أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

    أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
    تفسير ابن كثير
    يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال { فرجعوا إلى أنفسهم} أي بالملامة، فقالوا { إنكم أنتم الظالمون} ،
    أي في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، { ثم نكسوا على رءوسهم} أي ثم أطرقوا في الأرض فقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} ،
    قال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء فقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} ،
    وقال السدي { ثم نكسوا على رءوسهم} أي في الفتنة،
    وقول قتادة أظهر في المعنى لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزاً، ولهذا قالوا له { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فكيف تقول لنا سلوهم إن كانوا ينطقون وأنت تعلم أنها لا تنطق،
    فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك { أفتعبدون من دون اللّه ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم} ؟ أي إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر فلم تعبدونها من دون اللّه؟
    { أف لكم ولما تعبدون من دون اللّه أفلا تعقلون} ؟!
    أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها،
    ولهذا قال تعالى: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} الآية.
    تفسير الجلالين
    { أف } بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتناً وقبحاً { لكم ولما تعبدون من دون الله } أي غيره { أفلا تعقلون } أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة ولا تصلح لها، وإنما يستحقها الله تعالى .
    تفسير الطبري
    وَقَوْله : { أُفّ لَكُمْ } يَقُول : قُبْحًا لَكُمْ وَلِلْآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه , أَفَلَا تَعْقِلُونَ قُبْح مَا تَفْعَلُونَ مِنْ عِبَادَتكُمْ مَا لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع , فَتَتْرُكُوا عِبَادَته , وَتَعْبُدُوا اللَّه الَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَاَلَّذِي بِيَدِهِ النَّفْع وَالضُّرّ ؟وَقَوْله : { أُفّ لَكُمْ } يَقُول : قُبْحًا لَكُمْ وَلِلْآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه , أَفَلَا تَعْقِلُونَ قُبْح مَا تَفْعَلُونَ مِنْ عِبَادَتكُمْ مَا لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع , فَتَتْرُكُوا عِبَادَته , وَتَعْبُدُوا اللَّه الَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَاَلَّذِي بِيَدِهِ النَّفْع وَالضُّرّ ؟'
    تفسير القرطبي
    قوله تعالى { فرجعوا إلى أنفسهم} أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته، المتفطن لصحة حجه خصمه { فقالوا إنكم أنتم الظالمون} أي بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، من لا يرد عن رأسه الفأس. { ثم نكسوا على رؤوسهم} أي عادوا إلى جهلهم وعبادتهم فقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} فـ { قال} قاطعا لما به يهذون، ومفحما لهم فيما يتقولون { أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم. أف لكم} أي النتن لكم { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} . وقيل { نكسوا على رؤوسهم} أي طأطأوا رؤوسهم خجلا من إبراهيم، وفيه نظر؛ لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم، بفتح الكاف بل قال { نكسوا على رؤوسهم} أي ردوا على ما كانوا عليه في أول الأمر وكذا قال ابن عباس، قال : أدركهم الشقاء فعادوا إلى كفرهم. قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} قوله تعالى { قالوا حرقوه} لما انقطعوا بالحجة أخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة وقالوا حرقوه. روي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس؛ أي من باديتها؛ قال ابن عمرو ومجاهد وابن جريج. ويقال : اسمه هيزر فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل : بل قال ملكهم نمرود. { وانصروا آلهتكم} بتحريق إبراهيم لأنه يسبها ويعيبها. وجاء في الخبر : أن نمرود بنى صرحا طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا. قال ابن إسحاق : وجمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن كان الطائر ليمر بجنباتها فيحترق من شدة وهجها. ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا. ويقال : إن إبليس صنع لهم المنجنيق يومئذ. فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق، إلا الثقلين ضجة واحدة : ربنا! إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته. فقال الله تعالى { إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه} فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خُزَّان الماء - وهو في الهواء - فقالوا : يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال : لا حاجة لي إليكم. وأتاه ملك الريح فقال : لو شئت طيرت النار. فقال : لا. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال { اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل} . وروى أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك) قال : ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل؛ فقال : يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال { أما إليك فلا} . فقال جبريل : فاسأل ربك. فقال { حسبي من سؤالي علمه بحالي} . فقال الله تعالى وهو أصدق القائلين { يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}
    قال بعض العلماء : جعل الله فيها بردا يرفع حرها، وحرا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه. قال أبو العالية : ولو لم يقل { بردا وسلاما} لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل { على إبراهيم} لكان بردها باقيا على الأبد. وذكر بعض العلماء : أن الله تعالى أنزل زربية من الجنة فبسطها في الجحيم، وأنزل الله ملائكة : جبريل وميكائيل وملك البرد وملك السلام. وقال علي وابن عباس : لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها تعني. قال السدي : وأمر الله كل عود من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته. وقال كعب وقتادة : لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. فأقام في النار سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار، ثم جاؤوا فإذا هو قائم يصلي. وقال المنهال بن عمرو قال إبراهيم { ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار} .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

    كان إبراهيم -عليه السلام- ذكي الفؤاد، صائب الرأي، ثاقب الفكر، فرأى أن الحجة القولية والبرهان اللفظي لم يعد يجدي معهم، فأراد أن يوقف قومه على صدق دعوته وحقيقتها، علّهم يتوبون إلى رشدهم ويرجعون عن غيّهم، فاستدرجهم إلى مجادلته، واستنزلهم إلى محادثة، فسألهم: ماذا تعبدون؟! فأفاضوا الحديث في شأن أصنامهم، وأطالوا في جوابهم، معزين بعبادتها وقالوا: (نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) [الشعراء:71] أي خاضعين.
    كان إبراهيم ملهمًا في سؤاله، موفقًا في استفساره،
    فهو كالطبيب حاول أن يتحسس الداء ليصف الدواء، وهو يريد أن يوضح بطلان عملهم وإلزامهم الحجة، وحينئذ لا يجدون مناصًا من اتباعه وطاعته، عند ذلك أخذ ينقد زائف آرائهم ويبيّن فاسد اعتقادهم، فقال: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم، أو يسمعونكم أو يبصرونكم، وهل ينفعونكم أو يضرونكم؟! حقًّا إنه كيد الشيطان وما أعظمه، حيث استدرجهم إلى أن يقلدوا آباءهم في الكفر وعبادة الأصنام والشرك بالله، وزين لهم عبادة التماثيل، وما أشد جهلهم حين اعتقدوا أنهم على حق، بل جادلوا من أجل نصرة مذهبهم، وما أوهى ما نطقوا به وما أجابوا به، فقالوا له: (وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) [الأنبياء:53]

    فقد أقروا بأن آلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تملك ضرًّا ولا نفعًا، واعترفوا بأنهم ما عبدوها إلا اقتداءً بأسلافهم، واتباعًا لآبائهم، فكانوا بذلك عن النظر الصحيح نائين، وعن التفكير السليم بعيدين، فقال لهم إبراهيم: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الأنبياء:54] فقالوا له: أتنتقص آلهتنا وتسب أصنامنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟! فقال لهم إبراهيم: بل أنا جاد لا هازل، قد جئتكم بالدين القويم، وأرسلت إليكم بالهدى دين الحق المبين، فإن ربكم المستحق للعبادة هو رب السماوات والأرض ومدبر شؤونهما، أما هذه الأصنام فهي حجارة صماء تنفع ولا تضر، فعليكم أن تجتنبوا عبادتها، واحذروا فتنة الشيطان وإغواءه، وفكروا بعقولكم، وانظروا بأبصاركم لعلكم تهتدون، وقد سبقتكم في عدم عبادتها فلم تضرني شيئًا، ثم أظهر لهم بديع صنع الله الذي يخلق ويهدي ويرزق ويشفي ويميت ويحيي ويغفر الذنوب فقال: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء 77 : 82]
    ولما لم تنفعهم الحجة وأعرضوا عن دعوته ورأى أنهم متعلقون بأوهامهم، متمسكون بعبادة أصنامهم، بيّت الشر لها، وأقسم ليكيدنها حتى يروا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع الأذى عن نفسها فتدرأه عنهم.
    وكان لهم عيد يقيمونه في كل عام، يقضون أيامه خارج المدينة يهرعون إليه بعد أن يضعوا طعامًا كثيرًا في بيت العبادة، حتى إذا ما رجعوا من عيدهم أكلوه فرحين وأقبلوا إليه مغبطين، وقد باركته الآلهة وأضفت عليه الخير، ولما هموا بالذهاب إلى عيدهم طلبوا أن يرافقهم، فأبى وامتنع، وقد عقد العزم على أن يهدم ويكسّر معبوداتهم، وادعى العلة وتظاهر بالمرض والسقم، ولم تكن به علة ولا مرض، ولكنه كان سقيم النفس كاسف البال، ينقطع فؤاده حزنًا على إشراك قومه لأنهم لم يستجيبوا لدعوته.
    ولما كانوا يخشون الداء ويهابون الوباء تولوا عنه ولم يستمسكوا بدعوته، بل أظهروا الرضا عن تخلفه والاقتناع بحجته، وخرجوا إلى عيدهم مسرورين، فلما خلت المدينة منهم ذهب إلى أصنامهم، ودخل إلى بيت عبادتهم، فوجده باحة قد امتلأت بالتماثيل، وانتشرت في أرجائه الأصنام، ورأى الطعام متراكمًا عندها، فخاطبها متهكمًا بها محتقرًا لشأنها: ألا تأكلون؟! فلم يجيبوه، فقال: (مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ)، أي لا تتكلمون، وأنى للحجارة أن تتكلم!! وللخشب المسندة أن تعقل!! بعد ذلك أخذ يلطمها بيده ويركلها برجله، ثم غضب لربه واشتد غضبه، فأخذ فأسًا وأخذ يكسرها ويحطمها، وما زال بها حتى صيّرها حطامًا إلا كبيرهم، فإنه أبقى عليه ليرجعوا إليه ويسألوه عمن انتهك حرمة بيتهم وكسر أصنامهم، حتى إذا استبانوا أنها لا تدافع عن نفسها ممن أرادها بسوء، ثابوا إلى رشدهم ورجعوا عن مكابرتهم.
    تركها حجارة مبعثرة وخشبًا متناثرة وانصرف عنها وهو مطمئن البال قرير العين؛ لاستئصاله جذور الشر وطمسه معالم الشرك، وأقام يرقب ما يبدو منهم، وينتظر أثر فعلته في نفوسهم، وأخذ العدة مما قد يرمونه به أو يجادلونه فيه.
    ولما رجعوا من عيدهم ورأوا ما حل بمعبوداتهم، بهتوا لهول ما رأوا، وسقط في أيديهم عندما وجدوا آلهتهم مهشمة مكسرة، وتساءلوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:59]عند ذلك قال قائلهم: سمعنا فتى يذكر آلهتنا ويعيب عبادتنا ويزدريها ويحتقرها يقال له: إبراهيم، فهو المجترئ عليها والمحطِّم لها، فاعتزموا أن يوقعوا به أشد العقاب لما ارتكب من جرم، وثارت ثائرة القوم ونادوا بأن يأتوا به على أعين الناس ليشهدوا عليه بمقالته، ويروا ما يحل به من القصاص.
    وقد كانت أمنية إبراهيم -عليه السلام- أن يجتمع القوم في صعيدٍ واحد، ليقيم لهم الحجة جميعًا على بطلان ما يعتقدون، ويريهم البرهان على فساد ما هم عليه عاكفون، فلما اجتمعوا ليروا عقابه، وابتدؤوا محاكمته أمام جموع الناس وقالوا له: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ) [الأنبياء:62] فلما سنحت له الفرصة للإجابة جرّهم بأسلوبه الحكيم إلى طريق لم يقصدوه ليلزمهم الحجة، فيرجعوا إلى صوابهم ويتوبوا إلى رشدهم، فقال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء:63] يا لها من حجة دامغة نبهتهم من غفلتهم، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون وقالوا: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)، فتركتموها لا حافظ لها ولا رقيب، ثم أدركتهم الحيرة فأطرقوا برؤوسهم مفكرين ثم قالوا: لقد علمت -يا إبراهيم- أنها لا ترد سؤالاً، ولا تحير صوابًا، فكيف تأمرنا بسؤالها؟! أقروا بعجزها عن الإجابة وعدم قدرتها على أن تصد المعتدين عليها، فأخذ يبكتهم على جهلهم، ويتأفف من ثباتهم على الباطل بعد وضوح الحق، ثم قال لهم: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء66 :67]
    فلما لم تقم لهم حجة عدلوا عن الجدل والمناظرة وعمدوا إلى القوة يسترون بها هزيمتهم، ويخفون بها باطلهم، وقالوا: (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) [الأنبياء:68]
    إن القوم أرادوا إحراقه بالنار ولا ذنب له، إلا أنه قال: ربي الله،
    ولا جرم له إلا أنه حطم أصنامهم وأنكر عبادتهم لأوثانهم،
    ولكن إعلان التوحيد والجهر بدعوة الناس إليه
    يقض مضاجع الطغاة المفسدين، ويكدر صفو عيشهم؛
    لأنه يخلّص الناس من ربقة استعبادهم، وتنكشف به خفايا أراجيفهم، فيحذر الناس الوقوع في شراكهم، وينفضون من حولهم، فيذهب الطغاة، ويُحِدُّ الله -عز وجل- من فسادهم، عند ذلك بدؤوا يفكرون كيف يحرقونه لما في قلوبهم من حقد متأجج، علمًا بأن شرارة تكفي لإحراق مدينة بأكملها، ولكنهم أبوا إلا أن تكون نارًا هائلة، فجمعوا حطبًا كثيرًا، وجعلوا ذلك قربانًا لآلهتهم، وبرًّا بمعبوداتهم، حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت نذرت إن عوفيت لتجمعن حطبًا لحريق إبراهيم. مكثوا مدة يجمعون الحطب حتى ضاق المكان بأكوامه، ثم بنوا حظيرة واسعة أشعلوا النار فيها، فاضطرمت وتأججت واندلع لهيبها واحمرّ حجرها، ثم قيدوا إبراهيم ورموا به فيها وهم له كارهون، ولعذابه مغتبطون فرحون.
    ألقي إبراهيم -عليه السلام- في النار المستعرة وقبله مفعم بالإيمان، وثقته بالله شديدة، وأمله في النجاة وطيد، لذلك لم تزعزعه النكبات، ولم تزلزله الحوادث، ولم ترعه النار، بل أقبل إليها بصدر رحب ونفس مطمئنة، فلما صار في جوف النار، يخفيه دخانها، ويحتويه لهيبها، ويغلب على صوته زفيرها وشهيقها، تأتي قدرة العظيم، فلم تحرق النار إلا الوثاق -أي الحبل الذي كان مربوطًا به- فصار حرًّا طليقًا، حفظه الله وأنقذه من سعيرها، وجعلها عليه بردًا وسلامًا، فلما خبا وانقشع دخانها وسكن أوارها وجدوه معافى سليمًا، ورأوه حرًّا طليقًا، فعجبوا لحاله ودهشوا لنجاته، وانصرفوا عنه ناقمين، وتواروا عن أعين الناس خجلين.
    إنها معجزة الله العظمى التي أنجا الله بها إبراهيم -عليه السلام-، ومع ذلك لم يؤمن بإبراهيم إلا نفر قليل من قومه كتموا إيمانهم عن القوم خوفًا من الطغاة وحذرًا من الموت، ورجع كيد الطغاة المفسدين في نحورهم، وجعلهم الله من الخاسرين.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    6,305

    افتراضي رد: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

    قال ابن عثيمين في نفسيره لسورة الصافات :ـ
    أثنى الله على نبيه إبراهيم ووصفه بوصف عظيم (إذ جاء ربه بقلب سليم) من الشبهات والشهوات خالصا لله قصدا وإرادة وعملا ، وهذا من عناية الله بنبيه .. وفيها بيان لقوة إبراهيم في ذات الله وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم ، حيث أنكر على قومه بقوله (ماذا تعبدون) وهذا استفهام للتوبيخ ، كما وبخهم بقوله (فما ظنكم برب العالمين) إذا عبدتم غيره .. هل تظنونه ناقصا لا يستحق أن يعبد وحده ، أو غافلا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة ، أو أنه يرضى بأن يعبد معه غيره ؟! .. فظنكم ظن خاطئ .. وهذا من سفه هؤلاء القوم وجهلهم .. ثم نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم .. ولأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض وأصل العبادة للنجوم ، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها من باب التورية بالفعل ، فلما نظر فيها قال إني سقيم أي سأسقم وهذه أيضا تورية قولية لأن سقيم اسم فاعل وهو صالح للزمان الحاضر والمستقبل .. فتولى قومه عنه وتركوه إلا حراس الأصنام فمال وانطلق في خفية إلى أصنامهم وكان عندها طعام .. فقال لها (ألا تأكلون) على سبيل الاستهزاء والسخرية فهي لا تعقل ولا تعلم فلا يمكن أن تكون معبودة ، ووضع الطعام عندها من قبلهم دليل على أنها ليست صالحة للألوهية لأن الإله مستغن عن غيره .. فقال لها (مالكم لا تنطقون) استفهام للتحقير وقد خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع .. وفيه دلالة على أن عابديها لم ينصرفوا عنها كلهم بل عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوا لا فائدة منه ... (فراغ عليهم ضربا باليمين) كسرها بقوة بيده اليمنى لأنها هي آلة العمل غالبا وهي أقوى من اليسرىفي الغالب .. فجاؤوا ينتصرون لأصنامهم .. ولكن إبراهيم كان قويا في ذات الله فقال لهم موبخا (أتعبدون ما تنحتون) استفهام للتوبيخ والانكار والاستهزاء بهم .. هل يليق عقلا أن يكون المعبود مصنوعا لعابده ؟!.. لايفعل هذا إلا أسفه السفهاء .. ولكن والعياذ بالله إذا أعمى الله بصيرة الإنسان لا يغنيه بصر العين .. فقد أقام عليهم الحجة والبينة بأنها لاتصلح أن تكون آلهة لأنها : لا تعقل ، لا تنطق ، لا تعرف ما ينفعها ، لا تجلب لنفسها نفعا فلغيرها من باب أولى .. (فأقبلوا) الفاء للترتيب والتعقيب والسببية أي بسبب ما عمل إبراهيم بالآلهة أقبلوا إليه وهذا من شدة انتصارهم لآلهتهم !!.. ثم أنكر على أهل الباطل باطلهم عن طريق العقل (أتعبدون ما تنحتون) كيف تصنعونه ثم تعبدونه ؟! .. أليس الأولى ومن الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم ؟! .. لكن عقولهم منتكسة فصار الأمر بالعكس .. ثم أقام عليهم الدليل على أن الله وحده هو الذي يعبد لأنه الخالق عزوجل (والله خلقكم وما تعملون) .. (فقالوا ابنوا له بنيانا) أي لأجله وليست اللام للتمليك فبنوا بنيانا وملؤوه حطبا (فألقوه) الفاء للمبادرة فأوقدوا لاحراقه نارا عظيمة ورموه بالمنجنيق لبعدهم عنها بسبب شدة حرارتها .. فألقوه في النار ولكن خالق النار قال للنار (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) فلم تكن بردا شديدة البرودة فيهلك ولا حارة .. بل عكس ما أراد أعداؤه فكانت باردة مسلمة .. وما ذكر من أن النار في جميع أقطار الدنيا كانت في تلك اللحظة باردة فضعيف جدا مخالف للقرآن فقوله (يا نار) موجه للمقصود .. نكرة مقصودة أي تلك النار التي خوطبت فقط ، فجعلهم الله الأسفلين وكان العلو لإبراهيم عليهم فخرج منها سالما وأكرمه الله بشيء لم يكن معهودا عند البشر وهو سلامته من النار التي ظنوا أنها ستحرقه !!..

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •