الهمة العالية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الهمة العالية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي الهمة العالية

    مقتطفات من كتاب علو الهمة
    الهمة في القلب فقوة المؤمن تكون في قلبة بصفة أساسية،
    يقول الإمام القيم رحمه الله
    : اعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه،
    والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب، لا تقوى الجوارح،

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: التقوى ها هنا واشار الى صدره).

    فالكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير، والسفر الشاق؛
    فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة، وتطيب السير والتقدم، والسبق إلى الله سبحانه وتعالى إنما هو بالهمم، وصدق الرغبة والعزيمة،
    فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل، يوافق فيه الإسلام الإحسان،
    فأكمل الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان موفياً لكل واحد منهما حقه، فكان مع كماله وإرادته وأحواله مع الله يقوم حتى تتورم قدماه، ويصوم حتى يقال: لا يفطر، ويجاهد في سبيل الله، ويخالط أصحابه، ولا يحتجب عنهم، ولا يترك شيئاً من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر.
    والرسول عليه الصلاة والسلام بلا شك هو المثل الأعلى للبشرية كلها، ولم يطأ الحصى ولم يوجد على ظهر الأرض من هو أكمل من رسول الله عليه الصلاة والسلام في أي خصلة من خصاله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو النموذج الأكمل للبشر أجمعين، بما فيهم الأنبياء والمرسلين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالرسول عليه الصلاة والسلام جمع إلى كمال القوة العلمية كمال القوة العملية، فمع علمه صلى الله عليه وسلم بالله على أكمل الأحوال أيضاً كان أكمل الناس إرادة، فكان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويجاهد، ويخالط الناس، ثم هو متزوج، ومات عن تسع نسوة، فكان يدير هذه البيوت ويقودها، ويدير أمة ويبني رسالة، ويبلغ العالمين، وكل هذه الأشياء لم يقصر صلى الله عليه وسلم بترك أي وارد من هذه الواردات، فصلى الله عليه وآله وسلم.إن ضعف الإرادة والطلب من ضعف حياة القلب، وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى، وإرادته ومحبته أقوى، فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين صلاته وإرادته، فضعف الطلب وفتور الهمة لا يأتي إلا من نقصان الشعور والإحساس، أو من وجود الآفة المضعفة للحياة، فقوة الشعور وقوة الإرادة دليل على قوة الحياة، وضعفها دليل على ضعفها، وكما أن علو الهمة وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة، فهو سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها؛ فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية والمحبة الصادقة، والإرادة الخالصة، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة، وأخس الناس حياة أخسهم همة، وأضعفهم محبة وطلباً، وحياة البهائم خير من حياتهم، كما قيل:
    نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم
    الردى: أي الهلاك.وتكدح فيما سوف تنكر غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم غبه: عاقبته.تسر بما يفنى وتفرح بالمنى كما غر باللذات في النوم حالم
    من كتاب علو الهمة لمحمد اسماعيل المقدم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: الهمة العالية

    الناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً؛ حسب حظهم من الهمة، يقول الله تعالى: ان شعيكم لشتى [الليل:4]، فالهمة هي رزق من الله عز وجل، فـ -الله يبسط الرزق لمن يشاء [الرعد:26]، ومن حكمته سبحانه وتعالى أن فاضل بين خلقه في قواهم العملية، كما فاضل بينهم في قواهم العلمية، يقول المتنبى : على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم اجتمع عبد الله ابن عمر وعروة ابن الزبير ومصعب ابن عمير وعبد الملك ابن مروان بفناء الكعبة، فقال لهممصعب : تمنوا، فقالوا: ابدأ أنت، فقالمصعب ابن الزبير : أتمنى ولاية العراق، وتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله . فنال ذلك، وأصدق كل واحدة خمسمائة ألف درهم، وجهزها بمثلها، وتمنى عروة بن الزبير الفقه -أي: أنه سأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه الفقه- وأن يحمل عنه الحديث. فنال ذلك، وتمنى عبد الملك الخلافة فنالها، وتمنى عبد الله بن عمر الجنة رضي الله تعالى عنه وعن أبيه. فانظر إلى الهمة كيف تتفاوت، ولعلها كانت -والله أعلم- ساعة إجابة، فكل من تمنى نال ما تمنى، فـمصعب طلب الإمارة والزوجتين، مع صعوبة تحصيل زواج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة ، كما هو معروف، لكن مع ذلك نالهما، وعروة طلب الفقه والحديث، فآتاه الله ذلك، وعبد الملك طلب الخلافة فنالها، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه طلب الجنة، ولعله قد نالها. فهذا يدل على تفاوت الهمم في الناس؛ فمن الناس من ينشط للسهر في سماع سمر، حتى لو كان سمراً حلالاً؛ ليتحدث مع أصدقائه ومجالسيه، وينشط لهذا، وتأتيه همة، وما يشتكي التثاؤب ولا النوم ولا غير ذلك، وبعض الناس عنده قوة وتصميم في الشر، فيسهر إلى الواحدة أو الثالثة صباحاً أمام الأفلام والفيديو والمسرحيات وهذه الأشياء، فانظر كيف واقع الناس يصدق قوله تعالى: [الليل:4]. ومنهم من يحفظ بعض القرآن، ثم يتوقف، ولا يستمر إلى التمام، ومنهم من يعرف الفقه، ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليل، ومنهم من يطلب معالي الأمور دون أن تكون له إرادة وسعي في تحقيقها، ومن كان هذا حاله فهو مغتر بالأماني الكاذبة، قال الشاعر: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركاباً ولو علت بهم الهمم لجدت في تحصيل كل الفضائل، ونبت عن النقص، فاستخدمت البدن، كما قال الشاعر: ولكل جسم في النحول بلية وبلاء جسمي من تفاوت همتي أي: أنه كان نحيلاً، فيعلل سر هذا النحول فيقول: ولكل جسم في النحول بلية أي: ممكن أن الإنسان يكون هزيلاً بسبب مرض أو بسبب سوء تغذية أو غير ذلك من الأسباب، ويمكن أن يكون بسبب همته العالية التي تستخدم بدنه وترهقه في سبيل تحصيل مطالبه، ولذا قال: وبلاء جسمي من تفاوت همتي يعني: من علو همتي. وقال المتنبى : وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام وآخر يقول: وقائلة لم غيرتك الهموم وأمرك ممتثل في الأمم؟ فقلت ذريني على غصتي فإن الهموم بقدر الهمم ولما ولي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الخلافة خيَّر امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على شرط أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت وبكت جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره من شدة البكاء، ثم اختارت رحمها الله تعالى مقامها معه على كل حال. وقال رجل لـعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لما ولي الخلافة: تفرغ لنا يا أمير المؤمنين! فأجابه قائلاً: قد جاء شغل شاغل وعدلت عن طرق السلامه ذهب الفراغ فلا فرا غ لنا إلى يوم القيامه وهذا الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله يقول: الجسم تذيبه حقوق الخدمة والقلب عذابه علو الهمة والعمر بذاك ينقضي في تعب والراحة ماتت فعليها الرحمة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: الهمة العالية

    قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته ورحمته إخراج آدم وذريته من الجنة أعاضهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعله سبباً موصلاً لهم إليه، عهد الله سبحانه وتعالى عهداً لآدم وذريته، هذا العهد متى التزم به يعوضه الله أفضل مما فقده آدم عليه السلام، فهو العهد الذي جعله سبباً موصلاًً لهم إليه، وطريقاً واضحاً بين الدلالة عليه، من تمسك به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شقي وغوى، ولما كان هذا العهد الكريم والصراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل إليه أبداً إلا من باب العلم والإرادة، فالإرادة باب الوصول إليه، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقف، فتحه عليه.

    هذا تشبيه آخر للعلم والإرادة، فالإرادة هي الباب، ومفتاح الباب هو العلم، يعني: لابد من الاثنين معاً، وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين: همة ترقيه، وعلم يبصره ويهديه، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، ولا يخيب إنسان ولا تفوته السعادة إلا بتقصير في جانب من هذين الجانبين، أو من أحدهما؛ إما ألا يكون له علم بها، كأن يجهل مراتب الآخرة والغايات العليا، فإذا كان يجهل هذه الفضائل فكيف سيتحرك إليها؟ وكيف سينبعث قلبه في طلبها؟ فإن كل إنسان إما ألا يكون له علم بها فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالماً بها، لكن لا تنهض همته إليها، فعنده علم، لكن ليس عنده همة وقوة إرادة، وقد يكون عالماً بها ولكن لا تنهض همته إليها، فلا يزال في حضيض طبعه محبوساً، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدوداً منكوساً، قد أسام نفسه مع الأنعام، راعياً مع الهمل، واستطاب لقيعات الراحة والبطالة، والسلامة فراش العجز والكسل، لا كمن رفع له علم فشمر إليه، وبورك له في تفرده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن سبيل يرافقه في سبيله. أي: كمال الإرادة بحسب كمال الغاية أو المراد الذي تطلبه، فكلما طلبت مطلباً أشرف وأعظم كلما كانت إرادتك أشرف وأكمل.
    قال: ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابعاً لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها.
    وهذه قاعدة معروفة، يعني: أن شرف العلم حسب شرف المعلوم، فهل دراسة علم الحشرات -مثلاً- مثل دراسة الطب البشري الجواب: لا، ولا شك أن صحة البشر أهم وأخطر من الحشرات؛ فلذلك هذا العلم يكون أشرف من ذلك، وهكذا مراتب العلوم تتفاوت بحسب المعلوم، وشرف العلم بشرف المعلوم، ولذلك كانت أشرف العلوم على الإطلاق هي علوم الدين، فهي أشرف من علوم الدنيا بلا شك، وعلوم الدنيا أشرفها علم الطب؛ لأن الطب هو أشرف مطالب الدنيا، ورأس مال الإنسان في الدنيا هو صحته وعافيته، لكن علوم الدين أشرف من كل علوم الدنيا، ثم علوم الدين تتفاضل فيما بينها بحسب العلم الذي تؤدي إليه، فهناك علوم هي عبارة عن وسائل فقط، كالنحو والتجويد والمصطلح وأصول الفقه ونحوها، فهذه علوم خادمة لعلوم الدين.
    ثم هناك علوم أشرف، وهي العلوم المخدومة كالتوحيد، وكالتفسير، وكالفقه، ثم أشرف هذه العلوم المخدومة على الإطلاق هو علم التوحيد؛ لأنه هو العلم الذي يعرفنا بالله، ويعلمنا صفات الله سبحانه وتعالى وحق الله علينا، فبالتالي كان أشرف العلوم على الإطلاق هو علم التوحيد؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ولا معلوم أشرف من معرفة الله سبحانه وتعالى.
    يقول: ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها وشرف العلم تابعاً لشرف معلومه كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها، أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسمى والحظ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعياً، وأقامه على هذا الطريق هادياً، وجعله واسطة بينه وبين الأنام، وداعياً لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سعياً إلا أن يكون مبتدئاً منه، ومنتهياً إليه صلى الله عليه وسلم.
    ثم تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على أقسام الناس من حيث القوتين: العلمية والعملية، فالناس يتفاوتون، ولا يخرج أحد من هذا التفصيل، يقول رحمه الله: وكمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، فالمعرفة هذه قوة علمية، والإيثار هذه قوة عملية، ولذلك جاء في الأثر: (اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه)؛ لأنه ممكن أن الإنسان يرى الحق حقاً، لكن لا يتبعه، كاليهود الذين كانوا يعرفون الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون صفاته، ويجزمون بأنه رسول الله، لكنهم لم يرزقوا ولم يلهموا ولم يوفقوا إلى اتباعه والانقياد لشريعته.
    فإذاً: الأمر الأول: معرفة الحق. الأمر الثاني: اتباع الحق، وإيثاره على ما عداه؛ لأن الإنسان قد يعرف الحق، ولكن يؤثر عليه ما عداه، كما في هذا الأثر، وهو ينسب إلىابى بكر : (اللهم أرني الحق حقاً، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه)؛ لأنه ممكن أن الإنسان يزين له سوء عمله، فيرى الباطل في صور مزينة، فيزين له سوء عمله، ويحسب أنه على شيء، كعامة ملاحدة هذا الزمان الآن من الإعلاميين والصحفيين الذين اغتروا بكثرتهم وصوتهم العالي، وكيف أنهم يتكلمون وكأنهم أصحاب حق، وكلهم جزماً مبطلون وأهل ضلال ومعاداة لدين الله سبحانه وتعالى، فهذا من تزيين الشيطان لهم سوء أعمالهم.
    فهؤلاء يرون الباطل حقاً، وتراهم مستعدين أن يقاتلوا في سبيل هذا الباطل، وأن يبذلوا النفس والنفيس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن أراه الله الحق حقاً ثم رزقه اتباعه وإيثاره، وأراه الباطل باطلاً ورزقه اجتنابه، فهؤلاء هم الذين رزقوا علماً، وأعينوا بقوة العزيمة على العمل، وهؤلاء هم الموصوفون في القرآن الكريم بقوله تعالى: (آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). فكونهم آمنوا هذا من التصديق، وهذه قوة علمية، وكونهم عملوا الصالحات هذه هي القوة العملية، وقال عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، ولا يخرج منها لأنه مقتنع بها، ويرى أنها هي الحق الذي ليس شيء بعد.
    فحياة القلب تنال بالعزيمة، وبالنور يرزق الفرقان بين الحق والباطل.
    أقسام الناس في العلم والإرادة

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: كمال الإنسان مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين، وهما اللذان أثنى الله سبحانه وتعالى على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بهما في قوله تعالى:وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص:45]. (الأَيْدِي) هي: القوة، (وَالأَبْصَارِ) هي العلم فالأيدي هي القوة في تنفيذ الحق، والأبصار هي البصائر في الدين، فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه، وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام.

    إذاً: أكمل الناس من رزقه الله الأمرين: كمال الهمة الإرادة وكمال العلم، وأشرف الأقسام هو القسم الذي ذكرناه آنفاً، أي: الذين مدحهم الله بقوله: (( أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ )). فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله سبحانه وتعالى.
    القسم الثاني: عكس هؤلاء، وكل إنسان على وجه الأرض هو واحد من هذه الأقسام الأربعة، فالقسم الثاني عكس الفريق الأول، يعني: لا بصيرة، ولا همة، لا علم ولا عمل، فعكس الفريق الأول هم من لا بصيرة لهم في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق، وهم أكثر الخلق، وهم الذين رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشرار.
    القسم الثالث: من له بصيرة في الهدى ومعرفة به، ولكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه، ولا الدعوة إليه، وهذا حال المؤمن الضعيف، لكن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من هذا المؤمن الضعيف، فهذا عنده بصيرة بالحق، لكنه ضعيف في همته، ولا قوة له على تنفيذ هذا الحق.
    القسم الرابع: عكس هذا، له قوة وعزيمة وهمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز أولياء الرحمن من أولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء سمرة، وكل بيضاء شحمة، ويحسب الورم شحماً، والدواء النافع سماً؛ لأنه ليس عنده علم وبصيرة في الدين.
    وليس في هذه الثلاثة الأقسام من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضع لها سوى القسم الأول، فهذا فقط هو الذي يصلح أن يكون إماماً في دين الله سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[السجدة:24]. فأخبر سبحانه وتعالى أنهم بالصبر واليقين بآيات الله نالوا الإمامة في الدين، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه وتعالى من جملة الخاسرين، يعني: أن الله سبحانه وتعالى أقسم في سورة العصر بالعصر الذي هو زمن سعي الرابحين والخاسرين؛ لأن العصر هو الزمن والدهر الذي هو عبارة عن رأس المال، والناس عبارة عن سوق يتنافسون فيه، ثم في النهاية حينما ينفض هذا السوق -وما أسرع ما ينتهي العصر إذا أتى المغرب- يظهر بعد ذلك الخاسر من الرابح، فأقسم الله سبحانه وتعالى -وقوله الحق وقسمه الصدق- أن كل الناس في خسر، وإذا قلنا كلمة (كل الناس) فيبقى أن كل الناس في حال خسر، وضياع إلا الذين ذكروا في هذه السورة الكريمة.
    قال عز وجل: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . أي: إن كل إنسان لفي خسر إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]. فوصفوا بالقوة العلمية والقوة العملية، بالعلم والهمة أو الإرادة، فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها، وأعلامها وعوارضها ومعاسرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفاً في القوة العملية، يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المسالك والمخاوف والمعاقب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم.
    فارقهم في أنه عنده علم، لكن اجتمع مع هؤلاء الجهال في تخلفه عن نصرة الحق، كما يقول الشاعر:
    فليس يزيح الكفر رأي مسدد إذا هو لم يؤنف يرمي مسدد
    يقول: وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمه الله، ولا قوة إلا بالله، ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، يعني: أننا نجد عند رجل الهمة الحركية في الحركة وفي العمل، وعنده همة من الناحية العملية، لكن ليس عنده بصيرة، فبالتالي نجده إذا تعرض لبدعة أو شبهات لا يستطيع أن يرد جواباً، ويتبلبل، وربما يهتز إيمانه، ويخر صريعاً لهذه الشبهات بسبب غياب القوة العلمية.
    فمثلاً: نجد إنساناً يعمل في الربا وفي البنوك، وهو مقتنع، وعنده القوة العلمية، ويفهم جيداً جداً أن الربا محرم، وأن هذا الكسب حرام، وأن الوعيد فيه كذا وكذا ... إلى آخر هذا الكلام، لكن لا تجد عنده القوة العملية التي تجعله يحاول أن يتخلص ويخرج من هذا الوحل، فعنده قوة علمية، لكن ليس عنده الهمة.
    وهكذا الذي يتحدث عن مضار التدخين، ويحاضر محاضرات طويلة، وإذا فتحت معه الكلام في التدخين، تجده يقول: المضرة في كذا وكذا وكذا، لكن هل عنده الهمة في أن يقلع عن هذه العادة السيئة؟! فأغلب الناس تجد عنده البصر بالضرر، لكن ليس عنده القوة العملية.
    فهذه أمثلة لتوضيح الموضوع، فالقسم الثاني هذا يكون عنده همة وحركة وسعي ودأب، لكن ليس عنده بصيرة في الدين، فيكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات، كما أن الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداء هذا من جهله، وداء الأول من فساد إرادته، وضعف عقله، وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف، السالكين على غير طريق العلم، حيث نلاحظ في الصوفية -إلا من شاء الله- أن هذا الصفة تكاد تكون صفة سائدة، فأحدهم شديد الجهل بالعلم الشرعي، وعنده الهمة العالية في التعبد أو في الحركة والسعي والدأب والأذكار والأوراد وغير ذلك، لكن لا على بصيرة، وبالتالي يسهل أن يقع صريعاً للبدع والشبهات والضلالات.
    يقول: على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق والوجد والعادة، يرى أحدهم أعمى عن مطلوبه، لا يدري من يعبد، ولا بماذا يعبده، فتارة يعبده بذوقه ووجده.
    ويقولون: الكلمة الفضيعة، كل شيخ له طريقة في الشريعة والواحد منهم يمكن أن يخالف شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ... إلى غير ذلك مما يناله بوجده وذوقه وإلهاماته وكشوفاته، ويحتجون بفعل الخضر عليه السلام مع موسى عليه السلام.
    وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه، من لبس معين، وكشف رأس، أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين، وليس لها أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائناً ما كان، وهناك طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد، وكلها ناشئة عن ضعف البصيرة في الدين، مع وجود الهمة العملية.
    يقول ابن القيم : فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم، وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، ولا يقبل من أحد ديناً سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله، ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة لهم بالرب، ولا عبادة له، ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله سبحانه وتعالى، ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإن القواطع كثيرة، شأنها شديد، لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد.
    ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، يعني: أن الطريق إلى النجاة وإلى الله سبحانه وتعالى فيه كثير من القواطع، ولولا القواطع لكان هذا الطريق مزدحماً بالسالكين الذين يقصدونه، لكن فيه كثيراً من القواطع، سواء كانت قواطع من داخل النفس، أو قواطع من قطاع الطريق الذين ينبثون على جنبات الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، ويقطعون الطريق على خلق الله، ويصدونهم عن السير إلى الله سبحانه وتعالى.
    يقول: ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، والوقت -كما قيل- سيف، فإن قطعته، وإلا قطعك، فإذا كان السير ضعيفاً، والهمة ضعيفة، والعلم بالطريق ضعيفاً، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة، فإنه جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، إلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب، فيأخذ بيده، ويخلصه من أيدي القواطع، والله ولي التوفيق.




  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: الهمة العالية

    هناك أمر آخر من خواص الهمة، وهو أن همة المؤمن أبلغ من عمله؛ فالإنسان يحصل بالهمة أموراً عظيمة جداً لا يستطيع أن يحصلها بعمله، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فهذا ثواب الهمة وقال صلى الله عليه وسلم من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه : أي: ينال منازل الشهداء وإن مات على فراشه بصدق الهمة.
    وقال صلى الله عليه وسلم فيمن تجهز للجهاد ثم أدركه الموت قد اوقع الله اجره على قدر نيته :.وقال صلى الله عليه وسلم في حق المتخلفين عن غزوة تبوك من الحريصين على الخروج معه ان بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم حبسهم العذر : .فهؤلاء همتهم موجودة، لكن وجد عائق أعاقهم عن الخروج؛ وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن عنده ما يحملهم عليه، فبالهمة نالوا الثواب، وشركوهم في الأجر.وقال صلى الله عليه وسلم ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عيها الا كتب له اجر صلاته وكان نومه صدقة عليه: . قوله ما من امرئ تكون له صلاة ، يعني: أن عادته أن يقوم الليل، وقوله :
    فغلبه عيها الا كتب له اجر صلاته وكان نومه صدقة عليه، أي: أنه أثيب بهمته وبنيته، فليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنما الشأن فيمن ينام على فراشه ثم يصبح وقد سبق الركب بعلو همته وطهارة قلبه وقوة يقينه وشدة إخلاصه، وفي ذلك قيل:من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجيء في الأول؟وما أحسن قول الشاعر مخاطباً الحجيج وقد انطلقوا للحج:يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاإنا أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر فقد راحافالمؤمن ما دامت عنده الهمة فهو يطمع في أن ينال نفس الثواب، وقد يتفوق المؤمن بهمته العالية، كما بين ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله - سبق مائة الف درهم : فدرهم واحد سبق مائة ألف، يعني: أن رجلاً تصدق بدرهم، ورجلاً آخر تصدق بمائة ألف درهم، فالذي تصدق بدرهم نال ثواباً أعظم من ثواب الذي تصدق بمائة ألف درهم، فما الذي أوجد هذا الفرق بينهما؟ إنها الهمة، والتفاوت في الهمة، ولذا قال عليه الصلاة والسلام سبق درهم مائة قالوا يا رسول الله - كيف يسبق درهم مائة الف ؟ قال رجل كان له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به وآخر له مال كثير فأخذ من عرضه مائة الف :، يعني: أن الرجل الأول عنده درهمان، فاستبقى لنفسه درهماً واحداً، وأنفق شطر ما يملك، يعني: أن هذا أخذ شطر ماله فتصدق به لله، ولا شك أن هذه همة عالية، وأما الآخر فعنده مال كثير جداً، فأخذ عينة من ماله من عرضه ومن جانب الثروة الطائلة وسحب كمية فطلعت مائة ألف درهم، فتصدق بها، فالتفاوت الذي حصل بينهما إنما كان بسبب يعني الهمة.
    [
    من كتاب علو الهمة]

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •