معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-

    معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (1)



    تمهيد: المعجزات في دعوة الأنبياء


    كتبه/ سعيد محمود


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:

    - لقد أجرى الله على يد أنبيائه ورسله من المعجزات والدلائل القاطعات ما يدل على صدقهم، ولكي تقوم الحجة؛ فلا يبقى لأحدٍ عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم: قال الله -تعالى-: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) (الحديد:25)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ، أَوْ آمَنَ، عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ) (متفق عليه).

    - ملخص تعريف المعجزة من كلام العلماء: قالوا: "المعجزة من العجز، وهو عدم القدرة، وفي الاصطلاح: أمر خارق للعادة يجري على أيدي الأنبياء؛ للدلالة على صدقهم، مع سلامة المعارضة" (أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة - نخبة من العلماء)(1).

    (1) أمثلة من معجزات الأنبياء -عليهم السلام-:

    - قوم صالح -عليه السلام- طلبوا منه أن يخرج لهم مِن صخرةٍ بعينها ناقة، ثم حددوا صفاتها، فدعا ربه بذلك، فكانت الناقة على الذي قالوا؛ دليلًا على صدق نبوته: قال الله -تعالى-: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأعراف:73).

    - قوم إبراهيم -عليه السلام- جعلوا نارًا عظيمة لتعذيبه وإهلاكه ثم ألقوه فيها، فجعلها الله لا تحرقه، وخرج منها يمشي: قال -تعالى-: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) (الأنبياء:68-70).

    - موسى -عليه السلام- أُعطي الكثير من المعجزات، وكان مِن أعظمها: العصا بما لها مِن أثرٍ في المواقف الصعبة -بإذن الله-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ) (الأعراف:117-119)، (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) (البقرة:60)، (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء:63).

    - عيسى -عليه السلام- كان يصنع من الطين ما يشبه الطيور، ثم ينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، ويمسح الأعمى والأبرص فيبرآن بإذن الله، وينادى الموتى في قبورهم فيجيبون بإذن الله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) (المائدة:110).

    (2) نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الأعظم الأكرم في الكرامات والمعجزات:

    - فأما الكرامات لأمته، فقد أكرمها الله أعظم مِن سائر الأمم إكرامًا له -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

    - وأما المعجزات؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- أكثر الأنبياء معجزات ودلائل: أخرج البيهقى عن عمرو بن سوادٍ عن الشافعي قال: "ما أعطى اللهُ نبيًّا ما أعطى محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فقلتُ: أَعْطَى اللَّهُ عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، قال: أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ حَنِينَ الْجِذْعِ حَتَّى سُمِعَ صَوْتُهُ؛ فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ" (فتح الباري لابن حجر العسقلاني).

    - الإشارة إلى بعض معجزاته -صلى الله عليه وسلم- في عناوين، وأنه يأتي عليها الحديث تفصيلًا في المرات القادمة -إن شاء الله-: (القرآن المعجزة الكبرى - الإسراء والمعراج - انشقاق القمر - نبع الماء من بين يديه صلى الله عليه وسلم - تكثير الطعام والشراب بين يديه صلى الله عليه وسلم - سجود البعير وشكواه للنبي صلى الله عليه وسلم - إخبار الذئب بنبوته صلى الله عليه وسلم - بكاء الجذع شوقًا له صلى الله عليه وسلم - انقياد الشجرة له صلى الله عليه وسلم - تسليم الحجر عليه صلى الله عليه وسلم - كلام الشاة المسمومة له صلى الله عليه وسلم - إخباره صلى الله عليه وسلم بكثيرٍ مِن المغيبات المستقبلية – مداواته صلى الله عليه وسلم كثيرًا مِن أصحابه بريقه وتفله، وغيره).

    (3) فائدة: كرامات الأولياء والصالحين:

    - تعريف الكرامة: "أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها، تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح" (الموسوعة العقدية - أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء، ص 202).

    أمثلة من كرامات الصالحين:

    - أصحاب الكهف ونومهم الطويل، وحفظ الله لهم من التلف: قال الله -تعالى-: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف:25)، وقال: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (الكهف:18).

    - مريم -عليها السلام- تعيش في محرابها في بيت المقدس، تجد طعامها وشرابها كل صباح ومساء في حجرتها: قال الله -تعالى-: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37).

    - هاجر أم إسماعيل -عليهما السلام- يفجِّر الله لها بئرًا في الصحراء الجرداء ليخلد ذكراها؛ لعظيم اتباعها للنبي إبراهيم -عليه السلام-، حتى جاءها المَلَك وقال: (لا تَخَافُوا الضَّيْعَة ... ) (رواه البخاري).

    - أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الأولياء وأكثرهم كرامة: (كانت الملائكة تنزل تسلِّم على عمران بن حصين رضي الله عنه في مرضه - وكانت الملائكة تنزل لتسمع تلاوة أسيد بن حضير رضي الله عنه - ونزلت الملائكة يوم أُحُد تغسِّل حنظلة بن عامر رضي الله عنه - ونادى عمر رضي الله عنه مِن على منبر النبي صلى الله عليه وسلم أمير الجيش الإسلامي في الشام أثناء المعركة فسمعه) (انظر: "رسالة الفرقان" لابن تيمية).

    خاتمة:

    - التذكير بموضوع الحديث، وأن ذلك سيكون مِن خلال سلسلة أحاديث حول معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-، نقف مع كل واحدة أو بعضها بالتفصيل والفوائد والعِبَر.

    نسأل الله -تعالى- أن يجمعنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في جنة الفردوس.


    والحمد لله رب العالمين.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

    (1) يخرج بقول العلماء: "خارق للعادة" ما ليس بخارق، مثل ما يصدر مِن الأنبياء مِن الأفعال والأقوال الطبيعية، ويخرج بقولهم: "يجري على أيدي الأنبياء" ما يجري مِن الخوارق على أيدي الأولياء: كنزول الملائكة لمصافحة عمران بن حصين -رضي الله عنه- في مرضه؛ فإنما هي مِن الكرامات لمتابعتهم الأنبياء، وبقولهم: "للدلالة على صدقهم" ما يدعيه المتنبئون والدجالون مِن الأمور الخارقة. وقد أضاف بعضهم: "والمعجزة يتحدَّى بها النبي المكذبين، ويثبت بها المتبعين".





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    24,801

    افتراضي رد: معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-


    معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (2)


    سعيد محمود


    أعظم المعجزات (القرآن العظيم)


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    المقدمة:

    - سبق أن الله -عز وجل- أجرى على يد أنبيائه ورسله من المعجزات والدلائل القاطعات ما يدل على صدق دعواهم أنهم رسل الله، ولكي تقوم الحجة على الناس، فلا يبقى لأحدٍ عُذْرٌ في عدم تصديقهم وطاعتهم، قال -تعالى-: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) (الحديد:25).

    - وأن نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أُعطي مِن المعجزات الكثير، أعظمها: معجزة القرآن العظيم، الذي يفوق كل معجزات الأنبياء -عليهم السلام- مجتمعة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ ما مِثْلهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعًا يَومَ القِيامَةِ) (متفق عليه).

    - تعريف القرآن: "هو كلام الله حقيقة، المنزَّل على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يقظة لا منامًا، بواسطة أمين الوحي جبريل -عليه السلام-، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبَّد بتلاوته، المعجِز بلفظه، والمتحدى بأقصر سورة منه، المكتوب في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس" (أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف).

    1- من خواص القرآن:

    أولًا: أنه منقول الينا بالتواتر:

    - نقله إلينا أصدق الناس عن أصدق الناس بالطريق المتصل، بالكثرة عن الكثرة(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ... ) (متفق عليه).

    ثانيًا: أنه محفوظ من التبديل والتغيير:

    - لقد تكفَّل الله بحفظه في الصدور قبل السطور، وجعله سهلًا ميسرًا للحافظين(2): قال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر:17)، وقال: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت:49).

    ثالثًا: أنه معجز:

    - فقد جاء بلغة العرب الفصحاء البلغاء، وتحدَّاهم أن يأتوا بمثله أو ببعضه، أو بسورة واحدة، فعجزوا(3): (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء:88)، وقال -تعالى-: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود:13)، وقال: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:23).

    2- مِن وجوه إعجاز القرآن:

    أولًا: بلاغته التي بَهَرَت العرب:

    - فمِن عظيم إعجازه البياني: ما كان له مِن تأثير على سامعيه حتى المخالفين: ذكر أصحاب السِّيَر: "أنه لما جاء عتبة بن ربيعة موفدًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن قريش، يَعْرِض عليه أمورًا كي يتوقف عن دعوته، فلما انتهى من كلامه قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أفرغتَ يا أبا الوليد؟ قال: نعم؟ قال: اسمع مني. قال: أفعل. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بسم الله الرحمن الرحيم: (حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) إلى قوله -تعالى-: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) (فصلت:1-13)، فقال عتبة: حسبك، ورجع إلى قريش فقال: قد سمعتُ قولًا ما سمعتُ مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى!".

    - قصة معاصرة: ذكر أحد الدعاة العرب: "أنه كان ضمن ستة مِن المسلمين على ظهر سفينة مصرية متجهة إلى نيويورك مِن بين 120 راكبًا وراكبة، فاستأذن الداعية قائد السفينة أن يقيموا صلاة الجمعة على ظهر السفينة، فوافق قائد السفينة، وقام الداعية بإلقاء الخطبة ثم الصلاة، وكان أكثر الركاب يقفون حولهم ينظرون ويعجبون، وبعد الانتهاء من الصلاة قاموا يهنِّئون المسلمين على القداس! فأخبرهم المسلمون أنه ليس قداسًا، وإنما هي صلاه الجمعة، ولكن كان مِن بيْن الحشد امرأة أوروبية يظهر عليها التأثر الشديد والانفعال حتى كانت عيناها تفيض بالدمع، وقالت: إن هذه اللغة ذات إيقاعٍ عجيبٍ، وإن كنتُ لا أفهمها، ولكن الأعجب أنها جعلت تسأل عن أن بعض الجمل التي كان الخطيب يقولها تختلف عن سائر كلامه، وأنها ذات تأثير شديد على نفسها، وإنها كانت تحدث في نفسها قشعريرة ورعشة، فهي شيء آخر غير سائر كلامه، فتفكروا في مقصودها فإذا هي تقصد الآيات القرآنية التي كان يذكرها الداعية أثناء الخطبة!" (مِن مقال للشيخ شحاتة صقر)(4).

    ثانيًا: إخباره بوقائع الأمم السابقة:

    - كان العرب يجهلون أخبار الأمم السابقة وحوادث السابقين جهلًا تامًّا، فأخبرهم القرآن عنها ليعتبروا: قال -تعالى-: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود:49)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأحقاف:27).

    ثالثًا: إخباره بوقائع تحدث في المستقبل:

    - وتشمل المستقبل القريب والبعيد: قال -تعالى-: (الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم:1-3)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص:85)، وقال: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) (البقرة:142)، وقال: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) (النمل:82).

    رابعًا: إشارته إلى كثيرٍ من الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث(5):

    - إخباره عن أن ألم الحرق محصور في الجلد، ولو ذاب الجلد لن يشعر الإنسان بالألم: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء:56).

    - إخباره عن الأجنة في الأرحام، وتطور خلق الإنسان قبل ولادته: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:12-14).

    وقد أسلم البروفيسور التايلاندي "تاجاتات تاجاسون" -رئيس قسم التشريح والأجنة في جامعة "شاينج"- بسبب هذه الآية الكريمة، وقد نطق الشهادتين أثناء المؤتمر الطبي السعودي الثامن بالرياض. (مِن مقال الشيخ شحاتة صقر).

    خامسًا: اشتماله على الأحكام التي تنظِّم حياة البشر:

    - أحكامه وإن اختلفت تفاصيلها، ولكنها لا تتناقض: قال -تعالى-: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82)، وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50).

    وجملة الأحكام ثلاثة أقسام:

    - الأول: أحكام عقدية: (كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر).

    - الثاني: أحكام عملية: (كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما تفرع عنهم، وهذا فيما يتعلَّق بعلاقة العبد بربه - وأحكام عملية تتعلق بعلاقة العبد بغيره: كأحكام الأسرة، والبيوع، والعقود، ونظام الحكم، والسلم والحرب والعهود، والاقتصاد).

    - الثالث: أحكام معنوية تتعلق بالأخلاق، وتهذيب النفس وتقويمها: (كالصدق، والعفاف، والبر، والأمانة، ونحوها).

    خاتمة:

    - هذا شيء يسير مِن خصائص هذا الكتاب الأعظم، والمعجزة الأكبر للنبي -صلى الله عليه وسلم- "القرآن العظيم"، وهنا لابد مِن سؤالٍ يجب أن نطرحه الآن على أنفسنا جميعًا، وهو: ما حالنا مع القرآن العظيم المعجزة العظيمة؟!

    اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ

    (1) بخلاف الكتب السابقة؛ فإنها تعرَّضت للتحريف والتبديل، نتيجة انقطاع السند والاتصال بين الأنبياء، وبين مَن رووا عنهم.

    (2) لقد حفظه الله في صدور الصغار قبل الكبار، فلا يستطيع أحدٌ أن يغيِّر كلمة أو حرفًا.

    (3) عجزوا مع وجود المقتضى وانتفاء المانع، والمقتضى هو: الحرص على إبطال دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وانتفاء المانع هو: أنهم أهل اللغة والفصاحة.

    (4) ولذلك أهل الباطل في كل زمان ومكان يعملون على صرف الناس عن القرآن، قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت:26).


    (5) وهذا باب كبير صنَّف فيه المعاصِرون تحت مُسمَّى الإعجاز العلمي في القرآن.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •