إجزاء الشعير في زكاة الفطر لمن لم يعد الشعير قوتا لهم، هذه أشكلت على بعض الإخوة من جهة أن الشعير لا يزال قوتا في بعض البلدان .
    نحن نقول نحن قيدنا كلامنا بالأمس بمن كان الشعير ليس قوتا لهم ، وإنما أصبح علفا للبهائم ، هؤلاء هم الذين لا يجزئ في حقهم إخراج الشعير ، أما الذين لا يزال الشعير قوتا لهم فلا شك في إجزاء الشعير في زكاة الفطر ، كلامنا بالأمس مقيد بمن كان الشعير لم يعد قوتا لهم ، وإنما أصبح علفا للدواب، وفي بعض البلدان لا يزال الشعير قوتا للناس ، حدثني أحد الإخوة أنه في بعض المناطق هنا في المملكة لا يزال الشعير قوتا للناس ، وحينئذ فيكون الحكم بناء على هذا التفصيل .
    فإن قال قائل كيف تقولون بعدم إجزاء الشعير لمن لم يكن قوتا لهم مع أنه قد ورد به النص ؟
    نقول : أولا لم يرد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - نعم لو ورد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لربما نقول بأنه يصح مثل هذا الإيراد ، لكن ورد من وصف بعض الصحابة بأنه طعام الناس يومئذ كان التمر والأقط ، وذكروا الشعير ، فإذا تغير طعام الناس ولم يعد الشعير طعاما للناس وقوتا للناس ، فالحكم يدور مع علته .
    حكم الاعتماد على المراصد الفلكية في رؤية الهلال
    معنا في هذا الدرس جملة من المسائل في كتاب الصيام ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى أولا : عن حكم الاعتماد على المراصد الفلكية في رؤية الهلال ، ثم نتكلم عن حكم بخاخ الربو وأثره على تفطير الصائم ، وفي معناه أيضا الأكسجين ، استخدام الأكسجين بالنسبة للصائم ، والأقراص التي توضع تحت اللسان للعلاج وفي معناها اللاصقات من النيكوتين التي يستخدمها بعض من يريد الامتناع عن التدخين ، وأيضا استخدام المنظار وأثره على تفطير الصائم ، وغسيل الكلى وأثره على تفطير الصائم .
    هذه كما ترون مسائل مستجدة وسوف نقف مع كل مسألة منها .
    ونبدأ أولا بالمسألة الأولى : حكم الاعتماد على المراصد الفلكية في رؤية الهلال ، وهذه المراصد التي وجدت في الوقت الحاضر لم تكن موجودة من قبل على هذا النحو الذي هي موجودة عليه ، فهل يصح الاعتماد على هذه المراصد أم لا ؟ قبل أن نتكلم عن هذه المسألة نشير إلى مسألة أخرى تكلم عنها أهل العلم قديما وحديثا .

    فهي ليست من النوازل ولكن لارتباطها بهذه المسألة التي بين أيدينا نشير لها إشارة مختصرة ، وهي حكم الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول الشهر ، وللعلماء في ذلك قولان :

    فأكثر أهل العلم قديما وحديثا على أنه لا يصح الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول الشهر ، بل حكي إجماعا ، لكن حكاية الإجماع محل نظر ، إذ أن هناك من الفقهاء من خالف في هذه المسألة ، فقد خالف بعض فقهاء المالكية والشافعية ، كما حكى ذلك القرافي وغيره واشتهر عن ابن سريج من الشافعية ، أنه يعتمد على الحسابات الفلكية في إثبات دخول الشهر .
    ومن أبرز من قال بهذا القول من المعاصرين ، الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- وله رسالة مشهورة في هذا ، ومن العلماء المعاصرين من قال إنه يعتمد على الحساب الفلكي في النفي دون الإثبات ، بمعنى : لو قال الفلكيون لا يمكن أن يرى الهلال هذه الليلة فيقول يعتمد على قولهم في هذا ، لكن لو قالوا يمكن أن يرى ، فلا يعتمد . وإنما يعتمد على الرؤية فإن رؤي أثبت دخول الشهر وإلا فلا ، وهذا قال به جمع من العلماء المعاصرين .
    والذي يظهر في هذه المسألة -والله أعلم- هو قول الجمهور ، وهو أن الاعتماد إنما هو على الرؤية ، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا الشهر ثلاثين " .

    ولكن مع ذلك ينبغي إذا دل الحساب على عدم إمكانية رؤية الهلال أن يتشدد في قبول الشهادة ، فلا تقبل إلا من إنسان موثوق في دينه وأمانته ، وأيضا من إنسان معروف بحدة البصر والخبرة في تحديد منازله ، إذ أن بعض الناس ، بعض من يدعي رؤية الهلال يغلب عليهم التسرع والعجلة والوهم ، وبعضهم ربما رأى كوكبا أو نجما يشبه الهلال فظنه هلالا .

    وأذكر أنه في شهر شوال من العام الماضي عام ألف وأربعمائة وست وعشرين ادعى رؤية الهلال خمسة شهود ، ومع ذلك رد مجلس القضاء الأعلى هنا في المملكة جميع شهادة هؤلاء ، وكان الواقع هو كما رآه مجلس القضاء ، فالليلة التي بعدها لم ير الهلال ، يعني هؤلاء ادعوا رؤية الهلال ليلة الثلاثين من رمضان ، والليلة التي بعدها لم يستطع أحد رؤية الهلال حتى ولو بالمراصد الفلكية ، هذا أعطى مؤشرا على أن ما رآه المجلس هو الحق .
    فيغلب ، بعض الناس ربما يكون ثقة لكنه يهم يرى شيئا يشبه الهلال ، فيقول إنه هلال ، ويشهد بناء على ذلك ، فأقول إن الحساب يمكن أن يعتبر قرينة لا يعتمد عليها ولكن يستأنس بها في دخول الشهر ، والحساب له عدة مجالات ، منها حساب وقت ولادة الهلال ، وحساب وقت غروب القمر ، وحساب مقدار درجات القمر فوق الأفق وقت غروب الشمس إلى غير ذلك من المجالات .
    وأقوى هذه المجالات هو حساب وقت غروب القمر ، فإنه من المتفق عليه بين العلماء أنه لا يعتد برؤية الهلال ، إلا إذا رؤي بعد غروب الشمس ، أما لو رؤي قبل غروب الشمس ولو بدقيقة ثم لم ير بعد غروب الشمس ، فلا يعتد به بالإجماع ، وحينئذ فلو دل الحساب الفلكي على غروب القمر قبل غروب الشمس ثم أتى أحد فادعى رؤيته بعد غروب الشمس ، فما الحكم ؟
    الواقع أن حساب وقت غروب القمر دقيق جدا ، وقد حدثني أحد المختصين في علم الفلك ، بأن معادلة غروب الشمس هي نفسها معادلة غروب القمر ، وقال : إن من يشكك في حساب غروب القمر فليشكك إذا في حساب غروب الشمس ؛ لأن المعادلة واحدة ، وقد جربت هذا بنفسي وراقبت غروب القمر لعدة شهور ، ووجدته دقيقا يغرب في نفس الدقيقة التي حددت في الحساب ، فهو كغروب الشمس في هذا .
    فهذا هو من أقوى القرائن في الحساب الفلكي ، والواقع أنه في سنوات مضت يتقدم شهود فيدعون رؤية الهلال مع أن الحسابات قد دلت على أنه قد غرب ، بل إن بعض أنواع التلسكوبات تتجه مباشرة إلى الهلال ، إذا برمجت تتجه مباشرة إلى الهلال وتتابعه من أول النهار ، فإذا غرب الهلال اتجهت إلى الأرض ، أحيانا تتجه إلى الأرض وتعطي إشارة بغروب القمر ، ومع ذلك يأتي من يشهد برؤية الهلال ، فهل تقبل شهادة هؤلاء ؟
    نحن قلنا إنه ينبغي أن يتشدد في قبول شهادتهم ، ولكن إذا كانوا أهل ديانة وأمانة وخبرة وحدة نظر ، فإنه من الصعب رد شهادتهم ؛ لأننا قررنا أنه لا يعتمد على الحساب في إثبات دخول الشهر ، بل إنه جاء في صحيح مسلم أن الناس تراءوا الهلال زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعضهم هو ابن ليلتين ، وقال بعضهم هو ابن ثلاث ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " إن الله أمده لكم لتروه " .
    فظاهر هذا الحديث هو أن الله تعالى قد يمد الهلال لكي يراه الناس ، يكون في هذا خرقا لما هو معروف أو معلوم بالسنن ، والله تعالى أعلم ، ولهذا فنتمسك بظاهر النص في هذا ، فنقول المعول عليه هو الرؤية ، ولكن ينبغي أن يتشدد إذا دلت الحسابات الفلكية على عدم إمكانية الرؤية ، ينبغي أن يتشدد في ذلك ، ولا تقبل الشهادة إلا من عرف خبرته في هذا وحدة نظره مع دينه وأمانته .
    وهذه المسألة أعني دخول الشهر ، تشكل في بعض البلاد خاصة في بعض البلاد غير الإسلامية والتي يكون فيها جالية إسلامية ، يختلفون اختلافا كثيرا في هذه المسألة ، فأقول إذا أمكن اتحاد المسلمين على رأي فهو المطلوب ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " الصوم يوم يصوم الناس ، والفطر يوم يفطر الناس " .
    ولكن إذا اختلف الناس في البلد الواحد فحينئذ نقول : إنه ينبغي اتباع البلاد التي تعتمد على الرؤية في إثبات دخول الشهر ، خاصة إذا كان الناس في تلك البلاد في الغرب يعني بأن كانت البلاد التي يريدون اتباعها في الشرق ، فمثلا لو رؤي هلال هنا في المملكة فلا بد أن يرى في البلاد التي تقع غربها ، كبلاد إفريقيا وأوروبا وأمريكا .
    البلاد التي تقع في الغرب لا بد أن يرى فيها الهلال ، لا يمكن أن يعني يرى الهلال هنا في المملكة ولا يمكن رؤيته في البلاد التي تقع في الغرب ، ما دام أن الرؤية صحيحة فلا بد أن يرى في البلاد التي تقع في الغرب ، ولا يلزم من ذلك رؤيته في الشرق ، فقد يتعذر رؤية الهلال في الشرق ويمكن رؤيته في الغرب .
    هذه نبذة موجزة عن هذه المسألة ، ونعود لمسألتنا التي بين أيدينا وهي الاعتماد على المراصد الفلكية في إثبات الشهر ، هذه المسألة بحثها مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة قبل نحو ربع قرن ، وتحديدا عام 1403 للهجرة ، وشكل لجنة من الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله- مع بعض المختصين .
    ورأت اللجنة عدة أمور أقرها مجلس هيئة كبار العلماء :
    ومنها : إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعا .
    ومنها : إذا رؤي الهلال بالعين المجردة فالعمل بهذه الرؤية وإن لم ير بالمرصد .

    ومنها إذا رؤي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية تعين العمل بهذه الرؤية ، ولو لم ير بالعين المجردة ، وذلك لقول الله تعالى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (3) ولعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا تصوموا حتى تروه ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما " ولقوله عليه الصلاة والسلام : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " الحديث ، وهو من رأى الهلال عن طريق المرصد يصدق عليه أنه رأى الهلال ، ولأن المثبت مقدم على النافي .
    وهذا الرأي اعتمده مجلس هيئة كبار العلماء ، وأصبح العمل عليه منذ ذلك الحين منذ عام 1403 ، وفي هذا رد على من يقول : إن العلماء لا يرون الاعتماد على المراصد الفلكية ، فهذا غير صحيح ، العلماء قرروا منذ ذلك الحين جواز الاعتماد على المراصد الفلكية ، لا مانع من الاعتماد عليها ، سواء كانت المراصد الفلكية الكبيرة الضخمة ، أو حتى عن طريق المنظار الصغير ، أو ما يسمى بالدربين ، ونحوه .
    كل هذا يصح الاعتماد عليه ولو لم ير بالعين المجردة ، وسماحة رئيس مجلس القضاء الأعلى عندنا في المملكة صرح بهذا كثيرا بأن مجلس القضاء الأعلى يقبل الرؤية عن طريق المراصد الفلكية ، فما يثار من أن العلماء هنا في المملكة لا يقبلون الرؤية عن طريق المراصد غير صحيح البتة ، بل إن العلماء قرروا ذلك من نحو ربع قرن .
    ولكن مع ذلك منذ ذلك الحين إلى وقتنا هذا لم ير الهلال عن طريق المراصد الفلكية ولو لمرة واحدة ، فما هو السبب في هذا ؟ يعني رغم أن العلماء أقروا هذا وهو الذي عليه العمل ، ومجلس القضاء متوجه لقبول الرؤية عن طريق المراصد الفلكية إلا أنه لم ير الهلال عن طريق المراصد منذ ذلك الحين إلى وقتنا هذا ولو لمرة واحدة ، فما هو السبب في هذا ؟
    أحد المختصين في علم الفلك تكلم عن هذه المسألة وذكر السبب في هذا ، وقال : يظن الكثير أن المراصد الفلكية من تلسكوبات وغيرها أنها تحسن فرصة رؤية الهلال ، والواقع قد يكون العكس من ذلك ، ثم علل ذلك من الناحية العلمية ، قال : إن فكرة المراصد تقوم على زيادة كمية الضوء الواصلة من الجسم المراد رصده والمراد به هنا القمر ، لا تكبير حجم ذلك الجسم ، وإنما فقط زيادة كمية الضوء ؛ لأن أغلب الأجرام السماوية بعيدة جدا وإمكانية تكبيرها قد تكون صعبة بالنظر المباشر بالمرصد ، ولكن التكبير يحدث بتصويرها ضوئيا ، ومن ثم تكبير هذه الصورة إلى أقصاها .
    __________
    (1) - سورة التوبة آية : 65-66.
    (2) - سورة التوبة آية : 65.
    (3) - سورة البقرة آية : 185.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (14)

    سعد بن تركي الخثلان

    وفي حالة رصد الهلال فإن القمر يكون قريبا جدا من الشمس ، يعني في ليلة التحري يكون القمر قريبا جدا من الشمس ، وهنا ستكون كمية ضوء الشمس من الكبر بحيث لا يتمكن من ينظر في المرصد من رؤية الهلال بسبب ضوء الشمس الشديد ؛ لأن القمر قريب من الشمس ، فيكون ضوء الشمس هنا كبيرا ، فلا يتمكن الراصد عن طريق المرصد من رؤية الهلال ، بل إنه ربما يؤثر ذلك على عين الراصد .
    أما إذا كان القمر بعيدا عن الشمس ، فإمكانية رؤيته البصرية ستكون سهلة ، ولن يقدم المرصد حينئذ كبير خدمة ، قال : وإذا زاد حجم المرصد الفلكي صغرت مساحة المنطقة المرصودة ، وتركزت كمية الضوء الواصلة لعين الراصد في حين أن الرصد بالعين المجردة سيمكن من النظر إلى نصف الأفق تقريبا مما يقلل من كمية الضوء المركزة ، إلى آخر ما ذكر .

    ثم قال : وخلاصة القول أن الاستعانة بالمراصد الفلكية في رصد الهلال غير ممكن حاليا ، حسب الإمكانات الموجودة عالميا ، إلا في حالات يمكن للعين البشرية أن ترى فيها ببساطة ، فتبين بهذا السبب في عدم رؤية الهلال عن طريق المراصد ، وهو أن القمر ليلة الرصد ليلة التحري يكون قريبا جدا من الشمس ، وبالتالي لا يمكن رؤية الهلال في هذه الحال بسبب قوة الضوء .

    أما إذا كان القمر بعيدا عن الشمس ، فهنا تسهل رؤيته بالعين المجردة ، فلا حاجة لرؤيته عن طريق المراصد ، ولذلك منذ ذلك الحين عند إقرار العلما لجواز استخدام المراصد والاعتماد عليها إلى وقتنا هذا لم ير الهلال عن طريق المراصد ، ولو لمرة واحدة ، فهذا هو يعني السبب .
    وكما ترون هو يعني الكلام الذي نقلته عن أحد المختصين مقنع في هذا ويؤيده الواقع ، خلاصة الكلام أنه يصح الاعتماد على المراصد الفلكية في إثبات دخول الشهر ، فلو قدر أنها صنعت بطريقة معينة بحيث يمكن رؤية الهلال عن طريقها فلا مانع شرعا من الاعتماد عليها ، ولو لم ير الهلال بالعين المجردة ، إنما فقط الإشكال هو في الاعتماد على الحساب ، أما الاعتماد على رؤية الهلال عن طريق هذه المراصد فلا مانع منه .
    قبل أن نتجاوز هذه المسألة يثير بعض الناس أمرا متعلقا بالاعتماد على الحساب ، يقولون : أنتم تعتمدون على الحساب في أوقات الصلوات ، فلماذا لا تعتمدون على الحساب في إثبات دخول الشهر ؟ وأقول : هذا الإيراد ذكره القرافي -رحمه الله- في كتابه الفروق ، في الفرق الثاني والمائة ، كتاب الفروق كتاب قيم ، ذكر هذا الإيراد في كتابه الفروق في الفرق الثاني والمائة ، قال الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها ، وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب .
    ثم بين -رحمه الله- هذا الفرق ، وقال : إن الله تعالى جعل أسبابا لوجوب الصلوات ، فمتى علم السبب بأي طريق لزم الحكم ، فجعل نصب ، قال : إن الله تعالى نصب زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر ، فمتى ما علم زوال الشمس بأي طريق فحينئذ لزم الحكم ، وهكذا بالنسبة لوقت العصر والمغرب والعشاء والفجر ، فمتى ما علمت هذه الأسباب التي نصبها الشارع لزم الحكم ، إذا علمنا زوال الشمس بأي طريق لزم الحكم ، علمنا أن يصبح طول ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال بأي طريق لزم الحكم ، وهكذا ، فجعل لأوقات الصلوات أسباب ، متى ما علم هذا السبب لزم الحكم ، فيمكن أن نعرف هذا السبب عن طريق الحساب الفلكي .
    قال : وأما بالنسبة للأهلة ، فلم ينصب صاحب الشرع خروجها خروج الشمس من الشعاع سببا للصوم ، خروجها يعني خروج الأهلة من الشعاع ، يعني من شعاع الشمس ، سببا للصوم ، بل رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس هو السبب ، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي ، قال : فصاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببا للصوم .

    خلاصة هذا الكلام نقول إن الشارع في أوقات الصلوات نصب أسبابا لدخول الوقت ، فمتى علم هذا السبب بأي طريق دخل الوقت ، ويمكن أن نعرف هذا السبب عن طريق الحساب الفلكي ، أما بالنسبة لدخول الشهر ، فقد جعل الشارع المعول عليه في ذلك هو الرؤية ، ولم يجعل المعول عليه في ذلك هو الحساب ، أو خروج الهلال كما ذكر من شعاع الشمس ، وإنما المعول عليه الرؤيا .

    فنجد أنه في دخول الشهر قال : " صوموا لرؤيته " ولم يقل لخروج الهلال من الشعاع ، وإنما قال صوموا لرؤيته ، بينما في وقت صلاة الظهر قال : { أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } (1) يعني لزوال الشمس ، فهذا هو الفرق ، وبذلك نعرف أنه لا يصح هذا القياس ، لا يصح قياس إثبات دخول الشهر على أوقات الصلوات في الاعتماد على الحساب ، هذا ما يتعلق ببحث هذه المسألة .
    حكم استخدام بخاخ الربو ونحوه بالنسبة للصائم
    ننتقل بعد ذلك إلى مسألة حكم استخدام بخاخ الربو ونحوه بالنسبة للصائم ، وأثر ذلك في تفطير الصائم .
    نقول أولا: إن علاج الربو إما أن يستخدم عن طريق دواء يسمى كبسولات ونحوها ، فهذه تفطر الصائم ، وهذه الكبسولات يكون فيها دقيق ، ولها آلة تضغط ثم تنفجر في الفم ، فيختلط هذا الدقيق الموجود في الكبسولات يختلط بالريق ويبلعه الصائم ، وحينئذ فإن هذا الدواء يفطر الصائم .
    والقسم الثاني: وهو الذي نعنيه في بحث هذه المسألة بخاخ الربو ، وهو غاز ليس فيه إلا هواء ، يفتح مسام الشرايين حتى يتنفس المصاب بالربو ، حتى يتنفس بسهولة ، وهذه المسألة اختلف العلماء المعاصرون فيها على قولين:
    القول الأول: أن بخاخ الربو ونحوه لا يفطر الصائم ، ولا يفسد الصوم ، ومن أبرز من قال بذلك من العلماء المعاصرين سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز ، والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله تعالى .
    وقال بعض العلماء المعاصرين: إن بخاخ الربو يفطر الصائم ، وسبب الخلاف في هذه المسألة هو أن بخاخ الربو مكون من ماء وأكسجين ومواد كيميائية ، ويصل إلى المعدة جزء يسير منها ، فهل هذا الجزء اليسير يفطر الصائم أم لا ؟ فمن قال بأن بخاخ الربو يفطر الصائم قال بأنه قد وصل للمعدة جزء يسير من هذا البخاخ ، وحينئذ يفسد الصوم ، ومن قال بأنه لا يفطر الصائم ، رأى أن هذا الجزء اليسير لا يفسد الصوم .
    والقول بأنه لا يصل للمعدة من هذا البخاخ شيء غير صحيح ، المختصون الأطباء يفيدون بأن هذا البخاخ لا بد أن يصل منه جزء يسير إلى المعدة ، ولكن هذا الجزء هو جزء يسير جدا ، وبيان ذلك أن عبوة بخاخ الربو المعتادة تحتوي على عشرة ملي لتر من السائل بما فيه من المادة الدوائية ، وهذه الكمية معدة على أساس أن يبخ منه مائة بخة ، أي أنه في كل بخة يخرج جزء من الملي لتر الواحد وكل بخة تشكل أقل من قطرة واحدة وهذه القطرة وهذا الجزء اليسير أيضا سوف ينقسم إلى أجزاء ، الجزء الأكبر يدخل إلى الجهاز التنفسي ، وجزء آخر يترسب على جدار البلعوم ، والباقي وهو المقصود هنا قد ينزل للمعدة وهو مقدار يسير جدا .
    والذي يظهر -والله أعلم- هو أن بخاخ الربو لا يفطر الصائم ، وذلك لأن هذا المقدار الذي يصل للمعدة مقدار يسير جدا ، فيعفى عنه قياسا على المتبقي بعد المضمضة والاستنشاق ، فإن المتبقي بعد المضمضة بما يسميه العلماء بملوحة الماء ، قد يختلط بالريق ويبلعه الصائم ، ولم يقل أحد من العلماء بأنه يفطر الصائم ، فإن الصائم عندما يتمضمض يبقى في الفم ملوحة وهذه الملوحة تختلط بالريق ، فيبلعه الصائم ولا يؤثر ذلك على صحة الصيام بالإجماع ، وذلك لأن هذه ملوحة الماء جزء يسير فيعفى عنه .
    هكذا أيضا نقول: إن الجزء اليسير الذي يدخل من بخاخ الربو إلى المعدة يعفى عنه ، بل قال بعض المختصين إن هذا الجزء اليسير الذي يصل إلى المعدة ، هو في الحقيقة أقل مما يصل إلى المعدة من المضمضة ، ولهذا قالوا لو أنه تمضمض بماء موسوم بمادة مشعة لاكتشفنا المادة المشعة في المعدة بعد قليل ، فإذا الجزء اليسير الذي يصل للمعدة من بخاخ الربو أقل مما يصل إلى المعدة من ملوحة الماء التي تبقى بعد المضمضة .
    وبهذا يتبين أن بخاخ الربو أنه لا يفطر الصائم ، لا يفطر الصائم بناء على هذا التقرير ، وفي معنى بخاخ الربو الأكسجين الذي يستخدمه بعض الناس عندما يكون عنده ضيق نفس ، فيستخدمه لتوسيع للتنفس وتوسيع مجاري الجهاز التنفسي، فمثل هذا أيضًا حكمه حكم بخاخ الربو لا يُفطِّر الصائم، حتى لو وصل جزء يسير جدًّا إلى المعدة فيعفى عنه قياسًا على أثر ملوحة الماء التي تبقى بعد المضمضة، وربما يصل إلى المعدة منها جزء يسير، فكما أنه يعفى عنها فيعفى كذلك عن ما يصل من بخاخ الربو ونحوه، هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.
    الأقراص التي توضع تحت اللسان لمرضى القلب أثناء الصيام
    المسألة الثالثة: الأقراص التي توضع تحت اللسان، وهي أقراص توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية ونحوها، توضع تحت اللسان للتداوي، إما لعلاج الأزمات القلبية أو لغيرها، وهذه الأقراص تمتص مباشرة بعد وضعها تحت اللسان بوقت قصير، ويحملها الدم إلى القلب، فتوقف أزماته المفاجئة، ولا يدخل إلى الجوف شيء من هذه الأقراص، فهل هذه الأقراص تفسد الصوم، وفي معناها أيضًا استخدام لاصقات النيكوتين التي تساعد على الامتناع عن التدخين، إن هناك لاصقات تحتوي على مادة النيكوتين تفرز تلقائيًّا النيكوتين إذا احتاجه الجسم، وتساعد من أراد الامتناع عن التدخين تساعده على الامتناع عنه، فإذا وضعها الصائم على جلده، فهل تفطر الصائم أم لا؟

    هذه المسائل يمكن تفريعها على مسألة أشار إليها بعض الفقهاء وتكلم عنها بعض مشايخنا، وهي مسألة التداوي الذي يصل أثره للجوف، التداوي عن غير طريق الفم والأنف، ويصل أثره للجوف، ذكر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وذكر خلاف العلماء فيها، وألحق بها التداوي والاحتقان والاكتحال إذا وصل إلى حلقه وجوفه وأحس بطعمه.

    ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذه كلها لا تفطِّر الصائم، قال: الأظهر أن الصائم لا يفطر بالكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة، وهما نوعان من الشجاج، مع أن مداواة الجائفة والمأمومة يستوجب وصول الدواء إلى الجوف، قال: ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، وليس كذلك الكحل والحقنة، ومداواة الجائفة والمأمومة، ثم قال: والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دمًا، ويتوزع على البدن، يعني لو أصاب الإنسان شجة جائفة أو مأمومة أو غيرها من الشجاج فوضع عليه دواء فوصل الدواء إلى الجوف، فهنا وصل الدواء عن طريق الدم إلى الجوف، فهنا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن ذلك لا يحصل به التفطير للصائم.
    ومثل ذلك في وقتنا الحاضر الإبر غير المغذية مثل إبر الإنسولين، وغيرها، الإبر غير المغذية تجري على هذا الخلاف، والذي يفتي به كثير من مشايخنا أنها لا تفطر الصائم، ومن أبرز من يفتي بذلك الشيخ محمد بن العثيمين -رحمه الله- أن هذه الإبر غير المغذية لا تفطر الصائم؛ لأنها لست أكلًا ولا شربا ولا في معنى الأكل والشرب.
    وبناء على هذا التقرير نقول: إن استخدام الدواء عن غير طريق الفم والأنف إنه على القول الصحيح لا يفطر الصائم على ما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لا يفطر الصائم.

    وبناء على ذلك فإن استخدام هذه الأقراص تحت اللسان، هي في معنى التداوي عن غير طريق الفم والأنف، ونعني بالتداوي عن طريق الفم، بأن يبتلع ذلك الدواء عن طريق فمه، أو أنه يستخدم عن طريق أنفه، أما هنا في مسألتنا فإنه لا يبتلع الدواء، وإنما يجعل هذه الأقراص تحت لسانه فتمتص مباشرة عن طريق الجلد وتصل للدم. وبناء على ذلك نقول: إن الأقرب -والله أعلم- أنه لا يحصل بها التفطير للصائم، بناء على هذا التقرير وبناء على تخريجها على المسألة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهي التداوي عن غير طريق الفم والأنف.

    وعلى ذلك أيضًا يكون الحديث في لاصقات النيكوتين التي يستخدمها من يريد الامتناع عن التدخين، على أنه قبل مدة، صدر فيها فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية برئاسة سماحة المفتي حفظه الله، ورأت اللجنة أن لاصقات النيكوتين يحصل بها التفطير للصائم، وبين يدي الآن فتوى: أجابت اللجنة أنه بعد سؤال المختصين عن حقيقة هذه اللاصقات أفادوا بأنها تمد الجسم بالنيكوتين وتصل إلى الدم، وهذا يبطل الصيام كما يبطله شرب الدخان مباشرة، ولعلهم أخذوا بالرأي الآخر وهو أن التداوي عن غير طريق الفم والأنف أنه يفسد الصوم، والمسألة خلافية كما سمعتم، ولعل فتوى اللجنة كانت على بناء القول الآخر في المسألة.
    فهذا هو الذي يظهر في هذه المسألة هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - من أن التداوي عن غير طريق الفم والأنف أنه لا يحصل به التفطير للصائم، ومما يؤكد هذا أن كون هذه الأمور تفطر الصائم أمر مشكوك فيه، والأصل صحة الصيام، والأصل صحة الصيام، وعدم فساده ولا نستطيع أن نبطل صيام عباد الله إلا بأمر واضح ظاهر عليه دليل ظاهر. وبناء على ذلك نقول أن الأقرب والله أعلم في هذه الأمور كلها هو أنه لا يحصل بها التفطير للصائم، على أن الخلاف فيها يورث شبهة، إذا لم يحتج إليها الإنسان فالأولى أن يتجنبها وقت صومه.
    استخدام المنظار منظار المعدة، لا يفطر الصائم إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو محاليل، ولم يدهن بدهان فإنه لا يفطر الصائم، وقد قرر هذا مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن إدخال المنظار لا يفطر الصائم، سواء كان منظار المعدة، أو كان منظارًا من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء وإجراء عملية جراحية، واستخدام المنظار مطلقًا لا يفطر الصائم، بشرط أن لا يصحبه إدخال سوائل وألا يكون أيضًا مدهونًا بمادة دهنية، فإنه إذا كان مدهونًا وأدخل عن طريق المعدة يحصل به التفطير للصائم لكن إذا خلا من ذلك خلا من إدخال سوائل أو محاليل، وخلا كذلك من أن يكون مدهونًا فإنه لا يفطر الصائم على ما قرره المجمع الفقهي.
    وأيضًا يعني تتمة الفائدة للمسألة السابقة، المجمع الفقهي أيضًا أقر بأن الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها أنها لا تفطر الصائم، ومثل ذلك أيضًا غازات التخدير البنج ما لم يعط المريض سوائل أو محاليل مغذية لا تفطر الصائم، وأيضًا ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد، كالمراهم والدهانات واللاصقات العلاجية الجلدية، المحملة بالمواد الدوائية والكيميائية لا تفطر الصائم، على ما أقره مجمع الفقه الإسلامي .

    والمسألة الأخيرة التي معنا غسيل الكلى، هل يحصل به تفطير الصائم أم لا؟ هذه المسألة بحثت في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، وقد كتبت اللجنة إلى بعض المختصين من الأطباء حول حقيقة غسيل الكلى، وجاء في فتوى اللجنة أنه بعد المكاتبات لبعض المختصين ورد ما مضمونه أن غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة، وهي ما تسمى بالكلية الصناعية تتولى تنقية الدم ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، وأنه يتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح وغيرها إلى الدم.

    وبعد دراسة اللجنة لذلك، والوقوف على حقيقة الغسيل الكلوي، أفتت اللجنة بأن الغسيل المذكور للكلى يفسد الصيام، بأنه يفسد الصيام، وذلك بسبب هذه الإضافات، وإلا مجرد التنقية قد نقول إنها لا تفسد الصوم، لكن هذه الإضافات لها أثر في إفساد الصوم، وبناء على ذلك نقول إن غسيل الكلى إنه يحصل به التفطير للصائم، فإذا أمكن أن يجعل بالليل وإلا إذا احتاج الإنسان لغسيل الكلى فإنه يفعل باعتبار أنه مريض ، ويقضي ذلك اليوم الذي حصل فيه غسيل الكلى هذه هي أبرز النوازل المتعلقة بكتاب الصيام، والله تعالى أعلم.
    108
    __________
    (1) - سورة الإسراء آية : 78.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (15)

    سعد بن تركي الخثلان


    هل يجوز أخذ أجرة ومبلغ من المال مقابل تغسيل الأموات وتحضير الكفن وشرائه وتجهيزه وتكفينه؟
    نعم، لا بأس بذلك، عليه عمل المسلمين من قديم الزمان، وقد ذكر الفقهاء حكم يعني أخذ الأجرة على ذلك، ذكر بعض الفقهاء مثل هذا مع أن هذا من فروض الكفاية، ولكن لو قدر أن أحدًا طلب مبلغًا من المال وأعطي مقابل ذلك فلا حرج في ذلك إن شاء الله.
    هل يثبت دوران الأرض والوصول للقمر وما موقف المسلم من هذه الأخبار؟
    أولا : يعني دوران الأرض، أي كون الأرض تدور أصبحت المسألة قطعية، ذلك أن الأرض صورت عن طريق الأقمار الصناعية وعن طريق الطائرات، والمسألة الآن ليست يعني محلًّا للشك أصلًا، المسألة أصبحت قطعية، بل إنك لو بحثت في بعض مواقع الإنترنت تجد صورا للأرض وهي تدور، قد رأيت هذا بنفسي، تجد صورا للأرض وهي تدور ، ويحسب دوران الأرض الآن في سير الطائرات والمركبات الفضائية وغيرها.
    ولذلك أقول إنها أصبحت هذه المسألة من الأمور القطعية، بل إنني أقول إن ابن عاشور في التحرير والتنوير، ذكر أن قول الله تعالى: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } (1) قال إن هذه الآية تدل على دوران الأرض وعُبِّر عن الأرض بالجبال، وقال ولذلك قال ( وترى ) يعني لا يعرفه إلا قلة من الناس من هذه المعلومات، ولم يقل لم يلفت نظر الجميع لذلك، وإنما قال : وترى، فذكر أن المقصود بهذا المرور { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } (2) أن المقصود بذلك دوران الأرض والله تعالى أعلم.
    وبكل حال يعني لا يمكن أن تقع مصادمة بين النصوص وبين الأمور القطعية، هذه المسألة أصبحت من الأمور القطعية التي ترى وتشاهد وتحسب، في سير المركبات الفضائية وغيرها، ولذلك فإن إنكارها من قبل طالب العلم يهز الثقة في المعلومات في الوقت الحاضر خاصة، قد يكون العلماء السابقون قد يكونوا معذورين بسبب عدم توفر المعلومات الكافية في هذا، لكن في الوقت الحاضر مع تقدم المعلومات وتيسرها وتصوير الأرض عن طريق الفضاء الخارجي، أصبحت المسألة قطعية، ونعتذر للعلماء السابقين بأنهم لم تتوفر لهم المعلومات الكافية حول هذه المسألة، ولذلك قالوا بعدم دوران الأرض، فالأرض تدور وكذلك الشمس تدور أيضًا { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } (3) .
    وكذلك أيضًا ما ذكر من وصول القمر، لا مانع منه، قد ألف الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- رسالة في هذا وبين أنه ليس في النصوص ما يمنع من وصول القمر، الآن قد وصلوا إلى ما هو أبعد من القمر، فمثل هذه الأمور يعني ليس في النصوص ما يمنع منها، والله تعالى أعلم.
    أريد اسم كتاب حتى أستطيع فهم هذه المادة؟
    ليس هناك في الحقيقة كتاب معين، الحقيقة أبذل جهدًا في جمع أطراف هذه المادة، فليس هناك كتاب معين، لكن لعل هذه الدورة في الحقيقة توجد كتابًا، لعل هذه الدورة إن شاء الله إذا انتهت توجد كتابًا في هذا.
    ما حكم قراءة الكف وحكم فك السحر بالسحر؟
    قراءة الكف لا يجوز، هو من أعمال الشعوذة والدجل، وفك السحر بالسحر الصحيح أيضًا أنه لا يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - " سئل عن النشرة فقال : "هي من عمل الشيطان" " وهذا يقتضي تحريم ذلك.
    متى تكون رؤية الهلال في المرصد حقيقة؟
    إذا رؤي الهلال عن طريق المرصد هي رؤية حقيقية.
    كيف نفرق بين الخسوف الكاذب وعدم وجود الخسوف أصلًا؟
    ما يسمى بالخسوف الكاذب هو ليس بخسوف شرعًا أصلًا، ليس بخسوف شرعًا، ولكنهم الفلكيون يسمونه خسوفًا باعتبار ما يحصل هناك أن ضوء القمر يبهت قليلًا، ولا يدرك هذا إلا المختصين، ومثل هذا لا يسمى خسوفًا شرعًا ولذلك لا تشرع الصلاة عنده.
    ما حكم وضع الزبالة الصغيرة أمام المصلين وجوار المصاحف؟
    يعني لا يليق مثل هذا، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحك النخامة، فلا ينبغي أن توضع أمام المصلين.
    هل يقطع الرجل -ما هو واضح الخط- من أقام المصلي وهو يصلي دون سترة؟
    لعله يقصد مرور الإنسان، أو مرور الرجل أمام من يصلي بدون سترة، هل يقطع الصلاة أم لا، هو لا يقطع الصلاة، ولكنه يؤثر في نقصان أجر المصلي، ولهذا فإن المصلي يدرأه ما استطاع " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره وأراد أحد من الناس أن يمر بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين " إنما الذي ورد بأنه يقطع الصلاة كما في صحيح مسلم، المرأة والحمار والكلب الأسود، هذه الأمور الثلاثة هي التي تقطع الصلاة، وما عداه فإنها لا تقطع الصلاة وإنما تؤثر في نقصان أجر المصلي.
    نعم، إذا صلى بسترة طبعًا يكون بينه وبين السترة، أما إذا صلى من غير سترة، فمن العلماء من حدده بثلاثة أذرع، والأقرب، والله أعلم، هو أن الحد في ذلك إلى موضع سجوده، فإذا مر بين موضع سجوده وبين هذا المصلي، فإنه يقطع الصلاة إذا كان من هذه الثلاثة، وينقص من أجر المصلي إذا كان من غيرها، أما إذا كان بعد موضع السجود فإنه لا بأس بالمرور حينئذ، هذا هو أحسن ما قيل.
    الحرم مستثنى من هذا، وذلك بسبب الزحام الشديد، الصحيح أن الحرم مستثنى، والأصول والقواعد الشرعية تدل لهذا، حتى لو لم يأت لهذا نص خاص، عند الفقهاء قاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، ومن يرى كثرة الناس في الحرم، والحرج الذي يلحق الناس لو قيل بأن المرور بين يدي المصلي أنه يقطع الصلاة، يترجح، والله أعلم، أن الحرم مستثنى من هذه المسألة وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، يرى أن الحرم مستثنى من هذه المسألة، وإن كان بعض الفقهاء يخالف في هذه المسألة، إن كان بعضهم يرى أن الحرم كغيره، ولهذا كما البخاري وجماعة من أهل العلم يرون أن الحرم كغيره، ولكن الذي يظهر هو ما ذكرنا، نعم.
    ورد في الحديث: " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان عليه أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه " هل هو أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا لم يوضح، المسجد النبوي كغيره، لكن هذا فقط خاص بالمسجد الحرام، ونكتفي بهذا القدر والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    __________
    (1) - سورة النمل آية : 88.
    (2) - سورة النمل آية : 88.
    (3) - سورة يس آية : 40.
    صــــــــــــــ ــ 112
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل


    فقه النوازل (16)

    سعد بن تركي الخثلان

    بسم الله الرحمن الرحيم.
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:
    ففي هذا الدرس معنا ثلاث مسائل في كتاب الحج سوف نتناولها إن شاء الله، وبنهاية هذا الدرس نكون قد انتهينا من النوازل في العبادات، الأسبوع القادم سوف يكون إن شاء الله النوازل في غير العبادات.
    والمسائل التي بين أيدينا قبل أن ندخل فيها ونتكلم عنها أحب أن أنبه إلى بعض الأمور، وذلك بعد الاطلاع على الأسئلة الواردة من بعض الإخوة، فبعض الإخوة يستشكل إيراد بعض المسائل كيف تعتبر نازلة مع أنها ليست مسائل مستجدة، ونحن قد بينا في أول الدروس، في أول درس بينا المنهج الذي نسير عليه، وقلنا أننا سوف نذكر إن شاء الله المسائل المستجدة والمسائل غير المستجدة، لكن طرأ عليها أمر مستجد يتغير به الحكم، مسائل غير مستجدة لكن طرأ عليها أمر مستجد يتغير به الحكم، فنحن قلنا هذا هو المنهج الذي نسير عليه، وهذا هو المنهج الذي يسار عليه عندنا في الدراسات العليا في قسم الفقه بكلية الشريعة، فعندنا سلسلة في القسم في فقه النوازل في عدد من الأبواب الفقهية، فهذا هو المنهج الذي يسار عليه في الدراسات العليا، هو ما ذكرت لكم من ذكر المسائل المستجدة، أو المسائل غير المستجدة لكن طرأ عليها أمر مستجد يتغير به الحكم.
    فعلى سبيل المثال يعني مسألة إجزاء الشعير في زكاة الفطر في الوقت الحاضر عند من لم يعتبره قوتًا، هذه وإن كانت مسألة ليست مستجدة، لكن طرأ عليها أمر مستجد، هو أن كثيرًا من البلدان أصبح الشعير ليس قوتًا عندهم وإنما هو علف للبهائم، فهنا يتغير الحكم عند هؤلاء الذين لم يعد الشعير قوتًا لهم.
    الأمر الآخر أن بعض الإخوة يرى أن بعض المسائل التي تطرح ليست لها كبير أهمية وغيرها أهم منها، وأقول إن يعني الإخوة الموجودين هنا في هذا المسجد، والذين يتابعونا عن طريق الإنترنت من بيئات شتى، وربما بعض الإخوة باعتبار بيئته يرى عدم أهمية هذه المسألة لكنها تكون مهمة لآخرين، فلذلك نقول لبعض الإخوة ، وإن لم تكن هذه المسألة مهمة بالنسبة لك فإنها تهم غيرك من إخوانك المسلمين.
    المسائل التي بين أيدينا:
    المسألة الأولى: اتصال المسعى بالمسجد الحرام وأثر ذلك في الأحكام الشرعية.
    والمسألة الثانية: اتصال منى بمكة، وأثر ذلك في حكم قصر المقيمين بمكة للصلاة بمنى.
    الأمر الثالث: مقطوع الألية في الهدي والأضحية والعقيقة، مقطوع الألية، هل يجزئ في الهدي والأضحية والعقيقة أم لا؟
    هذه هي المسائل الثلاثة التي سوف نتناولها إن شاء الله.

    نبدأ بالمسألة الأولى وهي اتصال المسعى بالمسجد الحرام: نقول إن المسعى هو علم على المكان الذي تؤدى فيه شعيرة السعي، ابتداء من جبل الصفا وانتهاء بجبل المروة، ولم يكن المسعى عبر التاريخ الإسلامي لم يكن جزءًا من المسجد الحرام، ولا متصلًا به، بل كان منفصلًا عنه تمامًا، وما بين الحائط الشرقي للمسجد الحرام والمسعى ، يعني ما بين المسعى والمسجد الحرام أقيمت المساكن التي نمت وزادت على مر السنين وأنشئت بينهما، يعني بين المسعى والمسجد الحرام أنشئت الأسواق والمدارس والمنازل، ومن أشهر الأسواق التي كانت بين الحرم والمسعى، سوق الكتيبة، كان هذا سوقًا بين المسعى والمسجد الحرام، يسمى سوق الكتيبة، وأطلق عليه بعضهم اسم سوق الوراقين. ومن المدارس التي كانت بين المسجد الحرام والمسعى، من أشهرها مدرسة الشعرابي.
    والمسعى نفسه إلى جانب أنه مشعر كان في فترة مضت كان سوقًا كبيرة تمتد على جانبيه الدكاكين والمتاجر والمساكن، وكانت السيارات تسير في بطن الوادي، ومن قبل السيارات البهائم والدواب، بل كان في نفس المسعى، كان يختلط الساعون بالمتسوقين، وهذا أمر معلوم لدى كبار السن.
    وقد وصف هذا بعض المؤرخين، ومن المؤرخين الذين وصفوا ذلك، محمد طه الكردي في كتابه "التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم" قال ومما ذكر في هذا الكتاب قال: وقفت ساحة المسجد الحرام عند الحد الذي بلغته بعد عمارة السلطان مراد خان عام 984 للهجرة، ولكن البناء حوله لم يتوقف، يعني البناء حول المسجد الحرام يعني ما بين المسجد الحرام والمسعى، بل ظل يزحف إليه حتى اتصلت به المنازل من جميع الجهات، وأصبحت الطرق المؤدية إليه أزقة ضيقة ملتوية، يعني نشأت في هذه المنطقة التي بين المسجد الحرام والمسعى، نشأت هذه المساكن، حتى أصبح يعني الوصول إلى المسعى فيه مشقة.

    قال: وأصبحت الطرق المؤدية إليه، يعني إلى المسعى، أزقة ضيقة ملتوية، يجد في اجتيازها الذاهبون إليه والعائدون منه مشقة وعناء خاصة في أيام الحج، قال: وهكذا كانت حال المسعى فقد فصلت المباني الخاصة بينه وبين المسجد الحرام، وأصبح على مر العصور طريقًا تقوم على جوانبه الحوانيت تطؤها السلع المختلفة، وترتفع فوقها المساكن، والباعة المتجولون يعرضون بضائعهم في كل ركن منه، لقد أصبح موضع العبادة سوقًا يختلط قصاده للعبادة بقصد للبيع والشراء فيتزاحمون، حتى صار المسعى شاقًّا خشية التصادم بسبب الزحام إلى آخر ما ذكر.

    المقصود أن يعني بعض المؤرخين أشار إلى هذه المسألة، ولعل من أسباب التغاضي عن هذه الظاهرة عبر القرون السابقة هو أن عدد الحجاج كان قليلًا، عدد الحجاج والمعتمرين كان قليلًا، فلم يكن ذلك يسبب مشكلة كبيرة، ولكن لما تكاثر عدد الحجاج والمعتمرين في الوقت الحاضر، وقامت المملكة العربية السعودية في عهد الملك سعود -رحمه الله- بتوسعة المسجد الحرام، ابتدأت أعمال هذه التوسعة عام 1375 للهجرة وهدمت المنازل والدور التي كانت بين المسجد الحرام، وبين المسعى، وعوض أصحابها عوض أصحاب تلك المنازل.
    ثم فصل المسعى بأسلوب هندسي بحيث بعد إزالة تلك المساكن أصبح متصلًا بالحرم، أصبح متصلًا بالمسجد الحرام بعد إزالة وفصل تلك المنازل عنه، وقسم إلى قسمين قسم يذهب من الصفا إلى المروة، والآخر من يعود من المروة إلى الصفا، وهذا التقسيم حدث مع التوسعة، وإلا فكان في السابق ليس هناك تقسيم، وذلك بسبب كثرة أعداد الحجاج، وهذا من توفيق الله - عز وجل - وهذا مما يذكر من باب الاعتراف لأصحاب الفضل بفضلهم يذكر من محاسن الدولة السعودية عنايتها بالمسجد الحرام.
    فاتصل المسعى بهذا، اتصل المسعى بالمسجد الحرام وأزيلت تلك المساكن. لما اتصل الآن المسعى بالمسجد الحرام، هل يتغير الحكم الشرعي، هل نقول إن هذا المسعى الآن أصبح حكمه حكم المسجد الحرام، أو نقول إنه منفصل عنه، تجد في عامة كتب أهل العلم يعتبرون المسعى خارجًا عن المسجد الحرام، ولذلك يجوز للحائض أن تسعى وهي حائض، بينما لا يجوز لها أن تطوف وهي حائض، يعللون ذلك بأن المسعى منفصل عن المسجد الحرام، يجوز للإنسان أن يسعى وهو على غير طهارة، بينما ليس له أن يطوف إلا بطهارة، لكن الآن اتصل المسعى بالمسجد الحرام، فهل نقول إن المسعى يأخذ حكم المسجد الحرام، بعد هذا الاتصال، فهذا وجه اعتبار هذه المسألة نازلة، أنه على مدار القرون الماضية كان المسعى منفصلًا عن المسجد الحرام، والآن اتصل.
    ثم فصل المسعى بأسلوب هندسي بحيث بعد إزالة تلك المساكن أصبح متصلًا بالحرم، أصبح متصلًا بالمسجد الحرام بعد إزالة وفصل تلك المنازل عنه، وقسم إلى قسمين قسم يذهب من الصفا إلى المروة، والآخر من يعود من المروة إلى الصفا، وهذا التقسيم حدث مع التوسعة، وإلا فكان في السابق ليس هناك تقسيم، وذلك بسبب كثرة أعداد الحجاج، وهذا من توفيق الله - عز وجل - وهذا مما يذكر من باب الاعتراف لأصحاب الفضل بفضلهم يذكر من محاسن الدولة السعودية عنايتها بالمسجد الحرام.
    فاتصل المسعى بهذا، اتصل المسعى بالمسجد الحرام وأزيلت تلك المساكن. لما اتصل الآن المسعى بالمسجد الحرام، هل يتغير الحكم الشرعي، هل نقول إن هذا المسعى الآن أصبح حكمه حكم المسجد الحرام، أو نقول إنه منفصل عنه، تجد في عامة كتب أهل العلم يعتبرون المسعى خارجًا عن المسجد الحرام، ولذلك يجوز للحائض أن تسعى وهي حائض، بينما لا يجوز لها أن تطوف وهي حائض، يعللون ذلك بأن المسعى منفصل عن المسجد الحرام، يجوز للإنسان أن يسعى وهو على غير طهارة، بينما ليس له أن يطوف إلا بطهارة، لكن الآن اتصل المسعى بالمسجد الحرام، فهل نقول إن المسعى يأخذ حكم المسجد الحرام، بعد هذا الاتصال، فهذا وجه اعتبار هذه المسألة نازلة، أنه على مدار القرون الماضية كان المسعى منفصلًا عن المسجد الحرام، والآن اتصل.
    قبل أن أشير إلى هذه المسألة يعني أشير إلى أيضًا ما دمنا أشرنا إلى الجهود التي قد بذلت في إزالة المساكن والدكاكين التي بين المسعى والمسجد الحرام، أشير إلى أنه أيضًا كان في المسجد الحرام نفسه كان هناك مقامات، مقام للمذهب الحنفي، المقام الحنفي، والمقام المالكي، والمقام الحنبلي، وكان المقام الحنفي يصلي بهم إمام من أتباع مذهب أبي حنيفة، والحنفية يصلون خلفه، والمقام المالكي يصلي بهم إمام من المذهب المالكي، والمقام الحنبلي يصلي بهم إمام من المذهب الحنبلي، فكانت تقام عدة جماعات في المسجد الحرام، يعني لم يكن هناك إمام واحد، بل كان هناك عدد من الأئمة.

    الغريب في الأمر أن هذه المقامات موجودة من وقت طويل، وقد ذكر المؤرخ إبراهيم بن عيسى المتوفى سنة 1079 للهجرة، ذكر أن وقت حدوث هذه المقامات غير معروف تحقيقًا، قال: ورأيت ما يدل على أن المقام الحنفي والمالكي كانا موجودين في سنة سبع وتسعين وأربعمائة للهجرة، يعني 497، كان المقام الحنفي والمالكي موجودين، وأن الحنبلي لم يكن موجودًا، قال: ووجدت ما يدل عليه أنه موجود في سنة الأربعين وخمسمائة.

    وذكر أيضًا حسين عبد الله با سلامة بأن إحداثها كان القرن الرابع أو الخامس، يعني أن هذه المقامات لها أكثر من تسعمائة سنة، إذا قلنا أن المقام الحنفي والمالكي كانا موجودين سنة 497، ولم تزل إلا قريبًا في وقت الملك عبد العزيز، معنى ذلك أنها بقيت قرابة تسعمائة سنة أو تزيد، فكان الناس في المسجد الحرام يصلون جماعات وأكثر من إمام.
    طيب ما موقف العلماء، العلماء أنكروا هذا لكن حاولوا إزالة مثل هذه المقامات وتوحيدهم على إمام واحد، لكن لم تجد محاولاتهم، وكتب في هذا كتابات ومؤلفات في إنكار هذا العمل، كيف يكون يعني الناس في المسجد الحرام جماعات وعلى مذاهب، والحنفي لا يصلي خلف المالكي، والمالكي لا يصلي خلف الحنفي، والحنبلي لا يصلي خلف المالكي أو الحنفي، هذا من التفرق، لكن الغريب في الأمر يعني استمرارها هذه المدة الطويلة أكثر من تسعمائة سنة، حتى قيد الله - عز وجل - الدولة السعودية فجمعت الناس على إمام واحد، كان ذلك سنة 1343، لما دخل الملك عبد العزيز -رحمه الله- الحجاز، جمع الناس على إمام واحد.
    وفي سنة 1377 أصدر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- مفتي المملكة أصدر فتوى بإزالة المقامات الثلاثة، ولم يكن فيه إلا مقامات ثلاثة، الحنفي والمالكي والحنبلي، الشافعي ليس موجودًا، عام 1377، وأزيلت تلك المقامات وأصبح الناس، ولله الحمد، على إمام واحد، بعدما كانت هذه المقامات موجودة مدة طويلة، وهذا يعني كما ذكرت من باب الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم من محاسن الدولة السعودية.
    وقد كان هناك يوجد حفرة عن يمين الواقف أمام باب الكعبة، يسميها العامة حفرة التوبة، كان الناس يقعون في هذه الحفرة يسمونها حفرة التوبة، ثم دفنت أيضًا في ذلك التاريخ دفنت هذه الحفرة، فأصبح يعني الحال على ما هو عليه الآن كان هذا من فضل الله - عز وجل - وتوفيقه.
    المسألة التي بين أيدينا الآن اتصال المسعى بالمسجد الحرام، ما أثره في الأحكام الشرعية.
    اختلف العلماء في هذه المسألة، فبعض أهل العلم قال إن المسعى لما اتصل بالمسجد الحرام فينبغي أن يأخذ حكم المسجد، فيترتب على ذلك أن الحائض لا يجوز لها أن تسعى وهي حائض ولا أن تمكث في المسعى، وهكذا بالنسبة للجنب، ومن العلماء من قال إنه : وإن اتصل بالمسجد الحرام إلا أنه يبقى مشعرًا منفصلًا عنه.
    وقد بحثت هذه المسألة في مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في الدورة الرابعة عام 1415 للهجرة، قبل اثني عشر عامًا، واختلف العلماء في المجمع في هذه المسألة، ولكن صدر قرار بالأغلبية بأن المسعى لا يأخذ حكم المسجد، كان يرأس المجمع الفقهي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وجاء في قرار المجمع أن المسعى بعد دخوله ضمن مبنى المسجد الحرام، لا يأخذ حكم المسجد، ولا تشمله أحكامه لأنه مشعر مستقل، يقول الله - عز وجل - { * إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ جچح!$yèx© اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } (1) وقد قال بذلك جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة.
    وتجوز الصلاة فيه متابعة للإمام في المسجد الحرام في غيره من البقاع الطاهرة، ويجوز المكث فيه والسعي للحائض والجنب، وإن كان المستحب في السعي الطهارة.
    إذًا مجمع الفقه يرى أن الأحكام المدونة في كتب الفقهاء المتقدمين تبقى كما هي من أن الحائض يجوز لها أن تسعى وهي حائض، وأنه لا يشترط الطهارة للسعي، وأنه وإن اتصل بالمسجد الحرام إلا أنه يبقى منفصلًا عنه باعتبار أنه مشعر. هذا هو الذي ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو الأقرب في هذه المسألة والله تعالى أعلم.
    ويترتب على هذا أن الساحات الخارجية التي خلف المسعى ليست من المسجد الحرام، لأنه إذا كان المسعى ليس من المسجد الحرام، فمن باب أولى الساحة التي خلفه ليست من المسجد الحرام، ولذلك من أتى لهذه الساحة له أن يجلس من غير أن يأتي بتحية المسجد باعتبار أنها ليست من المسجد الحرام، ولا تأخذ حكم المسجد الحرام، ولكن إذا اتصلت الصفوف فإنها تأخذ حكم المسجد باعتبار اتصال الصفوف، ويكون للمصلي أجر من صلى في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وهذا حتى في غير المسجد الحرام لو افترضنا أن هذا الجامع مثلًا امتلأ بالمصلين يوم الجمعة وصلى بعض الناس خارج الجامع فإن صلاتهم خارج الجامع، تأخذ حكم صلاتهم داخل الجامع ما دامت الصفوف متصلة، هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.
    اتصال منى بمكة وأثر ذلك في حكم قصر المقيمين بمكة للصلاة في منى

    المسألة الثانية من نوازل في كتاب الحج: اتصال منى بمكة وأثر ذلك في حكم قصر المقيمين بمكة للصلاة في منى:

    نقول : إن منى لم تكن من قبل متصلة بمكة ، بل كان بينها وبين عامر مكة، كان بين منى وعامر مكة جبال وأودية وشعاب، فالمسافة بينهما يطلق عليها سفر عند بعض الفقهاء، كما عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وجمع من الفقهاء، ولكن في الوقت الحاضر اتصلت منى بمكة، بل إن منى أصبحت تكاد أن تصبح حيًّا من أحياء مكة، بل إن بعض الأحياء بعض أحياء مكة، لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق منى، ومن يذهب إلى منى من أهل مكة لا يحتاج إلى حمل زاد ومزاد، وليس في عرف الناس اليوم أن من يذهب من مكة إلى منى أنه يقول قد سافرت إلى منى، بل هو في انتقاله من مكة إلى منى كانتقاله لأي حي من أحياء مكة، بل بعض أحياء مكة أبعد من منى.
    فهذا الاتصال لا يمكن أن يقال معه أن المسافة بين منى ومكة مسافة قصر، وهذا يقودنا قبل أن نشير إلى كلام أهل العلم في هذه المسألة، مسألة اتصال منى بمكة، وأثره في القصر بالنسبة لأهل مكة، نشير أولًا إلى آراء العلماء في حكم قصر أهل مكة للصلاة، في حكم قصرهم الصلاة بمنى وبعرفة وبمزدلفة. نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
    القول الأول: أن أهل مكة لا يقصرون ولا يجمعون في هذه المشاعر، ومنها منى، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، وهو قولٌ عند الحنابلة.
    القول الثاني: أنهم يجمعون ولا يقصرون، وهذا هو مذهب الحنفية، قال به طائفة من أصحاب أحمد، ومن أصحاب الشافعي.
    القول الثالث: أنهم يجمعون ويقصرون، يجمعون ويقصرون في منى وعرفات ومزدلفة، يجمعون ويقصرون، وهذا هو مذهب مالك، وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم رحمهما الله تعالى.

    فإذا نجد أن من الفقهاء من قال أنهم لا يجمعون ولا يقصرون، ومنهم من قال يجمعون ولا يقصرون، ومنهم من قال يجمعون ويقصرون، لكن من قال بأنهم يجمعون ولا يقصرون، أو يجمعون ويقصرون، هل الجمع والقصر هنا لأجل النسك، أو لأجل السفر، خلاف بين أصحاب هذا القول، فمنهم من قال إن سبب الجمع هو النسك، أن الجمع هنا والقصر لأجل النسك.
    ولكن هذا القول يرد عليه، يرد على القول بأن الجمع والقصر لأجل النسك، يرد عليه إشكالية، وهي أننا لو قلنا بأن هذا الجمع والقصر لأجل النسك فيترتب على هذا أن المكي إذا أحرم في بيته جاز له أن يقصر وأن يجمع، ولا قائل بذلك من العلماء. اتضح المقصود، لو قلنا بأن القصر والجمع لأجل النسك يترتب على هذا أن المكي إذا أحرم في بيته جاز له أن يقصر وأن يجمع وهو في البيت لأنه تلبس بالنسك الآن، ولا قائل بذلك من أهل العلم، فهذا يرد على القول بأنه لأجل النسك، ولذلك فإن هذا القول قول ضعيف، وإن كان بعض العلماء قد تبناه هربًا من الإشكالية الواردة، بعض العلماء المعاصرين تبنى هذا القول هربا من الإشكالية الواردة وهي اتصال منى بمكة، وحينئذ فالصواب أن القصر لأجل السفر وليس لأجل النسك.
    وقد تبنى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ونصره، وهو أن القصر لأجل السفر وليس لأجل النسك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال : إن من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقَها علم علمًا يقينيًّا أن الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك، ولم ينقل أحد قط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال بعرفة أو مزدلفة أو بمنى : يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر، وإنما نقل أنه قال ذلك في نفس مكة، كما رواه أهل السنن عنه، وقوله ذلك في داخل مكة دون عرفة ومزدلفة ومنى دليل على الفرق.
    إذًا شيخ الإسلام -رحمه الله- يرى أن القصر والجمع إنما هو لأجل السفر، وهكذا أيضًا ابن القيم، وهكذا أيضًا هو مذهب المالكية، وإن كان المالكية مذهبهم أن السفر المبيح للترخص، هو ما كان يوم وليلة وهو في حدود ثمانية كيلو متر تقريبًا لكنهم يستثنون هذه المسألة، وإن لم نقف على قول أو تعليل لهم في كتبهم بأن ذلك لأجل النسك.
    ولكن سبق أن قررنا أن القول بأنه لأجل النسك قول ضعيف فيبقى القول بأن من قال من العلماء بأن أهل مكة يقصرون العلة بذلك السفر، كيف يعتبر سفرًا والمسافة ليست كبيرة بين منى وبين مكة، قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وذكر أنه يوجد بين مكة ومنى، يوجد صحراء فيها أودية وشعاب وجبال، وهكذا بينها وبين عرفات وبين مزدلفة، وهذا يسمى على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر سفرا.
    هذا القول قبل اتصال منى بمكة قول متجه، لكن الآن لما اتصلت منى بمكة هنا تنتفي هذه العلة، معلوم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وكما قدمنا اتصلت الآن منى بمكة، وتكاد تصبح حيًّا من أحيائها ولا يمكن أن نعتبر المسافة الآن بين منى ومكة مع هذا الاتصال، لا يمكن اعتبارها سفرًا، ولو تأملت يعني هذا التصور وجدت أن الآن منى اتصلت الآن بحي العزيزية، وهذا الاتصال يجعلنا نقول : إن أهل مكة في هذه الحال ليس لهم أن يترخصوا برخص السفر؛ لأن المسافة ما بين منى ومكة لم تعد سفرًا بعد اتصال منى بمكة، لم تعد هذه المسافة سفرًا.
    ومن قال بجواز القصر والجمع، فعلل ذلك بأنه لأجل السفر، ولم تعد هذه المسافة في وقتنا الحاضر تعد سفرًا، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذهب إلى قباء كل سبت، يعني كل أسبوع ويصلي فيه ركعتين في مسجد قباء، والمسافة ما بين مسجده - صلى الله عليه وسلم - وقباء أطول من المسافة التي بين مكة الآن ومنى، ومع ذلك لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى في قباء لم يكن يقصر الصلاة.
    بل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- الذي يرى القصر لأهل مكة في منى يقول: إن مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بمنزلة القرى المتقاربة، عند كل قوم نخيلهم ومقابرهم ومساجدهم قباء وغير قباء، ولم يكن خروج الخارج إلى قباء سفرًا، ولهذا لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يقصرون في مثل ذلك، والمنتقل في المدينة من ناحية إلى ناحية ليس بمسافر ولا يقصر الصلاة، هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في حال المدينة وعواليها وقراها المحيطة بها، فمن باب أولى منى مع مكة في الوقت الحاضر.
    فنقول إذًا إن علة قصر أهل مكة في منى إما أن تكون لأجل النسك وهذا قلنا أنه قول ضعيف، أو لأجل السفر، وهذا قول متجه قبل اتصال منى بمكة، وأما بعد اتصال منى بمكة فلم تعد هذه العلة باقية الآن، انتفت علة السفر والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولهذا نقول إن أهل مكة إذا حجوا فإنهم في منى وفي عرفات وفي مزدلفة لا يقصرون ولا يجمعون، اللهم إلا إذا كان في ترك الجمع حرج كبير، فيجوز لهم الجمع لأجل هذا الحرج، أما القصر فليس لهم القصر مطلقًا.
    ويأخذ حكم أهل مكة المقيمين فيها من غير أهل مكة إقامة طويلة، مثل الجنود الذين يقيمون إقامة طويلة ونحوهم فيأخذون حكم أهل مكة في هذا. وهذه المسألة من المسائل التي يكثر السؤال عنها والحكم فيها كما سمعتم على هذا التفصيل، على أن أكثر أهل العلم وجمهور أهل العلم قبل اتصال منى بمكة يرون أن أهل مكة لا يقصرون، فكيف مع اتصال منى بمكة في الوقت الحاضر، هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.
    __________
    (1) - سورة البقرة آية : 158.
    صــ 124




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (17)

    سعد بن تركي الخثلان

    حكم الأضحية والهدي والعقيقة بمقطوع الألية
    المسألة الثالثة، وهي متعلقة بباب الهدي والأضحية والعقيقة، وهي مسألة مقطوع الألية:

    والألية تضبط هكذا بفتح الهمزة، كما قال ابن منظور في لسان العرب، قال ابن منظور: الألية بالفتح العجيزة للناس وغيرهم، وألية الشاة وألية الإنسان مفتوحة الألف، وقال : ولا تقل إلية فإنها خطأ.
    وجه اعتبار هذه المسألة من النوازل، هو أن قطع الألية لم يكن معروفًا ومشتهرًا في المجتمعات الإسلامية، قطع الألية بالنسبة للأغنام لم يكن معروفًا ومشتهرًا، وإن كان قد يوجد لكن لم يكن معروفًا ومشتهرًا، وفي الوقت الحاضر أصبحت كثيرٌ من الأغنام التي ترد خاصة من أستراليا ونيوزيلندا وبعض الدول الأوربية تأتي وقد استؤصلت أليتها، فهل تجزئ تلك الأغنام مع استئصال الألية هل تجزئ في الهدي والأضحية والعقيقة أم لا؟
    بعض الفقهاء المتقدمين أشاروا لهذه المسألة ربما على سبيل الافتراض أو أنها ربما توجد لكن بقلة، وقد أشار لها الموفق ابن قدامة في المغني إشارة مختصرة، فقال رحمه الله: ولا تجزئ ما قطع منها عضو كالألية، ولكن لم يتوسع الفقهاء المتقدمون في هذه المسألة كما ذكرت بسبب أن هذا لم يكن معروفًا ومشتهرًا في المجتمعات الإسلامية، لكن في الوقت الحاضر أصبح هذا كثيرًا، وذلك أن القائمين على تربية تلك الأغنام يرون أن الألية إذا قطعت فإن ذلك يؤدي إلى مردود اقتصادي بالنسبة لهم، فقطع الألية يسبب سمن تلك الأغنام مما يؤدي إلى ارتفاع قيمتها فيكون في ذلك مردود اقتصادي لهم.
    لما أصبحت تلك الأغنام تأتي وتُستورد، بحث مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة هذه المسألة قبل عشر سنوات، وأصدر فيها قرارًا جاء فيه أن مجلس الهيئة درس موضوع حكم الأضحية والهدي والعقيقة بمقطوع الألية؛ لأن أكثر الأغنام التي ترد إلى المملكة من أستراليا ونيوزيلندا وبعض الدول الأوروبية مستأصلة أليتها، واطلع المجلس على البحوث المعدة فيه، وعلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو دواد والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم والدارمي، والبيهقي والحاكم من طرق متعددة: " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بعوراء ولا مقابَلَة - والمقابلة هي التي شقت أذنها من الأمام عرضًا - ولا مدابَرة - وهي التي شقت أذنها من الخلف عرضا - ولا شرقاء - هي التي شقت أذنها طولًا - ولا خرقاء - وهي التي خرقت أذنها " قال زهير أحد رواة الحديث قلت لأبي إسحاق ما المقابلة إلى آخره.
    وجاء في بعض طرق حديث علي عند البيهقي: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضحى بعضباء الأذن والقرن " قال قتادة أحد رواة الحديث وسألت سعيد بن المسيب عن العضب فقال : النصف فما زاد، أي قطع النصف فأكثر من الأذن أو القرن، هذا هو الأصل في هذه المسألة.
    وقرر المجلس بالأكثرية أنه لا تجزئ الأضحية ولا الهدي ولا العقيقة بمقطوع الألية؛ لأن الألية عضو كاملٌ مقصود، فصار مقطوعها أولى بعدم الإجزاء من مقطوع القرن والأذن، إذًا التعليل أن الألية عضو كامل مقصود، فصار مقطوعها أولى بعدم الإجزاء من مقطوع القرن والأذن، يعني إذا كان مقطوع القرن والأذن لا يجزئ فلا يجزئ مقطوع الألية من باب أولى، فالألية ذات قيمة ومرادة ومقصودة في نفسها.
    ولهذا عند إكرام الضيف في بعض المجتمعات يرون أن وجود الألية على الذبيحة أنه رمز لإكرام الضيف، وأن تقديم الذبيحة بدون الألية يشعر بالنقص في إكرام ذلك الضيف، لا زال هذا موجودًا عند بعض المجتمعات، وهذا يدل على أن الألية مقصودة ومرادة في ذاتها، فهي عضو مقصود، فإذا كانت عضوًا مقصودًا، فقطعها يجعلنا نقول : إن تلك الأغنام التي قطعت منها لا تجزئ، فهي أولى بعدم الإجزاء من مقطوع الأذن والقرن، إذا كان مقطوع القرن والأذن لا يجزئ، مع أن القرن والأذن قد لا يستفاد منهما، فمقطوع الألية من باب أولى، ولهذا عند الأضحية والهدي والعقيقة ينبغي التأكد من هذا، من أن ما تريد أن تضحي به أو ما تريد أن تهديه أو ما تريد أن تجعله عقيقة تتأكد من أنه ليس مقطوع الألية.
    يوجد بعض الأغنام تشبه مقطوع الألية لكنها يكون لها ذيل قصير بأصل خلقتها، بأصل الخلقة، فهذه تجزئ، هذه تجزئ لأنها لم تقطع الألية منها، وإنما أتت هكذا بأصل خلقتها، ومن ذلك بعض الأغنام الأسترالية، بعض الأغنام الأسترالية لا يكون لها ألية، وإنما يكون لها ذيل كذيل البقرة، فهذه التي ليست لها ألية خلقة، وإنما لها ذيل تجزئ في الهدي والأضحية والعقيقة إذا توفرت الشروط الأخرى.
    هذا هو حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.
    صـــــــ 127
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    35,314

    افتراضي رد: فقه النوازل

    فقه النوازل (18)

    سعد بن تركي الخثلان

    قال: نازلة الرمي بالليل في الحج؟
    نعم، لم أذكر هذه المسألة أو هذه النازلة باعتبار أن الحكم فيها الآن أصبح مستقرًّا وظاهرًا وليس فيها كثير إشكال، كان الاستشكال في بداية الأمر، لكن استقر الآن رأي عامة العلماء المعاصرين، بجواز الرمي ليلًا، ولا أعرف الآن عالمًا من العلماء المعتبرين الكبار يرى عدم الجواز، فاستقر الأمر على هذا، ولهذا لم نذكرها لأنه قد استقر عليها رأي عامة العلماء المعاصرين؛ لأن الرمي بالليل لم يكن يحتاج له الناس من قبل بسبب قلة عدد الحجاج.
    وأذكر أن الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- يذكر أنه يعني في أول موسم الحج يقول : كنا نطوف ونقبل الحجر الأسود في كل شوط، بسبب قلة الناس في ذلك الوقت، يقول: ونقيم بمكان يعني مسجد الخيف ونرى الناس وهم يرمون الجمرة، فكان الناس يعني لم تكن أعداد الحجاج كثيرة، لكن في الوقت الحاضر زاد أعداد الحجاج زيادة كبيرة؛ بسبب أولًا كثرة سكان الكرة الأرضية، سكان الكرة الأرضية تضاعف الآن، وأيضًا بسبب تيسر وسائل المواصلات.
    إذا كانت علة القصر والجمع السفر وما فيه مشقة، الآن توجد مشقة بسبب الزحام وكثرة الناس، ألا يكون ذلك سببا للقصر والجمع؟
    العلة في القصر والجمع هي السفر، متى ما وجد السفر جاز الترخص برخص السفر، لكن إذا لم يوجد السفر فليس للإنسان الترخص بحجة الزحام والمشقة، الزحام والمشقة نعم قد تكون سببًا للجمع، لا للقصر، فالقصر لا بد من وجود علة السفر، لا بد، أما الجمع فيجوز عند وجود الحرج مطلقًا سواء وجد السفر أو لم يوجد، لما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر " فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: أراد أن لا يحرِّج أمته، فدل ذلك على أنه إذا وجد الحرج جاز الجمع، إذا وجد الحرج بترك الجمع جاز الجمع في هذه الحال، أما القصر فإنه لا بد من وجود السفر.
    وهل يحد السفر مسافة معينة أو لا يحد؟
    اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، والمذاهب الأربعة على أنه يحد، ومنهم من حدد بالزمان، ومنهم من حدد بالمسافة، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وجماعة من أهل العلم، يرون عدم التحديد وأن ذلك راجع للعرف، ولكن الواقع أن العرف لا ينضبط، ولذلك تجد أن أحيانًا يخرج مجموعة من طلاب العلم، إلى مكان ويختلفون، بعضهم يقول : إن العرف يدل على أن هذه المسافة السفر، وآخرون يقولون : إن العرف يدل على أنها ليست بسفر.
    والأقرب، والله أعلم، في هذه المسألة هو ما عليه جمهور أهل العلم من تحديد المسافة، بما ورد في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم " فهنا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أقل مدة للسفر، قال : مسيرة يوم وليلة، ولو كان السفر يصدق على أقل من هذه المدة لذكره؛ لأن السياق يقتضي ذلك، ومسيرة يوم وليلة يعبر عنه بعض الفقهاء من فقهاء الحنابلة بمسيرة يومين قاصدين بسير الإبل المحملة، وهي تعادل تقريبًا ثمانين كيلو مترا.
    هذا هو الأقرب في هذه المسألة وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، أولًا لهذا الحديث.
    ثانيًا: لأن هذا قد أثر عن بعض الصحابة ومنهم ابن عباس وابن عمر، فكانا يقولان يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد، وأربعة برد تعادل ثمانين كيلو مترا تقريبًا، ولا شك أن الصحابة هم أعلم الناس بشريعة الله، وأعلم الناس بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعلم الناس بمدلول لغة العرب، فالأقرب هو التحديد بنحو ثمانين كيلو مترا، هذا هو الأقرب في هذه المسألة.

    ما حكم الجماعات التي تقام في المسجد الحرام، وهل يصح أن تقام جماعتان أو ثلاثة في وقت واحد؟

    أما إقامة أكثر من جماعة في وقت واحد فهذا غير مشروع، هذا غير مشروع، ولكن إذا أقيمت الجماعة الأولى ثم أتى مجموعة فالصحيح أنه يشرع لهم أن يقيموا جماعة أخرى بعد الجماعة الأولى، وإن كان المسألة فيها خلاف، لكن هذا هو الأقرب، والله أعلم، وهو الذي عليه أكثر العلماء، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى بالناس وقد دخل رجلٌ قال: " من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " المعلوم أنه إذا صلى معه أحد كانت جماعة أخرى بعد الجماعة الأولى التي أمهم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل ذلك على أن هذا لا بأس به لكن يكون هذا بصفة عارضة لا يكون بصفة مستمرة.

    رأيت كتابًا في هذا الموضوع فقه النوازل هل اطلعتم عليه؟

    نعم الكتاب الذي أشار الأخ السائل اطلعت عليه، وفقط فيه جمع لبعض كلام العلماء المعاصرين.
    هل إسدال اليد بعد الرفع من الركوع سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
    الظاهر، والله أعلم، أن اليدين بعد الرفع من الركوع يكون وضعهما على هيئة وضعهما قبل الركوع، أي أنه يضع اليد اليمنى على اليسرى على صدره، هذا هو الأقرب في هذه المسألة.
    الإيجار المنتهي بالتمليك ما حكمه؟
    سبق أن تكلمنا عنه في الدورة الماضية في العام الماضي بالتفصيل، فلعل الأخ السائل يرجع إلى موقع الجامع على الإنترنت وسيجد الجواب المفصل عن هذا السؤال.
    إذا دفن الميت وجاء قوم يصلون عليه هل يصلون جماعة أم فرادى؟
    يصلون عليه جماعة، يصلون عليه جماعة ولا حرج في ذلك.

    في زماننا هذا أليس الأفضل أن تخرج زكاة الفطر مالًا - يقصد نقدا - حتى يستفيد المستحقون من هذا النقد؟

    نقول هذا الإيراد يرد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت النقود موجودة، فكان هناك الدراهم والدنانير، ولا شك أنها أنفع للفقراء من الطعام، لأن الفقير يستطيع أن يشتري بهذه الدراهم والدنانير ما شاء من طعام وغيره، ومع ذلك فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بإخراج زكاة الفطر طعامًا، وهكذا كان هو الذي عليه العمل في القرون الثلاثة المفضلة.
    ثم إن إخراج زكاة الفطر نقدًا يجعل المسألة لا فرق بين زكاة الفطر، وبين زكاة المال، لو قلنا بجواز إخراجها نقدًا، لم يعد هناك فرقٌ بين زكاة الفطر، وبين زكاة المال، ثم أيضًا زكاة الفطر شعيرة، ولا بد من إبراز هذه الشعيرة في المجتمعات الإسلامية، وإخراجها نقدًا، لا تبرز معه هذه الشعيرة، تصبح كأنها صدقة خفية كسائر الصدقات، بينما إخراجها طعامًا يجعلها شعيرة ظاهرة يراها الناس، ويراها الصغير والكبير، وعامة الناس، فتبرز هذه الشعيرة في المجتمع، وهذا أمر مقصود شرعًا.
    كل هذه المعاني تفوت مع إخراجها نقدًا، ثم أيضًا إن الغالب أنه عند إخراجها نقدًا أنها لا تصل لمستحقيها قبل صلاة العيد، وإن كان قد يقال أنه ربما بعض الناس يكون عندهم تحر، لكن من خلال التجربة وجدنا أن الذين يجمعون زكاة الفطر نقدًا، يحصل منهم شيء من التفريط فلا تصل إلى مستحقيها قبل صلاة العيد، وبكل حال فالسنة قد دلت على أنها إنما تخرج طعامًا لا نقدًا.
    طيب، من صلى في الشقق القريبة من الحرم هل له مائة ألف صلاة، وهل من صلى بمسجد قريب من الحرم له ذلك؟
    هذه مسألة خلافية وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من صلى في المسجد الحرام فإن صلاته تعدل مائة ألف صلاة، مائة ألف صلاة حسبها بعض العلماء كالنحَّاس وغيره قالوا إنها تعدل ما لو صلى الإنسان الصلوات الخمس خمسًا وخمسين سنة وبضعة أشهر، يعني عمر طويل الصلاة الواحدة فقط، يعني لو صليت فريضة واحدة تعدل ما لو صليت هذه الفريضة خمسًا وخمسين سنة وأشهرًا، وهذا يدل على فضل الصلاة في المسجد الحرام.
    ولكن هل هذا خاص بالمسجد أو أنه يشمل الحرم كله، فيشمل المساجد القريبة من المسجد الحرام، ويشمل منى، ويشمل مزدلفة، هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، والأقرب، والله أعلم، أن هذا الفضل خاص بالمسجد الحرام، أن هذا الفضل خاص بالمسجد؛ لأنه جاء في صحيح مسلم في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " صلاة في مسجدي هذا، تعدل ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الكعبة " قوله إلا مسجد الكعبة فيه إشارة إلى أن الفضل إنما يختص بمسجد الكعبة فقط، ولا يشمل جميع منطقة الحرم، فهذا هو الأقرب، وإن كانت الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في غير الحرم.
    ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام - لما أقام بالحديبية، كان إذا أراد أن يصلي دخل في حدود الحرم، الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في غير الحرم، لكن كلامٌ عن الفضل الخاص، وهو مائة ألف صلاة، هذا الظاهر، والله أعلم، أنه إنما يختص بمسجد الكعبة فقط، نعم هذه مسألة أخرى يعني هو المسجد الحرام يطلق أيضًا على الحرم: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } (1) المقصود به الحرم كله، وليس المقصود المسجد فقط، هذه يحددها السياق، لكن الفضل الظاهر، والله أعلم، أنه خاص بالمسجد.
    هل الطابق الثاني من المسعى بنفس أجر السعي بالطابق الأرضي؟
    نعم، الطابق الثاني حكمه حكم المسعى في الدور الأرضي ولأن الهواء له حكم القرار، وهكذا بالنسبة للطواف، وهكذا بالنسبة للصلاة أيضًا، أنت عندما تصلي للكعبة ربما تصلي في مكان مرتفع، أو مكان منخفض فلا تصلي إلى بناء الكعبة، لكنك تصلي إلى يعني الهواء مقابل لقرار الكعبة، هكذا أيضًا نقول بالنسبة للمسعى، فالطابق الثاني حكمه حكم المسعى الأرضي ولا وجه للتحرج في الطابق العلوي في المسعى، لا وجه للتحرج.
    قال: وإذا كان هذا صحيحًا نرجو الاقتراح على القائم على الحرم إضافة مسعى طابق ثالث؟
    موجود، موجود مسعى في الدور الثالث فما اقترحه الأخ هو موجود.
    __________
    (1) - سورة التوبة آية : 28.
    صــ 133
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •