مبادئ وثوابت في سياسة الخليفة عثمان بن عفان
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مبادئ وثوابت في سياسة الخليفة عثمان بن عفان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي مبادئ وثوابت في سياسة الخليفة عثمان بن عفان

    مبادئ وثوابت في سياسة الخليفة عثمان بن عفان
    أحمد الشجاع


    الصفات القيادية والثوابت والمبادئ الإسلامية إذا اجتمعت في الحاكم صلحت أحوال الرعية، وزادت العلاقة بين الحاكم والمحكوم قوة ورسوخاً.
    هذه الصفات والمبادئ هما كفتا ميزان الحكم الصالح المستقيم، ولا بد أن تتوازن الكفتان لألا ينحرف مسار الحكم عن الطريق الصحيح؛ فيصيب الخللُ المجتمعَ وتضطرب أحوال الناس.
    فصفة "القوة" ومبدأ "الأمانة" مثلاً لا بد أن تجتمعان لتتحقق القدرة القيادية السليمة الصحيحة كالذي تحقق في نبي الله موسى عليه السلام "القوي الأمين".
    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمتع بكل صفات القائد الصالح الناجح العظيم؛ ولهذا فهو القدوة الأولى للبشرية جمعاء.
    والتزم الخلفاء الراشدون بمنهج وطريقة رسول الله في إدارة شؤون الأمة الدينية والدنيوية؛ ولهذا كانوا خير قادة لهذه الأمة بعد رسول الله.
    وقد تحدثنا عن بعض سياسات الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق - رضي الله عنهما – في تقريرين سابقين، وفي هذا التقرير سنجد في سياسة الخليفة عثمان بن عفان نفس مبادئ وثوابت الصديق والفاروق.
    عثمان بن عفان
    عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. يجتمع هو ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف. يكنى: أبا عبد الله، وقيل: أبو عمرو، وقيل: كان يكنى أولاً بابنه عبد الله وأمه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كني بابن عمرو وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فهو ابن عمة عبد الله بن عامر وأم أروى: البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    أسلم في أول الإسلام، دعاه أبو بكر إلى الإسلام فأسلم، وكان يقول: إني لرابع أربعة في الإسلام.
    وهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنهم راض، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن، بل قال ابن عباد : لم يجمع القرآن من الخلفاء إلا هو والمأمون.
    ولما أسلم عثمان زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته رقية، وهاجرا كلاهما إلى أرض الحبشة الهجرتين، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة.
    ولما قدم إليها نزل على أوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت؛ ولهذا كان حسان يحب عثمان ويبكيه بعد قتله.
    قال ابن إسحاق: وتزوج بعد رقية أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما توفيت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن لنا ثالثة لزوجناك".
    قال العلماء : و لا عرف أحد تزوج بنتي نبي غيره؛ ولذلك سمي ذا النورين.
    وولد لعثمان ولد من رقية اسمه عبد الله فبلغ ست سنين وتوفي سنة أربع من الهجرة.
    ولم يشهد عثمان بدراً بنفسه؛ لأن زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضة على الموت؛ فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم عندها، فأقام وتوفيت يوم ورد الخبر بظفر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالمشركين، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه وأجره؛ فهو كمن شهدها.
    خلافته

    روى ابن الأثير بسنده عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق. قالا: حملناها أمراً وهي له مطيقة. وذكر قصة قتل عمر رضي الله عنه قال: فقالوا له: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن.
    فلما فرغ من دفن عمر اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاث منكم، قال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي؟ والله علي أن لا آلو عن أفضلكم، قالا: نعم. وأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه.
    من جهته روى السيوطي أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه فلا يخلوا به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحداً.
    ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه: إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان، وفي رواية: أما بعد يا علي فإني نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان؛ فلا تجعلن على نفسك سبيلاً ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده؛ فبايعه عبد الرحمن وبايعه المهاجرون والأنصار.
    وبويع عثمان بالخلافة يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بن الخطاب بثلاثة أيام.
    أولياته
    نقل السيوطي عن العسكري في الأوائل : هو أول من أقطع القطائع، وأول من حمى الحمى، وأول من خفض صوته بالتكبير، وأول من أمر بالأذان الأول في الجمعة، وأول من رزق المؤذنين.
    وهو أول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة، وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم، وأول من ولي الخلافة في حياة أمه، وأول من اتخذ صاحب شرطة، وأول من اتخذ المقصورة في المسجد خوفاً أن يصيبه ما أصاب عمر.
    وأضاف السيوطي: بقي من أوائله أنه أول من هاجر إلى الله بأهله من هذه الأمة، وأول من جمع الناس على حرف واحدة في القراءة.
    وعثمان أول خليفة زاد الناس في أعطياتهم مائة، وكان عمر يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهماً في كل يوم، وفرض لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمين. فقيل له: لو صنعت طعاماً فجمعتهم عليه؟، فقال: أشبع الناس في بيوتهم.
    فأقر عثمان الذي كان صنع عمر وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبد الذي يتخلف في المسجد، وابن السبيل، والمعترين من الناس.
    ملامح من شخصية وسياسة الخليفة
    شخصية ذي النورين تعتبر شخصية قيادية، وقد اتصف بصفات القائد الرباني، وقد أجملها الصلابي في أمور، من أهمها: إيمانه العظيم بالله واليوم الآخر، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدوة، والصدق، والكفاءة، والشجاعة، والمروءة، والزهد، وحب التضحية، والتواضع، وقبول النصيحة، والحلم، والصبر، وعلو الهمة، والحزم، والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على حل المشكلات، والقدرة على التعليم وإعداد القادة، وغير ذلك من الصفات.
    وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية استطاع أن يحافظ على الدولة ويقمع الثورات التي حدثت في الأراضي المفتوحة، وينتقل - بفضل الله وتوفيقه - بالأمة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة.
    ومن بين صفاته وأخلاقه:
    الحلم:
    إن الحلم ركن من أركان الحكمة، وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ{، [آل عمران: 155].
    وقد بلغ النبي في حلمه وعفوه الغاية المثالية، وكان الخليفة الراشد عثمان بن عفان شديد الاقتداء في أقواله وأفعاله وأحواله برسول الله، وكانت له مواقف كثيرة تدل على حلمه وضبطه لنفسه، ومن أوضح المواقف التي تدل على حلمه قصته في حصار الثائرين عليه؛ حيث أمر من عنده من المهاجرين والأنصار أن ينصرفوا إلى منازلهم ويدعوه، وكانوا قادرين على منعه، وكان حلمه مبنياً على شوقه إلى لقاء ربه، وإرادته حقن دماء المسلمين ولو بقتله.
    السماحة:
    عن عطاء بن فروخ مولى القرشيين: أن عثمان اشترى من رجل أرضاً فأبطأ عليه، فلقيه فقال: ما منعك من قبض مالك؟، قال: إنك غبنتني، فما ألقى من الناس أحدًا إلا وهو يلومني، فقال: أو ذلك يمنعك؟، قال: نعم، قال: فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال: قال رسول الله: "أدخل الله الجنة رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً، وقاضياً ومقتضياً".
    فهذا مثل رفيع في السماحة في البيع والشراء، وهو يدل على ما جبل عليه عثمان من الكرم وعدم التعلق بالدنيا، فهو يستعبد الدنيا لخدمة مكارم الأخلاق التي من أهمها الإيثار، ولا تستعبده الدنيا، فتجعل منه أنانياً يؤثر مصالحه الخاصة وإن أضر بالناس.
    اللين:
    امتن الله تعالى على رسوله بأن رزقه صفة اللين رحمة منه به وبعباده، قال تعالى: }فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ{، [آل عمران: 159].
    أفادت الآية الكريمة أن صفة اللين رحمة من الله يرزق بها من شاء من عباده، وأن الرسول قد رزق هذه الصفة رحمة من الله به وبعباده الذين بعثه إليهم.
    ويفهم من الآية أن المتصف باللين يحبه الناس ويلتفون حوله ويقبلون منه ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه؛ فاللين من الصفات الطيبة التي اتصف بها عثمان، فكان لينًا على رعيته عطوفًا على أمته، يخاف أن يصاب أحد دون علمه فلا يتمكن من تلبية حاجته، وكان يتتبع أخبار الناس، فينصر الضعيف، ويأخذ الحق من القوي.
    العفو:
    عن عمران بن عبد الله بن طلحة: أن عثمان بن عفان خرج لصلاة الغداة فدخل من الباب الذي كان يدخل منه، فزحمه الباب فقال: انظروا، فنظروا فإذا رجل معه خنجر أو سيف، فقال له عثمان: ما هذا؟، قال: أردت أن أقتلك، قال: سبحان الله، ويحك، علام تقتلني؟، قال: ظلمني عاملك باليمن، قال: أفلا رفعت ظلامتك إليَّ، فإن لم أنصفك أو أعديك على عاملي أردت ذلك مني؟، فقال لمن حوله: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، عدو أمكنك الله منه، فقال: عبد همَّ بذنب فكفه الله عني. ائتني بمن يكفل بك، لا تدخل المدينة ما وليت أمر المسلمين، فأتاه برجل من قومه فكفل به فخلى عنه.
    فهذا تسامح كبير من أمير المؤمنين عثمان بن عفان؛ حيث عفا عمن أراد قتله، والعفو عند المقدرة صفة من صفات الكمال في الرجال، وهو دليل على التجرد من حظ النفس وتقلص الأنانية، وضعف الارتباط بالدنيا، وقوة الارتباط بالآخرة، وهذا الخلق إضافة إلى أنه عمل صالح يرفع من درجات صاحبه في الآخرة فإنه سياسة حكيمة في الدنيا؛ إذ أن هذا الرجل الذي أراد الاعتداء لو أنه قتل أو عوقب عقوبة بليغة لربما أحدث فتنة بإيغار صدور أفراد قبيلته واستعدادهم للانتقام إذا سنحت لهم الفرصة، لكن العفو عنه يجعل أفراد قبيلته وأبناء بلده يعذلونه ويعنفونه على ما حاول الإقدام عليه، وبذلك تنطفئ الفتنة قبل تصاعدها، ويكسب صاحب العفو قلوب الناس وولاءهم.
    التواضع:
    قال تعالى: }وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا{، [الفرقان: 63].
    جعل المولى -عز وجل- صفة التواضع أولى صفات عباده المؤمنين، ولقد كان الخليفة الراشد عثمان متصفاً بهذه الصفة، وكانت هذه الصفة تنبع من إخلاصه لله سبحانه وتعالى. فعن عبد الله الرومي قال: كان عثمان بن عفان يأخذ وضوءه لنفسه إذا قام من الليل، فقيل له: لو أمرت الخادم كفاك، قال: لا، الليل لهم يستريحون فيه.
    فهذا مثل من اتصاف أمير المؤمنين عثمان بالرحمة، فهو مع كبر سنه وعلو منزلته الاجتماعية يخدم نفسه في الليل ولا يوقظ الخدم، وإن وجود الخدم من تسخير الله تعالى للمخدومين، وإن مما ينبغي للمسلم الذي سخر الله تعالى من يخدمه أن يتذكر أن الخادم إنسان مثله له طاقة محدودة في العمل، وله مشاعر وأحاسيس فينبغي له أن يراعي مشاعره، وأن ييسر له الراحة كاملة في النوم، وأن لا يشق عليه بعمل.
    الحياء والعفة:
    الحياء من أشهر أخلاق عثمان وأحلاها، تلك الصفة النبيلة التي زينه الله بها، فكانت فيه منبع الخير والبركة، ومصدر العطف والرحمة، فقد كان من أشد الناس حياء.
    فقد ذكر الحسن البصري عثمان بن عفان يوماً وشدة حيائه فقال: إنه ليكون في البيت، والباب عليه مغلق، فما يضع عنه ثوبه ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه.
    وأما عن عفته وبعده عن مساوئ الأخلاق فحدث في ذلك بما شئت ولا حرج، فإنه لم يعرف طريق الفحشاء في الجاهلية ولا في الإسلام، يقول عثمان: ما تغنيت ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله، ولا شربت خمراً في جاهلية ولا في الإسلام، ولا زنيت في جاهلية ولا في الإسلام.
    الكرم:
    كان عثمان من أكرم الأمة وأسخاها، وله في ذلك مواقف ومآثر لا تزال غرة في جبين التاريخ الإسلامي؛ كما حدث في غزوة تبوك، وشراؤه لبئر رومة وتصدقه به على المسلمين، وتوسيعه للمسجد النبوي في عهد النبي، وتصدقه بالقافلة المحملة بالخيرات في عصر الصديق. وكان يعتق كل جمعة رقبة في سبيل الله منذ أسلم، فجميع ما أعتقه ألفان وأربعمائة رقبة تقريباً.
    لقد كان سخاء عثمان وجوده صفة أصلية في شخصيته الفذة؛ فقد وظف أمواله في خدمة دين الله، فلم يبخل في تأسيس الدولة الإسلامية والجهاد في سبيل الله تعالى، وخدمة المجتمع ابتغاء رضوان الله تعالى.
    الشجاعة:
    يعد عثمان من الشجعان، والدليل على ذلك: خروجه للجهاد في سبيل الله، وحضوره المشاهد كلها مع رسول الله.
    وعندما حوصر في داره طلب منه المارقون التنازل عن الخلافة لا خيار غيره أو القتل، أو عزل ولاته وتسليم بعضهم، فأصر على موقفه مضحياً بنفسه من أن تصبح الخلافة بيد ثلة تزيح من ترغب، وتعين من تحب، أو تنزع الخلافة من صاحبها الذي اختارته الأمة، ويصبح ذلك قاعدة.
    فأصر على موقفه وهو يرى الموت في سيوف المحاصرين، وإن الذي يقف هذا الموقف لهو الشجاع وإنه لصاحب حق، ولن يقف هذا الموقف رجل جبان أو محب للدنيا أبداً، فالحياة عند هؤلاء الجبناء أفضل من المكانة ومن الدنيا كلها.
    ولكن هذا الإصرار العجيب والعزيمة النافذة، والشجاعة الفائقة من عثمان ثمرة إيمان قوي بالله - عز وجل - واليوم الآخر وقر في قلبه، وجعله يستهين بكل شيء في هذه الحياة حتى بالحياة نفسها.
    الحزم:
    إن صفة الحزم في شخصية ذي النورين أصيلة، ونجد الصديق عندما عرض عليه الإسلام قال له: ويحك يا عثمان إنك رجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا.
    وفي سنة 26 هـ زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه، وابتاع من قوم وأبى آخرون، فهدم عليهم، ووضع الأثمان في بيت المال، فصيحوا بعثمان، فأمر بهم بالحبس، وقال: أتدرون ما جرأكم عليَّ؟، ما جرأكم علي إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به، ثم كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد، فأخرجوا.
    ومن المواقف التي تدل على حزمه: حمايته لنظام الخلافة من الضياع، فلم يجب الخارجين إلى خلع نفسه من الخلافة، فكان بذلك يمثل الثبات واستمرار النظام؛ لأنه لو أجاب الخارجين إلى خلع نفسه لأصبح منصب الإمامة العظمى ألعوبة في أيدي المفتونين الساعين في الأرض بالفساد، ولسادت الفوضى واختل نظام البلاد، ولكان ذلك تسليطا للرعاع والغوغاء على الولاة والحكام. لقد كانت نظرة عثمان بعيدة الغور، فلو أجابهم إلى ما يريدون لسن بذلك سنة، وهي كلما كره قوم أميرهم خلعوه، ولألقى بأس الأمة بينها، وشغلها بنفسها عن أعدائها، وذلك أقرب لضعفها وانهيارها، على أنه لم يجد سوى نفسه يفدي بها الأمة، ويحفظ كيانها وبنيانها من التصدع، ويدعم بهذا الفداء نظامها الاجتماعي ويحمي سلطانها الذي تساس به من أن تمتد إليه يد العبث والفوضى. ومما لا شك فيه أن هذا الصنع من عثمان كان أعظم وأقوى ما يستطيع أن يفعله رجل ألقت إليه الأمة مقاليدها؛ إذ لجأ إلى أهون الشرين وأخف الضررين ليدعم بهذا الفداء نظام الخلافة وسلطانها.
    الصبر:
    اتصف عثمان بصفة الصبر، ومن المواقف الدالة على هذه الصفة ثباته في الفتنة؛ إذ كان موقفه إزاء تلك الأحداث التي ألمت به وبالمسلمين المثل الأعلى لما يمكن أن يقدمه الفرد من تضحية وفداء في سبيل حفظ كيان الجماعة، وصون كرامة الأمة، وحقن دماء المسلمين؛ فقد كان بإمكانه أن يقي نفسه ويخلصها لو أنه أراد نفسه ولم يرد حياة الأمة، ولو كان ذاتياً ولم يكن من أهل الإيثار لدفع بمن هب للذود عنه من الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار إلى نحور الخارجين المنحرفين عن طاعته، ولكنه أراد جمع شمل الأمة، ففداها بنفسه صابراً محتسباً، وقد أعلن عثمان أنه سيواجه الفتنة العارمة بالصبر الجميل، ممتثلاً قوله سبحانه: }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{، [آل عمران: 173].
    إن عثمان كان قوي الإيمان بالله، كبير النفس، نفاذ البصيرة، نبيل الصبر، حيث فدى الأمة بنفسه، فكان ذلك من أعظم فضائله عند المسلمين.
    قال ابن تيمية -رحمه الله-: ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء، وأصبر الناس على مَنْ نال مِنْ عرضه، وعلى من سعى في دمه، فحاصروه وسعوا في قتله وقد عرف إرادتهم لقتله، وقد جاءه المسلمون ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم. وقيل له: تذهب إلى مكة, فقال: لا أكون من ألحد في الحرم، فقيل له: تذهب إلى الشام، فقال: لا أفارق دار هجرتي، فقيل له: فقاتلهم، فقال: لا أكون أول من خلف محمداً في أمته بالسيف. فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله عند المسلمين.
    من مبادئه في الحكم.
    المرجعية العليا للدولة:
    أعلن ذو النورين أن مرجعيته لدولته كتاب الله وسنة رسوله، والاقتداء بالشيخين في هديهم، فقد قال: "= ألا وإني متبع ولست بمبتدع، ألا وإن لكم عليَّ بعد كتاب الله وسنة نبيه ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن أهل الخير فيما تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم العقوبة. وإن الدنيا خضرة وقد شهيت إلى الناس ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها".

    فالمصدر الأول هو كتاب الله، قال تعالى: }إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا{، [النساء: 105]. فكتاب الله تعالى يشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تتعلق بشؤون الحياة، كما يتضمن مبادئ أساسية وأحكاماً قاطعة لإصلاح كل شعبة من شعب الحياة، كما بين القرآن الكريم للمسلمين كل ما يحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم.
    المصدر الثاني: السنة المطهرة التي يستمد منها الدستور الإسلامي أصوله، ومن خلالها يمكن معرفة الصيغ التنفيذية والتطبيقية لأحكام القرآن.
    الاقتداء بالشيخين: قال رسول الله: "اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر".
    إن دولة ذي النورين خضعت للشريعة وأصبحت سيادة الشريعة الإسلامية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون، وأعطت لنا صورة مضيئة مشرقة على أن الدولة الإسلامية دولة شريعة، خاضعة بكل أجهزتها لأحكام هذه الشريعة، والحاكم فيها مقيد بأحكامها لا يتقدم ولا يتأخر عنها.
    ففي دولة ذي النورين وفي مجتمع الصحابة الشريعة فوق الجميع، يخضع لها الحاكم والمحكوم، وطاعة الخليفة مقيدة بطاعته لله، قال رسول الله: "لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف".
    وهيمنة الشريعة على الدولة من خصائص الخلافة الراشدة، فحكومة الخلافة الراشدة تتميز عن الحكومات الأخرى بعدة خصائص، منها:
    - أن اختصاص الحكومة (الخليفة) عامة؛ أي تقوم على التكامل بين الشؤون الدنيوية والدينية.
    - أن حكومة الخلافة ملزمة بتنفيذ أحكام الشريعة.
    - أن الخلافة تقوم على وحدة العالم الإسلامي.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: مبادئ وثوابت في سياسة الخليفة عثمان بن عفان

    مبادئ وثوابت في سياسة الخليفة عثمان بن عفان
    أحمد الشجاع

    حق الأمة في محاكمة الخليفة:
    الأمر الذي لا شك فيه أن سلطة الخليفة ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بقيدين:
    ألا يخالف نصاً صريحاً ورد في القرآن الكريم والسنة، وأن يكون الإجراء الذي يتخذه متفقاً مع روح الشريعة ومقاصدها.
    وألا يخالف ما اتفقت عليه الأمة الإسلامية أو يخرج على إرادتها.
    وأساس ذلك أن الخليفة نائب عن الأمة؛ منها يستمد سلطانه، ويرجع إليها في تحديد هذا السلطان ومداه، فالأمة تستطيع في كل وقت أن توسع من هذا السلطان، وأن تضيق منه أو تقيده بقيود كلما رأت في ذلك مصلحة أو ضماناً لحسن القيام على أمر الله ومصلحة الأمة.
    ويكون ذلك من خلال مجلس شورى الأمة. وقد أكد عثمان حق الأمة في محاسبة الخليفة في قوله: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في القيد فضعوا رجلي في القيد".
    وحينما أخذت طائفة عليه بعض أخطاء - في زعمها - في تصريفه لشؤون الحكم وإسناد وظائفه، وتظاهرت عليه جموع منهم لمحاسبته على أعماله، فأذعن - رضوان الله عليه - لرغبتهم، ولم ينكر عليهم هذا الحق، وأبدى استعداداً كريماً لإصلاح ما عسى أن يكون أخطأه التوفيق في إبرامه.
    الشورى:
    إن من قواعد الدولة الإسلامية حتمية تشاور قادة الدولة وحكامها مع المسلمين والنزول على رضاهم ورأيهم، وإمضاء نظام الحكم بالشورى، قال تعالى: }فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ{، [آل عمران: 159].
    وقال تعالى: }وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ{، [الشورى: 38].
    وقد اتخذ عثمان في دولته مجلساً للشورى يتألف من كبار أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار.
    وقد طلب عثمان من العمال والقادة قائلاً: أما بعد، فقوموا على ما فارقتم عليه عمر ولا تبدلوا، ومهما أشكل عليكم فردوه إلينا نجمع عليه الأمة ثم نرده عليكم.
    فأخذ قادته بذلك، فكانوا إذا هموا بالغزو والتقدم في الفتوحات الإسلامية استأذنوه واستشاروه، فيقوم هو بدوره بجمع الصحابة واستشارتهم للإعداد والإقرار والتنفيذ ووضع الخطط المناسبة لذلك، ومن ثم يأذن لهم. فقد قام عبد الله بن أبي السرح بالكتابة إلى الخليفة عثمان طالباً منه أن يأذن له بأن يغزو أطراف إفريقيا، وذلك لقرب جزر الروم من المسلمين، فأجابه الخليفة عثمان إلى ذلك بعد المشورة وندب إليه الناس.
    كما أن معاوية بن أبي سفيان حين أراد فتح جزيرة قبرص ورودس فعل الشيء نفسه في استشارة القيادة العليا المركزية، وطلب الإذن بالسماح له، ولم يأته الجواب إلا بعد انعقاد مجلس الشورى وبحثه في الموضوع، ومن ثم السماح له.
    وكان قادة الخليفة عثمان في إدارتهم للمعارك الحربية يتشاورون فيما بينهم، كما شاور عثمان كبار الصحابة في جمع القرآن، وفي قتل عبيد الله بن عمر للهرمزان، وحول التدابير الكفيلة بقطع دابر الفتنة، وفي مقام القضاء، وغير ذلك من المواقف والأحداث.
    العدل والمساواة:
    إن من أهداف الحكم الإسلامي الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم، ومن أهم هذه القواعد العدل والمساواة؛ فقد كتب ذو النورين إلى الناس في الأمصار: أن ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ولا يذل المؤمن نفسه، فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوماً إن شاء الله.
    فقد كانت سياسته تقوم على العدل بأسمى صوره؛ فقد أقام الحد على والي الكوفة الوليد بن عقبة (أخوه لأمه) عندما شهد عليه الشهود بأنه شرب الخمر، وعزله عن الولاية بسبب ذلك.. وقبوله بتولية أبي موسى الأشعري مكانه؛ لأن أهل الكوفة لم يوافقوا على تولية سعيد بن العاص خلفاً للوليد.
    وقد روي عنه أيضاً أنه غضب على خادم له يوماً فعرك أذنه حتى أوجعه، ولم يستطع أن ينام ليلته آنذاك إلا بعد أن دعا خادمه إلى مضجعه وأمره أن يقتص منه فيعرك أذنه، وقد أبى الخادم في بادئ الأمر، ولكن عثمان أمره ثانية في حزم فأطاعه.
    الحريات:
    مبدأ الحرية من المبادئ الأساسية التي قام عليها الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، ويقضي هذا المبدأ بتأمين وكفالة الحرية العامة للناس كافة ضمن حدود الشريعة الإسلامية وبما لا يتناقض معها، فقد كانت دعوة الإسلام لحرية الناس - جميع الناس - دعوة واسعة وعريضة قلما تشتمل على مثلها دعوة في التاريخ، وفي عهد الخلفاء الراشدين كانت الحريات العامة المعروفة في أيامنا معلومة ومصونة، كحرية العقيدة الدينية، وحرية التنقل، وحق الأمن، وحرمة المسكن، وحرية الملكية، وحرية الرأي.
    الاحتساب:
    ومن احتسابه أنه أنكر على محمد بن جعفر بن أبي طالب لبسه الثوب المعصفر، فعن أبي هريرة قال: راح عثمان إلى مكة حاجاً، ودخلت على محمد بن جعفر بن أبي طالب امرأته، فبات معها حتى أصبح، غدا عليه ردع الطيب وملحفة معصفرة مفدمة، فأدرك الناس بملل، قبل أن يروحوا، فلما رآه عثمان انتهر وأفف، وقال: "أتلبس المعصفر وقد نهى عنه رسول الله؟".
    ومن احتسابه أنه كان يرد النساء اللواتي كن يخرجن للعمرة أو الحج وهن في العدة؛ فقد روى الإمام عبد الرزاق عن مجاهد قال: كان عمر وعثمان -رضي الله عنهما- يرجعان حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة.
    ومن احتسابه أنه منع الناس من الانشغال في طيران الحمام؛ لما بدأوا فيه مع سعة العيش، وأمرهم بذبحه، فقد روى الإمام البخاري عن الحسن قال: سمعت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام.
    كان عثمان ينهى عن اللعب بالنرد، وأمرهم بتحريقه أو كسره ممن كان في بيته. فقد روى الإمام البيهقي عن زبيد بن الصلت أنه سمع عثمان بن عفان وهو على المنبر يقول: يا أيها الناس، إياكم والميسر - يريد النرد - فإنها قد ذكرت لي أنها في بيوت الناس منكم، فمن كان في بيته فليحرقها أو فليكسرها.
    وقال عثمان مرة أخرى وهو على المنبر: يا أيها الناس، إني قد كلمتكم في هذا النرد، ولم أركم أخرجتموها، فلقد هممت أن آمر بحزم الحطب، ثم أرسل إلى بيوت الذين هم في بيوتهم فأحرقها عليهم.
    ومن احتسابه أيضاً أنه كان ينكر على من يراه على شر أو كان يحمل معه سلاحاً ويخرجه من المدينة. فعن سالم بن عبد الله قال: وجعل عثمان لا يأخذ أحداً منهم على شر أو شهر سلاح، عصا فما فوقها، إلا سيَّره.
    وتظهر تلك المبادئ أيضاً في توجيهاته وتعاليمه وتعامله مع عماله ورجال دولته، ومن ذلك:
    جاء في أول كتاب كتبه عثمان إلى عماله:
    أما بعد فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة. وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين، وفيما عليهم فتعطوهم مالهم وتأخذوهم بما عليهم ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
    لقد أكد عثمان في هذا الكتاب الموجه إلى ولاته في الأمصار واجبهم نحو الرعية، وعرفهم أن مهمتهم ليست هي جمع المال، وإنما تتمثل في رعاية مصالح الناس؛ ولأجل ذلك بيَّن السياسة التي يسوسون بها الأمة، وهي أخذ الناس بما عليهم من الواجبات وإعطاؤهم حقوقهم، فإذا كانوا كذلك صلحت الأمة، وإذا انقلبوا جباة ليس همهم إلا جمع المال انقطع الحياء وفقدت الأمانة والوفاء.
    لقد كان في كتاب عثمان للولاة التركيز على قيم العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ بإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم وأخذ ما عليهم، وإعلاء شأن مبدأ الرعاية السياسية لا الجباية وتكثير الأموال.
    ونبه على ما سيكون عند تغير الولاة من رعاة إلى جباة؛ بأن ذلك سبب في تقلص مكارم الأخلاق التي مثل لها بالحياء والأمانة والوفاء؛ وذلك أن بين الراعي والرعية خيطاً سامياً من العلاقات المتينة، ويؤكده ويثبته اتفاق الجميع على هدف واحد، وهو ابتغاء وجه الله تعالى، فالوالي يسعى لهذا الهدف بما يقدمه لإمامه من طاعة وولاء وأمانة ووفاء، ويبقى خلق الحياء الذي أشار إليه عثمان يُظلُّ الجميع فيمنعهم من ارتكاب ما يستقبح أو التعرض لجرح المشاعر والإيقاع في الحرج، ثم يوصي عثمان ولاته بالعدل في الرعية؛ وذلك بأخذ ما عليهم من الحقوق وبذل ما لهم من ذلك، ويشير إلى نقطة مهمة وهي أن الوفاء بالعهود من أهم أسباب الفتح والنصر على الأعداء، وقد بين التاريخ أثر هذا الخلق الرفيع في تفوق المسلمين الإداري والحربي.
    وجاء في أول كتاب كتبه إلى أمراء الجيش في الثغور:
    أما بعد فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان عن ملأ منا. ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل؛ فيغير الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم. فانظروا كيف تكونون فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه.
    وفي هذا الكتاب لفت النظر إلى أن الأمور لن تتغير بتغير الخليفة؛ لأن الخلفاء ومن دونهم من الولاة يسيرون على خط واحد، وهو القيام بمهمة تطبيق الإسلام في واقع الحياة، وقوله: "وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان على ملأ منا"، إشارة إلى أن حكم أولئك الخلفاء يقوم على الشورى، وذلك يترتب عليه أن جميع القضايا المهمة تكون معلومة بتفاصيلها عند أهل الحل والعقد، فإذا ذهب الحاكم وخلفه حاكم آخر سار على نفس المنهج؛ لوضوح الهدف لدى الجميع. وقوله: "ولا تغيروا فيغير الله بكم" وعي لسنن الله تعالى في هذا الكون، فمعية الله لأوليائه بالتوفيق والحماية والنصر مشروطة بلزومهم شريعته واستسلامهم لأمره، فإذا تغيروا في ذلك غيَّر الله ما بهم واستبدل بهم غيرهم في الهيمنة والتمكين.
    وذكرهم بأنه على علم بواجبه يؤديه ويقوم عليه ليتلاقى عمل الرعية وعمل الراعي في الشعور بالواجب والقيام به، ويشعر كل فرد أنه يعمل لأمته كما يعمل لنفسه
    وجاء في أول كتاب كتبهإلى عمال الخراج:
    أما بعد فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلا الحق. خذوا الحق وأعطوا الحق به. والأمانة الأمانة، ولا تكونوا أول من يسلبها؛ فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم. والوفاء الوفاء، ولا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم.
    خص في هذا الكتاب وزراء المال الذين يجبونه من أفراد الأمة لينفق في مصالحها العامة، فبيَّن لهم أن الله لا يقبل إلا الحق، والحق قائم على الأمانة والوفاء، ثم ميز صنفين من الرعية هما ضعيفاها: اليتيم والمعاهد، فحض على التجافي عن ظلمهما؛ لأن الله هو المتولي حمايتهما.
    ويذكرهم بأنهم إذا ظلموهم فإنهم معرضون لنقمة الله تعالى؛ لأنه خصم لمن ظلم هؤلاء المستضعفين. وفي هذا لفتة إلى جانب من جوانب عظمة الإسلام؛ حيث يدعو إلى نصر المظلومين وإن كانوا من الكفار المعاهدين
    أما كتابه إلى العامة ففيه:
    أما بعد فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالإقتداء والاتباع فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم؛ فإن أمر هذه صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الكفر في العجمة، فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا.
    وفي هذا الخطاب يرغب عثمان عامة الأمة في الاتباع وترك التكلف والابتداع، وأنه حذرهم تغير الحال إذا اجتمعت لهم ثلاث خلال: تكامل النعم الذي يبطر النفوس ويدفعها إلى الترف، ويصدها عن الاجتهاد والعمل، ويصرفها إلى الفراغ والكسل، حتى تفتر حيويتها وتخور عزائمها. وبلوغ أولادها من السبابا، وقد لمست الأمة في تاريخها أثر هؤلاء في المجتمع الإسلامي من الوجهة السياسية والاجتماعية والدينية. وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ وإنما يريد عثمان بذلك ما في طبائع الأعراب من جفوة وغلظ الأكباد، فلا تبلغ هداية القرآن مكان الخير من أفئدتهم، وكذلك يريد ما في الأعاجم من أخلاق موروثة وعقائد متأصلة، وعادات قديمة تباعد بينهم وبين سنن القرآن في الهداية، وقد ظهر أثر الأعراب في فرقة الخوارج الذين كانت كثرتهم من أولئك الجفاة؛ فهم كانوا أقرأ الناس للقرآن وأبعدهم عن هدايته، ثم ظهر فيمن عداهم أثر الأعاجم فيما ابتدعوه من مذاهب وتكلفوه من آراء كانت شرًّا على المسلمين في عقائدهم، ومنهم أكثر الفرق الضالة التي لعبت في تاريخ الإسلام أخطر دور، حسب قول الصلابي.
    من خطب عثمان وحِكَمه:
    يقول الحسن البصري - رحمه الله -: خطب عثمان بن عفان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله فإن تقوى الله غُنْم، وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نوراً لظلمة القبر، وليخش عبد أن يحشره الله أعمى، وقد كان بصيراً، وقد يكفي الحكيم جوامع الكلام، والأصم ينادي من مكان بعيد، واعلموا أن من كان الله معه لم يخف شيئاً، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده.
    وقال عثمان: إنا والله صحبنا رسول الله في السفر والحضر فكان يعود مرضانا، ويشيع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناساً يعلمونني به عسى ألا يكون أحدهم رآه قط.
    من حكمه التي سارت بين الناس:
    - قال: لو طهرت قلوبنا ما شبعتم من كلام ربكم.
    - وقال: ما أسرَّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه،وفلتات لسانه.
    - وكان لا يقيم للدنيا وزناً، فقال فيها: همُّ الدنيا ظلمة في القلب، وهمُّ الآخرة نور في القلب.
    - ومن حكمه البالغة: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك.
    - وقال في أيام الفتنة: أستغفر الله إن كنت ظَلمت، وقد عفوت إن كنت ظُلمت.
    - ومن حكمه ومواعظه: إن لكل شيء آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه النعمة عيَّابون صغانون، يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون، طغام مثال النعام.
    - وقال: ما من عامل يعمل عملاً إلا كساه الله رداء عمله.
    - وقال: إن المؤمن في خمسة أنواع من الخوف؛ أحدها من قبل الله تعالى أن يأخذ منه الإيمان، والثاني من قبل الحفظة أن يكتبوا عليه ما يفتضح به يوم القيامة، والثالث من قبل الشيطان أن يبطل عمله، والرابع من قبل ملك الموت أن يأخذه في غفلة بغتة، والخامس من قبل الدنيا أن يغتر بها وتشغله عن الآخرة.
    - وقال: وجدت حلاوة العبادة في أربعة أشياء: أولها في أداء فرائض الله، والثاني في اجتناب محارم الله، والثالث في الأمر بالمعروف ابتغاء ثواب الله، والرابع في النهي عن المنكر اتقاء غضب الله.
    استشهاده
    استشهد عثمان رضي الله عنه بالمدينة يوم الجمعة لثمان عشرة أو سبع عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة.
    وقال أبو عثمان النهدي: قتل في وسط أيام التشريق.
    وقال ابن إسحاق: قتل عثمان على رأس أحد عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب، وعلى رأس خمس وعشرين من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ورثاه كثير من الشعراء، قال حسان بن ثابت:
    من سره الموت صرفاً لا مزاج له فلـيـأت مـأدبـة فـــي دار عثـمـانـا
    ضحوا بأشمط عنوان السجود iiبـه يقـطـع الـلـيـل تسبـيـحـاً iiوقـرآنــاً
    صبراً فـدى لكـم أمـي ومـا iiولـدت قد ينفع الصبر في المكروه iiأحيانا
    لتسمـعـن وشيـكـاً فــي ديـارهــم: الله أكـبــر يـــا ثـــارات iiعثـمـانـا

    وقال حسان أيضاً:
    إن تمس دار بني عفان iiموحشـة باب صريع وبـاب محـرق iiخـرب
    فقد يصادف باغي الخيـر iiحاجتـه فيها ويأوي إليها الجود والحسب

    وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت:
    لعمري لبئس الذبح ضحيتم به خلاف رسول الله يوم الأضاحيا
    وقالت زينب بنت العوام:

    وعطّشتمُ عثمان في جوف iiداره شربتم كشرب الهيم شرب حميم
    فكيف بنا أم كيـف بالنـوم iiبعدمـا أصيب ابن أروى وابن أم iiحكيم

    وقالت ليلى الأخيلية:
    قتل ابن عفان iiالإمـام وضاع أمر iiالمسلمينا
    وتشتتت سبل الرشاد لصادريـن iiووارديـنـا

    وقال كعب بن مالك:
    يـا للرجـال لأمـرٍ هـاج لــي iiحَـزنـاً لقد عَجبتُ لمن يَبكـى علـى الدَّمَـنِ
    إنــي رأيــتُ قتـيـل الله iiمُضطـهـداً عثمان يُهدى إلى الأجداث في كفنِ
    يــا قَـاتـل اللهُ قـومـاً كــان iiأمـرُهُـم قتـل الإمـام الزكـي الطيِّـب iiالــرُّدُنِ
    لــم يقتـلـوهُ عـلـى ذنــب ألــم iiبــهِ إلا الـذي نطـقـوا زُوراً ولــم يـكـن

    ِوقال حميد بن ثور الهلالي:
    إن الخـلافـة لـمَّــا أظْـعـنـتْ ظَـعـنـتْ عن أهل يثرب إذ غير الهُدى سلكوا
    طـارتْ إلـى أهلهـا منـهـمْ iiوأورثـهـا لما رأى اللهُ في عثمـانَ مـا انتهكـوا

    وقال سعيد بن زيد: لو أنَّ أحداً انقضَّ لما فُعل بعثمان لكان حقيقاً أن ينقضَّ. وقال ابن عباس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لَرُموا بالحجارة كما رمي قوم لوط. وقال عبد الله بن سلاَّم: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى قيام الساعة.
    الخلاصة
    استطاع الخليفة عثمان بن عفان أن يواصل بناء الحكم الإسلامي الصحيح بناء الأسس الشرعية التي أرساها رسول الله، وثبت عليها الصديق والفاروق.
    وتحقق التوازن بين الصفات القيادية والثوابت الإسلامية عند عثمان بن عفان؛ ولهذا كان منهجه في الحكم يقوم على ربط السلوك بالشرع في كل شؤون الحكم.. وكانت العلاقة بين الخليفة وشعبه مبنية على أسس شرعية راسخة قوية صافية، يسودها الوفاء والإخلاص والتعاون المتبادل.
    وهكذا كلما التزم الحاكم والمحكوم بشرع الله أكثر كانت العلاقة بينهما أكثر قوة وثباتاً ورسوخاً وصفاءً.. ويكون المجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــ
    المصادر
    - (أسد الغابة)، ابن الأثير.
    - (الكامل في التاريخ)، ابن الأثير.
    - (الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، ابن عبد البر.
    - (تاريخ الخلفاء)، السيوطي.
    - (عثمان بن عفان شخصيته وعصره)، د. علي الصلابي.
    - (عثمان بن عفان)، محمد رضا.
    - (الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة)، البري.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •