الحملات الصليبية قديمة متجددة - تقرير
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الحملات الصليبية قديمة متجددة - تقرير

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي الحملات الصليبية قديمة متجددة - تقرير

    الحملات الصليبية قديمة متجددة - تقرير
    أحمد الشجاع



    الإسلام وحملات الأعداء لم تتوقف ضده بشتى الطرق والوسائل.. إما عبر إثارة الفتن بين المسلمين، أو الحملات العسكرية المباشرة، أو غرس الثقافات الهدامة في عقول ونفوس المسلمين، أو الهيمنة الاقتصادية ونهب ثروات العالم الإسلامي، وإفقار أهله.
    وتعتبر الحملات الصليبية ضد العالم الإسلامي ضمن أشد وسائل العنف والإرهاب والتدمير والإبادة الجماعية، وهي البداية العملية التي مهدت لمرحلة الاستعمار.. وما يعانيه العالم الإسلامي اليوم من مآسي وأزمات هو امتداد لتلك الصليبية الدموية.
    وفي التقرير التالي ملامح من الحملات الصليبية بدوافعها وأسبابها ومظاهرها وظروفها.
    الحملات الصليبية
    الحملات الصليبية أو الحروب الصليبية بصفة عامة اسم يطلق على مجموعة من الحملات والحروب التي قام بها أوروبيون في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي إلى الثلث الأخير من القرن الثالث عشر (1096 - 1291م)، كانت بشكل رئيسي حروب فرسان، وأسميت بهذا الاسم؛ لأن الذين اشتركوا فيها كانوا يخيطون على ألبستهم على الصدر والكتف علامة الصليب من قماش أحمر.
    كانت السبب الرئيس في سقوط البيزنطيين بسبب الدمار الذي كانت تخلفه الحملات الأولى المارة في بيزنطة (مدينة القسطنطينية) عاصمة الإمبراطورية البيزنطية وتحول حملات لاحقة نحوها.
    وقد خاض الحروب الصليبية ضد المسلمين وثنية من السلاف، والمسيحية الروسية، والأرثوذكسية اليونانية، والمغول، والأعداء السياسيين للباباوات.
    سمي الصليبيون في النصوص العربية بالفرنجة أو الإفرنج وسميت الحملات الصليبية بحروب الفرنجة، أما في الغرب فقد سمي الصليبيون بتسميات متعددة كـ"مؤمني القديس بطرس" أو جنود المسيح.
    ورأى من كان مندفعاً بدافع الدين من الصليبيين أنفسهم على أنهم حجاج، واستخدم اسم "الحجاج المسلحين" لوصفهم في إشارة إلى أن الحجيج لا يحمل السلاح في العادة.
    وكان الصليبيون ينذرون أو يقسمون أن يصلوا إلى القدس ويحصلوا على صليب من قماش يخاط إلى ملابسهم، وأصبح أخذ هذا الصليب إشارة إلى مجمل الرحلة التي يقوم بها كل صليبي.
    وفي العصور الوسطى كان يشار إلى هذه الحروب عند الأوروبيين بمصطلحات تقابل الترحال والطواف والتجوب والطريق إلى الأرض المقدسة.
    وظهر مصطلح "الحرب الصليبية" أو "الحملة الصليبية" على ما يبدو أول ما ظهر في بحث لمؤرخ بلاط لويس التاسع عشر، لويس ممبور سنة 1675م.
    دوافع ومطامع
    أصل الحروب الصليبية تكمن في التطورات في أوروبا الغربية في وقت سابق في العصور الوسطى، فضلاً عن تدهور حالة الإمبراطورية البيزنطية في الشرق الناجمة عن موجة جديدة من الهجمات التركية المسلمة.
    جاءت بداية الحروب الصليبية في فترة كانت فيها أوروبا قد تنصرت بالكامل تقريباً بعد اعتناق الفايكينج والسلاف والمجر للمسيحية.
    فكانت طبقة المحاربين الأوروبيين قد أصبحوا بلا عدو لقتاله، فأصبحوا ينشرون الرعب بين السكان، وتحولوا إلى السرقة وقطع الطرق والقتال في ما بينهم، فكان من الكنيسة أن حاولت التخفيف بمنع ذلك ضد جماعات معينة في فترات معينة من أجل السيطرة على حالة الفوضى القائمة.
    لقد كان المجتمع الأوروبي الغربي في هذه الفترة تسوده المنازعات والحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين؛ مما ساعد على ازدياد سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوروبي، كما كان للصراعات القائمة بين رأسي العالم المسيحي الغربي حينذاك، وهما البابا والإمبراطور أثر كبير في مجريات الأحداث الأوروبية، فلقد بلغت البابوية درجة عظيمة من القوة واتساع النفوذ في هذه الفترة؛ مما فتح أمامهما المجال لكي تصبح القوة العالمية بمعنى أن يكون البابا هو الزعيم الروحي لجميع المسيحيين في الشرق والغرب على حد سواء، بجانب الخلافات المستمرة الموجودة بين الكنيستين الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية الغربية، إذ أصرت كل منهما على أن تسود وجهة نظرها وأن تكون لها الأولوية على الأخرى.
    ولهذا السبب عندما عرضت فكرة الحرب المقدسة على البابا أوربان الثاني (471 - 491هـ) (1078 - 1097م) وجد في تنفيذها فرصة كبيرة لإنهاء الخلاف بين الكنيستين والسيطرة على الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية وإدماجها في الكنيسة الغربية تحت زعامته، على أن يتم ذلك كله تحت ستار محاربة المسلمين وحماية البيزنطيين واسترداد الأراضي المقدسة في فلسطين، هذا بالإضافة إلى أغراض أخرى عديدة كانت البابوية ترغب في تحقيقها من وراء تمسكها بفكرة الحرب المقدسة، منها التخلص من نفوذ كبار رجال الإقطاع في الغرب، وإنهاء الحروب المستمرة عن طريق توجيه هذه الطاقات واستغلالها في الحرب المقدسة، علها تفتح لهم بذلك منفذاً لحياة أفضل في الشرق بدون منازعات.
    وقد اختلفت الآراء في تفسير طبيعة الحركة الصليبية والدوافع الكامنة وراءها فمنها ما هو مادي والبعض يرى أنها وليدة الحماس أو التعصب الديني التي عرفت بها أوروبا في العصور الوسطى، وأن الباعث الحقيقي لتلك الحروب كان في الواقع هو الهوس الديني الممزوج بأغراض أخرى كالميل إلى تأسيس ممالك جديدة والحصول على الثروات الطائلة.
    وقد اعتبر غالبية المؤرخين القدامى والحديثين تلك الحروب أنها حروب دينية، وأن العامل الديني كان الدافع الأساسي وراءها من أجل استعادة قبر المسيح على حد زعمهم والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، وهناك آخرون يعتبروها أحد مظاهر التوسع الاقتصادي الاستعماري في العصور الوسطى.
    ويؤكد الفيلسوف البريطاني برتراند رسل أن الحماس الديني كان أحد الأسباب الأصلية التي أسهمت في الحركة الصليبية، إلى جانب الدوافع الاقتصادية؛ "فقد كان الشرق يبشر بأن يكون مصدراً ضخماً للغنائم، والأهم من ذلك أنها غنائم تكتسب في سبيل قضية فاضلة مقدسة"، حسب قوله.
    ويرجح الصلابي أن الحروب الصليبية كانت نتيجة لتفاعل هذه العوامل مجتمعة؛ لأنها قامـت لأسـباب سياسية واقتصـادية واجتماعية، واتخذت الدين وقوداً أو وسيلة لإخفاء أغراضها المذكورة، ولا يمكن التقليل من الدافع الديني في تلك الحروب بأي وجه من الوجوه
    بدأت ولم تتوقف
    إن مما يجدر ذكره أن الحرب الصليبية بين المسلمين والنصارى الغربيين وغيرهم، لم تبدأ في نهاية القرن الخامس الهجري، ولم تنته في القرن السابع الهجري، بل هذه الحملات هي سلسلة في هذا الصراع الطويل، الذي بدأ بظهور الإسلام، واستمر بصيغ دورية متعاقبة كادت تغطي المدى الزمني لظهور الإسلام والعصر الحديث.
    وقد قسم الدكتور الصلابي محاور الصراع إلى عدد من المحاور التي استمر عليها، ولم يكن أدوار الصراع على كل واحد من هذه المحاور يفتر قليل حتى يشب ثانية في محور جديد لا يقل عنه ضراوة وعنفاً، واستنزافاً للطاقات الإسلامية في مساحات واسعة من الأرض، وهذه المحاور هي:
    أولاً: البيزنطيون:
    ترجع بدايات التحرك البيزنطي المضاد للإسلام إلى عصر الرسالة نفسه، فمنذ العام الخامس للهجرة وعبر معارك دومة الجندل، وذات السلاسل، ومؤتة، وتبوك، وانتهاء بحملة أسامة بن زيد رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، كان المعسكر البيزنطي يتحسس الخطر الإسلامي الجديد القادم من الجنوب، لاسيما بعدما تمكنت الدولة الناشئة من فك ارتباط العديد من القبائل العربية شمالي الجزيرة من سادتهم القدماء الروم، وسواء أكان البيزنطيون يتحركون ضد القوات الإسلامية بفعلهم ابتداء أو كرد فعل للتحرك الإسلامي، فإن المحصلة الأخيرة هي أن هذا المعسكر بدأ يدرك أكثر فأكثر حجم التحدي الجديد ويعد العدة لوقفه، صحيح أن هذه العدة لم تكن - أحياناً - بالحجم المطلوب، ربما بسبب عدم دقة المعلومات التي كانت القيادة البيزنطية تبني عليها مواقفها إلا أن النتيجة هي أن النار اشتعلت عبر هذا المحور، وازدادت اشتعالاً بُعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتدفق القوات الإسلامية في البلاد التي يسيطر عليها البيزنطيون، وبعد إخراج البيزنطيين من ممتلكاتهم في آسيا وأجزاء من إفريقيا على أيدي القيادة الراشدة، التي شهدت المراحل التالية منها محاولات التفاف وردود أفعال عديدة وهجمات مضادة نفذها هذا المعسكر في البّر والبحر، ولكنها آلت في معظمها إلى الخسران، تم ما لبث البيزنطيون أن انحسروا عبر العقود التالية، وبفضل الملاحقة الدؤوبة التي قام بها الأمويون ابتداء من معاوية رضي الله عنه مؤسس الدولـة الأمـوية، وعهد عبد الملك بن مروان وبنيه خصوصاً الوليد وسليمان.. واستمرت الملاحقة النشطة للبيزنطيين بعد الأمويين في الشام ومصر وشمال إفريقيا، وانحسروا بالكلية عن الشمال الإفريقي ومساحات واسعة من البحر المتوسط، وانزووا هناك في شبة جزيرة الأناضول، فضلاً عن ممتلكاتهم في أوروبا نفسها، وهكذا وبمرور الوقت، أصبح خطر هجماتهم المضادة محدوداً؛ لأنها تركزت عند خط الثغور في الأناضول والجزيرة الفراتية دون أن تتعداه إلى العمق إلا نادراً بسبب يقظة القيادات الإسلامية، وتحصينها لخط الحدود من جهة، وقيامها بهجمات مستمرة ضد الدولة البيزنطية، وتوغلها بعمق باتجاه القسطنطينية نفسها من جهة أخرى؛ الأمر الذي لم يدع الإمبراطور البيزنطي - في معظم الأحيان - أن يأخذ زمام المبادرة، وأن يوسع نطاق هجومه المضاد اللهم إلا عند مطلع القرن الرابع الهجري حيث كانت الدولة العباسية قد ضعفت.
    إلا أن ظهور السلاجقة أعطى دفعة قوية لحركة الجهاد الإسلامي، وقد استطاعوا في عهد السلطان السلجوقي ألب أرسلان أن يحققوا نجاحاً ساحقاً ضد العمود الفقري للقوات البيزنطية في معركة ملاذكرد عام 463هـ، وكان هذا الانتصار بمثابة نهاية لتحديات الدولة البيزنطية وهجومها المضاد، واستمر على تلك الحال حتى سقوطها بعد عدة قرون على يد العثمانيين.
    ثانياً: الأسبان:
    شهدت الساحة الأندلسية، منذ بدايات مبكرة هجمات مضادة متواصلة قادمة من الشمال حيث يتحصن الأسبان في المناطق الأشد وعورة، ولقد تمخضت هذه الهجمات عن صراع مرير قدرت القيادة الأموية عبره أن تجابه الهجوم المضاد لمدى ما يقرب من القرون الثلاثة، وأن تحتويه وترغمه على الانحسار في الجيوب الشمالية لشبه الجزيرة الإيبرية، ثم جاءت دفقة الحيوية الإسلامية الجديدة مرتين إحداهما على يد المرابطين القادمين من المغرب، الذين سجلوا لنا في صفحات المجد انتصارهم العظيم في معركة الزلاقة على النصارى الإسبان في عام 479هـ، والأخرى على أيدي الموحدين الذين جاءوا من بعدهم الذين حققوا انتصاراً ساحقاً على النصارى في معركة الأرَك عام 591هـ.
    وبذلك تمكن الإسلام في الأندلس من الصمود بمواجهة التحدي ومقارعة الهجوم الإسباني المضاد سلاح شبه متكافئ لمدى يقرب من القرون الأربعة.
    لكن المسلمين هناك ما لبثوا أخيراً أن استنزفوا، وزادهم ضعفاً انقسامهم على أنفسهم وصراعهم الدموي الطاحن فيما بينهم؛ الأمر الذي حول ميزان القوى لصالح القيادة النصرانية التي تمكنت في نهاية المطاف من إسقاط آخر كيان إسلامي هناك (مملكة غرناطـة 897هـ).
    ثالثاً: الحركة الصليبية:

    إن الحركة الصليبية هي رد الفعل المسيحي تجاه الإسلام، تمتد جذورها إلى بداية ظهوره، وخروج المسلمين من جزيرتهم العربية واصطدامهم بالدولة البيزنطية، وأن هذه الحركة تطورت كالكائن الحي على مدى القرون ما تكاد تخرج من طور إلا لتدخل في طور جديد، وما كانت الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي (488هـ - 690هـ - 1095م - 1291م) إلا أحد أطوارها فقط، وأن بروز هذا الطور بهذا الشكل الذي كان يطغى على باقي أطوارها يعود إلى عوامل عديدة معقدة ومتشابكة يستطيع الباحث أن يتلمسها في الدوافع والأسباب التي أدت إلى إطلاق الموجة الصليبية العاتية من عقالها في هذه الفترة.
    وقد تصالح المؤرخون على إطلاق الحروب الصليبية على الحركة الاستعمارية الصليبية التي ولدت في غرب أوروبا واتخذت شكل هجوم مسلح على بلاد المسلمين في الشام والعراق والأناضول، ومصر وتونس؛ لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين والقضاء عليهم واسترجاع بيت المقدس وجذور هذه الحركة نابع من الأوضاع الدينية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية التي سرت في غرب أوروبا في القرن الحادي عشر، واتخذت من الدين وقوداً لتحقيق أهدافها.
    فالغزو الصليبي ليس أمراً جديداً ولا ظاهرة غريبة أو استثنائية وإنما هو القاعدة وغيره الاستثناء، ولذلك يقول الصلابي: إن التحديد الزمني للحركة الصليبية بين سنتي 588هـ - 690هـ، هو تحديد خاطئ، ونقل عن الدكتور سعيد عاشور قوله: لا يقوم على أساس سليم ولا يعتمد على دراسة الحركة الصليبية دراسة شاملة، وإنما يكتفي بعلاج مبتور يشمل جزءاً من تلك الحركة ولا يعبر عن جذورها وأصولها من ناحية، ولا عن ذيولها وبقاياها من ناحية أخرى. لقد كانت المقاومة الإسلامية لهذا الغزو تعبيراً فذاً عن استمرار تيار العقيدة في نفوس المسلمين، على مستوى القمة حيناً، وعلى مستوى القواعد معظم الأحيان، لقد صنعت تلك الحقبة مجاهدين على درجة كبيرة من الفاعلية والقدرة، وقد انتشر هؤلاء المجاهدون في كل الجبهات وقاموا بمقاومة الغزاة في كل الفترات، وعلى مدى قرنين من الزمن لم يتخلوا عن المقاومة ولم يستكينوا أو يضعوا السلاح، كانوا على استعداد في كل لحظة لركوب خيولهم والانطلاق سراعاً إلى الأهداف، والجهاد لا تضعه النظريات والأماني، والمجاهد لا يتحرك في الفراغ، ولكنها التحديات التاريخية الكبيرة هي التي تضع الجهاد وتبعث المجاهدين، وتنفخ في المقاتل المسلم روح البطولة والتضحية والاستشهاد.
    رابعاً: حركة التفاف الصليبيين:
    ما لبثت أوروبا بعد سحق الوجود الإسلامي في إسبانيا أن بدأت بقيادة إسبانيا والبرتغال، ومن بعدهما بريطانيا وهولندا وفرنسا، عملية الالتفاف التاريخية المعروفة على عالم الإسلام عبر خطوطه الخلفية في إفريقيا وآسيا، والتي كانت بمثابة حركة الاستعمار القديم التي ابتلي بها العالم الإسلامي فيما بعد، والتي استمرت حتى العقود التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية، كان المماليك في مصر والشام قد بلغوا مرحلة الإعياء، وكان اكتشاف الطريق البحري الجديد حول رأس الرجاء الصالح قد وجّه لتجارتهم - التي هي بمثابة العمود الفقري لمقدرتهم المادية - ضربة قاصمة، أما العثمانيون فكان جهدهم منصباً على اختراق أوروبا من الشرق، ولم تكن لديهم الجسور الجغرافية التي تمكنهم من وقف محاولة الالتفاف تلك في بداياتها الأولى، ولكنهم ما لبثوا بعد عدة عقود أن تحركوا لمجابهة الموقف، ومع ذلك فقد دافعت الشعوب والقيادات الإسلامية المحلية في المناطق التي ابتليت بالغزو دفاعاً مستميتاً، وضربت مثلاً صلباً في مقاومتها المتطاولة للعدوان، وألحقت بالغزاة خسائر فادحة على طول الجهات والمواقع الساحلية التي سعى هؤلاء إلى أن يجدوا فيها موطئ قدم.
    وقد استطاع العثمانيون إنقاذ العالم الإسلامي من الغزو البرتغالي الإسباني الذي استهدف خنق التجارة الإسلامية، وحين حاولوا السيطرة على ساحل المغرب الإسلامي للإغارة عليه وضربه سارع العثمانيون بالسيطرة على المغرب كله ماعدا مراكش واستطاعوا مواجهة الإسبان في حوض المتوسط وجزائره وسواحله وأدالوا منهم، وبذلك استطاعت القوة البحرية العثمانية أن تحفظ شاطئ البحر المتوسط للإسلام والمسلمين، واستطاع العثمانيون أن يسيطروا على ساحل شرق إفريقيا وشمال المحيط الهندي في مطلع القرن الثامن عشر فأرهب ذلك الأوربيين، واستطاع أحمد بن سعيد 1740م أن يقف في وجههم في عمان حيث فقد البرتغاليون الأمل في استرداد هذه المنطقة، وقد كانت عمان بعد سقوط الأندلس أكبر قوة عربية ودامت نهضتها من عام 1000هـ إلى 1250هـ. وقد استولت على ثغور البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج.. فإفريقيا الشرقية إلى رأس الرجاء الصالح، وفي بضعة أجيال صار أهل عمان سادة هذه البحار العظمى الثلاثة وصار لهم أسطول ضخم هاجم الأسطول البرتغالي وأجلاه عن جميع الثغور الهندية والفارسية والإفريقية.. ولم يصبر الإنجليز على هذه الدولة البحرية التي كانت تهددهم في أملاكهم في آسيا وإفريقيا، فعملوا على مدى ثمانين عاماً على إضعافها والقضاء عليها وضرب الأسطول البريطاني مدنها بالقنابل.
    خامساً: الاستعمار:
    وجاءت الموجه الأوروبية المضادة التالية على يد القوات الاستعمارية التي دفعتها الثورة الصناعية إلى البحث عن مجالاتها الحيوية في القارات القديمة لتعريف بضائعها والحصول على الخامات الضرورية، وتسخير الطاقات البشرية (الرخيصة المستعبدة في إفريقيا عن طريق نقلها بالقوة فيما يعرف بحركة تهجير العبيد التي كانت بمثابة إحدى العلامات السوداء في تاريخ الصراع بين أوروبا والشرق، والتي ذهب ضحيتها عدد كبير من أبناء الشعوب الإسلامية في إفريقيا، واستمرت هذه الموجة التي قادتها بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا إلى حد ماء، حتى العقود الأولى من القرن العشرين، وكان العالم الإسلامي فريستها الأولى، بل إنه كان فريستها الوحيدة، إذا استثنينا مساحات محدودة قطنتها أكثرية غير إسلامية.
    وكانت أهدافها الاقتصادية تتحرك على خلفية صليبية عبّرت عن نفسها في أكثر من واقعة، وقدمت عبر التاريخ أكثر من دليل، إن غلاد ستون رئيس الوزراء البريطاني يقولها بصراحة أمام مجلس العموم البريطاني، وهـو يمسـك بالمصحف الشريف: ما دام هذا في عقول المصريين وقلوبهم فلن نقدر عليهم أبداً.
    وعندما دخل القائد البريطاني الصليبي القدس بعد الحرب العالمية منتشياً وحلفاء بريطانيا يستقبلونه بحفاوة وتكريم إلا أنه لم يخف حقده الصليبي على الإسلام والمسلمين، وأظهر سروره وحبوره كقائد صليبي منتصر فتح القدس وفلسطين وجعلها تحت الانتداب البريطاني الصليبي، فقال: الآن انتهت الحروب الصليبية، يزعم بهذه العبارة أن هدف الحروب الصليبية باحتلال القدس وفرض السيادة الصليبية عليها وعلى فلسطين قد تحقق، وهو بهذا يشير إلى أن الحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان واحتلت القدس وفلسطين سنة 492هـ وحررها المسلمون في عام 583هـ لم تحقق هدفها، أما الحرب العالمية الأولى فقد حققت فيها الصليبية هدفها واستولت على فلسطين والقدس وكانت السيادة لها.
    وأما القائد الصليبي الفرنسي فقد ذهب إلى قبر صلاح الدين في دمشق وقال عند القبر: ها نحن عدنا يا صلاح الدين.
    واستمرت الحرب الصليبية، فلم تتوقف فقامت بريطانيا بإعطاء وطن لليهود على أرض فلسطين وإقامة دولة يهودية، واتخذت من القرارات والإجراءات الإدارية والعسكرية ما تقيم هذه الدولة، بتدريب اليهود على السلاح وفنون القتال وتوفير السلاح لهم، بل إعطاء بعض أسلحة الجيش البريطاني لهم، وبخاصة عندما أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في 15/05/1948م بل سلمت كثيراً من المدن والقرى الفلسطينية إلى اليهود ليعلنوا إقامة دولة يهودية عليها، وفي الوقت ذاته قد حرمت على الفلسطينيين المسلمين التدريب على السلاح واقتناء السلاح، وشنت عقوبات ظالمة على كل فلسطيني يقتني السلاح أو العتاد، فكانت عقوبة الإعدام هي الشائعة، ولقد علق من المجاهدين المسلمين على أعواد مشانق الصليبيين الإنجليز في تلك الفترة آلاف الشهداء، وزج في غياهب السجون عشرات الألوف.
    وقد تزامنت الحركة الاستعمارية وارتبطت عضوياً بحركة التبشير النصرانية، بجانبيها الكاثوليكي والبروتستانتي، والتي انتشرت مراكزها في طول بلاد الإسلام وعرضها تمهد للاستعمار بأنشطتها المختلفة، وتفتح أمامه الطريق وتحظى تحت سلطانه بالكثير من المساعدات والميزات.
    إلا أن هذا الهجوم الاستعماري الصليبي المضاد لم يمض بسلام ولم تركع الشعوب الإسلامية أمام إرادة القوة التي اعتمدها الغزاة، بل شمروا عن ساعد الجد واستجاشوا قدرات الإيمان الدافقة ووازنوا بتضحياتهم وعشقهم الموت، وركضهم إلى الشهادة، رغم نقص إمكانياتهم العسكرية والمادية وصنعوا بذلك الأعاجيب التي أذهلت الغربيين وعرقلة استمرارية حركتهم، ألحقت بهم الهزائم والويلات ووضعت في طريقهم الأسلاك الشائكة والألغام، ليس هذا فحسب، بل إن الاستجابة للتحدي الاستعماري النصراني بعث حركات إسلامية أصيلة تخلّقت في مناخ جهادي قاس، واستهدفت مقارعة العدوان وتحرير الأرض والعقيدة والإنسان، وقدمت نماذج من أعمال المقاومة تحدث بها الغربيون قبل الشرقيين وملأت صفحات ناصعة بيضاء في معطيات التاريخ.
    الكنيسة تشعل حملات الصليب
    حسب قول الكاتب شريف عبد العزيز فإن فكرة الحروب ذات الطابع الديني الخالص ترجع لكرسي البابوية التي أضفت على الصراع الخالد بين المسلمين والنصارى صفة الصليبية المتعصبة، وخلال هذا الصراع الطويل برز العديد من الباباوات الذين كان لهم دور بارز في تأجيج المشاعر العدائية ضد الإسلام والمسلمين تمثلت في حملات صليبية عالمية على الأمة المحمدية، منهم:
    البابا حنا العاشر:
    يعتبر البابا حنا العاشر 914-928م أول من نادى بطرد المسلمين من الحوض الغربي للبحر المتوسط؛ بدءاً بجنوب إيطاليا وجزر البحر المتوسط وجنوب غربي فرنسا ثم إسبانيا، وهي الفترة التي كانت دولة الإسلام في الأندلس وقتها في أوج قوتها ومجدها تحت قيادة عبد الرحمن الناصر أول من تلقب بأمير المؤمنين في الأندلس. وكان البحارة المسلمون وقتها أيضاً مسيطرين على حوض البحر المتوسط وفتحوا الكثير من الجزر وهددوا روما نفسها بغارات قوية كادت واحدة منها أن تفتح روما، وذلك سنة 324 هجرية. وكانت البابوية وقتها في حالة صراع مرير ضد الإمبراطور أوتو الكبير عطلت دعوات حنا العاشر وخططه نحو شن حرب صليبية ضد المسلمين.
    البابا إسكندر الثاني:
    يعتبر إسكندر الثاني [1061-1073] أول من استخدم فكرة صكوك الغفران كورقة لتحميس الأوروبيين على حرب المسلمين، وذلك عندما دعاهم سنة 455هـ - 1063م لنجدة إخوانهم الإسبان في الأندلس من نير المسلمين، مع العلم أن المسلمين كانوا وقتها في أضعف حالاتهم تحت حكم ملوك الطوائف. وقد أسفرت هذه الدعوة عن واحدة من أشد المجازر البشرية بشاعة عندما شن نصارى أوروبا حرباً صليبية بقيادة قائد فرسان البابوية على مدينة بربشتر في شرق الأندلس سنة 456هـ - 1064م راح ضحيتها أربعون ألف مسلم ومسلمة غير آلاف الأسرى من البنات والصبيان.
    البابا جريجوري السابع:
    يعتبر البابا جريجوري السابع هو أكبر وأهم من تولى منصب البابوية في التاريخ الكنسي كله، وهو مؤسس فكرة الحملات الصليبية الشهيرة على العالم الإسلامي بالشام ومصر، وقد تولى البابوية خلفاً لإسكندر الثاني سنة 466هـ - 1073م، وكانت ولايته للبابوية نقطة تحول فاصلة في حياة البابوية، إذ أصبح البابا من عهده هو سيد العالم النصراني وسيد أوروبا المطلق وصاحب السلطة الأكبر والأهم على نصارى العالم القديم. وقد أثبت ذلك في صراعه ضد الإمبراطور هنري الرابع الذي اضطر للتوجه إلي قلعة كانوسا حيث مقر إقامة البابا جريجوري السابع طلباً لمغفرة البابا وصفحه بعد أن ثار عليه شعبه وقواده، وإمعاناً في إظهار السيادة والقوة تركه جريجوري ثلاثة أيام حافياً عاري الرأس على الجليد حتى يرضي عنه.
    هذا البابا أول من أشعل الحملات الصليبية على الأمة الإسلامية، ولكن العمر لم يطل ليشهد انطلاق هذه الحملات حيث هلك سنة 1088م وترك ذلك لتلميذه النجيب أوربان الثاني.
    البابا أوربان الثاني:
    أخذ على عاتقه إدخال الحملات الصليبية موضع التنفيذ، وقد قام بجولة أوروبية واسعة لحشد الرأي العام واستثارة الهمم الصليبية من أجل ذلك، ثم دعا لمؤتمر مصيري في كليرمونت بفرنسا في 27 نوفمبر سنة 1095م، وفيه أطلق صيحته الشهيرة "إنها إرادة الرب".
    وأمر كل مسيحي ومسيحية بالخروج لنجدة القبر المقدس من أيدي الكفرة (يعني المسلمين)، ثم أفاض في حديث مليء بالكذب والأباطيل عن الاضطهادات التي يتعرض لها النصارى والحجيج ببلاد المسلمين؛ فأدى ذلك لاشتعال روح حماسية عارمة بأوروبا نحو حرب المسلمين والخروج إلى بلادهم.
    وقد أرسل أوربان أحد الرهبان المتعصبين واسمه بطرس الناسك، وكان ذا موهبة خطابية فائقة، فطاف أوروبا بأسرها يدعو النصارى لمحاربة المسلمين، ونتيجة لخطب ومواعظ بطرس الناسك الحماسية والمليئة بالمؤثرات من بكاء وعويل وأكاذيب خرج مئات الآلاف من نصارى أوروبا استجابة لنداء البابا ورغبة في المغفرة ودخول الجنة بزعمهم، وذلك بلا نظام ولا ترتيب ولا قيادة، وهي الحملة المعروفة باسم حملة الرعاع والتي أبادها السلاجقة، ومؤرخو أوروبا يغفلون ذكر هذه الحملة ولا يعدونها من ضمن الحملات الصليبية.
    ثم تلت هذه الحملة الفاشلة حملة الأمراء، وكان معظمهم من فرنسا وقدرت بمليون مقاتل صليبي وذلك سنة 490هـ - 1099م، وهي الحملة التي نجحت في إقامة أربع إمارات صليبية بالشام وذلك بطرابلس وأنطاكية وبيت المقدس والرها، وذلك بعد سفك دم قرابة المليون مسلم ومسلمة، والجدير بالذكر أن أوربان الثاني قد هلك قبل أن يفرح بنجاحات الحملة بأرض الشام.
    البابا أوجينيوس الثالث:
    كان يعتلي كرسي البابوية سنة 539 هـ - 1144م عندما استطاع الأمير المجاهد عماد الدين زنكي أن يفتح الرها، فأصدر أوجينيوس الثالث مرسوماً داعياً أوروبا لحملة صليبية جديدة على بلاد الإسلام للثأر للدين "الحق" بزعمه.
    وقد أطلق على هذا المرسوم عنوان (قدر الأسلاف)، وبالفعل استجاب لويس السابع وكويزاد الثالث ملكا فرنس وألمانيا لنداء البابا وشنا الحملة الصليبية الثانية والتي تحطمت على أبواب دمشق سنة 543 هـ ـ 1148م.
    البابا باسكوال الثاني:
    هو الذي أنشأ جماعة فرسان المستشفى، والمعروفة في المراجع العربية بالإسبتارية، وذلك سنة 509 هـ - 1113م وكانت في البداية رعاية مرضى حجاج بيت المقدس وخدمتهم ثم تحولت لجماعة حربية شديدة البأس والتعصب تحت قيادة الراهب الإيطالي جيرار الملقب بحامي فقراء المسيح.
    البابا كالكتس الثاني:
    هو الذي أنشأ جماعة فرسان معبد سليمان أو الداوية كما هو معروف في المراجع العربية، وكانت مهمتهما حماية طريق الحجاج، وهذه الجماعة من أشد الجماعات الصليبية تعصباً وحقداً على المسلمين وحماسة في قتالهم، وهذه الجماعة وسابقتها عملت على تنمية الروح الصليبية الخالصة ونشر فكرة التطوع ونذر النفس لمحاربة المسلمين، وكانت تقوم على فكرة المزج بين الرهبنة والجندية، ومعظم فرسانها من الرهبان والقساوسة.
    وكان المسلمون إذا ظفروا بأي أسير من هاتين الجماعتين قتلوه فوراً لكثرة جرائمهم ووحشيتهم ضد المسلمين، وكانت هاتان الجماعتان تحت الإشراف المباشر لبابا روما، ولهما من الامتيازات والإقطاعات ما يكفيهم عن العمل والتفرغ لقتال المسلمين.
    البابا جريجوري الثامن:
    بعد أن حقق المسلمون بقيادة صلاح الدين انتصارهم العالمي وحرروا بيت المقدس سنة 583هـ - 1187م، خرّ ميتاً من هول الصدمة البابا أوربان الثالث، وخلفه البابا جريجوري الثامن وكان شيخاً كبيراً، ولكنه سعى بكل جهده لشن حملة صليبية ثالثة على العالم الإسلامي، فأرسل خطاباً عاماً لنصارى أوروبا ووعدهم فيه بالمغفرة الكاملة لجميع خطاياهم، وفرض عليهم صياماً في كل يوم جمعة على مدى خمس سنوات قادمة، وفرض عليهم ضريبة تقدر بـ10% من دخولهم عرفت باسم ضريبة صلاح الدين، والامتناع عن أكل اللحوم في أيام السبت والأربعاء من كل أسبوع، وقد أدى هذا الخطاب لحماسة جارفة عمت أنحاء أوروبا أسفرت عن الحملة الصليبية الثالثة والمعروفة باسم حملة الملوك.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: الحملات الصليبية قديمة متجددة - تقرير

    الحملات الصليبية قديمة متجددة - تقرير
    أحمد الشجاع


    البابا أنوسنت الثالث:
    تولي البابا أنوسنت الثالث كرسي البابوية سنة 595هـ - 1198م وكان صغيراً نوعاً ما مقارنة لمن سبقوه من الباباوات، وهذا البابا أحدث تغيرات خطيرة وجذرية بمكانة كرسي البابوية أشبه ما يكون بجريجوري السابع، حيث كان يرى أن البابا يجب أن يكون صاحب سلطة روحية وزمانية أو نوعاً من القسيس الملك، ورفض أن يكون دور البابا منحصراً في مجرد الدعوة للحملات الصليبية ومنح صكوك الغفران، بل يجب أن يكون الأمر كله تحت سيطرة البابوية؛ لذلك كان أنوسنت الثالث أكثر الباباوات محاربة للمسلمين وشناً للحملات الصليبية ضدهم، وهو أول من حول دفة الهجوم من الشام إلى مصر مركز الثقل في العالم الإسلامي وقتها، وبالفعل أثمرت جهود أنوسنت الثالث لشن الحملة الصليبية الرابعة وذلك سنة 600هـ -1204م والتي تعتبر أفشل الحملات الصليبية؛ حيث توجهت للقسطنطينية عاصمة بيزنطة بدلاً من بلاد الإسلام، وذلك بسبب العداء المذهبي بين البيزنطيين الأرثوذكس والفرنجة الكاثوليك.
    ورغم هذا الفشل الذريع لأنوسنت الثالث في الحملة الرابعة إلا أنه عاد وأرسل حملة أخرى سنة 612هـ - 1216م وقد اختار هذه السنة تحديداً بناءً على تفسيره المحرف لبعض نصوص الكتاب المحرف عندهم، حيث كان يفسر ما ورد في سفر الرؤيا من أن عدد سنوات عمر الوحش هو 666، والوحش في تفسيره هو الإسلام، وإذا كان ظهور الإسلام بحسابه سنة 622 ميلادية و666م تكون السنة التي توقع فيها نهاية الإسلام سنة 1288م؛ لذلك كان أنوسنت على يقين بأن حملته ستقرب المسلمين والإسلام من هذه النهاية، ولكنه سرعان ما هلك سنة 1216م قبل أن تتم الاستعدادات لهذه الحملة، وكان هلاكه بشرى كبيرة للمسلمين فإنه من أهم وأخطر الشخصيات التي تولت كرسي البابوية، وكان النصارى في أوروبا يقولون عنه: "إنه أدنى من الله وأعلى من البشر، قاضي القضاة الذي لا يقاضيه أحد".
    هونريوس الثالث:
    هو الذي خلف البابا أنوسنت الثالث وسار على نهجه واستكمل الدور الذي بدأه في شن الحملة الصليبية الخامسة على المسلمين، وتأكيدًا لسياسة أنوسنت الثالث أرسل هونريوس مبعوثًا من طرفه هو الكاردينال البرتغالي بلاجيوس لقيادة الحملة، ليس فقط روحياً وإنما أيضاً عسكرياً وميدانياً، وكان بلاجيوس هذا تلميذاً نجيباً لأنوسنت الثالث يؤمن بكل مبادئه، ويفيض كراهية وكرهاً على المسلمين، شديد الإيمان بفكرة الحروب الصليبية، ولكنه كان لا يصلح بالمرة للقيادة العسكرية، فهو ضيق الأفق، عديم الخبرة، مستبد، مغرم بنفسه، شديد العناد، وهي خصال كلها كانت متوافرة في أستاذه أنوسنت، وأيضًا هي الخصال التي ستؤدي لفشل الحملة التي قادها على دمياط سنة 618هـ - 1221م.
    جريجوري التاسع:
    هذا البابا يعتبر تجسيداً حقيقياً وواضحاً عن النفسية البابوية المليئة بالحقد والكراهية للإسلام والمسلمين؛ ذلك أن أكبر ملوك أوروبا وقتها وهو الإمبراطور فريدريك الثانى قد تلكّأ في الخروج لقتال المسلمين بسبب عدم اقتناعه بفكرة الحروب الصليبية بالكلية؛ ما حدا بالبابا أن يصدر مرسوماً بالحرمان الكنسي والطرد من الرحمة بحقه وذلك سنة 624هـ - 1227م، وأجبره على الخروج في حملة صليبية على بلاد الإسلام، وهي الحملة السادسة، ولقد استطاع فريدريك أن يستولي على بيت المقدس عن طريق التفاوض مع ملك مصر الضعيف محمد الكامل الأيوبي، وذلك من غير ضربة سيف واحدة، فما كان من جريجوري التاسع إلا أن أصدر قراراً ثانياً بحرمان فريدريك من الجنة، وأطلق عليه لقب الزنديق الأكبر، وقال كلمته الشهيرة والتي تعبر بصدق عن النفسية الحاقدة على الدين وأهله: "إن الملوك الصليبيين يذهبون لسفك دماء المسلمين، وليس للتفاوض معهم".
    أنوسنت الرابع:
    هو أول بابا في تاريخ البابوية يفكر في تشكيل حلف نصراني – وثني ضد العالم الإسلامي، وذلك عندما أرسل إلى خان المغول يعرض عليه مشروعاً شريراً لمحاربة العالم الإسلامي والجهتين الشرقية والشمالية من أجل إبادة المسلمين بالكلية، وقد أوفد البابا الشرير من أجل استمالة المغول المئات من الأوربيات الزانيات من أجل إغواء المغول كخليلات وعشيقات، وكان لهذا السلاح مفعول السحر خاصة أيام الطاغية هولاكو، ولكن هذه المحاولات ورغم كثرتها وتأثيرها الجزئي إلا أنها فشلت في النهاية بسبب إصرار الخان على خضوع البابا والأوروبيين له ودفع الجزية السنوية له.
    ولما فشلت مساعي أنوسنت الرابع اتجه نحو إعلان حرب صليبية جديدة على العالم الإسلامي كانت الأكبر والأفضل تنظيماً وتسليحاً وقيادة؛ إذ ندب لقيادة الحملة ملك فرنسا لويس التاسع، وخلع عليه لقب قديس، وكان لويس التاسع شديد الإيمان بفكرة الحروب الصليبية ووجوب محاربة المسلمين، وذلك سنة 647 هـ - 1249م، ولكن هذه الحملة كان مصيرها الفشل الذريع كسابقتها.
    بعد ذلك عمت روح من الفتور في أرجاء أوروبا وفقدت البابوية حماستها المتقدة، وانشغل الباباوات خلال هذه الفترة بمشاكلهم الداخلية مع قادة الدول الأوروبية والصراع ضد أسرة الهوهنشتاوفن الألمانية والحركات الإلحادية في جنوب فرنسا، باستثناء المحاولات التي قام بها البابا كليمنت الرابع وخليفته نيكولاس الرابع من أجل تشكيل حلف بين المغول والصليبيين للتصدي لدولة المماليك القوية الآخذة في النمو والتمدد نحو الشام وحدود العراق، وذلك سنة 1267م.
    وظل الأمر هكذا حتى ظهرت الدولة العثمانية في منطقة الأناضول، وذلك في أوائل القرن الثامن الهجري وأواسط القرن الرابع عشر الميلادي.
    البابا كليمانس السادس:
    هو أول الباباوات دعوة لتكوين حلف صليبي مقدس ضد الدولة العثمانية الناشئة في آسيا الصغرى أو الأناضول، وذلك سنة 744 هـ - 1344م، وكانت الاستجابة في بدايتها ضعيفة ومحدودة، ولكنها مع الوقت أخذت في التوسع والازدياد، خاصة مع الحماسة الدينية المتأججة في قلوب ملوك قبرص التي أصبحت من أخطر البؤر الصليبية على الإسلام والمسلمين في هذه الفترة.
    البابا أوربان الخامس:
    يعتبر أوربان الخامس أول الباباوات الداعين لحرب صليبية ضد العثمانيين ولكن بجنود من النصارى الأرثوذكس، وذلك سنة 1364 هـ - 765 هـ، وذلك أن إمبراطور بيزنطة وقتها قد تحول للمذهب الكاثوليكي من أجل إغراء البابا والدول الأوروبية الكاثوليكية بمساعدته ضد قوة العثمانيين المتنامية، وذلك أيام السلطان مراد الأول، وقد استجاب لدعوة أوربان الخامس كل من لويس ملك المجر وبولندا وأمراء البوسنة والصرب ورومانيا وشكلوا حلفاً صليبياً مقدساً، ولكن هذا الحلف مني بهزيمة ساحقة عند نهر مارتيزا بالقرب من أدرنة، وهذه الهزيمة الكبيرة جعلت أوربان يجن جنونه ويكلف ملك قبرص الصليبي واسمه بطرس الأول بغزو ميناء الإسكندرية وإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية فيها، وكان بطرس شديد الصليبية والإيمان بوجوب قتال المسلمين، فاستجاب على الفور لدعوة البابا وقاد حملة صليبية نزلت بالإسكندرية سنة 767 هـ - 1365م، وارتكبت هذه الحملة مجزرة بشرية مروعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من أهل الإسكندرية، ثم غادرها بطرس مسرعاً قبل أن يقوم المسلمون بنجدة المدينة، وكما قال المؤرخون "دخل الإسكندرية لصاً وخرج منها لصاً".
    البابا بونيفاس التاسع:
    وهو البابا الذي كان معاصراً للفتوحات العظيمة التي قام بها السلطان مراد الأول ثم خليفته بايزيد الصاعقة الذي حقق انتصارات باهرة على الجبهة الأوروبية جعلته يسيطر على معظم أجراء البلقان ويحكم حصاره على القسطنطينية، ما دعا بالبابا يونيفاس التاسع إلى أن يعلن حلفاً صليبياً فيه كل الأوروبيين الكاثوليك والأرثوذكس، وكان الأكبر في القرن الرابع عشر والأضخم في تاريخ الصراع بين الصليبيين والعثمانيين، وذلك سنة 800هـ - 1396م.
    ولأول مرة يقاتل الكاثوليك جنباً إلى جنب مع الأرثوذكس ضد المسلمين، ولقد انتصر بايزيد على هذا الحلف الصليبي الضخم في معركة نيكوبوليس انتصاراً رائعاً وقال بايزيد مقولته الشهيرة: "سأفتح إيطاليا وسأطعم حصاني هذا الشعير في مذبح القديس بطرس بروما"، وهي المقولة التي أدخلت الرعب والفزع في قلوب نصارى أوروبا عموماً وكرسي البابوية خصوصاً.
    البابا أوجين الرابع:
    وهذا البابا ترجمة عملية للغدر والخيانة ونقض العهود، وذلك أن الدولة العثمانية كانت قد وقّعت معاهدة سلام لمدة 10 سنوات مع الدول الأوروبية، وذلك سنة 846 هـ - 1442م، ولم يكن أوجين الرابع راضياً عن هذه المعاهدة، فأرسل من طرفه الكاردينال الإيطالي الشرير سيزاريني فطاف على ملوك أوروبا وحرّضهم على نقض المعاهدة مع العثمانيين وأحلهم من وزر ذلك، واصطحب معه صكوك غفران موقعة من البابا أوجين الرابع لكل من يشترك في هذه الحملة، فاستجاب لندائه كل ملوك أوروبا وعلى رأسهم لاديساس ملك المجر، وكانت أخبار اعتزال مراد الثاني الحكم لابنه محمد الثاني، ثم تفرغه للعبادة قد وصلت لأوجين الرابع، فقرر استغلال الفرصة للهجوم على العالم الإسلامي، وذلك سنة 852 هـ - 1448م. ولكن مؤامراته الشريرة تحطمت تحت سيوف العثمانيين الذين أنزلوا هزيمة ساحقة على التحالف الصليبي، وقتل لاديساس في المعركة ومعه الكاردنيال الشرير سيزارينى.
    البابا نيقولا الخامس:
    وهو البابا الذي كان من قدره أن يكون على كرسي البابوية سنة 857 هـ - 1453م، وهي سنة فتح القسطنطينية على يد العثمانيين بقيادة محمد الفاتح، فحاول نيقولا الخامس توحيد الصف النصراني المتشرذم، ودعا إلى مؤتمر دولي في روما لشن حرب صليبية جديدة على المسلمين لاسترجاع القسطنطينية، ولكنه فشل في ذلك، فأصيب بالهم والحزن وقتله الكمد سنة 1455م، وحاول خليفته بيوس الثاني تأجيج المشاعر الصليبية بكل ما أوتي من مقدرة خطابية وحنكة سياسية، ولكنه فشل بسبب الخلافات الداخلية بين الدول الأوروبية.
    البابا جويلس الثاني:
    وهو الذي شكل حلفاً صليبياً ضد العثمانيين أيام السلطان بايزيد الثاني مستغلاً حالة الصراع على الحكم بين بايزيد الثاني وأخيه الأمير جم، فكلف البولنديين بالهجوم على مولدافيا التابعة للعثمانيين، وشجع الرومانيين على الثورة على العثمانيين في غرب البلاد، وضم لهذا الحلف فرنسا والمجر وإيطاليا.
    البابا إسكندر السادس:
    وهو البابا الذي اشترى الأمير جم من فرسان القديس يوحنا، وكان أسيراً عندهم في جزيرة رودوس، وساوم عليه أخاه السلطان بايزيد الثاني من أجل وقف المساعدات عن مسلمي الأندلس، ووقف تهديدات العثمانيين لسواحل اليونان، ولكن بايزيد رفض هذه المساومة الرخيصة، فما كان من إسكندر السادس إلا أن قتل الأمير جم، ثم دعا إلى حلف صليبي جديد ضد العثمانيين اشتركت فيه فرنسا وإسبانيا، وذلك سنة 905 هـ - 1499م، فرد بايزيد بكل قوة على هذه الجريمة الصليبية بنصر بحري كبير على البنادقة في خليج لبياتو.
    البابا بيوس الخامس:
    خلال فترة حكم السلطان سليم الأول وولده سليمان القانوني بلغت الدولة العثمانية أوج قوتها واتساعها، وذلك من سنة 918هـ - 1512م حتى سنة 974هـ - 1566م، وكانت أوروبا وقتها تعيش حالة من الفوضى والصراع السياسي والديني وانقسامات كبيرة،، ففرنسوا الأول ملك فرنسا ينافس الإمبراطور شارلكان على كرسي الحكم للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان الراهب الألماني مارتن لوثر مؤسس المذهب البروتستانتي ينافس بابا الكاثوليك ليو العاشر، وهذه الصراعات المتأججة مع قوة العثمانيين المتنامية عطلت الحروب الصليبية عند كرسي البابوية.
    وفي نفس السنة التي مات فيها سليمان القانوني تولى فيها كرسي البابوية رجل في غاية الخطورة وهو بيوس الخامس الذي وضع مشروعاً بابوياً لجمع شمل الدول الأوروبية المتنافسة وتوحيد قواها براً وبحراً تحت قيادة البابوية، كما كان الحال أيام أنوسنت الثالث، واستطاع بيوس الخامس أن يقنع ملك فرنسا شارل الخامس بنقض عهوده مع العثمانيين، وازدادت وتيرة الإعداد لحرب صليبية جديدة بعد نجاح العثمانيين في فتح جزيرة قبرص سنة 979هـ - 1571م، وبالفعل نجحت الحملة الصليبية البابوية التي كان يقودها الأمير دون خوان، وهو أخ غير شرعي لملك إسبانيا فيليب الثاني، وهو أيضاً الذي قضى على ثورة المسلمين في غرناطة قبل ذلك بثلاث سنوات، نجح في هزيمة الأساطيل العثمانية في معركة ليبانتو سنة 979هـ - 1571م، وكانت أول هزيمة بحرية ينالها العثمانيون منذ أكثر من 100 سنة، ما جعل الأوروبيون يهللون لهذا النصر الكبير، وقام بيوس الخامس بعمل قداس خاص بالمناسبة افترى فيه على الله عز وجل الكذب، وقال: "إن الإنجيل قد عنى دون خوان نفسه حيث بشّر بمجيء رجل من الله يدعي حنا".
    جريجوري العاشر:
    بعد انتصار ليبانتو سنة 979هـ -1571م لم يحقق الصليبيون انتصارات كبرى على العثمانيين زعماء العالم الإسلامي، وسرت روح من الفتور في الجانبين وانشغل كلاهما بمشاكله الداخلية وصراعاته الإقليمية، وظل الأمر على هذا المنوال حتى تولي كرسي البابوية جريجوري العاشر، وعلى ما يبدو أن أي بابا يتلقب بهذا اللقب عادة يكون ذا طموحات صليبية خطيرة ضد العالم الإسلامي، فمنذ أن تولي جريجوري العاشر المنصب أخذ في الدعوة إلى تشكيل حلف مقدس ضد العثمانيين، مستغلاً حالة الفوضى داخل الدولة العثمانية نتيجة تولي السلطان محمد الرابع السلطنة وكان ابن سبع سنوات، وقد قرر جريجوري الاستفادة من قوة روسيا القيصرية الصاعدة فضمها للحلف على الرغم من أن الروس أرثوذكس، وكذلك ضم في حلفه النمسا رغم عصيان ملوكها الدائم لأوامر البابوية، ولكن وجود أسرة كوبريلي في منصب الصدارة العظمى داخل الدولة العثمانية عطل مشروع جريجوري العاشر حتى جاء خلفه حنا الخامس عشر، والذي استغل فشل الجيوش العثمانية في فتح فيينا عاصمة النمسا سنة 1094هـ - 1681م في تأجيج مشاعر العداء الصليبي ضد العالم الإسلامي. وكان هذا التاريخ هو تاريخ تحول كفة الصراع لصالح الصليبيين، وأيضاً تاريخ خفوت صوت البابوية وبروز نجم روسيا القيصرية التي ستدخل في حرب صليبية طويلة وشرسة نيابة عن العالم الصليبي ضد الدولة العثمانية زعيمة العالم الإسلامي.
    وفي هذه الفترة ظهرت الثورة الصناعية وما صاحبها من محافل ماسونية وأفكار علمانية تحارب الدين ممثلاً في الكنيسة وحصلت حالة من الفصام النكد بين الدين والحياة في أوروبا، وأصبح دور البابا منحصراً في الجوانب الروحية، بل تعرض منصب البابوية نفسه للإلغاء أيام حكم موسوليني في إيطاليا، ولكن الحقيقة الثابتة والتي لا يستطيع أحد أن يجادل فيها أو يحاول أن يخفيها أن أثر البابا ظل باقياً في كل الحروب والصراعات التي نشبت بعد ذلك بين العالم الإسلامي وأعدائه الغربيين، فلقد كان الطابع الصليبي والحقد الديني بارزاً في كل هذه الحروب والصراعات، وعشرات السنيين التي جثم خلالها الغرب على العالم الإسلامي في صورة احتلال كانت الصليبية والعداوة الدينية طافحة في كافة أعمال وتحركات الغرب، والمجازر الوحشية والمروعة التي قام بها الاحتلال الفرنسي في الجزائر والمغرب ودول غرب إفريقيا ومثيلتها التي قام بها الاحتلال الروسي في القوقاز ووسط آسيا، وغير ذلك كثير يعتبر خير دليل على الحقد الصليبي الطافح في هذه الحروب، والذي يرجع الفضل الأول في إبرازه وتأجيجه ثم تثبيته لكرسي البابوية.

    المقاومة الإسلامية
    انبعثت حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين لأول مرة في بلاد المشرق الإسلامي من منطقة الجزيرة، وهي تقع بين دجلة والفرات، ومجاورة لبلاد الشام وتشتمل على ديار مُضر وديار بكر، وسميت "الجزيرة" لوقوعها بين نهري دجلة والفرات، وتمتاز منطقة الجزيرة بأنها صحية الهواء جيدة الريع والنماء، واسعة الخيرات، بها مدن جليلة وحصون منيعة وقلاع كثيرة، ومن الأسباب التي جعلت حركة المقاومة تنبعث من منطقة الجزيرة:
    - إن منطقة الجزيرة أول أقطار المسلمين في المشرق الإسلامي التي اكتوت بنار الخطر الصليبي عندما استولى الصليبيون على "الرها"، وتأسست بها أولى الإمارات الصليبية سنة 490هـ - 1097م، فأدرك السكان خطر توغل الصليبيين في بلادهم، مما بعث المسلمين على التفكير الجدي في المبادرة إلى مهاجمة الصليبيين.
    - إن منطقة الجزيرة قد ظهرت شخصيتها منذ عصر صدر الإسلام بسبب مجاورتها لأطراف الدولة البيزنطية؛ مما نشأ عنه خطر شديد على المسلمين أيام الأمويين والعباسيين، فأصبحت خط الدفاع الأول عن ثغور المسلمين ضد الروم، وبعد الغزو الصليبي أصبحت منطقة الجزيرة تواجه إمارة الرها الصليبية التي شكلت أكبر خطر على الخلافة العباسية في بغداد.
    - شهدت منطقة الجزيرة خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي دخول الأتراك السلاجقة إليها مع ما اشتهروا به من حبهم لتربية الخيول والمغامرة مع حماسهم للإسلام بسبب قرب عهدهم به، وانتمائهم للمذهب السني.
    وأمد السلاجقة التركمان منطقة الجزيرة بدماء جديدة شديدة التحمس إلى الجهاد في سبيل الله، بعكس القوى الإسلامية الأخرى في بلاد الشـرق الإسـلامي التي خبت جذوة الحماس الديني في نفوسها وخمدت روح القتال لديها.
    - الثروات الضخمة والموارد الكبيرة التي حوتها منطقة الجزيرة بسبب توفر مصادر المياه، وخصوبة الأرض، وسعة الرقعة الزراعية وكثرة المراعي اللازمة للخيل والماشية، الأمر الذي مكنها من مد المجاهدين بمصدر لا ينفد من المؤن والعتاد. هذا فضلاً عن الحصانة الطبيعية التي تمتعت بها كبرى مدن وقلاع الجزيرة التي انطلقت منها حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين مثل الموصل وآمد وماردين وحصن كيفا وغيرها، إذ أن تلك المدن امتازت بحصانة جغرافية فريدة جعلت اقتحامها عنوة أمراً بالغ الصعوبة، وبالتالي أصبحت في مأمن من الهجمات الصليبية المضادة.
    ولا يستبعد أن يكون قد اختمر في نفوس زعماء حركة الجهاد بعث فكرة الجهاد الإسلامي لما يمثله وجود إمارة الرها الصليبية في منطقة الجزيرة من خطورة بالغة على مركزهم بالإضافة إلى خوفهم من تقدم الصليبيين جنوباً للقضاء على الخلافة العباسية في بغداد.
    ومن هنا فلا غرو أن تنبعث فكرة الجهاد الإسلامي في منطقة الجزيرة بقصد انتزاع الرها من أيدي الصليبيين.
    وقد اتخذت فكرة المقاومة الإسلامية مظهرها العملي منذ سنة 491هـ - 1097م حيث قام "قوام الدولة كربوقا" صاحب الموصل بجمع ما استطاع جمعه من العساكر بقصد منع أنطاكية من السقوط بيد الصليبيين، ولكن كربوقا لم يلبث أن توقف في الطريق حيث حاصر الرها لمدة ثلاثة أسابيع فأعطى بذلك فرصة كبيرة للصليبيين جدوا فيها لفتح أنطاكية، وقد تم لهم ذلك، ولو أن كربوفا أنفذ إلى أنطاكية مباشرة لا سلمه ياغى سيان مدينة أنطاكية، وتغيرت ظروف المحاصرين، ولكن كربوقا رفع الحصار عن الرها حين سمع بسقوط أنطاكية بيد الصليبيين، وعبر الفرات إلى الشام وأقام بمرج دابق حيث اجتمع هناك دقاق بن تتش صاحب دمشق وظهير الدين طغتكين أتابك دقاق، وجناح الدولة حسين صاحب حمص، وأرسلان تاشى صاحب سنجار، وسقمان بن أرتق صاحب بيت المقدس، وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم في القدوة والكفاية على حد قول ابن الأثير.
    وانضم الأمراء جميعاً تحت قيادة كربوغا وسار بهم صوب أنطاكية في سنة 491هـ - 1097م التي كانت قلعتها لا تزال في أيدي المسلمين، فاقتربوا منها وشددوا عليها الحصار حتى تغير موقف الصليبيين وساءت حالتهم، إذ وجدوا أنفسهم محاصرين من الداخل والخارج، فتعرضوا لأزمة قاسية بسبب قلة الغذاء مما اضطرهم إلى أكل الجيف وأوراق الشجر.
    ودفع ذلك الصليبيين إلى إرسال وفد إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من أنطاكية، غير أن كربوقا رفض طلبهم وقال لهم: لا تخرجون إلا بالسيف. وهذا ما دفع أحد رجال الدين المسيحيين واسمه بطرس "بورشلميوا" إلى اختلاق قصة الحربة المقدسة التي أدت إلى دفع معنويات الصليبيين والتفافهم حول زعمائهم، فقويت نفوسهم على الاندفاع تجاه المسلمين والخروج من الباب جماعات متفرقة حتى تكامل خروجهم فزحفوا على المسلمين وهم في غاية من القوة والكثرة فكسروا المسلمين وفرقوا جموعهم.
    وهكذا فشل كربوقا في قيادة التحالف الإسلامي الذي أراد من ورائه منع سقوط أنطاكية في أيدي الصليبيين سنة 491هـ - 1097م.
    لا يمنع هذا من القول بأن محاولة كربوقا منع أنطاكية من السقوط بيد الصليبيين كانت نقطة انطلاق في بعث فكرة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين وكشفت للصليبيين عن مدى قوة المسلمين في حالة اتحادهم، كما أنها رسمت الطريق الصحيح لمن أتى بعده من زعماء المسلمين الذين أخذوا على عواتقهم حمل لواء الجهاد الإسلامي ليكملوا المسيرة من بعده
    ويرى البعض أن بداية المقاومة القوية والشاملة ضد الصليبيين جاءت على يد عماد الدين زنكي.
    فبعد مضي ربع قرن على تأسيس مملكة الصليبيين في الشرق ظهر زعيم إسلامي قوي هو عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي استولى على إمارة حلب وحمل لواء الجهاد ضد الصليبين وتمكن من انتزاع إمارة الرها من أيديهم.
    ولقد روع سقوط الرها في يد عماد الدين الصليبين المقيمين في الشرق فأرسلوا إلى أوروبا يستدعون حماة الصليب للدفاع عنهم وجاءت الحملة الصليبية المعروفة (بالحملة الثانية)، ولكنها لم تحقق الغرض الذي جاءت من أجله وهو تخليص الرها بل حاصرت دمشق فاستنجد أميرها بابني عماد الدين: سيف الدين غازي أمير الموصل ونور الدين محمود أمير حلب ودافع الأمراء الثلاثة عن المدينة فلم يتمكن الصليبيون من فتحها ورجعت الحملة إلى أوروبا تجر أذيال الخيبة.
    وكان عماد الدين زنكي قد توفي بعد استيلائه على الرها فحمل ابنه نور الدين محمود أمير حلب لواء الجهاد الإسلامي ضد الصليبين ووحّد بلاد الشام تحت حكمه وسبق معاصره الصليبى (عمورى الأول) إلى فتح مصر.
    وبعد موت نور الدين سنة 569هـ حمل صلاح الدين الأيوبي راية الجهاد الإسلامي وفي السنة التي توفي فيها نور الدين مات عمورى الأولى وخلفه على بيت المقدس ابنه (بلدوين الرابع)، وكان أبرصاً. وبموت عمورى فقد الصليبيون شخصية قوية كانت تسيطر على الإمارات الصليبية سيطرة قوية وتقرب في الكفاءة الحربية من شخصية نور الدين بطل المسلمين.
    وفي سنة 569هـ توفي السلطان نور الدين محمود ولم يترك من الذكور سوى الصالح إسماعيل، وكان في الحادية عشرة من عمره فاتفق أمراء الدولة على مبايعته بالسلطنة على أن يتولى الأمير شمس الدين بن المقدم الوصاية عليه.
    ولقد خطب صلاح الدين في مصر للملك الصالح إسماعيل وسك النقود باسمه وأعلن طاعته له، ولكن أمراء دولة الملك الصالح تنافسوا فيما بينهم على السيطرة على السلطان الصغير، وأعلن ابن عمه سيف الدين غازي الثاني استقلاله ببلاد الموصل.
    ولما اشتد التنافس بين أمراء حلب وأمراء دمشق على السيطرة على السلطان الصغير أرسل شمس الدين بن المقدم إلى صلاح الدين يدعوه للقدوم من مصر إلى دمشق ليسلمها إليه وانتهز صلاح الدين هذه الفرصة وسار إلى دمشق وتسلمها سنة 570 هـ، وأعلن أنه ليس خارجاً على الملك الصالح، وأنه إنما جاء إلى الشام ليحافظ على ملكه.
    وفي سنة 577هـ توفي الصالح إسماعيل ولم يترك وارثاً للعرش، وكان صلاح الدين بمصر، فلما علم بوفاته اتجه إلى الشام فدانت له حلب وخضع لسلطانه أكثر مدن الموصل. وبذلك انتهت دولة الأتابكة في الشام التي كان قد أسسها عماد الدين زنكي سنة 522 وشيد بنيانها ابنه نور الدين محمود بعد أن حملت لواء الجهاد ضد الصليبين نحو نصف قرن حتى أنهكت قواهم وورثتها الدولة الأيوبية التي كانت ثمرة طيبة من ثمارها.
    ولم تخل الفترة التي قضاها صلاح الدين في توحيد القوى الإِسلامية (572- 582هـ) من حروب بينه وبين الصليبيين. وفي سنة 576هـ عقدت هدنة بين صلاح الدين وبين (بلدوين الرابع) ملك بيت المقدس (ريموند) أمير طرابلس لمدة سنتين، ولكن أرناط (ريجينالد) أمير حصن الكرك الذي يتبع بيت المقدس لم يحترم تلك الهدنة ودأب على مهاجمة القوافل السائرة بين دمشق والقاهرة.
    وفي السنة التالية لعقد الهدنة عزم على توجيه حملة إلى بلاد الحجاز ولكن عزّ الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين ونائبه على دمشق علم بذلك فأغار على حصن الكرك وشغل أرناط عن تنفيذ ما عزم عليه.
    وفي العام التالي لهذه الحادثة اتجه أرناط على رأس حملة بحرية إلى شواطئ الحجاز يريد غزو مكة والمدينة.
    وكان صلاح الدين بالموصل وقتئذ ونائبه في مصر أخوه العادل فأرسل العادلا أسطولاً التقى بأسطول الصليبيين شمال ينبع وهزمه هزيمة ساحقة وأسر كثيراً من بحارته وفر أرناط بمن بقي معه.
    وفي سنة 582هـ هاجم أرناط قافلة من الحجاج المسلمين كانت تعبر بلاده في طريقها إلى مكة ونهبها وأسر كثيراً من أفرادها فأرسل إليه صلاح الدين يطلب إطلاق سراح الأسرى فلم يفعل فغضب صلاح الدين واستعد للحرب ونذر أن يذبح أرناط بيده إن أظفره الله به.
    ولما علم الصليبيون باستعداد صلاح الدين لحربهم اجتمعوا في بلدة صفورية على مقربة من عكا ليدرسوا الموقف ويقرروا الخطة التي يسيرون عليها إذا هاجمهم صلاح الدين فأشارت الأقلية - وعلى رأسها أرناط - بمهاجمة صلاح الدين، ولكن الأكثرية - وعلى رأسها جان دي لوزينيان - رأت أن يقف الصليبيون موقف الدفاع. غير أن أرناط أثر على الملك فانحاز إليه وترجحت كفة الداعين للهجوم وتقدم الجيش الصليبي وعسكر على تل قريب من قرية (حطين).
    أما صلاح الدين فأنه فتح مدينة طبرية سنة 583 ولكن قلعتها لم تسلم ففك الحصار عنها واتجه نحو معسكر الجيش الصليبي وهاجمه هجوماً عنيفاً، وأنزل بالصليبيين هزيمة ساحقة وقتل كثيراً منهم وأسر كثيراً من بينهم أرناط وجاي دي لوزينيان. وقتل السلطان أرناط بيده وفاء بنذره. ولما رأى ملك بيت المقدس ما حل بأرناط ارتعدت فرائصه ولكن صلاح الدين أمنه على حياته.
    لقد أحرز صلاح الدين في موقعة (حطين) نصراً بيناً على الصليبيين؛ فأصبح من السهل عليه أن يوالي انتصاراته عليهم بعد أن أباد معظم جيشهم في الموقعة، فرجع إلى طبرية وشدد الحصار على قلعتها حتى سلمت، ثم رحل إلى عكا وضرب الحصار عليها حتى فتحها، واستنقذ منها أسرى المسلمين وكانوا زهاء أربعة آلاف.
    وخير أهلها المسيحيين بين الرحيل عنها بأموالهم وما يستطيعون حمله من أمتعتهم وبين الإِقامة بها على أن يدفعوا الجزية فاختار معظمهم؛ الرحيل خوفاً من أن يغدر بهم صلاح الدين.
    وتسلم السلطان المدينة ثم أخضع معظم المدن الساحلية مثل قيسارية وحيفا ويافا وصيدا وغيرها.
    ثم حاصر السلطان مدينة عسقلان ووعد (جاي دي لوزينيان) بإطلاق سراحه إن هو أقنع أهلها بالتسليم فسلموا على الشروط التي سلمت بها عكا من قبل وبرّ صلاح الدين بوعده لملك بيت المقدس فأطلق سراحه بعد سنة من تسليم عسقلان، وبعد أن أخذ عليه عهداً ألا يشترك في حرب ضده ولكنه نقض العهد وحارب السلطان بعد ذلك.
    وكان صلاح الدين قد قضى على زهرة الجيش الصليبي في موقعة حطين واحتل المدن الساحلية القريبة من بيت المقدس، وسيطر على الطرق المؤدية إليها؛ وبذلك تهيأت الفرصة لفتحها فتقدم إليها وحاصرها أسبوعاً، فاستسلمت حاميتها وطلب أهلها الصلح فأجابهم صلاح الدين وأمهل من أراد الجلاء من أهلها أربعين يوماً، وشرط عليهم أن يدفعوا قبل رحيلهم فدية مقدارها عشرة دنانير عن الرجل وخمسة عن المرأة وديناران عن الطفل ذكراً كان أو أنثى، فمن دفع سمح له بالخروج ومن لم يدفع أخذ أسيراً، وأعفى من الفدية الشيوخ والعجزة والفقراء.
    وتم تسليم المدينة في أواخر رجب سنة 583هـ وخلّص صلاح الدين من كان فيها من أسرى المسلمين وكانوا زهاء ثلاثة آلاف.
    وكان سقوط مدينة بيت المقدس عاصمة المملكة الصليبية في يد صلاح الدين إيذاناً بجلائهم عن الشرق ورجوعهم من حيث أتوا وقد سر المسلمون سروراً عظيماً لهذا النصر المبين.
    ولما دخل صلاح الدين المدينة حافظ على ما بها من آثار وعمر ما تخرب منها في أثناء الحصار، ثم أرسل أخاه العادل لفتح حصن الكرك ففتحه سنة 584هـ، وتوجه هو على رأس بقية الجيش إلى مدينة صور وحاصرها، وكانت قد تجمعت بها فلول النازحين من البلاد المفتوحة واحتموا بها فاستعصت عليه لأن الإمدادات كانت تأتيها عن طريق البحر ففك عنها الحصار.
    لقد أثار سقوط بيت المقدس في يد صلاح الدين أوروبا فتناسى ملوكها ما بينهم من عداوات، وقاد الجيوش للثأر من المسلمين كل من (فردريك بربروس) إمبراطور ألمانيا ورتشارد الأول (قلب الأسد) ملك إنجلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا. وكان هؤلاء الملوك الثلاثة أقوى ملوك أوروبا الغربية وكانت حملتهم أكثر الحملات الصليبية عدداً.
    اتفق الصليبيون الذين كانوا بالشام مع ملك فرنسا ومن وصل إليهم من بقايا جيش إمبراطور ألمانيا على حصار عكا ونقض جاي ذي لوزينيان ملك بيت المقدس عهده لصلاح الدين عندما فك أسره وحاصر المدينة سنة 586هـ وفى اليوم التالي لحصارها وصل صلاح الدين لإنقاذها وضرب خيامه في مواجهة العدو واشتدت المعارك براً وبحراً بين المهاجمين والمدافعين.
    وبعد فترة وصل رتشارد بجيشه ففرح الصليبيون بقدومه وقوي جانبهم وقد استبسلت حامية المدينة في الدفاع عنها، وكانت أوامر صلاح الدين تصل إلى الحامية بواسطة السباحين وحمام الزاجل. وقد استمر الحصار إلى سنة 587هـ وساعد الفرنج على مداومته سيطرتهم على البحر.
    ولما اشتد الضيق بحامية المدينة وعجز صلاح الدين عن إرغام الفرنج على فك الحصار عنها سلمت على أن يفتدى أهلها أنفسهم بمائتي ألف دينار وألف وستمائة أسير من أسرى الفرنج من بينهم مائة شخص طلب فداؤهم بالذات، وأن يرد المسلمون صليب الصلبوت الذي كانوا قد أخذوه عندما فتحوا مدينة بيت المقدس.
    أخذ صلاح الدين يجمع المال ليفتدي حامية عكا، ولما انقضى شهر ولم يدفع الملك المبلغ المتفق عليه أمر رتشارد بقتل ألفين وسبعمائة من أسرى المسلمين، ولم يكن كريماً في معاملته للأسرى المسلمين كما فعل صلاح الدين بعد فتحه لبيت المقدس مع الأسرى الفرنج حيث أطلق آلافاً منهم عجزوا عن افتداء أنفسهم.
    وقد أصبحت عكا بعد أن استردها الصليبيون أهم مركز لدولة الفرنجة في الشرق وحلت محل بيت المقدس في الزعامة على المدن الصليبية الأخرى. وكان من المحتمل أن يكسب الصليبيون انتصارات أخرى مهمة على المسلمين، ولكن سرعان ما دب دبيب الشقاق بينهم ورجع ملك فرنسا إلى بلاده وبقي (رتشارد) واستولى على مدينتي أرسوف ويافا وعزم على استرداد بيت المقدس فوجه صلاح الدين همته إلى تحصين المدينة والدفاع عنها، ورأى أنه من الخير الاحتفاظ بالمدن الداخلية ريثما تتاح له فرصة تكوين أسطول بحري كبير يحمي به المدن الساحلية.
    كان رتشارد شديد الرغبة في فتح بيت المقدس، ولكنه لم يكن واثقاً من الظفر بأمنيته ففكر في حيلة تحقق له بعض ما يتمناه وأقترح أن يزوج أخته من العادل أخي صلاح الدين على أن يحكم الاثنان بيت المقدس ولكن هذا الاقتراح رفضه المسيحيون والمسلمون على السواء.
    ثم حدثت بعض المعارك بين جيش رتشارد وصلاح الدين وكان رتشارد وصلاح الدين يتبادلان الهدايا والمكاتبات رغم الحرب الدائرة بينهما.
    ولما سئم كل من الطرفين الحرب دخلا ثانية في مفاوضات انتهت بعقد صلح الرملة سنة 588هـ على شروط أهمها ما يلي:
    1- أن تخرب مدينة عسقلان التي كانت قد وقعت في أيدي الصليبيين وكان بقاء هذه المدينة محصنة خطراً على بيت المقدس لأنها مفتاحه.
    2- أن يستولى الصليبيون على المدن الساحلية من صور شمالاً إلى يافا جنوباً وأن تبقى المدن الساحلية الواقعة جنوب يافا في أيدي المسلمين.
    3- أن يمكن المسيحيون من الحج إلى بيت المقدس وألا يتعرض لهم المسلمون بأذى.
    هذا كل ما تمخضت عن الحملة الصليبية المعروفة (الثالثة).
    يقول المؤرخ الإنجليزي المعروف (فيشير) معلقاً على فشل هذه الحملة: ومن هذه النتيجة الضئيلة تتضح شناعة الخاتمة التي حلت بما عقد على تلك الحملة من آمال كما تتضح فداحة الدليل على عجز أوروبا عن توحيد المسيحية الغربية وتوجيهها نحو هدف عام.
    لم يعمر صلاح الدين طويلاً بعد صلح الرملة بل وافته منيته في صفر سنة 589هـ ودفن بدمشق وتوارثت أسرته حكم الإمبراطورية التي أنشأها وحملت لواء الجهاد ضد الصليبين وصدت كل ما وجهوه إلى الشام ومصر من هجوم وكان آخر أبطالهم المعظم توران شاه بن السلطان الصالح أيوب الذي أظهر بطولة نادرة في حربه مع لويس التاسع ملك فرنسا وتغلب عليه وأسره مع كثير من أمراء دولته وجنده وقتل منهم سبعة آلاف في المعركة.
    وكان السلطان الصالح أيوب قد أكثر من شراء المماليك ورقاهم إلى أعلى رتب الجيش، وكانوا أطوع له من بنانه وأكثر الناس ولاءً له وقد أبلوا بلاءً حسناً في محاربة الصليبين، وكانوا من أقوى العناصر التي ساعدت على هزيمتهم فقوي مركزهم وطمعوا في انتزاع الملك من الأيوبيين بعد موته فلما أراد ابنه توران شاه أن يفرض عليهم نفوذه وسيطرته قتلوه بعد بضعة عشر يوماً من انتصاره على الصليبيين وهو ما يزال في أرض المعركة وقبل أن يعود إلى القاهرة.
    وبعد قتل السلطان توران شاه نادى المماليك بشجرة الدر أم ولد السلطان نجم الدين أيوب سلطانة على مصر وما يتبعها من بلاد الشام ويعدها أكثر المؤرخين آخر سلاطين الدولة الأيوبية؛ لأنها زوجة الصالح أيوب.
    ولما علم الخليفة العباسي المعتصم بالله بسلطنة الشجرة الدر أنكر ذلك إنكاراً شديداً، فرأت أن بقاءها في السلطنة غير ممكن فتزوجت من معز الدين أيبك التركماني أحد أمراء المماليك وتنازلت له عن السلطنة وبذلك انتقل الملك من الأيوبيين إلى المماليك.
    وقد واصل المماليك الجهاد ضد الصليبين ففتح الظاهر بيبرس (658-676هـ) كثيراً من مدنهم وأهمها قيسارية وأرسوف وصفد وطبرية ويافا وأنطاكية وفتح المنصور قلاوون (679- 689هـ) طرابلس وعزم على حصار عكا ولكن المنية عاجلته.
    وخلفه ابنه الأشرف خليل (689- 693هـ) فحاصرها نحو شهر حتى فتحها سنة 690هـ. وكانت عكا آخر معقل للصليبيين في بلاد الشام، فلما تم فتحها سلم ما بقي من أيديهم من المدن في ظرف شهرين دون مقاومة وقضى على دولتهم القضاء الأخيرة.
    الخلاصة
    واضح أن الدين كان المحرك الأول للحملات الصليبية، فهو الذي ألهب حماسة الناس هناك، وهو الذي غذى الشعور بالرغبة في محاربة المسلمين.
    بالمقابل كانت هزائم المسلمين تأتي في ظل بعدهم أو ضعف تمسكهم بدينهم، بينما كانت الانتصارات العظيمة تتحقق في ظل منهج شرعي سليم يطهر القلوب ويوحد الصفوف.
    لقد أدرك قادة الجهاد الإسلامي عبر التاريخ أن النصر على الأعداء وحماية الأمة لا يتحقق إلا عبر التزام تام بشرع الله تعالى؛ ولهذا كانوا من أحرص الناس على ربط الأمة بدينها؛ ليتمكنوا من بناء قاعدة شعبية قوية متماسكة تعينهم على مواجهة كل عدوان يستهدف الأمة الإسلامية.
    هكذا استطاع المسلمون الجهاد ضد الصليبيين حتى استردوا ما اغتصبوه من بلادهم، ولم يهنوا امتثالاً لقول الله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وواصلوا جهادهم واثقين بوعد الله للمجاهدين في سبيله بالنصر حيث يقول جلّ شأنه: {وَلَيَنْصرون اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
    فلعل المسلمين أن يقتدوا بأسلافهم ويُوحدوا جهودهم ليخلصوا بلادهم من الصهاينة كما فعل أسلافهم من قبل مع الصليبيين {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
    المصادر
    - (وجاء دور البابا.. جرائم كرسي البابوية بحق الأمة الإسلامية(، شريف عبد العزيز - مفكرة إسلام.
    - (الجذور التاريخية للحروب الصليبية، د. علي محمد الصلابي - إسلام أون لاين.
    - (جهاد المسلمين ضد الصليبيين)، د. جاد محمد أحمد رمضان.
    - (حكمة الغرب)، برتراند رسل.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •