إياكم ومحدثات الأمور




د.وليد خالد الربيع


هذا العنوان جزء من خطبة جامعة ووصية نافعة من رسول الله [ كما روى العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله [ موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: « أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم، بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة «أخرجه أبو داود والترمذي.
وقد حذرنا [ في هذا الحديث من البدع ومحدثات الأمور مما يؤكد خطورتها وسوء عاقبتها، ولفظ «البدعة» من الألفاظ الشرعية التي وردت في النصوص الشرعية على وجه الذم لها والتحذير منها، مثلها في ذلك مثل لفظ «الكفر» و«الشرك»و«الفسق » و«النفاق» و«الظلم»، ولما كان واجب المسلم امتثال مقتضى النصوص الشرعية والانقياد لما دلت عليه من التكاليف الدينية ؛ فعلا وتركا، ظاهرا وباطنا، علما وعملا، كانت دراسة البدع ومعرفة حقيقتها وأنواعها وقواعدها من أهم المطالب التي ينبغي على طلبة العلم والدعاة إلى الله تعالى العناية بها؛ لأن اجتناب البدع والتحذير منها متوقف على معرفتها والعلم بأنواعها ومراتبها؛ لأن العلم قبل القول والعمل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فما البدعة؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: البدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، وقال ابن رجب الحنبلي: والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة.
وعرفها الشاطبي بأنها: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.
وقد دلت الأدلة الكثيرة على خطورة البدع وشناعة آثارها على المباشر لها على وجه الخصوص، وعلى الدين والمجتمع عموما، ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} قال مالك: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا [ خان الرسالة لأن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا». وقال الشاطبي: «إن المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد؛ فلا يكون لقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} معنى يعتبر عنده.
وقال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} فعن مجاهد في قوله {ولا تتبعوا السبل} قال: البدع والشبهات.
وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}، وقال تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال ابن عباس رضي الله عنه: «تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة».
ومن السنة المطهرة:
أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنه أنها قالت: قال رسول الله [: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» وفي لفظ مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ «، قال ابن حجر: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الدين، وقال الشاطبي: وهذا الحديث عدّه العلماء ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره عليه السلام، ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية.
وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله [ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ويقول: «فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد [ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة».
وقال رسول الله [: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته»، وعن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: «أيها الناس قد سنّت لكم السنن وفرضت الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا «، وصفق بإحدى يديه على الأخرى، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»، وقال: «أيها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا، وعليكم بالعتيق، خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون»، وقال: «القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة، وقال رجل لابن عباس رضي الله عنه: أوصني فقال: «عليك بتقوى الله والاستقامة اتبع ولا تبتدع «، وقال: «ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيى البدع وتموت السنن».
قال ابن مسعود: «إياكم وما يحدث الناس من البدع؛ فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعا حتى يخرج الإيمان من قلبه» وقال ابن القيم: «أصل كل شر يعود إلى البدع».
فبناء على ما سبق تبين أنه ليس في البدع شيء يمدح، كما قال ابن عمر رضي الله عنه: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة»، والقول بأن هناك بدعة حسنة يتنافى مع الأدلة الشرعية والقواعد الكلية وذلك من وجوه:
الأول: القول بحسن بعض البدع مناقض للأدلة الشرعية الواردة في ذم عموم البدع؛ ذلك أن النصوص الذامة للبدعة والمحذرة منها جاءت مطلقة عامة، وعلى كثرتها لم يرد فيها استثناء ألبتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو حسن مقبول عند الله، قال الشاطبي عن هذا الحديث « كل بدعة ضلالة»: محمول عند العلماء على عمومه، لا يسثتنى منه شيء ألبتة، وليس فيها ما هو حسن أصلا.
الثاني: عند النظر في أحوال وأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم، نجد أنهم مجتمعون على ذم البدع وتقبيحها والتنفير منها وقطع ذرائعها الموصلة إليها مما يدل على اتفاقهم على أنه ليس في البدع ما هو حسن.
الثالث: من ادعى حسن شيء من البدع لزمه اتهام الدين بالنقص وعدم الكمال، وذلك مخالف لقوله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.
فالسلامة كل السلامة في لزوم السنة الصحيحة والحذر من البدع والمحدثات كما أوصانا رسول الله [ وأصحابه الكرام.