رسول الله يدرس واقع المدينة
راغب السرجاني





أول ما فكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بنائه المسجد، هو دراسة واقع المدينة المنوّرة بعد أن هاجر إليها.

مَنْ يعيش في المدينة المنوّرة؟
مَنْ حول المدينة المنوّرة؟
مَنْ أصدقاء المدينة المنوّرة؟
مَنْ يعادي المدينة المنوّرة؟
مَنْ يُحايد المدينة المنوّرة؟
ولكن ما الهدف من دراسة واقع المدينة في ذلك الوقت؟
لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبني أساسًا قويًّا لدولة ستصبح دولة الإسلام، فيجب أن يعرف الواقع الذي تعيش فيه هذه الدولة، والواقع الذي حول هذه الدولة، والرسول صلى الله عليه وسلم يبني دولة على أرض فيها الكثير من المتغيرات الهائلة، والكثير من المشاكل الضخمة، والكثير من الأزمات الطاحنة، وتعددت الطوائف التي يجب أن يتعامل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوّل يوم دخل فيه المدينة المنوّرة.
وكانت كل طائفة من هذه الطوائف لها مشاكل خاصة ولها حسابات مختلفة، ولها أزمات متشعبة ولها أولويات تختلف كثيرًا عن أولويات الطوائف الأخرى.
تعالوا بنا نلقي نظرة على هذه الطوائف المختلفة؛ لنعرف مدى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع كل هذه الطوائف.
الطوائف التي تعامل معها رسول الله بالمدينة:
نستطيع أن نصنف هذه الطوائف إلى ثلاث مجموعات، وسوف تظهر مجموعة رابعة خطيرة جدًّا، لكن بعد سنتين من الهجرة.
المجموعة الأولى:
المجموعة الأولى من هذه الطوائف هي مجموعة في غاية الأهمية، وهي مجموعة المسلمين، والمسلمون أكثر من نوع:
أولاً: أهل المدينة الأصليون من المسلمين والذين عُرفوا بعد ذلك بالأنصار، وكان هؤلاء طائفتين كبيرتين هما الأوس والخزرج، وكانت بينهما مشاكل كبيرة، وسنرى كيف تعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: المهاجرون وهم الذين فرّوا بدينهم من مكّة إلى المدينة بغير زاد ولا مال ولا أي شيء، وهؤلاء موقفهم صعب للغاية.
ثالثًا: المهاجرون في الحبشة، ومع بُعد مكانهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسهم يومًا من الأيام وعددهم كبير، أكثر من ثمانين رجلاً وامرأة مع أولادهم وممتلكاتهم، وموجودون في الحبشة منذ سنين.
رابعًا: المسلمون في القبائل غير المكّيّة الذين يعيشون في شبه استقرار، ولكن بعيدًا عن المدينة المنوّرة؛ بعض المسلمين في اليمن، وبعض المسلمين في قبيلة غفار، وبعض المسلمين في قبيلة أسلم، وفي غيرها من القبائل بعيدًا عن المدينة المنوّرة، وليس لهم سندٌ واضح في داخل المدينة المنوّرة، ومع ذلك هم في قبائلهم أعزّة، فما موقف هؤلاء؟
خامسًا: المستضعفون في مكّة الذين لا حول لهم ولا قوة، ولم يستطيعوا أن يهاجروا لضعفهم وقلة حيلتهم مثل أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، ولم يكن إلى هذه اللحظة قد أسلم، وهي امرأة ضعيفة فكيف تهاجر بمفردها ومعها ابنها الصغير عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان يقول: "كنت أنا وأمي من المستضعفين في مكّة"[1]، فهؤلاء أيضًا كان لهم موقف.
فهذه الطوائف الخمس من المسلمين كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع حلاًّ وطريقةً ومنهجًا لكل طائفة، مع أن هذه الطوائف متباينة، وكل منها يعيش في ظروف تختلف تمامًا عن الطوائف الأخرى، كلٌّ له خلفياته، وله تربيته، وله أصوله، وسبحان الله مع هذا الوضع المعقد جدًّا، كان على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحلّ كل هذه المشاكل، ويقيم دولةً متجانسة من هذه الطوائف المختلفة من الناس.
المجموعة الثانية:
المجموعة الثانية وهي طائفة المشركين، وقد فُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضًا أن يتعامل معها، ولا يعتقد أحد أن المدينة المنوّرة عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إليها كانت تمتلئ بالمسلمين، إن استقبال الأنصار للرسول - عليه الصلاة والسلام - هذا كان من المسلمين من الأوس والخزرج، ولكن الكثير من أهل المدينة حتى هذه اللحظة لم يُسلموا، بل ظلوا على شركهم، وظلوا يعبدون أصنامهم في وجود الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه طائفة كبيرة، فكيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع المشركين من الأوس والخزرج؟
هناك أيضًا المشركون من الأعراب حول المدينة، وكانت هذه القبائل في معظمها تعيش على السلب والنهب وقطع الطريق، فكيف تعامل معهم رسول صلى الله عليه وسلم؟
وهناك أيضًا المشركون من القبائل الكبرى حول المدينة، يوجد بعض القبائل الكبيرة الضخمة ما زالت مشركة، كيف سيتعامل معها الرسول صلى الله عليه وسلم مثل قبيلة جُهَيْنة مثلًاً، أو قبيلة مُزَيْنة، وبعض القبائل الأخرى؟
ثم هناك المشركون من قريش، ولا يظن أحد أن المشركين في قريش قد نَسوا قصة الرسول بمجرَّد أنه هاجر، نَعَمْ المسافة بعيدة جدًّا بين المدينة ومكّة، والظروف قاسية جدًّا في هذا الطريق، وهو طريق صحراويّ وعِرٌ في ذلك الوقت، لكن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم ْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة: 217]، فهذا أمر واضح جدًّا، وهو أن قريشًا لن تنسى أبدًا هذه القضية، وهي لم تنساها بالفعل وما نسيتها يومًا من الأيام.
فهذه أربع طوائف من المشركين: مشركو أهل المدينة من الأوس والخزرج، ومشركو الأعراب حول المدينة، ومشركو القبائل الكبرى حول المدينة مثل قبيلة جهينة، ومشركو قريش.
كيف تعامل الرسول مع كل هذه الطوائف؟ ومع كونهم جميعًا من المشركين إلا أن طريقة التعامل معهم تختلف حسب بيئة كل منهم، وظروفه، والتاريخ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المجموعة الثالثة:
المجموعة الثالثة وهي في منتهى الخطورة، (مجموعة اليهود):
واليهود -كما هو معروف عنهم- أهل غدر وخيانة، وفي الوقت ذاته أهل قوة وسلاح، فكيف سيتعامل معهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولم يكن اليهود يسكنون حول المدينة، بل كانوا يسكنون في داخلها، ولم يكونوا واحدًا أو اثنين بل كانوا ثلاث قبائل قوية: قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني النضير، وقبيلة بني قريظة، وفي شمال المدينة المنوّرة قبائل أخرى من اليهود تعيش في منطقه خيبر ووادي القرى، فكيف سيتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع كل هؤلاء اليهود، أتراه يعاهدهم أم يحاربهم؟!
ومن المهم أن أقول في هذا المقام أن هناك طرقًا مختلفة للتعامل في حياة الرسول - عليه الصلاة والسلام -، كان لكل طريقة منها ظرف، فلو لم أستوعب الظروف التي من أجلها اختار النبي صلى الله عليه وسلم منهجًا معينًا للتعامل مع هذه الطوائف المختلفة المتباينة، فعندها لن أكون قد فهمت السيرة النبويّة.
ومن ثَمَّ يجب الوقوف على كل حدث من هذه الأحداث وتحليله بدقة؛ لكي تُعرف الأبعاد التي من وراء هذا الحدث، والتي من أجلها اتّخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قرارًا دون آخر.
فهذه ثلاث مجموعات مهمة جدًّا تعامل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مجموعة المسلمين، ومجموعة المشركين، ومجموعة اليهود، وبعد سنتين ستظهر على الساحة مجموعة رابعة هم المنافقون.
ـــــــــــــــ ــــــ
بتصرف.
[1] البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (1291)