أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5
3اعجابات
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By ابوسفيان
  • 1 Post By ابوسفيان

الموضوع: أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,482

    افتراضي أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم

    قال ابن القيم فى مفتاح دار السعادة
    العلمَ قد يتخلَّفُ عنه عملُه بمقتضاه، لأسبابٍ عديدة
    السببُ الأول: ضعفُ معرفته بذلك.
    السببُ الثاني: عدمُ الأهليَّة. وقد تكونُ معرفتُه به تامة،
    لكن يكونُ مشروطًا بزَكاء المحلِّ وقبوله للتزكية،
    فإذا كان المحلُّ غير زكيٍّ ولا قابلٍ للتزكية كان كالأرض الصَّلْدَة التي يخالطُها الماء، فإنه يمتنعُ النباتُ منها؛ لعدم أهليتها وقبولها.
    فإذا كان القلبُ قاسيًا حَجَريًّا، لا يقبلُ تزكيةً ولا تُؤثِّرُ فيه النصائح، لم ينتفع بكلِّ علمٍ يعلمُه، كما لا تنبتُ الأرضُ الصلبة ولو أصابها كلُّ مطر، وبُذِرَ فيها كلُّ بَذْر.
    كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 96 - 97، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111]، وقال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]. وهذا في القرآن كثير.
    فإذا كان القلبُ قاسيًا غليظًا جافيًا لا يعملُ فيه العلمُ شيئًا، وكذلك إذا كان مريضًا مَهِينًا مائيًّا لا صلابةَ فيه ولا قوةَ ولا عزيمة لم يؤثِّر فيه العلم.
    السببُ الثالث: قيامُ مانع؛ وهو إمَّا حسدٌ أو كِبْر، وذلك مانعُ إبليس من الانقياد للأمر، وهو داءُ الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وبه تخلَّف الإيمانُ عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفوا صحةَ نبوَّته ومن جرى مجراهم، وهو الذي منع عبد الله بن أبى من الإيمان، وبه تخلَّفَ الإيمانُ عن أبي جهل وسائر المشركين؛ فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه
    وأنَّ الحقَّ معه، ولكنْ حملهم الكِبْرُ والحسدُ على الكفر، وبه تخلَّفَ الإيمانُ عن أميَّة وأضرابه ممن كان عنده علمٌ بنبوَّة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
    السببُ الرابع: مانعُ الرياسة والمُلْك، وإن لم يَقُم بصاحبه حسدٌ ولا تكبُّر عن الانقياد للحقِّ، لكن لا يمكنُ أن يجتمع له الانقيادُ ومُلْكُه ورياستُه، فيَضِنُّ بمُلْكِه ورياسته؛ كحال هِرَقل وأضرابه من ملوك الكفار الذين علموا بنبوَّته وصِدْقه، وأقرُّوا بها باطنًا، وأحبُّوا الدخول في دينه، لكن خافوا على مُلْكهم.
    وهذا داءُ أرباب المُلْك والولاية والرياسة، وقلَّ من نجا منه إلا من عصم الله، وهو داءُ فرعون وقومه، ولهذا قالوا: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47]؛ أَنِفُوا أن يؤمنوا ويتبعوا موسى وهارون وينقادوا لهما وبنو إسرائيل عبيدٌ لهم.
    ولهذا قيل: إنَّ فرعون لما أراد متابعةَ موسى وتصديقَه شاورَ هامان وزيرَه، فقال: بينا أنت إلهٌ تُعْبَدُ تصيرُ عبدًا تعبُد غيرَك! ؛ فأبى العبوديَّةَ واختار الرياسةَ والإلهيَّة المُحال .

    السببُ الخامس: مانعُ الشهوة والمال؛ وهو الذي منع كثيرًا من أهل الكتاب من الإيمان، خوفًا من بطلان مآكلهم وأموالهم التي تصيرُ إليهم من قومهم
    وقد كانت كفارُ قريش يصدُّون الرجلَ عن الإيمان بحسب شهوته، فيدخلونَ عليه منها؛ فكانوا يقولون لمن يحبُّ الزِّنا والفواحش: إنَّ محمدًا يحرِّم الزِّنا، ويحرِّم الخمر؛ وبه صدُّوا الأعشى الشاعر عن الإسلام .

    وقد فاوضتُ غير واحدٍ من أهل الكتاب في الإسلام وصحَّته، فكان آخر ما كلَّمني به أحدهم: أنا لا أتركُ الخمر، وأشربهُا آمنًا، فإذا أسلمتُ حُلْتُم بيني وبينها وجلدتموني على شربها.

    وقال آخر منهم- بعد أن عرف ما قلتُ له -: لي أقاربُ أربابُ أموالٍ وإني إن أسلمتُ لم يَصِل إليَّ منها شيء، وأنا أؤمِّلُ أن أرِثَهم. أو كما قال .

    ولا ريب أنَّ هذا القَدْرَ في نفوس خلقٍ كثيرٍ من الكفار، فتتفقُ قوةُ داعي الشهوة والمال، وضعفُ داعي الإيمان، فيجيبُ داعي الشهوة والمال،
    ويقول: لا أرغبُ بنفسي عن آبائي وسلفي.
    السببُ السادس: محبةُ الأهل والأقارب والعشيرة؛ يرى أنه إذا اتبعَ الحقَّ وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم وأخرجوه من بين أظهرهم. وهذا سببُ بقاء خلقٍ كثيرٍ على الكفر بين قومهم وأهاليهم وعشائرهم.
    السببُ السابع: محبةُ الدار والوطن، وإن لم يكن له بها عشيرةٌ ولا أقارب، لكن يرى أنَّ في متابعة الرسول خروجَه عن داره ووطنه إلى دار الغُربة والنَّوى، فيَضِنُّ بوطنه وداره.
    السببُ الثامن: تخيُّله أنَّ في الإسلام ومتابعة الرسول إزراءً وطعنًا منه على آبائه وأجداده وذمًّا لهم، وهذا هو الذي منعَ أبا طالبٍ وأمثاله عن الإسلام؛ استعظموا آباءهم وأجدادَهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وأن يختاروا خلافَ ما اختار أولئك لأنفسهم، ورأوا أنهم إن أسلموا سفَّهوا أحلامَ أولئك، وضلَّلوا عقولهم، ورموهم بأقبح القبائح وهو الكفر والشرك.
    ولهذا قال أعداء الله لأبي طالبٍ عند الموت: أترغبُ عن ملَّة عبد المطلب؟ ! فكان آخرَ ماكلَّمهم به: "هو على ملَّة عبد المطَّلب". فلم يَدْعُه أعداءُ الله إلا من هذا الباب؛ لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب، وأنه إنما حاز الفخرَ والشَّرف به، فكيف يأتي أمرًا يلزمُ منه غايةُ تنقيصه وذمِّه؟ !

    ولهذا قال: "لولا أن تكونَ سُبَّةً على بني عبد المطلب لأقررتُ بها عينَك" ، أو كما قال.

    وهذا شِعرُه يصرِّحُ فيه بأنه قد علمَ وتحقَّق نبوَّة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وصِدْقَه؛ كقوله:
    ولقد علمتُ بأنَّ دينَ محمدٍ ... من خَيْرِ أديان البريَّة دِينا
    لولا الملامةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍ ... لوجدتني سَمْحًا بذاك مُبِينا

    وفي قصيدته اللاميَّة :

    فوالله لولا أن تكونَ مَسَبَّةٌ ... تُجَرُّ على أشياخِنا في المَحافلِ
    لكنَّا اتَّبعناهُ على كلِّ حالةٍ ... من الدَّهر جِدًّا غير قولِ التَّهازُلِ
    لقد عَلِمُوا أنَّ ابننَا لامُكَذَّبٌ ... لدينا ولا يُعْنى بقولِ الأباطِلِ
    والمَسبَّةُ التي زعم أنها تُجَرُّ على أشياخه شهادتُه عليهم بالكفر والضلال وتسفيه الأحلام وتضليل العقول؛ فهذا هو الذي منعه من الإسلام بعد تيقُّنه.
    السببُ التاسع: متابعةُ من يعاديه من الناس للرسول، وسبقُه إلى الدخول في دينه، وتخصُّصه وقربُه منه.
    وهذا القَدْرُ منع خلقًا كثيرًا من اتباع الهدى؛ يكونُ للرجل عدوٌّ يُبْغِضُ مكانَه، ولا يحبُّ أرضًا يمشي عليها، ويقصدُ مخالفتَه ومناقضتَه، فيراه قد اتبعَ الحقَّ، فيحملُه قصدُ مناقضته ومعاداته على معاداة الحقِّ وأهله، وإن كان لا عداوةَ بينه وبينهم.
    وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار؛ فإنهم كانوا أعداءهم، وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم يتَّبعونه ويقاتلونهم معه ، فلمَّا بَدَرَهم إليه الأنصارُ وأسلموا حملهم معاداتهُم على البقاء على كفرهم ويهوديَّتهم.

    السببُ العاشر: مانعُ الإلْفِ والعادة والمنشأ؛ فإنَّ العادةَ قد تقوى حتى تغلبَ حكمَ الطبيعة، ولهذا قيل: "هي طبيعةٌ ثانية" ؛ فيُربَّى الرجلُ على المقالة ويُنشَّأُ عليها صغيرًا، فيتربَّى قلبُه ونفسُه عليها كما يتربَّى لحمُه وعظمُه على الغذاء المعتاد، ولا يعقلُ نفسَه إلا عليها، ثمَّ يأتيه العلمُ وهلةً واحدةً يريدُ إزالتها وإخراجَها من قلبه وأن يسكنَ موضعَها، فيعسرُ عليه الانتقال، ويصعبُ عليه الزوال.

    وهذا السببُ وإن كان أضعفَ الأسباب منعًا فهو أغلبُها على الأمم وأرباب المقالات والنِّحل، ليس مع أكثرهم- بل جميعهم، إلا ما عسى أن يشذَّ
    - إلا عادةً ومَرْبًى تربَّى عليها طفلًا، لا يعرفُ غيرها ولا يحِسُّ به؛ فدينُ العوائد هو الغالبُ على أكثر الناس، فالانتقالُ عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعةٍ ثانية.

    فصلواتُ الله وسلامه على أنبيائه ورسله، خصوصًا على خاتمهم وأفضلهم محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ كيف غيَّروا عوائد الأمم الباطلة، ونقلوهم إلى الإيمان، حتى استحدثوا به طبيعةً ثانيةً خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم الفاسدة. ولا يعلمُ مشقَّة هذا على النفوس إلا من زاولَ نقلَ رجلٍ واحدٍ عن دينه ومقالته إلى الحقِّ؛ فجزى الله المرسلين أفضلَ ما جازى به أحدًا من العالمين.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,482

    افتراضي رد: أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم

    إذا عُرِفَ أنَّ المقتضي نوعان؛ فالهدى المقتضي وحده لا يوجبُ الاهتداء، والهدى التامُّ يوجبُ الاهتداء.
    فالأول: هدى البيان والدلالة والتعليم، ولهذا يقال: هُدِيَ فما اهتدى.
    والثاني: هدى البيان والدَّلالة، مع إعطاء التوفيق، وخَلْق الإرادة؛ فهذا الهدى الذي يستلزمُ الاهتداء، ولا يتخلَّفُ عنه مُوجَبه، فمتى وُجِدَ السببُ وانتفت الموانعُ لزمَ وجودُ حكمه.
    وهاهنا دقيقةٌ بها ينفصلُ النزاع؛ وهو أنه: هل ينعطفُ من قيام المانع وعدم الشرط على المقتضي أمرٌ يُضْعِفه في نفسه ويسلبه اقتضاءَه وقوَّته، أو اقتضاؤه بحاله وإنما غَلَبَ المانعُ فكان التأثيرُ له؟
    ومثالُ ذلك في مسألتنا: أنه بوجود هذه الموانع المذكورة أو بعضها، هل يَضْعُفُ العلمُ أو يُعْدَمُ حتى لا يصير مؤثِّرًا البتة، أو العلمُ بحاله ولكنَّ المانعَ بقوَّته غَلَبَ فكان الحكمُ له؟

    هذا سرُّ المسألة وفقهُها.
    فأمَّا الأولُ فلا شكَّ فيه، ولكنَّ الشأنَ في القسم الثاني- وهو بقاءُ العلم بحاله-، والتحقيقُ أنَّ الموانعَ تحجبُه وتُعَمِّيه، وربما قلبت حقيقتَه من القلب.
    والقرآنُ قد دلَّ على هذا؛ قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5]؛ فعاقبهم سبحانه بإزاغة قلو بهم عن الحقِّ لمَّا زاغوا عنه ابتداءً.
    ونظيرُه قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110].
    ولهذا قيل: "من عُرِضَ عليه حقٌّ فردَّه ولم يقبله عُوقِبَ بفساد قلبه وعقله ورأيه".
    ومن هنا قيل: "لا رأيَ لصاحب هوى" ؛ فإنَّ هواه يحملُه على ردِّ الحقِّ، فيُفْسِدُ اللهُ عليه رأيَه وعقلَه.

    وقال الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155]؛ أخبَر سبحانه أنَّ كفرهم بالحقِّ بعد أن علموه كان سببًا لطبع الله على قلوبهم حتى صارت غُلْفًا، والغُلْفُ: جمعُ أغلَف، وهو القلبُ الذي قد غَشِيَه غِلاف،
    مفتاح دار السعادة
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابوسفيان

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    282

    افتراضي رد: أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    وهذا هو الذي منعَ أبا طالبٍ وأمثاله عن الإسلام؛ استعظموا آباءهم وأجدادَهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال وأن يختاروا خلافَ ما اختار أولئك لأنفسهم، ورأوا أنهم إن أسلموا سفَّهوا أحلامَ أولئك، وضلَّلوا عقولهم، ورموهم بأقبح القبائح وهو الكفر والشرك.
    ولهذا قال أعداء الله لأبي طالبٍ عند الموت: أترغبُ عن ملَّة عبد المطلب؟ ! فكان آخرَ ماكلَّمهم به: "هو على ملَّة عبد المطَّلب". فلم يَدْعُه أعداءُ الله إلا من هذا الباب؛ لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب، وأنه إنما حاز الفخرَ والشَّرف به، فكيف يأتي أمرًا يلزمُ منه غايةُ تنقيصه وذمِّه؟ !

    ولهذا قال: "لولا أن تكونَ سُبَّةً على بني عبد المطلب لأقررتُ بها عينَك" ، أو كما قال.

    وهذا شِعرُه يصرِّحُ فيه بأنه قد علمَ وتحقَّق نبوَّة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وصِدْقَه؛ كقوله:
    ولقد علمتُ بأنَّ دينَ محمدٍ ... من خَيْرِ أديان البريَّة دِينا
    لولا الملامةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍ ... لوجدتني سَمْحًا بذاك مُبِينا

    وفي قصيدته اللاميَّة :

    فوالله لولا أن تكونَ مَسَبَّةٌ ... تُجَرُّ على أشياخِنا في المَحافلِ
    لكنَّا اتَّبعناهُ على كلِّ حالةٍ ... من الدَّهر جِدًّا غير قولِ التَّهازُلِ
    لقد عَلِمُوا أنَّ ابننَا لامُكَذَّبٌ ... لدينا ولا يُعْنى بقولِ الأباطِلِ
    والمَسبَّةُ التي زعم أنها تُجَرُّ على أشياخه شهادتُه عليهم بالكفر والضلال وتسفيه الأحلام وتضليل العقول؛ فهذا هو الذي منعه من الإسلام بعد تيقُّنه.
    نعم
    ما الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام؟


    https://majles.alukah.net/t189225/
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2020
    المشاركات
    282

    افتراضي رد: أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    إذا عُرِفَ أنَّ المقتضي نوعان؛ فالهدى المقتضي وحده لا يوجبُ الاهتداء، والهدى التامُّ يوجبُ الاهتداء.
    فالأول: هدى البيان والدلالة والتعليم، ولهذا يقال: هُدِيَ فما اهتدى.
    والثاني: هدى البيان والدَّلالة، مع إعطاء التوفيق، وخَلْق الإرادة؛ فهذا الهدى الذي يستلزمُ الاهتداء، ولا يتخلَّفُ عنه مُوجَبه، فمتى وُجِدَ السببُ وانتفت الموانعُ لزمَ وجودُ حكمه.
    نعم
    قال الشيخ الغنيمان
    قال الشارح عبد الرحمن ابن حسن رحمه الله:
    [ومن حكمة الرب تعالى في عدم هداية أبي طالب إلى الإسلام ليبين لعباده أن ذلك إليه،
    وهو القادر عليه دون من سواه،
    فلو كان عند النبي صلى الله عليه وسلم -الذي هو أفضل خلقه- من هداية القلوب وتفريج الكروب ومغفرة الذنوب والنجاة من العذاب ونحو ذلك شيء؛
    لكان أحق الناس بذلك وأولاهم به: عمه الذي كان يحوطه ويحميه وينصره ويؤويه،
    فسبحان من بهرت حكمته العقول،
    وأرشد العباد إلى ما يدلهم على معرفته وتوحيده وإخلاص العمل له وتجريده!].

    يعني: أن من الحكم التي تظهر للناظر في كون أبي طالب لم يسلم، ما بينه بقوله: (يدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بيده شيء من أمر الله؛ من هداية القلوب وإيصال الهدى إليها) هذا ليس إليه، وإنما هذا لله جلَّ وعلا، مع أنه أقرب الناس إلى الله، وهو رسوله الذي أكرمه الله جلَّ وعلا بالرسالة، ويجيب دعوته إذا شاء كثيراً، ومع ذلك ما استطاع هداية عمه الذي كان يحوطه ويحميه، مما يدل دلالة واضحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له مع الله شيء، وإنما الأمر كله بيد الله، فالله هو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.وقد تقدم أن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية دلالة وإرشاد: وهذه هي التي أُثبتت للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى:53] يعني: أنه يدل ويبين ويوضح؛ لأن عليه مجرد تبيين الأدلة، وإيضاح الحق من الباطل.وهداية توفيق: فهداية التوفيق هي: أن تُخلَق الهداية في القلوب، وأن يُحبَّب الإيمان إلى القلب ويُكرَّه إليه ضده، فهذا إلى الله، وليس لأحد منه شيء، لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا غيره، وهذا هو المقصود في قوله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56] يعني: لا تستطيع أن تجعل الإيمان في قلب من تشاء ومن تحب، وإنما هذا إلى الله جلَّ وعلا.ويجوز أن يكون هناك حكم غير هذه في كون أبي طالب لم يؤمن، ومن سنة الله جلَّ وعلا أنه إذا بعث رسولاً في أمة يبعثه في أشرافها، وتكون قبيلته قوية، ولابد أن يوجد فيهم متعصب له ليمنعه من أذى الآخَرين، كما قال الله جلَّ وعلا في قصة شعيب أن قومه قالوا: {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} [هود:91] (رَهْطُكَ) يعني: جماعتك، ورهطه لم يؤمنوا به ولو كانوا من قبيلته، {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّه} [هود:92] ومع ذلك كل رسول يتحدى قومه بأن يقتلوا أو يفعلوا به ما يشاءون فلم يستطيعوا، حتى رسولنا صلى الله عليه وسلم أمره الله جلَّ وعلا بذلك، قال له: {ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف:195 - 196] هكذا قال الله جلَّ وعلا له، وكان يقول لهم ذلك فما استطاعوا، ولهذا في آخر الأمر لما مات أبو طالب اتفقوا على أنهم يقتلونه واستعدوا لذلك، وأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش رجلاً شاباً جَلْداً وأعطوه سيفاً، زاعمين أنهم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل؛ فترضى بنو هاشم بطلب الدية فقط؛ لأنها لن تستطيع أن تقتل من كل قبيلة من فعل ذلك منهم، فاتفقوا على أن يقتلوه، فأحاطوا بيته ومعهم سلاحهم وجلسوا عليه، فخرج من بينهم وهم ينظرون ولكن لا يبصرونه، خرج وصار يأخذ التراب من الأرض ويذره على رءوسهم ويقرأ قول الله جلَّ وعلا: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدَّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّاً فَأَغْشَيْنَاهُ مْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [يس:9] وذهب وتركهم، وقد أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام على فراشه، وقال له: (لا تخف؛ لن يصل إليك أذىً) وكانوا ينظرون إليه ويتصورون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج إليهم قالوا: أين محمد؟ قال: خرج من بينكم وقد وضع على رءوسكم التراب، فانظروا إليه فوق رءوسكم، فلمسوه بأيديهم فرأوا تراباً موضوعاً على رءوسهم.فالخلق ليسوا شيئاً بالنسبة لله جلَّ وعلا، فأعمى أبصارهم كما أعمى قلوبهم، ومنعهم من الوصول إليه بأي طريق شاء، تعالى الله وتقدس.وكذلك قال هود لما قال له قومه: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود:54] يعني: يقولون: إن بعض أصنامنا أصابك بجنون، فصرتَ مجنوناً؛ لأنك صرت تنهانا عن عبادتها، فقال لهم: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعَاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:54 - 56]، فتحداهم وقال: أجمِعوا أمركم أنتم ومعبوداتكم، واجتمعوا على كيدي بما تستطيعون، ولا تُنظروني ساعةً، أي: لا تمهلوني، فما استطاعوا، وهو وحده، وهم أمة قوية جبابرة كما هو معلوم، ومع ذلك لم يستطيعوا له.وكذلك نوح عليه السلام، وكذلك الرسل كلها.ولكن الله جلَّ وعلا يُجري غالب الأمور على الأمر المعتاد عند الناس؛ لأنها سنن وأسباب وضعها لخلقه.فبعث الرسول في قوة من قومه، ولذلك تعصب له أبو طالب، والعصبية تفيد في بعض الأحيان، وليست مذمومة مطلقاً، بل هي تفيد في بعض الأمور، وكون الإنسان يتعصب للحق، ويتعصب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولدينه؛ أمر مطلوب، ولكن لا يجعله ذلك يتعدى الحق إلى الباطل.والذي ذُكر من الرسل أنه لم يكن له قبيلة قوية تدافع عنه هو: لوط عليه السلام؛ ولهذا قال لقومه: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80] وقصده بالركن: القبيلة القوية التي تمنعه وتحميه؛ ولهذا جاء في الحديث: (أن الله جلَّ وعلا ما أرسل بعد لوط نبياً إلَّا في منعة من قومه)، وجاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) لأنه يأوي إلى الله جلَّ وعلا؛ ولكن هو ما أراد هذا، إنما أراد أنه يدافعهم -لما أرادوا السوء بأضيافه- مدافعةً على ما جرت به السنن، وما جرت به العادة؛ لقوته وقوة من يكون معه، أما كونه يعلم أن الله سينصره فهذا ثابت عنده لا مرية فيه، وهو ما علم أن أضيافه ملائكة؛ لأنهم جاءوا إليه بصورة شباب حسان الوجوه، وقد فُتن قومه -نسأل الله العافية! - بإتيان الذكران وترك النساء، وهم أول من فعل هذه الجريمة، فمن تمام البلية أن الملائكة جاءوا إلى لوط بصورة شباب حسان الوجوه، فجاءوا يهرعون إليه، فدافعهم بكل ما يستطيع، حتى عرض بناته أن يزوجهم إياهن؛ ولكن هم لا يريدون إلَّا الفساد فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود:79] فقال: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80] عند ذلك قال له جبريل: لا تخف؛ نحن رسل الله {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود:81] ثم طمس أعينهم بجناحه، فعميت أبصارهم، ثم قال للوط: إن هؤلاء قد قرب أمر الله فيهم، والعذاب آتٍ إليهم، فقال له لوط: الآن أرني فيهم عذاب الله وأنا أنظر؛ لأنهم أوصلوه واضطروه إلى أقصى غاية لا يستطيع أن يصبر فيها، فقال له: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81] أي: الصبح قريب؛ لأنهم كانوا في أول الليل.فالمقصود: أن قيام أبي طالب بالذود عن النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته هذه سنة من السنن التي جرت عادة الله عليها في الرسل السابقين، ومن تمام ذلك أن هؤلاء الذين يذودون عن الرسل يكونون على دين أقوامهم؛ لأنه لو كانوا على دينه لقال أعداؤه: قومه يحمونه لأجل أنهم على دينه، ولا يتأملون ما جاء به، ولا تقوم الحجة عليهم كاملة، فقد تمنعهم العصبية واتباع الهوى من النظر في الأدلة التي يأتي بها، ولله حِكَم في هذا، ومن تأملها وجد الشيء الذي يهديه الله جلَّ وعلا إليه.[شرح فتح المجيد للشيخ عبد الله الغنيمان]

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,482

    افتراضي رد: أسباب تخلف العمل بمقتضى العلم

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابوسفيان مشاهدة المشاركة

    فلو كان عند النبي صلى الله عليه وسلم -الذي هو أفضل خلقه- من هداية القلوب وتفريج الكروب ومغفرة الذنوب والنجاة من العذاب ونحو ذلك شيء؛
    لكان أحق الناس بذلك وأولاهم به: عمه الذي كان يحوطه ويحميه وينصره ويؤويه،
    فسبحان من بهرت حكمته العقول،
    وأرشد العباد إلى ما يدلهم على معرفته وتوحيده وإخلاص العمل له وتجريده!].


    الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
    الحمد لله الذى هدانا لتوحيده، ووفقنا لتسبيحه وتحميده وتقديره وتمجيده،
    الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأنعم علينا بالإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •