كنوز نبوية
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: كنوز نبوية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي كنوز نبوية

    كنوز نبوية


    المقال الأول..

    خالد سعد النجار


    بسم الله الرحمن الرحيم
    كنوز نبوية (1)

    ** عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إنما المجالسُ بالأمانةِ» [صحيح الجامع:2330]
    - قال المناوي: أي أن المجالس الحسنة إنما هي المصحوبة بالأمانة، أي كتمان ما يقع فيها من التفاوض في الأسرار، فلا يحلّ لأحد من أهل المجلس أن يفشي على صاحبه ما يكره إفشاؤه
    - وفي رواية: ( «لا يتجالس قوم إلا بالأمانة» ) [حسنه الألباني] أي لا ينبغي إلا ذلك، فلا يحل لأحد أن يفشي سر غيره، وهو خبر بمعنى النهي.
    - بكل أسف؛ لقد انتشرت «خيانة المجالس» بين كثير من الناس في هذا الزمان .. فتجد الواحد منهم يجلس ويتكلم معك وإذا به يُصورك أو يُسجل كلامك دون أن تدرى؛ فهل يعلم أن ذلك مِن خيانة المجالس؟!!.
    - ومنهم مَن يتكلم معك بالهاتف ويقوم بتسجيل تلك المكالمة دون أن تعلم ودون استئذانك، فهل يعلم أن ذلك مِن خيانة المجالس؟!!.
    - ومنهم مَن تُرسل له رسائل على الواتساب (سواء كانت مكتوبة أو صوتية) ثم يقوم «بتصوير الشاشة» ويرسلها لبعض الناس؛ أو يتداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون أخذ الإذن منك؛ فهل يعلم أن ذلك مِن خيانة المجالس؟!!.
    - ومنهم مَن يتحدث معك في الهاتف ويفتح صوت السماعة دون علمك حتى يسمع بعض الناس كلامك؛ وقد يكون فيه أسرار خطيرة؛ أو يكون ذلك للوقيعة بينك وبين بعض الناس؛ فيكون بمثابة السعي بالنميمة.

    ** أخرج النسائي في "السنن الكبرى" من طريق سهم بن المعتمر عن الهُجَيمي: أنه قدم المدينة، فلقي النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أزقة المدينة، فوافقه؛ فإذا هو مؤتزر بإزار قطن قد انتثرت حاشيته، وقال: عليك السلام يا رسول الله! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «عليك السلام تحية الموتى» «فقال: يا رسول الله! أوصني؟ فقال: (لا تحقِرنَّ شَيئاً من المعروفِ أن تأتيَه؛ ولو أن تَهَبَ صِلَةَ الحبلِ، ولو أن تُفرغَ من دلوكِ في إناءِ المستقِي، ولو أن تلقَى أخاك المسلمَ ووجهُك بسطٌ إليه، ولو أن تؤنِس الوَحشان بنفسكَ، ولو أن تهَبَ الشِّسعَ)» . [صححه الألباني]
    وفي رواية زاد: «(ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم.. ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه.. وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه؛ فلا تسبه؛ فيكون أجره لك، ووزره عليه، وما سَر أُذنك أن تسمعه فاعمل به، وما ساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه)»
    - قوله: (صِلَة الحبل)؛ أي: ما يوصل بالحبل.
    - وقوله: (الوحشان)؛ أي المُغتَمَ، من الوحشة ضد الأُنس.
    ** عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ » [مسلم]
    - في الحديث أن من عرف بالعفو ساد وعظم في القلوب فهو على ظاهره أو المراد عزه في الآخرة بكثرة الثواب وترك العقاب.
    - العافي لا يقربه ذل ما دام على ذلك، فالضامن له هو الله تعالى.
    - العافي كالواهب والمتصدق وهما منطلق العزة.
    - فيه دفع توهم العكس " أنك ذليل – أو ضعيف – أو أحمق "
    - تسليم لمن يخبّر الصنعة ويعرف المآل وهو الله تعالى.
    - الأمر كلما زدته زادك، فالعز ليس على درجة واحدة، وإن كان العفو بنفس الدرجة منك متكررا.
    - في العفو نوع من التفرد المتميز المطلوب لا السير مع الجميع عادة وعرفا.
    - العفو يدفع خداع النفس الأمارة بالسوء ونهيها عن الخير.
    - العفو يورث الحلاوة والسكينة وشرف النفس.
    - في العفو السلامة من التبعة، لصعوبة تحقيق التساوي عند عدم تحقيق العفو، فكيف تأمن أنك لم تجر عليه أو ظلمته.
    - الندم على العفو أحب من الندم على العقوبة

    ** روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»
    - لا تنجز الأعمال وتصل قمتها إلا من خلال:
    «قوة» تستنهض الجنان والأركان والخلان .. قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم:12]
    «حرص» يدفع العامل لإتمام عمله، ولا يتم له إلا إذا أبصر الغاية، وربط العمل بربه، والتمس الغنى منه لا من سواه.
    «نفع» فلا قيمة لبذل فيما لا ينفع، ولا صرف لطاقة وجهد فيما لا يخلف أثرا دنيويا أو أخرويا
    «استعانة بالله» تؤكد وقوف كل تفرد فيك عند بابه عز وجل، فلا مجال لفوز وفلاح بدونها، ولا بركة في غيرها.
    «نفي عجز» ولا سبيل لتحقيقه إلا بدخول ميدان العمل بروح المقاتل الذي لا تنثني عزيمته، ولا يبرح مكانه فلا يفر ولا يخر، ولا يفتر لسانه من ذكره تعالى لالتماس فرجه وتوفيقه.
    «فهم لطبيعة العمل» فلا يستقيم دون معوقات وعوارض، ولا يكون سهل المنال إلا باجتياح وخز إبره، وإلا لما كان ميدان تفرد، قليل فيه من يزرع، بل ربما من هو أقل منه ويجني ويحصد، وكلما صبر صاحبه بصر ووفق .. (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ)

    «نفي التحسر» لا مكان لـ «لو» عنده، فربما أنتج في لاحقه بمفرده ما لم ينتجه الآخرون جميعا في جل أوقاتهم.
    «رضا» لا يكون إلا بعد استفراغ الجهد وأخذ الأسباب فيقنع صاحبه ويحفز قادمة ... "وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ "
    «غلق باب الشيطان وعمله» فإذا كانت «لو» تفتح الباب فقط وقد يحبط بها العمل، فما بالك بأخواتها أو ترك الباب مفتوحا كلية فلا يجد من يصده أو يرده فيسعى في العمل فسادا وإفسادا .. «فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية


    كنوز نبوية


    المقال الثانى ..

    خالد سعد النجار
    {بسم الله الرحمن الرحيم }

    ** روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: ««أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا»»
    - فيه أن النجاشي ملك الحبشة أسلم ومات مسلما لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي إلا على مسلم.
    - وفيه التأكيد المستمر على أخوة الدين على اختلاف الألوان والقبائل والأعراف وكذا بُعد المكان.
    - أهمية أن يتفاعل الأكثرية المسلمة مع الأقلية المسلمة بجميع صور التفاعل المعهودة المادية والوجدانية، من معاهدة الأخبار، والولاء والبراء، والتأييد والنصرة بالدعاء وبكل هو ممكن ومتاح.
    - معرفة أهمية الرمز ومقوماته وسماته، وإعلام الله تعالى لنبيه منزلة النجاشي عند الله وملائكته ورسله من القبول والرضا.
    - التقدير لهذا الملك العادل الذي وقف موقف البطولة مع المسلمين دفاعا وحماية.
    - تعليم الجميع أن الرجل يصنع ذكراه وبطولته وخاتمته وسيرته التي تفوق الأرجاء بالعمل لهذا الدين.
    - أن المرء ربما لم يجتمع برسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حيا ولم يره رؤية عين، ومع هذا ففعال النبي -صلى الله عليه وسلم- دليل على لقاء حتمي سيكون في مستقر الجنان معه، وهذه الصلاة عليه بداية السلام إليه.
    - أهمية نقل شعور الفقد لأبناء الأمة، وما في ذلك من عظيم الإحساس ونبل المشاعر وسلامة الأخوة وقوة العقيدة.
    - أول صلاة على الغائب كانت من نصيب هذا العلم الأسمر الذي حمل بياضا قلبي فاق بياض الصبح والثلج، وكأن التكريم الإلهي له والنبوي بتشريع جديد واستثناء جميل وجليل، نظير ما قدمه في خدمة دينه وإخوانه، فرفع شأنه وكان هذا بداية لما يكون بعده من مكرمات الله عليه.
    - قال أهل العلم: لا يصلى على أحد غائبا إلا من مات في مكان ولم يصلى عليه. وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه وهو الراجح: أنه لا يصلى على أحد مهما بلغ في العلم ونفع المسلمين إلا إذا مات في مكان لم يصل عليه، فإنه يصلى عليه قياما بالواجب، ولهذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يموت فيهم الكبير في العلم والغني في المال بل والخلفاء ولم يعهد أن أحد منهم صلى على هؤلاء، فدل ذلك على أنه لا يشرع الصلاة على الغائب إلا من لم يصل عليه فقط، كما لو غرق في البحر ولم يصل عليه أو مات في زلال ولم يصل عليه .. وما أشبه ذلك، فهذه حالة يصلى عليه الصلاة على الغائب.
    - قوله (نعى النجاشي للناس) يريد أخبرهم بموته، وقد أخبر بقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في غزوة مؤته، وهذا النعي غير محظور، فأما النعي الذي يكون معه الصياح والضجيج وتعداد مآثر الميت، فإنه محظور، ولذلك كره مالك أن تدار بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنه من النعي. والنعي من أمر الجاهلية.
    - قوله: (نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه)، فيه معجزة للنبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أخبر بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه مع البعد الكبير الذي بين المدينة والحبشة في ذلك الزمن الذي لم يكن فيه اتصال ولا برق ولا هاتف ولا طائرات ولا شيء.

    ** روى أحمد عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ لِي: "أَلَسْتَ بِمُسْلِمٍ؟"، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ؟"، قُلْتُ: صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، قَالَ: (فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَلَوْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فِي أَهْلِكَ)»
    - فيه جواز السؤال عن الإسلام للتنبيه والتذكير بملزمه .. قال السندي: قوله: "أَلسْتَ بمسلم": فيه أن الجلوس بلا صلاة في مسجد يُصلَّى فيه ليس من خصال المسلمين.
    فربط الإسلام بالصلاة، مما يدل على التلازم بين الإيمان والصلاة، ومر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على رجل -كما في الصحيح- ينصح أخاه في الحياء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دعه، فإن الحياء من الإيمان)، معنى ذلك أن إيمانه سيظهر عليه بحيائه من الله، وحيائه من الملائكة، وحيائه من الرسول، أو حيائه من الصالحين، فالنبي صلى الله عليه وسلم استدل على أنه لو وجد إيمان في القلب فلابد أن يظهر على أعمال الجوارح.
    - في الحديث دلالة الإسلام شهود الجماعات وعدم تركها
    - ليس كل ما تظن صحيح، فلا غنى عن معلم يوجهك ويصوب خطأك
    - ما يعطى في الجماعة من الخير قد لا يصيب المشاهد والمنفرد
    - فيه استزد من الخير ما فتح لك فيه باب، وإذا كان هذا في الصلاة فما بالك بإعادة قراءة كتاب أو مسألة أو ختمة أو ذكر
    - التكرار يجبر بعضه بعضا، وربما يصيب المرء من الثاني ما لم يصبه من الأول
    - التأكيد على ترك الزجر أو التقليل إن صلى الرجل مع أهله.
    - مثله الحديث الذي رواه ابْن عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ، قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- أَعْرَابِيٌّ فَبَايَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَامَ فَفَشَجَ فَبَالَ فَهَمَّ النَّاسُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم-: لاَ تَقْطَعُوا عَلَى الرَّجُلِ بَوْلَهُ، ثُمَّ دَعَا بِهِ، فَقَالَ: أَلَسْتَ بِمُسْلِمٍ؟! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا حَمْلَكَ عَلَى أَنْ بُلْتَ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا ظَنَنْتُ إِلاَّ أَنَّهُ صَعِيدٌ مِنَ الصَّعَدَاتِ فَبُلْتُ فِيهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم بَذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ» «» .[المعجم الكبير للطبراني]
    - قال الإمامُ النووىُّ: لو أن إنساناً غضِبَ على ولدِهِ أو غلامِهِ [أي عبدِه] فبسبب الغضب ضربه ضرباً شديداً فمرَّ به رجل فرءاه يضرِبُهُ هذا الضربَ الشديد فقال له: ألست بمسلم؟! كيف تضربُه هذا الضرب؟! فأجابه بقوله: لا-يعنى لست مسلماً-متعمداً أي بإرادته، قال النووي: يكفر ولو كان غاضباً.
    فلا يشترط ليُحكَم على شخصٍ بالكفر أن يكون نطق بالكفر في حال الرِضَا أي في غيرِ حال الغضب. يَعنِى أنَّ مَنْ نَطَقَ بكلمةِ الكفر في حال الرضا أو في حال الغضب فهو كافر إلا إذا كان غَضَباً شديداً جداً بحيثُ غاب عقلُه بسَبَبِهِ فما عاد يَعِي ماذا يقول، فَقَدَ التمييز، فعند ذلك لا يكتب عليه اللفظ الكفرىّ.
    أما في غير ذلك من أحوال الغضب فإنه يُكتب عليه مهما بلغ به الغضب طالما هو يَتَكلَّمُ بإرادته. بعضُ الناس يقولون: "إذا كان الشخصُ غاضباً فتكلم بكلمةِ الكفر لا تُكتب عليه"، فقولهم هذا ضلال لأن اللهَ ما استثنى هذه الحال في القرآن والنبِىَّ صلى الله عليه وسلم ما استثناها في الحديث. فهؤلاء الذين يستثنون حالَ الغضب يستدركون على الله تعالى وعلى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
    وهذا أمر مشاهَد، فكثير من الناس يتكلمونَ بالكفر بسهولة كأنَّهم يشربون الماء. في الأزمان الماضية كان لو تَلَفَّظَ إنسانٌ باللفظِ الكُفْرِىّ علانيةً يحصُلُ من ذلك أمر عظيم. وأما في أيامِنَا فَيُشْتَمُ اللهُ عزَّ وجلّ علانيةً في مواضعَ كثيرةٍ جداً ومن أناس كثيرين يَدَّعُونَ الإِسْلام، وقليلٌ مَنْ يَنْصَحُ هؤلاءِ وينهاهُم عمّا يقولون. هذا وكثيرٌ منهم لا يعتقدون أن ما قالُوه كفرٌ يخرجُهُم من الإسلام، وهو حقيقةً مُخْرِجٌ لهم من الدين.
    وذلك مصداقُ قولِهِ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بأساً يهوِى بها فِى النار سبعين خريفاً) أي مسافةَ سبعين عاماً في النزول وذلك منتهَى جهنم وهو خاصٌ بالكفار. والحديثُ رواه الترمذىُّ وحَسَّنَهُ، وفى معناهُ حديثٌ رواه البخارىُّ ومسلم.
    وهذا الحديثُ دليلٌ على أنه لا يُشترَط في الوقوع في الكفر معرفةُ الحكم ولا انشراحُ الصدر ولا اعتقادُ معنى اللفظِ.
    وأن من نطق بخلاف كلمة التوحيد -كمن قال عن نفسه معانداً لغيره إنه كافر، حين يأمره بالطاعة ويذكره بالإيمان كأن يقول له: ألا تؤمن بالله حتى تفعل كذا؟ فقال: لست مؤمناً، أو قال -والعياذ بالله- إنه كافر- فهذا لا يكون مؤمناً فعلاً، ونطقه بهذه الكلمة يخرجه من ملة الإسلام، حتى ولو قالها استهزاءً أو عناداً أو إغاظة لصاحبه.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية


    كنوز نبوية


    المقال الثالث ..

    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }

    ** روى أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَوَّزَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ جَوَّزْتَ؟ قَالَ: (سَمِعْتُ بُكَاءَ صَبِيٍّ، فَظَنَنْتُ أَنَّ أُمَّهُ مَعَنَا تُصَلِّي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُفْرِغَ لَهُ أُمَّهُ) .
    - فيه رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يقول: «(إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)» . [البخاري ومسلم].
    وعن عائشة -رضي الله عنها-: قالت: «جاء أعرابيّ إِلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إِنَّكُمْ تُقَبِّلُونَ الصِّبيان، ولا نُقَبِّلُهم؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَن نَزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِن قَلبِكَ؟)» . [أخرجه البخاري، ومسلم] .
    - مراعاة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأحوال الناس، وهذا من أجل مقاصد الشريعة.
    - إدراك ما يدور حوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهذا شأن القائد والمسئول.
    - دفع السهو والتشويش بالتجوز، فقصرها عند ذلك أفضل من إطالتها، لأن الخشوع ركن الصلاة الأعظم
    - حمل المجموع على الفرد وما نزل به.
    - حضور الصبيان مع آبائهم ربطا بالمساجد وبالجماعة، ولكن لا بد من التنبيه أنه ينبغي عدم إحضار الأطفال الصغار جداً إلى المساجد لأنهم لا ينضبطون فمثل ابن سنة أو سنتين أو ثلاث لا يحضر إلى المسجد ولا بأس بإحضار الأطفال الذين هم في الخامسة أو السادسة أو السابعة إلى المساجد .
    - لا تقريع ولا تغليظ للمرأة فتمتنع أو تخاف الحضور.
    - هناك مواقف تمر ينبغي ألا تقف عندها طويلا، والمتغافل سيد قومه.
    - معرفة مدة صلاته وهذا دليل الملازمة.

    ** روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: «(إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)»
    - فيه التسليم لله سبحانه وتعالى والرضا له، من تنوع أوقات الصلاة حتى ولو وافق بعضها شدة وجهدا فلا غضب ولا اعتراض ولا ترك (صلاة الفجر نموذجا)
    - فيه بيان أداء التكاليف الشرعية والفرائض المكتوبة تحت أي ظرف أو أجواء فلا تسويف يخرج وقتها، ولا تكاسل عن أدائها، ولا تأخر في إقامتها.
    - «المشقة تجلب التيسير» فالمرونة والتكيف مع التغييرات الزمانية والبيئية بما لا يجعله مفرطا في طاعة ولا مستثقلا لعبادة، وهي تربية للنفس والجسد على تحمل الصعاب والأزمات.
    - لا استثناء عن إقامة الصلاة ولا فتح لباب الاعتذار عنها فلا يكون بعد ذلك إلا انفراط العقد وكثرة التهاون وقلة الجماعات
    - الأصل الحضور بالقلب لا قضاء الفعل بالجوارح فقط، فلا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين [البول والغائط] ولا بجوار النائم والمتحدث

    ** روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- «أَنَّ فَاطِمَةَ نَاوَلَتْ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ، فَقَالَ: (هَذَا أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلَهُ أَبُوكِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)» [حديث حسن]
    - فيه معاناة النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سيد الصابرين
    - أن الله تعالى اختار لنبيه وأوليائه أفضل الحالات من الزهد والتقلل من الدنيا، ففي رواية للبيهقي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: " «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا ولكنه كان يؤثر على نفسه» «» «» ".
    وعن عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: « خَرَجْتُ فِي غَدَاةٍ مِنْ بَيْتِيَ جَائِعًا، إِذْ لَقِيَنِي الْبَرْدُ فَأَخَذْتُ إِهَابًا مَعْطُونًا، قَدْ كَانَ عِنْدَنَا فَجَبَبْتُهُ، ثُمَّ أَدْخَلْتُهُ فِي عُنُقِي، ثُمَّ حَزَمْتُهُ عَلَى صَدْرِي أَسْتَدْفِئُ بِهِ، وَاللهِ مَا بَقِيَ فِي بَيْتِي شَيْءٌ آكُلُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- شَيْءٌ لَبَلَغَنِي، فَخَرَجْتُ فِي بَعْضِ نَوَاحِيَ الْمَدِينَةِ، فَاطَّلَعْتُ إِلَى يَهُودِيٍّ فِي حَائِطِهِ مِنْ ثَغْرَةِ جِدَارِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَعْرَابِيُّ؟ هَلْ لَكَ فِي كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرةٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَافْتَحِ الْحَائِطَ، فَفَتَحَ لِي، فَدَخَلْتُ فَجَعَلْتُ أَنْزَعَ دَلْوًا وَيُعْطِيَنِي تَمْرَةً، حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ كَفِّي، قُلْتُ: حَسْبِي مِنْكَ الآنَ، فَأَكَلْتُهُنَّ ثُمَّ كَرَعْتُ فِي الْمَاءِ [الكَرْع أن يشرب الرجلُ بفيه من النهر من غير أن يشرب بكَفَّيْه ولا بإناء و]، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم-، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي بُرْدَةٍ لَهُ مَرْقُوعَةٍ بِفَرْوَةٍ، وَكَانَ أَنْعَمَ غِلْمَانِ مَكَّةَ وَأَرْفَهَهُمْ عَيْشًا، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم ذَكَرَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَرَأَى حَالَهُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ إِذَا غَدَى أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةَ قُلْنَا: نَحْنُ يَوْمئِذٍ خَيْرٌ نُكْفَى الْمَؤُنَةَ، وَنَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ، قَالَ: (أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمئِذٍ).»
    وفي رواية: (كيف بكم إِذا غَدَا أَحَدُكم في حُلَّةٍ، وراح في حلة أخرى، وَوُضِعَتْ بين يديه صَحْفَةٌ ورُفِعَتْ أخرى، وسَتَرْتُمْ بيوتَكم كما تُسْتَرُ الكعبة؟ قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذ خَيْرٌ مِنَّا اليوم، نُكْفَى المُؤْنَةَ، وَنَتَفَرَّغُ للعبادة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بل أنتم اليوم خيرٌ منكم يومئذ) [الترمذي]
    - وتدور الأيام دورتها، وتقبل الدنيا على المسلمين، فيقف عمرو بن العاص يخطب الناس بمصر فقال: (ما أبعد هديَكم من هدي نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، أما هو فكان أزهدَ الناس في الدنيا، وأنتم أرغبُ الناس فيها)

    ** عن أم الدرداء عن أبي الدرداء -رضي الله عنهما-؛ « قالت: قلت له: مالك لا تطلب ما يطلب فلان وفلان؟ قال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن وراءكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون). فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة» . رواه الطبراني بإسناد صحيح [الصحيحة:2480]

    وفي رواية: (إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا ينجو منها إلا كل مخف)
    (مخف): أي من الذنوب وما يؤدي إليها، وفي النهاية: يقال: أخف الرجل فهو مخف وخف وخفيف؛ إذا خفت حاله ودابته وإذا كان قليل الثقل يريد به المخف من الذنوب وأسباب الدنيا وعلقها.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية


    كنوز نبوية


    المقال الرابع ..

    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }


    ** روى الترمذي أَبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ -يَعْنِي العَبْدَ مِنَ النَّعِيمِ- أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيَكَ مِنَ المَاءِ البَارِدِ» )
    (أَنْ يُقَالَ لَهُ) أي من قبل الله تعالى (ألم نصح لك جسمك) أي جسدك وصحته أعظم النعم بعد الإيمان (ونرويك من الماء البارد) الذي هو من ضرورة بقائك ولولاه لفنيت بل العالم بأسره.
    قال تعالى: { {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} } [التكاثر:8] روى الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما نزلت هذه الآية { ث {م لَتُسْألُنَّ يومَئذٍ عن النَّعيم} } قال الناس: يا رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-، عن أيِّ النَّعِيم نُسْألُ، وإنما هما الأسودان، والعدوُّ حاضرٌ، وسيُوفُنا على عواِتقِنا؟ قال: (إنَّ ذلك سيكون)
    هذا يحتم الوجهين أحدهما أن النعيم الذي تسألون عنه سيكون،، والثاني ان السؤال سيكون مع هذه الحالة التي أنتم عليه كما يدل عليه الحديث الذي روى الترمذي من أن يقال له ألم نصح لك ونرويك من الماء البارد.
    ** قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «مثل المؤمن ومثل الموت كمثل رجل له ثلاثة أخلاء؛ أحدهم ماله قال: خذ ما شئت. وقال الآخر: أنا معك فإذا مت أنزلتك. وقال الآخر: أنا معك وأخرج معك. فأحدهم ماله، والآخر أهله وولده، والآخر عمله» . [حسن] وذكره الهيثمي من حديث أنس وزاد في آخره: فيقول: (إن كنت لأهون الثلاثة علي) [الصحيحة:2481]
    ** روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «رَأَيْتُ كَأَنِّي اللَّيْلَةَ فِي دَارِ رَافِعِ بْنِ عُقْبَةَ فَأُوتِينَا بِتَمْرٍ مِنْ تَمْرِ ابْنِ طَابٍ [نوع من الرطب معروف مضاف إلى بن طاب رجل من أهل المدينة]، فَأَوَّلْتُ أَنَّ لَنَا الرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ»
    - قوله: (فأولت أن الرفعة) أي التي هي أصل رافع (لنا في الدنيا) لقوله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم} (والعاقبة) أي المأخوذ من عقبه (في الآخرة) أي العاقبة الحسنة لنا، لقوله تعالى: {والعاقبة للتقوى} (وأن ديننا قد طاب) أي كمل واستقرت أحكامه وتمهدت قواعده.
    - في الحديث جواز تعبير الرؤيا، وقد كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول لأصحابه (من رأى منكم رؤيا) مما فيه الحث على علم الرؤيا والسؤال عنها وتأويلها.
    - قال القاضي قيل لمالك: أيعبر الرجل الرؤيا على الخير وهي عنده على الشر؟ فقال: معاذ الله، أبالنبوة يتلعب؟!! هي من أجزاء النبوة.
    - فيه الفأل الحسن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
    ** عن أسماء بنتِ يزيد -رضي الله عنها-: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ في المَسْجدِ يَوْماً، وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَألْوَى بِيَدِهِ بالتسْلِيمِ» [أي أشار بيده بالتسليم] .. [الترمذي، وَقالَ :حديث حسن]
    لكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه (لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف الإشارة)
    قال النووي لا يرد على هذا (يعني حديث جابر هذا) حديث أسماء بنت يزيد (فألوى بيده بالتسليم) فإنه محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ «فسلم علينا» انتهى
    والنهي عن «السلام بالإشارة» مخصوص بمن قدر على اللفظ حسا وشرعا وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم انتهى.
    كما روى الترمذي أيضا في [باب ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام] حديث ابن عمرو -رضي الله عنه- قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف). *
    فقد كانوا يكتفون في السلام أو رده أو فيهما بالإشارتين من غير نطق بلفظ السلام الذي هو سنة آدم وذريته من الأنبياء والأولياء.
    قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: أما السلام على النساء فالسلام على المحارم من النساء والزوجات سنة، والمحارم يعني التي لا يحل لك أن تتزوج بها، تسلم عليها ولا حرج في ذلك، تسلم على زوجتك أختك عمتك بنت أخيك بنت أختك، ولا حرج في هذا، أما الأجانب فلا تسلم عليهن اللهم إلا العجائز الكبيرات إذا كنت آمنا على نفسك من الفتنة، وأما إذا خفت الفتنة فلا تسلم، ولهذا جرت عادة الناس اليوم أن الإنسان لا يسلم على المرأة إذا لاقاها في السوق وهذا هو الصواب، ولكن لو أتيت بيتك ووجدت فيه نساء من معارفك وسلمت فلا بأس ولا حرج بشرط أمن الفتنة، وكذلك المرأة تسلم على الرجل بشرط أمن الفتنة.
    ** عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: «ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك قل يا معاذ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء، وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك » [رواه الطبراني في الصغير بإسناد جيد]
    ** روى أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « (إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ وَلَا تَقَعُوا فِيهِ)»
    قوله: (إذا مات صاحبكم) أي المؤمن الذي كنتم تصاحبونه لقرابة أو صهارة أو جوار أو صدقة أو نحوها (فدعوه) اتركوه من الكلام فيه بما يؤذيه لو كان حياً، ولما كان الترك قد لا يستلزم ترك الوقيعة قال (ولا تقعوا فيه) أي لا تتكلموا في عرضه بسوء، ولا تتكلموا بعده بشيء من أخلاقه الذميمة، فإنه قد أفضى إلى ما قدم. وغيبة الميت أفظع من غيبة الحي لأنه يرجى استحلاله بخلافه.
    وقد ورد في عدة أخبار الكف عن مساوئ الأموات مطلقاً فتخصيص الصاحب للاهتمام وبيان أنه بذلك أحق

    وبالمناسبة: حديث (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم) رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر وهو حديث ضعيف، فيه عمران أنس المكي قال الترمذي عن البخاري: منكر الحديث. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه وقال في المهذب: قال البخاري عمران منكر الحديث. *



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية


    كنوز نبوية


    المقال الخامس ..

    خالد سعد النجار
    -
    بسم الله الرحمن الرحيم

    ** عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ» [الترمذي وغيره]
    مما يلفت الانتباه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أن الله حجز ثلاثة مقاعد منهم لأصحاب اللحظة الواحدة، رغم أن أربعة منهم أعمال دائمة على مدى حياة الشخص كالإمام العادل، أو الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد، أو نشأة شاب في طاعة الله، أو الرجلين الذين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، أعمال تحتاج الوقت والجهد قبل الصدق على مدار عمر الإنسان .
    لكن أن تدرك ظل الرحمن بلحظة واحدة !
    ثلاثة أماكن لأصحاب لحظات الصدق من أصل سبعة
    رجل تصدق بصدقة (مرة واحدة) فأخفاها ..ورجل ذكر الله (مرة واحدة) فيها خاليا ففاضت عيناه .. ورجل دعته امرأة (مرة واحدة) ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله .
    صدق اللحظات له ثمنه عند الله، فانتبه للحظات عمرك وخواطرك ..
    يقول أبو سليمان الداراني: طوبى لمن صحت له خطوة (واحدة) لم يرد بها إلا وجه الله تعالى .

    ** عن عبد الله بن الحارث -رضي الله عنه- قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « (لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم) » [حسن، صحيح الجامع: 5308]
    (عبد اللّه بن الحارث) صحابي سكن مصر قال: دخل عمر على النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال: هذه كنت أصبتها مع رجل من أهل الكتاب فقال: فاعرضها عليَّ فعرضها فتغير وجهه تغيراً شديداً ثم ذكره. *
    (لو نزل موسى) بن عمران من السماء إلى الدنيا (فاتبعتموه وتركتموني لضللتم) أي لعدلتم عن الاستقامة لأن شرعي ناسخ لشرعه.
    قال الراغب: الضلال العدول عن الاستقامة ويضاده الهداية (أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم) قد وجه اللّه تعالى وجوهكم لاتباعي، ووجهني إلى دعائكم إليه.
    أجرى ذلك على لسانه إشعاراً بما فيه من الخير والوصول إلى اللّه من أنه نبي البشرى، ويكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه.
    وقال غيره: هذا لا يوجب على تقدير نزول موسى زوال النبي -صلى اللّه عليه وسلم- ولا انتقاله عن الرسالة، لأنه لو نزل نزل على نبوته ورسالته وتكون الشريعة شريعة محمد صلى اللّه عليه وسلم كما كانت في عصر إبراهيم لإبراهيم دون لوط وفي زمن عيسى له دون يحيى، فالمعنى أنه لو كان في زمني لكان عليكم اتباعي فإن تركتم ما أمرتم به ضللتم وخسرتم.

    ** روى أبو داود عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ « أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ [أي أميرا] فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ كَذَا وَكَذَا .. قَالَ فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا [غير مترجل] وَأَنْتَ أَمِيرُ الْأَرْضِ؟ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْإِرْفَاهِ [التوسع والتنعم وكثرة الاشتغال بتحسين الجسد، وبتحسين الشعر] قَالَ فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا» [صححه الألباني]
    والمطلوب هو أن يكون بين بين أي: وسطاً بحيث لا يكون تاركاً بالمرة، ولا متوسعاً مبالغاً، وإنما يكون معتدلاً، ولهذا قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن كثير من الإرفاه) يعني: عن التنعم كثيراً أو التوسع كثيراً، ولم ينههم عن الترجل وعن تحسين الهيئة، وإنما الذي نهاهم عنه هو التوسع في ذلك، ولهذا قال: (عن كثير من الإرفاه) ولم يقل: نهانا عن الإرفاه، وهذا معناه أن يكون هناك توسط، وأن يكون هناك اعتدال.
    وهذا فيه إشارة إلى الانتعال والاحتفاء، وأن هذا ليس هو ديدنه وليست هذه هي طريقته، وإنما وافق أنه كان على هذه الحالة في هذا الحين من الأحيان الذي كان يحتفي فيه امتثالاً لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من جنس الذي قبله، فالحديث الذي قبله فيه عدم توسع، وهنا كذلك فيه عدم توسع.
    لكن إذا كانت الأرض فيها أمور تقتضي الانتعال فإن الإنسان ينتعل، فإذا كانت الأرض مثلاً فيها زجاج أو فيها حديد أو كان فيها حجارة أو شوك، أو رمضاء في شدة حرارة الشمس فإن الإنسان يجعل هذه الوقاية التي أنعم الله تعالى بها عليه وهي استعمال النعال
    ولكن كونه يترك النعال في بعض الأحيان هذا هو الذي جاء في هذا الحديث عن فضالة بن عبيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه كان يأمرهم بالاحتفاء أحياناً، وذلك حتى لا يحصل هناك تنعم زائد ومغالاة فيه وإنما يحصل شيء من الخشونة والبذاذة، ولكن لا يكون ذلك دائماً وأبداً، وإنما يكون في بعض الأحيان.

    ** روى الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «(ليأتين على الناس زمان قلوبهم قلوب الأعاجم، حب الدنيا، سنتهم سنة الأعراب، ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضررا، والزكاة مغرما)» [الصحيحة:3357]
    قوله (قلوبهم قلوب الأعاجم) وإنما شبه قلوبهم بقلوب الأعاجم لقلة فقههم في الدين، وانحرافهم عن المروءات، وتخلقهم بأخلاق الأعاجم، وشدة ميلهم إلى مشابهتهم حتى في الزي الظاهر.
    وقيل: قلوبهم بعيدة من الخلاق مملوءة من الرياء والنفاق
    وقوله (ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان) الحيوان مبالغة في الحياة، قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت64]
    كما قيل للموت الكثير موتان، فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ( «يَا عَوْفُ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيي السَّاعَةِ: مَوْتِى ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ» [داء يأخذ الغنم فتموت فجأة، وهو طاعون عمواس]

    وقوله (مغرما) أي يشق عليهم أداؤها، بحيث يعدون إخراجها غرامة يغرمونها ومصيبة يصابونها



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية

    كنوز نبوية


    المقال السادس ..

    خالد سعد النجار


    بسم الله الرحمن الرحيم


    ** روى أبو داود عَنْ الْعُرْسِ ابْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ -رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِذَا عُمِلَتْ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا -وَقَالَ مَرَّةً أَنْكَرَهَا- كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» [حسنه الألباني]
    وذلك لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة ... والصورة الأولى فيها إعطاء الموجود حكم المعدوم، والثانية عكسه.
    ** (تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) [الدارقطنى عن قتادة عن أنس]
    وفي رواية: (إن عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا منه)*
    وفي رواية: (عامة عذاب القبر من البول)
    وفي رواية: (أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَوْلِ)
    قوله: (تنزهوا من البول) أي تباعدوا عنه، واستبرأوا منه، والنزاهة البعد عن السوء، فمن بمعنى عن، وأصل التنزه البعد مما فيه الأدناس والقرب مما فيه الطهارة. لكن لا تنتهوا إلى الوسواس المذموم، ومما شدد على الأمم السابقة أنه كان على أحدهم إذا أصاب البول بدنه أن بقرضه بمقراض
    (فإن عامة عذاب القبر منه) أي من ترك التنزه عنه، يعني أنكم وإن خفف عنكم في شرعنا ورفعت عنكم الآصار والأغلال التي كانت على الأولين من قطع ما أصابه البول من بدن أو أثر، فلا تتهاونوا بترك التحرز منه جملة، فإن من أهمل ذلك عذب في أول منازل الآخرة [أي القبر]، وهذه المنزلة إن كانت سهلة فما بعدها أسهل منه، أو صعبة فما بعدها أصعب، وفيه أن عدم التنزه من البول كبيرة.
    وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية محضة دون جميع المعاصي مع العذاب بسبب غيره.
    وفي الحديث وجوب غسل البول إذا حصلت ملابسته، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، لكن قال أبو حنيفة: يعفى عن قدر الدرهم منه، وعن بول ما يؤكل.
    ** روى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ وَخَالِدٌ عَلَى شِمَالِهِ، فَقَالَ لِي: (الشَّرْبَةُ لَكَ، فَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا)، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أُوثِرُ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ الطَّعَامَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ» .
    وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «(لَيْسَ شَيْءٌ يَجْزِي مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ) » قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
    قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} [النحل:66] أي سهل المرور في حلقهم لا يغص به
    ** روى ابن ماجة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي. فَقَالَ: (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ)»
    والاجتياح من الجائحة: وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة جائحة
    ومعنى الحديث: أن أباك كان سبب وجودك، ووجودك سبب وجود مالك، فصار له بذلك حق كان به أولى منك بنفسك، فإذا احتاج فله أن يأخذ منه قدر الحاجة، فليس المراد إباحة ماله له حتى يستأصله بلا حاجة أو تبذيرا.
    وقال آخرون: جمع بين الابن وماله فجعلهما لأبيه، ولم يكن جعله لأبيه على معنى تمليكه إياه، ولكن على أن لا يخرج عن قول أبيه، فكذلك ماله لا ينبغي له أن يخرج عن قول أبيه فيه، وهذا كقول أبي بكر للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما أنا ومالي لك يا رسول الله» يعني أن أقوالك وأفعالك نافذة في وفي مالي.
    وعَنْ عَائِشَة -رضي الله عنها- قَالَتْ: يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَلاَ يَأْكُلُ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ إلاَّ بِإِذْنِهِ.
    وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: يَأْكُلُ الْوَالِدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ، وَلاَ يَأْكُلُ الْوَلَدُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسِهِ.
    ** روى ابن ماجة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «(تعوذوا بالله من الفقر والقلة والذلة وأن تظلم أو تظلم) » [السلسلة الصحيحة:1445]
    وفي رواية أبي داود عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: «(اللهم! إني أعوذ بك من الفقر والقِلّةِ والذِّلَّةِ، وأعوذ بك من أن أظْلِمَ أو أُظْلَمَ)» .
    (إني أعوذ بك من الفقر والقلة) أي قلة المال التي يخاف منها قلة الصبر على الإقلال وتسلط الشيطان بذكر تنعم الأغنياء، أو المراد القلة في أبواب البر وخصال الخير، أو قلة العدد والمدد أو الكل (وأعوذ بك من أن أظْلِمَ) أي أجور أو أعتدي (أو أُظْلَمَ) .. والظلم وضع الشيء بغير محله، وفي المثل من استرعى الذئب ظلم، وفيه ندب الاستعاذة من الظلمة.

    وذلك لأن الظالم هالك في الدارين، والمظلوم قد يسخط ولا يصبر لقضاء الله فيهلك، وقد كان من دعاء المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج من بيته قال: (اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم)


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية


    كنوز نبوية


    المقال السابع ..

    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }


    ** روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ» .
    «الدُّلْجَةُ»: السَّيْرُ في اللَّيْلِ. ... قال الشيخ ابن عثيمين: أرشد أمته إلى أن يسيروا في الليل وأخبر أن الأرض تطوى للمسافر إذا سافر في الليل يعني أنه يقطع في الدلجة الليل ما لا يقطعه في النهار وذلك لأن الليل وقت براد فهو أنشط للرواحل وأسرع في سيرها ولهذا عبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك بأنه تطوى الأرض للمسافر إذا مشى في الليل
    ** عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ، قَالَ: «فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ»، فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالُوا: نَوَتْ حَجَّةً مُصْمِتَةً. فَقَالَ لَهَا: «تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ » قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ. قَالَ: "أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ . قَالَتْ: مِنْ أَيِّ الْمُهَاجِرِينَ ؟ قَالَ: «مِنْ قُرَيْشٍ» قَالَتْ: فَمِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ؟ قَالَ: "إِنَّكِ لَسَئُولٌ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ. قَالَتْ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَقَالَ: «بَقَاؤُكُمْ عليْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ». قَالَتْ "وَمَا الْأَئِمَّةُ؟ قَالَ: «أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُؤَسَاءُ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُم ْ؟» قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَهُمْ مِثْلُ أُولَئِكَ عَلَى النَّاسِ» [رواه البخاري] .
    - قال ابن قدامة في (المغني): (ليس من شريعة الإسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه واحتج بحديث أبي بكر وحديث علي، وإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به). وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي: ولا نعلم فيه مخالفًا. انتهى.
    - في التاريخ الإسلامي غيّر الملوك الصالحون للمسلمين، كثيرا من واقع الناس وصححوا عقائدهم ونشروا السُنة وأطفئوا البدع والانحرافات، وقمعوا العدو وأصلحوا الناس ورفعوا وعيهم وأعطوا للعلماء دورهم ومكانتهم؛ فبقي تغيير كبير يؤجَرون عليه قرونا، وأخذوا أجر الملايين ممن أسلم أو صلح حاله، وأخذوا أجر العدل الذي أقاموه.
    لكن هؤلاء الملوك لم يُحْدثوا التغيير بطاقاتهم الفردية بل بإطلاق الطاقات الخيّرة في الأمة وحشدها من أجل دينها.
    الملوك وحدهم لا يصنعون شيئا، والجماهير والأفراد المتناثرة لا يصنعون شيئا بل يخاطَب الواحد منهم بتحرير القدس وإصلاح الأخلاق وتحكيم الشريعة..الخ فيقف عاجزا.
    إن الصلاح الفردي قرار فردي للعبد يتخذه في لحظة، ولا يُعذر في التأخر.
    أما الصلاح العام فهو ملأ يَصْلُح وأمة تسانده.

    ** روى الطبراني عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إن أفضل عباد الله يوم القيامة: الحمادون»
    الحمادون: صيغة مبالغة أي كثيري الحمد الذين يحمدون الله تعالى كثيرا في السراء والضراء، فهم راضون من الله تعالى في كل حال، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر. وقيل له: ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله تعالى،، وقال الفضيل: إن لم تصلح على تقدير الله وتحمده لم تصلح على تقدير نفسك،، ونظر رجل إلى قرحة في رجل ابن واسع فقال: إني لأرحمك. قال: إني لأحمد الله عليها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني.
    عن كثير من السلف: أن أهل الجنة كلما اشتهوا شيئًا قالوا: «سبحانك اللَّهُمَّ»، فيأتيهم الملك بما يشتهون، ويسلِّم عليهم، فيردُّون عليه. وذلك قوله تعالى: {وَتَحِيتهم فِيهَا سَلاَمٌ} [يونس:10]، فإذا أكلوا، وحمدوا الله. وذلك في قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
    ** روى أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي. قَالَ: « (إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا) قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: (هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ)»
    ومن الحسنات بعد السيئات أن «تتوب إلى الله تعالى من السيئات» فإن التوبة من أفضل الحسنات، كما قال الله عز وجل {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ} [البقرة:222] وقال الله تعالى: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]
    وكذلك الأعمال الصالحة تكفر السيئات كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) وقال (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما).
    قال أهل العلم: الطاعات كلها مطهرات، فتارة بطريق المحو المشار إليه بقوله تعالى: ( {إن الحسنات يذهبن السيئات} ) وبقوله هنا: (إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا)، وتارة بطريق التبديل المشار إليه بقوله تعالى: { {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} } [الفرقان:70]
    فالمحو المذكور عبارة عن «حقيقة العفو»، والتبديل عن «مقام المغفرة»، وإن تنبهت لذلك عرفت الفرق بين العفو والمغفرة.
    ثم اعلم أن لكل من المعاصي والطاعات خواص تتعدى من ظاهر الإنسان لباطنه وبالعكس، ثم منها ما يقبل الزوال بسرعة، وما لا يقبل إلا ببطء وكلفة.
    قوله: (هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ) إنما جعل التهليل أفضل الذكر لأن للتهليل تأثيرا في تطهير الباطن عن الأوصاف الذميمة التي هي معبودات في باطن الذاكر .. قال تعالى: { {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} } [الجاثية:23] فيفيد نفي عموم الآلهة بقوله «لا إله» ويثبت الواحد بقوله «إلا الله» .. ويعود الذكر من ظاهر لسانه إلى باطن قلبه فيتمكن فيه، ويستولي على جوارحه وجد حلاوة هذا من ذاق.
    ** روى الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ [في الدين] رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
    فيجب نصرة المظلوم بكل وسيلة: بيدك، أو بلسانك، أو بجاهك. لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، وردع الظالم، والنهي عن المنكر.
    وقد قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( «إن مِنْ أَرْبَى الرِّبَا [أفحشه] الاِسْتِطَالَةُ فِى عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» ) .. أي احتقاره والترفع عليه والوقيعة فيه، لأن العرض شرعاً وعقلاً أعز على النفس من المال، وأعظم خطراً .. وعبر عنه بلفظ الربا لأن المعتدي يضع عرضه ثم يستزيد عليه، ونبه بقوله (بغير حق) على حل استباحة العرض في مواضع مخصوصة كجرح الشاهد، وذكر مساوئ الخاطب، وقول الدائن في المماطل مطلني حقي ونحو ذلك، وفي ذلك يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ليَّ لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) أي مماطلة الغني تحل عرضه كأن يقول له المدين أنت ظالم أنت مماطل

    وفي رواية بسند ضعيف عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- لأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ مَا أَرْبَى الرِّبَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (إِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتِحْلاَلُ عِرْضِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) ثُمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا}» .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية


    كنوز نبوية


    المقال الثامن ..

    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }



    ** روى ابن ماجة بسند حسن عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: « خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ فَقَالَ: (أَالْفَقْرَ تَخَافُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا صَبًّا حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْبَ أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيهْ، وَأيْمُ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ)»
    قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ صَدَقَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَرَكَنَا وَاللَّهِ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ
    وروى البخاري من حيث عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: « إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَتْ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُم قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: (فَأَبْشِروا وَأَمِّلوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللهِ لاَ الْفَقْرَ أَخْشى عَلَيْكُمْ، وَلكِنْ أَخْشى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ).
    وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ بَصَرِ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة.
    قال تعال: { {ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} } [النحل: 107]
    أي ذلك العذاب الذي استحقوة { {بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة} } أي آثر وتكلَّف الحب؛ لأن العاقل لو نظر إلى الدنيا بالنسبة لعمره فيها لوجدها قصيرة أحقر من أَنْ تُحبَّ لذاتها، ولَوجدَ الأغيار بها كثيرة تتقلَّب بأهلها فلا يدوم لها حال، ينظر فإذا الأحوال تتبدّل من الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى السَّقَم، ومن القوة إلى الضعف، فكيف إذن تستحب الدنيا على الآخرة؟!
    والحق تبارك وتعالى يريد منّا أنْ نعطي كلاً من الدنيا والآخر ما يستحقه من الحب، فنحب الدنيا دون مبالغة في حبها، نحبها على أنها مزرعة للآخرة، لذلك نقول: إن الدنيا أهمّ من أنْ تُنسى، وأتفه من أن تكون غاية.

    ** روى البخاري ومسلم عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قَالَ: قَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: ( «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلا يُصْبِحنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ الله: نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنا العامَ المَاضِي؟ قَالَ: (كُلُوا وَأطْعِمُوا وَادْخِرُوا فَإنَّ ذَلِكَ العامَ كانَ بالناسِ جَهْدٌ فَأرَدْتُ أنْ تُعِينُوا فِيها). وَقَالَ مُسْلِمٌ (أَنْ تَفْشُوَ فِيهِمْ)»
    ** في الحديث تأسيس لمنهج العلاج الجماعي أو المجتمعي، فلا نجاح ولا مجاوزة لخطر دون المشاركة الجماعية، الكل في خدمة الكل لتأكيد الإحساس بينهم، وتثبيت التفكر والتفاعل للوصول لنجاتهم، وكذلك أهل السفينة.
    ** عدم المماطلة والمراجعة في القرار الصادر عن القيادة النبوية تنفيذ سريع، وتفعيل حرفي، وتعميم النفع وإيصال المعروف، وإن غابت العلة وتغيبت الحكمة.
    - {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)}} [الصف]
    - {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}} [المنافقون]
    ** عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( «لَا تَتْرُكْ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ) [ أحمد]
    قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وأما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام، ففي صحيح مسلم عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) وروى مثله من حديث بريدة وثوبان وأنس وغيرهم
    وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة)
    وفي حديث معاذ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة» ) فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط إلا به ولا يثبت إلا به ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه
    وقال عمر -رضي الله عنه-: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة
    وقال سعد -رضي الله عنه- وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: من تركها فقد كفر
    وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة.
    وقال أبو أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه.
    وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهل الحديث [جامع العلوم والحكم]
    ومن قال هو كفر دون كفر، لحديث النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «(أتاني جبريل من عند الله تبارك وتعالى فقال: يا محمد! إن الله عز وجل يقول: إني قد فرضت على أمتك خمس صلوات، فمن وافى بهن على وضوئهن ومواقيتهن وركوعهن وسجودهن كان له عندي بهن عهد أن ادخله بهن الجنة، ومن لقيني قد انتقص من ذلك شيئا فليس له عندي عهد إن شئت عذبته وإن شئت رحمته)»
    وفي رواية: «(خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)» ومعلوم أن الكافر لا يغفر الله له.

    قال القاضي: شبه وعد اللّه بإثابة المؤمن على عمله بالعهد الموثوق به الذي لا يخلف، ووكل أمر التارك إلى مشيئته تجويز للعفو وأنه لا يجب على اللّه شيء ومن ديدن الكرام محافظة الوعد والمسامحة في الوعيد.




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,734

    افتراضي رد: كنوز نبوية

    كنوز نبوية


    المقال التاسع ..

    خالد سعد النجار

    {بسم الله الرحمن الرحيم }


    ** عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم: «ما من عبدٍ مؤمنٍ إلا وله ذنبٌ يعتادُه الفِينةَ بعدَ الفِينةِ، أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يُفارِقُه حتى يُفارِقَ الدنيا، إنَّ المؤمنَ خُلِقَ مفتَّنًا توابًا نسَّاءً، إذا ذُكِّرَ ذكَرَ»
    قال المناوي: "(ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة) أي الحين بعد الحين والساعة بعد الساعة، يقال: لقيته فينة والفينة (أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه أبداً حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتناً) أي ممتحناً، يمتحنه اللّه بالبلاء والذنوب مرة بعد أخرى، والمفتن الممتحن الذي فتن كثيراً (تواباً نسياً إذا ذكر ذكر) أي يتوب ثم ينسى فيعود ثم يتذكر فيتوب.

    وهذا الحديث يجيب على تساؤلات تراود الكثيرين
    هل يجوز الاستغفار من الذنب وأنا مقيمٌ عليه؟
    هل يجوز الاستغفار من الذنب من غير توبة؟
    في المستدرك «أنّ النّبيّ جاءه رجل فقال يا رسول الله أحدنا يذنب، قال: يُكتب عليه، قال: ثمّ يستغفر منه، قال: يُغفر له ويُتاب عليه، قال: فيعود فيذنب، قال: يُكتب عليه، قال: ثمّ يستغفر منه ويتوب، قال: (يُغفر له ويُتاب عليه، ولا يملّ الله حتّى تملّوا»
    وقيل للحسن: ألا يستحي أحدنا من ربّه يستغفر من ذنوبه ثمّ يعود ثمّ يستغفر ثمّ يعود، فقال: ودّ الشّيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملّوا من الاستغفار.
    فلا تملوا من قول «استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه»

    يروى أنه لما شرب قدامة بن عبد الله الخمر متأولا جُلد، فكاد اليأس يدب في قلبه فأرسل إليه عمر يقول: "قال تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ما أدري أي ذنبيك أعظم، استحلالك للخمر أولا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيا؟".
    وهذا منهج إسلامي إيماني، يمنح العاصين الفرصة للعودة مرة أخرى إلى رحاب الطاعة، ويغلق دونهم أبواب اليأس، ويزرع الأمل في نفوسهم .. «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (يا رسول الله! إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت، فلم يقل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه، لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله بصره ثم قال: ردوه علي، فردوه عليه، فقرأ عليه: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} فقال معاذ: يا رسول الله أله وحده، أم للناس كافة؟ فقال: (بل للناس كافة) [مسلم]»
    وعن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من عبد يذنب ذنبا، فيتوضأ فيحسن الطُهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله بذلك الذنب إلا غفر الله له» [أحمد، صحيح الجامع 5738].

    ** عَنْ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا جَالِسٌ وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِي الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى إلْيَةِ يَدِي فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لا تَقْعُدُ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) » [أبو داود]
    فأخذ علينا العهد العام من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا نقعد قعدة المغضوب عليهم لا بحضرة الناس ولا وحدنا هروبا من التشبه بمن غضب الله عليه، ويقع في خيانة هذا العهد كثير من أبناء الدنيا لاسيما بحضرة الفقراء الذين لا جاه لهم، وذلك من جملة الإخلال بالأدب مع الجليس، ولو أنه جلس عند فاسق يشرب الخمر ويترك الصلاة وهو من الأكابر أصحاب النفوذ ما جلس إلا متأدبا مطرقا كالجالس في الصلاة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    ومن آداب الجلوس أيضا ما قاله ابن مفلح في الآداب الشرعية: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [يعني أحمد ابن حنبل] يُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ؟ قَالَ: هَذَا مَكْرُوهٌ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَا.
    وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- « أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى أَنْ يُقْعَدَ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّد]
    وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الشَّمْسِ -وَفِي لَفْظٍ فِي الْفَيْءِ- فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ وَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ فَلْيَقُمْ» )
    وقيل هي جلسة الشيطان، وأخرجه عَبْد الرَّزَّاق عن مَعْمَر، عن مُحَمَّد بن المنكدر، عَنْ أَبِي هريرة -رضي الله عنه- قَالَ: «إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه فليقم فإنه مجلس الشيطان» . [موقوفٌ].
    ومن الآداب أيضا ما روي عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا، وكان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس.

    ** عن نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» [أحمد]
    قيل صلاة الضحى، وقيل الفجر وسنته، وعلى كل حال فصلاة الضحى لا شك في أن فضلها عظيم، وركعتا الفجر النافلة وصلاة الفجر كل منهما شأنه عظيم، والإنسان إذا أتى بركعتي الفجر وصلاة الفجر وأتى بركعتي الضحى فهو على خير عظيم بلا شك.
    (أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) والضحى فكان يصليها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أحيانا ويتركها أحيانا، ووقتها في الحديث (حين ترمض الفصال) ، وهذا المقدار أدنى ركعات الضحى، وقد جاء ثمانية، واثنتا عشرة.
    (أَكْفِكَ آخِرَهُ) أي أكفك آخر النهار من كل شيء: من الهموم والبلايا ونحوهما
    قال الشيخ عطية سالم في شرح بلوغ المرام: ومن المجرب -يا إخوان- عند كثير من الناس، وما نسمعه من الآخرين، أن من تعود ركعتي الضحى إذا صلى ركعتي الضحى يظل طوال نهاره مستبشراً مطمئن النفس، قرير العين، قل أن يرد عليه ما يكدر خاطره، ويكفي أنه لم يكتب من الغافلين، وكتب من الأوابين، وغفر له ذنبه، وبني له بيت في الجنة، مع اختلاف عدد الركعات، وليس هناك إلزام بالعدد.
    ** روى ابن سعد في الطبقات بسند مرسل عَنْ مَكْحُولٍ « أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ عَلَى شَفِيرِ قَبْرِ ابْنِهِ فَرَأَى فُرْجَةً فِي اللَّحْدِ فَنَاوَلَ الْحَفَّارَ مَدَرَةً وَقَالَ: (إِنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَكِنَّهَا تُقِرُّ عَيْنَ الْحَيِّ)»
    المدرة: القطعة من الطين اللزج المتماسك, وما يصنع منه مثل اللَّبِنِ والبيوت.
    ومن حديث عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم قَالَ: «(إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ)» . [حسن]

    فلا تقر عين المؤمن بعمل إلا بتمامه على أكمله وأوجهه فتدبر
    قال أهل العلم: وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلٍ حَرِصَ أَنْ يُتِمَّهُ، وَمَنْ رَأَى ثَوَابَهُ أَحَبَّ أَنْ يُتْقِنَهُ، وَمَنْ تَآخَى الْحِكْمَةَ شُغِلَ عَمَّا سِوَاهَا، وَمَنْ قَرَّ عَيْنًا بِشَيْءٍ لَهَجَ بِذِكْرِهِ، وَالْأَقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ إِلَى يَوْمِ تَلْقَاهَا، وَكُلُّ نَفْسٍ رَهِينَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهَا.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •