الدولة السلجوقية.. درع في صدر الأمة ( تقرير )
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الدولة السلجوقية.. درع في صدر الأمة ( تقرير )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي الدولة السلجوقية.. درع في صدر الأمة ( تقرير )

    الدولة السلجوقية.. درع في صدر الأمة ( تقرير )

    أحمد الشجاع





    لم تشتهر دولة السلاجقة كثيراً كشهرة الدولة الزنكية أو الدولة الأيوبية أو دولة المماليك.. إلا أنها مع هذا كانت واحدة من دروع الأمة الإسلامية القوية، وحصناً من حصونها المنيعة.
    لقد كانت أول دولة وقفت في وجه الحملات الصليبية، وأفشلت كثيراً من خطط الغرب في السيطرة على بلاد المسلمين.
    وقد استطاعت الحفاظ على الخلافة العباسية من السقوط السريع، واستطاعت تنظيف بلاد الإسلام من كثير من الأوبئة الفكرية والعقدية المنحرفة التي انتشرت كأورام سرطانية في جسد الأمة، وأعادت إلى الأمة بعض صحتها وقوتها بعد أن كانت كياناً مريضاً ينهشه الأعداء من كل جانب.
    بجهود الدولة السلجوقية استمرت راية الجهاد مرفوعة خفاقة رغم محاولات إسقاطها في الداخل والخارج.
    السلاجقة.. أصولهم ومواطنهم:
    ينحدر السلاجقة من قبيلة "قنق" التركمانية، وتمثل مع ثلاث وعشرين قبيلة أخرى مجموعة القبائل التركمانية المعروفة بـ "الغز". استوطنت عشائر الغز وقبائلها الكبرى منطقة ما وراء النهر التي تسمى اليوم "تركستان" والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقاً إلى بحر الخزر (بحر قزوين) غرباً، ومن السهول السيبيرية شمالاً إلى شبه القارة الهندية وفارس جنوباً، وعرفوا بالترك أو الأتراك.
    ثم تحركت هذه القبائل في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي في الانتقال من موطنها الأصلي نحو آسيا الصغرى في هجرات ضخمة، وذكر المؤرخون مجموعة من الأسباب التي ساهمت في هجرتهم، فالبعض يرى أن ذلك بسبب عوامل اقتصادية فالجدب الشديد وكثرة النسل، جعلت هذه القبائل تضيق ذرعاً بمواطنها الأصلية، فهاجرت بحثاً عن الكلأ والمراعي والعيش الرغيد، والبعض الآخر يعزو تلك الهجرات لأسباب سياسية، حيث تعرضت تلك القبائل لضغوط كبيرة من قبائل أخرى فاضطرت إلى ترك أراضيها، بحثاً عن نعمة الأمن والاستقرار، واضطرت تلك القبائل المهاجرة أن تتجه غرباً، ونزلت بالقرب من شواطئ نهر جيحون ثم استقرت بعض الوقت في طبرستان، وجرجان، فأصبحوا بالقرب من الأراضي الإسلامية التي فتحها المسلمون بعد معركة نهاوند وسقوط الدولة الساسانية في بلاد فارس سنة 21هـ - 641م.
    اتصال الأتراك بالعالم الإسلامي:
    في عام 22هـ - 642م تحركت الجيوش الإسلامية إلى بلاد الباب لفتحها، وكانت تلك الأراضي يسكنها الأتراك، وهناك التقى قائد الجيش الإسلامي عبد الرحمن بن ربيعة بملك الترك شهربراز، فطلب من عبد الرحمن الصلح، وأظهر استعداده للمشاركة في الجيش الإسلامي لمحاربة الأرمن، فأرسله عبد الرحمن إلى القائد العام سراقة بن عمرو، وقد قام شهربراز بمقابلة سراقة فقبل منه ذلك، وكتب للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلمه بالأمر، فوافق على ما فعل، وعلى إثر ذلك عقد الصلح، ولم يقع بين الترك والمسلمين أي قتال، بل سار الجميع إلى بلاد الأرمن لفتحها ونشر الإسلام فيها، وتقدمت الجيوش الإسلامية لفتح البلدان في شمال شرق بلاد فارس حتى تنتشر دعوة الله فيها، بعد سقوط دولة الفرس أمام الجيوش الإسلامية والتي كانت تقف حاجزاً منيعاً أمام الجيوش الإسلامية في تلك العوائق، ونتيجة للفتوحات الإسلامية، أصبح الباب مفتوحاً أمام تحركات شعوب تلك البلدان والأقاليم ومنهم الأتراك، فتم الاتصال بالشعوب الإسلامية واعتنق الأتراك الإسلام، وانضموا إلى صفوف المجاهدين لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله.
    وفي عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم فتح بلاد طبرستان، ثم عبر المسلمون نهر جيحون سنة 31هـ ونزلوا بلاد ما وراء النهر، فدخل كثير من الترك في دين الإسلام، وأصبحوا من المدافعين عنه والمشتركين في الجهاد لنشر دعوة الله بين العالمين، وواصلت الجيوش الإسلامية تقدمها في تلك الأقاليم فتم فتح بلاد بخارى في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وتوغلت تلك الجيوش المظفرة حتى وصلت سمرقند، وما أن ظهر عهد الدولة الراشدية الإسلامية حتى صارت بلاد ما وراء النهر جميعها تحت عدالة الحكم الإسلامي وعاشت تلك الشعوب حضارة إسلامية عريقة، وازداد عدد الأتراك في بلاط الخلفاء والأمراء العباسيين وشرعوا في تولي المناصب القيادية والإدارية في الدولة، فكان منهم الجند والقادة والكتّاب، وقد التزموا بالهدوء والطاعة حتى نالوا أعلى المراتب.
    ولما تولى المعتصم العباسي الخلافة فتح الأبواب أمام النفوذ التركي، وأسند إليهم مناصب الدولة القيادية وأصبحوا بذلك يشاركون في تصريف شؤون الدولة، وكانت سياسة المعتصم تهدف إلى تقليص النفوذ الفارسي، الذي كان له اليد المطلقة في إدارة الدولة العباسية منُذ عهد الخليفة المأمون، وقد تسبب اهتمام المعتصم بالأتراك من نقمة الناس عليه، فأسس مدينة جديدة هي (سامراء)، تبعد عن بغداد حوالي 125كم، وسكنها هو وجنده وأنصاره، وهكذا بدأ الأتراك منُذ ذلك التاريخ في الظهور في أدوار مهمة على مسرح التاريخ الإسلامي حتى أسسوا لهم دولة إسلامية كبيرة كانت على صلة بخلفاء الدولة العباسية عرفت بالدولة السلجوقية.
    بداية ظهور السلاجقة:
    ينتسب السلاجقة إلى جدهم دقاق الذي كان وأفراد قبيلته في خدمة أحد ملوك الترك الذي كان يعرف باسم بيغو، وكان دقاق في هذه المرحلة من تاريخ السلاجقة مقدم الأتراك الغُز، مرجعهم إليه، لا يخالفون له قولاً، ولا يتعدون له أمراً، وكان سلجوق بن دقاق في خدمة (بيغو) كما كان والده من قبل، حيث كان يشغل وظيفة عسكرية مهمة "مقدم الجيش"، وفي هذا الوقت تذكر المصادر أن مظاهر التقدم وعلامات القيادة بدت واضحة عليه حتى أن زوجة الملك أخذت تثير مخاوف زوجها فيه لما رأت من حب الناس له وانصياعهم إليه، إلى الحد الذي أغرته بقتله، وما أن عرف سلجوق بذلك حتى أخذ أتباعه ومن أطاعه وتوجه إلى دار الإسلام وأقام بنواحي جند قريباً من نهر سيحون، وفيها أعلن سلجوق إسلامه وأخذ يشن غاراته على الكفار الترك.
    وبعد وفاة سلجوق في جند، خلف عدداً من الأولاد ساروا على سياسة والدهم في شن الغارات على الترك الوثنيين، وبذلوا جهوداً كبيرة في حماية السكان المسلمين الآمنين من غاراتهم، فازدادت قوتهم وتوسعت أراضيهم، وقد أكسبهم ذلك كله احترام الحكام المسلمين المجاورين لهم، فقد غزا ميكائيل بن سلجوق بعض بلاد الكفار من الترك، فقاتل حتى قتل في سبيل الله.
    اجتماع السلاجقة على زعامة طغرل بك:
    كانت الغنائم التي حصل عليها السلاجقة في معركة دَنَدانقان – التي انتصروا فيها على الغزنويين - كثيرة جداً، وبعد انتصارهم في تلك المعركة عاد طغرل بك بن محمد بن ميكائيل بن سلجوق إلى نيسابور فدخلها مع جموع في أواخر عام 431هـ وأوائل 432هـ، ولم تنج المدينة هذه المرة من النهب، فلما أحرز السلاجقة النصر في هذه المعارك ازدادوا قوة، ولحقت بهم جيوشهم المتفرقة في أطراف خراسان، فاشتد وقعهم في القلوب وتقرر الملك لهم، واجتمع بعد ذلك الأخوان جفري بك وطغرل بك مع عمهما موسى بن سلجوق الذي كان يطلق عليه "بيغو" وأبناء أعمامهم وكبار قومهم وقواد جنودهم، وتعاهدوا على الاتحاد والتعاون فيما بينهم.
    ويقول الراوندي: ولقد سمعت أن طغرل بك أعطى لأخيه سهماً وقال له : اكسره. فتناول أخوه السهم وكسره في هوادة، ثم جمع له سهمين فكسرهما أيضاً في هوادة، ثم أعطاه ثلاثة فكسرهما بصعوبة، فلما بلغ عدد السهام أربعة تعذر عليه كسرها، فقال له طغرل بك: إن مثلنا مثل ذلك، فإذا تفرقنا هان لأقل الناس كسرنا، وأما إذا اجتمعنا فلا يستطيع أحد أن يظفر بنا، فإذا نشأ خلاف بيننا لم يتيسر لنا فتح العالم، وتغلب علينا الأعداء وذهب الملك من أيدينا.
    وجدد السلاجقة العهد لطغرل بك كقائد أعلى لجيوشهم وسلطاناً لهم على دولتهم، ورغم أن جفري بك كان أكبر منه سناً، إلا أن طغرل بك كان يتميز بشجاعته النادرة وقوة شخصيته مع تدين ملحوظ وذكاء حاد، وكلها صفات رجحت كفته، وهذه هي الصفات التي يحبها الإسلام في المؤمنين عامة والقادة والحكام خاصة.
    هكذا قامت دولة السلاجقة، وقد شملت فتوح السلاجقة الأولى خراسان وكرمان وأذربيجان وهمدان وجرجان، فقسموا هذه الولايات التي كانوا قد استولوا عليها فيما بينهم، وكانت بلخ من أقوى مراكز السلاجقة في الشرق، ونيسابور في الغرب، ومن هذين المركزين أخذ نفوذهم في الانتشار والتوسع، وقد اختار طغرل بك مدينة الري لتكون حاضرة ملكه.
    تنظيم إدارة الدولة في عهدها الأول: من أجل تنظيم إدارة دولته فقد قسمها السلاجقة إلى أقاليم، وعينوا على كل إقليم منها حاكماً، من أفراد البيت السلجوقي أطلقوا عليه لقب "شاه" و"ملك"، وأما الرئيس الأعلى للدولة بأجمعها، فأطلق عليه لقب "سلطان". وكانت له الكلمة النافذة في جميع أنحاء الدولة، وبهذا التنظيم وطّد طغرل بك سلطته في تلك البلاد، وضمن الوحدة بين أفراد أسرته، لقد كان إخوة طغرل بك وأبناؤهم يتولون الحكم في أطراف البلاد تحت سلطته، ومذهبهم السياسي في الحكم أنهم كانوا يعدون المناطق المفتوحة ملكاً لأفراد الأسرة المالكة، ولم يعمل طغر بك على إقامة حكم فردي ينحصر في شخصية، بل فتح حكم المناطق التي تدخل في حوزة السلاجقة حديثاً إلى المقربين من آل سلجوق، وترك لهم سلطة الحكم كاملة؛ هدفه من ذلك الإبقاء على الترابط والوحدة بين طغرل بك وإخوته وأبنائهم. وهكذا يتضح بشكل جلي الطبيعة القبلية في سلوك السلاجقة وحبهم للرئاسة والجاه، وقد حاول طغرل بك زعيمهم إرضاء هذه النزعة فعينهم حكاماً وقادة وملوكاً، لكل منهم جيشه الخاص ووزيره وحجابه ومعاونوه في الحكم والإدارة، كما حرص السلاجقة على تكريم علماء الدين وشيوخ الصوفية كي يثنوا عليهم ويزداد حكمهم قوة، ومع ذلك فإن تقسيم الدولة إلى ولايات شبه مستقلة أصبح شراً في عهد ضعف السلاجقة وكثرة المنازعات في أرجاء الدولة؛ مما ساعد على تمزقها وسرعة انهيارها وزوالها.
    اعتراف الخليفة العباسي بالسلاجقة:
    بعد أن وطّد طغرل بك أركان دولته وأرسى قواعدها لم يبق سوى الحصول على اعتراف من الخليفة به ليكسب سلطته الصفة الشرعية في أعين المسلمين؛ لذلك أنفذ في عام 432هـ رسالة إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله حملها إليه أبو إسحاق القفاعي، تضمنت ولاء السلاجقة له، وتأكيد تمسكهم بالدين الإسلامي، والتزامهم بالجهاد في سبيل الله وحبهم للعدل والتماسهم الحصول على اعتراف الخليفة بقيام دولتهم.
    وكان السلاجقة في أشد الحاجة للدعم المعنوي من الخليفة العباسي صاحب النفوذ الروحي على العالم الإسلامي السني، وكانت نوعية هذه العلاقة بين السلاطين والخلفاء من ثقافة ذلك العصر الذي ضعفت فيه مؤسسة الخلافة وتقلص نفوذها وسلطانها وصلاحياتها وهي ظاهرة مرضية في الأمة.
    وبعد أن شعر طغرل بك بالاطمئنان على دولته أثر اعتراف الخليفة العباسي القائم بأمر الله بها، توجه أمراء السلاجقة كل إلى المنطقة المخصصة له، شرع بتنفيذ ما تبقى من خطته الرامية إلى إتمام سيطرة السلاجقة على بلاد فارس، ومن ثم التوجه منها للسيطرة على العراق.
    وأصبح السلاجقة أكبر قوة في بلاد فارس وما وراء النهر، وكان هذا سبباً في مسارعة حكام الأقاليم إلى إعلان طاعتهم وولائهم لهم وموافقتهم على دفع إتاوة سنوية؛ كل هذا أتاح الفرصة لطغرل بك للتوجه إلى وسط بلاد فارس وغزو مدينة الري، وسار على رأس جيش كبير نحوها في العام نفسه فدخلها فاتحاً عاصمة له ومقراً لحكومته.
    وكان لهذه الانتصارات التي حققها السلاجقة بزعامة السلطان طغرل بك في بلاد فارس وما وراء النهر انعكاساتها على الخليفة العباسي القائم بأمر الله في بغداد، فما كان منه ألاّ أن بعث رسولاً من قبله إلى مدينة الري يحمل رسالة منه للسلطان السلجوقي يدعوه فيها لزيارة بغداد.
    وتوجه طغرل بك بجيشه لتفقد المناطق الشمالية الغربية من بلاد فارس وتوطيد سيطرة السلاجقة عليها، فسار في عام 446هـ إلى إقليم أذربيجان، ودخل عاصمته تبريز وشمل نفوذه جميع أجزاء أذربيجان، فضلاً عن بعض أجزاء من بلاد الروم آسيا الصغرى المتاخمة لأذربيجان، بعدها عاد إلى عاصمته الري عام 447هـ، وهكذا شمل نفوذ السلاجقة أكثر أجزاء بلاد فارس، فضلاً عن أجزاء من الدول المجاورة لها، وبهذا أصبح طغرل بك مستعداً لدخول عاصمة بغداد بناء على استدعاء الخليفة، وبعد ذلك تمت سيطرتهم على معظم أنحاء العراق.
    وفي سنة 440هـ قام إبراهيم ينال بغزو الروم حيث ظفر بهم وغنم كثيرة، وكان السبب في ذلك أن جموعاً كثيرة من الغُز فيما وراء النهر قد جاءوا إليه يريدون الاستقرار في بلادهم، ولكنه رفض ذلك وحاول إفهامهم أن بلاده ومصادرها تعجز عن حاجتهم، ونصحهم بالتوجه إلى غزو الروم والجهاد في سبيل الله فضلاً عن حصولهم على الغنائم، كما أخبرهم أنه سيلحق بهم ويساعدهم فاستجابوا له وساروا أمامه فتبعهم، فلما وصلوا إلى ملاذكرد لقيهم جيش كبير من الروم والأبخاز، وتذكر المصادر أن عدده ثمان وخمسون ألفاً، فدار بينهم قتال شديد تبادل فيه الفريقان النصر والهزيمة، وكان النصر في النهاية للمسلمين، إذ قتلوا عدداً كبيراً من الروم وأسروا العديد منهم بينهم كثير من البطارقة، وكان من بين الأسرى قاريط ملك الأبخاز الذي فدا نفسه بثلاثمائة ألف دينار وبهدايا قُدر ثمنها مائة ألف، ولكن لم يقبل ذلك منه ومع ذلك فقد استمر إبراهيم ينال يغزو تلك البلاد وينهبها ولم يبق بينه وبين القسطنطينية سوى خمسة عشر يوماً، وكان من نتيجة هذه الغارات والغزوات أن غنم المسلمون الكثير، وسبوا ما يزيد على مائة ألف رأس، فضلاً عما لا يحصى من البغال والدواب والأموال حتى قيل إن الغنائم كانت قد حُملت على عشرة آلاف عجلة، وأن من جملة الغنائم تسعة عشر ألف درع، وكان لهذه الغزوة آثار كبيرة فقد ألحق السلطان طغرل بك بالروم خسائر كبيرة.
    درع الأمة


    أصبح السلاجقة في عام 447هـ أكبر قوة في العالم الإسلامي خاصة بعد أن فرضوا سيطرتهم على بلاد فارس وتغلبوا على الغزنويين والبويهيين، وتوغلوا داخل أراضي الدولة البيزنطية واصطدموا بجيش الروم، وبذلك أعطوا دفعة قوية للجهاد ضد الروم الذين عاشوا فساداً أيام البويهيين في أراضي الخلافة العباسية، لعدم قدرة الخلافة، ولعدم اكتراث أمراء البويهيين بالجهاد.
    وقد أكسب هذا العمل وبهذه الصورة السلاجقة شعبية كبيرة وسمعة حسنة بين جماهير الناس التي كانت في الماضي القريب ترى وتسمع عن تغطرس الروم وتنادي السلطة بضرورة مجابهتهم دون جدوى.
    وكانت السلطة البويهية في بغداد تتداعى بسبب الخلافات بين الأمراء البويهيين من جهة وبين رجال الدولة من جهة أخرى، والانشقاق في صفوف الجيش البويهي وخاصة بين فرعية الرئيسين التركي والديلمي، ويبدو أن الدعوة وجهت للسلاجقة لاحتلال بغداد ليس من قبل الخليفة العباسي فقط، بل من قبل الوزير رئيس الرؤساء والذي كان على خلاف شديد مع قائد الجيش التركي أبو الحارث البساسيري الذي اعتنق مذهب الفاطميين العبيديين وخطب لهم.
    لقد كان الوضع السياسي في العراق مشجعاً لطغرل بك على دخول بغداد، وهذا ما قام به فعلاً في محرم من سنة 447هـ، وكان طغرل بك قد أظهر أنه يريد الحج وإصلاح طريق مكة والمسير إلى الشام ومصر والقضاء على حكم المستنصر بالله الفاطمي هناك، فسار إلى همدان وأمر اتباعه بإعداد الأقوات والمؤن، وأرسل إلى الخليفة العباسي يخبره بأنه يدين له بالطاعة ويستأذنه في دخول بغداد - وهو في طريقه إلى مكة - فأذن له، ودخل العراق عن طريق حلوان من السنة نفسها.
    لقد ساند السلاجقة الخلافة العباسية في بغداد ونصروا مذهبها السنّي بعد أن أوشكت على الانهيار بين النفوذ البويهي الشيعي في إيران والعراق، والنفوذ العبيدي "الفاطمي" في مصر والشام، فقضى السلاجقة على النفوذ البويهي تماماً وتصدوا للدولة العبيدية "الفاطمية".
    لقد استطاع طغرل بك الزعيم السلجوقي أن يسقط الدولة البويهية في عام 447هـ في بغداد وأن يقضي على الفتن، وأزال من على أبواب المساجد سب الصحابة، وقتل شيخ الروافض أبي عبد الله الجلاب لغلوه في الرفض.
    لقد كان النفوذ البويهي الشيعي مسيطراً على بغداد والخليفة العباسي، فبعد أن أزال السلاجقة الدولة البويهية من بغداد ودخل سلطانهم طغرل بك إلى عاصمة الخلافة العباسية استقبله الخليفة العباسي القائم بأمر الله استقبالاً عظيماً وخلع عليه خلعة سنية وأجلسه إلى جواره، وأغدق عليه ألقاب التعظيم، ومن جملتها أنه لقب بالسلطان ركن الدين طغرل بك، كما أصدر الخليفة العباسي أمره بأن ينقش اسم السلطان طغرل بك على العملة، ويذكر اسمه في الخطبة في مساجد بغداد وغيرها؛ مما زاد من شأن السلاجقة.
    ومنُذ ذلك الجين حل السلاجقة محل البويهيين في السيطرة على الأمر في بغداد، وتسيير الخليفة العباسي حسب إرادتهم.
    وأطلق المؤرخون على الفترة التي دخل فيها السلاجقة العراق اسم عصر نفوذ السلاجقة، حيث كانت بيدهم مقاليد الأمور، ولم يبق للخليفة العباسي سوى بعض المظاهر والرسوم.
    كذلك أدرك السلاجقة الخطر الذي يتهددهم من وراء انتشار الدعوة الفاطمية في بلدان الخلافة العباسية؛ لذلك اتبعوا سياسة حكيمة بعد أن قبضوا على زمام الأمور في بغداد تتمثل في مناهضة الدعوة الفاطمية ودعاتها بالحزم والشدة، فتعقبوا دعاة الإسماعيلية الذين قاموا بنشر الدعوة الفاطمية في بلاد فارس.
    وفاة طغرل بك
    لما كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان سنة 455 هـ جاء الخبر بأن الملك طغرل بك توفي في ثامن الشهر رحمه الله، وكان الملك طغرل بك عاقلاً حليماً كثير الاحتمال شديد الكتمان للسَّر محافظاً على الصلوات وعلى صوم الاثنين والخميس، مواظباً على لبس البياض، وكان عمره يوم مات سبعين سنة، ولم يترك ولداً وكان مدة ملكه بحضرة القائم سبع سنين وإحدى عشر شهراً، وكان طغرل بك كثير الصدقات حريصاً على بناء المساجد متعبداً متهجداً، ويقول: أستحي من الله أن أبني داراً ولا أبني بجنبها مسجداً.
    وحكى عميد الملك أن طغرل بك قال له: رأيت منامي في مبتدأ أمري بخراسان كأني رفعت إلى السماء، وقيل لي: سل حاجتك تُقضى، فقلت: ما شيء أحب إلي من طول العمر، فقيل: عمرك سبعون.
    ألب أرسلان (محمد):
    هو السلطان الكبير، الملك العادل، عضد الدولة، أبو شجاع ألب أرسلان، محمد بن السلطان جغر بيك داود ميكائيل بن سلجوق بن تُقاق ابن سلجوق التركماني، الغُزَّي، من عظماء ملوك الإسلام وأبطالهم.
    شب صراع على الحكم بعد وفاة طغرل بك، ولكن لم تلبث الأمور أن هدأت بعد قيام ألب أرسلان بتولي الحكم والقضاء على الثورات.
    وهكذا ملك بعد عمه طغرل بك، وكان عادلاً، سار في الناس سيرة حسنة، كريماً، رحيماً، شفوقاً على الرعية، رفيقاً على الفقراء، بارّاً بأهله وأصحابه ومماليكه، كثير الدعاء بدوام ما أنعم به عليه، كثير الصدقات يتصدق في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار، ولا يعرف في زمانه جناية ولا مصادرة، وقنع من الرعايا بالخراج الأصلي، يؤخذ منهم كل سنة دفعتين؛ رفقاً بهم.
    وكتب إليه بعض السعاة سعاية في وزيره نظام الملك، وذكر ما له في ممالكه من الرسوم والأموال، وتركت على مصلاه، فأخذها فقرأها، ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له: خذ هذا الكتاب، فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بمُهمٍّ يشتغلون به عن السعاية بالناس، ويعلق ابن الأثير على هذا بقوله: وهذه حالة لا يذكر عن أحد من الملوك أحسن منها.
    وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية، بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزاراً، فأخذ المملوك وصلبه، فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم.
    وفي دراسة التاريخ أهمية للقادة السياسيين وزعماء الأمة، فمن خلاله يتعرفون على سنن الله وعوامل نهوض الدول وأسباب سقوطها، فقد كان ألب أرسلان مهتماً بدارية تاريخ الأمم.. وكان كثيراً ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة.
    ولما اشتهر بين الملوك حسن سيرته، ومحافظته على عهوده، أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع، وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقصى الشام.
    أسرع ألب أرسلان بتوطيد الحكم في الدولة السلجوقية بعد أن استلمه، فانشغل خلال عامه الأول بمحاربة عدة فتن ظهرت في البلاد. وما إن انتهى من تلك الفتن تحرّك في عام 456هـ متجهاً إلى أرمينيا لمحاربة الروم، والجهاد في سبيل الله.
    جهاده في سبيل الله:
    كان ألب أرسلان كعمه طغرل بك قائداً ماهراً مقداماً، وقد اتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة، قبل التطلع إلى إخضاع أقاليم جديدة، وضمها إلى دولته، كما كان متلهفاً للجهاد في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام في داخل الدولة المسيحية المجاورة له، كبلاد الأرمن وبلاد الروم، وكانت روح الجهاد الإسلامي هي المحركة لحركات الفتوحات التي قاما بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح قائد السلاجقة زعيماً للجهاد، وحريصاً على نصرة الإسلام ونشره في تلك الديار، ورفع راية الإسلام خفاقة على مناطق كثيرة من أراضي الدولة البيزنطية، لقد بقي سبع سنوات يتفقد أجزاء دولته المترامية الأطراف، قبل أن يقوم بأي توسع خارجي، وعندما اطمئن على استتباب الأمن وتمكن حكم السلاجقة في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ يخطط لتحقيق أهدافه البعيدة، وهي فتح البلاد المسيحية المجاورة لدولته، وإسقاط الدولة "الفاطمية" العبيدية في مصر، وتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة العباسية السنية ونفوذ السلاجقة، فأعد جيشاً كبيراً اتجه به نحو بلاد الأرمن وجورجيا فافتتحها وضمها إلى مملكته، كما عمل على نشر الإسلام في تلك المناطق.
    وأغار ألب أرسلان على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي سنة 414هـ، وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي العبيدي سنة 462هـ، ثم أرسل قائد الترك أتسنسر بن أوق الخوارزمي في حملة إلى جنوب الشام فانتزع الرملة وبيت المقدس بدلاً من الفاطميين العبيديين، ولم يستطع الاستيلاء على عسقلان التي تعتبر بوابة الدخول إلى مصر.
    حملة السلطان ألب أرسلان على الشام:
    وضع السلطان ألب أرسلان نصب عينيه تحقيق هدفي السلاجقة وهما التوسع باتجاه الأراضي البيزنطية وطرد الفاطميين في بلاد الشام والحلول مكانهم ثم استخلاص مصر منهم، وقد أثاره احتمال التقارب بين البيزنطيين والفاطميين، فحرص على أن يحمي نفسه من بيزنطة بفتح أرمينية والاستقرار في ربوعها، قبل أن يمضي في تحقيق الهدف الثاني وهو مهاجمة الفاطميين.
    واشتدت في هذه الأثناء غارات الأتراك على أراضي الدولة البيزنطية، وتوغلوا فيها، ففتح هارون بن خان أرتاح عام 460هـ بعد أن حاصرها خمسة أشهر، ونهض الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينوس ليوقف تقدم المغيريين، ومنعهم من التوغل أكثر في عمق الأراضي البيزنطية، وقاد حملتين عسكريتين ضد الأجزاء الشمالية لبلاد الشام بين عامي 461هـ و462هـ فهاجم منطقة حلب، عقدة المواصلات التجارية والعسكرية بين العراق وأرمينية والأناضول وبلاد الشام، واصطدمت قواته بقوات محمود بن نصر المرداسي وبني كلاب، وابن حسان الطائي ومن معهم من جموع العرب وانتصر عليهم.
    إلا أن الإمبراطور انسحب من المنطقة على عجل دون أن يستثمر انتصاره، بعد ورود أخبار عن توغل قوات تركية بقيادة الأفشين في عمق الأراضي البيزنطية، وفتحها مدينة عمورية، وأنها بصدد التوجه نحو القسطنطينية، كما أن نفاد المؤن كان سبباً آخر دفعه إلى العودة إلى بلاده.
    وكان السلطان ألب أرسلان ينتظر فرصة سانحة ليحقق حلمه بضم بلاد الشام ومصر إلى الأملاك السلجوقية، وأتاح له النزاع الذي حصل بين أركان الحكم في مصر من أجل السيطرة والتسلط على المستنصر الفاطمي هذه الفرصة.
    جهَّز ألب أرسلان جيشاً كبيراً وخرج على رأسه من خراسان متوجهاً إلى بلاد الشام لإخضاعها لسيطرة السلاجقة، ومن ثمَّ متابعة زحفه إلى مصر لإسقاط الدولة الفاطمية وضمَّ هذا البلد إلى السلطنة السلجوقية، لكن تحركه كان بطيئاً بسبب ما صادفه من عقبات كانت أولاها في الرها الواقعة تحت الحكم البيزنطي، فحاصرها في عام 463هـ وقاوم الرهاويون الحصار ببسالة بقيادة باسيل بن أسار الذي عينَّه الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينوس حاكماً على المدينة، وقطع السلاجقة أشجار الحدائق وطمروا الخنادق بجانب الأسوار الشرقية كي يعبروا عليها، وقذفوا المدينة بالمجانيق، وشرع النقابون في حفر فجوات في السور، ولكن دون جدوى، واستعصت المدينة على السلطان ألب أرسلان، واضطر إلى التفاهم مع سكانها بعد نيف وثلاثين يوماً من الحصار المتواصل ثم تابع طريقه إلى حلب لضمها حتى يمنع أي محاولة التفاف من جانب البيزنطيين من جهة الجنوب، غير أن قسماً من جيشه تقاعس عن المضي معه بسبب تأخير أرزاقهم، فاضطر أن يتابع زحفه بمن بقي معه من الجيش وعددهم أربعة آلاف مقاتل، فعبر نهر الفرات 463هـ ودخل أراضي الإمارة وقدم له جميع أمراء الجزيرة الولاء أمثال شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي أمير الموصل، ونصر بن مروان أمير ميا فارقين، وابن وثاب أمير حرّان، بالإضافة إلى أمراء الترك والديلم.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: الدولة السلجوقية.. درع في صدر الأمة ( تقرير )

    الدولة السلجوقية.. درع في صدر الأمة ( تقرير )

    أحمد الشجاع


    موقعة ملاذكرد سنة 463هـ:

    قام ألب أرسلان بحملة كبيرة ضد الأقاليم النصرانية المجاورة لحدود دولته، وقاد جيشه نحو جنوب أذربيجان، وأتجه غرباً لفتح بلاد الكُرج والمناطق المطلةَّ على بلاد البيزنطيين، وكان سكان الكرج يكثرون من الغارة على أذربيجان فأصبحوا مصدر قلق لسكان المنطقة، وانضم إليه وهو في مدينة مرند في أذربيجان أحد أمراء التركمان ويدعى طغتكين، وكان دائم الغارة على تلك المنطقة، عارفاً بمسالكها واجتاز الجيش السلجوقي نهر الرس في طريقه إلى بلاد الكُرج.
    وفصل ألب أرسلان أثناء زحفه، قوة عسكرية بقيادة ابنه ملكشاه ووزيره نظام الملك هاجمت حصوناً ومدناً بيزنطية منها حصن سُرماري، ومدينة مريم نشين الحصينة وفتحها.
    واستمرت فتوحاته الكبيرة في الأراضي الأرمينية، ويبدو أن ملك الكُرج هاله التوغل السلجوقي في عمق المناطق الأرمينية فهادن ألب أرسلان وصالحه على دفع الجزية؛ ونتيجة لهذا التوغل السلجوقي أضحى الطريق مفتوحاً أمام السلاجقة للعبور إلى الأناضول بعد أن سيطروا على قلب أرمينية.
    جرى كل ذلك ولم يبذل الإمبراطور البيزنطي جهداً كبيراً لمقاومة هذه الغارات، مما شجعّهم على التوغل في عمق الأناضول فوصلوا إلى نيكسار، وعمورية في عام 461هـ، وإلى قونية في العام التالي، وإلى خونية القريبة من ساحل بحر إيجه في عام 463هـ.
    شكل فتح السلاجقة لبلاد الكرج والقسم الأكبر من أرمينية، تحدياً لبيزنطة وبخاصة بعد أن أدرك الإمبراطور البيزنطي، أن ألب أرسلان يصبغ غزوه للبلاد بصبغة الجهاد الديني، وهو يطبع المناطق المفتوحة بالطابع الإسلامي؛ مما جعل نشوب الحرب بين المسلمين والبيزنطيين أمراً لا مفر منه.
    تآمر ملك الروم على الإسلام:
    خرج ملك الروم (رومانوس) في جمع كبير من الروم والروس والكرج والفرنجة وغيرهم من الشعوب النصرانية، حتى قدر ذلك الجمع بثلاثمائة ألف جندي، أعدهم الإمبراطور لملاقاة السلطان السلجوقي، الذي ما إن علم باقتراب الروم ومن معهم حتى استعد للأمر واحتسب نفسه ومن معه، وكان في قلة من أصحابه لا تقارن بعدد الروم وأتباعه، قيل إنهم قرابة خمسة عشرة ألفاً، ولم يكن لديه وقت لاستدعاء مدد من المناطق التابعة له، وقال: قولته المشهورة: أنا أحتسب عند الله نفسي، وإن سعدت بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبر رمسي، وإن نصرت فما أسعدني وأنا أمسي، ويومي خير من أمسي.
    وهجم بمن معه على مقدمة الأعداء، وكان فيها عشرون ألفاً معظمهم من الروس، فأحرز المسلمون عليهم انتصاراً عظيماً وتمكنوا من أسر معظم قوادهم.
    ثم أرسل السلطان ألب أرسلان من قبله وفداً إلى إمبراطور الروم، وعرض عليه المصالحة، ولكنه تكبر وطغى ولم يقبل العرض، وقال: هيهات، لا هدنة ولا رجوع إلا بعد أن أفعل ببلاد الإسلام مثل ما فُعل ببلاد الروم.
    فحمي السلطان وشاط، فقال إمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين.
    المعركة وانتصار المسلمين:
    أعد المسلمون العدة للمعركة الفاصلة واجتمع الجيشان يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 463هـ، فلما كان وقت الصلاة من يوم الجمعة صلى السلطان بالعسكر، ودعا الله تعالى وابتهل وبكى وتضرع، وقال لهم: نحن مع القوم تحت الناقص، وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يدعى فيها لنا وللمسلمين على المنابر، فإما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيداً إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحباً، فما هاهنا سلطان يأمر ولا عسكر يؤمر، فإنما أنا اليوم واحد منكم، وغاز معكم، فمن تبعني ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة أو الغنيمة، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة.
    فقالوا: مهما فعلت تبعناك فيه وأعناك عليه، فبادر ولبس البياض وتحنط استعداداً للموت، وقال: إن قتلت فهذا كفني، ثم وقع الزحف بين الطرفين ونزل السلطان ألب أرسلان عن فرسه ومرغ وجهه بالتراب، وأظهر الخضوع والبكاء لله تعالى، وأكثر من الدعاء، ثم ركب وحمل على الأعداء.
    وصدق المسلمون القتال وصبروا وصابروا حتى زلزل الله الأعداء وقذف الرعب في قلوبهم، ونصر الله المسلمين عليهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا منهم جموعاً كبيرة، كان على رأسهم ملك الروم نفسه الذي أسره أحد غلمان المسلمين فأحضر ذليلاً إلى السلطان، فقنعّه بالمِقرعة، وقال: ويلك ألم أبعث أطلب منك الهدنة؟، قال: دعني من التوبيخ. قال: ما كان عزمك لو ظفرت بي؟، قال: كل قبيح: قال: فما تؤمَّلُ وتُظُن بي؟، قال: القتل أو تُشهّرني في بلادك، والثالثة بعيدة: العفو وقبول الفداء وتعيدني. قال: ما عزمت على غير العفو، فاشترى نفسه بألف ألف دينار وخمس مائة ألف دينار، وإطلاق كل أسير في بلاده، فخلع عليه، وبعث معه عدة وأعطاه نفقة توصله.
    فقام بين يدي الملك وقبل الأرض بين يديه، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً.
    وأما الروم فبادروا وملَّكوا آخر، فلما قرب أرمانوس شعر بزوال ملكه، فلبس الصوف، وترهب.
    لقد غزا ألب أرسلان بلاد الروم مرتين، وافتتح قلاعاً، وأرعب الملوك، ثم سار إلى أصبهان ومنها إلى كرمان وذهب إلى شيراز ثم عاد على خراسان، وكاد أن يتملك مصر.
    نتائج ملاذكرد:
    تعتبر معركة ملاذكرد من المعارك الفاصلة في التاريخ، ويسميها بعض المؤرخين باسم الملحمة الكبرى، وتعد أكبر نكسة في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية، وأصبحت الأراضي البيزنطية تحت رحمة السلاجقة؛ وبذلك يكون السلاجقة قد تابعوا الجهاد الذي قام به المسلمون ضد الروم.
    لم يكن هذا الانتصار انتصاراً عسكرياً فقط، بل كان انتصاراً دعوياً للإسلام؛ إذ انتشر السلاجقة في آسيا الصغرى عقب معركة ملاذكرد، وضّموا إلى ديار الإسلام مساحة تزيد على 400 ألف كم، عّم الإسلام تلك الجهات منُذ ذلك الوقت، ولم يكن دخلها أبداً من قبل.
    وكما يقول الصلابي فإن هذه المرحلة من تاريخ الإسلام كانت مرحلة امتداد وتوسع أيضاً، ولم تكن مرحلة جمود وتوقف كما يتصور كثير من الناس ممن يقرؤون التاريخ الإسلامي على عجالة ويتوقفون عند نهاية العصر العباسي الأول، ويجملون العصر الثاني بكلمات تدل على الضعف والتفكك والتوقف، وخصوصاً إذا ذهبنا إلى المغرب والأندلس حيث دولة المرابطين السنية التابعة للخلافة العباسية، فبعد ست سنوات من معركة ملاذكرد أي في عام 469هـ استطاع المرابطون في المغرب أن يفتحوا عاصمة إمبراطورية غانا "كومبي صالح"، وأن يفرضوا الإسلام على جميع البلاد، وقد وافق ملك غانا "تنكامنين" على الدخول في الإسلام والخضوع لسلطان المرابطين، وقد دخل كثير من الشعب في الإسلام أيضاً.
    وبذا تكون ديار الإسلام قد امتدت في إفريقيا على مساحة جديدة تقرب من نصف مليون كيلو متر مربع وفي الوقت نفسه فقد اتسعت ديار الإسلام في الجنوب الشرقي في الهند، وفتحت مساحات واسعة من شمال في تلك البلاد.
    تعتبر هزيمة البيزنطيين في ملاذكرد نقطة تحول في التاريخ الإسلامي البيزنطي فلأول مرة يقع الإمبراطور نفسه أسيراً في أيدي المسلمين، فهي لا تقل أهمية عن اليرموك ونتائجها، فإذا كانت هذه الأخيرة قررت مصير بلاد الشام، فإن الأولى قد قررت مصير آسيا الصغرى، التي نجح الأتراك السلاجقة في فتحها والتوغل فيها، وكانت بذلك لبنة اجتثت من بناء الدولة البيزنطية فمهدت لسقوطها، فعندما فقدت الإمبراطورية ولاياتها الغنية في آسيا الصغرى، أصبحت القسطنطينية رأساً حُرِم من الجسد الذي يسنده؛ وبذلك غدت آسيا الصغرى برمتها مكشوفة أمام السلاجقة. وهكذا بضربة واحدة دفعت الحدود التقليدية التي طالما فصلت بين الإسلام والمسيحية 400 ميل إلى الغرب.
    ولأول مرة استطاع الأتراك السلاجقة أن يحرزوا مكاناً ثابتاً في تلك البقاع، ومنُذ ذلك الحين فقد الرؤساء والجنود شجاعتهم، ولم تحرز الإمبراطورية نصراً على الإطلاق.
    ومن نتائج ملاذكرد أن قضى السلاجقة على التحالف البيزنطي الفاطمي، واضطرت بيزنطة إلى مصالحتهم، أما أرمينية فقد زالت منها الإدارة البيزنطية بعد أن هجرها سكانها وخضعت المدن الأرمينية للسلاجقة، كما انهار نظام الدفاع البيزنطي الذي تولاه أمراء التخوم، وبذلك تعرض نظام الثغور لضربة قاسية.
    تُعد معركة ملاذكرد أشد ما وقع في التاريخ البيزنطي من كوارث، بل إنها أكبر كارثة حلت بالإمبراطورية البيزنطية حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وجاءت دليلاً على نهاية دور الدولة البيزنطية في حماية النصرانية من ضغط الإسلام وفي حراسة الباب الشرقي لأوروبا من غزو المسلمين، وتراءى للصليبين فيما بعد أن البيزنطيين فقدوا على أرض المعركة ما اتخذوه من لقب حماة العالم النصراني، وبَّررت هذه المعركة ما جرى من تدخل الغرب الأوروبي؛ لأن بيزنطية لم يعد بوسعها حماية العالم النصراني في الشرق وأصبحت عاجزة عن أن تُلقي بجيش في المعركة لأعوام عديدة.
    كما أن هذه المعركة مهدت الطريق ويسرت السبل للقضاء على سيطرة البيزنطيين على أكثر أجزاء منطقة آسيا الصغرى، مما ساعد على القضاء على الدولة البيزنطية نفسها، بعد ذلك على أيدي الأتراك العثمانيين.
    ولقد حقَّق ألب أرسلان هدفه، إذ كفل الحماية لجناح جيشه، وأزال خطر التقارب بين بيزنطة والفاطميين، وانصرف بعد ذلك لمواصلة القتال في إقليم ما وراء النهر إلى أن قتل في 11 ربيع الآخر سنة 456 وولى بعده ابنه ملكشاه.
    دروس وعبر وفوائد:
    تظهر مجموعة من الفوائد والدروس والعبر من معركة ملاذكرد، منها:
    أهمية الإخلاص لله والاستعداد للموت في سبيله واللجوء إليه في تحقيق انتصارات المسلمين في معاركهم.
    دور العلماء في تثبيت القادة والجنود وتذكيرهم بالله واليوم الآخر، وأثر الوعظ والتذكير في شجاعة الجنود واندفاعهم، وخصوصاً عندما يكون العلماء في ميادين النزال وساحات المعارك.
    من أسباب النصر وجود القائد الخبير المحنك والجيش القوى المنظم.
    أهمية الصبر عند مواجهة الأعداء في المعارك تلك الصفة الربانية التي أمر الله بها }يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون{. (آل عمران: 200). فالجيوش الإسلامية التي تتحلى بهذه الصفة يحالفها نصر الله تعالى.
    دعم العلم والعلماء

    كان يُوجد اهتمام كبير بالعلم والعلماء خلال فترة ازدهار الدولة السلجوقية في عهدي السلطان ألب أرسلان والسلطان ملكشاه، حيث كان الوزير نظام الملك يَعمل في الدولة خلال حكمهما، والذي قام بجهود كبيرة لدعم العلم والأدب.
    أعطى نظام الملك رواتب منتظمة للعلماء في جميع أنحاء الدولة لتشجيعهم على عملهم، وقد بلغ عدد من يَصرف لهم المال 12,000 عالم وأديب، كما اهتم بمجالسة أهل العلم فكانت مجالسه تعج بهم. واهتم أيضاً بإنشاء المدارس النظامية، فأسس العديد منها خلال عهد ألب أرسلان في أنحاء العراق وفارس من بغداد والبصرة إلى نيسابور وهراة، وأسس المكتبات أيضاً وملأها بكتب من مختلف مجالات العلم. حتى أن ابن الجوزي قال عنه إنه "كانت سوق العلم في أيامه قائمة والعلماء في عهده مرفوعي الهامة".
    المدارسالنظامية
    تسمى بـ"المدارس النظامية" نسبة إلى أول من أسسها وهو الوزير السلجوقي نظام الملك. جاءت فكرة تأسيس هذه المدارس بسبب اتساع المد الباطني في المشرق خصوصاً خراسان والعراق وغيرها من أقاليم تلك البلاد، وقد كان نظام المُلك مهتماً بنشر المذهب السني والقضاء على الحركة الباطنية، واعتقد أن غزو بلادهم وانتزاع فارس من قبضة البويهيين لم يَكن كافياً لذلك. ولذا فقد قرر نظام الملك البدء بإنشاء سلسلة من المدارس التي تعلم الدين حسب تعاليم مذهب السنة، وبشكل أكثر خصوصاً المذهب الشافعي بسبب كون نظام نفسه شافعياً، فبدأ بتأسيس أولى هذه المدارس في مدينة بغداد عام 457هـ، وانتهى بناؤها في شهر ذي القعدة عام 459هـ، وحضرها جمع عظيم من سكان بغداد عند افتتاحها، وقد كلف بالتدريس بها أبو إسحاق الشيرازي.
    وقد كانت مواقع إنشاء أولى المدارس النظامية هي: بغداد وبلخ ونيسابور وهراة وأصفهان والبصرة والموصل ومرو وطبرستان.
    صرف نظام الملك مبالغ هائلة في المدارس، وحرص على أن توفر راحة كاملة للطلاب، فخصص سكناً للمدارس لكي يُقيم به طلابها، وأعطى كل واحد منهم أربعة أرطال من الخبز كل يوم لإعالته، وبنى في كل مدرسة مكتبة ضخمة تشبع اهتمامات الطلاب، وقيل إن تكاليف بعض هذه المدارس وصلت إلى 10 آلاف دينار، وعدد طلابها وصل إلى 300 طالب.
    كان يُشترط لتعيين مدرس في مدرسة نظامية أن يَكون شافعياً، وكانت هناك عدة مناصب إدارية في هذه المدارس هي: المدارس (من يُلقي الدروس)، والنائب (من يَنوب عن المدرس في الإلقاء إذا لم يَستطع ذاك الحضور)، والمعيد (طالب يُعيد الدرس للطلاب الآخرين ويُساعدهم على فهمه إن تطلب الأمر).
    وعندما كان يُنهي الطلاب تعلمهم في المدارس كانوا يُقدمون طلباً للحصول على "الإجازة"، وهي وثيقة تشبه الشهادة تثبت أنهم درسوا وتعلموا في هذه المدارس، والتي تتيح لهم لاحقاً الالتحاق بوظائف مثل القضاء ولإفتاء والتدريس وغيرها.
    النظام العسكري
    كانت توجد ثلاثة رتب رئيسية في الجيش السلجوقي، أعلاها هي رتبة "الأمير الحاجب الكبير" الذي يَقوم بإدارة الجيوش وتوجيهها وقيادتها، وهو أكثر رجال الدولة نفوذاً تقريباً بعد السلطان.
    ويَجب أن يَكون الحاجب كبيراً في العمر بحيث لا يَقل عمره عن 35 أو 40 عاماً من أجل أن يَملك خبرة كافية في الإدارة والتنظيم وغيره.
    ويتولى الحاجب العديد من المهام مثل تحديد الأماكن المناسبة لوقوف الجيش وتزويده بالمؤن وترتيب صفوفه للقتال.
    يَلي الحاجب "القائد العام" أو "الأسفهسلار"، وهو الذي يُشكل أداة الاتصال بين الحاجب والمقدمين (قادة الفرق)، كما أنه القائد الأكبر والأهم للجيش، ويُمكنه إدارة الجيش وتولي تنظيمه في حيال غياب الحاجب، وقد كانت هذه الرتبة موجودة في الأنظمة العسكرية منذ عهد الغزنويين.
    أما الرتبة القيادية الأقل في الجيش فهي "المقدم"، وهو الذي يَتوالى قيادة الفرق العسكرية، ويُمكن أن يَكون المقدم "أمير حرس" (من يَتولى تنفيذ العقوبات وضبط النظام في الجيش، ويُسمى في هذه الحالة "جندر")، أو قائد قلعة (ويُسمى في هذه الحالة "دزدار").
    وكانت هناك أيضاً رتب أخرى تتعلق بضبط الجيش والحفاظ على نظامه، مثل "قاضي العسكر" (من يَحكم بين العساكر ويُعاقبهم على أخطائهم) و"أمير السلاح" (حارس مخازن الأسلحة) وغيرها.
    تنظيم الجيش
    كان يُنظم الجيش السلجوقي بشكل رئيسي بـ"ديوان عرض الجيش"، والذي يَتضمن أسماء الجند ورواتبهم وكافة أحوالهم، وكان يَتولى شخص إدارة هذا الديوان يُسمى عادة بالعارض، هو الذي يَقوم بتنظيمه وتدوين الأسماء وغيره، وكان ديوان الجيش أساسياً جداً للمحافظة على النظام العسكري وإدارة جيوش الدولة.
    اهتم السلاجقة بإعطاء الجند أرزاقهم والتعجيل بها حرصاً على الحفاظ على رضاهم ومن ثم على استقرار الجيش.
    وقد كان الجنود يُعطون المال نقداً في الأيام الأولى للدولة السلجوقية، لكن لاحقاً استغنى السلطان ملكشاه عن المال وأصبح يُقطع لهم الاقطاعات بدلاً من ذلك، وفي كلا الحالتين كان ديوان عرض الجيش هو المسؤول عن تنظيم توزيع الرواتب. كما أن توفير المؤن كان جزءاً مهماً من مهام الديوان، وقد كان يَقوم بعض القواد بشراء مؤن لجيوشهم بأنفسهم في بداية العهد السلجوقي، لكن لاحقاً ولكي لا يَظلم الجنود سكان الدولة ويَأخذوا منهم المؤن غصباً فقد قام نظام الملك بتوزيع مؤن مخصّصة للعسكر على مختلف مناطق ومدن الدولة السلجوقية لكي تتزود بها الجيوش متى احتاجت، وساعد هذا في حل مشكلات المؤن وأتاح للديوان إدارة توزيعها بسهولة.
    أشرف الديوان على تسليح الجيش أيضاً، ويُقال إن الجيش كان يَتضمن - منذ عهد طغرل بك - نجارين وغيرهم لصنع ما يَحتاجه العساكر من أسلحة، وكان يَتم تزويدهم بالسلاح والعتاد حتى أثناء المعارك والقتال، وكانت توجد مخازن مخصصة لاحتواء أسلحة الجند يَحرسها "أمير السلاح" أو "سلاح دار".
    قوات الجيش
    تألف الجيش السلجوقي من أعراق متعددة، فقد كان يَتضمن أتراكاً وأكراداً وعرباً وفرساً وديالمة وأرمناً، كما أن قواته كانت تتألف من مشاة وفرسان ورماة، فيَتقدم المشاة الجيش وخلفهم الفرسان الذين كانوا يَتميزون بمهارتهم في إطلاق السهام أثناء عدو خيولهم.
    كانت تنقسم قوات الجيش السلجوقي إلى عدة أقسام، منها: "الجيش النظامي"، وهو القوّات التي تعمل بشكل دائم في خدمة الدولة، وتتألف من العبيد الذين أسروا في المعارك أو أهداهم بعض الملوك للسلاجقة.
    كانت قبائل الأتراك من العناصر المهمة أيضاً، وكثيراً ما كان سلاطين السلاجقة يُضطرون لدفع المال لهذه القبائل تجنباً للحروب معها، ومع هذا فقد كانت مهمة جداً في تأسيس الدولة السلجوقية واستمراريتها.
    كما أنه كانت تلتحق بجيوش السلاجقة عند نشوب الحروب القوات الخاصة بالولايات، حيث إن لكل حاكم ولاية قوات خاصة له يَستخدمها للدفاع عن منطقته. يُمكن أيضاً أن تلتحق بالجيوش فرق من المدن المجاورة التي يَمر العسكر قربها، أو متطوعون يَودون المشاركة في الجهاد، وهؤلاء لم يُدونوا ضمن ديوان عرض الجيش السلجوقي.
    تضمن جيش الدولة قسم الطلائع، وهم فرق من الجند يَتقدمون الجيش لكي يَستطلعوا مناطق وُجود العدو وطبيعتها وكافة المعلومات الأخرى عن مناطق المعارك، ووظيفتهم لا تتضمن الدخول في القتال عادة.
    وتوجد فرق أخرى تتقدم الجيش تسمى "تشكيلات المنزل"، وظيفتها اختيار المواقع المناسبة لإقامة الجيش وتجهيزها وتهيأتها بكل ما يَلزم لذلك من طعام وغيره.
    الأسلحة والتحصينات الحربية
    استخدم الجنود السلاجقة أسلحة القتال العادية مثل السيف والرمح والقوس والمقلاع، وكان القوس والسهم من أهم أسلحتهم، فقد اشتهروا بمهارتهم في رمي السهام خاصة من فوق ظهور الخيل، فقد كان الرماة الخيالة يُطلقون السهام أثناء عدو خيولهم دون التأثير على دقة إصابتهم، ويُقال إنه كان يَقذف الرماة السلجوقيون 10 آلاف سهم في المعركة دفعة واحدة.
    وكانوا يَرتدون دروعاً واقية للحماية مع خوذ تسمى بـ"البيضة"، وتروس في أيديهم لصد ضربات العدو.
    واستخدموا أيضاً كافة أدوات الحصار الثقيلة، بما في ذلك المنجنيقات والأبراج الخشبية (التي يَقتحمون بها أسوار العدو)، ورأس الكبش (الذي يُحطمون به بوابات الحصون)، والدبابات وسلالم الحصار، وحصنوا المدن والقلاع ببناء الأسوار المرتفعة وحفر الخنادق العميقة لإعاقة تقدم العدو.
    الخلاصة
    دولة السلاجقة حالها كحال غيرها من الدول القوية، تبدأ على يد قائد مخلص لقومه وأمته أو عقيدته، ويتميز بصفات القوة والنجاح والفطنة..
    وقد فضل الإسلام المؤمن القوي على المؤمن الضعيف، وفي كلاهما خير، ولكن المؤمن القوي هو الذي تحتاج إليه الأمة في عمليات البناء والنهوض، ومدافعة الأخطار.
    والقوة المطلوبة في المؤمن تشمل قوة الإيمان، وقوة البدن، وقوة العقل، وقوة الإرادة كالحزم والعزم.. وغير ذلك من صفات القوة المادية والمعنوية.
    ولهذا قال رسول الله: [احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان]؛ فالعجز من صفات الضعف وليس القوة.. ومع هذا فالإنسان معرض للخطأ والضعف والعجز؛ لأن الكمال لله وحده.
    وهنا يبين رسول الله أن الأمور متعلقة بقدر الله وحكمته؛ وهذا العلاج مضاد لمرض الإحباط واليأس الذي يزيد الإنسان ضعفاً.. كذلك يقطع الطريق أمام محاولات الشيطان المدمرة.
    وقد وجدنا في سيرة مؤسس الدولة السلجوقية تلك الصفات الدينية والدنيوية التي أرادها الإسلام، فقد كان يتميز بشجاعته النادرة وقوة شخصيته مع تدين ملحوظ وذكاء حاد.. ولهذه الصفات اختاره قومه، وفضلوه على غيره.
    ثم وجدنا نفس الصفات في شخصية المجاهد العظيم ألب أرسلان الذي جمع ربط بين الأسباب الدينية والأسباب الدنيوية في نفسه أولاً ثم في جيشه؛ مما مكنه من الانتصار على جيش الروم الأكثر عدداً والأقوى عدة.
    وفي عهده عاد للأمة عزها المفقود، ورجعت لهم الانتصارات الكبيرة على النصارى.
    ومن ركائز الدولة القوية عند السلاجقة الاهتمام الكبير بالعلم والعلماء والتعليم عموماً، وبناء الجيش القوي، وابتكار أفضل الوسائل في عمليات النهوض بالأمة؛ حتى أن بعض تلك الوسائل لا زالت تستخدم إلى اليوم في شتى أنحاء العالم، كما هو حاصل في نظام التعليم والجيش.
    بأمثال هؤلاء تنهض الأمة ويشتد عودها، ويخشاها عدوها، ويسعد أبناؤها.. وتسود الأمم الأخرى وتعلوا عليها..
    ـــــــــــــــ ــــــ
    المصادر:
    - (الكامل في التاريخ)، ابن الأثير.
    - (السلاجقة)، د. علي محمد الصلابي.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •