تعظيم الآثار رؤية شرعية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تعظيم الآثار رؤية شرعية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي تعظيم الآثار رؤية شرعية

    هدي السلف الصالح الاهتمام بالآثار الفعلية والقولية من أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم وأفعاله، ولا أدل على ذلك من هذه الكتب التي تزخر بالكثير من الآثار الفعلية والقولية .. فأفنوا أعمارهم من أجل المحافظة عليها،وقطعوا القفار وكابدوا مشقة الأسفار؛ وواصلوا الليل بالنهار؛ كل ذلك جمعاً لآثار النبي المختار صلى الله عليه وسلم وتدوينها ليعمل بها .. وبلغ من حرصهم على تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية أن يُنقَل لنا حتى شؤون النبي صلى الله عليه وسلم الزوجية في غسله ووضوئه، في أكله وشربه، وفي نومه واستيقاظه .. في كل شيء .. هذا كان ديدنهم، وتلك كانت همتهم . ولم يكن معروفاً عنهم تتبع الآثار المكانية والعينية والاهتمام بها وتشييدها أو عمل مزارات .
    يقول
    الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - :
    « ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله
    عليه وسلم - ورضي الله عنهم - أعلم الناس بدين الله وأحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكملهم نصحاً لله ولعباده ولم يحيوا هذه الآثار، ولم يعظموها،ولم يدعوا إلى إحيائها .. ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمراً مشروعاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وبعد الهجرة أو أمر بذلك أو فعله أصحابه أو أرشدوا إليه .. »

    *****************
    موقفهم من الآثار الموجودة في مكة و المدينة وبيت المقدس : فلم يعرف أن أحداً منهم زار تلك الآثار أو تتبعها وأمر بتشييدها، بل كانوا يسدون هذا الباب؛فإن المسلمين لما فتحوا تُستَر، وجدوا هناك سرير ميت باق ذكروا أنه « دانيال »ووجدوا عنده كتاباً فيه ذكر الحوادث، وكان أهل تلك الناحية يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى الأشعري إلى عمر، فكتب إليه أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً،ثم يُدفَن بالليل في واحد منها ويعفَّى قبره؛ لئلا يفتتن الناس به
    ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :
    « لم تَدَعِ الصحابة في الإسلام قبراً ظاهراً
    من قبور الأنبياء يفتتن به الناس؛ ولا يسافرون إليه ولا يدعونه، ولا يتخذونه مسجداً؛ بل قبر نبينا صلى الله عليه وسلم حجبوه في الحجرة، ومنعوا الناس منه بحسب الإمكان، وغيره من القبور عفوه بحسب الإمكان؛ إن كان الناس يفتتنون به،وإن كانوا لا يفتتنون به فلا يضر معرفة قبره .. ». وفي بعض الأحايين تحصل مناسبة لزيارة تلك الأماكن الأثرية ومع ذلك لا يزورونها كما حصل لعمر ابن الخطاب وابنه عبد الله - رضي الله عنهما – فقد زارا بيت المقدس ولم يأتيا الصخرة ولا غيرها من البقاع، بل إذا خشيت الفتنة أمروا بإزالتها كما أمر عمر بقطع الشجرة التي حصلت تحتها بيعة الرضوان .
    2 - وجود الأهرامات في مصر : فبعد دخول الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - لم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ أن أحداً منهم زار تلك الأهرامات مع أنها تعتبر معلماً من معالم مصر فضلاً عن الاهتمام بها وتشييدها . وكم هم العلماء الذين رحلوا إلى مصر لطلب العلم والحديث ! ! فهل نقل أن أحداً منهم زار تلك الآثار ؟ ! !
    فهذا الإمام الشافعي و العز بن عبدالسلام و ابن خزيمة و أبو حاتم وغيرهم كثير .. وقد سئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها : « هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر ؟ فقال : كان أكثرها مغموراً بالرمال ولا سيما أبا الهول »
    .
    بل إن كثيراً من هذه الآثار لم تكتشف إلا أخيراً؛ فمعبد أبي سمبل مثلاً الذي يعد من أكبر معابد الفراعنة كان مغموراً بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن أو نصف قرن تقريباً، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريباً . « ومما يدل دلالة واضحة على عدم الاهتمام بها أن بعض تلك الآثار يعلو عليها التراب، يقول ياقوت الحموي : وفي سفح أحد الهرمين صورة آدمي عظيم مصبغة وقد غطى الرمل أكثرها »
    مما يدل على أنها مهملة .
    وأشد من ذلك صدور محاولات عدة من الولاة لهدمها كالمأمون والملك العزيز الأيوبي.
    وقد ذكر ابن خلدون أن الخليفة الرشيد حاول كسر إيوان كسرى على ضخامته مع أن بعضهم أشار عليه بتركه؛ لا من أجل التفاخر به؛ ولكن من أجل أن يستدل به على عظم ملك آبائه الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل
    ؛ ومع ذلك لم يستجب فقام بمحاولة تكسيره - رحمه الله - .
    وقال أبو علي الأوقي : سمعت أبا طاهر السِّلَفي يقول : « لي ستون سنة بالإسكندرية ما رأيت منارتها إلا من هذه الطاقة، وأشار إلى غرفة يجلس فيها ». مع أنها معلم من معالم الإسكندرية .
    ولكن بدأ هذا النوع ينمو ويسري في بلاد المسلمين كلها وهو : العناية بالآثار، وعمل المزارات لها وارتيادها، والاهتمام بها، والحفاظ عليها، بل هذا يعتبر من أبرز اهتمامات وزارات السياحة، وإدارات الآثار .
    ومن المعلوم أن الدول الغربية هي التي شجعت على ظهور مثل هذا الاهتمام لتحقيق مطامعها في الشرق الإسلامي ..
    فها هو ( جب ) يقول بصراحة تامة :
    « وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن،فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي إندونيسيا وفي العراق وفي فارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دوراً مهما في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها » .
    وهذا التصريح يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية في الشرق الإسلامي والعربي منه خاصة التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم على الإسلام لتلاميذ المدارس وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محلية غير الأعياد الدينية التي تلتقي قلوب المسلمين ومشاعرهم على الاحتفال بها، ومثل العناية بتمييز كل من هذه البلاد بزي خاص ولا سيما غطاء الرأس مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاص، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره .
    وحتى يحصل لهم ما يريدون، ويتحقق لهم ما يشتهون « أعانت الدول المحتلة كُلاً في منطقة نفوذه على تدعيم قداسة هذه الأوطان الجديدة في نفوس الناس بأسلوب علمي منظم، وذلك بمساعدتها على إحياء التاريخ القديم لكل قطر من هذه الأقطار، ونشط الحفر للبحث عن آثار الحضارات القديمة السابقة على الإسلام في كل من العراق و سوريا و لبنان و فلسطين وشرق الأردن ومصر؛ لتوهين عرى الجامعة العربية، ولتشتيت القلوب التي ألف بينها الإسلام وجمعها على لغة واحدة؛ فاستيقظت العصبيات الجاهلية، وراح كل بلد يفاخر البلاد الأخرى بمجده العريق، وشغلت الصحف بالكلام عن الكشوف الأثرية الجديدة وما تدل عليه من حضارات البابليين والآشوريين والكلدانيين والحثيين والفينيقيين والفراعنة .
    وكانت أصابع الغربيين واضحة في هذه الجهود؛
    فقد عاش المسلمون دهوراً وهم غافلون عن هذه الآثار القديمة لا يعيرونها التفاتاً، ولا يتحدثون عنها حين يتحدثون إلا كما يتحدثون عن قوم غرباء من الكفرة أو العتاة، لا يثير الحديث عنهم شيئاً من الحماس أو الزهو في نفوسهم، وظلوا على هذه الحال حتى بدأ الغربيون بالكشف عن كنوزهم ولفت أنظارهم إليها منذ اتجهت مطامعهم إلى بلادهم .
    وللأوروبيين في ذلك أسلوب خبيث ماكر؛ فهم يبدؤون التنقيب ببعوث من علماء الآثار الغربيين،
    حتى إذا حققوا ما يهدفون إليه من اهتمام كل بلد من هذه البلاد بتراثه القديم وتحمسه له وغيرته عليه، ورأوا أن هذه الغيرة تدفعه إلى منافسة الأجانب في هذا الميدان الذي يعتبر نفسه أوْلى به وأحق، بوصفه وارث هذه الحضارة، عند ذلك يتخلون عن مهمتهم ويتركونها في رعايته، مطمئنين إلى أنه سيوالي السير في الخطوط التي رسموها له .

    الأدلة على هذا الأسلوب الخبيث كثيرة لا تعوز الباحث؛ فقد بلغ من اهتمام الأوروبيين بنبش هذا التاريخ القديم واتخاذه أساساً لتدعيم التجزئة الجديدة للوطن العربي أن عصبة الأمم قد نصَّت في صك انتداب بريطانيا إلى فلسطين على الاهتمام بالحفريات، وذلك في المادة ( 21 ) التي تنص على : « أن تضع الدولة المنتدبة وتنفذ في السنة الأولى من تاريخ تنفيذ هذا الانتداب قانوناً خاصاً بالآثار والعاديات ينطوي على الأحكام الآتية .. »، وكذلك كان شأن الفرنسيين في سوريا ولبنان، فقد كان أول ما اهتم به الفرنسيون أن ألَّفوا في خلال الحرب العالمية الأولى لجاناً في دمشق و بيروت لكتابة تاريخ الشام، فكتبوا منه بعض تاريخ لبنان وأهملوا تاريخ سوريا، ثم لم يلبث الآباء اليسوعيون في بيروت أن كلفوا ثلاثة من رهبانهم الفرنسيين سنة 1920م بكتابة هذا التاريخ، بعد أن قسموه إلى ثلاثة عصور : العصر الآرامي والفينيقي، والعصر اليوناني والروماني، والعصر العربي . ومما لا تخفى دلالته في هذا الصدد أن الثري الأمريكي اليهودي الأصل روكفلر ( ابن روكفلر الكبير ) صاحب الملايين، قد أعلن سنة 1926م عن تبرعه بعشرة ملايين دولار أمريكي لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن، واشترط لمنح هذه الهبة أن يوضع المتحف والمعهد تحت إشراف لجنة مكونة من ثمانية أعضاء ليس فيها إلا عضوان مصريان فقط، على أن تظل هذه اللجنة هي المسؤولة عن إدارة المتحف والمعهد لمدة ثلاث وثلاثين سنة . وقد استرد الثري الصهيوني الأمريكي هبته وقتذاك، بعد أن أرسل مندوباً يمثله من علماء الآثار الأمريكيين المعروفين وهو الأستاذ بْرِسْتِدْ ومعه أحد محاميه، وذلك لرفض الحكومة شرط إشراف الأجانب الفني على المعهد، وقد كان واضحاً من تحديد صاحب الملايين مدة الإشراف بثلاث وثلاثين سنة أنه يهدف إلى خلق جيل من المتعصبين للفرعونية ثقافياً وسياسياً، ومصلحة الصهيونية في ذلك ظاهرة؛ لأنها إذا نجحت في سلخ الدول العربية عن عروبتها فقد سلختها من إسلامها، وإذا انسلخت هذه الدول من إسلامها ومن عروبتها أمن اليهود كل معارضة لاستقرارهم في فلسطين، وعاشوا مع جيرانهم في هدوء يمكن لهم من الإعداد لوثبة جديدة يأكلون فيها جيرانهم النائمين؛ لأن معارضة الدول العربية لمطامع اليهود في فلسطين إنما تستند إلى الإسلام والعروبة، فإذا انسلخ المصريون مثلاً من الإسلام والعروبة ولبسوا ثوب الفرعونية مات الحافز الذي يدفعهم إلى مجاهدة اليهود ومعارضة دولتهم في فلسطين؛ إذ يصبح اليهود والعرب لديهم عند ذلك سواء »
    وقد وضح الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - أن إحياء الآثار القديمة تعتبر من دسائس الأعداء فقال : « ومن دسائس هذه المنظمات الكفرية دعوتها إلى إحياء الآثار القديمة والفنون الشعبية المندثرة حتى يشغلوا المسلمين عن العمل المثمر بإحياء الحضارات القديمة والعودة إلى الوراء وتجاهل حضارة الإسلام، وإلا فما فائدة المسلمين من البحث عن أطلال الديار البائدة ! والرسوم البالية الدارسة ! وما فائدة المسلمين من إحياء عادات وتقاليد أو ألعاب قد فنيت وبادت ! في وقت هم في أمسّ الحاجة إلى العمل الجاد المثمر، وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب واحتلوا كثيراً من بلادهم وبعض مقدساتهم ! إنهم في مثل هذه الظروف بحاجة إلى العودة إلى دينهم وإحياء سنَّة نبيهم، والاقتداء بسلفهم الصالح حتى يعود لهم عزهم وسلطانهم، وحتى يستطيعوا الوقوف على أقدامهم لرد أعدائهم، وأن يعتزوا برصيدهم العلمي من الكتاب والسنة والفقه، ويستمدوا من ذلك خطة سيرهم في الحياة، ويقرؤوا تاريخ أسلافهم لأخذ القدوة الصالحة من سيرهم، أما أن ينشغلوا بالبحث عن آثار الديار، وإحياء الفنون الشعبية بالأغاني والأسمار، وإقامة مشاهد تحاكي العادات القديمة؛ فكل ذلك مما لا جدوى فيه، وإنما هو استهلاك للوقت والمال في غير طائل، بل ربما يعود بهم إلى الوثنية، والعوائد الجاهلية »
    **************

    الأمَّةُ اليومَ ليست بحاجةٍ إلى إحياءِ آثارٍ ترابيَّةٍ، وإقامةِ متاحِفَ مَرئيَّةٍ، وإنَّما هي بأَمَسِّ الحاجةِ إلى إحياءِ الآثارِ النَّبَويَّةِ الحديثيَّةِ المرويَّةِ الصَّحيحةِ التي بها صلاحُ الأمَّةِ وسعادتُها الحقيقيَّةُ.

    من مخاطرِ الاهتمامِ بعِلمِ الآثارِ والتنقيبِ عنها، وإحيائِها في بلاد المسلمينَ: الغَزوُ الفِكريُّ،
    من خلالِ إحياءِ الانتمائيَّةِ الوَثَنيَّةِ والجاهليَّةِ وتعظيمِها. والغَزوُ العَسكريُّ، من خلالِ إرسالِ الحَمَلاتِ والبَعَثاتِ الآثاريَّةِ؛ لطَمسِ الهُويَّةِ الإسلاميَّةِ. والتوهينُ الاقتصاديُّ العامُّ، من خلالِ رصدِ الأموالِ لحفظِ هذه الآثارِ، وإنشاءِ المعاهِدِ والمؤَسَّساتِ التي تُصرَفُ لها الميزانيَّاتُ الضَّخمةُ؛ فيَكثُرُ التوجُّهُ له، وفي المقابِلِ تُغفَلُ الميزانيَّاتُ الأخرى الأكثَرُ أهميَّةً، وهو نوعٌ من توهينِ الاقتصادِ العامِّ للدَّولةِ الإسلاميَّةِ، وشَغْلِ أبنائِها بما لا يُفيدُ، بل يضُرُّ؛ حيثُ إنَّ الدُّولَ التي اعتمدت أو جعَلَت المعالِمَ الأَثَريَّةَ أحدَ مصادِرِ الدَّخلِ الاقتصاديِّ للبلَدِ لم تحَقِّقِ الرَّخاءَ، بل جعلَها ذلك أكثَرَ ضَعفًا؛ لتعَلُّقِها بما يَسهُلُ الإضرارُ به، بخلافِ الزِّراعةِ والصِّناعةِ والتعليمِ والصِّحَّةِ والدِّفاعِ وغَيرِها من مشاريعِ التنميةِ التي تُعَدُّ من أقوى مصادِرِ الدَّخلِ وأنفَعِها، والاهتمامُ بها يرمُزُ إلى التقَدُّمِ.

    أبرَزُ أسبابِ المخالَفاتِ العَقَديَّةِ المترتِّبةِ على إحياءِ الآثارِ: الجَهلُ، واتِّباعُ الهوى، والاعتِمادُ على الآراءِ، وانتِشارُ الآثارِ المَرويَّةِ الموضوعةِ والحِكاياتِ والقِصَص المختَلَقةِ، وتبَنِّي دُعاةِ الضَّلالةِ كثيرًا منها، والغُلُوُّ في الصَّالحين، والتعَصُّبُ للآراءِ والأشخاصِ، والتشَبُّهُ بالكُفَّارِ وتقليدُهم، والتقاعُسُ عن الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ، حتى تفَشَّت البِدَعُ والخُرافاتُ.

    أبرَزُ المفاسِدِ المترتِّبةِ على إحياءِ الآثارِ: عودةُ المظاهِرِ الشِّرْكيَّةِ، وزَعزعةُ الولاءِ والبراءِ لدى المسلمين، وإساءةُ سُمعةِ الدِّينِ الإسلاميِّ، وتفَشِّي القوميَّةِ والعُنصريَّةِ، ووقوعُ الكَذِب بكُلِّ أشكالِه، وتسَلُّطُ أعداءِ المسلمينَ على بلادِهم.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: تعظيم الآثار رؤية شرعية

    لا مجال لتعظيم إلاَّ ما عظَّمه الله -تعالى- ورسوله، فضلاً عن تعظيم الجمادات من الأحجار والأخْشاب، حتَّى ولو كانت تلك الجمادات تنتسِب للإسلام والمسلمين، فلا مُعظَّم إلا ما عظَّمه الشَّرعُ، وما سوى ذلك فلا يدخله التعظيم؛ دفعًا للغلو وسدًّا لذريعة الشرك، كما هو مقرَّر في موطنه من كتُب العقائد التي اعتنتْ بِمسائل الشِّرْك وأسبابه، والحذَر منه ومن الذَّرائع المؤدِّية إليه.
    قال ابن تيمية في "الصراط المستقيم": "فإنَّ تعظيم مكانٍ لم يعظِّمه الشَّرع شرٌّ من تعظيم زمان لم يعظِّمْه؛ فإنَّ تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقْرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان"؛ (1 -318).2- مخالفة القُرآن صراحة، ومحادَّة الشَّرع بصورة لا يرتاب فيها مسلم فهِم عن الله تعالى، وهذا يقع بتعظيم ما أهانه الله -تعالى- من الأمم وجعلهم عبرة للخالفين، مثل قوم فرعون الَّذين يُعظَّمون تحت مسمَّى الحضارة الفرعونيَّة المصريَّة، ممَّا يعارض قولَه -تعالى-: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾ [الحج: 18]، ومن المقرَّر ضرورةً كُفْر فرعونَ وقومِه؛ كما سُطر ذلك في كثير من الآيات القرآنيَّة، ومنها قوله -تعالى-: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ [هود: 96 - 99]، وقال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُ مْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴾ [القصص: 38 - 41].3- كثير من هذه الآثار تكون على هيْئة الأصنام والمقابر، ومن المعلوم أنَّه لا يجوز تعظيم القبور في الإسلام، وأن هذا من جنس فِعْل المشْركين، والأدلَّة متواترة على تَحريم تعظيم الأوْثان والأصنام والقبور بشتَّى الصور المختلفة، سواء بالزّيارة أو الطَّواف أو غير ذلك، ويُمكن أن يستدلَّ لذلك بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (27 - 107):"لم يأْمُر الله ولا رسولُه ولا أئمَّة المسلمين بتقْبيل شيء من قبور الأنبِياء والصَّالحين، ولا التمسُّح به، لا قبر نبيِّنا، ولا قبر الخليل، ولا قبر غيرِهما؛ بل ولا بالتَّقبيل والاستِلام لصخرة بيت المقْدس، ولا الرُّكنين الشَّاميين من البيت العتيق، بل إنَّما يُستلم الرُّكنان اليمانيَّان فقط اتِّباعًا لسنَّة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فإنَّه لم يستلِم إلاَّ اليمانيَّين ولم يقبِّل إلاَّ الحجر الأسود، واتَّفقوا على أنَّ الشاميّين لا يستلمان ولا يقبَّلان، واتَّفقوا على أنَّ اليمانيين يستلمان، واتَّفقوا على تقْبيل الحجر الأسود.وتنازعوا في تقْبيل اليماني على ثلاثة أقوال معروفة، قيل: يقبَّل، وقيل: يُستَلَم وتقبَّل اليد، وقيل: يستلم ولا تقبَّل اليد، وهذا هو الصَّحيح؛ فإنَّ الثَّابت عن النبيِّ أنَّه استلمه ولم يقبِّله، ولم يقبِّل يدَه لمَّا استلمه، ولا أجْرَ ولا ثواب فيما ليس بواجب ولا مستحبّ، فإنَّ الأجر والثَّواب إنَّما يكون على الأعْمال الصَّالحة، والأعمال الصَّالحة إمَّا واجبة وإمَّا مستحبَّة.فإذا كان الاستلام والتَّقبيل لهذه الأجسام ليس بواجب ولا مستحبّ، لم يكن في ذلك أجر ولا ثواب، ومنِ اعتقد أنَّه يؤْجَر على ذلك ويُثاب، فهو جاهل ضالٌّ مخطئ، كالذي يعتقد أنَّه يؤجر ويثاب إذا سجد لقبور الأنبِياء والصَّالحين، والذي يعتقد أنَّه يؤجر ويثاب إذا دعاهم من دون الله، والذي يعتقد أنَّه يؤجر ويثاب إذا صوَّر صُوَرَهم كما يفعل النَّصارى، ودعا تلك الصور وسجد لها، ونحو ذلك من البِدَع الَّتي ليستْ واجبةً ولا مستحبَّة؛ بل هي إمَّا كفر وإمَّا جهل وضلال.وليس شيءٌ من هذا من الدّين الَّذي بعث الله به محمَّدًا باتّفاق المسلمين، ومَن اعتقد أنَّ هذا من الدّين وفعله، وجب أن يُنْهَى عنْه، ولَم يستحبَّ هذا أحدٌ من الأئمَّة الأربعة، ولا فعله أحد من الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان.ومَن أمر النَّاس بشيء من ذلك، أو رغَّبهم فيه، أو أعانَهم عليه من القُوَّام أو غير القوَّام، فإنَّه يجب نَهيه عن ذلك ومنْعه منه، ويُثاب وليّ الأمر على منْع هؤلاء، ومَن لم ينتهِ عن ذلك فإنَّه يعزَّر تعزيرًا يرْدَعُه، وأقلّ ذلك أن يعزل ولا يُتْرك من يأمر النَّاس بما ليس من دين المسلمين.
    والكسْب الَّذي يُكسب بمثل ذلك خبيثٌ من جنس كسْب الَّذين يكذبون على الله ورسوله، ويأخذون على ذلك جُعلاً، ومن جنس كسْب سدنة الأصنام الذين يأمرون بالشِّرْك ويأخذون على ذلك جُعلاً، فإنَّ هذه الأمور من جملة ما نُهي عنه من أسباب الشرك ودواعيه وأجزائه"؛



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: تعظيم الآثار رؤية شرعية

    حكم الإسلام في إحياء الآثار
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه وبعد:
    فقد نشرت بعض الصحف مقالات حول إحياء الآثار والاهتمام بها لبعض الكتاب ومنهم الأستاذ صالح محمد جمال. وقد رد عليه سماحة العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد فأجاد وأفاد وأحسن أجزل الله مثوبته. ولكن الأستاذ أنور أبا الجدايل هداه الله وألهمه رشده لم يقتنع بهذا الرد أو لم يطلع عليه فكتب مقالاً في الموضوع نشرته جريدة المدينة بعددها الصادر برقم 5448 وتاريخ 22 \4 \1402 هـ بعنوان ( طريق الهجرتين ) قال فيه " والكلمة المنشورة بجريدة المدينة بالعدد 5433 وتاريخ 7 \4 \1402 هـ للأستاذ البحاثة عبد القدوس الأنصاري عطفًا على ما قام به الأديب الباحث الأستاذ عبد العزيز الرفاعي من تحقيق للمواقع التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق الذي سلكه في هجرته من مكة إلى المدينة المنورة، تدفعنا إلى استنهاض همة المسئولين إلى وضع شواخص تدل عليها كمثل خيمتين أدنى ما تكونان إلى خيمتي أم معبد مع ما يلائم بقية المواقع من ذلك بعد اتخاذ الحيطة اللازمة لمنع أي تجاوز يعطيها صفة التقديس أو التبرك أو الانحراف عن مقتضيات الشرع، لأن المقصود هو إيقاف الطلبة والدارسين ومن يشاء من السائحين على ما يريدونه من التعرف على هذا الطريق ومواقعه هذه لمعرفة ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته السرية المتكتمة
    هذه من متاعب وذلك لمجرد أخذ العبرة وحمل النفوس على تحمل مشاق الدعوة إلى الله؛ تأسيًا بما تحمله في ذلك عليه الصلاة والسلام. على أن تعمل لها طرق فرعية معبدة تخرج من الطريق العام وتقام بها نزل واستراحات للسائحين وأن يُعنى أيضًا بتسهيل الصعود إلى أماكن تواجده صلى الله عليه وسلم بدأً بغار حراء ثم ثور، والكراع حيث تعقبه سراقة بن مالك حتى الوصول إلى قباء وما سبق ذلك من مواقع في مكة المكرمة كدار الأرقم بن أبي الأرقم والشعب الذي قوطع هو وأهله فيه وطريق دخوله في فتح مكة ثم نزوله بالأبطح، وكذا في الحديبية وحنين وبدر. وكذلك مواقعه في المدينة المنورة. ومواقع غزواته. وتواجده في أريافها ثم طريقه صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وإلى تبوك، وتواجده فيهما لإعطاء المزيد من الإحاطة والإلمام بجهاده الفذ في نشر الدعوة الإسلامية والعمل على التأسي به في ذلك ) ا هـ. كما دعا الدكتور فاروق أخضر في مقاله المنشور في جريدة الجزيرة بعددها رقم 3354 وتاريخ 13\1\1402 هـ إلى تطوير الأماكن الأثرية في المملكة لزيارتها من قبل المسلمين بصفة مستمرة، لضمان الدخل بزعمه بعد نفاذ البترول - ومما استدل به: ( أن السياحة الدينية في المسيحية في الفاتيكان تعتبر أحد الدخول الرئيسية للاقتصاد الإيطالي، وأن إسرائيل قد قامت ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا على اعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس ) كما أشار إلى أنها ستؤدي من الفوائد أيضًا: ( في تثبيت العلم بالإسلام عند الأطفال المسلمين... إلخ ). ونظرا لما يؤدي إليه إحياء الآثار المتعلقة بالدين من مخاطر تمس العقيدة أحببت إيضاح الحق وتأييد ماكتبه أهل العلم في ذلك والتعاون معهم على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وكشف الشبهة وإيضاح الحجة.
    فأقول:
    إن العناية بالآثار على الوجه الذي ذكر يؤدي إلى الشرك بالله جل وعلا؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها. والشرك بالله أنواعه كثيرة غالب الناس لا يدركها. والذي يقف عند هذه الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة يتضح له كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويصلي عندها ويدعو من نسبت إليه ظنًّا منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه ولحصول الشفاعة. وكشف الكربة. ويعين على هذا كثرة دعاة الضلال الذين تربت الوثنية في نفوسهم والذين يستغلون مثل هذه الآثار لتضليل الناس وتزيين زيارتها لهم حتى يحصل بسبب ذلك على بعض الكسب المادي، وليس هناك غالبًا من يخبر زوارها بأن المقصود العبرة فقط بل الغالب العكس. ويشاهد العاقل ذلك واضحًا في بعض البلاد التي بليت بالتعلق بالأضرحة وأصبحوا يعبدونها من دون الله، ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة باسم أن أهلها أولياء فكيف إذا قيل لهم إن هذه آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما أن الشيطان لا يفتر في تحين الأوقات المناسبة لإضلال الناس. قال الله تعالى عن الشيطان إنه قال:
    قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُم ْ أَجْمَعِينَ
    (82)
    إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ

    وقال أيضًا سبحانه عن عدو الله الشيطان:
    قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
    (16)
    ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ
    وقد أغوى آدم فأخرجه من الجنة مع أن الله سبحانه وتعالى حذره منه وبين له أنه عدوه كما
    قال تعالى في سورة طه:
    وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
    (121)
    ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى

    ومن ذلك قصة بني إسرائيل مع السامري حينما وضع لهم من حليهم عجلاً ليعبدوه من دون الله فزين لهم الشيطان عبادته مع ظهور بطلانها. وثبت في جامع الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة لتركبن سنن من كان قبلكم . شبه قولهم اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط بقول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. فدل ذلك على أن الاعتبار بالمعاني والمقاصد لا بمجرد الألفاظ. ولعظم جريمة الشرك وخطره في إحباط العمل نرى الخليل عليه السلام يدعو الله له ولبنيه السلامة منه. قال الله تعالى:
    وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ
    (35)
    رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
    الآية. فإذا خافه الأنبياء والرسل - وهم أشرف الخلق وأعلمهم بالله وأتقاهم له - فغيرهم أولى وأحرى بأن يخاف عليه ذلك ويجب تحذيره منه كما يجب سد الذرائع الموصلة إليه.
    ومهما عمل أهل الحق من احتياط أو تحفظ فلن يحول ذلك بين الجهال وبين المفاسد المترتبة على تعظيم الآثار؛ لأن الناس يختلفون من حيث الفهم
    والتأثر والبحث عن الحق اختلافًا كثيرًا، ولذلك عبد قوم نوح عليه السلام - ودًا - وسواعًا - ويغوث - ويعوق - ونسرا. مع أن الأصل في تصويرهم هو التذكير بأعمالهم الصالحة للتأسي والاقتداء بهم لا للغلو فيهم وعبادتهم من دون الله ولكن الشيطان أنسى من جاء بعد من صورهم هذا المقصد وزين لهم عبادتهم من دون الله وكان ذلك هو سبب الشرك في بني آدم - روى ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى
    وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
    . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم؛ ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.
    أما التمثيل بما فعله اليهود والنصارى، فإن الله جل وعلا أمر بالحذر من طريقهم؛ لأنه طريق ضلال وهلاك ولا يجوز التشبه بهم في أعمالهم المخالفة لشرعنا، وهم معروفون بالضلال واتباع الهوى والتحريف لما جاء به أنبياؤهم. فلهذا ولغيره من أعمالهم الضالة نهينا عن التشبه بهم وسلوك طريقهم. والحاصل أن المفاسد التي ستنشأ عن الاعتناء بالآثار وإحيائها محققة ولا يحصى كميتها وأنواعها وغاياتها إلا الله سبحانه، فوجب منع إحيائها وسد الذرائع إلى ذلك. ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أعلم الناس بدين الله وأحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكملهم نصحًا لله ولعباده ولم يحيوا هذه الآثار ولم يعظموها ولم يدعوا إلى إحيائها بل لما رأى عمر رضي الله عنه بعض الناس يذهب إلى الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها أمر بقطعها
    ؛ خوفًا على الناس من الغلو فيها والشرك بها. فشكر له المسلمون ذلك وعدوه من مناقبه رضي الله عنه. ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمرًا مشروعًا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وبعد الهجرة أو أمر بذلك أو فعله أصحابه أو أرشدوا إليه. وسبق أنهم أعلم الناس بشريعة الله وأحبهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وأنصحهم لله ولعباده ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ولا عنهم أنهم زاروا غار حراء حين كانوا بمكة أو غار ثور، ولم يفعلوا ذلك أيضًا حين عمرة القضاء، ولا عام الفتح ولا في حجة الوداع ولم يعرجوا على موضع خيمتي أم معبد ولا محل شجرة البيعة فعلم أن زيارتها وتمهيد الطرق إليها أمر مبتدع لا أصل له في شرع الله. وهو من أعظم الوسائل إلى الشرك الأكبر. ولما كان البناء على القبور واتخاذ مساجد عليها من أعظم وسائل الشرك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولعن اليهود والنصارى على اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد وأخبر عمن يفعل ذلك أنهم شرار الخلق. وقال فيما ثبت عنه في صحيح مسلم رحمه الله عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك . وفي صحيح مسلم أيضًا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه. وأن يبنى عليه زاد الترمذي بإسناد صحيح وأن يكتب عليه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وقد دلت الشريعة الإسلامية الكاملة على وجوب سد الذرائع القولية والفعلية، واحتج العلماء على ذلك بأدلة لا تحصى كثرة، وذكر منها العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه: إعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلاً كلها تدل على وجوب سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي، وذكر منها قول الله تعالى:
    وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ
    الآية.
    وقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس سدًّا لذريعة عبادة الشمس من دون الله.
    ومنعًا للتشبه بمن فعل ذلك. كما ذكر منها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجدَ وعن الصلاة إليها وعندها وعن إيقاد المصابيح عليها وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدًا وعن شد الرحال إليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا والإشراك بها وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًّا للذريعة.
    فالواجب على علماء المسلمين وعلى ولاة أمرهم أن يسلكوا مسلك نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في هذا الباب وغيره، وأن ينهوا عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يسدوا الذرائع والوسائل المفضية إلى الشرك والمعاصي والغلو في الأنبياء والأولياء حماية لجناب التوحيد وسدًّا لطرق الشرك ووسائله. والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين وأن يفقههم في الدين وأن يوفق علماءهم وولاة أمرهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة وأن يوفق قادة المسلمين لتحكيم شريعة الله والحكم بها في كل شئونهم وأن يسلك بالجميع صراطه المستقيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
    https://www.alifta.gov.sa/Ar/IftaCon...eID=1&BookID=4

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •