بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    37,096

    افتراضي بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة


    بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
    أنس بن محمد بوابرين
    بسم الله الرحمان الرحيم
    بحث حول قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7}
    المرحلة الأولى :

    مسائل البحث:
    المباحث المتعلقة بعلوم القرآن :
    -أسباب النزول
    - الوقف والإبتداء
    - القراءات :
    - القراءات في قوله تعالى (عليهم أأنذرتهم )
    المسائل التفسيرية :
    - تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} وفيه مسائل:
    -الأولى : معنى الكفر
    - الثانية :مالمقصود بالذين كفروا في الآية ؟
    - الثالثة :علة القول بأن المراد في الآية اليهود
    - الرابعة : المراد بالإستفهام في قوله (أأنذرتهم)
    -تفسير قوله تعالى :(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ) وفيه مسائل :
    -الأولى : الختم على القلوب والأسماع وكيفية الختم عليها
    - الثانية : في معنى الغشاوة
    -الثالثة : في بيان هل الختم والغشاوة على الحقيقة أو المجاز
    المسائل العقدية :
    -الرد على المعتزلة في قولهم ( لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعا من الإيمان)
    -فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه
    - مذهب أهل السنة في خلق أفعال العباد
    - الرد على المعتزلة في تأوبلهم الختم على قلوب الكافرين
    المسائل البلاغية :
    - الإستفهام المراد به الخبر في قوله (أأنذرتهم)
    -حذف متعلق الكفر في قوله (إن الذين كفروا )
    -إطلاق العموم والمراد الخصوص
    -ذكر الإنذار دون البشارة
    -في بيان الفائدة من التعدية ب (على )
    -فائدة الفصل
    -الغرض من تصدير الآية بحرف التوكيد (إن )
    -فائدة جمع القلوب والأبصار وإفراد السمع
    - بيان السر في تقديم الختم على القلوب والأسماع وعكسه في الجاثية
    -فائدة تكرار حرف الجر في قوله( وعلى أبصارهم)
    -سر تقديم السمع على البصر
    المسائل النحوية :
    -قَوْله {سَوَاء عَلَيْهِم} ابْتِدَاء وَمَا بعده من ذكر الْإِنْذَار خَبره وَالْجُمْلَة خبر إِن وَالَّذين اسْم إِن وصلته كفرُوا وَألف أأنذرتهم ألف تَسْوِيَة لِأَنَّهَا أوجبت أَن الْإِنْذَار لمن سبق لَهُ فِي علم الله الشَّقَاء وَتَركه سَوَاء عَلَيْهِم لَا يُؤمنُونَ أبدا ولفظها لفظ الِاسْتِفْهَام وَلذَلِك أَتَت بعْدهَا أم وَيجوز أَن يكون سَوَاء خبر أَن وَمَا بعده مَوضِع رفع بِفِعْلِهِ وَهُوَ سَوَاء وَيجوز أَن يكون خبر إِن لَا يُؤمنُونَ (مشكل إعراب القرآن
    المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) ج 1/76
    -قَوْله {وَمَا هم بمؤمنين} هم اسْم مَا ومؤمنين الْخَبَر وَالْبَاء زَائِدَة دخلت عِنْد الْبَصرِيين لتأكيد النَّفْي وَهِي عِنْد الْكُوفِيّين دخلت جَوَابا لمن قَالَ إِن زيدا لمنطلق فَمَا بازاء أَن وَالْبَاء بازاء اللَّام إِذْ اللَّام لتأكيد الْإِيجَاب وَالْبَاء لتأكيد النَّفْي (مشكل إعراب القرآن
    المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) ج 1/77
    -( ويحتمل عندي أن تكون اسماً وضع موضع مصدر من معنى ختم، لأن معنى ختم غشي وستر، كأنه قيل تغشية على سبيل التأكيد، وتكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة. وقال أبو علي: وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن يحمله على ختم الظاهر فيعرض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم فيجيء الكلام من باب:
    متقلداً سيفاً ورمحاً
    وقول الآخر:
    علفتها تبناً وماء باردا
    ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. انتهى كلام أبي علي، رحمه الله تعالى.)الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط «هو إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت 745 هـ)»المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد ج1ص33
    المسائل الصرفية :
    -غشاوة : وتصحح الواو لأن الكلمة بنيت على تاء التأنيث، كما صححوا اشتقاقه الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط «هو إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت 745 هـ)»المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد ج1ص33
    المرحلة الأولى
    [color="rgb(0, 100, 0)"]تصنيف أقوال العلماء في تفسير قول الله تعالى{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7}

    المباحث المتعلقة بعلوم القرآن :
    -أسباب النزول
    نزول قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)}
    قالَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الوَاحِدِيُّ (ت: 468هـ): (قوله تعالى: {إِنَ الَّذينَ كَفَروا}
    قال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته
    وقال الكلبي: يعني اليهود). [أسباب النزول: 19]
    قال أحمدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}
    تقدم قول مجاهد إنها والتي بعدها نزلتا في الكافرين وقال الضحاك نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته وقال الكلبي نزلت في اليهود
    قلت ونقله شيخ شيوخنا أبو حيان عن الضحاك ثم قال وقيل نزلت في أهل القليب قليب بدر منهم أبو جهل وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة كذا حكاه أبو حيان ولم ينسبه لقائل وأقره وفيه خطأ لأن الوليد بن المغيرة مات بمكة قبل الهجرة وعقبة بن أبي معيط إنما قتل بعد رحيل المسلمين من بدر راجعين إلى المدينة قتل بأمر النبي بالصفراء باتفاق أهل العلم بالمغازي وقال أبو العالية نزلت في قادة الأحزاب وهم الذين قال الله تعالى فيهم ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار وقال غيره أ نزلت في مشركي العرب من قريش وغيرهم
    ويوافق قول الكلبي ما أورده ابن إسحاق عن ابن عباس بالسند المذكور في المقدمة قال إن الذين كفروا بما أنزل إليك وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا من قبلك سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لأنهم كفروا بما جاءك وبما عندهم من ذكرك مما جاءهم به غيرك فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا وقد كفروا بما عندهم من علمك
    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس كان رسول الله يحرص أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى فأخبره الله تعالى إنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة. انتهى.
    وحاصله أنها خاصة بمن قدر الله تعالى أنه لا يؤمن). [العجاب في بيان الأسباب: 1/229-232]
    قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911هـ): (قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(ك) وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن محمد بن عكرمة عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله: {إن الذين كفروا} الآيتين، أنهما نزلتا في يهود المدينة (ك) وأخرج عن الربيع بن أنس قال: آيتان نزلتا في قادة الأحزاب {إن الذين كفروا سواء عليهم} إلى قوله: {ولهم عذاب عظيم}). [لباب النقول: 11]
    - الوقف والإبتداء
    قَالَ أبو بكر محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بشَّار ابن الأَنباريِّ (ت:328هـ): ( والوقف على (إن) قبيح، وعلى (الذين) قبيح لأن (كفروا) صلة (الذين)، والصلة والموصول بمنزلة حرف واحد. والوقف على (كفروا) قبيح لأن (سواء) خبر (إن). والوقف على (سواء) قبيح لأن قوله: (أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) متعلق بـ(سواء).
    والوقف على (أأنذرتهم) قبيح لأن (أم) نسق على الفعل الأول وهما بمنزلة حرف واحد. والوقف على (أم لم تنذرهم) قبيح لأن قوله: (لا يؤمنون) فيه المعنى والفائدة. والوقف على (يؤمنون) حسن وليس بتام لأن قوله: {ختم الله على قلوبهم} [7] متعلق بالأول من جهة المعنى. قال أبو بكر: هذا إذا أضمرت مع (ختم) «قد» وجعلته حالاً للضمير الذي في (يؤمنون) وتقديره: «خاتمًا الله على قلوبهم» فإن جعلته استئناف دعاء عليهم ولم تنو الحال كان الوقف على (يؤمنون) تامًا. والوقف على (ختم الله) قبيح لأن (على) صلة (ختم)، والوقف على (قلوبهم) حسن وليس بتام لأن قوله: (وعلى سمعهم) نسق على قوله: (وعلى قلوبهم) والوقف على (سمعهم) حسن لأن قوله: (وعلى أبصارهم غشاوة) ابتداء، و«الغشاوة» مرفوعة بـ(على).
    156- وروى المفضل عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) ففي نصب «الغشاوة» وجهان: إن شئت نصبتها بـ«ختم» على معنى: «ختم عليها غشاوة». وإن شئت نصبتها بإضمار «وجعل على أبصارهم غشاوة»، فإذا نصبتها بفعل مضمر كان الوقف على (أبصارهم) أحسن منه إذا نصبت «الغشاوة» بـ«ختم» والوقف على «الغشاوة» حسن.
    والوقف على قوله: (ولهم عذاب عظيم) تام.
    والوقف على قوله: {ومن الناس} [8] قبيح لأن (من يقول) مرفوعة بـ(من)، والوقف على (من) قبيح، لأن (يقول) صلة (من)، والوقف على (يقول) قبيح لأن (آمنا بالله) كلام محكي، و(يقول) حكاية، فلا يتم الوقف على الحكاية دون المحكي.
    والوقف على قوله: (وما هم بمؤمنين) حسن وليس بتام لأن قوله: {يخادعون الله} [9] في موضع نصب على من (هم)، كأنه قال: «مخادعين الله».
    والوقف على قوله: (والذين آمنوا) حسن.
    والوقف على قوله: (وما يخدعون) قبيح لأن (ما) جحد و(إلا) محققة فلا يحسن الوقف قبلها، والوقف على قوله: (إلا أنفسهم) حسن.
    والوقف على قوله: (وما يشعرون) حسن.
    والوقف على قوله: {في قلوبهم مرض} [10] حسن. والوقف على (قلوبهم) قبيح لأن «المرض» مرفوع بـ(في)، والمرفوع مضطر إلى الرافع. والوقف على قوله (مرضًا) حسن. والوقف على قوله: (أليم) قبيح لأن (ما) صلة لقوله: (ولهم)، والصلة متعلقة بالموصول والوقف على (كانوا) قبيح لأن خبر «كان» ما عاد من (يكذبون). والوقف على (يكذبون) حسن).
    [إيضاح الوقف والابتداء: 1/493-197]
    قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ): ({لا يؤمنون} كاف.
    {وعلى سمعهم} كاف، وقيل: تام. وروى
    المفضل عن عاصم {وعلى أبصارهم غشاوةً} بالنصب. فعلى هذا لا يوقف على (سمعهم) لأن (الغشاوة) منصوبة بفعل دل عليه (ختم)، إذ الختم في المعنى (جعل) فكأنه قال: وجعل على أبصارهم غشاوة. والوقف على (غشاوة) كاف على القراءتين، {ولهم عذابٌ عظيم} تام.
    {وما هم بمؤمنين} كاف. (والذين آمنوا) كاف، (إلا أنفسهم) كاف، (وما يشعرون) أكفى منه.
    {في قلوبهم مرض} كاف، أي: شك، {فزادهم الله مرضًا} أكفى منه، (يكذبون) كاف. وقيل: تام، لأنه آخر القصة).
    [المكتفى: 159-160]
    قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِي ُّ (ت:560هـ): ({وعلى سمعهم- 7 –ط} لأن الواو للاستئناف، و {غشاوة} خبره: {على}.
    {غشاوة-7-ز} لأن الجملتين وإن اتفقتا نظمًا، فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات وعيد موعود، والجملة عائدة إلى أول القصة المذكورة، لا إلى هذه الصفة المحصورة.
    {بمؤمنين- 8 –م} لأن {بمؤمنين} منكر، والجملة بعد المنكر
    تتعلق به صفة، فلو وصل صار التقدير: وما هم بمؤمنين مخادعين، فينفي الوصف لا مع الموصوف فينتقض المعنى، فإن المراد نفي الإيمان عنهم، وإثبات الخداع لهم، ولأن النفي إذا دخل على الموصوف
    بصفة ينفي الصفة ويقرر الموصوف، كقوله: ما هو برج لكاذب.
    {آمنوا- 9 – ج} لعطف الجملتين المتفقتين، مع ابتداء النفي {وما يشعرون -9 –ط} للآية، وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.
    {مرض- 10- لا} لأن الفاء للجزاء فكان تأكيدًا لما في قلوبهم. {مرضًا – 10 –ج} لعطف الجملتين المختلفتين).
    [علل الوقوف: 1/179-183]
    قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (قال مجاهد أربع آيات من أول البقرة في صفة المؤمنين والمفلحون آخرها وآيتان في نعت الكفار وعظيم آخرهما
    وفي المنافقين ثلاث عشرة آية كلها متصل بعضها ببعض وقدير آخرها (إنَّ) حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر (الذين) اسمها و(كفروا) صلة وعائد ولا يؤمنون خبر إن وما بينهما جملة معترضة بين اسم إن وخبرها
    فعلى هذا الوقف على لا يؤمنون (تام) وإن جعلت سواء خبر إن كان الوقف عل أم لم تنذرهم تامًا أيضًا لأنك أتيت بإن واسمها وخبرها كأنه قال لا يؤمنون أأنذرتهم أم لم تنذرهم فإن قلت إذا جعلت لا يؤمنون خبر إن فقد عم جميع الكفار وأخبر عنهم على وجه العموم أنهم لا يؤمنون قيل الآية نزلت في قوم بأعيانهم وقيل عامة نزلت في جميع الكفار كأنه سلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن أخبر عنهم أن جميعهم
    لا يؤمنون وإن بذل لهم نصحه ولم يسلم من المنافقين أحد إلاَّ رجلان وكان مغموصًا عليهما في دينهما أحدهما أبو سفيان والثاني الحكم بن العاصي وإن جعلت سواء مبتدأ وأنذرتهم وما بعده في قوة التأويل بمفرد خبرًا والتقدير سواء عليهم الإنذار وعدمه كان كافيًا
    (أأنذرتهم) ليس بوقف لأنَّ أم لم تنذرهم عطف عليه لأنَّ ما قبل أم المتصلة وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر وهما بمنزلة حرف واحد وقيل الوقف على تنذرهم ثم يبتدئ هم لا يؤمنون على أنها جملة من مبتدأ وخبر وهذا ينبغي أن يرد ولا يلتفت إليه وإن كان قد نقله الهذلي في الوقف والابتداء ومفعول أأنذرتهم الثاني محذوف تقديره العذاب على كفرهم وإن لم تجعل لا يؤمنون خبر إن كان الوقف على أم لم تنذرهم ويكون ختم حالاً متعلقًا بلا يؤمنون أي لا يؤمنون خاتمًا الله على قلوبهم قاله العماني أي لأنَّ ختم متعلق بالأول من جهة المعنى وإن جعلته استئنافًا فادعاء عليهم ولم تنو الحال كان الوقف على لا يؤمنون تامًا
    على قلوبهم (صالح) إن قدرت الختم على القلوب خاصة وإن قدرته بمعنى وختم على سمعهم أيضًا لم يكن على قلوبهم وقفًا لأنَّ الثاني معطوف على الأول (فإن قيل) إذا كان الثاني معطوفًا على الأول فلم أعيد حرف الجر (فالجواب) إن إعادة الحرف لمعنى المبالغة في الوعيد أو أنَّ المعنى وختم على سمعهم فحذف الفعل وقام الحرف مقامه
    وعلى سمعهم (تام) إن رفعت غشاوة بالابتداء أو بالظرف أي ترفع غشاوة بالفعل المضمر قبل الظرف لأنَّ الظرف لابد له أن يتعلق بفعل إما ظاهر أو مضمر فإذا قلت في الدار كأنك قلت استقر في الدار زيد وقال الأخفش والفراء إن معنى الختم قد انقطع ثم استأنف فقال وعلى أبصارهم غشاوة وكرر لفظ على ليشعر بتغاير الختمين وهو إن ختم القلوب غير ختم الأسماع وقد فرق النحويون بين مررت بزيد وعمرو وبين مررت بزيد وبعمرو فقالوا في الأول وهو مرور واحد وفي الثاني هما مروران وقرأ عاصم وأبو رجاء العطاردي غشاوة بالنصب بفعل مضمر أي وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يرون الحق فحذف الفعل لأنَّ ما قبله يدل عليه كقوله
    يا ليت زوجك قد غدا = متقلدًا سيفًا ورمحًا
    أي وحاملاً رمحًا لأنَّ التقليد لا يقع على الرمح كما أنَّ الختم لا يقع على العين وعلى هذا يسوغ الوقف على سمعهم أو على إسقاط حرف الجر ويكون وعلى أبصارهم معطوفًا على ما قبله أي ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم بغشاوة فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إليه فانتصب كقوله
    تمرون الديار فلم تعوجوا = كلامكموا عليّ إذًا حرام
    أي تمرون بالديار وقال الفراء أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه
    علفتها تبنًا وماءً باردا = حتى غدت همالة عيناها
    فعلى هذا لا يوقف على سمعهم لتعلق آخر الكلام بأوله وقال آخر
    إذا ما الغانيات برزن يومًا = وزججن الحواجب والعيونا
    والعيون لا تزجج وإنما تكحل أراد وكحلن العيون فجوازًا إضمار الفعل الثاني وإعماله مع الإضمار في الأبيات
    المذكورة لدلالة الفعل الأول عليه
    غشاوة (حسن) سواءً قرأ غشاوة بالرفع أو بالنصب
    - القراءات :

    - القراءات في قوله تعالى (عليهم أأنذرتهم ) و (أبصارهم )
    قال الفخر الرازي : (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ: أَأَنْذَرْتَهُم ْ سِتُّ قِرَاءَاتٍ: إِمَّا بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، أَوْ لَا أَلِفَ بَيْنَهُمَا، أَوْ بِأَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ الْأُولَى قَوِيَّةً وَالثَّانِيَةُ بَيْنَ بَيْنَ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، أَوْ لَا أَلِفَ بَيْنَهُمَا وَبِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَبِحَذْفِهِ وَإِلْقَاءِ حَرَكَتِهِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهُ كَمَا قُرِئَ «قَدْ أَفْلَحَ» فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقْلِبُ الثَّانِيَةَ أَلِفًا؟ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : هُوَ لَاحِنٌ خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.)ج2 ص286
    قلت : قرأ قالون وأيو عمرو وهشام بأحد الأوجه الثلاثة ،وأبو جعفر بتسهيل الهمزة الثانية وإدخال ألف بينهما ، وافقه اليزيدي. وقرأ الأصبهاني وابن كثير ورويس بتسهيل الثانية من غير ادخال ، وهو أحد الوجهين عن الأزرق والثاني له إبدالها ألفا خالصة ، مع المد المشبع ، للساكنين ولهشام ثلاثة أوجه : التسهيل مع الإدخال ، وقد تقدم . والتحقيق مع الإدخال وعدمه ، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين بلا إدخال ، وإذا وقف حمزة على (عليهم أأنذرتهم) فله في ذلك السكت على الميم وعدمله ، مع تسهيل الهمزة الثانية وتحقيقها ، وإذا وقف على (أأنذرتهم أم لم ) فإنه يقف بالسكت على الميم وعدمه ، وافق الأعمش حمزة في باب الوقف على الهمز مطلقا .

    قال الزمخشري :( وقرئ: (أَأَنْذَرتهم) بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر، وبتخفيف الثانية بين بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرئ (قَدْ أَفْلَحَ) .
    فإن قلت: ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟ قلت: هو لاحن خارج عن كلام العرب خروجين: أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حدّه- وحدّه أن يكون الأوّل حرف لين والثاني حرفا مدغماً نحو قوله: الضالين، وخويصة «1» والثاني: إخطاء طريق التخفيف لأن طريق تخفيف الهمزة المتحرّكة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفاً فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس. والإنذار: التخويف من عقاب اللَّه بالزجر عن المعاصي. فإن قلت: ما موقع لا يُؤْمِنُونَ؟ قلت: إمّا أن يكون جملة مؤكدة للجملة قبلها، أو خبراً لإنّ والجملة قبلها اعتراض.)الكشاف ج1ص48
    قلت :وطعن الزمخشري في قراءة نافع برواية ورش من طريق الأزرق بإبدال الألف الثانية ، لايلتفت إليه لأن القراءة متواترة صحيحة ، والقراءات حاكمة على اللغة شاهدة عليها وليس العكس .
    قال الألوسي :
    (وقد قرىء بإمالة: «أبصارهم» ووجه الإمالة- مع أن الصاد حرف مستعل وهو مناف لها لاقتضائها لتسفل الصوت- مناسبة الكسرة واعتبرت على الراء دون غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق، والمشهور عند أهل العربية أن ذلك لقوة الراء لتكرره على اللسان في النطق به فإنه يرتعد ويظهر ذلك إذا شدد أو وقف عليه فكسرته بمنزلة كسرتين فقوي السبب حتى أزال المانع، ولعل مرادهم أنه متكرر طبعا كما يدركه الوجدان إلا أنه يجب المحافظة لئلا يقع التقرير فإنه مضر في الأداء حتى سمعت من بعض الشافعية: أن من كرر الراء في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته والعهدة على الراوي ) روح المعاني (1/135)
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    37,096

    افتراضي رد: بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة


    بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
    أنس بن محمد بوابرين


    المسائل التفسيرية :
    - تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} وفيه مسائل:

    -الأولى : معنى الكفر
    وأمّا معنى الكفر في قوله: {إنّ الّذين كفروا} فإنّه الجحود؛ وذلك أنّ الأحبار من يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وستروه عن النّاس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
    وأصل الكفر عند العرب تغطية الشّيء ولذلك سمّوا اللّيل كافرًا لتغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشّاعر:
    فتذكّرا ثقلاً رثيدًا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر
    وقال لبيد بن ربيعة:
    في ليلةٍ كفر النّجوم غمامها
    يعني غطّاها.
    فكذلك الأحبار من اليهود غطّوا أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وكتموه النّاس مع علمهم بنبوّته ووجودهم صفته في كتبهم. فقال اللّه جلّ ثناؤه فيهم: {إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون} وهم الّذين أنزل اللّه عزّ وجلّ فيهم: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}). [جامع البيان: 1/ 258 -262]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
    معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة:

    في ليلة كفر النجوم غمامها

    أي سترها ومنه سمي الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده، قال الشاعر: [ثعلبة بن صغيرة]:

    فتذكر ثقلا رثيدا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر

    ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، فــــ «كفر» في الدين معناه غطى قلبه بالرّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله.
    واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها.
    فقال قوم: «هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد».
    وقال ابن عباس: «نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم»، وقال الربيع بن أنس: «نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر».
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية.
    وقوله: {سواءٌ عليهم} معناه معتدل عندهم، ومنه قول الشاعر: [أعشى قيس]:

    وليل يقول الناس من ظلماته ....... سواء صحيحات العيون وعورها

    - الثانية :مالمقصود بالذين كفروا في الآية ؟
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا}
    اختلف أهل التّأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؛ فكان ابن عبّاسٍ يقول، كما حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك من ربّك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما قد جاءنا من قبلك ».
    فكان ابن عبّاسٍ يرى أنّ هذه الآية نزلت في اليهود الّذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توبيخًا لهم في جحودهم نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكذيبهم به، مع علمهم به ومعرفتهم بأنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم وإلى النّاس كافّةً.
    - وقد حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ صدر، سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجالٍ سمّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود، ومن المنافقين من الأوس والخروج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم.
    وقد روي عن ابن عبّاسٍ في تأويل ذلك قولٌ آخر.
    - وهو ما حدّثنا به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنى معاويه بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على أن يؤمن جميع النّاس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره اللّه جلّ ثناؤه أنّه لا يؤمن إلاّ من سبق من اللّه السّعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلاّ من سبق له من اللّه الشّقاء في الذّكر الأوّل».
    - وقال آخرون بما حدّثت به، عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال:«آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، إلى قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ} قال: وهم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار} قال: فهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ».
    وأولى هذه التّأويلات بالآية تأويل ابن عبّاسٍ الّذي ذكره محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ عنه؛ وإن كان لكلّ قولٍ ممّا قاله الّذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهبٌ.
    فأمّا مذهب من تأوّل في ذلك ما قاله الرّبيع بن أنسٍ، فهو أنّ اللّه تعالى ذكره لمّا أخبر عن قومٍ من أهل الكفر بأنّهم لا يؤمنون، وأنّ الإنذار غير نافعهم، ثمّ كان من الكفّار من قد نفعه اللّه بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه لإيمانه باللّه وبالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من عند اللّه بعد نزول هذه السّورة؛ لم يجز أن تكون الآية نزلت إلاّ في خاصٍّ من الكفّار. وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الأحزاب لا شكّ أنّهم ممّن لم ينفعه اللّه عزّ وجلّ بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه حتّى قتلهم اللّه تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ، علم أنّهم ممّن عنى اللّه جلّ ثناؤه بهذه الآية. - الثالثة :علة القول بأن المراد في الآية اليهود
    وأمّا علّتنا في اختيارنا ما اخترنا من التّأويل في ذلك، فهي أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم وذمّ أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإنّ الجنس يجمع جميعهم بأنّهم بنو إسرائيل.
    وإنّما احتجّ اللّه جلّ ثناؤه بأوّل هذه السّورة لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الّذين كانوا مع علمهم بنبوّته منكرين نبوّته بإظهار نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانت تسرّه الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أنّ الّذي أطلعه على علم ذلك هو الّذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام، إذ كان ذلك من الأمور الّتي لم يكن محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيمكنهم ادّعاء اللّبس في أمره عليه الصّلاة والسّلام أنّه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند اللّه، وأنّى يمكنهم ادّعاء اللّبس في صدق أمّيٍّ نشأ بين أمّيّين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجّم، وانبعث على أخبار قرّاءٍ كتبةٍ، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم الّتي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إنّ أمر من كان كذلك لغير مشكلٍ، وإنّ صدقه والحمد للّه لبيّنٌ.
    وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا من أنّ الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هم أحبار اليهود الّذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتصّ من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم} الآيات، واحتجاجه لنبيّه عليهم بما احتجّ به عليهم فيها عند جحودهم نبوّته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مؤمني أهل الكتاب وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطًا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعضٍ تبعٌ، إلاّ أن تأتي دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عمّا ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفًا حينئذٍ انصرافه عنه.}
    يقول الطاهر بن عاشور: {وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ (الَّذِينَ كَفَرُوا) الْمَذْكُورِينَ هُنَا هُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ مَأْيُوسٌ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَالْإِتْيَانُ فِي ذِكْرِهِمْ بِالتَّعْرِيفِ بِالْمَوْصُولِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ مُرَادًا مِنْهُ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَزُعَمَاءِ الْعِنَادِ دُونَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا فِي أَيَّامِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ مَنْ آمَنَ بَعْدُ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِغْرَاق ِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكُفْرِ أَبْلَغُ أَنْوَاعِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عَامًّا مَخْصُوصًا بِالْحِسِّ لِمُشَاهَدَةِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَوْ يَكُونُ عَامًّا مُرَادًا بِهِ الْخُصُوصُ بِالْقَرِينَةِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا اللَّذَانِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُمَا نَاظِرَانِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ.
    وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى مَعْنَى الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشَّقَاءِ وَنَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يُونُس: 96] وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَنْظِيرِهِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ حَمَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَبِي رَافِعٍ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ سِوَى الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِي نَ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْرَاضٌ عَنِ السِّيَاقِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ذِكْرُ مَنْ حُرِمَ مِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ حَصَلَ لَهُمُ الِاهْتِدَاءُ بِهِ، وأيّا مَا مَا كَانَ فَالْمَعْنَى عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ فَرِيقًا خَاصًّا مِنَ الْكُفَّارِ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ اهْتِدَائِهِمْ بِالْقُرْآنِ كَانَ لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِم ْ لَا لِنَقْصٍ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْخَيْرِ وَهَدْيِهِ إِلَيْهِ. وَالْكُفْرُ بِالضَّمِّ: إِخْفَاءُ النِّعْمَةِ، وَبِالْفَتْحِ: السَّتْرُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ كَفَرَ إِذَا سَتَرَ.
    وَلَمَّا كَانَ إِنْكَارُ الْخَالِقِ أَوْ إِنْكَارُ كَمَالِهِ أَوْ إِنْكَارُ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ ضَرْبًا مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَتِهِ عَلَىجَاحِدِهَا ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُفْرِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ إِنْكَارُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ وَتَنَاقَلَتْهُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ الصَّحِيحَةِ الْمَاضِيَةِ حَتَّى عَلِمَهُ الْبَشَرُ وَتَوَجَّهَتْ عُقُولُهُمْ إِلَى الْبَحْثِ عَنْهُ وَنُصِبَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ كَوَحْدَانِيَّة ِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُودِهِ وَلِذَلِكَ عُدَّ أَهْلُ الشِّرْكِ فِيمَا بَيْنَ الْفَتْرَةِ كُفَّارًا. وَإِنْكَارُ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ وَدَعَوْتُهُ إِلَيْهِ وَعَدُّهُ فِي أُصُولِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْمُكَابَرَةِ فِي الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ وَلَوْ مَعَ اعْتِقَادِ صِدْقِهِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْإِنْكَارِ دُونَ التَّكْذِيبِ. وَيَلْحَقُ بِالْكُفْرِ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ
    فعل لَا يجترىء عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِحَيْثُ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِ فَاعِلِهِ بِالْإِيمَانِ وَعَلَى إِضْمَارِهِ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ وَتَوَسُّلِهِ بِذَلِكَ إِلَى نَقْضِ أُصُولِهِ وَإِهَانَتِهِ بِوَجْهٍ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الظَّاهِرَ وَفِي هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ مَجَالٌ لِاجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ وَفَتَاوَى أَسَاطِينِ الْعُلَمَاءِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا بِحَسَبِ مَبْلَغِ دَلَالَةِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى طَعْنٍ أَوْ شَكٍّ. وَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَعْمَالَ أَوْ بَعْضَهَا الْمُعَيَّنَ فِي الْإِيمَانِ اعْتَبَرَ فَقْدَهَا أَوْ فَقْدَ بَعْضِهَا الْمُعَيَّنَ فِي الْكُفْرِ.
    قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِي ُّ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ هُوَ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ فَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى، الثَّانِي أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ أَجْمَعَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
    وَنَقَلَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي «الْفَائِقِ» عَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الْقُرَافِيُّ فِي الْفِرَقِ 241 أَصْلُ الْكُفْرِ هُوَ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيَكُونُ بِالْجَهْلِ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ أَوْ بِالْجُرْأَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَجَالُ الصَّعْبُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ. }التحرير والتنوير ج1ص294
    - الثالثة :علة القول بأن المراد في الآية اليهود

    وأمّا علّتنا في اختيارنا ما اخترنا من التّأويل في ذلك، فهي أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم وذمّ أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإنّ الجنس يجمع جميعهم بأنّهم بنو إسرائيل.
    وإنّما احتجّ اللّه جلّ ثناؤه بأوّل هذه السّورة لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الّذين كانوا مع علمهم بنبوّته منكرين نبوّته بإظهار نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانت تسرّه الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أنّ الّذي أطلعه على علم ذلك هو الّذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام، إذ كان ذلك من الأمور الّتي لم يكن محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيمكنهم ادّعاء اللّبس في أمره عليه الصّلاة والسّلام أنّه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند اللّه، وأنّى يمكنهم ادّعاء اللّبس في صدق أمّيٍّ نشأ بين أمّيّين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجّم، وانبعث على أخبار قرّاءٍ كتبةٍ، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم الّتي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إنّ أمر من كان كذلك لغير مشكلٍ، وإنّ صدقه والحمد للّه لبيّنٌ.
    وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا من أنّ الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هم أحبار اليهود الّذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتصّ من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم} الآيات، واحتجاجه لنبيّه عليهم بما احتجّ به عليهم فيها عند جحودهم نبوّته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مؤمني أهل الكتاب وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطًا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعضٍ تبعٌ، إلاّ أن تأتي دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عمّا ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفًا حينئذٍ انصرافه عنه. [جامع البيان: 1/ 263 -265]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
    قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}
    - حدّثني أبي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالحٍ المصريّ، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، حدّثني عبيد اللّه بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد اللّه بن عمرٍو، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
    قيل يا رسول اللّه إنّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نأيس. فقال: « ألا أخبركم؟» ، ثمّ قال: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هؤلاء أهل النّار»،قالوا: لسنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: « أجل».
    - حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ:«{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما جاءنا قبلك، {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك».
    - حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع ابن أنسٍ، عن أبي العالية قال: « آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: هم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمت اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار}».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 40]

    قال أبو علي: في اللفظة أربع لغات: سوى بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك.
    ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا: «قي، وقواء»، وسواءٌ رفع على خبر إنّ، أو رفع على الابتداء وخبره فيما بعده، والجملة خبر إنّ، ويصح أن يكون خبر إنّ لا يؤمنون.
    وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع: «آنذرتهم» بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مد أبي عمرو أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفا، وابن كثير لا يفعل ذلك.
    وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية، وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر: فبالهمزتين «أأنذرتهم»، وما كان مثله في كل القرآن.
    وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما.
    وقرأ الزهري وابن محيصن «أنذرتهم» بحذف الهمزة الأولى، وتدل أم على الألف المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين.
    قال الله عز وجل: {فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود} [فصلت: 13]، وقال: {إنّا أنذرناكم عذاباً قريباً} [النساء: 40] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه.
    وقوله تعالى: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبرا سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهما أخرج زيد أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهاما). [المحرر الوجيز: 1/ 110-112]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
    يقول تعالى: {إنّ الّذين كفروا} أي: غطوا الحقّ وستروه، وقد كتب اللّه تعالى عليهم ذلك، سواءٌ عليهم إنذارك وعدمه، فإنّهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: {إنّ الّذين حقّت عليهم كلمة ربّك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كلّ آيةٍ حتّى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97]، وقال في حقّ المعاندين من أهل الكتاب: {ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قبلتك} الآية [البقرة: 145] أي: إنّ من كتب اللّه عليه الشّقاوة فلا مسعد له، ومن أضلّه فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وبلّغهم الرّسالة، فمن استجاب لك فله الحظّ الأوفر، ومن تولّى فلا تحزن عليهم ولا يهمدنّك ذلك؛ {فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرّعد: 40]، و {إنّما أنت نذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ وكيلٌ}[هودٍ: 12].
    وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص أن يؤمن جميع النّاس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللّه تعالى أنّه لا يؤمن إلّا من سبق له من اللّه السعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلّا من سبق له من اللّه الشّقاوة في الذّكر الأوّل».
    وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنّا قد آمنّا بما جاءنا قبلك{سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: إنّهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟!».
    وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، قال:«نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الّذين قال اللّه فيهم: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار * جهنّم يصلونها} [إبراهيم: 28، 29]».
    والمعنى الّذي ذكرناه أوّلًا وهو المرويّ عن ابن عبّاسٍ في رواية عليّ بن أبي طلحة، أظهر، ويفسّر ببقيّة الآيات الّتي في معناها، واللّه أعلم.
    وقد ذكر ابن أبي حاتمٍ هاهنا حديثًا، فقال: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالحٍ المصريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثني عبد اللّه بن المغيرة، عن أبي الهيثم عن عبد اللّه بن عمرٍو، قال: قيل: يا رسول اللّه، إنّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: "ألا أخبركم"، ثمّ قال: "{إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}هؤلاء أهل النّار". قالوا: لسنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: "أجل".
    [وقوله: {لا يؤمنون} محلّه من الإعراب أنّه جملةٌ مؤكّدةٌ للّتي قبلها: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: هم كفّارٌ في كلا الحالين؛ فلهذا أكدّ ذلك بقوله: {لا يؤمنون}، ويحتمل أن يكون {لا يؤمنون} خبرًا لأنّ تقديره: إنّ الّذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} جملةٌ معترضةٌ، واللّه أعلم] ). [تفسير ابن كثير: 1/ 173-174]


    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    37,096

    افتراضي رد: بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة

    بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
    أنس بن محمد بوابرين


    - الرابعة : المراد بالإستفهام في قوله (أأنذرتهم)
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :
    وأمّا قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبرٌ؛ لأنّه وقع موقع أيّ، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ لوقوع ذلك موقع أيّ، وذلك أنّ معناه إذا قلت ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لمّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواءٍ: أفعلت أم لم تفعل.
    وقد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع سواءٍ وليس باستفهامٍ، لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ مستثبتٌ صاحبه أيّهما عنده، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر، فلمّا كان قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} بمعنى التّسوية، أشبه ذلك الاستفهام إذ أشبهه في التّسوية، وقد بيّنّا الصّواب في ذلك.
    فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمّد على هؤلاء الّذين جحدوا نبوّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها، وكتموا بيان أمرك للنّاس بأنّك رسولي إلى خلقي، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبيّنوه للنّاس ويخبروهم أنّهم يجدون صفتك في كتبهم؛ {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} فإنّهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحقّ ولا يصدّقون بك وبما جئتهم به.
    - كما حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ:{سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكرٍ وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك؛ فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك). [جامع البيان: 1/ 263 -265]
    -تفسير قوله تعالى :(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ) وفيه مسائل :
    -الأولى : الختم على القلوب والأسماع وكيفية الختم عليها
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ}
    قال أبو جعفرٍ: وأصل الختم: الطّبع، والخاتم: هو الطّابع يقال منه: ختمت الكتاب، إذا طبعته.
    فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يختم على القلوب، وإنّما الختم طبعٌ على الأوعية والظّروف والغلف.
    قيل: فإنّ قلوب العباد أوعيةٌ لما أودعت من العلًوم وظروفٌ لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع الّتي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظّروف.
    فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفها لنا فنفهمها؟ أهي مثل الختم الّذي يعرف لمّا ظهر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟
    قيل: قد اختلف أهل التّأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.
    - فحدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرّمليّ، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذا، يعني الكفّ، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى هكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها»، قال: «ثمّ يطبع عليه بطابعٍ»، قال مجاهدٌ: «وكانوا يرون أنّ ذلك الرّين».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: «القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتّى يقبض أصابعه كلّها، وكان أصحابنا يرون أنّه الرّان».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ: الختم ختمٌ على القلب والسّمع.
    - حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عبد اللّه بن كثيرٍ، أنّه سمع مجاهدًا، يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ ذلك كلّه».
    وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه جلّ ثناؤه عن تكبّرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
    والحقّ في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
    - وهو ما حدّثنا به، محمّد بن يسارٍ، قال: حدّثنا صفوان بن عيسى، قال: حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:«إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتّى يغلّق قلبه؛ فذلك الرّان الّذي قال اللّه جلّ ثناؤه: {كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}».
    فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب، إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه عزّ وجلّ والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر منها مخلّصٌ، فذلك هو الطّبع والختم الّذي ذكره اللّه تبارك وتعالى في قوله: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلاّ بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصلّ الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم، إلاّ بعد فضّه خاتمه وحلّه رباطه عنها.
    ويقال لقائلي القول الثّاني الزّاعمين أنّ معنى قوله جلّ ثناؤه: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الّذي دعوا إليه من الإقرار بالحقّ تكبّرًا: أخبرونا عن استكبار الّذين وصفهم اللّه جلّ ثناؤه بهذه الصّفة وإعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللّواحق به، أفعلٌ منهم، أم فعلٌ من اللّه تعالى ذكره بهم؟
    فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم وذلك قولهم، قيل لهم: فإنّ اللّه تبارك وتعالى قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وسمعهم، وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبّره عن الإقرار به، وهو فعله عندكم ختمًا من اللّه على قلبه وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه فعل اللّه عزّ وجلّ دون فعل الكافر؟ فإن زعموا أنّ ذلك جازٌ أن يكون كذلك، لأنّ تكبّره وإعراضه كانا عن ختم اللّه على قلبه وسمعه، فلمّا كان الختم سببًا لذلك جاز أن يسمّى مسبّبه به؛ تركوا قولهم، وأوجبوا أنّ الختم من اللّه على قلوب الكفّار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبّره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به، وذلك دخولٌ فيما أنكروه.
    وهذه الآية من أوضح الدلّيل على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر أنّه ختم على قلوب صنفٍ من كفّار عباده وأسماعهم، ثمّ لم يسقط التّكليف عنهم ولم يضع عن أحدٍ منهم فرائضه ولم يعذره في شيءٍ ممّا كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطّبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أنّ لجميعهم منه عذابًا عظيمًا على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك أنّهم لا يؤمنون). [جامع البيان: 1/ 265 -268]
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ}
    قال أبو جعفرٍ: وقوله: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} خبر مبتدأٍ بعد تمام الخبر عمّا ختم اللّه جلّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الّذين مضت قصصهم، وذلك أنّ {غشاوةٌ} مرفوعةٌ بقوله:{وعلى أبصارهم} فذلك دليلٌ على أنّه خبر مبتدأٍ، وأنّ قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} قد تناهى عند قوله: {وعلى سمعهم} وذلك هو القراءة الصّحيحة عندنا لمعنيين.
    أحدهما: اتّفاق الحجّة من القرّاء والعلماء على الشّهادة بتصحيحها، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عمّا هم على تخطئته مجمعون؛ وكفى بإجماع الحجّة على تخطئة قراءة شاهدًا على خطئها.
    والثّاني: أنّ الختم غير موصوفةٍ به العيون في شيءٍ من كتاب اللّه، ولا في خبرٍ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا موجودٌ في لغة أحدٍ من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورةٍ أخرى: {وختم على سمعه وقلبه} ثمّ قال: {وجعل على بصره غشاوةً} فلم يدخل البصر في معنى الختم، وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحدٍ من النّاس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلّتين اللّتين ذكرت، وإن كان لنصبها مخرجٌ معروفٌ في العربيّة.
    وبما قلنا في ذلك من القول والتّأويل، روي الخبر عن ابن عبّاسٍ.
    - حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم».[جامع البيان: 1/ 269 - 273]
    - الثانية : في معنى الغشاوة
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ختم اللّه} مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعا إصبعا.
    وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختما.
    وقال آخرون ممن حمله على المجاز: «الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلانا وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه».
    وقرأ الجمهور: وعلى سمعهم.
    وقرأ ابن أبي عبلة: «وعلى أسماعهم»، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضا فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
    والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة:

    هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ....... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما

    وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي]:

    تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ....... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

    ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره.
    وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه «غشاوة» بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقف على قوله وعلى سمعهم.
    وقرأ الباقون «غشاوة» بالرفع.
    قال أبو علي: «وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به» وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب:

    ... ... ... ... ....... «متقلدا سيفا ورمحا»

    وقول الآخر:

    ... ... ... ... ....... علفتها تبنا وماء باردا

    ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة».
    قال: «ولم أسمع من الغشاوة فعلا مصرفا بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة».
    وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله على قلوبهم.
    وقال آخرون: «الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم».
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد ذكرنا اعتراض أبي عليّ هذا القول.
    وقرأ أبو حيوة «غشوة»، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش.
    وقال الثوري: «كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «غشية» بفتح الغين والياء والرفع».
    وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك.
    وقوله تعالى: {ولهم عذابٌ عظيمٌ}: معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، وعظيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد). [المحرر الوجيز: 1/ 112 -115]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
    قال السّدّيّ: {ختم اللّه} أي: طبع اللّه، وقال قتادة في هذه الآية: «استحوذ عليهم الشّيطان إذ أطاعوه؛ فختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ، فهم لا يبصرون هدًى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون».
    وقال ابن جريج: قال مجاهدٌ: {ختم اللّه على قلوبهم} قال: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من كلّ نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ:«الختم على القلب والسّمع».
    قال ابن جريج: وحدّثني عبد اللّه بن كثير، أنّه سمع مجاهدًا يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشدّ من ذلك كلّه».
    وقال الأعمش: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذه -يعني: الكفّ-فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه»، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، «فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى،« فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى وهكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها، ثمّ قال:«يطبع عليه بطابعٍ».
    وقال مجاهدٌ: «كانوا يرون أنّ ذلك: الرّين».
    ورواه ابن جريرٍ: عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، بنحوه.
    قال ابن جريرٍ: وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه عن تكبّرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
    قال: وهذا لا يصحّ؛ لأنّ اللّه قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
    (قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
    قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
    قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
    وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
    وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
    ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها]. [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]

    -الثالثة : في بيان هل الختم والغشاوة على الحقيقة أو المجاز

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({
    قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
    قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
    قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
    وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
    وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
    ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها]. [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    37,096

    افتراضي رد: بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة

    بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
    أنس بن محمد بوابرين


    المسائل العقدية :
    -الرد على المعتزلة في قولهم ( لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعا من الإيمان)
    قال الفخر الرازي :
    ( قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ : لَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ مَانِعًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْمَقَامُ الثَّانِي: بَيَانُ الْجَوَابِ الْعَقْلِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَقَالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ لِأَحَدٍ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى [الْإِسْرَاءِ: 94] وَهُوَ إِنْكَارٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَبَسَ آخَرَ فِي بَيْتٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ ثُمَّ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حَوَائِجِي كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مُسْتَقْبَحًا وَكَذَا قَوْلُهُ: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا [الْأَعْرَافِ: 12] وَقَوْلُهُ لِإِبْلِيسَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [النِّسَاءِ: 39] وَقَوْلُ مُوسَى لِأَخِيهِ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا [طه: 92] وَقَوْلُهُ: فَما لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الِانْشِقَاقِ: 20] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 49] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَةِ: 43] لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التَّحْرِيمِ: 1] قَالَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ فِي فَصْلٍ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ: كَيْفَ يَأْمُرُهُ بِالْإِيمَانِ وَقَدْ مَنَعَهُ عَنْهُ؟ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْكُفْرِ وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يَصْرِفُهُ عَنِ الْإِيمَانِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَّى تُصْرَفُونَ؟ وَيَخْلُقُ فِيهِمُ الْإِفْكَ ثُمَّ يَقُولُ أَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ وَأَنْشَأَ فِيهِمُ الْكُفْرَ ثم يقوم لِمَ تَكْفُرُونَ؟ وَخَلَقَ فِيهِمْ لَبْسَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ثُمَّ يَقُولُ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ [آلِ عِمْرَانَ: 71] وَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ثُمَّ يَقُولُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 99] وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا وَذَهَبَ بِهِمْ عَنِ الرُّشْدِ ثُمَّ قَالَ: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التَّكْوِيرِ: 26] وَأَضَلَّهُمْ عَنِ الدِّينِ حَتَّى أَعْرَضُوا ثُمَّ قَالَ
    : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. [الْمُدَّثِّرِ: 49] وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النِّسَاءِ: 165] وَقَالَ: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [طه: 134] فَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ مَا أَبْقَى لَهُمْ عُذْرًا إِلَّا وَقَدْ أَزَالَهُ عَنْهُمْ، فَلَوْ كَانَ عِلْمُهُ بِكُفْرِهِمْ وَخَبَرُهُ عَنْ كُفْرِهِمْ مَانِعًا لَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْذَارِ وَأَقْوَى الْوُجُوهِ الدَّافِعَةِ لِلْعِقَابِ عَنْهُمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنِ الْكُفَّارِ فِي سُورَةِ «حم السَّجْدَةِ» أَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ذَمًّا لَهُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ مَانِعًا لَكَانُوا صَادِقِينَ/ فِي ذَلِكَ فَلِمَ ذَمَّهُمْ عَلَيْهِ؟ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ قَوْلَهُ:
    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى آخِرِهِ ذَمًّا لَهُمْ وَزَجْرًا عَنِ الْكُفْرِ وَتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ، فَلَوْ كَانُوا مَمْنُوعِينَ عَنِ الْإِيمَانِ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَيْهِ لَمَا اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ الْبَتَّةَ، بَلْ كَانُوا مَعْذُورِينَ كَمَا يَكُونُ الْأَعْمَى مَعْذُورًا فِي أَنْ لَا يَمْشِيَ. وَخَامِسُهَا:
    الْقُرْآنُ إِنَّمَا أُنْزِلَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ، لَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةً عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ وَالْخَبَرُ مَانِعًا لَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِذَا عَلِمْتَ الْكُفْرَ وَأُخْبِرْتَ عَنْهُ كَانَ تَرْكُ الْكُفْرِ مُحَالًا مِنَّا، فَلِمَ تَطْلُبُ الْمُحَالَ مِنَّا وَلَمْ تَأْمُرْنَا بِالْمُحَالِ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا جَوَابَ لِلَّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ عَنْهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ يَمْنَعُ وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الْأَنْفَالِ: 40] وَلَوْ كَانَ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ عَنِ الْإِيمَانِ كُلِّفَ بِهِ لَمَا كَانَ نِعْمَ الْمَوْلَى، بَلْ كَانَ بِئْسَ الْمَوْلَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، قَالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ مَانِعٌ أَلْبَتَّةَ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وَخَبَرَهُ عَنْ عَدَمِهِ لَا يَكُونُ مَانِعًا عَنِ الْإِيمَانِ.
    الْمَقَامُ الثَّانِي: قَالُوا إِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ الْإِيمَانِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ، لِأَنَّ الَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَكُونُ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالَّذِي عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَالْوَاجِبُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، لَا بِالْقُدْرَةِ فَسَوَاءٌ حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَمْ تَحْصُلْ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أَثَرٌ، وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ فَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، وَذَلِكَ كُفْرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِمْكَانِ وُجُودِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا عِلْمُهُ مُمْكِنًا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِلْمُهُ وَاجِبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ، فَلَوْ صَارَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِسَبَبِ الْعِلْمِ كَانَ الْعِلْمُ مُؤَثِّرًا فِي الْمَعْلُومِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُحَالٌ. وَثَالِثُهَا: لَوْ كَانَ الْخَبَرُ وَالْعِلْمُ مَانِعًا لَمَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، لِأَنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُقُوعَهُ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالْوَاجِبُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، فَكَانَتْ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ جَارِيَةً مَجْرَى حَرَكَاتِ الْجَمَادَاتِ، وَالْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيّ َةِ لِلْحَيَوَانَات ِ، لَكِنَّا بِالْبَدِيهَةِ نَعْلَمُ فَسَادَ ذَلِكَ، فَإِنْ رَمَى إِنْسَانٌ إِنْسَانًا بِالْآجُرَّةِ حَتَّى شَجَّهُ فَإِنَّا نَذُمُّ الرَّامِيَ وَلَا نَذُمُّ الْآجُرَّةَ، وَنُدْرِكُ بِالْبَدِيهَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ مَا إِذَا سَقَطَتِ الْآجُرَّةُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا لَكَمَهُ إِنْسَانٌ بِالِاخْتِيَارِ : وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ بِبَدَاءَةِ عُقُولِهِمْ يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَدْحِ الْمُحْسِنِ وَذَمِّ الْمُسِيءِ، وَيَلْتَمِسُونَ وَيَأْمُرُونَ وَيُعَاتِبُونَ وَيَقُولُونَ لِمَ فَعَلْتَ وَلِمَ تَرَكْتَ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَرَابِعُهَا: لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْعَدَمِ مَانِعًا لِلْوُجُودِ لَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكَافِرِ بِالْإِيمَانِ أَمْرًا بِإِعْدَامِ عِلْمِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِأَنْ يُعْدِمُوهُ فَكَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، بِأَنْ يُعْدِمُوا عِلْمَهُ، لِأَنَّ إِعْدَامَ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْأَمْرُ بِهِ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الْوُجُودِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْإِيمَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ/ نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ وَعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ جَهْلًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا الْبَتَّةَ، فَلَوْ صَارَ بِسَبَبِ الْعِلْمِ وَاجِبًا لَزِمَ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَكَوْنُهُ لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُحَالِ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، فَلَوْ جَازَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لَجَازَ وُرُودُهُ أَيْضًا بِكُلِّ أَنْوَاعِ السَّفَهِ، فَمَا كَانَ يَمْتَنِعُ وُرُودُهُ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِينَ وَلَا إِنْزَالِ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَبَاطِيلِ ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَبْقَى وُثُوقٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا بِصِحَّةِ الْقُرْآنِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ كَذِبًا وَسَفَهًا، وَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وَالْخَبَرَ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ لَوْ جَازَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِالْمُحَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَجَازَ وُرُودُ أَمْرِ الْأَعْمَى بِنَقْطِ الْمَصَاحِفِ. وَالْمُزْمِنِ بِالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَأَنْ يُقَالَ لِمَنْ قُيِّدَ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ:
    لِمَ لَا تَطِيرُ إِلَى فَوْقٍ؟ وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعُقُولِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ بِالْمُحَالِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْوُجُودِ، وَثَامِنُهَا: لَوْ جَازَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِذَلِكَ لَجَازَ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى الْجَمَادَاتِ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ عَلَيْهَا، وَإِنْزَالُ الْمَلَائِكَةِ لِتَبْلِيغِ التَّكَالِيفِ إِلَيْهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ سُخْرِيَةٌ وَتَلَاعُبٌ بِالدِّينِ.
    وَتَاسِعُهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لَوِ اقْتَضَى وُجُوبَهُ لَأَغْنَى الْعِلْمُ عَنِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا مُرِيدًا مُخْتَارًا، وَذَلِكَ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِالْمُوجِبِ. وَعَاشِرُهَا: الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ لَمْ يُوجَدْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 286] وَقَالَ: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] وَقَالَ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ .. وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ الْوُجُوهِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ كَلِمَاتٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكَشْفِ عَنْ وَجْهِ الْجَوَابِ بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّشْنِيعَاتِ . فَأَمَّا الْجَوَابَانِ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا اعْتِمَادُ الْقَوْمِ فَفِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ. أَمَّا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هِشَامٍ وَالْقَاضِي: خَطَأٌ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَدُلُّ، وَخَطَأٌ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَدُلُّ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحُكْمَ بِفَسَادِ الْقِسْمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِفَسَادِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَذَلِكَ لَا يَرْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَقٌّ لَكِنْ لَا أَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ أَوْ لَا يَدُلُّ كَفَى فِي دَفْعِهِ تَقْرِيرُ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ ، فَإِنَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْعَدَمِ، فَلَوْ حَصَلَ الْوُجُودُ مَعَهُ لَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ الْعَدَمُ وَالْوُجُودُ مَعًا وَلَا يَتَمَكَّنُ الْعَقْلُ مِنْ تَقْرِيرِ كَلَامٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَأَقَلِّ مُقَدِّمَاتٍ فِيهِ.} التفسير الكبير ج2ص289
    فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :وهذه الآية من أوضح الدلّيل على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر أنّه ختم على قلوب صنفٍ من كفّار عباده وأسماعهم، ثمّ لم يسقط التّكليف عنهم ولم يضع عن أحدٍ منهم فرائضه ولم يعذره في شيءٍ ممّا كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطّبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أنّ لجميعهم منه عذابًا عظيمًا على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك أنّهم لا يؤمنون). [جامع البيان: 1/ 265 -268]
    - مذهب أهل السنة في خلق أفعال العباد
    قوله تعالى (لا يومنون )
    قال الفخر الرازي ( الْمَقَامُ الثَّانِي: قَالُوا إِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ الْإِيمَانِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ نَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ، لِأَنَّ الَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَكُونُ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالَّذِي عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَالْوَاجِبُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، لَا بِالْقُدْرَةِ فَسَوَاءٌ حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَمْ تَحْصُلْ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أَثَرٌ، وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ فَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، وَذَلِكَ كُفْرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِمْكَانِ وُجُودِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا عِلْمُهُ مُمْكِنًا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِلْمُهُ وَاجِبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ، فَلَوْ صَارَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِسَبَبِ الْعِلْمِ كَانَ الْعِلْمُ مُؤَثِّرًا فِي الْمَعْلُومِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُحَالٌ. وَثَالِثُهَا: لَوْ كَانَ الْخَبَرُ وَالْعِلْمُ مَانِعًا لَمَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، لِأَنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُقُوعَهُ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالْوَاجِبُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، فَكَانَتْ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ جَارِيَةً مَجْرَى حَرَكَاتِ الْجَمَادَاتِ، وَالْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيّ َةِ لِلْحَيَوَانَات ِ، لَكِنَّا بِالْبَدِيهَةِ نَعْلَمُ فَسَادَ ذَلِكَ، فَإِنْ رَمَى إِنْسَانٌ إِنْسَانًا بِالْآجُرَّةِ حَتَّى شَجَّهُ فَإِنَّا نَذُمُّ الرَّامِيَ وَلَا نَذُمُّ الْآجُرَّةَ، وَنُدْرِكُ بِالْبَدِيهَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ مَا إِذَا سَقَطَتِ الْآجُرَّةُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا لَكَمَهُ إِنْسَانٌ بِالِاخْتِيَارِ : وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ بِبَدَاءَةِ عُقُولِهِمْ يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَدْحِ الْمُحْسِنِ وَذَمِّ الْمُسِيءِ، وَيَلْتَمِسُونَ وَيَأْمُرُونَ وَيُعَاتِبُونَ وَيَقُولُونَ لِمَ فَعَلْتَ وَلِمَ تَرَكْتَ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَرَابِعُهَا: لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْعَدَمِ مَانِعًا لِلْوُجُودِ لَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكَافِرِ بِالْإِيمَانِ أَمْرًا بِإِعْدَامِ عِلْمِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِأَنْ يُعْدِمُوهُ فَكَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، بِأَنْ يُعْدِمُوا عِلْمَهُ، لِأَنَّ إِعْدَامَ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْأَمْرُ بِهِ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الْوُجُودِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْإِيمَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ/ نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ وَعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ جَهْلًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا الْبَتَّةَ، فَلَوْ صَارَ بِسَبَبِ الْعِلْمِ وَاجِبًا لَزِمَ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَكَوْنُهُ لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُحَالِ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، فَلَوْ جَازَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لَجَازَ وُرُودُهُ أَيْضًا بِكُلِّ أَنْوَاعِ السَّفَهِ، فَمَا كَانَ يَمْتَنِعُ وُرُودُهُ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِينَ وَلَا إِنْزَالِ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَبَاطِيلِ ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَبْقَى وُثُوقٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا بِصِحَّةِ الْقُرْآنِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ كَذِبًا وَسَفَهًا، وَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وَالْخَبَرَ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ لَوْ جَازَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِالْمُحَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَجَازَ وُرُودُ أَمْرِ الْأَعْمَى بِنَقْطِ الْمَصَاحِفِ. وَالْمُزْمِنِ بِالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَأَنْ يُقَالَ لِمَنْ قُيِّدَ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ:
    لِمَ لَا تَطِيرُ إِلَى فَوْقٍ؟ وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعُقُولِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ بِالْمُحَالِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْوُجُودِ، وَثَامِنُهَا: لَوْ جَازَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِذَلِكَ لَجَازَ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى الْجَمَادَاتِ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ عَلَيْهَا، وَإِنْزَالُ الْمَلَائِكَةِ لِتَبْلِيغِ التَّكَالِيفِ إِلَيْهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ سُخْرِيَةٌ وَتَلَاعُبٌ بِالدِّينِ.) ج2 ص288
    (وخلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في القدر وأفعال العباد ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من أن الله سبحانه هو الخالق لكل شيء من الأعيان والأوصاف والأفعال وغيرها ، وأن مشيئته تعالى عامة شاملة لجميع الكائنات ، فلا يقع منها شيء إلا بتلك المشيئة ، وأن خلقه سبحانه الأشياء بمشيئته إنما يكون وفقا لما علمه منها بعلمه القديم ، ولما كتبه وقدره في اللوح المحفوظ ، وأن للعباد قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم ، وأنهم الفاعلون حقيقة لهذه الأفعال بمحض اختيارهم ، وأنهم لهذا يستحقون عليها الجزاء : إما بالمدح والمثوبة ، وإما بالذم والعقوبة ، وأن نسبة هذه الأفعال إلى العباد فعلا لا ينافي نسبتها إلى الله إيجادا وخلقا ؛ لأنه هو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها . )شرح العقيدة الواسطية ص261

    - الرد على المعتزلة في تأويلهم الختم على قلوب الكافرين
    تقدم بيانه في كلام الطبري رحمه الله

    المسائل البلاغية :
    - الإستفهام المراد به الخبر في قوله (أأنذرتهم)
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :لا
    وأمّا قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبرٌ؛ لأنّه وقع موقع أيّ، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ لوقوع ذلك موقع أيّ، وذلك أنّ معناه إذا قلت ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لمّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواءٍ: أفعلت أم لم تفعل.) جامع البيان: 1/ 263 -265]

    -حذف متعلق الكفر في قوله (إن الذين كفروا )
    قال الدكتور عادل أحمد صابر الرويني: {حذف متعلق الكفر ، لأن القصد تعميم جحود الكافرين ،فكفرهم لا يقتصر على الكفر بالله ،بل يتعداه إلى جحود كل نعمة ، وكل خير، وفيه زيادة تشنيع عليهم وتبشيع عليهم وتبشيع لكفرهم ، وتمهيد للحكم بعدم إيمانهم في قوله (لا يؤمنون) }من غريب بلاغة القرآن الكريم ص36
    -إطلاق العموم والمراد الخصوص
    يقول الطاهر بن عاشور :(وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ (الَّذِينَ كَفَرُوا) الْمَذْكُورِينَ هُنَا هُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ مَأْيُوسٌ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَالْإِتْيَانُ فِي ذِكْرِهِمْ بِالتَّعْرِيفِ بِالْمَوْصُولِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ مُرَادًا مِنْهُ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَزُعَمَاءِ الْعِنَادِ دُونَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا فِي أَيَّامِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ مَنْ آمَنَ بَعْدُ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِغْرَاق ِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكُفْرِ أَبْلَغُ أَنْوَاعِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عَامًّا مَخْصُوصًا بِالْحِسِّ لِمُشَاهَدَةِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَوْ يَكُونُ عَامًّا مُرَادًا بِهِ الْخُصُوصُ بِالْقَرِينَةِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا اللَّذَانِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُمَا نَاظِرَانِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ.
    وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى مَعْنَى الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشَّقَاءِ وَنَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يُونُس: 96] وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَنْظِيرِهِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ حَمَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَبِي رَافِعٍ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ سِوَى الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِي نَ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْرَاضٌ عَنِ السِّيَاقِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ذِكْرُ مَنْ حُرِمَ مِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ حَصَلَ لَهُمُ الِاهْتِدَاءُ بِهِ، وأيّا مَا مَا كَانَ فَالْمَعْنَى عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ فَرِيقًا خَاصًّا مِنَ الْكُفَّارِ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ اهْتِدَائِهِمْ بِالْقُرْآنِ كَانَ لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِم ْ لَا لِنَقْصٍ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْخَيْرِ وَهَدْيِهِ إِلَيْهِ.
    وَالْكُفْرُ بِالضَّمِّ: إِخْفَاءُ النِّعْمَةِ، وَبِالْفَتْحِ: السَّتْرُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ كَفَرَ إِذَا سَتَرَ.)التحرير والتنوير ج1ص248
    -ذكر الإنذار دون البشارة
    (لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك اقوى من تأثير البشارة، فاشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اهتمامه بجلب المصلحة والله أعلم ) من غريب بلاغة القرآن الكريم ص37

    -في بيان الفائدة من التعدية ب (على )
    (للإشارة إلى تمكن الإستواء وهذا مدلول حرف الإستعلاء ) من غريب بلاغة القرآن الكريم ص37
    -فائدة الفصل
    (لكمال التباين ، وتمام الإختلاف بين مضمون هذه الآية والآيات قبلها ،فهذه الآية خبر عن الكفار الضالين ،وماقبلها خبر عن المتقين المهتدين وسرد لبعض صفاتهم) من غريب بلاغة القرآن الكريم ص38
    -الغرض من تصدير الآية بحرف التوكيد (إن )
    يقول الطاهر بن عاشور (وَتَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ إِمَّا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ وَغَرَابَتِهِ دُونَ رَدِّ الْإِنْكَارِ أَوِ الشَّكِّ لِأَن الْخطاب للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْأُمَّةِ وَهُوَ خِطَابُ أُنُفٍ بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ شَكٌّ فِي وُقُوعِهِ، وَمَجِيءُ (إِنَّ) لِلِاهْتِمَامِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ. وَقَدْ تَكُونُ (إِنَّ) هُنَا لِرَدِّ الشَّكِّ تَخْرِيجًا لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِأَنَّ حِرْصَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هِدَايَةِ الْكَافِرِينَ تَجْعَلُهُ لَا يَقْطَعُ الرَّجَاءَ) ج1ص248
    -فائدة جمع القلوب والأبصار وإفراد السمع
    قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ :
    {وأما قوله عز وجل: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم)( فليس من هذا؛ لأن السمع مصدر، والمصدر يقع للواحد والجمع.
    وكذلك قول الشاعر، وهو جرير:

    إن العيون التي في طرفها مرضٌ قتلـنـنـا ثــــم لــــم يـحـيـيـن قـتـلانــا
    لأن الطرف مصدر. وأما قول الله عز وجل: {ثم يخرجكم طفلاً} وقوله: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً} فإنه أفرد هذا، لأن مخرجهما مخرج التمييز؛ كما تقول: زيد أحسن الناس ثوباً، وأفره الناس مركباً. وإنه ليحسن ثوباً، ويكثر أمةً وعبداً). [المقتضب: 2/168-171] (م)
    قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وقوله: "طرفها ساج" ولم يقل: "أطرافها" لأن تقديرها تقدير المصدر، من طرفت طرفًا، قال الله عز وجل: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}
    لأن السمع في الأصل مصدر. قال جرير:
    إن العيون التي في طرفها مرضٌ قتلننـا ثــم لــم يحيـيـن قتـلانـا ).
    [الكامل: 1/370-371]
    ووحد السمع مع أنه متعدد في الواقع ومقتضى الانتظام بالسباق واللحاق أن يجري على نمطهما للاختصار والتفنن مع الإشارة إلى نكتة- هي أن مدركاته نوع واحد ومدركاتهما مختلفة- وكثيرا ما يعتبر البلغاء مثل ذلك، وقيل: إن وحدة اللفظ تدل على وحدة مسماه- وهو الحاسة- ووحدتها تدل على قلة مدركاتها في بادىء النظر فهناك دلالة التزام ويكفي مثل ما ذكر في اللزوم عرفا (1) ومنه يتنبه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة وإن كان ذلك هو المعروف في استعمال الفقهاء في جميعها على أن الأسماع قلما قرع السمع- ومنه قراءة ابن أبي عبلة في الشواذ- وعلى أسماعهم، واستشهد له بقوله:
    قالت ولم تقصد لقيل الخنا ... مهلا لقد أبلغت أسماعي
    والقول بأنه وحدة للأمن عن اللبس كما في قوله:
    كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص
    ولأنه في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فروعي ذلك- ليس بشيء- لأن ما ذكر مصحح لا مرجح وأدنى من هذا عندي تقدير مضاف مثل- وحواس سمعهم- وقد اتفق القراء على الوقف على سمعهم وظاهره دليل على أنه لا تعلق له بما بعده فهو معطوف على عَلى قُلُوبِهِمْ وهذا أولى من كونه هو وما عطف عليه خبرا مقدما لغشاوة أو عاملان فيه على التنازع وإن احتملته الآية لتعين نظيره في قوله تعالى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية: 23] والقرآن يفسر بعضه بعضا ولأن السمع كالقلب يدرك ما يدركه من جميع الجهات فناسب أن يقرن معه بالختم الذي يمنع من جميعها وإن اختص وقوعه بجانب إلا أنه لا يتعين، ولما كان إدراك البصر لا يكون عادة إلا بالمحاذاة والمقابلة جعل المانع ما يمنع منها وهو الغشاوة لأنها في الغالب كذلك كغاشية السرج، ومثل هذا يكفي في النكات ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار، وما في الكشف: من أن الوجه أن الغشاوة مشهورة في أمراض العين فهي أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلفوه، ويكشف عن حالة النظر في المعنى اللغوي ممن لا غشاوة على بصره.
    ولعل سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات الست مثله دون البصر. ومن هنا قيل: إنه أفضل منه، والحق أن كلّا من الحواس ضروري في موضعه، ومن فقد حسا فقد علما، وتفضيل البعض على البعض تطويل من غير طائل (2)

    (1) وقيل في توجيه الافراد أن المراد سمع كل واحد وهذا وإن كان حقه الإفراد إلا أن حمل الجمع على كل فرد فرد جائز لا واجب كما قيل في قوله تعالى: نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا على وجه اهـ منه.
    (2) ويحكى عن أبي يوسف عليه الرحمة أنه سئل عن- اللوزينج والفيلوذج- أيهما أحسن؟ فقال: لا أحكم من دون حضور الخصمين فأتي بهما وأكل منهما ثم قال: كلما أردت أن أحكم لأحدهما على الآخر أتى الآخر بشاهدين عدلين فيمنعني من الحكم اهـ منه.
    قال في المحرر الوجيز :
    (وَإِنَّمَا أَفْرَدَ السَّمْعَ وَلَمْ يَجْمَعْ كَمَا جمع (قُلُوبهم) و (أَبْصَارهم) إِمَّا لِأَنَّهُ أُرِيدَ مِنْهُ الْمَصْدَرُ الدَّالُّ عَلَى الْجِنْسِ، إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْآذَانِ سَمْعٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَمَعَ لَمَّا ذَكَرَ الْآذَانَ فِي قَوْلِهِ: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [الْبَقَرَة: 19] وَقَوْلِهِ: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصلت: 5] فَلَمَّا عَبَّرَ بِالسَّمْعِ أَفْرَدَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِخِلَافِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ مُتَعَدِّدَةٌ وَالْأَبْصَارُ جَمْعُ بَصَرٍ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لَا مَصْدَرٌ، وَإِمَّا لِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أَيْ وَعَلَى حَوَاسِّ سَمْعِهِمْ أَوْ جَوَارِحِ سَمْعِهِمْ. وَقَدْ تَكُونُ فِي إِفْرَادِ السَّمْعِ لَطِيفَةٌ رُوعِيَتْ مِنْ جُمْلَةِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ هِيَ أَنَّ الْقُلُوبَ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً وَاشْتِغَالُهَا بِالتَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ وُضُوحِ الْأَدِلَّةِ، وَبِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَتَتَلَقَّى أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الْآيَاتِ فَلِكُلِّ عَقْلٍ حَظُّهُ مِنَ الْإِدْرَاكِ، وَكَانَتِ الْأَبْصَارُ أَيْضًا مُتَفَاوِتَةَ التَّعَلُّقِ بِالْمَرْئِيَّا تِ الَّتِي فِيهَا دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّ ةِ فِي الْآفَاقِ، وَفِي الْأَنْفُسِ الَّتِي فِيهَا دَلَالَةٌ، فَلِكُلِّ بَصَرٍ حَظُّهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ مَا تَتَعَلَّقَانِ بِهِ جُمِعَتْ. وَأَمَّا الْأَسْمَاعُ فَإِنَّمَا كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِسَمَاعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهَا مِنَ الْقُرْآنِ فَالْجَمَاعَاتُ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ سَمِعُوهُ سَمَاعًا مُتَسَاوِيًا وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي تَدَبُّرِهِ وَالتَّدَبُّرُ مِنْ عَمَلِ الْعُقُولِ فَلَمَّا اتَّحَدَ تَعَلُّقُهَا بِالْمَسْمُوعَا تِ جُعِلَتْ سَمْعًا وَاحِدًا.) (1/256)

    - بيان السر في تقديم الختم على القلوب والأسماع وعكسه في الجاثية
    قال الألوسي رحمه الله :
    } وإنما قدم سبحانه الختم على القلوب هنا لأن الآية تقرير لعدم الإيمان فناسب تقديم القلوب لأنها محل الإيمان والسمع- والأبصار طرق وآلات له- وهذا بخلاف قوله تعالى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ [الجاثية: 23] فإنه مسوق لعدم المبالاة بالمواعظ ولذا جاءت الفاصلة أَفَلا تَذَكَّرُونَ [يونس: 3، هود: 24، 30، النحل: 87، المؤمنون: 85، الصافات: 155، الجاثية: 23] فكان المناسب هناك تقديم السمع.} روح المعاني (1/135)
    -فائدة تكرار حرف الجر في قوله( وعلى أبصارهم)
    قال الألوسي رحمه الله :
    وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدل على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى في المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا في مررت بزيد وعمرو: مرور واحد، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروران، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهرا مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال.} روح المعاني (1/135)

    -سر تقديم السمع على البصر
    ( وَفِي تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى الْبَصَرِ فِي مَوَاقِعِهِ مِنَ الْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ فَائِدَةً لِصَاحِبِهِ مِنَ الْبَصَرِ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ مُؤْذِنٌ بِأَهَمِّيَّةِ الْمُقَدَّمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّمْعَ آلَةٌ لِتَلَقِّي الْمَعَارِفِ الَّتِي بِهَا كَمَالُ الْعَقْلِ، وَهُوَ وَسِيلَةُ بُلُوغِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى أَفْهَامِ الْأُمَمِ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ مِنْ بُلُوغِهَا بِوَاسِطَةِ الْبَصَرِ لَوْ فَقَدَ السَّمْعَ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ تَرِدُ إِلَيْهِ الْأَصْوَاتُ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ بِدُونِ تَوَجُّهٍ، بِخِلَافِ الْبَصَرِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَجُّهِ بِالِالْتِفَاتِ إِلَى الْجِهَاتِ غَيْرِ الْمُقَابِلَةِ.) التحرير والتنوير ص 255
    المسائل النحوية :
    - {قَوْله {سَوَاء عَلَيْهِم} ابْتِدَاء وَمَا بعده من ذكر الْإِنْذَار خَبره وَالْجُمْلَة خبر إِن وَالَّذين اسْم إِن وصلته كفرُوا وَألف أأنذرتهم ألف تَسْوِيَة لِأَنَّهَا أوجبت أَن الْإِنْذَار لمن سبق لَهُ فِي علم الله الشَّقَاء وَتَركه سَوَاء عَلَيْهِم لَا يُؤمنُونَ أبدا ولفظها لفظ الِاسْتِفْهَام وَلذَلِك أَتَت بعْدهَا أم وَيجوز أَن يكون سَوَاء خبر أَن وَمَا بعده مَوضِع رفع بِفِعْلِهِ وَهُوَ سَوَاء وَيجوز أَن يكون خبر إِن لَا يُؤمنُونَ }مشكل إعراب القرآن
    المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) ج 1/76
    -قَوْله {وَمَا هم بمؤمنين} هم اسْم مَا ومؤمنين الْخَبَر وَالْبَاء زَائِدَة دخلت عِنْد الْبَصرِيين لتأكيد النَّفْي وَهِي عِنْد الْكُوفِيّين دخلت جَوَابا لمن قَالَ إِن زيدا لمنطلق فَمَا بازاء أَن وَالْبَاء بازاء اللَّام إِذْ اللَّام لتأكيد الْإِيجَاب وَالْبَاء لتأكيد النَّفْي (مشكل إعراب القرآن
    المؤلف: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ) ج 1/77
    -( ويحتمل عندي أن تكون اسماً وضع موضع مصدر من معنى ختم، لأن معنى ختم غشي وستر، كأنه قيل تغشية على سبيل التأكيد، وتكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة. وقال أبو علي: وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن يحمله على ختم الظاهر فيعرض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم فيجيء الكلام من باب:
    متقلداً سيفاً ورمحاً
    وقول الآخر:
    علفتها تبناً وماء باردا
    ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. انتهى كلام أبي علي، رحمه الله تعالى.)الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط «هو إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت 745 هـ)»المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد ج1ص33
    المسائل الصرفية :
    -غشاوة : وتصحح الواو لأن الكلمة بنيت على تاء التأنيث، كما صححوا اشتقاقه الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط « إعراب القرآن مستلًّا من (البحر المحيط) لأبي حيان الغرناطي (ت 745 هـ)»المؤلف: د. ياسين جاسم المحيميد ج1ص33
    المسائل التفسيرية في قول الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7{
    - تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُم ْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} وفيه مسائل:

    -الأولى : معنى الكفر
    وأمّا معنى الكفر في قوله: {إنّ الّذين كفروا} فإنّه الجحود؛ وذلك أنّ الأحبار من يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وستروه عن النّاس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
    وأصل الكفر عند العرب تغطية الشّيء ولذلك سمّوا اللّيل كافرًا لتغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشّاعر:
    فتذكّرا ثقلاً رثيدًا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر
    وقال لبيد بن ربيعة:
    في ليلةٍ كفر النّجوم غمامها
    يعني غطّاها.
    فكذلك الأحبار من اليهود غطّوا أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم وكتموه النّاس مع علمهم بنبوّته ووجودهم صفته في كتبهم. فقال اللّه جلّ ثناؤه فيهم: {إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّنّاه للنّاس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاّعنون} وهم الّذين أنزل اللّه عزّ وجلّ فيهم: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}). [جامع البيان: 1/ 258 -262]

    - الثانية :مالمقصود بالذين كفروا في الآية ؟
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا}
    اختلف أهل التّأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؛ فكان ابن عبّاسٍ يقول، كما حدّثنا به، محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك من ربّك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما قد جاءنا من قبلك ».
    فكان ابن عبّاسٍ يرى أنّ هذه الآية نزلت في اليهود الّذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توبيخًا لهم في جحودهم نبوّة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكذيبهم به، مع علمهم به ومعرفتهم بأنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم وإلى النّاس كافّةً.
    - وقد حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنّ صدر، سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجالٍ سمّاهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود، ومن المنافقين من الأوس والخروج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم.
    وقد روي عن ابن عبّاسٍ في تأويل ذلك قولٌ آخر.
    - وهو ما حدّثنا به المثنّى بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنى معاويه بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص على أن يؤمن جميع النّاس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره اللّه جلّ ثناؤه أنّه لا يؤمن إلاّ من سبق من اللّه السّعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلاّ من سبق له من اللّه الشّقاء في الذّكر الأوّل».
    - وقال آخرون بما حدّثت به، عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بن أنسٍ، قال:«آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، إلى قوله: {ولهم عذابٌ عظيمٌ} قال: وهم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار جهنّم يصلونها وبئس القرار} قال: فهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ».
    وأولى هذه التّأويلات بالآية تأويل ابن عبّاسٍ الّذي ذكره محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ عنه؛ وإن كان لكلّ قولٍ ممّا قاله الّذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهبٌ.
    فأمّا مذهب من تأوّل في ذلك ما قاله الرّبيع بن أنسٍ، فهو أنّ اللّه تعالى ذكره لمّا أخبر عن قومٍ من أهل الكفر بأنّهم لا يؤمنون، وأنّ الإنذار غير نافعهم، ثمّ كان من الكفّار من قد نفعه اللّه بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه لإيمانه باللّه وبالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به من عند اللّه بعد نزول هذه السّورة؛ لم يجز أن تكون الآية نزلت إلاّ في خاصٍّ من الكفّار. وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الأحزاب لا شكّ أنّهم ممّن لم ينفعه اللّه عزّ وجلّ بإنذار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاه حتّى قتلهم اللّه تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ، علم أنّهم ممّن عنى اللّه جلّ ثناؤه بهذه الآية. - الثالثة :علة القول بأن المراد في الآية اليهود
    وأمّا علّتنا في اختيارنا ما اخترنا من التّأويل في ذلك، فهي أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم وذمّ أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإنّ الجنس يجمع جميعهم بأنّهم بنو إسرائيل.
    وإنّما احتجّ اللّه جلّ ثناؤه بأوّل هذه السّورة لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الّذين كانوا مع علمهم بنبوّته منكرين نبوّته بإظهار نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانت تسرّه الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أنّ الّذي أطلعه على علم ذلك هو الّذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام، إذ كان ذلك من الأمور الّتي لم يكن محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيمكنهم ادّعاء اللّبس في أمره عليه الصّلاة والسّلام أنّه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند اللّه، وأنّى يمكنهم ادّعاء اللّبس في صدق أمّيٍّ نشأ بين أمّيّين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجّم، وانبعث على أخبار قرّاءٍ كتبةٍ، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم الّتي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إنّ أمر من كان كذلك لغير مشكلٍ، وإنّ صدقه والحمد للّه لبيّنٌ.
    وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا من أنّ الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هم أحبار اليهود الّذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتصّ من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم} الآيات، واحتجاجه لنبيّه عليهم بما احتجّ به عليهم فيها عند جحودهم نبوّته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مؤمني أهل الكتاب وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطًا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعضٍ تبعٌ، إلاّ أن تأتي دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عمّا ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفًا حينئذٍ انصرافه عنه.}
    يقول الطاهر بن عاشور: {وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ (الَّذِينَ كَفَرُوا) الْمَذْكُورِينَ هُنَا هُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ مَأْيُوسٌ مِنْ إِيمَانِهِمْ، فَالْإِتْيَانُ فِي ذِكْرِهِمْ بِالتَّعْرِيفِ بِالْمَوْصُولِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ مُرَادًا مِنْهُ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَزُعَمَاءِ الْعِنَادِ دُونَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا فِي أَيَّامِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ مَنْ آمَنَ بَعْدُ مِثْلَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِغْرَاق ِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكُفْرِ أَبْلَغُ أَنْوَاعِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: لَا يُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عَامًّا مَخْصُوصًا بِالْحِسِّ لِمُشَاهَدَةِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَوْ يَكُونُ عَامًّا مُرَادًا بِهِ الْخُصُوصُ بِالْقَرِينَةِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا اللَّذَانِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُمَا نَاظِرَانِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَبَيَّنَ بَعْدُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ.
    وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى مَعْنَى الَّذِينَ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشَّقَاءِ وَنَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يُونُس: 96] وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ وَشَتَّانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَنْظِيرِهِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ حَمَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَبِي رَافِعٍ يَعْنِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ فِيهَا مِنَ الْكَافِرِينَ سِوَى الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِي نَ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ وَإِعْرَاضٌ عَنِ السِّيَاقِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ذِكْرُ مَنْ حُرِمَ مِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ حَصَلَ لَهُمُ الِاهْتِدَاءُ بِهِ، وأيّا مَا مَا كَانَ فَالْمَعْنَى عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ فَرِيقًا خَاصًّا مِنَ الْكُفَّارِ لَا يُرْجَى إِيمَانُهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ اهْتِدَائِهِمْ بِالْقُرْآنِ كَانَ لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِم ْ لَا لِنَقْصٍ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْخَيْرِ وَهَدْيِهِ إِلَيْهِ. وَالْكُفْرُ بِالضَّمِّ: إِخْفَاءُ النِّعْمَةِ، وَبِالْفَتْحِ: السَّتْرُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ كَفَرَ إِذَا سَتَرَ.
    وَلَمَّا كَانَ إِنْكَارُ الْخَالِقِ أَوْ إِنْكَارُ كَمَالِهِ أَوْ إِنْكَارُ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ ضَرْبًا مِنْ كُفْرَانِ نِعْمَتِهِ عَلَىجَاحِدِهَا ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُفْرِ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ إِنْكَارُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ وَتَنَاقَلَتْهُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ الصَّحِيحَةِ الْمَاضِيَةِ حَتَّى عَلِمَهُ الْبَشَرُ وَتَوَجَّهَتْ عُقُولُهُمْ إِلَى الْبَحْثِ عَنْهُ وَنُصِبَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ كَوَحْدَانِيَّة ِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُودِهِ وَلِذَلِكَ عُدَّ أَهْلُ الشِّرْكِ فِيمَا بَيْنَ الْفَتْرَةِ كُفَّارًا. وَإِنْكَارُ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ وَدَعَوْتُهُ إِلَيْهِ وَعَدُّهُ فِي أُصُولِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْمُكَابَرَةِ فِي الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ وَلَوْ مَعَ اعْتِقَادِ صِدْقِهِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالْإِنْكَارِ دُونَ التَّكْذِيبِ. وَيَلْحَقُ بِالْكُفْرِ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ
    فعل لَا يجترىء عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِحَيْثُ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِ فَاعِلِهِ بِالْإِيمَانِ وَعَلَى إِضْمَارِهِ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ وَتَوَسُّلِهِ بِذَلِكَ إِلَى نَقْضِ أُصُولِهِ وَإِهَانَتِهِ بِوَجْهٍ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الظَّاهِرَ وَفِي هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ مَجَالٌ لِاجْتِهَادِ الْفُقَهَاءِ وَفَتَاوَى أَسَاطِينِ الْعُلَمَاءِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا بِحَسَبِ مَبْلَغِ دَلَالَةِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عَلَى طَعْنٍ أَوْ شَكٍّ. وَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَعْمَالَ أَوْ بَعْضَهَا الْمُعَيَّنَ فِي الْإِيمَانِ اعْتَبَرَ فَقْدَهَا أَوْ فَقْدَ بَعْضِهَا الْمُعَيَّنَ فِي الْكُفْرِ.
    قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِي ُّ: الْقَوْلُ عِنْدِي أَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ هُوَ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ فَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى، الثَّانِي أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ أَجْمَعَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى.
    وَنَقَلَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي «الْفَائِقِ» عَنِ الْأَشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْكُفْرَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الْقُرَافِيُّ فِي الْفِرَقِ 241 أَصْلُ الْكُفْرِ هُوَ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيَكُونُ بِالْجَهْلِ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ أَوْ بِالْجُرْأَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَجَالُ الصَّعْبُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي جُرْأَةٌ عَلَى اللَّهِ. }التحرير والتنوير ج1ص294

    يتبع







    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    37,096

    افتراضي رد: بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة

    بحث حول الآية السادسة والآية السابعة من سورة البقرة
    أنس بن محمد بوابرين

    - الثالثة :علة القول بأن المراد في الآية اليهود

    وأمّا علّتنا في اختيارنا ما اخترنا من التّأويل في ذلك، فهي أنّ قول اللّه جلّ ثناؤه: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} عقيب خبر اللّه جلّ ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأولى الأمور بحكمة اللّه أن يتلى ذلك الخبر عن كفّارهم ونعوتهم وذمّ أسبابهم وأحوالهم، وإظهار شتمهم والبراءة منهم؛ لأنّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحواله باختلاف أديانهم، فإنّ الجنس يجمع جميعهم بأنّهم بنو إسرائيل.
    وإنّما احتجّ اللّه جلّ ثناؤه بأوّل هذه السّورة لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مشركي اليهود من أحبار بني إسرائيل الّذين كانوا مع علمهم بنبوّته منكرين نبوّته بإظهار نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كانت تسرّه الأحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الأحبار منهم ليعلموا أنّ الّذي أطلعه على علم ذلك هو الّذي أنزل الكتاب على موسى عليه السلام، إذ كان ذلك من الأمور الّتي لم يكن محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، فيمكنهم ادّعاء اللّبس في أمره عليه الصّلاة والسّلام أنّه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند اللّه، وأنّى يمكنهم ادّعاء اللّبس في صدق أمّيٍّ نشأ بين أمّيّين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجّم، وانبعث على أخبار قرّاءٍ كتبةٍ، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم، يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم الّتي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟ إنّ أمر من كان كذلك لغير مشكلٍ، وإنّ صدقه والحمد للّه لبيّنٌ.
    وممّا ينبئ عن صحّة ما قلنا من أنّ الّذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هم أحبار اليهود الّذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص اللّه تعالى ذكره نبأهم وتذكيره إيّاهم ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمّدٍ عليه الصّلاة والسّلام بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتصّ من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن إبليس وآدم في قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الّتي أنعمت عليكم} الآيات، واحتجاجه لنبيّه عليهم بما احتجّ به عليهم فيها عند جحودهم نبوّته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مؤمني أهل الكتاب وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطًا عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعضٍ تبعٌ، إلاّ أن تأتي دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عمّا ابتدئ به من معانيه، فيكون معروفًا حينئذٍ انصرافه عنه. [جامع البيان: 1/ 263 -265]
    قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
    قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}
    - حدّثني أبي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالحٍ المصريّ، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، حدّثني عبيد اللّه بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد اللّه بن عمرٍو، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
    قيل يا رسول اللّه إنّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نأيس. فقال: « ألا أخبركم؟» ، ثمّ قال: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} هؤلاء أهل النّار»،قالوا: لسنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: « أجل».
    - حدّثنا محمّد بن يحيى أنبأ أبو غسّان محمّد بن عمرٍو زنيجٌ، ثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق قال: فيما حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ:«{إنّ الّذين كفروا} أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنّا قد آمنّا بما جاءنا قبلك، {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك».
    - حدّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح، ثنا آدم، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع ابن أنسٍ، عن أبي العالية قال: « آيتان في قادة الأحزاب: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: هم الّذين ذكرهم اللّه في هذه الآية: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمت اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار}».). [تفسير القرآن العظيم: 1/ 40]
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
    معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة:

    في ليلة كفر النجوم غمامها

    أي سترها ومنه سمي الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده، قال الشاعر: [ثعلبة بن صغيرة]:

    فتذكر ثقلا رثيدا بعد ما ....... ألقت ذكاء يمينها في كافر

    ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، فــــ «كفر» في الدين معناه غطى قلبه بالرّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله.
    واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها.
    فقال قوم: «هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد».
    وقال ابن عباس: «نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب، وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم»، وقال الربيع بن أنس: «نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر».
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ، لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب، والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية.
    وقوله: {سواءٌ عليهم} معناه معتدل عندهم، ومنه قول الشاعر: [أعشى قيس]:

    وليل يقول الناس من ظلماته ....... سواء صحيحات العيون وعورها

    قال أبو علي: في اللفظة أربع لغات: سوى بكسر السين، وسواء بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومن العرب من يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك.
    ويقال سي بمعنى سواء كما قالوا: «قي، وقواء»، وسواءٌ رفع على خبر إنّ، أو رفع على الابتداء وخبره فيما بعده، والجملة خبر إنّ، ويصح أن يكون خبر إنّ لا يؤمنون.
    وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع: «آنذرتهم» بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في جميع القرآن، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مد أبي عمرو أطول من مد ابن كثير، لأنه يدخل بين الهمزتين ألفا، وابن كثير لا يفعل ذلك.
    وروى قالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع إدخال الألف بين الهمزتين مع تخفيف الثانية، وروى عنه ورش تخفيف الثانية بين بين دون إدخال ألف بين الهمزتين، فأما عاصم وحمزة والكسائي إذا حقق وابن عامر: فبالهمزتين «أأنذرتهم»، وما كان مثله في كل القرآن.
    وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما.
    وقرأ الزهري وابن محيصن «أنذرتهم» بحذف الهمزة الأولى، وتدل أم على الألف المحذوفة، وكثر مكي في هذه الآية بذكر جائزات لم يقرأ بها، وحكاية مثل ذلك في كتب التفسير عناء. والإنذار إعلام بتخويف، هذا حده، وأنذرت فعل يتعدى إلى مفعولين.
    قال الله عز وجل: {فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود} [فصلت: 13]، وقال: {إنّا أنذرناكم عذاباً قريباً} [النساء: 40] وأحد المفعولين في هذه الآية محذوف لدلالة المعنى عليه.
    وقوله تعالى: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الخبر، وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام لأن فيه التسوية التي هي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا قلت مخبرا سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، وإذا قلت مستفهما أخرج زيد أم قام، فقد استوى الأمران عندك، هذان في الخبر، وهذان في الاستفهام وعدم علم أحدهما بعينه، فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته إياه في الإبهام، وكل استفهام تسوية، وإن لم تكن كل تسوية استفهاما). [المحرر الوجيز: 1/ 110-112]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)}
    يقول تعالى: {إنّ الّذين كفروا} أي: غطوا الحقّ وستروه، وقد كتب اللّه تعالى عليهم ذلك، سواءٌ عليهم إنذارك وعدمه، فإنّهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى: {إنّ الّذين حقّت عليهم كلمة ربّك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كلّ آيةٍ حتّى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97]، وقال في حقّ المعاندين من أهل الكتاب: {ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قبلتك} الآية [البقرة: 145] أي: إنّ من كتب اللّه عليه الشّقاوة فلا مسعد له، ومن أضلّه فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ، وبلّغهم الرّسالة، فمن استجاب لك فله الحظّ الأوفر، ومن تولّى فلا تحزن عليهم ولا يهمدنّك ذلك؛ {فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرّعد: 40]، و {إنّما أنت نذيرٌ واللّه على كلّ شيءٍ وكيلٌ}[هودٍ: 12].
    وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} قال: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرص أن يؤمن جميع النّاس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللّه تعالى أنّه لا يؤمن إلّا من سبق له من اللّه السعادة في الذّكر الأوّل، ولا يضلّ إلّا من سبق له من اللّه الشّقاوة في الذّكر الأوّل».
    وقال محمّد بن إسحاق: حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: «{إنّ الّذين كفروا} أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنّا قد آمنّا بما جاءنا قبلك{سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: إنّهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟!».
    وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ، عن أبي العالية، قال:«نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الّذين قال اللّه فيهم: {ألم تر إلى الّذين بدّلوا نعمة اللّه كفرًا وأحلّوا قومهم دار البوار * جهنّم يصلونها} [إبراهيم: 28، 29]».
    والمعنى الّذي ذكرناه أوّلًا وهو المرويّ عن ابن عبّاسٍ في رواية عليّ بن أبي طلحة، أظهر، ويفسّر ببقيّة الآيات الّتي في معناها، واللّه أعلم.
    وقد ذكر ابن أبي حاتمٍ هاهنا حديثًا، فقال: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالحٍ المصريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثني عبد اللّه بن المغيرة، عن أبي الهيثم عن عبد اللّه بن عمرٍو، قال: قيل: يا رسول اللّه، إنّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: "ألا أخبركم"، ثمّ قال: "{إنّ الّذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}هؤلاء أهل النّار". قالوا: لسنا منهم يا رسول اللّه؟ قال: "أجل".
    [وقوله: {لا يؤمنون} محلّه من الإعراب أنّه جملةٌ مؤكّدةٌ للّتي قبلها: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: هم كفّارٌ في كلا الحالين؛ فلهذا أكدّ ذلك بقوله: {لا يؤمنون}، ويحتمل أن يكون {لا يؤمنون} خبرًا لأنّ تقديره: إنّ الّذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} جملةٌ معترضةٌ، واللّه أعلم] ). [تفسير ابن كثير: 1/ 173-174]

    - الرابعة : المراد بالإستفهام في قوله (أأنذرتهم)
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :
    وأمّا قوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فإنّه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبرٌ؛ لأنّه وقع موقع أيّ، كما تقول: لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ لوقوع ذلك موقع أيّ، وذلك أنّ معناه إذا قلت ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} لمّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيّ هذين كان منك إليهم، حسن في موضعه مع سواءٍ: أفعلت أم لم تفعل.
    وقد كان بعض نحويّي أهل البصرة يزعم أنّ حرف الاستفهام إنّما دخل مع سواءٍ وليس باستفهامٍ، لأنّ المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ مستثبتٌ صاحبه أيّهما عنده، فليس أحدهما أحقّ بالاستفهام من الآخر، فلمّا كان قوله: {سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} بمعنى التّسوية، أشبه ذلك الاستفهام إذ أشبهه في التّسوية، وقد بيّنّا الصّواب في ذلك.
    فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمّد على هؤلاء الّذين جحدوا نبوّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها، وكتموا بيان أمرك للنّاس بأنّك رسولي إلى خلقي، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبيّنوه للنّاس ويخبروهم أنّهم يجدون صفتك في كتبهم؛ {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} فإنّهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحقّ ولا يصدّقون بك وبما جئتهم به.
    - كما حدّثنا محمّد بن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن أبي محمّدٍ، مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ:{سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي أنّهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكرٍ وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك؛ فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم ممّا جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك). [جامع البيان: 1/ 263 -265]
    -تفسير قوله تعالى :(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ) وفيه مسائل :
    -الأولى : الختم على القلوب والأسماع وكيفية الختم عليها
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ}
    قال أبو جعفرٍ: وأصل الختم: الطّبع، والخاتم: هو الطّابع يقال منه: ختمت الكتاب، إذا طبعته.
    فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يختم على القلوب، وإنّما الختم طبعٌ على الأوعية والظّروف والغلف.
    قيل: فإنّ قلوب العباد أوعيةٌ لما أودعت من العلًوم وظروفٌ لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع الّتي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات، نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظّروف.
    فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفها لنا فنفهمها؟ أهي مثل الختم الّذي يعرف لمّا ظهر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟
    قيل: قد اختلف أهل التّأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.
    - فحدّثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرّمليّ، قال: حدّثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذا، يعني الكفّ، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى، فإذا أذنب ضمّ، وقال بأصبعٍ أخرى هكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها»، قال: «ثمّ يطبع عليه بطابعٍ»، قال مجاهدٌ: «وكانوا يرون أنّ ذلك الرّين».
    - حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، قال: «القلب مثل الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتّى يقبض أصابعه كلّها، وكان أصحابنا يرون أنّه الرّان».
    - حدّثنا القاسم بن الحسن، قال: حدّثنا الحسين بن داود، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: حدّثنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ: الختم ختمٌ على القلب والسّمع.
    - حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عبد اللّه بن كثيرٍ، أنّه سمع مجاهدًا، يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ ذلك كلّه».
    وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه جلّ ثناؤه عن تكبّرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
    والحقّ في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
    - وهو ما حدّثنا به، محمّد بن يسارٍ، قال: حدّثنا صفوان بن عيسى، قال: حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:«إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتّى يغلّق قلبه؛ فذلك الرّان الّذي قال اللّه جلّ ثناؤه: {كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}».
    فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب، إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه عزّ وجلّ والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر منها مخلّصٌ، فذلك هو الطّبع والختم الّذي ذكره اللّه تبارك وتعالى في قوله: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلاّ بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصلّ الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم، إلاّ بعد فضّه خاتمه وحلّه رباطه عنها.
    ويقال لقائلي القول الثّاني الزّاعمين أنّ معنى قوله جلّ ثناؤه: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الّذي دعوا إليه من الإقرار بالحقّ تكبّرًا: أخبرونا عن استكبار الّذين وصفهم اللّه جلّ ثناؤه بهذه الصّفة وإعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللّواحق به، أفعلٌ منهم، أم فعلٌ من اللّه تعالى ذكره بهم؟
    فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم وذلك قولهم، قيل لهم: فإنّ اللّه تبارك وتعالى قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وسمعهم، وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبّره عن الإقرار به، وهو فعله عندكم ختمًا من اللّه على قلبه وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه فعل اللّه عزّ وجلّ دون فعل الكافر؟ فإن زعموا أنّ ذلك جازٌ أن يكون كذلك، لأنّ تكبّره وإعراضه كانا عن ختم اللّه على قلبه وسمعه، فلمّا كان الختم سببًا لذلك جاز أن يسمّى مسبّبه به؛ تركوا قولهم، وأوجبوا أنّ الختم من اللّه على قلوب الكفّار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبّره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به، وذلك دخولٌ فيما أنكروه.
    وهذه الآية من أوضح الدلّيل على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلاّ بمعونة اللّه؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر أنّه ختم على قلوب صنفٍ من كفّار عباده وأسماعهم، ثمّ لم يسقط التّكليف عنهم ولم يضع عن أحدٍ منهم فرائضه ولم يعذره في شيءٍ ممّا كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطّبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أنّ لجميعهم منه عذابًا عظيمًا على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك أنّهم لا يؤمنون). [جامع البيان: 1/ 265 -268]
    قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ}
    قال أبو جعفرٍ: وقوله: {وعلى أبصارهم غشاوةٌ} خبر مبتدأٍ بعد تمام الخبر عمّا ختم اللّه جلّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الّذين مضت قصصهم، وذلك أنّ {غشاوةٌ} مرفوعةٌ بقوله:{وعلى أبصارهم} فذلك دليلٌ على أنّه خبر مبتدأٍ، وأنّ قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} قد تناهى عند قوله: {وعلى سمعهم} وذلك هو القراءة الصّحيحة عندنا لمعنيين.
    أحدهما: اتّفاق الحجّة من القرّاء والعلماء على الشّهادة بتصحيحها، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عمّا هم على تخطئته مجمعون؛ وكفى بإجماع الحجّة على تخطئة قراءة شاهدًا على خطئها.
    والثّاني: أنّ الختم غير موصوفةٍ به العيون في شيءٍ من كتاب اللّه، ولا في خبرٍ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا موجودٌ في لغة أحدٍ من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورةٍ أخرى: {وختم على سمعه وقلبه} ثمّ قال: {وجعل على بصره غشاوةً} فلم يدخل البصر في معنى الختم، وذلك هو المعروف في كلام العرب. فلم يجز لنا ولا لأحدٍ من النّاس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلّتين اللّتين ذكرت، وإن كان لنصبها مخرجٌ معروفٌ في العربيّة.
    وبما قلنا في ذلك من القول والتّأويل، روي الخبر عن ابن عبّاسٍ.
    - حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ: «{ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} والغشاوة على أبصارهم».[جامع البيان: 1/ 269 - 273]
    - الثانية : في معنى الغشاوة
    قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {ختم اللّه} مأخوذ من الختم وهو الطبع، والخاتم الطابع، وذهبت طائفة من المتأولين إلى أن ذلك على الحقيقة، وأن القلب على هيئة الكف ينقبض مع زيادة الضلال والإعراض إصبعا إصبعا.
    وقال آخرون: ذلك على المجاز، وإن ما اخترع له في قلوبهم من الكفر والضلال والإعراض عن الإيمان سماه ختما.
    وقال آخرون ممن حمله على المجاز: «الختم هنا أسند إلى الله تعالى لما كفر الكافرون به وأعرضوا عن عبادته وتوحيده، كما يقال أهلك المال فلانا وإنما أهلكه سوء تصرفه فيه».
    وقرأ الجمهور: وعلى سمعهم.
    وقرأ ابن أبي عبلة: «وعلى أسماعهم»، وهو في قراءة الجمهور مصدر يقع للقليل والكثير، وأيضا فلما أضيف إلى ضمير جماعة دل المضاف إليه على المراد، ويحتمل أن يريد على مواضع سمعهم فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
    والغشاوة الغطاء المغشي الساتر، ومنه قول النابغة:

    هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ....... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما

    وقال الآخر: [الحارث بن خالد المخزومي]:

    تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ....... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

    ورفع غشاوة على الابتداء وما قبله خبره.
    وقرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي عنه «غشاوة» بالنصب على تقدير وجعل على أبصارهم غشاوة، والختم على هذا التقدير في القلوب والأسماع، والغشوة على الأبصار، والوقف على قوله وعلى سمعهم.
    وقرأ الباقون «غشاوة» بالرفع.
    قال أبو علي: «وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به» وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم، فيجيء الكلام من باب:

    ... ... ... ... ....... «متقلدا سيفا ورمحا»

    وقول الآخر:

    ... ... ... ... ....... علفتها تبنا وماء باردا

    ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة».
    قال: «ولم أسمع من الغشاوة فعلا مصرفا بالواو، فإذا لم يوجد ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم الغشيان فالغشاوة من غشي كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء، إذ لم يصرف منه فعل كما لم يصرف من الجباوة».
    وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار، والوقف في قوله على قلوبهم.
    وقال آخرون: «الختم في الجميع، والغشاوة هي الخاتم».
    قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد ذكرنا اعتراض أبي عليّ هذا القول.
    وقرأ أبو حيوة «غشوة»، بفتح الغين والرفع، وهي قراءة الأعمش.
    وقال الثوري: «كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «غشية» بفتح الغين والياء والرفع».
    وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين، وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك.
    وقوله تعالى: {ولهم عذابٌ عظيمٌ}: معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك، وعظيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد). [المحرر الوجيز: 1/ 112 -115]
    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ (7)}
    قال السّدّيّ: {ختم اللّه} أي: طبع اللّه، وقال قتادة في هذه الآية: «استحوذ عليهم الشّيطان إذ أطاعوه؛ فختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ، فهم لا يبصرون هدًى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون».
    وقال ابن جريج: قال مجاهدٌ: {ختم اللّه على قلوبهم} قال: «نبّئت أنّ الذّنوب على القلب تحفّ به من كلّ نواحيه حتّى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطّبع، والطّبع الختم»، قال ابن جريجٍ:«الختم على القلب والسّمع».
    قال ابن جريج: وحدّثني عبد اللّه بن كثير، أنّه سمع مجاهدًا يقول: «الرّان أيسر من الطّبع، والطّبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشدّ من ذلك كلّه».
    وقال الأعمش: أرانا مجاهدٌ بيده فقال: «كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذه -يعني: الكفّ-فإذا أذنب العبد ذنبًا ضمّ منه»، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، «فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى،« فإذا أذنب ضمّ»، وقال بأصبعٍ أخرى وهكذا، حتّى ضمّ أصابعه كلّها، ثمّ قال:«يطبع عليه بطابعٍ».
    وقال مجاهدٌ: «كانوا يرون أنّ ذلك: الرّين».
    ورواه ابن جريرٍ: عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، بنحوه.
    قال ابن جريرٍ: وقال بعضهم: إنّما معنى قوله: {ختم اللّه على قلوبهم} إخبارٌ من اللّه عن تكبّرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ، كما يقال: إنّ فلانًا لأصمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرًا.
    قال: وهذا لا يصحّ؛ لأنّ اللّه قد أخبر أنّه هو الّذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
    (قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
    قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
    قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
    وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
    وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
    ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها]. [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]

    -الثالثة : في بيان هل الختم والغشاوة على الحقيقة أو المجاز

    قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({
    قلت): وقد أطنب الزّمخشريّ في تقرير ما ردّه ابن جريرٍ هاهنا وتأوّل الآية من خمسة أوجهٍ وكلّها ضعيفةٌ جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلّا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحقّ إليها قبيحٌ عنده -تعالى اللّه عنه في اعتقاده-ولو فهم قوله تعالى: {فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم}، وقوله: {ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّةٍ ونذرهم في طغيانهم يعمهون} وما أشبه ذلك من الآيات الدّالّة على أنّه تعالى إنّما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحقّ، وهذا عدلٌ منه تعالى حسنٌ وليس بقبيحٍ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، واللّه أعلم.
    قال القرطبيّ: وأجمعت الأمّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وصف نفسه بالختم والطّبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم كما قال: {بل طبع اللّه عليها بكفرهم} وذكر حديث تقليب القلوب: «ويا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك»، وذكر حديث حذيفة الّذي في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأيّ قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء وأيّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصّفاء فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السّموات والأرض، والآخر أسود مربادٌّ كالكوز مجخّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا» الحديث.
    قال والحقّ عندي في ذلك ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو ما حدّثنا به محمّد بن بشّارٍ، حدّثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه، فذلك الرّان الّذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطفّفين: 14] ».
    وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه التّرمذيّ والنّسائيّ، عن قتيبة، عن اللّيث بن سعدٍ، وابن ماجه عن هشام بن عمّارٍ عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلمٍ، ثلاثتهم عن محمّد بن عجلان، به.
    وقال التّرمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
    ثمّ قال ابن جريرٍ: فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الذّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل اللّه تعالى والطّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلكٌ، ولا للكفر عنها مخلّصٌ، فذلك هو الختم والطّبع الّذي ذكر في قوله تعالى: {ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم} نظير الطّبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظّروف، الّتي لا يوصل إلى ما فيها إلّا بفضّ ذلك عنها ثمّ حلّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف اللّه أنّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلّا بعد فضّ خاتمه وحلّه رباطه [عنها]. [تفسير ابن كثير: 1/ 174 - 176]









    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •