"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (73)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي رحمه الله في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "هود": (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)

القول الراجح في المراد بالاستثناء في قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) أن خلودهم موكول إلى مشيئة الله, فلو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء لأنه حكم لهم بالخلود.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في المراد بالاستثناء في قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) على أربعة أقوال:

القول الأول: أن الاستثناء يرجع إلى مدة تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار. يعني: هم خالدون في الجنة أو النار إلا هذا المقدار. (ذكره ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*) (وضعفه الرازي*)

القول الثاني: أن الاستثناء يرجع إلى مدة لبث عصاة المؤمنين في النار قبل دخول الجنة.
(رجح هذا القول ابن جرير*) (وذكره الماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, وابن كثير*, وابن عاشور*)

القول الثالث: أن معنى (إلا ما شاء ربك) سوى ما شاء ربك. (ذكره ابن جرير*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*) (وضعفه الرازي*)
والمعنى: خالدين فيها مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا، ثم قال: سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم.

فذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، وهو مدة بقاء السموات والأرض في الدنيا, ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله: (إلا ما شاء ربك) من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات والأرض.

وذلك كما تقول: لفلان علي ألف سوى الألفين، أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا.
قال الرازي: "هذا عدول عن الظاهر".

ونحوه قول من يقول: (إلا) بمعنى الواو، أي: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض وما شاء الله زائداً على ذلك.
(ذكره البغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*)

القول الرابع: أن المراد: أن خلودهم موكول إلى مشيئة الله, فلو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء لأنه حكم لهم بالخلود. (ذكره ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*, وابن كثير*, وابن عاشور*) (ومال إلى تضعيفه الرازي*)

وهذا القول هو الراجح.
وهذا كما قال الله لنبيه: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)
وقال: (فإن يشأ الله يختم على قلبك)
قال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك أن تضربه.

وقال ابن عطية: "قيل فيه: إن ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، فهو على نحو قوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قال: إن شاء الله".

وقال ابن كثير: معنى الاستثناء ها هنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم، ليس أمراً واجباً بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائماً .

وقال ابن عاشور: "يحتمل أن يقصد منه التحذير من توهم استحقاق أحد ذلك النعيم حقاً على الله بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرحمة".

وقال صاحب الظلال: "وزاد السياق في حالة الذين سعدوا ما يطمئنهم إلى أن مشيئة الله اقتضت أن يكون عطاؤه لهم غير مقطوع، حتى على فرض تبديل إقامتهم في الجنة. وهو مطلق فرض يذكر لتقرير حرية المشيئة بعد ما يوهم التقييد".

وفي الآية أيضاً قولان فيهما بعد.
القول الأول: أن المراد أن أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً منهم، وهو رضوان الله، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو.
(اقتصر عليه الزمخشري* ورجحه) (وذكره الماتريدي*, والقرطبي*)

قال الماتريدي: "سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة والمنزلة التي لم يذكرها لهم".

وقال الرازي: "وها هنا وجه آخر, وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من الجنة إلى العرش, وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى".

تنبيه:
(الزمخشري بعد أن رجح هذا القول ضعف القول السابق فقال: ولا يخدعنك عنه قول المجبرة: إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة).
وهو يقصد بالمجبرة أهل السنة, أما المعتزلة فينكرون الشفاعة, ويقولون: إن أهل الكبائر مخلدون في النار, نسأل الله الثبات على الحق والسلامة من الزيغ عن طريق الهدى.

القول الثاني: أن (إلا) بمعنى الكاف, والمعنى: ما دامت السموات والأرض كما شاء ربك, وذلك كقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) أي: كما قد سلف. (انفرد بذكره القرطبي*)

قال ابن القيم في كتابه الماتع "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" بعد أن ذكر الأقوال في هذه الآية:
"وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه, وقوله: (فيها عطاء غير مجذوذ) محكم, كذلك قوله: (وما هم منها بمخرجين), وقوله: (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد), وقوله: (أكلها دائم وظلها), وقد أكد الله سبحانه وتعالى خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن, وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى, وهذا الاستثناء منقطع, وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله: (إلا ما شاء ربك) تبين لك المراد من الآيتين, واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت, فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية, وذاك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها, وبالله التوفيق .
وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبؤس, ويخلد ولا يموت), وقوله: (ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً, وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً, وأن تحيوا فلا تموتوا ابداً), وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يجاء بالموت في صورة كبش أملح, فيوقف بين الجنة والنار, ثم يقال: يا أهل الجنة. فيطلعون مشفقين, ويقال: يا أهل النار. فيطلعون فرحين, فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت, فيذبح بين الجنة والنار, ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت, ويا أهل النار خلود فلا موت".
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/