شبابنا والخروج من التيه
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد


النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: شبابنا والخروج من التيه

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,638

    افتراضي شبابنا والخروج من التيه



    شبابنا والخروج من التيه (1)

    القدوة










    كتبه/ مصطفى دياب


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فإن بناء الشباب أهم من بناء الجسور، وتعبيد الطرق، وتشييد العمارات الشاهقة، وعلى الرغم من ذلك نجد أن الأمة منصرفة عن هموم ومشاكل شبابها؛ لا يكاد يهتم بها إلا "الصحوة الإسلامية" المباركة، وحتى هذا الاهتمام لا يعدو -في معظم أحيانه- من أن يكون اهتمامًا إجماليًّا لا يمس المشكلات الحقيقية للشباب، ويجتهد في وضع الحلول المناسبة لها، حتى أصبح الجيل الحالي من الشباب يمثل جيل الغربة.

    والكل يرصد ظاهرة تغير الشباب، لا نقول عن هدي سلفه الصالح فحسب، بل تغيره عن جيل أبائه وأجداده الذين كانوا أقرب في أخلاقهم وسلوكهم إلى أخلاق وسلوكيات الإسلام.

    تغير شبابنا في كل شيء في ملابسه، في هيئته، في تسريحة شعره، في سلوكه، في ألفاظه، في أفكاره، في أهدافه، في همومه، في تطلعاته، في اهتماماته، والحسرة تملأ قلوب الأمهات والآباء والمعلمين والمهتمين بالتربية، والكل يتساءل:

    1- أين الأيمان؟!

    2- أين الأخلاق؟!

    3- أين الحماس؟!

    4- أين العمل الدءوب لدين الله؟!

    5- أين العزيمة والقوة؟!

    6- أين الشباب والفتوة؟!

    لماذا انتشرت المخدرات بين الشباب فضلاً عن الدخان؟!

    لماذا الاختلاط المريب بين الشباب والفتيات تحت شعار "الحرية" و"الصداقة البريئة"؟!

    لماذا تقليد الغرب الكافر في كل شيء؛ في ثوبه وهيئته وفكره وكلامه وسلوكه؟!

    إن شبابنا يعيش في "حالة تيه" كبيرة، إنه شباب حائر تائه، تتقاذفه أمواج الشهوات وتعصف به رياح الشبهات؛ فيبقى معها حائرًا لا يدري ماذا يصنع؟ وينبغي على الدعاة إلى الله -عز وجل- متى أرادوا إصلاحًا ألا يكتفوا برصد الظاهرة، بل الواجب عليهم بذل الواسع في معرفة أسبابها، ومدافعة هذه الأسباب بما تيسر لدينا من أسباب دفعها، مستعينين في ذلك بالله -عز وجل-، ومسترشدين بنور القرآن وهدي السنة النبوية المباركة وسيرة السلف -رضي الله عنهم-.

    والمتأمل في هذه الظاهرة لا يمكن أن تخطأ عينه هذا السبب الجوهري من أسبابها ألا وهو: غياب القدوة، ولما كان الإنسان في أمس الحاجة إلى من يقتدي به؛ فقد أرسل الله رسله قدوة للناس يهدوهم بالقول والعمل.

    قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنّ َ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(الممتحنة:4)، الأسوة كالقدوة، وهي: اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة".

    لابد للناس من أمثلة واقعية ونماذج قوية، فلا يتم كسر القيود إلا برؤية مثل، ورؤية نماذج من البشر تقدم للناس أمثلة رائعة.


    وللقدوة أصول ثلاثة وهي:

    الأصل الأول:الصلاح وأركانه: "الأيمان - العبادة – الأخلاق".

    الأصل الثاني:حسن الخلق.

    الأصل الثالث:موافقة القول العمل.

    فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو النموذج الأعلى من القدوة؛ فهو إمام الأئمة، ثم أصحابه الكرام -رضي الله عنهم-، وكذلك العلماء العاملون على مر الزمان.

    ونستكمل إن شاء الله "بمن يقتدي الشباب؟" فانتظرونا.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,638

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه



    شبابنا والخروج من التيه (2)

    بمن يقتدى الشباب؟










    كتبه/ مصطفى دياب


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فالقدوة لا بد أن تكون حية، والقدوة الحية هي أصل التربية والسلوك، فأين القدوة في المنزل، الأب مثلاً قد يبدو كذَّابًا أو سارقًا أو قوله يخالف فكره وعمله.

    أين القدوة في الإعلام؟ والإعلام يقدم الفنان على أنه قدوة، أو يقدم اللاعب على أنه قدوة، أو الوجيه والثري على أنه قدوة؛ أو شخصية عامة، ثم تقع المفاجأة!

    فالفنان متورط في أعمال ضد الدين وضد الآداب العامة، واللاعب تراه على الشاشات الفضائية وهو يسب ويلعن الجهاز الفني بالنادي، ويقوم بأعمال مخالفة للأخلاق والدين، وينقل للشباب قصات الشعر الغربية التي تعلق قلوبهم بالكفار، والوجيه الثري، والشخصية العامة قد تراها قابعة خلف القضبان بتهمة الفساد والاختلاس والرشوة.

    والصديق قد يخون صديقه، ويسلك طريق الانحراف والمخدرات والنساء والشهوات، والمعلم قد يصبح ماديًّا حريصًا على الدروس الخصوصية والتجارة فيها، ويفقد أخلاقه وتوجيهه، والناصح والواعظ ينصح ويعظ، ويخالف قوله فعله و... و...

    والنتيجة فراغ الساحة من القدوة لدى الشباب، فكل هؤلاء ليسوا أهلاً لأن يكونوا قدوة حسنة، وغاب عن حبيبنا الشاب هؤلاء الرجال الأفذاذ؛ فعاش وحيدًا شريدًا يسلك في التيه طريقًا، لكنه لو قلب صفحات التاريخ المشرقة؛ لوجد القدوة الحقة محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وصحبه، ولكن أخي الشاب قد يكون معذوراً؛ لأن أعداء الإسلام يحاولون قطع الطريق إلى الله وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويحاولون تحطيم القدوات في حياة الشباب.

    ومناهج التعليم لا تخدم الشاب ليتعرف على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، تلك النماذج الفريدة.

    إن الشباب إذا فتحوا أعينهم على سنة نبيهم وحاولوا الاقتداء به؛ فسوف يتحول حالهم إلى أحسن الأحوال وتكبر عقولهم، فالعقول الكبيرة لها أهداف، والعقول الصغيرة لها رغبات صغيرة.

    سترى جيلاً جديدًا ليس به صفات العجز والهوان، لا يكتفي من الإسلام بصلاة وصيام وحوقلة واسترجاع، بل يغلي صدره على المقدسات، ويذوب قلبه أسى على كل دقيقة مرت عليه بعيدًا عن الحبيب -صلى الله عليه وسلم-.

    سترى جيلاً لا يضيع عمره هباء، بل يتحول إلى قوة دافعة للعمل في سبيل الله ولدين الله.

    سترى جيلاً لا يستسلم للضعف والعجز، بل يعمل على التكامل والشمول في طلبه للعلم والقرب من الرب.

    سترى جيلاً يسعى إلى غرس القيم والاعتدال والتوازن في الحياة البشرية.

    جيل صاحب إيجابية وبناء وثقة بالله،

    جيل صاحب تميز واستعلاء على الشهوات،

    جيل يؤمن أن التقدم ليس في سرعة الحركة، وإنما في اتجاه تلك الحركة،

    جيل يؤمن أن خير اتجاه لحركة البشر خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (الزم غرزه).

    قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(الأحزاب:21).

    عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ، وَلَوْلاَ أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ"(رواه البخاري).

    قال مجاهد في قوله -تعالى-: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)(الفرقان:74)، قال: "أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا".

    قال ابن القيم -رحمه الله-: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه".


    قال بعضهم في التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم-:

    إذا نحن أدلجنــــا وأنت إمامـنـــــا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا

    وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد دليــــلاً كفانا نور وجهك هـاديـا

    وإلى اللقاء مع سبب آخر من أسباب تيه الشباب -إن شاء الله تعالى-.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,638

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه



    شبابنا والخروج من التيه (3)

    الوازع الإيماني









    كتبه/ مصطفى دياب


    الحمد لله، والصلاة والسلام، على رسول الله، أما بعد؛

    فإن شبابنا يعيش أزمة مراقبة الله -عز وجل-، يفتقد الوازع الداخلي الذي يجعله يقبل على الخير طواعية لله -عز وجل-، ويعزف عن الشر طواعية لله -عز وجل-.

    قال -صلى الله عليه وسلم-:(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ). (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

    هذا ما يفتقده الشباب: واعظ الله في قلب كل مسلم، لا يشعر به الشاب؛ لأنه يغرق في تلك الأبواب التي نهانا الشرع أن نفتحها:(وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ؛ تَلِجْهُ)، أين هذا الواعظ؟ أين هذا الصوت في قلب الشباب؟!

    هذه هي الأزمة التي يعيشها الشباب؛ اختفاء هذا الصوت، ولكنه موجود، وعلى الشباب البحث عنه والوصول إليه بأسرع ما يمكن؛ لأنه صمام الأمان بالنسبة للشباب ولكل مسلم (وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ).

    تذكر دومًا أخي الشاب هذا النداء -هذا الصوت- الذي يأتيك من الأعماق، من القلب، من النفس اللوامة، من الفطرة، من جوف الصراط، ولا تفتح على نفسك أبواب الفتن والشهوات (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا: النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا: الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ: الْكَلامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا: الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا: الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ)(رواه مسلم).

    أخي الحبيب:

    ما صغَّر النفس مثل معصية الله، وما كبرها مثل طاعة الله، فجاهد نفسك على ما يحب الله وإن كرهته، أغلق أبواب الفتن واترك النظر للنساء والصور، واترك سماع الأغاني والموسيقى، والاستمناء والزنا، واللواط وشرب الخمر، فإنها من كبائر الذنوب، وجاهد نفسك وأكرهها على الطاعة حتى تألفها.

    أخي الحبيب:

    أكره نفسك حتى تدخل الجنة، وتكون من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، ومنهم: شاب نشأ في طاعة الله، لماذا لا تكون أنت ذلك الشاب أو هذا: (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)؟!

    أو ذلك الرجل: (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (متفق عليه).

    أخي الشاب الخلاص.. الخلاص:

    لا تقل: "أنا كثير الذنوب" فقط، ولكن قلها وتب إلى الله، قال -صلى الله عليه وسلم-: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ)(رواه مسلم).


    وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلا وَلَهُ ذَنْبٌ، يَعْتادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْبٌ هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُفَارِقَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفْتَنًا تَوَّابًا نَسِيًّا إِذَا ذُكِّرَ؛ ذَكَرَ)(رواه الطبراني، وصححه الألباني).

    أخي الحبيب المجاهَدة... المجاهَدة:

    فالمؤمن ليس بمعصوم عن الخطأ، فهو قد يقع في الذنب، ولكن يتوب فلا يتمادى، بل يعود ويرجع ويقوم من ذنب ويقع في ذنب، ولكنه رجَّاع إلى ربه تواب، إذا وقع منه الذنب؛ أسرع إلى التوبة والإنابة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    32,638

    افتراضي رد: شبابنا والخروج من التيه



    شبابنا والخروج من التيه (4)

    الحافز









    كتبه/ مصطفى دياب


    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

    فالحافز: هو ذلك الشيء المعنوي أو المادي الذي يشجع الإنسان على العمل والبذل والعطاء والإنتاج الأفضل، ويفجر الطاقات الكامنة، ويحسن الأداء، ولكن إذا سألت شابًّا اليوم ما هو هدفك بعد الانتهاء من المراحل التعليمية الجامعية مثلاً؟ تجد المفاجأة، ويكون الرد كالصاعقة عندما تسمعه يقول: لا أدرى، أو لا أعرف.

    إنه تعلم، وتخرج، وبعد سنوات طوال، ونفقات عظام، وتألم الوالدين، "لا أعرف"!

    إنها طاقة بلا هدف... إنه صاروخ بلا موجه، إنها كارثة!

    هل بعد هذا النجاح والتخرج لا يرى الشاب لهذا الجهد قيمة ولا جدوى؟! لماذا؟! لماذا؟!

    لأنه يفتقد الحافز وأين الحافز، ولا حافز للعلماء والمبدعين ولا للمربين والمدرسين والمجتهدين، ولا حافز للمخترعين والباحثين، ولا حافز لأي صاحب موهبة، لا حافز يدعو للعمل ولا للتضحية ولا للبذل.

    كيف لا.. وأنت ترى أن أقدام اللاعبين أعز وأغلى عند الناس من رءوس العلماء والمخترعين!

    كيف لا.. وأنت ترى أن الفنانين والممثلين هم نجوم المجتمع وعليهم عقدت الأمة الآمال!

    إن الأب اليوم يتمنى أن لو كان ابنه لاعب كرة محترف، ولا يتمنى أن يكون عالم ذرة مخترع، إن الشباب يشعر -للأسف- أنه في واقع لا يميز بين المبدع والخامل، ولذا؛ يقول -بلسان الحال أو المقال-: لماذا أتعب وأجتهد؟! ويا ليت الأمر قد انتهى، لكنه يشعر بالكبت والانطواء والعزلة عن هذا المجتمع.

    وليس هذا فحسب، بل يتوجه لمحاربة هذا المجتمع بمزيد من الكراهية والبغضاء لأفراده، وما هذا إلا لأنه يعجز أن يكون لاعبًا أو ممثلاً أو مطربًا، فينحرف ويتجه إلى المخدرات والمحرمات؛ ليدخل التيه، لقد رأى أن التقدير والحوافز تصرف لمن لا يستحقالتقدير، وأن الأضواء تسلط على من يأخذون بأيدي المجتمع إلى السقوط في الهاوية، ومن يستحقون أن يكونوا في مزبلة التاريخ.

    نظرة من فضلك:

    والشباب معذورون في ذلك، لكنه لو نظر نظرة واحدة إلى دينه الحنيف؛ لتبددت ظلمات اليأس إلى أنوار الرجاء.

    كيف لا.. والشريعة الغراء تميز أفراد المجتمع كلٌ حسب عطائه؟ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة:7-8).

    وقال -تعالى-: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين َ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(القلم:35-36).

    أخي الشاب بالتزامك تحقق نجاحك، وتثبت ذاتك، ولكن توجه إلى هناك.... إلى السماء.

    لو رآك؛ لأحبك:

    كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إذا رأى الربيع بن خثيم -رضي الله عنه- رآه حسن الخُلق، لين الكلام، رائق الحديث، جميل المعاشرة، رأى أن أخلاقه أخلاق الأنبياء، فكان يقول له: "يا أبا يزيد، والله لو رآك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأحبك، ولأوسع لك إلى جنبه، وما رأيتُك إلا ذكرتُ المخبتين".

    الله أكبر!ما أقوى هذا الحافز من صحابي مربٍ جليل لتابعي في بواكير الشباب لم ير الرسول -صلى الله عليه وسلم-! كم تصنع هذه الكلمات في ثبات وبناء شخصية الربيع بن خثيم -رضي الله عنه-، إنها كلمات لصناعة الأجيال.

    هذا وقد اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتحفيز لأصحابه -رضي الله عنهم-، فها هو -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يحفزهم لنشر الدعوة وحفظ العلم فيقول -صلى الله عليه وسلم- داعيًا لهم: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)(رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ما أعظم هذا الحافز! دعوة من النبي -صلى الله عليه وسلم- بنضارة الوجه وبهائه لمن سمع العلم فبلغه، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ)(متفق عليه).

    تخيل نفسك لا تصلي الليل ثم تسمع خبرًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: نعم الرجل أنت؛ لو كنت تفعل ذلك -قيام الليل- ماذا كنت ستفعل؟! فما ترك عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قيام الليل؛ وتلك عبادة ومجاهدة.

    وموقف آخر:

    قال -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ عَبْدُ اللهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ)(رواه الترمذي، وصححه الألباني).

    ماذا تفعل إذا كنت أنت خالد؟! هل تضع سيفك ولا تجاهد؟!

    بل ماذا كنت تفعل إذا سمعت صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لك: (يَا سَعْدُ، ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) (متفق عليه)؟

    أرأيت أخي الحبيب: كيف يكون للحافز أثره في بناء الجيل؟ وكيف ضل من ضل من المجتمع عندما انحرف عن تعاليم وقيم وأهداف وربانية هذا الدين؟


    ولذلك نقول للشباب: نظرةً عميقة للأمام... نخترق بها أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ لنصل إلى ذلك الجيل الرائد... السلف الصالح... إلى المربى القائد... إلى الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- وهناك الزم غرزه... واقتفِ أثره، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)(الأنعام:90).


    وصلِ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •