بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}

    بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
    سليم سيدهوم


    تصنيف أقوال العلماء في قول الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)



    القراءات:
    1ـ الوقف على:(لا ريب فيه) أولى
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :ومن القرّاء من يقف على قوله: {لا ريب} ويبتدئ بقوله: {فيه هدًى للمتّقين} والوقف على قوله تعالى: {لا ريب فيه} أولى للآية الّتي ذكرنا، ولأنّه يصير قوله: {هدًى} صفةً للقرآن، وذلك أبلغ من كون: {فيه هدًى}.

    المسائل التفسرية:
    1ـ معنى (ذلك الكتاب):

    قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر عن قتادة لا ريب فيه هدى يقول لا شك فيه). [تفسير عبد الرزاق: 1/39]2ـ معنى (الكتاب):

    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين}.
    قال عامّة المفسّرين: تأويل قول اللّه تعالى: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب.
    ذكر من قال ذلك:
    - حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ الكوفيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّدٍ المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {ذلك الكتاب} قال:« هو هذا الكتاب ».
    - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا خالدٌ الحذّاء، عن عكرمة، قال: « {ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    - حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، في قوله: {ذلك الكتاب} قال: « هذا الكتاب ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب قال: قال ابن عبّاسٍ{ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    فإن قال قائلٌ: وكيف يجوز أن يكون ذلك بمعنى هذا؟ وهذا لا شكّ إشارةٌ إلى حاضرٍ معاينٌ، وذلك إشارةٌ إلى غائبٍ غير حاضرٍ ولا معاينٍ؟
    قيل: جاز ذلك لأنّ كلّ ما تقضّى وقرب تقضّيه من الأخبار فهو وإن صار بمعنى غير الحاضر، فكالحاضر عند المخاطب؛ وذلك كالرّجل يحدّث الرّجل الحديث، فيقول السّامع: إنّ ذلك واللّه لكما قلت، وهذا واللّه كما قلت، وهو واللّه كما ذكرت. فيخبر عنه مرّةً بمعنى الغائب إذ كان قد تقضّى ومضى، ومرّةً بمعنى الحاضر لقرب جوابه من كلام مخبره كأنّه غير منقضٍ، فكذلك ذلك في قوله: {ذلك الكتاب} لأنّه جلّ ذكره لمّا قدّم قبل ذلك الكتاب {الم} الّتي ذكرنا تصرّفها في وجوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد هذا الّذي ذكرته وبيّنته لك الكتاب. ولذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا، لأنّه أشير به إلى الخبر عمّا تضمّنه قوله: {الم} من المعاني بعد تقضّي الخبر عنه {الم}، فصار لقرب الخبر عنه من تقضّيه كالحاضر المشار إليه، فأخبر عنه بذلك لانقضائه ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب.
    وترجمه المفسّرون أنّه بمعنى هذا لقرب الخبر عنه من انقضائه، فكان كالمشاهد المشار إليه بهذا نحو الّذي وصفنا من الكلام الجاري بين النّاس في محاوراتهم، وكما قال جلّ ذكره: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكلٌّ من الأخيار هذا ذكرٌ} فهذا ما في ذلك إذا عنى بها هذا.
    وقد يحتمل قوله جلّ ذكره: {ذلك الكتاب} أن يكون معنيًّا به السّور الّتي نزلت قبل سورة البقرة بمكّة والمدينة، فكأنّه قال جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد اعلم أنّ ما تضمّنته سور الكتاب الّتي قد أنزلتها إليك هو الكتاب الّذي لا ريب فيه. ثمّ ترجمه المفسّرون بأنّ معنى ذلك: هذا الكتاب، إذ كانت تلك السّور الّتي نزلت قبل سورة البقرة من جملة جميع كتابنا هذا الّذي أنزله اللّه عزّ وجلّ على نبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
    وكان التّأويل الأوّل أولى بما قاله المفسّرون؛ لأنّ ذلك أظهر معاني قولهم الّذي قالوه في ذلك.
    وقد وجّه معنى ذلك بعضهم إلى نظير معنى بيت خفاف بن ندبة السّلميّ:


    فإن تك خيلي قد أصيب صميمها.......فعمدًا على عينٍ تيمّمت مالكا.
    أقول له والرّمح يأطر متنه.......تأمّل خفافًا إنّني أنا ذلكا
    كأنّه أراد: تأمّلني أنا ذلك. فزعم أنّ {ذلك الكتاب} بمعنى هذا نظير ما أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب وهو مخبرٌ عن نفسه، فكذلك أظهر ذلك بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهد.
    والقول الأوّل أولى بتأويل الكتاب لما ذكرنا من العلل.
    وقد قال بعضهم: {ذلك الكتاب} يعني به التّوراة والإنجيل، وإذا وجّه تأويل ذلك إلى هذا الوجه فلا مؤنة فيه على متأوّله كذلك لأنّ ذلك يكون حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحّةٍ). [جامع البيان: 1/231-228]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قوله: {ذلك الكتاب}
    - به عن عكرمة: {ذلك الكتاب}قال: «هذا الكتاب ». قال: وهكذا فسّره سعيد ابن جبيرٍ والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان وزيد بن أسلم.قوله: {الكتاب}
    - حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا أسباط بن محمّدٍ، عن الهذليّ- يعني أبا بكرٍ- عن الحسن في قول اللّه: الكتاب قال: «القرآن ». قال أبو محمّدٍ: وروي عن ابن عبّاسٍ مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/34-33]
    قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو أحمد محمّد بن إسحاق الصّفّار، ثنا أحمد بن نصرٍ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن، عن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه: {الم ذلك الكتاب}[البقرة: 2] قال: « {الم} [البقرة: 1] : حرف اسم اللّه، و {الكتاب} [البقرة: 2] : القرآن، {لا ريب فيه}[البقرة: 2] : لا شكّ فيه» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/286] (م)
    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين })
    -أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال: «من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل».
    -وأخرج وكيع عن مجاهد قال:« هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى {المفلحون} نزلت في نعت المؤمنين واثنتان من بعدها إلى {عظيم} نزلت في نعت الكافرين وإلى العشر نزلت في المنافقين
    -وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال:« أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا وآيتان في قادة الأحزاب ».
    -وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود {الم} حرف اسم الله و{الكتاب} القرآن {لا ريب} لا شك فيه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ذلك الكتاب} قال: «هذا الكتاب»
    -وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة، مثله.
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين (2)}
    الاسم من ذلك الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع ذلك رفع كأنه خبر ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في ذلك هنا فقيل: هو بمعنى «هذا»، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن.
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وذلك أنه قد يشار بـ «ذلك» إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب «هذا» إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقرب.
    وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ أي الكتاب الذي هو القدر،وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد.
    وقال الكسائي: «ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد».
    وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال الم حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها.
    ولفظ الكتاب مأخوذ من «كتبت الشيء» إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة.
    ورفع الكتاب يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان.

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قال ابن جريج: قال ابن عبّاسٍ: «{ذلك الكتاب}: هذا الكتاب». وكذا قال مجاهدٌ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم، وابن جريجٍ: أنّ ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروفٌ في كلامهم.
    و {الكتاب} القرآن. ومن قال: إنّ المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التّوراة والإنجيل، كما حكاه ابن جريرٍ وغيره، فقد أبعد النّجعة وأغرق في النّزع، وتكلّف ما لا علم له به.


    3ـ معنى (لا ريب فيه):

    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا ريب فيه}
    وتأويل قوله: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه،.
    - كما حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {لا ريب فيه}، قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني سلاّم بن سالمٍ الخزاعيّ، قال: حدّثنا خلف بن ياسين الكوفيّ، عن عبد العزيز بن أبي روّادٍ، عن عطاءٍ: {لا ريب فيه} قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، قال: «{لا ريب فيه} لا شكّ فيه ».
    - حدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه.
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {لا ريب فيه} قال: « لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ{لا ريب فيه} يقول لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».
    - وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قوله: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».وهو مصدرٌ من قولك: رابني الشّيء يريبني ريبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جؤيّة الهذليّ..

    فقالوا تركنا الحيّ قد حصروا به.......فلا ريب أن قد كان ثمّ لحيم
    ويروى: حصروا، وحصروا، والفتح أكثر، والكسر جائزٌ. يعني بقوله: حصروا به أطافوا به، ويعني بقوله، {لا ريب فيه} لا شكّ فيه، وبقوله: أن قد كان ثمّ لحيم يعني قتيلاً، يقال، قد لحم إذا قتل.
    والهاء الّتي في فيه. عائدةٌ على الكتاب، كأنّه قال: لا شكّ في ذلك الكتاب أنّه من عند اللّه هدًى للمتّقين).[جامع البيان: 1/233-231]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لا ريب فيه}
    - حدّثنا أبي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافعٍ، ثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن ابن أبي عوفٍ، عن عبد الرّحمن بن مسعودٍ الفزاريّ، عن أبي الدّرداء قال: «الرّيب- يعني الشّكّ- من الكفر ». قال أبو محمّدٍ: «ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسّرين منهم ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو مالكٍ، ونافعٌ مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، والسّدّيّ، وإسماعيل بن أبي خالد»). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا ريب فيه} قال: «لا شك فيه ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال «ال {ريب} الشك من الكفر ».
    -وأخرج الطستي في مسائل ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له:« أخبرني عن قوله عز وجل {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت ابن الزبعرى وهو يقول: ليس في الحق يا أمامة ريب * إنما الريب ما يقول الكذوب ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {لا ريب فيه} قال:« لا شك فيه».
    -وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله). [الدر المنثور: 1/129-127]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : {ولا ريب فيه} معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار.
    وقال قوم: لفظ قوله لا ريب فيه لفظ الخبر ومعناه النهي.
    وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص أي عند المؤمنين.
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف.

    والرّيب: الشّكّ، قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه}: لا شكّ فيه.
    وقاله أبو الدّرداء وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وسعيد بن جبيرٍ وأبو مالكٍ ونافعٌ مولى ابن عمر وعطاءٌ وأبو العالية والرّبيع بن أنسٍ ومقاتل بن حيّان والسّدّيّ وقتادة وإسماعيل بن أبي خالدٍ. وقال ابن أبي حاتمٍ: لا أعلم في هذا خلافًا.
    [وقد يستعمل الرّيب في التّهمة قال جميلٌ:


    بثينة قالت يا جميل أربتني ....... فقلت كلانا يا بثين مريب...


    واستعمل -أيضًا-في الحاجة كما قال بعضهم:
    قضينا من تهامة كلّ ريبٍ ....... وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :ومعنى الكلام: أنّ هذا الكتاب -وهو القرآن-لا شكّ فيه أنّه نزل من عند اللّه، كما قال تعالى في السّجدة: {الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين} [السّجدة: 1، 2]. [وقال بعضهم: هذا خبرٌ ومعناه النّهي، أي: لا ترتابوا فيه].

    4ـ معنى (هدى للمتقين):
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هدًى}.
    - حدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال، حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ: {هدًى} قال، «هدًى من الضّلالة».
    - حدّثني موسى بن هارون، قال، حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يقول: « نورٌ للمتّقين ».
    والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك هديت فلانًا الطّريق إذا أرشدته إليه. ودللته عليه، وبيّنته له، أهديه هدًى وهدايةً.
    فإن قال لنا قائلٌ: أوما كتاب اللّه نورًا إلاّ للمتّقين ولا رشادًا إلاّ للمؤمنين؟
    قيل: ذلك كما وصفه ربّنا عزّ وجلّ، ولو كان نورًا لغير المتّقين، ورشادًا لغير المؤمنين لم يخصّص اللّه عزّ وجلّ المتّقين بأنّه لهم هدًى، بل كان يعمّ به جميع المنذرين؛ ولكنّه هدًى للمتّقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، ووقرٌ في آذان المكذّيين، وعمًى لأبصار الجاحدين. وحجّةٌ للّه بالغةٌ على الكافرين؛ فالمؤمن به مهتدٍ، والكافر به محجوجٌ.
    وقوله: {هدًى} يحتمل أوجهًا من المعاني؛
    أحدها: أن يكون نصبًا لمعنى القطع من الكتاب لأنّه نكرةٌ والكتاب معرفةٌ، فيكون التّأويل حينئذٍ: الم ذلك الكتاب هاديًا للمتّقين. وذلك مرفوعٌ بـ الم، والم به، والكتاب نعتٌ لذلك.
    وقد يحتمل أن يكون نصبًا على القطع من راجع ذكر الكتاب الّذي في فيه، فيكون معنى ذلك حينئذٍ: الم الّذي لا ريب فيه هاديًا.
    وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين، أعني على وجه القطع من الهاء الّتي في فيه، ومن الكتاب على أنّ الم كلامٌ تامٌّ، كما قال ابن عبّاسٍ إنّ معناه: أنا اللّه أعلم. ثمّ يكون ذلك الكتاب خبرًا مستأنفًا، ويرفع حينئذٍ الكتاب بذلك وذلك بالكتاب، ويكون هدًى قطعًا من الكتاب، وعلى أن يرفع ذلك بالهاء العائدة عليه الّتي في فيه، والكتاب نعتٌ له، والهدى قطعٌ من الهاء الّتي في فيه. وإن جعل الهدى في موضع رفعٍ لم يجز أن يكون {ذلك الكتاب} إلاّ خبرًا مستأنفًا والم كلامًا تامًّا مكتفيًا بنفسه إلاّ من وجهٍ واحدٍ؛ وهو أن يرفع حينئذٍ هدًى بمعنى المدح كما قال اللّه جلّ وعزّ: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدًى ورحمةٌ للمحسنين} في قراءة من قرأ رحمةٌ بالرّفع على المدح للآيات.
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {للمتّقين}.
    - حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن، قوله:{للمتّقين} قال: « اتّقوا ما حرّم عليهم وأدّوا ما افترض عليهم ».
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} أي الّذين يحذرون من اللّه عزّ وجلّ عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء به.
    - حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: «هم المؤمنون ».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: «سألني الأعمش عن المتّقين؟ قال: فأجبته، فقال لي: سئل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: الّذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك ولم ينكره».
    - حدّثني المثنّى بن إبراهيم الطّبريّ، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمر أبو حفصٍ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {هدًى للمتّقين} هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون}.
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال حدّثنا بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} قال: « المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك ويعملون بطاعتي ».
    وأولى التّأويلات بقول اللّه جلّ ثناؤه: {هدًى للمتّقين} تأويل من وصف القوم بأنّهم الّذين اتّقوا اللّه تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنّبوا معاصيه واتّقوه فيما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه أبهم وصفهم بالتّقوى فلم يحصر تقواهم إيّاه على بعض ما هو جلّ ثناؤه أهلٌ له منهم دون بعضٍ. فليس لأحدٍ من النّاس أن يحصر معنى ذلك على وصفهم بشيءٍ من تقوى اللّه عزّ وجلّ دون شيء إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها، لأنّ ذلك من صفة القوم لو كان محصورًا على خاصٍّ من معاني التّقوى دون العام لم يدع اللّه جلّ ثناؤه بيان ذلك لعباده، إمّا في كتابه، وإمّا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم؛ إذ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التّقوى.
    فقد تبيّن إذًا بذلك فساد قول من زعم أنّ تأويل ذلك إنّما هو: الّذين اتّقوا الشّرك وبرءوا من النّفاق؛ لأنّه قد يكون كذلك وهو فاسقٌ غير مستحقٌّ أن يكون من المتّقين. إلاّ أن يكون عند قائل هذا القول معنى النّفاق ركوب الفواحش الّتي حرّمها اللّه جلّ ثناؤه وتضييع فرائضه الّتي فرضها عليه، فإنّ جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمّي من كان كذلك منافقًا، فيكون، وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم، مصيبًا تأويل قول اللّه عزّ وجلّ للمتّقين). [جامع البيان: 1/239-237]

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {هدى}
    اختلف في تفسيره على أوجه:
    [الوجه الأول]
    فمنهم من قال: هدى من الضّلالة.
    - حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنا عبد الرّزّاق، أخبرني الثّوريّ، عن بيانٍ.
    - وحدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ وعيسى بن جعفرٍ قالا: ثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ في قوله: {هدًى }قال: « من الضلالة ».
    [الوجه الثاني]
    ومن فسّره على نورٍ:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: وأمّا هدى للمتقين نور للمتقين.
    [الوجه الثالث]
    ومن فسّره على تبيانٍ للمتّقين:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا ابن لهيعة، عن عطاء ابن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: هدًى للمتّقين تبيان للمتقين). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {للمتقين}
    [الوجه الأول]
    - حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا أبو عقيلٍ عبد الله ابن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ وكان من أصحاب النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس».
    الوجه الثّاني:
    - حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن المغيرة ابن مسلمٍ، عن ميمونٍ، عن أبي حمزة قال:« كنت جالسًا عند أبي وائلٍ فدخل علينا رجلٌ يقال له أبو عفيفٍ من أصحاب معاذٍ. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في نقيع واحدٍ فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنف الرّحمن، لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر. قلت: من المتّقون؟ قال: قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة فيمرّون إلىالجنّة ».
    الوجه الثّالث:
    - حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:« يقول اللّه سبحانه وبحمده: هدًى للمتّقين أي الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء منه ».
    والوجه الرّابع:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: هدًى للمتّقين نورٌ للمتّقين، وهم المؤمنون.
    - حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ حدثني سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: هدًى للمتّقين من هم؟ نعتهم اللّه، فأثبت نعتهم ووصفهم. قال: « الّذين يؤمنون بالغيب »). [تفسير القرآن العظيم: 1/35-34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}.
    -أخرج وكيع، وابن جرير عن الشعبي في قوله {هدى} قال: «من الضلالة ».
    -وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {هدى} قال:« نور{للمتقين}قال: هم المؤمنون ».
    -وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} قال: « للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هدى للمتقين} قال:« جعله الله هدى وضياء لمن صدق به ونور للمتقين ».
    -وأخرج أبن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال:« يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف الرحمن لايحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون قال: قوم اتقوا الشرك عبادة الأوثان واخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة ».
    -وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة، « أن رجلا قال له: ما التقوى قال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم، قال: فكيف صنعت قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال: ذاك التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه قال: «التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: «تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: « ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: « إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: « لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئا واحدا لم يكن من المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها إلى ما قد علمت منها»-وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال:« من سره أن يكون متقيا فليكن أذل من قعود أبل كل من أتى عليه أرغاه ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: «كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة، أما بعد، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء ورضي بالقضاء وشكر النعماء وذل لحكم القرآن ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: « قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء، لحسن توكله على الله فيما نابه ولحسن رضاه فيما أتاه ولحسن زهده فيما فاته ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال:« معدن من التقوى لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: « بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله كما ينبغي له قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير قال: ولد آدم كلهم وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن إياس بن معاوية قال:« رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئا دون الله ثم تتفاض الناس بالتقى والنهى».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« فواتح التقوى حسن النية وخواتمها التوفيق والعبد فيما بين ذلك بين هلكات وشبهات ونفس تحطب على سلوها وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: « كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال:« ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: « قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري وأنت تنام الليل فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب بن شبة قال: « تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه وآثر الآخرة على الدنيا ولم تكربه المطالب ولم تمنعه المطامع نظر ببصر قلبه إلى معالي إرادته فسما لها ملتمسا لها فزهده مخزون يبيت إذا نام الناس ذا شجون ويصبح مغموما في الدنيا مسجون قد انقطعت من همته الراحة دون منيته فشفاؤه القرآن ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة لا يرى منها الدنيا عوضا ولا يستريح إلى لذة سواها، فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى ء بالا منا وأنعم عيشا ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال:« لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه حتى تعلم من أين مطعمه ومن أين ملبسه ومن أين مشربه أمن حل ذلك أو من حرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز، أنه لما ولي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: « يا أيها الناس اتقوا الله فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال:« لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: « القيامة عرس المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال:« قيل لأبي الدرداء: أنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرا فما لك لا تقول قال: وأنا قلت فاستمعوه:




    يريد المرء أن يعطى مناه.......ويأبى الله إلا ما أرادا


    يقول المرء فائدتي وذخري.......وتقوى الله أفضل ما استفادا »



    -وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العفيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: « يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف، المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين »). [الدر المنثور: 1/137-130]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : و{هدىً}: معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر ذلك، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصبا على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في فيه، والعامل معنى الاستقرار وفي هذا القول ضعف.
    وقوله: {للمتّقين} اللفظ مأخوذ من وقى، وفعله اتّقى، على وزن افتعل، وأصله «للموتقيين» استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار للمتّقين. والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله). [المحرر الوجيز: 1/102-104]

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :

    و {هدًى} يحتمل من حيث العربيّة أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال.
    وخصّت الهداية للمتّقين. كما قال: {قل هو للّذين آمنوا هدًى وشفاءٌ والّذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمًى أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ} [فصّلت: 44]. {وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظّالمين إلا خسارًا} [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على اختصاص المؤمنين بالنّفع بالقرآن؛ لأنّه هو في نفسه هدًى، ولكن لا يناله إلّا الأبرار، كما قال: {يا أيّها النّاس قد جاءتكم موعظةٌ من ربّكم وشفاءٌ لما في الصّدور وهدًى ورحمةٌ للمؤمنين} [يونس: 57].
    وقد قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يعني: نورًا للمتّقين.
    وقال الشّعبيّ: «هدًى من الضّلالة»، وقال سعيد بن جبيرٍ: «تبيانٌ للمتّقين». وكلّ ذلك صحيحٌ.
    وقال السّدّيّ: عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: هم المؤمنون.
    وقال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} أي: الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التّصديق بما جاء به».
    وقال أبو روق، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} قال: المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك بي، ويعملون بطاعتي».
    وقال سفيان الثّوريّ، عن رجلٍ، عن الحسن البصريّ، قوله: {للمتّقين} قال: «اتّقوا ما حرّم اللّه عليهم، وأدّوا ما افترض عليهم».
    وقال أبو بكر بن عيّاشٍ: سألني الأعمش عن المتّقين، قال: فأجبته. فقال [لي] سل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: «الّذين يجتنبون كبائر الإثم»، قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك. ولم ينكره.
    وقال قتادة: «{للمتّقين} هم الّذين نعتهم اللّه بقوله: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة} الآية والّتي بعدها ».
    واختار ابن جريرٍ: «أنّ الآية تعمّ ذلك كلّه»، وهو كما قال.
    وقد روى التّرمذيّ وابن ماجه، من رواية أبي عقيلٍ عبد اللّه بن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأسٌ».
    ثم قال الترمذي: حسن غريب.
    وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان، يعني الرّازيّ، عن المغيرة بن مسلمٍ، عن ميمونٍ أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائلٍ، فدخل علينا رجلٌ، يقال له: أبو عفيفٍ، من أصحاب معاذٍ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: «بلى سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في بقيعٍ واحدٍ، فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنفٍ من الرّحمن لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر»، قلت: «من المتّقون؟»، قال: «قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة، فيمرّون إلى الجنّة».
    وأصل التّقوى: التّوقّي ممّا يكره لأنّ أصلها وقوى من الوقاية. قال النّابغة:



    سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ....... فتناولته واتّقتنا باليد


    وقال الآخر:
    فألقت قناعًا دونه الشّمس واتّقت ....... بأحسن موصولين كفٌّ ومعصم


    وقد قيل: إنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، سأل أبيّ بن كعبٍ عن التّقوى، فقال له: «أما سلكت طريقًا ذا شوكٍ؟»، قال: «بلى»، قال: «فما عملت؟»، قال: «شمّرت واجتهدت»، قال: «فذلك التّقوى».
    وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتزّ فقال:



    خلّ الذّنوب صغيرها ....... وكبيرها ذاك التّقى
    واصنع كماشٍ فوق أر ....... ض الشّوك يحذر ما يرى
    لا تحقرنّ صغيرةً ....... إنّ الجبال من الحصى



    وأنشد أبو الدّرداء يومًا:


    يريد المرء أن يؤتى مناه ...... ويأبى اللّه إلّا ما أرادا
    يقول المرء فائدتي ومالي ....... وتقوى اللّه أفضل ما استفادا



    وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما استفاد المرء بعد تقوى اللّه خيرًا من زوجةٍ صالحةٍ، إن نظر إليها سرّته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإنّ غاب عنها حفظته في نفسها وماله».). [تفسير ابن كثير: 1/162-164]


    يتبع




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}


    بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
    سليم سيدهوم


    الإعراب:
    1ـ إعراب (ذلك):
    قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): وموضع {ذلك} رفع؛ لأنه خبر ابتداء على قول من قال: هذا القرآن، ذلك الكتاب.
    2ـ إعراب (الكتاب):
    قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ): و{الكتاب} رفع يسميه النحويون عطف البيان نحو قولك: هذا الرجل أخوك، فـ(الرجل) عطف البيان، أي: يبين من الذي أشرت إليه.
    والاسم من ذلك "ذا" والكاف زيدت للمخاطبة ولا حظ لها في الإعراب، قال سيبويه: لو كان لها حظ في الإعراب؛ لقلت: " ذاك نفسه زيد"، وهذا خطأ لا يجوز إلا هذاك نفسه زيد.
    ولذلك "ذانك" يشهد أن الكاف لا موضع لها؛ لو كان لها موضع لكان جراً بالإضافة، والنون لا تدخل مع الإضافة.
    واللام تزاد مع "ذلك" للتوكيد، أعني: توكيد الاسم؛ لأنها إذا زيدت أسقطت معها "ها" تقول: "ذلك الحق" و"ذاك الحق" و"ها ذاك الحق".
    ويقبح "هذلك الحق"؛ لأن اللام قد أكدت معنى الإشارة، وكسرت اللام للالتقاء السّاكنين، أعني الألف من "ذا" واللام التي بعدها، وكان ينبغي أن تكون ساكنة، ولكنها كسرت لما قلناه.
    وكذلك يجب أن يكون موضع ذلك رفعاً فيمن جعل ذلك خبراً عن {الم}.
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : ورفع الكتاب يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان.

    3ـ إعراب (لا ريب) قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى لّلمتّقين}
    قال: {لا ريب فيه هدًى لّلمتّقين}، وقال: {فلا إثم عليه} فنصبهما بغير تنوين، وذلك أن كل اسم منكور نفيته بـ"لا" وجعلت "لا" إلى جنب الاسم فهو مفتوح بغير تنوين، لأن "لا" مشبهة بالفعل، كما شبهت "أن" و"ما" بالفعل.

    قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) وموضع {لا ريب} نصب، قال سيبويه: "لا" تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب "إن" لما بعدها إلا أنها تنصبه بغير تنوين
    4ـ إعراب (فيه):قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) و{فيه} في موضع خبرها وخبرها رفع، وهو بمنزلة الفاعل، وصار المنصوب بمنزلة المفعول به، و(لا) بمنزلة الفعل. وإنما حذفت التنوين منه؛ لأنك جعلته و"لا" اسما واحدا، وكل شيئين جعلا اسماً لم يصرفا، والفتحة التي فيه لجميع الاسم، بني عليها، وجعل غير متمكن. والاسم الذي بعد "لا" في موضع نصب عملت فيه "لا".
    5ـ إعراب (هدى للمتقين): وأما قوله تعالى: {هدىً لّلمتّقين...}: فإنه رفع من وجهين، ونصب من وجهين:-
    إذا أردت بـ "الكتاب" أن يكون نعتًا لـ "ذلك" كان الهدى في موضع رفع؛ لأنه خبر لـ "ذلك"؛ كأنك قلت: ذلك هدًى لا شكّ فيه.
    وإن جعلت {لا ريب فيه} خبره، رفعت أيضاً {هدىً} تجعله تابعاً لموضع: {لا ريب فيه} كما قال الله عزّ وجلّ: {وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ} كأنه قال: وهذا كتاب، وهذا مبارك، وهذا من صفته كذا وكذا.
    وفيه وجه ثالث من الرفع: إن شئت رفعته على الاستئناف لتمام ما قبله، كما قرأت القرّاء: {الم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدًى ورحمةٌ للمحسنين} بالرفع والنصب، وكقوله في حرف عبد الله: (ءألد وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخٌ) وهي في قراءتنا: {شيخاً}.
    فأما النصب في أحد الوجهين: فأن تجعل "الكتاب" خبرًا لـ"ذلك" فتنصب "هدًى" على القطع؛ لأن "هدًى" نكرة اتصلت بمعرفة قد تمّ خبرها فنصبتها؛ لأن النكرة لا تكون دليلاً على معرفة.
    وإن شئت نصبت "هدىً" على القطع من الهاء التي في "فيه"؛ كأنك قلت: لا شك فيه هادياً.
    قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
    : وموضع {هدى} نصب، ومعناه: بيان، ونصبه من وجهين:
    أحدهما: أن يكون منصوباً على الحال من قولك: القرآن، ذلك الكتاب هدى، ويجوز أن يكون انتصب بقولك: {لا ريب فيه} في حال هدايته، فيكون حالًا من قولك: لا شك فيه هادياً.
    ويجوز أن يكون موضعه رفعاً من جهات:
    إحداها أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قال: هذا ذلك الكتاب هدى، أي: قد جمع أنه الكتاب الذي وعدوا به وأنه هدى، كما تقول: هذا حلو حامض، تريد: أنه قد جمع الطعمين،
    ويجوز أن يكلون رفعه على إضمار "هو"، كأنه لما تم الكلام فقيل: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه}، قيل: هو هدى.
    ويجوز أن يكون رفعه على قولك: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} كأنك قلت: ذلك الكتاب حقّاً؛ لأن لا شك فيه بمعنى حق، ثم قال: بعد ذلك:{فيه هدى للمتقين}). [معاني القرآن: 1/67-70]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :و{هدًى} يحتمل من حيث العربيّة أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال
    .

    تصنيف أقوال العلماء في قول الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)


    القراءات:
    1ـ الوقف على:(لا ريب فيه) أولى
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :ومن القرّاء من يقف على قوله: {لا ريب} ويبتدئ بقوله: {فيه هدًى للمتّقين} والوقف على قوله تعالى: {لا ريب فيه} أولى للآية الّتي ذكرنا، ولأنّه يصير قوله: {هدًى} صفةً للقرآن، وذلك أبلغ من كون: {فيه هدًى}.
    قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : قد قرأ بعض القراء {فيه هدى} فأدغم الهاء الأولى في هاء {هدى}؛ لأنهما التقتا وهما مثلان، وزعموا أن من العرب من يؤنث "الهدى"، ومنهم من يسكن هاء الإضمار للمذكر، قال الشاعر:

    فظلت لدى البيت العتيق أخيله.......ومطواي مشتاقان له أرقان
    وهذه في لغة أسد السراة، زعمواكثير). [معاني القرآن: 1/15-18]
    قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ):
    فأما قراءة {فيه هدى} بإدغام الهاء في الهاء، فهو ثقيل في اللفظ، وهو جائز في القياس؛ لأن الحرفين من جنس واحد إلا أنه يثقل في اللفظ؛ لأن حروف الحلق ليست بأصل في الإدغام، والحرفان من كلمتين، وحكى الأخفش أنها قراءة.
    المسائل التفسرية:
    1ـ معنى (ذلك الكتاب):

    قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر عن قتادة لا ريب فيه هدى يقول لا شك فيه). [تفسير عبد الرزاق: 1/39]2ـ معنى (الكتاب):

    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين}.
    قال عامّة المفسّرين: تأويل قول اللّه تعالى: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب.
    ذكر من قال ذلك:
    - حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ الكوفيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّدٍ المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {ذلك الكتاب} قال:« هو هذا الكتاب ».
    - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا خالدٌ الحذّاء، عن عكرمة، قال: « {ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    - حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، في قوله: {ذلك الكتاب} قال: « هذا الكتاب ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب قال: قال ابن عبّاسٍ{ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    فإن قال قائلٌ: وكيف يجوز أن يكون ذلك بمعنى هذا؟ وهذا لا شكّ إشارةٌ إلى حاضرٍ معاينٌ، وذلك إشارةٌ إلى غائبٍ غير حاضرٍ ولا معاينٍ؟
    قيل: جاز ذلك لأنّ كلّ ما تقضّى وقرب تقضّيه من الأخبار فهو وإن صار بمعنى غير الحاضر، فكالحاضر عند المخاطب؛ وذلك كالرّجل يحدّث الرّجل الحديث، فيقول السّامع: إنّ ذلك واللّه لكما قلت، وهذا واللّه كما قلت، وهو واللّه كما ذكرت. فيخبر عنه مرّةً بمعنى الغائب إذ كان قد تقضّى ومضى، ومرّةً بمعنى الحاضر لقرب جوابه من كلام مخبره كأنّه غير منقضٍ، فكذلك ذلك في قوله: {ذلك الكتاب} لأنّه جلّ ذكره لمّا قدّم قبل ذلك الكتاب {الم} الّتي ذكرنا تصرّفها في وجوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد هذا الّذي ذكرته وبيّنته لك الكتاب. ولذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا، لأنّه أشير به إلى الخبر عمّا تضمّنه قوله: {الم} من المعاني بعد تقضّي الخبر عنه {الم}، فصار لقرب الخبر عنه من تقضّيه كالحاضر المشار إليه، فأخبر عنه بذلك لانقضائه ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب.
    وترجمه المفسّرون أنّه بمعنى هذا لقرب الخبر عنه من انقضائه، فكان كالمشاهد المشار إليه بهذا نحو الّذي وصفنا من الكلام الجاري بين النّاس في محاوراتهم، وكما قال جلّ ذكره: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكلٌّ من الأخيار هذا ذكرٌ} فهذا ما في ذلك إذا عنى بها هذا.
    وقد يحتمل قوله جلّ ذكره: {ذلك الكتاب} أن يكون معنيًّا به السّور الّتي نزلت قبل سورة البقرة بمكّة والمدينة، فكأنّه قال جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد اعلم أنّ ما تضمّنته سور الكتاب الّتي قد أنزلتها إليك هو الكتاب الّذي لا ريب فيه. ثمّ ترجمه المفسّرون بأنّ معنى ذلك: هذا الكتاب، إذ كانت تلك السّور الّتي نزلت قبل سورة البقرة من جملة جميع كتابنا هذا الّذي أنزله اللّه عزّ وجلّ على نبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
    وكان التّأويل الأوّل أولى بما قاله المفسّرون؛ لأنّ ذلك أظهر معاني قولهم الّذي قالوه في ذلك.
    وقد وجّه معنى ذلك بعضهم إلى نظير معنى بيت خفاف بن ندبة السّلميّ:

    فإن تك خيلي قد أصيب صميمها.......فعمدًا على عينٍ تيمّمت مالكا.
    أقول له والرّمح يأطر متنه.......تأمّل خفافًا إنّني أنا ذلكا

    كأنّه أراد: تأمّلني أنا ذلك. فزعم أنّ {ذلك الكتاب} بمعنى هذا نظير ما أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب وهو مخبرٌ عن نفسه، فكذلك أظهر ذلك بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهد.
    والقول الأوّل أولى بتأويل الكتاب لما ذكرنا من العلل.
    وقد قال بعضهم: {ذلك الكتاب} يعني به التّوراة والإنجيل، وإذا وجّه تأويل ذلك إلى هذا الوجه فلا مؤنة فيه على متأوّله كذلك لأنّ ذلك يكون حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحّةٍ). [جامع البيان: 1/231-228]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قوله: {ذلك الكتاب}
    - به عن عكرمة: {ذلك الكتاب}قال: «هذا الكتاب ». قال: وهكذا فسّره سعيد ابن جبيرٍ والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان وزيد بن أسلم.قوله: {الكتاب}
    - حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا أسباط بن محمّدٍ، عن الهذليّ- يعني أبا بكرٍ- عن الحسن في قول اللّه: الكتاب قال: «القرآن ». قال أبو محمّدٍ: وروي عن ابن عبّاسٍ مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/34-33]
    قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو أحمد محمّد بن إسحاق الصّفّار، ثنا أحمد بن نصرٍ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن، عن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه: {الم ذلك الكتاب}[البقرة: 2] قال: « {الم} [البقرة: 1] : حرف اسم اللّه، و {الكتاب} [البقرة: 2] : القرآن، {لا ريب فيه}[البقرة: 2] : لا شكّ فيه» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/286] (م)
    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين })
    -أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال: «من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل».
    -وأخرج وكيع عن مجاهد قال:« هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى {المفلحون} نزلت في نعت المؤمنين واثنتان من بعدها إلى {عظيم} نزلت في نعت الكافرين وإلى العشر نزلت في المنافقين
    -وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال:« أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا وآيتان في قادة الأحزاب ».
    -وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود {الم} حرف اسم الله و{الكتاب} القرآن {لا ريب} لا شك فيه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ذلك الكتاب} قال: «هذا الكتاب»
    -وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة، مثله.
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين (2)}
    الاسم من ذلك الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع ذلك رفع كأنه خبر ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في ذلك هنا فقيل: هو بمعنى «هذا»، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن.
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وذلك أنه قد يشار بـ «ذلك» إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب «هذا» إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقرب.
    وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ أي الكتاب الذي هو القدر،وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد.
    وقال الكسائي: «ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد».
    وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال الم حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها.
    ولفظ الكتاب مأخوذ من «كتبت الشيء» إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة.
    ورفع الكتاب يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان.

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قال ابن جريج: قال ابن عبّاسٍ: «{ذلك الكتاب}: هذا الكتاب». وكذا قال مجاهدٌ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم، وابن جريجٍ: أنّ ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروفٌ في كلامهم.
    و {الكتاب} القرآن. ومن قال: إنّ المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التّوراة والإنجيل، كما حكاه ابن جريرٍ وغيره، فقد أبعد النّجعة وأغرق في النّزع، وتكلّف ما لا علم له به.


    3ـ معنى (لا ريب فيه):

    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا ريب فيه}
    وتأويل قوله: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه،.
    - كما حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {لا ريب فيه}، قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني سلاّم بن سالمٍ الخزاعيّ، قال: حدّثنا خلف بن ياسين الكوفيّ، عن عبد العزيز بن أبي روّادٍ، عن عطاءٍ: {لا ريب فيه} قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، قال: «{لا ريب فيه} لا شكّ فيه ».
    - حدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه.
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {لا ريب فيه} قال: « لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ{لا ريب فيه} يقول لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».
    - وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قوله: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».وهو مصدرٌ من قولك: رابني الشّيء يريبني ريبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جؤيّة الهذليّ..

    فقالوا تركنا الحيّ قد حصروا به.......فلا ريب أن قد كان ثمّ لحيم
    ويروى: حصروا، وحصروا، والفتح أكثر، والكسر جائزٌ. يعني بقوله: حصروا به أطافوا به، ويعني بقوله، {لا ريب فيه} لا شكّ فيه، وبقوله: أن قد كان ثمّ لحيم يعني قتيلاً، يقال، قد لحم إذا قتل.
    والهاء الّتي في فيه. عائدةٌ على الكتاب، كأنّه قال: لا شكّ في ذلك الكتاب أنّه من عند اللّه هدًى للمتّقين).[جامع البيان: 1/233-231]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لا ريب فيه}
    - حدّثنا أبي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافعٍ، ثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن ابن أبي عوفٍ، عن عبد الرّحمن بن مسعودٍ الفزاريّ، عن أبي الدّرداء قال: «الرّيب- يعني الشّكّ- من الكفر ». قال أبو محمّدٍ: «ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسّرين منهم ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو مالكٍ، ونافعٌ مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، والسّدّيّ، وإسماعيل بن أبي خالد»). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا ريب فيه} قال: «لا شك فيه ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال «ال {ريب} الشك من الكفر ».
    -وأخرج الطستي في مسائل ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له:« أخبرني عن قوله عز وجل {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت ابن الزبعرى وهو يقول: ليس في الحق يا أمامة ريب * إنما الريب ما يقول الكذوب ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {لا ريب فيه} قال:« لا شك فيه».
    -وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله). [الدر المنثور: 1/129-127]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : {ولا ريب فيه} معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار.
    وقال قوم: لفظ قوله لا ريب فيه لفظ الخبر ومعناه النهي.
    وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص أي عند المؤمنين.
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف.

    والرّيب: الشّكّ، قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه}: لا شكّ فيه.
    وقاله أبو الدّرداء وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وسعيد بن جبيرٍ وأبو مالكٍ ونافعٌ مولى ابن عمر وعطاءٌ وأبو العالية والرّبيع بن أنسٍ ومقاتل بن حيّان والسّدّيّ وقتادة وإسماعيل بن أبي خالدٍ. وقال ابن أبي حاتمٍ: لا أعلم في هذا خلافًا.
    [وقد يستعمل الرّيب في التّهمة قال جميلٌ:



    بثينة قالت يا جميل أربتني ....... فقلت كلانا يا بثين مريب...


    واستعمل -أيضًا-في الحاجة كما قال بعضهم:
    قضينا من تهامة كلّ ريبٍ ....... وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا]

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :ومعنى الكلام: أنّ هذا الكتاب -وهو القرآن-لا شكّ فيه أنّه نزل من عند اللّه، كما قال تعالى في السّجدة: {الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين} [السّجدة: 1، 2]. [وقال بعضهم: هذا خبرٌ ومعناه النّهي، أي: لا ترتابوا فيه].

    4ـ معنى (هدى للمتقين):
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هدًى}.
    - حدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال، حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ: {هدًى} قال، «هدًى من الضّلالة».
    - حدّثني موسى بن هارون، قال، حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يقول: « نورٌ للمتّقين ».
    والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك هديت فلانًا الطّريق إذا أرشدته إليه. ودللته عليه، وبيّنته له، أهديه هدًى وهدايةً.
    فإن قال لنا قائلٌ: أوما كتاب اللّه نورًا إلاّ للمتّقين ولا رشادًا إلاّ للمؤمنين؟
    قيل: ذلك كما وصفه ربّنا عزّ وجلّ، ولو كان نورًا لغير المتّقين، ورشادًا لغير المؤمنين لم يخصّص اللّه عزّ وجلّ المتّقين بأنّه لهم هدًى، بل كان يعمّ به جميع المنذرين؛ ولكنّه هدًى للمتّقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، ووقرٌ في آذان المكذّيين، وعمًى لأبصار الجاحدين. وحجّةٌ للّه بالغةٌ على الكافرين؛ فالمؤمن به مهتدٍ، والكافر به محجوجٌ.
    وقوله: {هدًى} يحتمل أوجهًا من المعاني؛
    أحدها: أن يكون نصبًا لمعنى القطع من الكتاب لأنّه نكرةٌ والكتاب معرفةٌ، فيكون التّأويل حينئذٍ: الم ذلك الكتاب هاديًا للمتّقين. وذلك مرفوعٌ بـ الم، والم به، والكتاب نعتٌ لذلك.
    وقد يحتمل أن يكون نصبًا على القطع من راجع ذكر الكتاب الّذي في فيه، فيكون معنى ذلك حينئذٍ: الم الّذي لا ريب فيه هاديًا.
    وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين، أعني على وجه القطع من الهاء الّتي في فيه، ومن الكتاب على أنّ الم كلامٌ تامٌّ، كما قال ابن عبّاسٍ إنّ معناه: أنا اللّه أعلم. ثمّ يكون ذلك الكتاب خبرًا مستأنفًا، ويرفع حينئذٍ الكتاب بذلك وذلك بالكتاب، ويكون هدًى قطعًا من الكتاب، وعلى أن يرفع ذلك بالهاء العائدة عليه الّتي في فيه، والكتاب نعتٌ له، والهدى قطعٌ من الهاء الّتي في فيه. وإن جعل الهدى في موضع رفعٍ لم يجز أن يكون {ذلك الكتاب} إلاّ خبرًا مستأنفًا والم كلامًا تامًّا مكتفيًا بنفسه إلاّ من وجهٍ واحدٍ؛ وهو أن يرفع حينئذٍ هدًى بمعنى المدح كما قال اللّه جلّ وعزّ: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدًى ورحمةٌ للمحسنين} في قراءة من قرأ رحمةٌ بالرّفع على المدح للآيات.
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {للمتّقين}.
    - حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن، قوله:{للمتّقين} قال: « اتّقوا ما حرّم عليهم وأدّوا ما افترض عليهم ».
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} أي الّذين يحذرون من اللّه عزّ وجلّ عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء به.
    - حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: «هم المؤمنون ».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: «سألني الأعمش عن المتّقين؟ قال: فأجبته، فقال لي: سئل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: الّذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك ولم ينكره».
    - حدّثني المثنّى بن إبراهيم الطّبريّ، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمر أبو حفصٍ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {هدًى للمتّقين} هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون}.
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال حدّثنا بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} قال: « المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك ويعملون بطاعتي ».
    وأولى التّأويلات بقول اللّه جلّ ثناؤه: {هدًى للمتّقين} تأويل من وصف القوم بأنّهم الّذين اتّقوا اللّه تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنّبوا معاصيه واتّقوه فيما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه أبهم وصفهم بالتّقوى فلم يحصر تقواهم إيّاه على بعض ما هو جلّ ثناؤه أهلٌ له منهم دون بعضٍ. فليس لأحدٍ من النّاس أن يحصر معنى ذلك على وصفهم بشيءٍ من تقوى اللّه عزّ وجلّ دون شيء إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها، لأنّ ذلك من صفة القوم لو كان محصورًا على خاصٍّ من معاني التّقوى دون العام لم يدع اللّه جلّ ثناؤه بيان ذلك لعباده، إمّا في كتابه، وإمّا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم؛ إذ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التّقوى.
    فقد تبيّن إذًا بذلك فساد قول من زعم أنّ تأويل ذلك إنّما هو: الّذين اتّقوا الشّرك وبرءوا من النّفاق؛ لأنّه قد يكون كذلك وهو فاسقٌ غير مستحقٌّ أن يكون من المتّقين. إلاّ أن يكون عند قائل هذا القول معنى النّفاق ركوب الفواحش الّتي حرّمها اللّه جلّ ثناؤه وتضييع فرائضه الّتي فرضها عليه، فإنّ جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمّي من كان كذلك منافقًا، فيكون، وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم، مصيبًا تأويل قول اللّه عزّ وجلّ للمتّقين). [جامع البيان: 1/239-237]

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {هدى}
    اختلف في تفسيره على أوجه:
    [الوجه الأول]
    فمنهم من قال: هدى من الضّلالة.
    - حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنا عبد الرّزّاق، أخبرني الثّوريّ، عن بيانٍ.
    - وحدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ وعيسى بن جعفرٍ قالا: ثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ في قوله: {هدًى }قال: « من الضلالة ».
    [الوجه الثاني]
    ومن فسّره على نورٍ:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: وأمّا هدى للمتقين نور للمتقين.
    [الوجه الثالث]
    ومن فسّره على تبيانٍ للمتّقين:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا ابن لهيعة، عن عطاء ابن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: هدًى للمتّقين تبيان للمتقين). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {للمتقين}
    [الوجه الأول]
    - حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا أبو عقيلٍ عبد الله ابن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ وكان من أصحاب النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس».
    الوجه الثّاني:
    - حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن المغيرة ابن مسلمٍ، عن ميمونٍ، عن أبي حمزة قال:« كنت جالسًا عند أبي وائلٍ فدخل علينا رجلٌ يقال له أبو عفيفٍ من أصحاب معاذٍ. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في نقيع واحدٍ فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنف الرّحمن، لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر. قلت: من المتّقون؟ قال: قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة فيمرّون إلىالجنّة ».
    الوجه الثّالث:
    - حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:« يقول اللّه سبحانه وبحمده: هدًى للمتّقين أي الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء منه ».
    والوجه الرّابع:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: هدًى للمتّقين نورٌ للمتّقين، وهم المؤمنون.
    - حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ حدثني سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: هدًى للمتّقين من هم؟ نعتهم اللّه، فأثبت نعتهم ووصفهم. قال: « الّذين يؤمنون بالغيب »). [تفسير القرآن العظيم: 1/35-34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}.
    -أخرج وكيع، وابن جرير عن الشعبي في قوله {هدى} قال: «من الضلالة ».
    -وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {هدى} قال:« نور{للمتقين}قال: هم المؤمنون ».
    -وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} قال: « للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هدى للمتقين} قال:« جعله الله هدى وضياء لمن صدق به ونور للمتقين ».
    -وأخرج أبن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال:« يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف الرحمن لايحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون قال: قوم اتقوا الشرك عبادة الأوثان واخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة ».
    -وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة، « أن رجلا قال له: ما التقوى قال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم، قال: فكيف صنعت قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال: ذاك التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه قال: «التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: «تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: « ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: « إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: « لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئا واحدا لم يكن من المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها إلى ما قد علمت منها»-وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال:« من سره أن يكون متقيا فليكن أذل من قعود أبل كل من أتى عليه أرغاه ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: «كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة، أما بعد، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء ورضي بالقضاء وشكر النعماء وذل لحكم القرآن ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: « قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء، لحسن توكله على الله فيما نابه ولحسن رضاه فيما أتاه ولحسن زهده فيما فاته ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال:« معدن من التقوى لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: « بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله كما ينبغي له قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير قال: ولد آدم كلهم وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن إياس بن معاوية قال:« رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئا دون الله ثم تتفاض الناس بالتقى والنهى».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« فواتح التقوى حسن النية وخواتمها التوفيق والعبد فيما بين ذلك بين هلكات وشبهات ونفس تحطب على سلوها وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: « كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال:« ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: « قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري وأنت تنام الليل فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب بن شبة قال: « تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه وآثر الآخرة على الدنيا ولم تكربه المطالب ولم تمنعه المطامع نظر ببصر قلبه إلى معالي إرادته فسما لها ملتمسا لها فزهده مخزون يبيت إذا نام الناس ذا شجون ويصبح مغموما في الدنيا مسجون قد انقطعت من همته الراحة دون منيته فشفاؤه القرآن ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة لا يرى منها الدنيا عوضا ولا يستريح إلى لذة سواها، فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى ء بالا منا وأنعم عيشا ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال:« لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه حتى تعلم من أين مطعمه ومن أين ملبسه ومن أين مشربه أمن حل ذلك أو من حرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز، أنه لما ولي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: « يا أيها الناس اتقوا الله فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال:« لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: « القيامة عرس المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال:« قيل لأبي الدرداء: أنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرا فما لك لا تقول قال: وأنا قلت فاستمعوه:



    يريد المرء أن يعطى مناه.......ويأبى الله إلا ما أرادا


    يقول المرء فائدتي وذخري.......وتقوى الله أفضل ما استفادا »



    -وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العفيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: « يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف، المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين »). [الدر المنثور: 1/137-130]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : و{هدىً}: معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر ذلك، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصبا على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في فيه، والعامل معنى الاستقرار وفي هذا القول ضعف.
    وقوله: {للمتّقين} اللفظ مأخوذ من وقى، وفعله اتّقى، على وزن افتعل، وأصله «للموتقيين» استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار للمتّقين. والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله). [المحرر الوجيز: 1/102-104]

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :

    و {هدًى} يحتمل من حيث العربيّة أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال.
    وخصّت الهداية للمتّقين. كما قال: {قل هو للّذين آمنوا هدًى وشفاءٌ والّذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمًى أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ} [فصّلت: 44]. {وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظّالمين إلا خسارًا} [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على اختصاص المؤمنين بالنّفع بالقرآن؛ لأنّه هو في نفسه هدًى، ولكن لا يناله إلّا الأبرار، كما قال: {يا أيّها النّاس قد جاءتكم موعظةٌ من ربّكم وشفاءٌ لما في الصّدور وهدًى ورحمةٌ للمؤمنين} [يونس: 57].
    وقد قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يعني: نورًا للمتّقين.
    وقال الشّعبيّ: «هدًى من الضّلالة»، وقال سعيد بن جبيرٍ: «تبيانٌ للمتّقين». وكلّ ذلك صحيحٌ.
    وقال السّدّيّ: عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: هم المؤمنون.
    وقال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} أي: الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التّصديق بما جاء به».
    وقال أبو روق، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} قال: المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك بي، ويعملون بطاعتي».
    وقال سفيان الثّوريّ، عن رجلٍ، عن الحسن البصريّ، قوله: {للمتّقين} قال: «اتّقوا ما حرّم اللّه عليهم، وأدّوا ما افترض عليهم».
    وقال أبو بكر بن عيّاشٍ: سألني الأعمش عن المتّقين، قال: فأجبته. فقال [لي] سل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: «الّذين يجتنبون كبائر الإثم»، قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك. ولم ينكره.
    وقال قتادة: «{للمتّقين} هم الّذين نعتهم اللّه بقوله: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة} الآية والّتي بعدها ».
    واختار ابن جريرٍ: «أنّ الآية تعمّ ذلك كلّه»، وهو كما قال.
    وقد روى التّرمذيّ وابن ماجه، من رواية أبي عقيلٍ عبد اللّه بن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأسٌ».
    ثم قال الترمذي: حسن غريب.
    وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان، يعني الرّازيّ، عن المغيرة بن مسلمٍ، عن ميمونٍ أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائلٍ، فدخل علينا رجلٌ، يقال له: أبو عفيفٍ، من أصحاب معاذٍ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: «بلى سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في بقيعٍ واحدٍ، فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنفٍ من الرّحمن لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر»، قلت: «من المتّقون؟»، قال: «قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة، فيمرّون إلى الجنّة».
    وأصل التّقوى: التّوقّي ممّا يكره لأنّ أصلها وقوى من الوقاية. قال النّابغة:



    سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ....... فتناولته واتّقتنا باليد


    وقال الآخر:
    فألقت قناعًا دونه الشّمس واتّقت ....... بأحسن موصولين كفٌّ ومعصم


    وقد قيل: إنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، سأل أبيّ بن كعبٍ عن التّقوى، فقال له: «أما سلكت طريقًا ذا شوكٍ؟»، قال: «بلى»، قال: «فما عملت؟»، قال: «شمّرت واجتهدت»، قال: «فذلك التّقوى».
    وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتزّ فقال:



    خلّ الذّنوب صغيرها ....... وكبيرها ذاك التّقى
    واصنع كماشٍ فوق أر ....... ض الشّوك يحذر ما يرى
    لا تحقرنّ صغيرةً ....... إنّ الجبال من الحصى



    وأنشد أبو الدّرداء يومًا:


    يريد المرء أن يؤتى مناه ...... ويأبى اللّه إلّا ما أرادا
    يقول المرء فائدتي ومالي ....... وتقوى اللّه أفضل ما استفادا



    وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما استفاد المرء بعد تقوى اللّه خيرًا من زوجةٍ صالحةٍ، إن نظر إليها سرّته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإنّ غاب عنها حفظته في نفسها وماله».). [تفسير ابن كثير: 1/162-164]
    يتبع








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}


    بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
    سليم سيدهوم



    البلاغة:
    1ـ الخبر يأتي بمعنى النهي:
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : وقال قوم: لفظ قوله لا ريب فيه لفظ الخبر ومعناه النهي.
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : وقال بعضهم: هذا خبرٌ ومعناه النّهي، أي: لا ترتابوا فيه.

    المسائل النحوية:
    1ـ معنى (هذا) إذا جرى بعد اسم فيه (أل):

    قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ): واعلم أن "هذا" إذا كان بعده اسم فيه الألف واللام جرى على ثلاثة معان:
    أحدها: أن ترى الاسم الذي بعد "هذا" كما ترى "هذا" ففعله حينئذ مرفوع؛ كقولك: هذا الحمار فاره جعلت الحمار نعتاً لهذا إذا كانا حاضرين، ولا يجوز ها هنا النصب.
    والوجه الآخر: أن يكون ما بعد "هذا" واحدا يؤدّى عن جميع جنسه، فالفعل حينئذ منصوب؛ كقولك: ما كان من السباع غير مخوف فهذا الأسد مخوفاً؛ ألا ترى أنك تخبر عن الأُسْد كلّها بالخوف.
    والمعنى الثالث: أن يكون ما بعد "هذا" واحداً لا نظير له؛ فالفعل حينئذ أيضاً منصوب، وإنما نصبت الفعل؛ لأن "هذا" ليست بصفة للأسد إنما دخلت تقريباً، وكان الخبر بطرح "هذا" أجود؛ ألا ترى أنك لو قلت: ما لا يضرّ من السباع فالأسد ضارّ، كان أبين.
    المسائل الصرفية:
    1ـ حذف الياء أو الواو التي بعد الهاء التي تكون للمذكر إذا كان قبلها ياء ساكنة:
    قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : وذلك أن العرب إذا كان قبل هذه الهاء التي للمذكر ياء ساكنة، حذفوا الياء التي تجيء من بعد الهاء أو الواو؛ لأن الهاء حرف خفي وقع بين حرفين متشابهين فثقل ذلك؛
    فمن كان من لغته إلحاق الواو إذا كان قبلها كسرة ولم يكن قبلها الياء: ترك الهاء مضمومة إذا كان قبلها الياء الساكنة،
    2ـ أصل لفظ (الكتاب):

    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : ولفظ الكتاب مأخوذ من «كتبت الشيء» إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة. ومن كان من لغته إلحاق الواو إذا كان قبلها كسرة ولم يكن قبلها الياء: ترك الهاء مضمومة إذا كان قبلها الياء الساكنة،
    ومن كان من لغته إلحاق الياء: ترك الهاء مكسورة إذا كان قبلها الياء الساكنة، وكذلك إذا كان قبل الهاء ألف ساكنة أو واو: فإنه يحذف الواو التي تكون بعد الهاء، ولكن الهاء لا تكون إلا مضمومة نحو {فألقى موسى عصاه}، وقوله: {فكذّبوه}، وقوله: {فأنجيناه} وأشباه هذا في القرآن كثير.
    ومن العرب من يتم؛ لأن ذلك من الأصل فيقول: (فكذّبوهو) (فأنجيناهو) (وألقى موسى عصاهو) و(لا ريب فيهو هدىً للمتقين)، وهي قراءة أهل المدينة، وقد قال قوم: {إني لكم مّنه نذيرٌ مّبينٌ} فألقوا الواو، وشبهوا الساكن بالياء والواو والألف، وهذا ليس بجيّد في العربية، وأجوده (منهو نذير) تلحق الواو وإن كانت لا تكتب، وكل هذا إذا سكت عليه لم تزد على الهاء شيئاً.
    ولا تكسر هذه الهاء إلا أن تكون قبلها ياء ساكنة أو حرف مكسور، وإنما يكسر بنو تميم، فأما أهل الحجاز؛ فإنهم يضمون بعد الكسر وبعد الياء أيضاً، قال: {ثمّ اتّخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} وأهل الحجاز يقولون: (من بعدهو) فيثبتون الواو في كل موضع.
    ومن العرب من يحذف الواو والياء في هذا النحو أيضاً، وذلك قليل قبيح يقول: "مررت بِهِ قَبْلُ" و"بِهُ قَبْلُ" يكسرون ويضمون، ولا يلحقون واواً ولا ياء، فيقولون "رَأَيْتُهُ قَبْلُ" فلا يلحقون واواً، وقد سمعنا بعض ذلك من العرب الفصحاء.
    3ـ أصل لفظ (المتقين):
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : وقوله: {للمتّقين} اللفظ مأخوذ من وقى، وفعله اتّقى، على وزن افتعل، وأصله «للموتقيين» استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار للمتّقين.

    الأحاديث و الآثار الواردة في تفسير قول الله تعالى:(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين):


    1ـ ما ورد في تفسير قول الله تعالى:(ذلك الكتاب):

    قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ):
    (أخبرنا معمر عن قتادة لا ريب فيه هدى يقول لا شك فيه). [تفسير عبد الرزاق: 1/39]
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :

    - حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ الكوفيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّدٍ المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {ذلك الكتاب} قال:« هو هذا الكتاب ».
    - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا خالدٌ الحذّاء، عن عكرمة، قال: « {ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    - حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، في قوله: {ذلك الكتاب} قال: « هذا الكتاب ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب قال: قال ابن عبّاسٍ{ذلك الكتاب} هذا الكتاب

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قوله: {ذلك الكتاب}
    - به عن عكرمة: {ذلك الكتاب}قال: «هذا الكتاب ». قال: وهكذا فسّره سعيد ابن جبيرٍ والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان وزيد بن أسلم.قوله: {الكتاب}
    - حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا أسباط بن محمّدٍ، عن الهذليّ- يعني أبا بكرٍ- عن الحسن في قول اللّه: الكتاب قال: «القرآن ». قال أبو محمّدٍ: وروي عن ابن عبّاسٍ مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/34-33]

    قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو أحمد محمّد بن إسحاق الصّفّار، ثنا أحمد بن نصرٍ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن، عن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه: {الم ذلك الكتاب}[البقرة: 2] قال: « {الم} [البقرة: 1] : حرف اسم اللّه، و {الكتاب} [البقرة: 2] : القرآن، {لا ريب فيه}[البقرة: 2] : لا شكّ فيه» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/286] (م)
    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) :

    -وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود {الم} حرف اسم الله و{الكتاب} القرآن {لا ريب} لا شك فيه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ذلك الكتاب} قال: «هذا الكتاب»
    -وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة، مثله.

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : وقاله أبو الدّرداء وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وسعيد بن جبيرٍ وأبو مالكٍ ونافعٌ مولى ابن عمر وعطاءٌ وأبو العالية والرّبيع بن أنسٍ ومقاتل بن حيّان والسّدّيّ وقتادة وإسماعيل بن أبي خالدٍ. وقال ابن أبي حاتمٍ: لا أعلم في هذا خلافًا.
    2ـ ما ورد في تفسير قول الله تعالى:(لا ريب):
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ:
    {لا ريب فيه}، قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني سلاّم بن سالمٍ الخزاعيّ، قال: حدّثنا خلف بن ياسين الكوفيّ، عن عبد العزيز بن أبي روّادٍ، عن عطاءٍ: {لا ريب فيه} قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، قال: «{لا ريب فيه} لا شكّ فيه ».
    - حدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه.
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {لا ريب فيه} قال: « لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ{لا ريب فيه} يقول لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».
    - وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قوله: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».وهو مصدرٌ من قولك: رابني الشّيء يريبني ريبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جؤيّة الهذليّ..

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لا ريب فيه}
    - حدّثنا أبي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافعٍ، ثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن ابن أبي عوفٍ، عن عبد الرّحمن بن مسعودٍ الفزاريّ، عن أبي الدّرداء قال: «الرّيب- يعني الشّكّ- من الكفر ». قال أبو محمّدٍ: «ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسّرين منهم ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو مالكٍ، ونافعٌ مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، والسّدّيّ، وإسماعيل بن أبي خالد»). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) :
    -وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا ريب فيه} قال: «لا شك فيه ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال «ال {ريب} الشك من الكفر ».
    -وأخرج الطستي في مسائل ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له:« أخبرني عن قوله عز وجل {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت ابن الزبعرى وهو يقول: ليس في الحق يا أمامة ريب * إنما الريب ما يقول الكذوب ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {لا ريب فيه} قال:« لا شك فيه».
    -وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله). [الدر المنثور: 1/129-127]
    3ـ ما ورد في تفسير قول الله تعالى:(هدى للمتقين):
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هدًى}.
    - حدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال، حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ: {هدًى} قال، «هدًى من الضّلالة».
    - حدّثني موسى بن هارون، قال، حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يقول: « نورٌ للمتّقين ».
    حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن، قوله:
    {للمتّقين} قال: « اتّقوا ما حرّم عليهم وأدّوا ما افترض عليهم ».
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} أي الّذين يحذرون من اللّه عزّ وجلّ عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء به.
    - حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: «هم المؤمنون ».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: «سألني الأعمش عن المتّقين؟ قال: فأجبته، فقال لي: سئل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: الّذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك ولم ينكره».
    - حدّثني المثنّى بن إبراهيم الطّبريّ، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمر أبو حفصٍ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {هدًى للمتّقين} هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون}.
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال حدّثنا بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} قال: « المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك ويعملون بطاعتي ».

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {هدى}
    اختلف في تفسيره على أوجه:
    [الوجه الأول]
    فمنهم من قال: هدى من الضّلالة.
    - حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنا عبد الرّزّاق، أخبرني الثّوريّ، عن بيانٍ.
    - وحدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ وعيسى بن جعفرٍ قالا: ثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ في قوله: {هدًى }قال: « من الضلالة ».
    [الوجه الثاني]
    ومن فسّره على نورٍ:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: وأمّا هدى للمتقين نور للمتقين.
    [الوجه الثالث]
    ومن فسّره على تبيانٍ للمتّقين:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا ابن لهيعة، عن عطاء ابن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: هدًى للمتّقين تبيان للمتقين). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {للمتقين}
    [الوجه الأول]
    - حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا أبو عقيلٍ عبد الله ابن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ وكان من أصحاب النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس».
    الوجه الثّاني:
    - حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن المغيرة ابن مسلمٍ، عن ميمونٍ، عن أبي حمزة قال:« كنت جالسًا عند أبي وائلٍ فدخل علينا رجلٌ يقال له أبو عفيفٍ من أصحاب معاذٍ. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في نقيع واحدٍ فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنف الرّحمن، لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر. قلت: من المتّقون؟ قال: قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة فيمرّون إلىالجنّة ».
    الوجه الثّالث:
    - حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:« يقول اللّه سبحانه وبحمده: هدًى للمتّقين أي الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء منه ».
    والوجه الرّابع:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: هدًى للمتّقين نورٌ للمتّقين، وهم المؤمنون.
    - حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ حدثني سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: هدًى للمتّقين من هم؟ نعتهم اللّه، فأثبت نعتهم ووصفهم. قال: « الّذين يؤمنون بالغيب »). [تفسير القرآن العظيم: 1/35-34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}.
    -أخرج وكيع، وابن جرير عن الشعبي في قوله {هدى} قال: «من الضلالة ».
    -وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {هدى} قال:« نور{للمتقين}قال: هم المؤمنون ».
    -وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} قال: « للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هدى للمتقين} قال:« جعله الله هدى وضياء لمن صدق به ونور للمتقين ».
    -وأخرج أبن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال:« يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف الرحمن لايحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون قال: قوم اتقوا الشرك عبادة الأوثان واخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة ».
    -وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة، « أن رجلا قال له: ما التقوى قال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم، قال: فكيف صنعت قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال: ذاك التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه قال: «التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: «تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: « ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: « إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: « لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئا واحدا لم يكن من المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها إلى ما قد علمت منها»-وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال:« من سره أن يكون متقيا فليكن أذل من قعود أبل كل من أتى عليه أرغاه ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: «كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة، أما بعد، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء ورضي بالقضاء وشكر النعماء وذل لحكم القرآن ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: « قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء، لحسن توكله على الله فيما نابه ولحسن رضاه فيما أتاه ولحسن زهده فيما فاته ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال:« معدن من التقوى لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: « بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله كما ينبغي له قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير قال: ولد آدم كلهم وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن إياس بن معاوية قال:« رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئا دون الله ثم تتفاض الناس بالتقى والنهى».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« فواتح التقوى حسن النية وخواتمها التوفيق والعبد فيما بين ذلك بين هلكات وشبهات ونفس تحطب على سلوها وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: « كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال:« ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: « قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري وأنت تنام الليل فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب بن شبة قال: « تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه وآثر الآخرة على الدنيا ولم تكربه المطالب ولم تمنعه المطامع نظر ببصر قلبه إلى معالي إرادته فسما لها ملتمسا لها فزهده مخزون يبيت إذا نام الناس ذا شجون ويصبح مغموما في الدنيا مسجون قد انقطعت من همته الراحة دون منيته فشفاؤه القرآن ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة لا يرى منها الدنيا عوضا ولا يستريح إلى لذة سواها، فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى ء بالا منا وأنعم عيشا ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال:« لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه حتى تعلم من أين مطعمه ومن أين ملبسه ومن أين مشربه أمن حل ذلك أو من حرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز، أنه لما ولي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: « يا أيها الناس اتقوا الله فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال:« لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: « القيامة عرس المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال:« قيل لأبي الدرداء: أنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرا فما لك لا تقول قال: وأنا قلت فاستمعوه:



    يريد المرء أن يعطى مناه.......ويأبى الله إلا ما أرادا


    يقول المرء فائدتي وذخري.......وتقوى الله أفضل ما استفادا »



    -وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العفيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: « يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف، المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين »). [الدر المنثور: 1/137-130]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : وقد قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يعني: نورًا للمتّقين.
    وقال الشّعبيّ: «هدًى من الضّلالة»، وقال سعيد بن جبيرٍ: «تبيانٌ للمتّقين». وكلّ ذلك صحيحٌ.
    وقال السّدّيّ: عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: هم المؤمنون.
    وقال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} أي: الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التّصديق بما جاء به».
    وقال أبو روق، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} قال: المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك بي، ويعملون بطاعتي».
    وقال سفيان الثّوريّ، عن رجلٍ، عن الحسن البصريّ، قوله: {للمتّقين} قال: «اتّقوا ما حرّم اللّه عليهم، وأدّوا ما افترض عليهم».
    وقال أبو بكر بن عيّاشٍ: سألني الأعمش عن المتّقين، قال: فأجبته. فقال [لي] سل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: «الّذين يجتنبون كبائر الإثم»، قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك. ولم ينكره.
    وقال قتادة: «{للمتّقين} هم الّذين نعتهم اللّه بقوله: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة} الآية والّتي بعدها ».
    واختار ابن جريرٍ: «أنّ الآية تعمّ ذلك كلّه»، وهو كما قال.
    وقد روى التّرمذيّ وابن ماجه، من رواية أبي عقيلٍ عبد اللّه بن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأسٌ».
    ثم قال الترمذي: حسن غريب.
    وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان، يعني الرّازيّ، عن المغيرة بن مسلمٍ، عن ميمونٍ أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائلٍ، فدخل علينا رجلٌ، يقال له: أبو عفيفٍ، من أصحاب معاذٍ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: «بلى سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في بقيعٍ واحدٍ، فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنفٍ من الرّحمن لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر»، قلت: «من المتّقون؟»، قال: «قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة، فيمرّون إلى الجنّة».

    وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما استفاد المرء بعد تقوى اللّه خيرًا من زوجةٍ صالحةٍ، إن نظر إليها سرّته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإنّ غاب عنها حفظته في نفسها وماله».). [تفسير ابن كثير: 1/162-164]


    يتبع








    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}

    بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
    سليم سيدهوم


    القراءات:
    1ـ الوقف على:(لا ريب فيه) أولى
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :ومن القرّاء من يقف على قوله: {لا ريب} ويبتدئ بقوله: {فيه هدًى للمتّقين} والوقف على قوله تعالى: {لا ريب فيه} أولى للآية الّتي ذكرنا، ولأنّه يصير قوله: {هدًى} صفةً للقرآن، وذلك أبلغ من كون: {فيه هدًى}.
    قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : قد قرأ بعض القراء {فيه هدى} فأدغم الهاء الأولى في هاء {هدى}؛ لأنهما التقتا وهما مثلان، وزعموا أن من العرب من يؤنث "الهدى"، ومنهم من يسكن هاء الإضمار للمذكر، قال الشاعر:


    فظلت لدى البيت العتيق أخيله.......ومطواي مشتاقان له أرقان

    وهذه في لغة أسد السراة، زعمواكثير). [معاني القرآن: 1/15-18]
    قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ):
    فأما قراءة {فيه هدى} بإدغام الهاء في الهاء، فهو ثقيل في اللفظ، وهو جائز في القياس؛ لأن الحرفين من جنس واحد إلا أنه يثقل في اللفظ؛ لأن حروف الحلق ليست بأصل في الإدغام، والحرفان من كلمتين، وحكى الأخفش أنها قراءة.
    المسائل التفسرية:
    1ـ معنى (ذلك الكتاب):

    قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أخبرنا معمر عن قتادة لا ريب فيه هدى يقول لا شك فيه). [تفسير عبد الرزاق: 1/39]2ـ معنى (الكتاب):

    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين}.
    قال عامّة المفسّرين: تأويل قول اللّه تعالى: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب.
    ذكر من قال ذلك:
    - حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ الكوفيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّدٍ المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {ذلك الكتاب} قال:« هو هذا الكتاب ».
    - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: أخبرنا خالدٌ الحذّاء، عن عكرمة، قال: « {ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    - حدّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، في قوله: {ذلك الكتاب} قال: « هذا الكتاب ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {ذلك الكتاب} هذا الكتاب قال: قال ابن عبّاسٍ{ذلك الكتاب} هذا الكتاب ».
    فإن قال قائلٌ: وكيف يجوز أن يكون ذلك بمعنى هذا؟ وهذا لا شكّ إشارةٌ إلى حاضرٍ معاينٌ، وذلك إشارةٌ إلى غائبٍ غير حاضرٍ ولا معاينٍ؟
    قيل: جاز ذلك لأنّ كلّ ما تقضّى وقرب تقضّيه من الأخبار فهو وإن صار بمعنى غير الحاضر، فكالحاضر عند المخاطب؛ وذلك كالرّجل يحدّث الرّجل الحديث، فيقول السّامع: إنّ ذلك واللّه لكما قلت، وهذا واللّه كما قلت، وهو واللّه كما ذكرت. فيخبر عنه مرّةً بمعنى الغائب إذ كان قد تقضّى ومضى، ومرّةً بمعنى الحاضر لقرب جوابه من كلام مخبره كأنّه غير منقضٍ، فكذلك ذلك في قوله: {ذلك الكتاب} لأنّه جلّ ذكره لمّا قدّم قبل ذلك الكتاب {الم} الّتي ذكرنا تصرّفها في وجوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد هذا الّذي ذكرته وبيّنته لك الكتاب. ولذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا، لأنّه أشير به إلى الخبر عمّا تضمّنه قوله: {الم} من المعاني بعد تقضّي الخبر عنه {الم}، فصار لقرب الخبر عنه من تقضّيه كالحاضر المشار إليه، فأخبر عنه بذلك لانقضائه ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب.
    وترجمه المفسّرون أنّه بمعنى هذا لقرب الخبر عنه من انقضائه، فكان كالمشاهد المشار إليه بهذا نحو الّذي وصفنا من الكلام الجاري بين النّاس في محاوراتهم، وكما قال جلّ ذكره: {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكلٌّ من الأخيار هذا ذكرٌ} فهذا ما في ذلك إذا عنى بها هذا.
    وقد يحتمل قوله جلّ ذكره: {ذلك الكتاب} أن يكون معنيًّا به السّور الّتي نزلت قبل سورة البقرة بمكّة والمدينة، فكأنّه قال جلّ ثناؤه لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا محمّد اعلم أنّ ما تضمّنته سور الكتاب الّتي قد أنزلتها إليك هو الكتاب الّذي لا ريب فيه. ثمّ ترجمه المفسّرون بأنّ معنى ذلك: هذا الكتاب، إذ كانت تلك السّور الّتي نزلت قبل سورة البقرة من جملة جميع كتابنا هذا الّذي أنزله اللّه عزّ وجلّ على نبيّنا محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
    وكان التّأويل الأوّل أولى بما قاله المفسّرون؛ لأنّ ذلك أظهر معاني قولهم الّذي قالوه في ذلك.
    وقد وجّه معنى ذلك بعضهم إلى نظير معنى بيت خفاف بن ندبة السّلميّ:

    فإن تك خيلي قد أصيب صميمها.......فعمدًا على عينٍ تيمّمت مالكا.
    أقول له والرّمح يأطر متنه.......تأمّل خفافًا إنّني أنا ذلكا

    كأنّه أراد: تأمّلني أنا ذلك. فزعم أنّ {ذلك الكتاب} بمعنى هذا نظير ما أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب وهو مخبرٌ عن نفسه، فكذلك أظهر ذلك بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهد.
    والقول الأوّل أولى بتأويل الكتاب لما ذكرنا من العلل.
    وقد قال بعضهم: {ذلك الكتاب} يعني به التّوراة والإنجيل، وإذا وجّه تأويل ذلك إلى هذا الوجه فلا مؤنة فيه على متأوّله كذلك لأنّ ذلك يكون حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحّةٍ). [جامع البيان: 1/231-228]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ( {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قوله: {ذلك الكتاب}
    - به عن عكرمة: {ذلك الكتاب}قال: «هذا الكتاب ». قال: وهكذا فسّره سعيد ابن جبيرٍ والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان وزيد بن أسلم.قوله: {الكتاب}
    - حدّثنا الحسن بن محمّد بن الصّبّاح، ثنا أسباط بن محمّدٍ، عن الهذليّ- يعني أبا بكرٍ- عن الحسن في قول اللّه: الكتاب قال: «القرآن ». قال أبو محمّدٍ: وروي عن ابن عبّاسٍ مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 1/34-33]
    قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرني أبو أحمد محمّد بن إسحاق الصّفّار، ثنا أحمد بن نصرٍ، ثنا عمرو بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل بن عبد الرّحمن، عن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه: {الم ذلك الكتاب}[البقرة: 2] قال: « {الم} [البقرة: 1] : حرف اسم اللّه، و {الكتاب} [البقرة: 2] : القرآن، {لا ريب فيه}[البقرة: 2] : لا شكّ فيه» هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرّجاه ). [المستدرك: 2/286] (م)
    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين })
    -أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن الضريس، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد قال: «من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل».
    -وأخرج وكيع عن مجاهد قال:« هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى {المفلحون} نزلت في نعت المؤمنين واثنتان من بعدها إلى {عظيم} نزلت في نعت الكافرين وإلى العشر نزلت في المنافقين
    -وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال:« أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا وآيتان في قادة الأحزاب ».
    -وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود {الم} حرف اسم الله و{الكتاب} القرآن {لا ريب} لا شك فيه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ذلك الكتاب} قال: «هذا الكتاب»
    -وأخرج ابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة، مثله.
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين (2)}
    الاسم من ذلك الذال والألف، وقيل الذال وحدها، والألف تقوية، واللام لبعد المشار إليه وللتأكيد، والكاف للخطاب، وموضع ذلك رفع كأنه خبر ابتداء، أو ابتداء وخبره بعده، واختلف في ذلك هنا فقيل: هو بمعنى «هذا»، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن.
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وذلك أنه قد يشار بـ «ذلك» إلى حاضر تعلق به بعض الغيبة وب «هذا» إلى غائب هو من الثبوت والحضور بمنزلة وقرب.
    وقيل: هو على بابه إشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ أي الكتاب الذي هو القدر،وقيل: إن الله قد كان وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد.
    وقال الكسائي: «ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد».
    وقيل: إن الله قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. وقيل: إن الإشارة إلى حروف المعجم في قول من قال الم حروف المعجم التي تحديتكم بالنظم منها.
    ولفظ الكتاب مأخوذ من «كتبت الشيء» إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ككتب الخرز بضم الكاف وفتح التاء وكتب الناقة.
    ورفع الكتاب يتوجه على البدل أو على خبر الابتداء أو على عطف البيان.

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ذلك الكتاب لا ريب فيه هدًى للمتّقين (2)}
    قال ابن جريج: قال ابن عبّاسٍ: «{ذلك الكتاب}: هذا الكتاب». وكذا قال مجاهدٌ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم، وابن جريجٍ: أنّ ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروفٌ في كلامهم.
    و {الكتاب} القرآن. ومن قال: إنّ المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التّوراة والإنجيل، كما حكاه ابن جريرٍ وغيره، فقد أبعد النّجعة وأغرق في النّزع، وتكلّف ما لا علم له به.


    3ـ معنى (لا ريب فيه):

    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لا ريب فيه}
    وتأويل قوله: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه،.
    - كما حدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن المحاربيّ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {لا ريب فيه}، قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني سلاّم بن سالمٍ الخزاعيّ، قال: حدّثنا خلف بن ياسين الكوفيّ، عن عبد العزيز بن أبي روّادٍ، عن عطاءٍ: {لا ريب فيه} قال: «لا شكّ فيه ».
    - حدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، قال: حدّثنا الحكم بن ظهيرٍ، عن السّدّيّ، قال: «{لا ريب فيه} لا شكّ فيه ».
    - حدّثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه} لا شكّ فيه.
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {لا ريب فيه} قال: « لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ{لا ريب فيه} يقول لا شكّ فيه ».
    - حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».
    - وحدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قوله: {لا ريب فيه} يقول: « لا شكّ فيه».وهو مصدرٌ من قولك: رابني الشّيء يريبني ريبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جؤيّة الهذليّ..

    فقالوا تركنا الحيّ قد حصروا به.......فلا ريب أن قد كان ثمّ لحيم
    ويروى: حصروا، وحصروا، والفتح أكثر، والكسر جائزٌ. يعني بقوله: حصروا به أطافوا به، ويعني بقوله، {لا ريب فيه} لا شكّ فيه، وبقوله: أن قد كان ثمّ لحيم يعني قتيلاً، يقال، قد لحم إذا قتل.
    والهاء الّتي في فيه. عائدةٌ على الكتاب، كأنّه قال: لا شكّ في ذلك الكتاب أنّه من عند اللّه هدًى للمتّقين).[جامع البيان: 1/233-231]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {لا ريب فيه}
    - حدّثنا أبي، ثنا أبو اليمان الحكم بن نافعٍ، ثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن ابن أبي عوفٍ، عن عبد الرّحمن بن مسعودٍ الفزاريّ، عن أبي الدّرداء قال: «الرّيب- يعني الشّكّ- من الكفر ». قال أبو محمّدٍ: «ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسّرين منهم ابن عبّاسٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبو مالكٍ، ونافعٌ مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومقاتل بن حيّان، والسّدّيّ، وإسماعيل بن أبي خالد»). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لا ريب فيه} قال: «لا شك فيه ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال «ال {ريب} الشك من الكفر ».
    -وأخرج الطستي في مسائل ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له:« أخبرني عن قوله عز وجل {لا ريب فيه} قال: لا شك فيه قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت ابن الزبعرى وهو يقول: ليس في الحق يا أمامة ريب * إنما الريب ما يقول الكذوب ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {لا ريب فيه} قال:« لا شك فيه».
    -وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله). [الدر المنثور: 1/129-127]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : {ولا ريب فيه} معناه: لا شكّ فيه ولا ارتياب به والمعنى أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار.
    وقال قوم: لفظ قوله لا ريب فيه لفظ الخبر ومعناه النهي.
    وقال قوم: هو عموم يراد به الخصوص أي عند المؤمنين.
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف.

    والرّيب: الشّكّ، قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {لا ريب فيه}: لا شكّ فيه.
    وقاله أبو الدّرداء وابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وسعيد بن جبيرٍ وأبو مالكٍ ونافعٌ مولى ابن عمر وعطاءٌ وأبو العالية والرّبيع بن أنسٍ ومقاتل بن حيّان والسّدّيّ وقتادة وإسماعيل بن أبي خالدٍ. وقال ابن أبي حاتمٍ: لا أعلم في هذا خلافًا.
    [وقد يستعمل الرّيب في التّهمة قال جميلٌ:



    بثينة قالت يا جميل أربتني ....... فقلت كلانا يا بثين مريب...


    واستعمل -أيضًا-في الحاجة كما قال بعضهم:
    قضينا من تهامة كلّ ريبٍ ....... وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا]

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :ومعنى الكلام: أنّ هذا الكتاب -وهو القرآن-لا شكّ فيه أنّه نزل من عند اللّه، كما قال تعالى في السّجدة: {الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من ربّ العالمين} [السّجدة: 1، 2]. [وقال بعضهم: هذا خبرٌ ومعناه النّهي، أي: لا ترتابوا فيه].

    4ـ معنى (هدى للمتقين):
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هدًى}.
    - حدّثني أحمد بن حازمٍ الغفاريّ، قال، حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ: {هدًى} قال، «هدًى من الضّلالة».
    - حدّثني موسى بن هارون، قال، حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباط بن نصرٍ، عن إسماعيل السّدّيّ، في خبرٍ ذكره، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يقول: « نورٌ للمتّقين ».
    فإن قال لنا قائلٌ: أوما كتاب اللّه نورًا إلاّ للمتّقين ولا رشادًا إلاّ للمؤمنين؟
    قيل: ذلك كما وصفه ربّنا عزّ وجلّ، ولو كان نورًا لغير المتّقين، ورشادًا لغير المؤمنين لم يخصّص اللّه عزّ وجلّ المتّقين بأنّه لهم هدًى، بل كان يعمّ به جميع المنذرين؛ ولكنّه هدًى للمتّقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، ووقرٌ في آذان المكذّيين، وعمًى لأبصار الجاحدين. وحجّةٌ للّه بالغةٌ على الكافرين؛ فالمؤمن به مهتدٍ، والكافر به محجوجٌ.
    وقوله: {هدًى} يحتمل أوجهًا من المعاني؛
    أحدها: أن يكون نصبًا لمعنى القطع من الكتاب لأنّه نكرةٌ والكتاب معرفةٌ، فيكون التّأويل حينئذٍ: الم ذلك الكتاب هاديًا للمتّقين. وذلك مرفوعٌ بـ الم، والم به، والكتاب نعتٌ لذلك.
    وقد يحتمل أن يكون نصبًا على القطع من راجع ذكر الكتاب الّذي في فيه، فيكون معنى ذلك حينئذٍ: الم الّذي لا ريب فيه هاديًا.
    وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين، أعني على وجه القطع من الهاء الّتي في فيه، ومن الكتاب على أنّ الم كلامٌ تامٌّ، كما قال ابن عبّاسٍ إنّ معناه: أنا اللّه أعلم. ثمّ يكون ذلك الكتاب خبرًا مستأنفًا، ويرفع حينئذٍ الكتاب بذلك وذلك بالكتاب، ويكون هدًى قطعًا من الكتاب، وعلى أن يرفع ذلك بالهاء العائدة عليه الّتي في فيه، والكتاب نعتٌ له، والهدى قطعٌ من الهاء الّتي في فيه. وإن جعل الهدى في موضع رفعٍ لم يجز أن يكون {ذلك الكتاب} إلاّ خبرًا مستأنفًا والم كلامًا تامًّا مكتفيًا بنفسه إلاّ من وجهٍ واحدٍ؛ وهو أن يرفع حينئذٍ هدًى بمعنى المدح كما قال اللّه جلّ وعزّ: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم هدًى ورحمةٌ للمحسنين} في قراءة من قرأ رحمةٌ بالرّفع على المدح للآيات.
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {للمتّقين}.
    - حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن، قوله:{للمتّقين} قال: « اتّقوا ما حرّم عليهم وأدّوا ما افترض عليهم ».
    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} أي الّذين يحذرون من اللّه عزّ وجلّ عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء به.
    - حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: «هم المؤمنون ».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: «سألني الأعمش عن المتّقين؟ قال: فأجبته، فقال لي: سئل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: الّذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك ولم ينكره».
    - حدّثني المثنّى بن إبراهيم الطّبريّ، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمر أبو حفصٍ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {هدًى للمتّقين} هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون}.
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال حدّثنا بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} قال: « المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك ويعملون بطاعتي ».
    وأولى التّأويلات بقول اللّه جلّ ثناؤه: {هدًى للمتّقين} تأويل من وصف القوم بأنّهم الّذين اتّقوا اللّه تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنّبوا معاصيه واتّقوه فيما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه أبهم وصفهم بالتّقوى فلم يحصر تقواهم إيّاه على بعض ما هو جلّ ثناؤه أهلٌ له منهم دون بعضٍ. فليس لأحدٍ من النّاس أن يحصر معنى ذلك على وصفهم بشيءٍ من تقوى اللّه عزّ وجلّ دون شيء إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها، لأنّ ذلك من صفة القوم لو كان محصورًا على خاصٍّ من معاني التّقوى دون العام لم يدع اللّه جلّ ثناؤه بيان ذلك لعباده، إمّا في كتابه، وإمّا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم؛ إذ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التّقوى.
    فقد تبيّن إذًا بذلك فساد قول من زعم أنّ تأويل ذلك إنّما هو: الّذين اتّقوا الشّرك وبرءوا من النّفاق؛ لأنّه قد يكون كذلك وهو فاسقٌ غير مستحقٌّ أن يكون من المتّقين. إلاّ أن يكون عند قائل هذا القول معنى النّفاق ركوب الفواحش الّتي حرّمها اللّه جلّ ثناؤه وتضييع فرائضه الّتي فرضها عليه، فإنّ جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمّي من كان كذلك منافقًا، فيكون، وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم، مصيبًا تأويل قول اللّه عزّ وجلّ للمتّقين). [جامع البيان: 1/239-237]

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {هدى}
    اختلف في تفسيره على أوجه:
    [الوجه الأول]
    فمنهم من قال: هدى من الضّلالة.
    - حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنا عبد الرّزّاق، أخبرني الثّوريّ، عن بيانٍ.
    - وحدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ وعيسى بن جعفرٍ قالا: ثنا سفيان، عن بيانٍ، عن الشّعبيّ في قوله: {هدًى }قال: « من الضلالة ».
    [الوجه الثاني]
    ومن فسّره على نورٍ:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباط بن نصرٍ، عن السّدّيّ: وأمّا هدى للمتقين نور للمتقين.
    [الوجه الثالث]
    ومن فسّره على تبيانٍ للمتّقين:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا ابن لهيعة، عن عطاء ابن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: هدًى للمتّقين تبيان للمتقين). [تفسير القرآن العظيم: 1/34]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {للمتقين}
    [الوجه الأول]
    - حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا أبو عقيلٍ عبد الله ابن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ وكان من أصحاب النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس».
    الوجه الثّاني:
    - حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن المغيرة ابن مسلمٍ، عن ميمونٍ، عن أبي حمزة قال:« كنت جالسًا عند أبي وائلٍ فدخل علينا رجلٌ يقال له أبو عفيفٍ من أصحاب معاذٍ. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في نقيع واحدٍ فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنف الرّحمن، لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر. قلت: من المتّقون؟ قال: قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة فيمرّون إلىالجنّة ».

    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    25,386

    افتراضي رد: بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}

    الوجه الثّالث:
    - حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:« يقول اللّه سبحانه وبحمده: هدًى للمتّقين أي الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء منه ».
    والوجه الرّابع:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: هدًى للمتّقين نورٌ للمتّقين، وهم المؤمنون.
    - حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ حدثني سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: هدًى للمتّقين من هم؟ نعتهم اللّه، فأثبت نعتهم ووصفهم. قال: « الّذين يؤمنون بالغيب »). [تفسير القرآن العظيم: 1/35-34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}.
    -أخرج وكيع، وابن جرير عن الشعبي في قوله {هدى} قال: «من الضلالة ».
    -وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {هدى} قال:« نور{للمتقين}قال: هم المؤمنون ».
    -وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} قال: « للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هدى للمتقين} قال:« جعله الله هدى وضياء لمن صدق به ونور للمتقين ».
    -وأخرج أبن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال:« يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف الرحمن لايحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون قال: قوم اتقوا الشرك عبادة الأوثان واخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة ».
    -وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة، « أن رجلا قال له: ما التقوى قال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم، قال: فكيف صنعت قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال: ذاك التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه قال: «التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: «تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: « ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: « إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: « لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئا واحدا لم يكن من المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها إلى ما قد علمت منها»-وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال:« من سره أن يكون متقيا فليكن أذل من قعود أبل كل من أتى عليه أرغاه ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: «كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة، أما بعد، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء ورضي بالقضاء وشكر النعماء وذل لحكم القرآن ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: « قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء، لحسن توكله على الله فيما نابه ولحسن رضاه فيما أتاه ولحسن زهده فيما فاته ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال:« معدن من التقوى لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: « بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله كما ينبغي له قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير قال: ولد آدم كلهم وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن إياس بن معاوية قال:« رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئا دون الله ثم تتفاض الناس بالتقى والنهى».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« فواتح التقوى حسن النية وخواتمها التوفيق والعبد فيما بين ذلك بين هلكات وشبهات ونفس تحطب على سلوها وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: « كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال:« ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: « قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري وأنت تنام الليل فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب بن شبة قال: « تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه وآثر الآخرة على الدنيا ولم تكربه المطالب ولم تمنعه المطامع نظر ببصر قلبه إلى معالي إرادته فسما لها ملتمسا لها فزهده مخزون يبيت إذا نام الناس ذا شجون ويصبح مغموما في الدنيا مسجون قد انقطعت من همته الراحة دون منيته فشفاؤه القرآن ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة لا يرى منها الدنيا عوضا ولا يستريح إلى لذة سواها، فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى ء بالا منا وأنعم عيشا ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال:« لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه حتى تعلم من أين مطعمه ومن أين ملبسه ومن أين مشربه أمن حل ذلك أو من حرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز، أنه لما ولي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: « يا أيها الناس اتقوا الله فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال:« لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: « القيامة عرس المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال:« قيل لأبي الدرداء: أنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرا فما لك لا تقول قال: وأنا قلت فاستمعوه:



    يريد المرء أن يعطى مناه.......ويأبى الله إلا ما أرادا


    يقول المرء فائدتي وذخري.......وتقوى الله أفضل ما استفادا »



    -وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العفيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: « يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف، المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين »). [الدر المنثور: 1/137-130]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : و{هدىً}: معناه رشاد وبيان، وموضعه، من الإعراب رفع على أنه خبر ذلك، أو خبر ابتداء مضمر، أو ابتداء وخبره في المجرور قبله، ويصح أن يكون موضعه نصبا على الحال من ذلك، أو من الكتاب، ويكون العامل فيه معنى الإشارة، أو من الضمير في فيه، والعامل معنى الاستقرار وفي هذا القول ضعف.
    وقوله: {للمتّقين} اللفظ مأخوذ من وقى، وفعله اتّقى، على وزن افتعل، وأصله «للموتقيين» استثقلت الكسرة على الياء فسكنت وحذفت للالتقاء، وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء، وأدغمت التاء في التاء فصار للمتّقين. والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله). [المحرر الوجيز: 1/102-104]

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :

    و {هدًى} يحتمل من حيث العربيّة أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال.
    وخصّت الهداية للمتّقين. كما قال: {قل هو للّذين آمنوا هدًى وشفاءٌ والّذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمًى أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ} [فصّلت: 44]. {وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظّالمين إلا خسارًا} [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على اختصاص المؤمنين بالنّفع بالقرآن؛ لأنّه هو في نفسه هدًى، ولكن لا يناله إلّا الأبرار، كما قال: {يا أيّها النّاس قد جاءتكم موعظةٌ من ربّكم وشفاءٌ لما في الصّدور وهدًى ورحمةٌ للمؤمنين} [يونس: 57].
    وقد قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يعني: نورًا للمتّقين.
    وقال الشّعبيّ: «هدًى من الضّلالة»، وقال سعيد بن جبيرٍ: «تبيانٌ للمتّقين». وكلّ ذلك صحيحٌ.
    وقال السّدّيّ: عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: هم المؤمنون.

    فصل في علامات المتقين و فضائل
    1ـ علامات المتقين:
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : - حدّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن الحسن، قوله:{للمتّقين} قال: « اتّقوا ما حرّم عليهم وأدّوا ما افترض عليهم ».

    - حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} أي الّذين يحذرون من اللّه عزّ وجلّ عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء به.
    - حدّثني موسى بن هارون، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في خبرٍ ذكره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ، من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: «هم المؤمنون ».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: «سألني الأعمش عن المتّقين؟ قال: فأجبته، فقال لي: سئل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: الّذين يجتنبون كبائر الإثم قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك ولم ينكره».
    - حدّثني المثنّى بن إبراهيم الطّبريّ، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه، قال: حدّثنا عمر أبو حفصٍ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {هدًى للمتّقين} هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون}.
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عثمان بن سعيدٍ، قال حدّثنا بشر بن عمّارٍة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {للمتّقين} قال: « المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك ويعملون بطاعتي ».
    وأولى التّأويلات بقول اللّه جلّ ثناؤه: {هدًى للمتّقين} تأويل من وصف القوم بأنّهم الّذين اتّقوا اللّه تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنّبوا معاصيه واتّقوه فيما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه أبهم وصفهم بالتّقوى فلم يحصر تقواهم إيّاه على بعض ما هو جلّ ثناؤه أهلٌ له منهم دون بعضٍ. فليس لأحدٍ من النّاس أن يحصر معنى ذلك على وصفهم بشيءٍ من تقوى اللّه عزّ وجلّ دون شيء إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها، لأنّ ذلك من صفة القوم لو كان محصورًا على خاصٍّ من معاني التّقوى دون العام لم يدع اللّه جلّ ثناؤه بيان ذلك لعباده، إمّا في كتابه، وإمّا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم؛ إذ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التّقوى.
    فقد تبيّن إذًا بذلك فساد قول من زعم أنّ تأويل ذلك إنّما هو: الّذين اتّقوا الشّرك وبرءوا من النّفاق؛ لأنّه قد يكون كذلك وهو فاسقٌ غير مستحقٌّ أن يكون من المتّقين. إلاّ أن يكون عند قائل هذا القول معنى النّفاق ركوب الفواحش الّتي حرّمها اللّه جلّ ثناؤه وتضييع فرائضه الّتي فرضها عليه، فإنّ جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمّي من كان كذلك منافقًا، فيكون، وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم، مصيبًا تأويل قول اللّه عزّ وجلّ للمتّقين). [جامع البيان: 1/239-237]

    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله: {للمتقين}
    [الوجه الأول]
    - حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا أبو النّضر هاشم بن القاسم، ثنا أبو عقيلٍ عبد الله ابن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ وكان من أصحاب النّبيّ- صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم-: «لا يكون الرّجل من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به البأس».
    الوجه الثّاني:
    - حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران، ثنا إسحاق بن سليمان الرّازيّ، عن المغيرة ابن مسلمٍ، عن ميمونٍ، عن أبي حمزة قال:« كنت جالسًا عند أبي وائلٍ فدخل علينا رجلٌ يقال له أبو عفيفٍ من أصحاب معاذٍ. فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في نقيع واحدٍ فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنف الرّحمن، لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر. قلت: من المتّقون؟ قال: قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة فيمرّون إلىالجنّة ».
    الوجه الثّالث:
    - حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال:« يقول اللّه سبحانه وبحمده: هدًى للمتّقين أي الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتّصديق بما جاء منه ».
    والوجه الرّابع:
    - حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّاد بن طلحة القنّاد، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: هدًى للمتّقين نورٌ للمتّقين، وهم المؤمنون.
    - حدّثنا محمّد بن يحيى ثنا العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ حدثني سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: هدًى للمتّقين من هم؟ نعتهم اللّه، فأثبت نعتهم ووصفهم. قال: « الّذين يؤمنون بالغيب »). [تفسير القرآن العظيم: 1/35-34]

    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}.
    -أخرج وكيع، وابن جرير عن الشعبي في قوله {هدى} قال: «من الضلالة ».
    -وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {هدى} قال:« نور{للمتقين}قال: هم المؤمنون ».
    -وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه.
    -وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {هدى للمتقين} قال: « للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي ».
    -وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {هدى للمتقين} قال:« جعله الله هدى وضياء لمن صدق به ونور للمتقين ».
    -وأخرج أبن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال:« يحبس الناس يوم القيامة بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون فيقومون في كنف الرحمن لايحتجب الله منهم ولا يستتر، قيل: من المتقون قال: قوم اتقوا الشرك عبادة الأوثان واخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة ».
    -وأخرج أحمد، وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة، « أن رجلا قال له: ما التقوى قال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم، قال: فكيف صنعت قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال: ذاك التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه قال: «التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: «تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: « ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: « إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: « لو أن رجلا اتقى مائة شيء ولم يتق شيئا واحدا لم يكن من المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها إلى ما قد علمت منها»-وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال:« من سره أن يكون متقيا فليكن أذل من قعود أبل كل من أتى عليه أرغاه ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: «كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة، أما بعد، فإن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء ورضي بالقضاء وشكر النعماء وذل لحكم القرآن ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: « قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء، لحسن توكله على الله فيما نابه ولحسن رضاه فيما أتاه ولحسن زهده فيما فاته ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال:« معدن من التقوى لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ».
    -وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: « بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله كما ينبغي له قال: بيسير من الأمر، تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك، قال: من ابن جنسي يا معلم الخير قال: ولد آدم كلهم وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن إياس بن معاوية قال:« رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئا دون الله ثم تتفاض الناس بالتقى والنهى».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال:« فواتح التقوى حسن النية وخواتمها التوفيق والعبد فيما بين ذلك بين هلكات وشبهات ونفس تحطب على سلوها وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: « كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال:« ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: « قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري وأنت تنام الليل فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب بن شبة قال: « تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه وآثر الآخرة على الدنيا ولم تكربه المطالب ولم تمنعه المطامع نظر ببصر قلبه إلى معالي إرادته فسما لها ملتمسا لها فزهده مخزون يبيت إذا نام الناس ذا شجون ويصبح مغموما في الدنيا مسجون قد انقطعت من همته الراحة دون منيته فشفاؤه القرآن ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة لا يرى منها الدنيا عوضا ولا يستريح إلى لذة سواها، فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى ء بالا منا وأنعم عيشا ».
    -وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال:« لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه حتى تعلم من أين مطعمه ومن أين ملبسه ومن أين مشربه أمن حل ذلك أو من حرام ».

    [الدر المنثور: 1/137-130]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :

    و {هدًى} يحتمل من حيث العربيّة أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال.
    وخصّت الهداية للمتّقين. كما قال: {قل هو للّذين آمنوا هدًى وشفاءٌ والّذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمًى أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ} [فصّلت: 44]. {وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظّالمين إلا خسارًا} [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على اختصاص المؤمنين بالنّفع بالقرآن؛ لأنّه هو في نفسه هدًى، ولكن لا يناله إلّا الأبرار، كما قال: {يا أيّها النّاس قد جاءتكم موعظةٌ من ربّكم وشفاءٌ لما في الصّدور وهدًى ورحمةٌ للمؤمنين} [يونس: 57].
    وقد قال السّدّيّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن أناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} يعني: نورًا للمتّقين.
    وقال الشّعبيّ: «هدًى من الضّلالة»، وقال سعيد بن جبيرٍ: «تبيانٌ للمتّقين». وكلّ ذلك صحيحٌ.
    وقال السّدّيّ: عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عبّاسٍ، وعن مرّة الهمدانيّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {هدًى للمتّقين} قال: هم المؤمنون.
    وقال محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} أي: الّذين يحذرون من اللّه عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التّصديق بما جاء به».
    وقال أبو روق، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: «{للمتّقين} قال: المؤمنين الّذين يتّقون الشّرك بي، ويعملون بطاعتي».
    وقال سفيان الثّوريّ، عن رجلٍ، عن الحسن البصريّ، قوله: {للمتّقين} قال: «اتّقوا ما حرّم اللّه عليهم، وأدّوا ما افترض عليهم».
    وقال أبو بكر بن عيّاشٍ: سألني الأعمش عن المتّقين، قال: فأجبته. فقال [لي] سل عنها الكلبيّ، فسألته فقال: «الّذين يجتنبون كبائر الإثم»، قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرى أنّه كذلك. ولم ينكره.
    وقال قتادة: «{للمتّقين} هم الّذين نعتهم اللّه بقوله: {الّذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصّلاة} الآية والّتي بعدها ».
    واختار ابن جريرٍ: «أنّ الآية تعمّ ذلك كلّه»، وهو كما قال.
    وقد روى التّرمذيّ وابن ماجه، من رواية أبي عقيلٍ عبد اللّه بن عقيلٍ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطيّة بن قيسٍ، عن عطيّة السّعديّ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأسٌ».
    ثم قال الترمذي: حسن غريب.
    وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد اللّه بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان، يعني الرّازيّ، عن المغيرة بن مسلمٍ، عن ميمونٍ أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائلٍ، فدخل علينا رجلٌ، يقال له: أبو عفيفٍ، من أصحاب معاذٍ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيفٍ، ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبلٍ؟ قال: «بلى سمعته يقول: يحبس النّاس يوم القيامة في بقيعٍ واحدٍ، فينادي منادٍ: أين المتّقون؟ فيقومون في كنفٍ من الرّحمن لا يحتجب اللّه منهم ولا يستتر»، قلت: «من المتّقون؟»، قال: «قومٌ اتّقوا الشّرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة، فيمرّون إلى الجنّة».
    وأصل التّقوى: التّوقّي ممّا يكره لأنّ أصلها وقوى من الوقاية. قال النّابغة:

    سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ....... فتناولته واتّقتنا باليد
    وقال الآخر:
    فألقت قناعًا دونه الشّمس واتّقت ....... بأحسن موصولين كفٌّ ومعصم

    وقد قيل: إنّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، سأل أبيّ بن كعبٍ عن التّقوى، فقال له: «أما سلكت طريقًا ذا شوكٍ؟»، قال: «بلى»، قال: «فما عملت؟»، قال: «شمّرت واجتهدت»، قال: «فذلك التّقوى».
    وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتزّ فقال:

    خلّ الذّنوب صغيرها ....... وكبيرها ذاك التّقى
    واصنع كماشٍ فوق أر ....... ض الشّوك يحذر ما يرى
    لا تحقرنّ صغيرةً ....... إنّ الجبال من الحصى

    وأنشد أبو الدّرداء يومًا:
    يريد المرء أن يؤتى مناه ...... ويأبى اللّه إلّا ما أرادا
    يقول المرء فائدتي ومالي ....... وتقوى اللّه أفضل ما استفادا

    2ـ فضائلهم:
    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) :
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز، أنه لما ولي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: « يا أيها الناس اتقوا الله فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال:« لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: « القيامة عرس المتقين ».
    -وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال:« قيل لأبي الدرداء: أنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرا فما لك لا تقول قال: وأنا قلت فاستمعوه:

    يريد المرء أن يعطى مناه.......ويأبى الله إلا ما أرادا
    يقول المرء فائدتي وذخري.......وتقوى الله أفضل ما استفادا »

    [الدر المنثور: 1/137-130]

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :
    في سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما استفاد المرء بعد تقوى اللّه خيرًا من زوجةٍ صالحةٍ، إن نظر إليها سرّته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإنّ غاب عنها حفظته في نفسها وماله».). [تفسير ابن كثير: 1/162-164]

    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •