الحمد لله معز أوليائه الموحدين
ومذل أعدائه من المشركين والكافرين والمنافقين
وبعد
فإن الحق لا ينطلق في طريقه، برغم قوّته وبراهينه إلا إذا عرف حقيقة الباطل والشر ونجاستهما وانحطاطهما، وعرف سبيل السالكين فيه ومدى إجرامهم..
ولهذا فإن الله تعالى عرّى الباطل وأهله، وعرف مآخذهم وحججهم، وعرف حالهم ومآلهم،وفصل سبيل المجرمين فقال جل وعلا
(وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:
“يقول تعالى: وكما بيّنّا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم المجادلة والعناد ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها. (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ ﴿ ( ولتستبين سبيل المجرمين)﴾ أي: ولتستبين يا محمد ـ أو: يا مخاطَبُ ـ سبيل المجرمين”.
ويفصّل ابن القيم رحمه الله تعالى الكلام في سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين، وانقسام الناس في استبانة السبيلين، فيقول:
“قال الله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)وقال ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ الآية.
والله تعالى قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصَّلة وسبيل المجرمين مفصَّلة، وعاقبة هؤلاء وخِذلانه لهؤلاء وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفَّق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء. وجلَّى سبحانه الأمرين في كتابه، وكشفهما، وأوضحهما، وبينهما غاية البيان، حتى شاهَدَتْهما البصائر كمشاهدة الأبصار للضياء والظلام.
فالعالِمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان، كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده والطريق الموصل إلى الهَلَكة؛ فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم، وهم الأدلَّاء الهداة.
وقد برز الصحابة على جميع مَن أتى بعدهم إلى يوم القيامة؛ فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصَّلة، ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى وصراط الله المستقيم، فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الظلم إلى العدل، ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر؛ فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به، ومقدار ما كانوا فيه، فإن الضد يُظهر حسنَه الضدُ، وإنما تتبين الأشياء بأضدادها؛ فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه، ونَفْرَة وبغضًا لما انتقلوا عنه، وكانوا أحب الناس في التوحيد والإيمان والإسلام، وأبغض الناس في ضده، عالِمين بالسبيل على التفصيل.
وأما مَن جاء بعد الصحابة؛
فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده،
فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين،
فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما.

كما قال عمر بن الخطاب: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية». [مدارج السالكين]
وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه فإنه، إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها، وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول فإنه من الجاهلية؛ فإنها منسوبة إلى الجهل، وكلُ ما خالف الرسول فهو من الجهل، فمن لم يعرف سبيل المجرمين، ولم تستبِن له أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين،
كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها وكفَّر مَن خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم، ممن ابتدع بدعة، ودعا إليها، وكفَّر مَن خالفها.

يقول ابن القيم رحمه الله:
“والناس في هذا أربع فرق:

الأولى: من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علمًا وعملًا، وهؤلاء أعلم الخلق.
الفرقة الثانية: من عمِيَت عنه السبيلان من أشباه الأنعام، وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر، ولها أسلَك.
الفرقة الثالثة: من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها، فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة، وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين فهو باطل، وإن لم يتصوره على التفصيل، بل إذا سمع شيئًا مما خالف سبيل المؤمنين صرف سمعه عنه، ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه.
الفرقة الرابعة: فرقة عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصَّلة وسبيل المؤمنين مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الأمم ومقالات أهل البدع؛ فعرفها على التفصيل، ولم يعرف ما جاء به الرسول كذلك، بل عرفه معرفة مجملة، وإن تفصلت له في بعض الأشياء. ومن تأمَّل كتبهم رأى ذلك عيانًا. وكذلك مَن كان عارفًا بطرق الشر والظلم والفساد على التفصيل سالكًا لها إذا تاب ورجع عنها إلى سبيل الأبرار يكون علمه بها مجملًا غير عارف بها على التفصيل معرفة مَن أفنى عمره في تصرفها وسلوكها.
والمقصود أن الله سبحانه يحب أن تُعرف سبيل أعدائه لتُجتَنب وتُبغَض، كما يحب أن تُعرف سبيل أوليائه لتُحَبَّ وتُسلَك. وفي هذه المعرفة من الفوائد والأسرار ما لا يعلمه إلا الله؛ من معرفة عموم ربوبيته سبحانه، وحكمته وكمال أسمائه وصفاته، وتعلقها بمتعلقاتها، واقتضائها لآثارها وموجَباتها. وذلك من أعظم الدلالة على ربوبيته وملكه وإلهيته، وحبه وبغضه، وثوابه وعقابه، والله أعلم”.[الفوائد]
ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى :
“إن هذا المنهج لا يُعْنَى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب، إنما يُعنَي كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضًا.
إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين، وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق..!
إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله سبحانه ليتعامل مع النفوس البشرية.. ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر؛ والتأكد من أن هذا باطل محض وشر خالص؛ وأن ذلك حق محض وخير خالص..
كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق، ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل
وأنه يسلك سبيل المجرمين الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدوًّا منهم
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ.. ............ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين،
أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون، عن ثقة، وفي وضوح، وعن يقين.

إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح،
واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات،
ذلك أن أيَّ غَبَشٍ أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتدُّ غبشًا في موقف المؤمنين وفي سبيلهم؛
فهما صفحتان متقابلتان،
وطريقان مفترقتان..
ولابد من وضوح الألوان والخطوط.

ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، يجب أن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين؛
ووضع العنوان المميز للمؤمنين،
والعنوان المميز للمجرمين،
في عالم الواقع لا في عالم النظريات،
فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومَن هم المجرمون،
بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم،
وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم،
بحيث لا يختلط السبيلان،
ولا يتشابه العنوانان،
ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين..

إن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقة اليوم تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين،
في أوطان كانت في يوم من الأيام دارًا للإسلام، يسيطر عليها دين الله، وتحكم بشريعته..
ثم إذا هذه الأرض، وإذا هذه الأقوام، تهجُر الإسلام حقيقة، وتعلنه اسمًا،
وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادًا وواقعًا،
وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادًا..!

فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله.. وشهادة أن لا إله إلا الله[ تتمثل في تحقيق العبودية لله تتحقق بافراد الله وحده بجميع انواع العبادة] وأن الله وحده هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله..

وأيُّما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله ـ بهذا المدلول ـ فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد، كائنًا ما كان اسمه ولقبه ونسبه، وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله ـ بهذا المدلول ـ فهي أرض لم تدِنْ بدين الله، ولم تدخل في الإسلام بعد.
وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام..! أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله، ومدلول الإسلام في جانب؛ وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر..
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين، وطريق المشركين المجرمين؛ واختلاط الشارات والعناوين؛ والْتباس الأسماء والصفات؛ والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق..!”.
ثمة خطورة في افتقاد هذا البيان، وثمة خطورة يعرفها أعداء الله في هذا الخلط والمزج بين القبيلين؛أهل التوحيد وأهل الشرك
يستكمل سيد قطب رحمه الله قائلا:

“ويَعرِف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة، فيعكفون عليها توسيعًا وتمييعًا وتلبيسًا وتخليطًا، حتى يصبح الجهر بشهادة التوحيد الفارقة بين اهل التوحيد وأهل الشرك والتنديد تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام!.. تهمة تكفير (المسلمين)! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر
مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم،
لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله!

هذه هي المشقة الكبرى..
وهذه كذلك هي العقبة الأولى،
التي لابد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل!

يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين..
ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة،
وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف؛
وألا تُقعِدهم عنها لومة لائم،
ولا صيحة صائح: انظروا! إنهم يكفرون المسلمين!”
«في ظلال القرآن» (2/ 1106، 1107) باختصار وتصرف فيما يتعلق بتفسير الالوهية والربوبية.