بسم الله الرحمن الرحيم.

تعقيبا على مقال, (الصلابي يُجيب.. تساؤلات بشأن حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)




توطئة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين،

أما بعد:

فقد قال د. علي الصلابي:

"حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً).. هل يمنع من تولي المرأة المناصب السيادية في الدول؟

– ما أسباب وسياقات ورود الحديث النبوي الشريف؟"

د. علي الصلابي يذكر لفظ المرأة بلا قيد، ولفظة الدول بلا قيد، وكأنه يتناول لفظ الدول بلا قيد عنده تولي المرأة المسلمة بعض المناصب في الدول غير المسلمة، هذا ما يحتمله عدم تقييد لفظة الدول، ، وقد يكون يحتمل عدم ذكر قيد للفظة المرأة حصول غير المسلمات على مقاعد برلمانية في الدول المسلمة، من باب التعددية في الدولة الحديثة، وما دام المقام مقام تبيان حكم شرعي، فالأولى تحرير العبارة، ومراعاة القيود والأحوال في بيان الحكم، ربما يمثل في الذهن بهذه الإطلاقات وصول نائبات مسلمات للكونجرس الأمريكي، وليت شعري، ما الذي استطاعت النائبات المسلمات تقديمه للإسلام عند وصولهن لمقاعد الكونجرس الأمريكي، وعند قيام إحداهن بانتقاد مساعدة الولايات المتحدة لدولة اليهود تعرضت لانتقادات لاذعة وصلت لمطالبتها من قبل الرئيس الأمريكي بالاستقالة، وما الذي تغير عند الفتوى بوجوب دخول المسلمين أو العرب للتصويت في الانتخابات الأمريكية؟، وما الذي سيفيده دخول الرجال غير المسلمين في الدولة الحديثة المسلمة فضلا عن النساء للإسلام؟ هل سيحافظ هذا على الترابط الإسلامي متينا؟.

ومع هذا، فلنقل إن الألف واللام في اللفظين غير المقيدين هي للعهد، يعني: المرأة المسلمة، والدول المسلمة، حتى لا تنتقد هذه السطور بالحكم على النوايا بغير قرينة، وتحميل اللفظ ما لا يحتمل، مع أن ظاهر اللفظ يقتضي ما سبق من الاحتمالات.

قال د. الصلابي:

"وردت تساؤلات في الصورة المرفقة تتهكم على ما جاء في الخطاب القرآني والحديث النبوي حول أهلية المرأة لتولي الحكم ومساهمتها ككائن اجتماعي له دوره وكيانه وأداؤه الذي ينافس الرجال ويتفوق عليهم أحياناً، فقد وضع أحدهم صورة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وكتبوا تحتها ب- استهزاء وتهكم – الحديث النبوي الشريف: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).

وقد وضع عدة احتمالات يُكذب فيها الحديث الذي رواه البخاري وغيره، ويخير القارئ بين صدقيته واختيارات الشعب الألماني الذين أعادوا انتخاب ميركل عدة دورات، فهؤلاء المتهكمون عدّوا ألمانيا دولة فاشلة ومقام ميركل هو مقام لا يبلغه إلا الرجال فقط".

إذن، فسبب كتابة هذه المقالة، أو جواب هذه التساؤلات الشرعية صورة من متهكم، ذلك المتهكم الذي لا يدرى وزنه العلمي، ولا قوة تأثيره في الوسط العام.

والحق أن القضية, قضية تعارض هذا النص الحديثي مع تولي المرأة للمناصب السيادية قديمة قبل صورة هذا المتهكم، فهي مطروحة عند محمد الأشقر، والغزالي المعاصران، وقد سبقا الصلابي إلى هذا التأويل للحديث.

أيها القارئ الكريم هذا ما ذكره د. الصلابي من الأسباب التي من أجلها رد على ذلك المتهكم بتوجيه الحديث توجيها يخالف توجيهات المتقدمين والمتأخرين من علماء الحديث خاصة، وعلماء الشريعة عامة، مقدمات تتمثل في تهكم المتهكمين الذين لم يخبرنا د. الصلابي عن وزنهم العلمي، وقوة تأثيرهم، مقدمات تتمثل في إظهار الإسلام بمظهر التخلف، مقدمات تتمثل في إثارة شبهة تحتاج إلى جواب حول نص متين من نصوص شريعتنا المطهرة، ، وهو الحديث المذكور، لا لشيء إلا لأن هذا الحديث يتعارض مع مبادئ الدولة الحديثة، هذه مقدمات نريد أن نعلم سلامتها فبسلامتها مع المنهج العلمي السليم في البحث تكون سلامة النتائج.

فهل يضر المرأة ألا تتولى المناصب السيادية في الدولة؟ وهل هناك تلازم أو هناك علاقة طردية بين تخلف المجتمعات أو الشريعة وبين تبوؤ المرأة المناصب السيادية فيها؟ وهل يلزم من تهكم المتهكم على نصوص الشريعة وجود نقص في الشريعة يحتاج ترقيعه إلى رد أو تأويل للنصوص حتى لا يظهر الدين في مظهر عدم الحضارة؟

وقد تعرف حقيقة الأمور بنظائرها, وقد يستدل على نقضها بنقيضها، ومما يستدل به من نظائر أن يقال: لو نادت قيم ستسمى حضارية لدولة حديثة في زمن ما بقوامة النساء في الأسرة فضلا عن غيرها، أو بتساوي الرجل والمرأة في القوامة، أو أن القوامة للأعلى شهادة، أو راتبا، أو درجة وظيفية، وعد من خالف ذلك متخلفا، فماذا سنصنع بقول الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء}؟!

ذهب د. الصلابي في مبحثه الثامن في كتابه (البرلمان والدولة الحديثة المسلمة) إلى تخصيص هذه الآية بالأسرة، فقال:

"ويقول المودودي: إن القرآن لم يقيد قوامة الرجال على النساء بالبيوت.. وأن قوامية الدولة

أخطر شأنا وأكثر مسؤولية من قوامية البيت، راداً بذلك على القائلين بأن هذا الحكم يتعلق

بالحياة العائلية َل بسياسة الدولة".

فالمودودي كما نقل عنه يرد على من خصص الآية بالأسرة بأن الآية عامة، لكن الدولة الحديثة التي لا بد للشريعة أن تستوعبها عند المتحمسين لها لا يتفق مع قيمها القول بتعميم الآية، فها هي تفرض على د. الصلابي البحث عن تأويل لهذه الآية الكريمة, ، فبعد أن نقل كلام المودودي تعقبه فقال:

"لم يرَ علماء السياسة الشرعية قبل المودودي سنداً لمنع المرأة من الوَلاية العامة إجمالا، إذ أن القوامة، إذا كان معناها الرئاسة بإطلاق،

كانت نتيجة منع المرأة من الرئاسة في أي مستوى من المستويات حتى ولو كانت مدرسة أو

حضانة أطفال، أو إشرافاً على مصحة أو إدارة متجر أو مصنع، ما وجد رجل في تلك

المؤسسات، وهذا مخالف لمقاصد الشريعة ولم يذهب إليه فيما أعلم علماء اإلسلامم

المعتبرن في القدامى والمحدثين ومفسري القرآن الكريم"

ويبدو مصطلح علماء السياسة الشرعية عند د. الصلابي ضيق جدا، أو أنه انتقائي, يشمل من يتفق معه فكريا في طريقة تناول هذه المسائل الحساسة، أو أنه لم يطلع على كتب السياسة الشرعية التي ذكرت شروط الولاية العامة، مع أنه قدم في كتابه أن العلماء لا يرون بتبوؤ المرأة للولاية العامة، وعلى أي حال، فقد خالف د. الصلابي المودودي فارتضى أن تكون القوامة في الآية خاصةبالأسرة، مع أن الآية جاءت بلفظ الجمع المحلى بأل التي للجنس، {الرجال قوامون على النساء}، بمعنى أفضلية جنس الرجال على جنس النساء، بدون ذكر تخصيص الأسرة، وأفضلية جنس الرجال على جنس النساء لا تعني وجود أفراد من جنس النساء هن أفضل من كثير من الرجال، وبذا يعلم أن هذه الأفضلية لا تحط من قدرهن، ولكن المقصود أن هناك سمات عامة في جبلة جنس الرجل أهلته للقوامة، وإن كان هناك فضليات من النساء، فلما افتقد جنس النساء هذه السمات العامة بمن فيهن الفضليات، كانت القوامة بعدل الله وحكمته وعلمه للرجل دون المرأة.

ولو أن د. علي الصلابي جمع إلى الآية الكريمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري وغيره واللفظ للبخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

{كَمَلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَّا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ علَى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سائِرِ الطَّعامِ}.

جاء في تحفة الأحوذي للمباركفوري:

"[1834] قَوْلُهُ (كَمُلَ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَمَلَ كَنَصَرَ وَكَرُمَ وَعَلِمَ كَمَالًا وَكُمُولًا انْتَهَى أَيْ صَارَ كَامِلًا أَوْ بَلَغَ مَبْلَغَ الْكَمَالِ قَوْلُهُ (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) أَيْ كَثِيرُونَ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ حَتَّى صَارُوا رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ وَخُلَفَاءَ وَعُلَمَاءَ وَأَوْلِيَاءَ (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ) وَالتَّقْدِيرُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُنَّ".

فقد وصف الشرع مريم بالكمال، في هذا الحديث، لكن، إياك أن تحفل بالحديث وحده معزولا عن قول الله عز وجل في قصتها بلسان أمها: {رب إني وضعتها، أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى}، فكمالها لم يغير من أنثويتها، ولم يعطها تلك السمات العامة التي فضل بها جنس الرجال، ولذا قالت أمها كما حكى الله: {وليس الذكر كالأنثى}.

وتأول الصلابي مستدلا لخصوص القوامة بالأسرة بجملة, {وبما أنفقوا من أموالهم}، متجاوزا ما قبلها, {بما فضل الله بعضهم على بعض}، فيا ليته قرأ في تفسير القرطبي ليجد في تفسير الآية الكريمة ما نصه:

"فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ يَقُومُونَ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ وَالذَّبِّ عَنْهُنَّ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيهِمُ الْحُكَّامَ وَالْأُمَرَاءَ وَمَنْ يَغْزُو، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ. يُقَالُ: قِوَامٌ وَقِيَمٌ".

فهذا القرطبي سبق المودودي في تقرير عموم الأفضلية لجنس الرجال على جنس النساء، فهذا الذي كان السبب في اختصاص الرجال بالقوامة.

ثم فرع د. الصلابي على تعميم الأفضلية بسبب اختصاص الرجال بالقوامة لوازم تبطل هذا القول، وهو, أن التعميم يبطل ولاية المرأة فيما يختص بالنساء، ولم يقل بهذا أحد، وهذا اللازم ليس بلازم، فالكلام على المناصب السيادية في الدولة التي يكون فيها تدبير أمر المسلمين ذكورا وإناثا، فإذا كان الأمر خاصا بالنساء، فلا يرد الإشكال هنا.

وهذا التأويل كله بسبب ويلات الدولة الحديثة لكي تطاوعها نصوص الشريعة.

وإذا كانت آية القوامة تحتمل التخصيص بالأسرة، فكيف ستصنع ولاية المرأة العامة ومشاركتها في المناصب السيادية كالبرلمانات في الدولة الحديثة بقول الله تعالى: {وقرن في بيوتكن}، فإن الوفود السياسية بما فيها من بروتوكولات، والزيارات الدولية وما يصحبها من أحكام السفر، وتعاهد الرعية في أقطار الدولة، كل هذا لا يمكن القيام به مع آية القرار في سورة الأحزاب؟، فإن قيل القرار عام، فعليهم الجمع بين أصل قرار المرأة المأمور به في آية الأحزاب، وبين كيفية ممارسة المرأة لدورها السيادي في الدولة الحديثة، وإن كانت خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم كما لعلهم يتأولون فذلك يقتضي حرمان نساء فضليات من حقوقهن السياسية بحسب قيم الدولة الحديثة، وحصول من هن أقل منزلة منهن على هذه الحقوق، وبذا لا تتحقق العدالة بحسب منظور الدولة الحديثة، ولعلهم يقولون: هذا قبل الدولة الحديثة، فلا يرد هنا، وكل دولة تحاكم بحسب معاييرها وقيمها، فيقال: هذا يصح في مشروع بشري قاصر، ولا يقال في شأن شرعي رباني، فإن كانت مشاركة المرأة في المناصب السيادية خير، ويتفق مع المرأة بطبيعتها الجبلية، لكان الشرع بينه بيانا شافيا، ولو بينه بيانا شافيا لكان من أسعد الناس به أولئك الفضليات، أو بعضهن، أو إحداهن، فإما أن يكون الشرع أهمله فما لنا نستدرك عليه؟، وإن كان من أمور الدنيا والله بكل شيء محيط عليم، فلماذا يشرع للمرأة القرار وهو لا يتفق مع تولي المناصب السيادية، وبالذات في معايير الدولة الحديثة كما سبق ذكره؟.

وقد كان، فقد نقل د. الصلابي تأويل من تأولوا هذا النص وارتضاه، فكما أن الأمر بالقوامة مخصوص بالأسرة، فآية القرار مخصوصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل سياقي أتى بعدها وهو {واذكرن ما يتلى في بيوتكن}، الآية، وجاء التخصيص باتحاد الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فلا فرق عندهم بين أمر مطلق، وأمر ذكر معه القيد، وبين ما الأصل فيه القدوة، وبين ما دل على خصوصيته دليل، والعلة في التأويل هي العلة,مخالفة قيم الدولة الحديثة! وعلماء الشريعة لم يكونوا يبحثون عن تأويل إلا حين ظهور تعارض بين نصين، وعدم إمكان الجمع الصحيح بينهما بحال من الأحوال، والغرض اتفاق نصوص الشريعة، بما أن مصدرها واحد، وهو الوحي، فلا يمكن أن يكون هناك تعارض حقيقي بينها، فهو مقصد حميد، وسيلته حميدة، أما التأويل عند المتحمسين للدولة الحديثة، فأنه يكون لتطويع النصوص لئلا يكون هناك تعارض بين النصوص وبين قيم الدولة الحديثة، حتى لا تظهر الشريعة بمظهر التخلف المثير للسخرية، فتنقض نصوص وأحكام الشريعة من أجل المحافظة على الشريعة، والنتيجة تمييع وتضييع.، وارتباك وتخبط في تطبيق القواعد، والتعامل مع النصوص،
قال القرطبي رحمه الله في تفسير آية القرار:
"الثَّانِيَةُ- مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْأَمْرُ بِلُزُومِ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ دَخَلَ غَيْرُهُنَّ فِيهِ بِالْمَعْنَى. هَذَا لَوْ لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يَخُصُّ جَمِيعَ النِّسَاءِ، كَيْفَ وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِلُزُومِ النِّسَاءِ بُيُوتَهَنَّ، وَالِانْكِفَافِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُلَازَمَةِ بُيُوتِهِنَّ، وَخَاطَبَهُنَّ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُنَّ". إلى آخر كلامه رحمه الله.

وذكر ابن كثير في تفسير الآيات 32-34، أن الخطاب عام فقال:
"هَذِهِ آدَابٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنِسَاءُ الأمة تبع لهن في ذلك".
إلى أن قال:
وقوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ أي الزمن فَلَا تَخْرُجْنَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَمِنِ الْحَوَائِجِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ بِشَرْطِهِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلْيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْكَلْبِيُّ رَوْحُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ثِقَةٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جِئْنَ النِّسَاءُ إِلَى رَسُولِ الله فَقُلْنَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِالْفَضْلِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا لَنَا عَمَلٌ نُدْرِكُ بِهِ عَمَلَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قعدت- أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- مِنْكُنَّ فِي بَيْتِهَا، فَإِنَّهَا تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى» ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا رَوْحَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَشْهُورٌ.
وَقَالَ الْبَزَّارُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا محمد المثنى، حدثني عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ بِرَوْحَةِ ربها وهي في قعر بيتها» رواه التِّرْمِذِيُّ
عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ بِهِ نَحْوَهُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا» وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.

فيا ترى كيف سينسجم قربها من روحة ربها وهي في قعر بيتها مع ما تمليه عليها الدولة الحديثة من خروج ومشاركة في العملية السياسية؟! وإذا كانت الصلاة التي أجر الجماعة فيها أفضل من صلاة الفذ في حق المرأة بشروط، وصلاتها في بيته خير لها من صلاة الجماعة ولو كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بما هو دونها؟!

وفي محاولة تأويل الآية لتوافق الدولة الحديثة في كتاب الصلابي حكاية إجماع يخالف مصطلح الإجماع وشروطه، واستعمال لمفهوم الموافقة فيما هو أبعد عن الموافقة، أما أدلته على جواز ذلك فعمومات لا دليل فيها على تولي المرأة للمناصب السيادية، وأما النصوص الخاصة, واضحة الدلالة، مما مر ذكره فهي التي يجب أن تأول لتوافق الدولة الحديثة.

وإنما القصد هنا بيان أن هذا مسلك عام عند المتحمسين للدولة الحديثة مع نصوص كثيرة، وليس مع هذا النص الحديثي الذي كتب الصلابي مقاله حوله.

قلنا: قد يستدل على حقيقة الأمور بنظائرها، وقد يستدل لنقضها بنقيضها، فلو اختلفت معايير دولة حداثية أخرى في زمننا أو في أزمنة بعده فنادت قيم ستسمى عند أهلها حضارية بتبادل الأدوار بين الرجل والمرأ, أي: بأمومة الرجل وأبوة المرأة، أو أن يكون على الرجل التربية وأعباء المنزل، والمرأة تكد وتعمل وتنفق على العائلة، لو وقع هذا وتمسك متمسك بالأصل الذي هو أصل الخلقة للجنسين، فهل ستنطبق عليه حقيقة التخلف إذا وافق الفطرة وخالف معايير تلك الدول؟ في ذلك الزمن وماذا سنصنع يومئذ بقول الله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى}.

ولا تعجب, فمما بلغه العقل البشري من أبحاث تمكن من تغيير طبيعة بعض الرجال هرمونيا وبما يمكن أن يتاح من وسائل تقنية تعينه على ذلك يمكن أن يظهروا بعض الرجال في صورة الأمومة لا حقيقتها، وقد وجدت مقدماته في عصرنا الحاضر، كما في المتحولين جنسيا والمناداة بحقوقهم،

صورة من متهكم، وسط منظومة من الشبهات، ربما ألهبت الحماسة في بعض الغيورين على الإسلام فلجأوا لتأويل نصوص كثيرة في مسائل مشابهة لمسألة تولي المرأة للمناصب السيادية، فليست هذه المسألة فريدة في بابها في التعامل فيها مع النصوص بهذه الطريقة.

قال الصلابي في مقاله: "قد تكلمنا في هذه المسألة الجدلية؛ أيّ دور المرأة في تولي المناصب السيادية في كتابنا “البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة” (في المبحث الثامن، ص 217) وقد رددنا على من يقول بمنع المرأة من دخول البرلمان والانتخابات".

ثم ذكر د. علي الصلابي الحديث، ووجه الحديث عنده على أنه مختص بالفرس, لأن الحديث ورد في معرض سؤال عنهم، فتكون ولاية بوران بنت كسرى علامة على زوال ملكهم خاصة.

ولا بد أيها القارئ الكريم أن تعلم أنه حين يقوم الباحث بمعالجة مشكلة أن يكون متجردا فلا يجعل أفكاره المسبقة هي التي تقوده، بل سلامة مقدماته هي التي تقوده إلى النتائج إذا ما طبق منهج البحث العلمي الصحيح.

وإليك إيها القارئ الكريم سرد هذه النقاط في حلقات، لبيان مسلك د. علي الصلابي في نقض الاستدلال بالحديث، وبيان ما إذا كان وافق الصواب، أو جانبه، أو أصاب بعضا، وأخطأ بعضا.

وهذه حلقات تحاول فيها هذه الوريقات التماس الصواب في هذه المسألة، وذلك بتناول ما يلي:

-- بعض البواعث التي دفعت الصلابي ومن وافقه لتأويل هذا النص.

-- الفرق بين أهل العلم المختصين بالشريعة وبين الصلابي ومن وافقه في التعامل مع هذا النص بحسب القواعد الأصولية، دلالات هذا الفرق، وانسجامه مع البواعث والأفكار المسبقة التي انطلق منها د. علي الصلابي في الحكم على الحديث.

-- قصة ملكة سبأ, سياقها القرآني، ومدى انسجام دلالته على تجويز تولي المرأة المناصب السيادية والدولة الحديثة المسلمة، وهل وفق د. علي الصلابي في توظيفه للاستدلال على جواز تولي المرأة للمناصب السيادية؟




الحلقة الأولى:

البواعث على نقض الاستدلال بالحديث:

د. علي الصلابي عنده أن مسألة دخول المرأة في المناصب العليا مسألة جدلية، ولا يبدوا أنه هنا حرر مصطلحاته، فإنه يخاطب العامي، والمتخصص, كدارس الفلسفة وعلم الكلام، ودارس الفقه، وكل هؤلاء يختلف مفهومهم لما هو جدلي، ولو أذن في استبدالها بمصطلح شرعي أقرب لموافقة الحال لكان التعبير بأنها خلافية أولى، لأن الجدلي يدخل فيه ما عليه دليل، وما ليس عليه دليل، وما يناقش بغية الحق، وما يكون فيه الجدل من أجل اللجاج والخصام، وما له ثمرة وفائدة في الواقع، وفرضيات قد لا يكون لها وجود إلا في التصور الذهني، فهذه المسألة بالمعنى الواسع الفضفاض يمكن أن يقال عنها خلافية لا جدلية، على الأقل في وقتنا الراهن، وإلا فحيثياتها عند أهل الاختصاص فيها تفصيل، بين ما فيه إجماع شائع، وبين ما فيه خلاف، وترك هذا التفصيل يفضي إلى عدم سلامة النتائج.

وقد ناصر في هذه المسألة د. علي الصلابي القول بجواز دخول المرأة في هذه المناصب في كتابه (البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة).

وحتى لا يطول المقال أكثر مما هو عليه أترك لك أيها القارئ الكريم التأمل في تقديم الحداثة على الإسلام في عنوان الكتاب, فلماذا كان العنوان, (في الدولة الحديثة المسلمة)، ولم يكن (في الدولة المسلمة الحديثة)، وقد يبدو الأمر مجرد اتساع عبارة في اللغة العربية، وقد يكون صاحب العنوان لم يقصد إلى هذا التقديم والتأخير، لكن، إذا كان المقال في جواب إشكال يقرأه الناس بمختلف أصنافهم وانتماءاتهم الفكرية، فينبغي على أي أحد منا أن يراعي عباراته، وبالذات في المواضيع الحساسة، كموضوع الإسلام والحداثة، وفي سياق الجدل الكبير في مسألة الإسلام والحداثة، وتحديد نقاط الاتفاق والافتراق بينهما ينبغي على أي كاتب أن يراعي عباراته، فمن يقرأ عنوان الكاتب، -- وفيه تقديم الحداثة على الإسلام – تتبادر إلى ذهنه تساؤلات, هل مففهوم الدولة مما تناوله الإسلام أو أهمله؟ وهل الإسلام في ثبات أصوله وكماله وصلاحيته لكل زمان ومكان حدد الأطر العامة للدولة أم جعل ذلك لاجتهادات العقول؟ فيا ترى، هل وجدت الدولة الحديثة ولم يعرفها الإسلام وأقرها بعد ذلك، وهل تطبيق النصوص المحكمة، والنصوص المتشابهة التي ترد إلى المحكمة من نصوص الحكم في الإسلام تتعارض مع الدولة الحديثة أم توافقها، وإن كان ثمة فوارق فما نسبتها إلى المجموع الكلي العام للتوافق بينهما، وهل مسألة شكل الدولة التي هي من أشكال الحكم من مسائل الدين، أم من مسائل الدنيا، فإن كانت من مسائل الدنيا ف{أنتم أعلم بشؤون دنياكم}، وإن كانت من مسائل الدين, فهل هي من المسائل التوقيف، أم من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد، وإذا كانت مسألة الحكم – وهنا مربط الفرس – من المسائل الشرعية، فهل يقر الإسلام الدولة الحديثة بما فيها من انقسام للسلطات، ورأي الأغلبية، وغير ذلك، وإذا كانت بعض مسائل الحكم اجتهادية ومنها شكل الدولة، فلماذا لم تصرح النصوص ولا كتب السياسة الشرعية والقضاء بذلك؟

وأهم البواعث المستقاة من سطور مقال الصلابي باعثان:

الأول: مصادمة الحديث لما قرره في كتابه, (البرلمان والدولة الحديثة المسلمة):

فافتراض الصلابي لوجود دولة حديثة مسلمة يطوع فيها الإسلام للنهج الحداثي الغربي ينسجم مع قوله أن مسألة تولي المرأة المناصب السيادية في الدولة، فالكاتب إذن متحمس مع موجة المتغير، وعادة ما يضطر المتحمسون من أمثال الكاتب إلى تطويع النصوص إذا ما صادمت أفكاره المسبقة، أو الهجمة الشرسة في الواقع حول ما هو بصدد بحثه، أو خشيته من ردود الأفعال، بينما المنهج العلمي الصحيح يكمن في تطبيق قواعد أهل العلم بالتخصص الشرعي مع النصوص، فلا ينبغي لنا أن ننسى إذا ما تناولنا مسألة شرعية بالبحث أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهي ثابتة، وكذلك هي تستوعب ما يتماشى مع ثوابتها ونصوصها من التطورات وقواعد العلوم الشرعية المستقاة من النصوص ثابتة، وإنما الإشكال في تطبيق المجتهد كما سيأتي في بيان أقسام المسائل الشرعية، فينبغي أن يدرس الطارئ من المتطورات على وفق نصوصها، لا أن تطوع النصوص لتواكب المتغيرات، فالشريعة لا ترفض الحداثة بإطلاق، لكنها لا تستقبل إلا ما كان موافقا لأصولها وثوابتها ونصوصها المحكمة، ولذا لا تجد نصا شرعيا يدل في زمن ما على حل شيء معين مثلا ثم يأتي زمان آخر ويكون الشيء عينه فيه حراما، فالخمر محرمة حتى لو جاء بحث علمي في زمن من الأزمنة يثبت أن الخمر المعروفة بصفاتها وماهيتها عندنا وعند الزمن الأول الذي نزل فيه التشريع ليس فيها أي ضرر, لأن الشريعة من عند الله المحيط علمه بكل شيء، والأبحاث تتغاير وينقض بعضها بعضا، وهذا إنما يعلمه أهل الإيمان. ولا يمكن أن تكون السرقة مثلا حلالا في زمن من الأزمنة، حتى حين تقتضي الظروف تعطيل الحدود، أو في زمن يعطل فيه الحكم بما أنزل الله.

والمسائل في الشريعة, إما معلومة من الدين بالضرورة وقطعية إجماعية، وإما اجتهادية، وإما مسائل يحكم غير مستندة إلى دليل شرعي صحيح، أو تستند إلى استدلال غير صحيح، فمثلها ما يقال فيها بأنها من قبيل الضعيف أو الشاذ.

فأما المعلومة بالضرورة، أو الإجماعية إجماعا صحيحا فهي ثابتة بالنص أو الإجماع،وأما مسائل الاجتهاد إذا كانت محتملة للخلاف ولا قرينة، فيقال فيها إن الحكم في أصلها واحد، والحق واحد ليس بمتعدد، ف" لا تُسمَّى أحكامُها بالمتغيِّرات لأنها ثابتةٌ في حقيقة الأمر، وحكمُها واحدٌ معلومٌ عند الله، وقد جَعَلَ له أدلَّةً وأماراتٍ يُعرف بها، وإنما التغيير حاصلٌ في اجتهاد المجتهد ونظرِه الذي له فيه نصيبٌ بين الأجر والأجرين إذا اتَّقى اللهَ في اجتهاد"ه، أما الشاذ أو الضعيف فلا التفات للخلاف فيه، وبالذات إن خالف سنة صحيحة أو إجماعا شائعا، هكذا طريقة أهل الاختصاص في التعامل مع المسائل الشرعية، وليس من منهجهم تطويع النص أو تأويله تبعا لأفكار أو فرضيات مسبقة في أذهان الباحثين، فالمراد معرفة مراد الله لا مطاوعة كل جديد، وبهذا يعلم الخلل الكبير فيما يعرف بأسلمة المفاهيم الحداثية، فكثيرا ما يعمد مأسلموا هذه المفاهيم إلى إيجاد مداخل لهذه المفاهيم في الشريعة، فيعمد إلى أمور تكون نظرته إليها فضفاضة وتخفى عليه القيود التي في نصوص الشريعة لها، ومن ثمرات ذلك أن سمعنا بإسلام اشتراكي، وإسلام ليبرالي، وسمعنا بأنه لا تعارض بين العلمانية وبين الإسلام، وغيرها من المصطلحات، وهذا من العجب العجاب, أن يجمع الإسلام كل هذه التناقضات فيما بينها، أو أن يطوع الإسلام لمفاهيم تخالفه أو تناقضه في نفسه، كل هذا لأن من قالوا بهذا تأثروا بتلك النظريات, الاشتراكية، أو الليبرالية، وغيرها، وفي مرحلة الصدمة الثقافية أو الحضارية، يجد نفسه إما أن ينبذ الإسلام بالكلية، أو يشكك في بعض ما صادم نظريته التي تأثر بها، أو في أحسن أحواله يحاول أن يطوع الإسلام ويجد لنظريته المتأثر بها مداخل في الشرع الحنيف، بينما المطلوب منا أن نتعبد بالإسلام الذي أراده الله في أصوله وجزئياته، لا تلك المفاهيم المأسلمة قصرا.

ولا تضجر أيها القارئ الكريم، فهذه سطور ابتدئت بالنظر في المقدمات التي بنى عليها د. علي الصلابي نتائجه، وانتقدتها، ومن باب الإنصاف أن تعلم المقدمات التي بنيت عليها هذه السطور وتسلسلت إلى نتائجها، ليكون معيار حكم عليها بالمنهج العلمي الصحيح هو المعيار نفسه في حكم هذه السطور على رأي د. علي الصلابي في نقض الاستدلال بحديث. {لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة} على تولي المرأة للمناصب السيادية.

والحاصل أن هذا النص صادم ما قرره د. علي الصلابي في كتابه, (البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة)، لكن لما كان هذا النص صحيحا متواترا معنى احتاج إلى تأويله بدون النظر إلى ما قرره أهل العلم، وفي مقدمتهم الصحابة رواة الحديث، في المعنى المراد من هذا النص النبوي الشريف.

الباعث الثاني الذي ربما جعل د. علي الصلابي ومن سبقه في تأويل الحديث أو رده ما يظهر من مصادمة الحديث للواقع، فالقرآن كما يرى الصلابي في مقامه ذكر سيرة ناجحة لامرأة كانت على سدة الحكم، وهي ملكة سبأ، وعدد من الشخصيات في الواقع السياسي المعاصر ظهر نجاحها وتفوقها، والحق أن هذا التعارض الظاهر مما يمتحن به القلوب، فكم من نظريات أدلت بأمور وجد في القرآن أو السنة ما يبدو فيه التعارض معها، ومع أن مجال النسبية والتغير في النظريات العلمية مجالها واسع، والدين ثابت لأنه من عند الله، إلا أن كثيرا من الناس انعكست عندهم القضية، فتعاملوا مع بعض النظريات التي ظهر بينها وبين الشرع نوع تعارض بمعيار معكوس، وما ذلك إلا لشكل مقيت من أشكال التبعية الثقافية السيئة، مع أن النظرية العلمية قد تقال اليوم، ويظهر ما يكذبها غدا، وقد يكذبها من قال بها بالأمس.

قال الله عز وجل: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله]، روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآيات ثم قال: { فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ} لم يأمرنا بإيراد جواب على كل من يتبع ما تشابه منه، ثم قال الله عز وجل: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}, ولو لم نععلم حقيقته، {كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب}، فهل نحن بالتماسنا جوابا لكل ما خفي علينا علمه، أو ما ظهر لنا فيه التعارض في أذهاننا هل نحن سلكنا سبيل الراسخين في العلم؟: {يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، أم سلكنا سبيل من يتبع ما اشتبه على الكفار وضعاف الإيمان علمه، ولما كان ما اشتبه على الناس علمه فتنة عظيمة لمن لم يرسخ الإيمان في قلبه، كان من سبيل الراسخين في العلم أن ألهمهم الله عز وجل وعلمهم هذا الدعاء: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب}، فماذا لو نشر رجل صورة (ميركل) وتحتها حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل نحن مطالبون بالجواب على كل أحد؟ كثير من الشبهات ترد، ونخاف من سطوتها على العوام، وحين نرى العوام وغيرهم في الواقع نجدهم يتعاملون مع الأمر واقعا بما هو مركوز م في فطرهم مما يوافق الحق، وليس معنى ذلك أن ينام الداعية ملء جفونه بدون اتخاذ الأسباب التي من أهمها التوكل على الله، وطلب العلم الذي به تدفع الشبهات، لكن التعامل مع كل موقف بحسبه، فما يقتضي الإهمال يهمل، وما ينبغي الرد عليه يتصدى له.

لما جهل الناس هذه الحقائق كان موقفهم مع ما ظهر بينه وبين الشرع نوع تعارض متباينا, فمن الناس من يتذبذب في تدينه حتى يرتد، وعلى النقيض قد يدافع إنسان فيهرف بما لا يعرف متمحلا وجوه درء لهذا التعارض، فلا الأول حفظ دينه، ولا الثاني أزال الإشكال، بل قد يبدو أمام قرائه الدين في موقف الضعيف لأن من يتأثرون به كانت حجته ضعيفة، والوسط هو الحق, فما علمنا جوابه ذكرناه، وما لم نعلم جوابه وكلنا علمه إلى علام الغيوب حتى يجليه إن شاء، وقد وقع هذا في الزمن الأول والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الناس، فتارة حدث بما لا تحتمله العقول، فثبت المؤمنون بالغيب على إيمانهم، ونكص مرضى القلوب على أعقابهم، كما وقع في خبر الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وهو زمن يستحيل فيه وقوع ذلك عند من أعمل عقلا لا يؤمن إلا بالمحسوس، ولا إيمان لصاحبه، وتارة أخبرهم بما لم يدل الواقع الذي كانوا فيه على وقوعه، كحديث المسير من صنعاء إلى حضرموت في أمان حتى لا يخشى إلا الله، والراعي على غنمه من الذئب، وتارة كان يكل الأمر إلى علام الغيوب, فسأله من سأله عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فأجاب بما أوحى الله إليه في القصتين، فسرد عليهم منها ذكرا، وأجاب بما أوحى الله إليه بأن يكل علم الروح إلى باريها، فلم يأنف رسول الله وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن لا يجيب في الثالثة، مع أن خصومه قد يتجاهلون المسألتين الأوليين، ويتهمونه على الثالثة، فكان رد علمه لعلام الغيوب خير جواب ارتضاه خصومه قبل غيره، وكذلك فعل موسى عليه السلام حينما سؤل عن القرون الأولى لم يزد على قول: {علمها عند ربي في كتاب، لا يضل ربي ولا ينسى}، ولذا, كانت أول صفة امتدح الله بها عباده المؤمنين في سورة البقرة في قوله: {الذين يؤمنون بالغيب}، ومن الغيب ما استأثر الله عز وجل بعلمه، ومنه ما يعلمه عبد ويخفى على غيره، ومنه ما يكون غيبا في وقت ويظهر في غيره, كحديث المسير من صنعاء إلى حضرموت في أمان، وقد مر الإشارة إليه، فعدم الجواب عما لا نعلمه فضلا عما هو غيب ليس منقصة، ولم يطعن في رسالة الرسل الذين فعلوا ذلك ليكون طعنا في الإسلام بعد انتهاء بعث الرسل، لكن، المسلم صحيح الإسلام يبتلى بمثل هذا, أن يورد عليه من هذه الشبهات، فالعامي لا يستمع إليها ولا يدخل فيها لئلا يفتن عن دينه، والدعاة لا يتجاسرون على جوابها بلا علم أو بما يظهر الشريعة في مظهر الضعف وعدم الإقناع، وإنما يستدل على ما آمن به ولم يعلم خبره بما آمن به وتبين خبره، من باب الاستدلال على ما لم يقع بما وقع، فهذا عدي بن حاتم يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاريفيقول: { بيْنَا أنَا عِنْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذْ أتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: يا عَدِيُّ، هلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟ قُلتُ: لَمْ أرَهَا، وقدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: فإنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطُوفَ بالكَعْبَةِ، لا تَخَافُ أحَدًا إلَّا اللَّهَ -قُلتُ فِيما بَيْنِي وبيْنَ نَفْسِي: فأيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قدْ سَعَّرُوا البِلَادَ؟!- ولَئِنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، قُلتُ: كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ؟ قَالَ: كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ، ولَئِنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَن يَقْبَلُهُ منه، فلا يَجِدُ أحَدًا يَقْبَلُهُ منه، ...} الحديث، وفي آخره: { قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطُوفَ بالكَعْبَةِ، لا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ، وكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ، ولَئِنْ طَالَتْ بكُمْ حَيَاةٌ، لَتَرَوُنَّ ما قَالَ النَّبيُّ أبو القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ...} الحديث.

والخلاصة أن التهكم وتهمة التخلف، وإثارة الشبه ليست أسبابا كافية تدعو إلى تأويل الحديث أو رده، ولا تلغي فهما ساد لقرون طويلة عند علماء الإسلام وفي مقدمتهم من روى الحديث كما سيأتي بيانه إن شاء الله ونشر هذا المقال.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

أسامة عبد الله محمد.