دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية .. العمل التشاركي وصناعة التاريخ
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية .. العمل التشاركي وصناعة التاريخ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,927

    افتراضي دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية .. العمل التشاركي وصناعة التاريخ

    دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية .. الارتكاز على العمل المادي والغيبي (1)


    حسن الخطاف

    مرَّت بنا منذ أيامٍ ذكرى هجرة النبي عليه الصلاة والسلام من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وفي الهجرة دروس وعِبَر وأبعاد حضارية، فالهجرة النبوية حدث غيَّر مجرى التاريخ، فلولا الهجرة لَما كانت المدينة المنورة، وَلَما كان الفتح الإسلامي للجزيرة العربية ولا لغيرها من دمشق وبغداد وقرطبة … ولا للحضارة الإسلامية بجميع تجلياتها العلمية والعسكرية والفنية والتجارية والأخلاقية…
    وسنقف عند بعض هذه الدلالات مُخصِّصين لكل دلالة مقالا صغيرا.
    الذي يتابع هجرة النبي عليه الصلاة والسلام يجد أنّها تستند على العمل المادي المرتكز على الخضوع للغيب والمعجزات، وهذا أمر مهم، فقد قامت الهجرة كاملة على كل ما يمكن أنْ يقوم بها الإنسان العادي مع الاعتماد والاتكال على الله تعالى، فقد أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بالأسباب المادية وكأنها كلُّ شيء، ثم يتَّجه إلى الله تعالى وكأنَّ الأسباب المادية لاشيء، وأكثر ما تجلَّى ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه فيما حكاه عنه ربنا في القرآن الكريم { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) } [التوبة: 40].
    ذكر البخاري هذه الآية في باب هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى المدينة، وذكر معها حديث أبي بكر رضي الله عنه قال :” كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: «اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما» [1] .
    يقول النبي لأبي بكر لا تحزن، ويقول له اثنان الله ثالثهما، وكلُّه ثقة برعاية الله تعالى وحفظه له، ولكنه لم يقل ذلك إلا بعد أنْ قام بكل ما يمكن أن يقوم به من يريد الهجرة من الأخذ بالأسباب المادية.
    هذه الثنائية الجمع بين المادي والغيبي نلحظها من أوَّل خطوة خطاها النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة، وسار عليها في كل شأن من شؤون حياته.
    ابتداءً خرج النبي ليلا متجها إلى جهة غار ثور جنوبا نحو اليمن بخلاف جهة المدينة، يقول المباركفوري (ت:1427ه) :” ثم غادرا منزل الأخير – منزل أبي بكر- من باب خلفي، ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أن يطلع الفجر، ولما كان النبي عليه السلام يعلم أن قريشا ستجدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن” ([2]).
    الشخص الطبيعي بمعزل عن الوحي لا يخرج نهارا إلا في حالة التحدي، وهذا لم يكن مقصودا له صلى الله عليه وسلم، كما أنه يُستَبعد من الإنسان الطبيعي أن يخرج إلى جهة المدينة من جهة الشمال الشرقي؛ لأنَّ من يطارده سيتوجَّه أولا إلى طريق المدينة تتبُّعا له، ومن هنا خرج النبي إلى جهة اليَمن تعمية على قومه.
    ثقة النبي عليه الصلاة والسلام بنصر الله له لاتصل إليها ثقة العالم كله ولو اجتمع، وكان بالإمكان أنْ يخرج النبي نهارا جهارا من وسط القوم من غير أنْ يناله أيُّ أذى، كأنْ تُشل اليد التي تمتد إليه، أو يركب النبي فرسا يعجز أعداؤه عن لحاقه أو… ولكّنَّ النبي أراد أنْ يعلمنا الأخذ بالأسباب وكأنها كلُّ شيء، وهذا هو المنهج الذي سار عليه النبي عليه الصلاة والسلام في كل شأنٍ من شؤون حياته، وهو ذات المنهج الذي حدَّثنا القرآن لِما حصل مع أنبيائه، ولأجل هذا نجد بعض الأنبياء يهاجرون ويجاهدون، يُجرحون ويُقتلون… وما أروع قوله الله تعالى مخاطبا مريم عليها السلام { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) } [مريم: 25]
    أليس من الأجدى والأحرى بالمنظور البشري أن يُنزِل الله عليها الرطب من غير مدّ يدٍ !، وما ذا عساها أن تفعل اليد الضعيفة التي تعاني من ألم الولادة مع جذع شجرة النَّخل التي قد يعجز العشرات من الرجال الأشداء في هزها!، لكَّنه الأخذ بالأسباب المادية مع الاعتماد والاتكال على الله تعالى.
    وكان النبي بغنى أن يصحب أبا بكر وأن يخرج ليلا وأن يدخل الغار، فدخوله للغار والاحتماء به من حيث الظاهر هو هروب من قومه خشية اللحاق به، وهو تعليم لنا ليس إلا.
    الهجرة نموذج لحياة النبي في الاعتماد على العمل المادي المرتكز على المعجزات
    لم تكن المعجزات الآنية أصلا بارزا في حياة النبي عليه ىالصلاة والسلام، ونقصد بالمعجزات الآنية المعجزات التي كانت مؤقتة بوقت محدد وانتهت، وذلك كالإسراء والمعراج ونبع الماء من أصابعه… فقد كان العمل والجد والنشاط والتعامل مع ظواهر الأمور هو الأصل، فالنبي مرض واشتد عليه المرض وتطبّب، وأكل وشرب وجاع، وفرح وغضب، وباع واشترى وارتهن، وعاتبه ربُّه في أكثر من مواطن، واتُّهمت زوجه المصون الطاهرة عائشة رضي الله عنها، وكان بالإمكان أنْ تنزل براءتها مباشرة من غير الخوض في عرضها، وكم هو صعب على المرء الشريف أن يُتَّهم في عرضه فكيف بالنبي… وأُخرِج من قومه، وناصر وجُرِح وقاتل ،فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟»[3]، فأنزل الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128]،
    ومن المهم جدا أن أن نبين أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام ماكان ينتظر المعجزات وما كان يطلبها بل يستعد في الأخذ بالأسباب وكأنَّها لن تحصل معجزة البتة، والنماذج كثيرة من حياته التي تدل على ذلك وحسبنا موقفه في غزوة بدر، فالنبي استشار قومه وخاصة الأنصار ولبسه لباس الحرب، وعسكر في أدنى ماءٍ من بدر ، ” وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقّد الرجال، وينظّم الصفوف، ويسدي النصائح” [4] حتى إذا قام بما يقوم به البشر من الاستعداد التام لجأ إلى الرحمن طالبا العون والنصر والإمداد، ومن سُنَّة الله تعالى أن لايردّ دعاءً ولايخيب رجاءً فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ” لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القِبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه، مادا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] فأمده الله بالملائكة” [5] وحقَّق له النصر وأقر به عينه وأعين المسلمين.
    كل ذلك ليرسم النبي – بتوجيه من الله تعالى -حياة للمسلمين بالاعتماد على الظاهر وكأنه كلُّ شيء مع الاتكال على الله تعالى، وبذلك حقَّق المسلمون نهضة حضارية لاحدود لها، فلم يجلسوا في المدينة وينتظروا النصر من غير عدِّة له، فقد استعدوا للقتال حتى لبسوا الرقاع[6]، ولم يجلسوا في بيوتهم طلبا للعمل من غير هجرة ومعاناة، فقد رأوا في العمل والعلم… أمورا لابدَّ منها ثم يأتي بعد ذلك الاعتماد على الله تعالى في التوفيق والتيسير.

    [1] البخاري، صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، رقم: 3922

    ([2]) المباركفوري (صفي الرحمن)، الرحيق المختوم، دار الهلال – بيروت، الطبعة: الأولى، ص 148.

    [3] مسلم، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، رقم: 1791.

    [4] الغزالي، فقه السيرة للغزالي، ص 232.

    [5] مسلم، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم صحيح مسلم، رقم: 1763.

    [6] من ذلك غزرو ذات الرقاع، وسُميت بذلك، لأنهم لفوا على أقدامهم الخِرَق، انظر: محمد بن يوسف الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: 5/ 180.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,927

    افتراضي رد: دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية .. العمل التشاركي وصناعة التاريخ


    دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية .. الارتكاز على العمل المادي والغيبي (2)


    حسن الخطاف

    من دلالات الهجرة النبوية وأبعادها الحضارية العمل الجماعي التشاركي البعيد عن الفردية والذّاتية لصناعة التاريخ: تاريخ الأفكار والأحداث والجماعة والدولة والأمة، تاريخ العمل والمؤسسة والبيت …وهذا ملحظٌ نجده من أول التخطيط للهجرة إلى نهاية الرحلة.
    فالهجرة حدث لم يصنعه النبي عليه الصلاة والسلام لوحده، وإنْ كان هو المخطط والموجِّه، وكان بالإمكان الاستغناء عن هذا العمل الجماعي الذي شارك فيه سبعة وهم: محمد النبي عليه الصلاة والسلام موجِّها، وأبو بكر رضي الله عنه مصاحبان وعلي بن أبي طالب الذي نائما في فراشه ليردَّ الأمانات وأسماء بنت أبي بكر، وعبد الله بن أريقط دليلهما الذي جاء براحلتين، وعامر بن فهيرة الذي كان يرعى غنمه نهارا ويريحها عليهما ليلا، وعبد الله بن أبي بكر الذي كان يخرج من عندهما بسحر فيصبح في قريش بائتا فيها من غير أن يشعر به احد ويتنصت الأخبار في مكة وينقلها لهما ليلا[1].
    ومع خطورة الأمر الذي يقتضي السِّرية نجد النبي عليه الصلاة والسلام يتشارك مع الجماعة لصناعة هذا الحدث، ليبين لنا منزلة الجماعة في صناعة التاريخ والحضارة.
    من أبرز مقتضيات العمل الجماعي هو روح الفريق وتفاهمهم، والثقة والأمانة والاطمئنان فيما بينهم، والالتزام بالسِّرية المطلقة، وحيثما فُقد شرط من ذلك فالعمل الجماعي لايفلح، وعندها يصبح كتمان السر والعمل الفردي هو الأساس، ولو لم يكن النبي مطمئنا كل الاطمئنان لهم لَمَا اشترك معهم في هذه الرحلة الطويلة الخطيرة.
    والذي نلحظه أنَّ هذا الحدث الذي اشترك فيه كلُّ أطياف المجتمع: محمد نبي وسيد، وأبو بكر صاحب المنزلة المرموقة في مجتمعه، وكان شيخا في العمر، وأسماء ابنته وهي الوحيدة من النساء التي شاركت الحدث، وراعي الغنم عامر بن فهيرة وهو مولى أبي بكر، وابنه عبد الله وهو ” وهو غلام شاب ثقف لقن”[2]، وعبد الله بن أريقط.
    أي أنَّ هذه الرحلة اشترك فيه الشاب والشيخ والغني والفقير والرجل والمرأة، والمسلم وغيره حيث كان عبد الله بن أريقط على دين قومه، ومع هذا استأجره أبو بكر رضي الله عنه نَظَرا لأمانته.
    هكذا تُبنى المجتمعات من خلال العمل الجماعي التشاركي البعيد عن الأنانية والذاتية والافتخار بالفردية، فلم يكن النبي يبجِّل نفسه ويعظمها – مع أنه أهل لذلك- وما كان عليه الصلاة والسلام يشير إلى نفسه إلا إذا تطلبَّ الأمر ذلك، ولم يحصل هذا مع النبي إلا في حالات الجدِّ والشدائد، حصل ذلك عند قعقعة الرماح وصلصلة السيوف، وبلوغ القلوب الحناجر فقد ثبت في” معركة أحد، ويوم حنين، حين انكشف عنه الشجعان، وخلا الميدان، وهو ثابت على بغلته، كأن لم يكن شيء ويقول أنا النبيّ لا كذب … أنا ابن عبد المطلب”[3] والعادة في مثل هذه المواقف تنحني الرؤوس وتلتفت الوجوه حتى لا تُعرف.
    هذا العمل الجماعي هو أساس العمران والحضارة، فالفرد لايصنع التاريخ، ولو ادَّعى ذلك كذبا وزوزا كماحدث في العصور المتأخرة، فالتاجر والمهندس والطبيب والعالم والفلاح وعامل التنظيفات والمرأة والغلام وراعي الإبل وصاحب المدجنة وسائق السيارة والباخرة … هم بمجموعهم بنوا المساجد والمدارس والمعامل والمصانع، والمصحَّات والمستشفيات، والمكاتب والمطارات، وفتحوا الأنفاق ورفعوا الجسور، وهم الذي صنعوا السفن والبواخر وعبَّدوا الطرق وشيَّدوا المباني… فالفضل في ذلك يرجع إلى مجموعهم وليس- كما حدث في عصور الانحطاط والتَّرهُّل- إلى القائد المُلهم والزعيم الأوحد، الذي لم ولن تلد مثله النساء!!.
    هذا هو الدَّرس الحضاري الذي نأخذه من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الشيء الذي استمر عليه طيلة حياته عليه الصلاة والسلام حتى غدا الاجتماع على الخير وفعله من أعظم مقاصد الشريعة وصار من أوسع أبوابها، فكلُّ خير يُطلب من المرء فعله تُستحسن فيه الجماعات، ولأجل هذا صار الاجتماع مطلوب في الصلوات وفي أماكن الخير والوقوف أمام الظالمين، وفعل المعروف، بل حتى في الطعام فقد:”قالوا: يا رسولَ الله، إنا نأكُلُ ولا نَشْبَعُ، قال: “فلعَلَّكم تَفْتَرِقُون؟ ” قالوا: نَعَمْ، قال: “فاجْتَمِعُوا على طَعامِكُم، واذكُرُوا اسمَ الله عليه، يُبارَك لكم فيه” [4]، ولأجل هذا جاءت النصوص حاثَّة على الجماعة محذِّرة من التفرق والشرذمة.
    هكذا يُصنع التاريخ وتُصنَع الأمة وتُصنَع مقدراتها وإمكانياتها ووحدتها وتُصهر وكأنها لَبنة وجسد واحد، له مشاعره وأحاسيسه وآلامه ليكون أمَّة واحدة من دون الناس، { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)} [الأنبياء: 92]، والصانع لها والموجِّه هو النبي عليه الصلاة والسلام، وقد بدأت خيوط الصناعة من الهجرة، حتى إذا استقرَّ النبي في المدينة واستراح من عناء الهجرة وآلامها ظهرت ملامح الصناعة وأُطُرُها في وثيقة المدينة :” هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس” [5] أمة الدّعوة والإجابة، أمة الكلمة والعلم والرَّشَد، أمة الجماعة وصناعة المؤسسة، ونصرة المظلوم والقضاء على الفردية، أمة يُضرب بها المثل ” مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[6].
    أين هذه الصناعة التي بزغ فجرها من بواكير هجرة المصطفى واكتمل بناؤها في المدينة مِن فكرة الفردية والأنا والجشع وادِّعاء الكمال المنفرد وتذويب الجماعة ليظهر الصوت الحقيقي، الصوت الذي يراه صاحبه هو الوحيد، صوت الأنا والكبرياء والتعالي {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)} [الزخرف: 51، 52] ولتختفي أكذوبة إدِّعاء المشورة وإظهار الجماعة {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] فمتى كان فرعون يستمع لنصيحة ويسمع مشورة ! إنَّه الحرص الكاذب على أفكار الأمة ومصالحها، وطلب التأييد والنُّصرة وتكاثر الأيدي لِما يراه هو لا ماتراه أعين الجماعة، والعجب كلُّ العجب أنْ يتظاهر المفسد بالإصلاح وأنْ يظهر القاتل حرصه على دين الأمة ومصالحها.
    هكذا دائما هم المستبدون أصحاب الرأي الواحد، لايعرفون فكر المؤسسة ولا يستمعون لرأي الجماعة، وهذا ما نفهمه من إصرار أبي جهل في غزوة بدر ليفرض رأيه قائلا :” والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم عليها ثلاثا، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا “[7] فمضوا على ذلك.
    صوت الفرد، أو صوت الجماعة التي تتفرد بآراء لوحدها وهي ترى نفسها الموجِّهة والكاملة والحريصة على مصالح الأمة {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)} [الأعراف: 82]، والعجب كلُّ العجب أن يخرج المتطهرون ظلما وعدوانا من أرضهم التي كانت مسقط رؤوسهم، وملعب طفولتهم ومفرش نومهم وأماكن ذكرياتهم… ويبقى الرجس والدَّنس يعيث في الأرض فسادا فلايردعه خلق ولايذكره ناصح، إنه انتكاس الفطرة واختلال الموازين.
    الصوت البعيد عن المشاركة والتكافل والتكامل هو صوت الزعيم الأوحد والقائد المبجل والرأي الصائب، صوت الحرس والسَّجانين والتعذيب والموت {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّك ُمْ أَجْمَعِينَ (124)} [الأعراف: 123، 124].
    وعندما يستخدم هذا المتكبر المتأله المتعالي المنفرد صيغة الجماعة يستخدمها كذبا وزورا، لاحقيقة وتطبيقا {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)} [الأعراف: 127]، فهو من يقتل وهو من يعْفو، بل هو من يحيي ويميت بزعمه { قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]، وليس للبقيِّة إلا المباركة والتصفيق على إنجازات الطاغية، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]، فهل هم من كان يمنعه!؟ وهل لهم رأي في القتل أو الحبس أو التسريح! وكأنه يستند على إرادة الشعب ليوهم الآخرين أنَّ هذا الرأي هو رأي الجماعة وليس رأيه الفردي.
    لم تكن فكرة الجماعة ماثلة في ذهن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة فحسب، بل كانت لا تفارقه في كل صعوبات الحياة وخاصَّة في أوقات الغزو والاستعداد لها.
    فكرة الجماعة كانت هاجسا له انطلاقا من تصرفاته في بيته إلى شؤون الحرب والسياسة، فقد سُئلت زوجه عائشة وهي أخبر الناس به ما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يصنع في البيت؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج» [8] وماذا عسى أنْ تكون الخدمة في بئية كالجزيرة العربية؟ إنها حلب الشاة وخصف النعل وترقيع الثوب [9].
    تكُلِّلت فكرة الجماعة بالمشورة في كل شؤونه عليه الصلاة والسلام، ولم تكن مشورة كاذبة كا يُفعل في بعض البرلمانات ومجالس الشعب في بعض مجتمعاتنا التي يصنعها الطغاة بأنفسهم في بعض البلدان، بل كانت مشورة يُلزِم النبي عليه الصلاة والسلام نفسه بنتائجها ويستمع لآراء ذوي الرأي حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ” [10] والأمثلة في ذلك يصعب حصرها.
    بمثل هذا المنهج تعمُر البيوت وتُبنى المجتمعات وتقوم الدول وتنهض، فالدّولة تحتاج إلى جميع أفرادها وعلى القائمين عليها أنْ يحترموا جميع أفرداها احتراما حقيقيا راجعا إلى الشعور بحقوقهم وليس احتراما صوريا شكليا، وعلى القائمين عليها أنْ يعرفوا منزلة الناس ليكونوا موطن الثقة ومحط الاهتمام… وبهذا الشكل يأخذ كلُّ واحدٍ حظَّه ويعرف منزلته وقيمته، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يصحب أي فردٍ من الناس في الهجرة وإنما صحب أبا بكر لأنه الأكثر حرصا على الدعوة والأكثر تصديقا للنبي عليه الصلاة والسلام ولم يختر غير علي لينام موضعه، وهكذا تقوم الدولة، فلا يُهان فيها الكرماء ولايُعظَّم فيها حثالة القوم.

    [1]انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، الناشر: دار ابن كثير – دمشق، الطبعة: الثانية عشرة – 1425 هـ، ص240، صفي الرحمن المباركفوري، دار الهلال – بيروت، الطبعة: الأولى، ص149.

    [2]الرحيق المختوم، ص149.

    [3]السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص596.

    [4] سنن أبي داود، المحقق: شعَيب الأرنؤوط – محَمَّد كامِل قره بللي، الناشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ – 2009 م كتاب الأطعمة، باب في الاجتماع على الطعام، رقم: 3764. ورواه ابن حبان في صحيحه، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1408 هـ – 1988 م، باب آداب الأكل، باب ذكر الأمر بالاجتماع على الطعام رجاء البركة في الاجتماع عليه رقم: 5224

    [5] سيرة ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375هـ – 1955 م، 1/ 501.

    [6]صحيح مسلم، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم: 2586.

    [7]محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، دار القلم – دمشق، الطبعة: الثامنة – 1427 هـ 2/ 128.

    [8] صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب خدمة الرجل في أهله رقم: 5363، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ

    [9] جاء في صحيح ابن حبان” عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ: مَا كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «مَا كَانَ إِلَّا بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، كَانَ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ» صحيح ابن حبان، صحيح ابن حبان ذكر ما يستحب للمرء أن لا يأنف من العمل المستحقر في بيته بنفسه وإن كان عظيما في أعين البشر ، رقم: 5675، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط،الناشر : مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة: الأولى، 1408 هـ – 1988 م

    [10]صحيح ابن حبان، 11/ 217.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •