آداب الفتوى


مسعود صبري

وللفتوى جملة من الآداب، أهمها:
أن يبين الفتوى بيانا يزيل الإشكال، فلا يذكر له الحكم العام دون الإسقاط على فتواه، ولا يجمل في حال التفصيل.
وعليه أن يصبر على المستفتي بعيد الفهم، ، حتى يوصل له فتواه على الوجه الحسن.
ويستحب الذكر في الفتوى، فيبدأ بقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم الحمد لله رب العالمين، ثم يذكر فتواه ، ويختمها بقوله: والله أعلم، أو والله المستعان، أو ما شابه هذا.
كما يستحب أن يدعو عند كل فتوى ، فإن لم يكن ، فعند أول فتوى له في اليوم.
ويستحب إن أفتاه بالتحريم أن يدله على المباح؛ حتى يحببه في الشرع.
و يستحب له أن يشاور أهل العلم في فتواه ، وأن يباحثهم فيه، وإن كانوا دونه أو تلامذته ، و ذلك طلبا للتوفيق من بركة الشورى ، كما قال تعالى :( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [1]
وعلى المفتي أن يختصر جوابه، وأن يفي بالغرض دون زيادة، لأن في الزيادة إشغالا عن المقصود
و للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه ، ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه، كما في حديث: ” هو الطهور ماؤه الحل ميتته [2]،
وليس للمفتي أن يجيب عن شيء لم يفهمه، أو أشكل عليه بعضه ، فله أن يطلب زيادة شرح، أو يحيله على مفت آخر.
وللمفتي عدم ذكر الدليل إن كان السائل غير فقيه، فإن كان فقيها، أو أفتاه غيره خطأ؛ فيحسن ذكر الدليل، كما له ذكر علة الحكم وحكمته متى رأى ذلك.
و يجوز للمفتي أن يحلف على ثبوت حكمه ، ليشعر السائل أنه على ثقة فيما أفتاه به، وله أن يشدد ويبالغ في القول أحيانا ، فيقول: وهذا إجماع المسلمين ،أو : لا أعلم في هذا خلافا
وينبغي للمفتي ألا يأخذ بظاهر لفظ المستفتي العامي حتى يتبين مقصوده، ولا يفتي بناء على ظاهر كلامه، وخاصة إن كان هناك ما يدخل الريبة في نفس المفتي.
وينبغي للمفتي أن يتنبه إلى ريبة المستفتي وحاله، وألا يستنقطه بما يبيح له ما هو حرام في أصله، من خلال التلاعب بالألفاظ، أو تقديم صيغة الغالب فيها القول بالإباحة ومقصودها تحليل ما حرم الله.
فعلى المفتي أن ينبه السائل على وجه الاحتراز مما قد يولد الوهم عند السائل بخلاف صواب القول
وعلى المفتي – كما هو الشأن في القاضي – أن يكون حسن الزي وليلبس ما يليق به
وينبغي على المفتي أن يكون حسن السيرة والسريرة، وأن يقصد بعمله التوسل إلى تنفيذ الحق وهداية الخلق، وأن يصدع بالحق لا يخالف في الله لومة لائم، وأن يجتهد في إيصال الحق بالتطلف ، وأن يكون قليل الطمع ، كثير الورع، وليبدأ في نفسه بكل ما يفتي به الناس، فهو أصل استقامة الخلق بفعله ، و متى كان المفتي متقيا لله تعالى وضع الله البركة في قوله ، ويسر قبوله على مستمعه[3] .
ومن أدب المفتي أن يمهد للحكم إن كان مستغربا لا تألفه النفوس، فيكون التمهيد بمثابة الدليل عليه والمقدمة بين يديه
وينبغي للمفتي أن يفتي بالألفاظ التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، فإن النصوص الشرعية تتضمن الحكم والدليل مع البيان التام
و ينبغي للمفتي أن يفتقر قلبه إلى الله تعالى كي يلهمه الصواب وحسن الجواب
و ينبغي للمفتي أن يدوام الاشتغال بالعلم قراءة وإقراء ، ومطالعة وتعليقا ، ومباحثة ومذاكرة وتصنيفا
و على المفتي ألا يغفل آداب النفس في الإفتاء ، ومن ذلك ألا يريد بفتواه إلا وجه الله ، وألا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع في رفق تحصل له من مشتغل عليه من خدمة أو مال أو نحوهما
و ينبغي على المفتي ألا يذل العلم , ولا يذهب به إلى مكان ينتسب إلى من يتعلمه منه , وإن كان المتعلم كبير القدر , بل يصون العلم عن ذلك كما صانه السلف

و يجب على المفتي أن يقدم الأسبق من الأسئلة.
الإفتاء المعاصر:

وينبغي لمن يتصدى للإفتاء في القضايا المعاصر، مع استصحاب الأحكام والآداب السابقة أن تتوافر فيه جملة من الشروط والواجبات، من أهمها:
أن يفهم المسألة فهما دقيقا، بحيث يجمع كل المعلومات حولها، وأن يتمهل في الفتوى، وأن يعطيها حقها من البحث والتفكر، وأن يحلل القضية المركبة على عناصرها الأساسية، كما الشأن في العقود المالية المركبة، وأن يشاور أهل الاختصاص حتى يصل إلى تصور صحيح للمسألة، وأن يستفيد من اجتهادات السابقين من جهة منهج الاجتهاد، ومن جهة الآراء الفقهية، وأن يراعي مقاصد الشريعة، وفقه الأولويات وفقه المآلات، مع مراعاة المصالح المتغيرة والمستجدة، وأن يعتبر اختلاف العادات والتقاليد؛ بشرط عدم مخالفتها للنص، وأن تكون مطردة أو غالبة، وأن يكون العرف سابقا، وألا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، وأن يتدرب حتى تحصل له ملكة الإفتاء، وأن يتحصل الأصول الفقهية، من الأدلة والأقيسة والعلل، فيعرف رتب العلل ونسبتها إلى المصالح، الضرورية، والحاجية، والتحسينية، ومن أي مرتبة من مراتب المناسب، على آخر ما هو مبسوط في أصول الفقه. ولا يعدو في النظر المطابقة بين تحقق العلة أو الدليل في القضية الجديدة والقضية المخرج عليها([4])، وأن يراعي موجبات تغير الفتوى، من تغير الزمان والمكان والحال والعرف، وتغير المعلومات، وتغير حاجات الناس، وتغير قدرات الناس وإمكاناتهم، وتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعموم البلوى، وتغير المكان، وتغير الزمان، وتغير الحال، وتغير الرأي والفكر، وتغير العرف ([5]).وأن يقدم الفتوى الجماعية في فتاوى الأمة وأولويتها على الفتاوى الفردية.

[1] – الشورى :38

[2] – سنن أبي داود – الطهارة – الوضوء بماء البحر، وسنن الترمذي – الطهارة عن رسول الله – ما جاء في ماء البحر أنه طهور،و سنن النسائي – المياه – الوضوء بماء البحر

[3] – تنبيهات الإمام القرافي العشرة التي يتعين على المفتي التفطن لها ، للقرافي، وهي مطبوعة ضمن الموسوعة في آداب الفتوى للدكتور أحمد بدر حسون ، ص: 259- 260

([4]) راجع:الفروق للقرافي، ج2/109

([5])- راجع: موجبات تغير الفتوى في عصرنا، للدكتور يوسف القرضاوي. بحث ضمن: الإفتاء في عالم مفتوح.ج1/463-518